← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وظهوره لهما (١) هو في الدّار الآخرة، وفي البرزخ دون ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧١ - ٧٢]. وفي هذه الدار دون ما في البرزخ، ولكن يمنع من الإحساس به الاستغراقُ في سَكرة الشّهوات، وطرحُ ذلك عن القلب، وعدمُ التفكُّر فيه. والعبد قد يصيبه ألمٌ حسِّيٌّ فيطرحه عن قلبه، ويقطع التفاته عنه، ويجعل إقباله على غيره إلى (٢) أن لا يشعر به جملةً، فلو زال عنه ذلك الالتفات لصاح من شدَّة الألم، فما الظّنُّ بعذاب القلوب وآلامها؟ وقد جعل الله تعالى للحسنات والطاعات آثارًا محبوبةً لذيذةً طيِّبةً، لذَّتها فوق لذَّة المعصية بأضعافٍ مضاعفةٍ، لا نسبة لها إليها، وجعل للسيِّئات والمعاصي آلامًا وآثارًا مكروهةً وحزازاتٍ (٣) تُرْبي على لذَّة تناولها بأضعافٍ مضاعفةٍ، قال ابن عبّاسٍ ﵄: «إنّ للحسنة نورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وقوّةً في البدن، وزيادةً في الرِّزق، ومحبَّةً في قلوب الخلق. وإنّ للسيِّئة سوادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، ووَهَنًا في البدن، ونقصًا (٤) في الرِّزق، وبِغضةً في قلوب الخلق» (٥). وهذا يعرفه صاحب البصيرة ويشهده من نفسه ومن غيره.

стр. 772

فما حصل للعبد حالٌ مكروهةٌ قطُّ إلّا بذنبٍ، وما يعفو الله عنه أكثر. وقال (١) تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال لخيار خلقه وأصحاب نبيِّه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، والمراد بالحسنة والسيِّئة هنا النِّعم والمصائب التي تصيب العبد من الله، ولهذا قال: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ ولم يقل: «ما أصبت». فكلُّ نقصٍ وبلاءٍ وشرٍّ في الدُّنيا والآخرة فبسبب الذُّنوب ومخالفةِ أوامر الرّبِّ تعالى، فليس في العالم شرٌّ قطُّ إلّا الذُّنوب وموجباتها. وآثار الحسنات والسيِّئات في القلوب والأبدان والأموال أمرٌ مشهود في العالم، لا ينكره ذو عقلٍ سليمٍ، بل يعرفه المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر. وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره وتأمُّلُه ومطالعته ممّا يقوِّي إيمانه بما جاءت به الرُّسل، وبالثواب والعقاب، فإنَّ هذا عدل مشهود محسوس في هذا العالم، ومثوبات وعقوبات عاجلةٌ دالَّةٌ على ما هو أعظم منها لمن كانت له بصيرة، كما قال لي (٢) بعض النّاس: إذا صدر منِّي ذنبٌ ولم أبادره ولم

стр. 773

أتداركه بالتّوبة (١) انتظرت أثره السيِّئ، فإذا أصابني ــ أو (٢) فوقه أو دونه ــ كما حسبت يكون هجِّيراي: أشهد أن لا إله إلَّا الله (٣)، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله. ويكون ذلك من شواهد الإيمان وأدلَّته، فإنَّ الصادق متى أخبرك أنَّك إذا فعلت كذا وكذا ترتّب عليه من المكروه كذا وكذا، فجعلت كلَّما فعلت شيئًا من ذلك حصل لك ما قال من المكروه= لم تزدد إلّا علمًا بصدقه وبصيرةً فيه، وليس هذا لكلِّ أحدٍ، بل أكثر النّاس تَرِين الذُّنوبُ على قلبه، فلا يشهد شيئًا من ذلك ولا يشعر به البتَّة. وإنَّما يكون هذا لقلبٍ فيه نور الإيمان، وأهوية الذُّنوب والمعاصي تعصف فيه، فهو يشاهد هذا وهذا، ويرى حال مصباح إيمانه مع قوَّة تلك الأهوية والرِّياح، فيرى نفسه كراكب البحر عند هَيَجان الرِّيح (٤) وتقلُّب السّفينة وتكفُّئها، ولاسيَّما إذا انكسرت به وبقي على لوحٍ تلعب به الرِّياح، فهكذا المؤمن يشاهد نفسه عند ارتكاب الذُّنوب إذا أريد به الخير، وإن أريد به غير ذلك فقلبه في وادٍ آخر. ومتى انفتح هذا الباب للعبد انتفع بمطالعة تاريخ العالم وأحوال الأمم وماجَرَيات (٥) الخلق، بل انتفع بماجَرَياتِ (٦) أهلِ زمانه وما يشاهده من

стр. 774

أحوال النّاس، وفَهِم حينئذٍ معنى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. وكل ما تراه في الوجود من شرٍّ وألمٍ وعقوبةٍ وجدبٍ وخوفٍ ونقصٍ في نفسك وفي غيرك فهو من قيام الرّبِّ تعالى بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد (١) ظالمٍ فالمسلِّط له أعدل العادلين، كما قال تعالى لمن أفسد في الأرض: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥]. فالذُّنوب مثل السُّموم مضرَّةٌ بالذَّات، فإنْ تدارَكها مِن سقيٍ بالأدوية المقاومة لها، وإلّا قهرت القوَّة الإيمانيّة وكان الهلاك، كما قال بعض السّلف: المعاصي بريد الكفر، كما أنَّ الحُمَّى بريد الموت (٢). فشهود العبد نقصَ حاله إذا عصى ربّه، وتغيُّرَ القلوب عليه، وجفولَها منه، وانسدادَ الأبواب في وجهه، وتوعُّرَ المسالك عليه، وهوانَه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه؛ وتطلُّبُ (٣) سبِب ذلك حتّى يعلم من أين أُتي؛ ووقوعُه (٤) على السّبب الموجِب لذلك= ممّا (٥) يقوِّي إيمانه. فإن أقلع

стр. 775

وباشر الأسباب التي تُفضي به إلى ضدِّ هذه الحال، ورأى العزَّ بعد الذُّلِّ، والغنى بعد الفقر، والسُّرور بعد الحزن، والأمن بعد الخوف، والقوّة في قلبه بعد ضعفه ووهنه= ازداد إيمانًا مع إيمانه، فتَقْوى شواهدُ الإيمان في قلبه وبراهينُه وأدلَّتُه في حال معصيته وطاعته، فهذا من الذين يكفِّرُ الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون. وصاحب هذا المشهد متى تبصَّر فيه وأعطاه حقَّه صار من أطبَّاء القلوب العالمين بدائها ودوائها، فنفعه الله في نفسه، ونفع به من شاء من خلقه. فصل المشهد العاشر: مشهد الرّحمة ، فإنَّ العبد إذا وقع في الذّنب خرج من قلبه تلك الغلظة والقسوة والكيفيّة الغضبيَّة التي كانت عنده لمن صدر منه ذنبٌ، حتّى لو قَدَر عليه لأهلكه، وربما دعا الله عليه أن يُهلكه ويأخذه، غضبًا منه لله وحرصًا على أن لا يُعصى، فلا يجد في قلبه رحمةً للمذنبين (١) الخطَّائين، ولا يراهم إلّا بعين الاحتقار والازدراء، ولا يذكرهم إلّا بلسان الطّعن فيهم والعيب لهم والذّمِّ. فإذا جرت عليه المقادير وخُلِّي ونفسَه استغاث بالله والتجأ إليه، وتململ بين يديه تململ السَّليم (٢)، ودعاه دعاء المضطرِّ، فتبدّلت تلك الغلظة على المذنبين رقّةً، وتلك القساوة (٣) على الخطَّائين رحمةً (٤)، مع

стр. 776

قيامه بحدود الله، وتبدَّل دعاؤه عليهم دعاءً لهم، وجعل لهم وظيفةً من عمره يسأل الله فيها أن يغفر لهم. فما أنفعَه له من مشهدٍ، وما أعظَمَ جدواه عليه! فصل فيورثه ذلك: المشهدَ الحادي عشر، وهو مشهد العجز والضّعف، وأنّه أعجز شيءٍ عن حفظ نفسه وأضعف، وأنّه لا قوّة له ولا قدرة ولا حول (١) إلّا بربِّه، فيشهد قلبَه كريشةٍ ملقاةٍ بأرضِ فلاةٍ تُسيِّرها الرِّياح يمينًا وشمالًا، ويشهد نفسه كراكب سفينةٍ في البحر تهيج بها الرِّياح وتتلاعب بها الأمواج، ترفعها تارةً وتخفضها أخرى (٢). تجري عليه أحكام القدر وهو كالآلة طريحًا بين يدي وليِّه، ملقًى ببابه، واضعًا خدّه على ثرى أعتابه، لا يملك لنفسه ضَرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ليس له من نفسه إلَّا الجهل والظُّلم وآثارهما ومقتضياتهما، فالهلاك أدنى إليه من شراك نعله، كشاةٍ ملقاةٍ بين الذِّئاب والسِّباع لا يردُّهم عنها إلّا الرّاعي، فلو تخلّى عنها طرفة عينٍ لتقاسموها أعضاءً، هكذا حال العبد ملقًى بين الله وبين أعدائه من شياطين الإنس والجنِّ، فإن حماه منهم وكفَّهم عنه لم يجدوا إليه سبيلًا، وإن تخلَّى عنه ووَكَله إلى نفسه طرفة عينٍ لم ينقسم عليهم، بل هو نصيب من ظفر به منهم. وفي هذا المشهد يعرف نفسه حقًّا، ويعرف ربَّه، وهذا أحد التأويلات

стр. 777

للكلام المشهور: «من عرف نفسه عرف ربَّه»، وليس (١) حديثًا عن رسول الله ﷺ ، وإنَّما (٢) هو أثرٌ إسرائيليٌّ بغير هذا اللّفظ أيضًا (٣): «يا إنسان اعرِفْ نفسك تعرف ربّك» (٤)، وفيه ثلاث تأويلاتٍ: أحدها: أنّ من عرف نفسه بالضّعف عرف ربَّه بالقوّة، ومن عرفها بالعجز عرف ربَّه بالقدرة، ومن عرفها بالذُّلِّ عرف ربَّه بالعزِّ، ومن عرفها بالجهل عرف ربّه بالعلم، فإنّ الله سبحانه استأثر بالكمال المطلق والحمد والثّناء والمجد والغنى، والعبد فقيرٌ ناقصٌ محتاجٌ، وكلّما ازدادت معرفة العبد بنقصه وعيبه وفقره وذلِّه وضعفه ازدادت معرفته لربِّه بأوصاف كماله. التأويل الثاني: أنّ من نظر إلى نفسه وما فيها من الصِّفات الممدوحة (٥) من القوَّة والإرادة والكلام والمشيئة والحياة، عرف أنَّ من أعطاه ذلك وخلقه فيه أولى به (٦)، فمعطي الكمال أحقُّ بالكمال، فكيف يكون العبد حيًّا متكلِّمًا سميعًا بصيرًا مريدًا عالمًا يفعل باختياره، ومَن خَلَقه وأوجده لا يكون أولى بذلك منه؟ فهذا من أعظم المحال، بل من جعل العبد متكلِّمًا أولى أن يكون هو متكلِّمًا، ومن جعله حيًّا عليمًا سميعًا بصيرًا فاعلًا قادرًا أولى أن يكون كذلك. فالتّأويل الأوّل من باب الضِّدِّ، وهذا من باب الأولويَّة.

стр. 778

والتأويل الثالث: أنّ هذا من باب النّفي، أي كما أنّك لا تعرف نفسك التي هي أقرب الأشياء إليك، فلا (١) تعرف حقيقتها، ولا ماهيَّتها ولا كيفيَّتها، فكيف تعرف حقيقة ربّك وكيفيّة صفاته؟ والمقصود: أنَّ في هذا المشهد يعرِف العبد أنَّه عاجزٌ ضعيفٌ، فتزول عنه رعونات الدّعاوي، والإضافات إلى نفسه، ويعلم أنّه ليس له من الأمر شيءٌ وليس بيده شيء، إن هو إلّا محض الفقر والعجز والضَّعف. فصلٌ فحينئذٍ يطلع منه على المشهد الثاني عشر، وهو مشهد الذُّلِّ والانكسار والخضوع والافتقار للربِّ ﷻ ، فيشهد في كلِّ ذرّةٍ من ذرّاته الباطنة والظّاهرة ضرورةً تامّةً وافتقارًا تامًّا إلى ربِّه ووليِّه، ومن بيده صلاحُه وفلاحه، وهداه وسعادته، وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة (٢) حقيقتها، وإنّما تُدرك بالحصول، فيحصل لقلبه كسرةٌ خاصّةٌ لا يشبهها شيء، بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل، الذي لا شيء فيه، ولا به ولا منه، ولا فيه منفعة، ولا يُرغَب في مثله، وأنّه لا يصلح للانتفاع إلّا بجبرٍ جديدٍ من صانعه وقيِّمه، فحينئذٍ يستكثر في هذا المشهد ما مِن ربِّه إليه من الخير، ويرى أنَّه لا يستحقُّ منه قليلًا (٣) ولا كثيرًا، فأيُّ خيرٍ ناله من الله تعالى استكثره على نفسه، وعلم أنّ قدره دونه، وأنّ رحمة ربِّه اقتضت ذكره به

стр. 779

وسياقته إليه، واستقلَّ ما من نفسه من الطّاعات لربِّه، ورآها ولو ساوت طاعات (١) الثّقلين من أقلِّ (٢) ما ينبغي لربِّه عليه، واستكثر قليل معاصيه وذنوبه، فإنّ الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كلَّه. فما أقربَ الجبرَ (٣) من هذا القلب المكسور، وما أدنى النصرَ والرحمةَ والرِّزق منه، وما أنفعَ هذا المشهدَ له وأجداه عليه! وذرّةٌ من هذا ونَفَسٌ منه أحبُّ إلى الله من طاعاتٍ أمثال الجبال من المُدلِّين المُعجَبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم، وأحبُّ القلوب إلى الله تعالى قلبٌ قد تمكّنت منه هذه الكسرة وملكته هذه الذِّلَّة، فهو ناكس الرّأس بين يدي ربِّه تعالى، لا يرفع رأسه إليه حياءً وخجلًا من الله تعالى. قيل لبعض العارفين (٤): أيسجد القلب؟ قال: نعم، يسجد سجدةً لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللِّقاء، فهذا سجود القلب. فقلبٌ لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجدٍ السُّجودَ المراد منه، وإذا سجد القلب لله هذه السّجدة العظمى سجدت معه جميع (٥) الجوارح، وعنا الوجهُ حينئذٍ للحيِّ القيُّوم، وخشع الصَّوت والجوارح كلُّها، وذلّ

стр. 780

العبد وخضع واستكان، ووضع خدَّه على عتبة العبوديّة ناظرًا بقلبه إلى ربِّه ووليِّه نظر الذّليل إلى العزيز الرّحيم، فلا يُرى إلّا متملِّقًا لربِّه خاضعًا له، ذليلًا مستكينًا (١) مستعطفًا له، يسأله عطفه ورحمته، فهو يترضّى ربّه كما يترضَّى المحبُّ الكاملُ المحبَّةِ محبوبَه المالكَ له الذي لا غنى له عنه ولا بدَّ له منه، فليس له همٌّ غير استرضائه واستعطافه، لأنّه لا حياة له ولا فلاح إلّا في قربه ورضاه عنه ومحبَّته له (٢)، يقول (٣): كيف أُغضِب مَن حياتي في رضاه؟ وكيف أعدل عمَّن سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه وحبِّه وذِكره؟ وصاحب هذا المشهد يشهد نفسه كرجلٍ كان في كنف أبيه يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللِّباس، ويربِّيه أحسن التّربية (٤)، ويرقِّيه في درجات الكمال أتمَّ ترقيةٍ، وهو القيِّم بمصالحه كلِّها، فبعثه أبوه في حاجةٍ له، فخرج عليه في الطريق (٥) عدوٌّ فأسره وكَتَفه وشدَّه وثاقًا، ثمّ ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب، وعامله بضدِّ ما كان أبوه يعامله به، فهو يتذكّر تربية والده وإحسانَه إليه الفينة بعد الفينة، فيَهيج من قلبه لواعج الحسرات (٦) كلَّما رأى حاله وتذكَّر ما كان فيه (٧)، فبينا هو في أسر عدوِّه يسومه سوء

стр. 781

العذاب ويريد نحره في آخر الأمر، إذ حانت منه التفاتةٌ إلى نحو ديار (١) أبيه فرأى أباه منه قريبًا، فسعى إليه وألقى نفسه عليه، يستغيث: يا أبتاه، يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه، ودموعه تستبق على خدَّيه، قد اعتنقه والتزمه، وعدوُّه في طلبه حتّى وقف على رأسه، وهو ملتزمٌ لوالده ممسكٌ له، فهل تقول: إنّ والده يسلمه مع (٢) هذه الحال إلى عدوِّه ويخلِّي بينه وبينه؟ فما الظّنُّ بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده والوالدة بولدها إذا فرَّ إليه، وهرب من عدوِّه إليه، وألقى نفسَه طريحًا ببابه، يمرِّغ خدّه في ثَرى أعتابه باكيًا بين يديه، يقول: يا ربِّ، يا ربِّ، ارحم من لا راحم له سواك، ولا وليَّ له سواك (٣)، ولا ناصر له سواك (٤)، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك؛ مسكينك وفقيرك، وسائلك ومؤمِّلك ومرجِّيك، لا ملجا ولا منجا له منك إلّا إليك، أنت ملاذه وبك معاذه. يا من ألوذ به فيما أؤمِّله ... ومن أعوذ به فيما (٥) أحاذره لا يجبر النّاس عظمًا أنت كاسِرُه ... ولا يَهيضُون عظمًا أنت جابره (٦) فإذا استبصر في هذا المشهد، وتمكَّن (٧) من قلبه وباشره, وذاق طعمه

стр. 782

وحلاوته= ترقَّى (١) منه إلى: المشهد الثالث عشر، وهو الغاية التي شمَّر إليها السَّالكون، وأَمَّها القاصدون، ولحظ إليها العاملون. وهو مشهد العبوديَّة والمحبَّة، والشوق إلى لقائه، والابتهاج (٢) والفرح والسُّرور به، فتقرُّ به عينه، ويسكن إليه قلبه، وتطمئنُّ إليه جوارحه، ويستولي ذكرُه على لسان محبِّه وقلبه، فتصير خطرات المحبّة مكان خطرات المعصية، وإرادةُ التقرُّب إليه ومرضاته (٣) مكان إرادة معاصيه ومساخطه، وحركاتُ اللِّسان والجوارح بالطّاعات مكان حركاتها بالمعاصي، قد امتلأ قلبه من محبّته، ولهج لسانه بذكره، وانقادت الجوارح لطاعته، فإنّ هذه الكسرة الخاصّة لها تأثيرٌ عجيبٌ في المحبَّة لا يُعبَّر عنه. ويحكى عن بعض العارفين قال (٤): دخلت على الله من أبواب الطّاعات كلِّها، فما دخلت من بابٍ إلّا رأيت عليه الزِّحام فلم أتمكَّن من الدُّخول، حتّى جئت باب الذُّلِّ والافتقار، فإذا هو أقرب بابٍ إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوِّق، فما هو (٥) إلَّا أن وضعتُ قدمي في عَتَبته فإذا هو قد أخذ بيدي وأدخلني عليه.

стр. 783

وكان شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ يقول: من أراد السعادة الأبديَّة فليلزم عتبة العبوديَّة (١). وقال بعض العارفين: لا طريق أقربُ إلى الله من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا ينفع مع الإعجاب والكبر عملٌ واجتهادٌ، ولا يضرُّ مع الذُّلِّ والافتقار بطالةٌ، يعني بعد فعل الفرائض. والقصد: أنّ هذه الذِّلّة والكسرة الخاصة تُدخله على الله، وترميه على طريق المحبّة، فيفتح له منها بابٌ لا يفتح له من غير هذا الطّريق، وإن كانت طرق سائر الأعمال والطّاعات تفتح للعبد أبوابًا من المحبّة، لكنَّ الذي يُفتح منها من طريق الذلِّ والانكسار والافتقار وازدراء النّفس، ورؤيتِها بعين الضّعف والعجز والعيب والنّقص والذّمِّ بحيث يشاهدها ضيعةً وعجزًا وتفريطًا وذنبًا وخطيئةً= نوعٌ آخر وفتحٌ آخر. والسالك بهذا (٢) الطّريق غريبٌ في النّاس، هُم في وادٍ وهو في وادٍ، وهي تسمَّى طريقة (٣) الطَّير، يسبق النّائمُ فيها على فراشه السُّعاة، فيصبح وقد قطع الرَّكب، بينا هو يحدِّثك وإذا به قد سبق الطَّرف وفات السُّعاة، فالله المستعان وهو خير الغافرين. وهذا الذي حصل له من آثار محبّة الله له (٤) وفرحه بتوبة عبده، فإنَّه

стр. 784

سبحانه يحبُّ التوَّابين (١) ويفرح بتوبتهم أعظم فرحٍ وأكملَه. فكلّما طالع العبد منَّته سبحانه (٢) قبل الذَّنب، وفي حال مواقعة الذنب، وبعد الذنب (٣)، وبرَّه به وحلمه عنه، وإحسانه إليه= هاجت من قلبه لواعج محبّته والشّوق إلى لقائه، فإنَّ القلوب مجبولةٌ على حبِّ من أحسن إليها، وأيُّ إحسانٍ أعظم من إحسان من يبارزه العبد بالمعاصي وهو يمدُّه بنعمه، ويعامله بألطافه، ويسبل عليه ستره، ويحفظه من خطفات أعدائه المترقِّبين له أدنى عثرةٍ ينالون منه بها بغيتهم، ويردُّهم عنه، ويحول بينهم وبينه؟ وهو في ذلك كلِّه بعَينه، يراه ويطَّلع عليه، فالسَّماء تستأذن ربَّها أن تحصبه، والأرض تستأذنه أن تخسف به، والبحر يستأذنه أن يغرقه، كما في «مسند الإمام أحمد ﵁» (٤) عن النبيِّ ﷺ : «ما من يومٍ إلّا والبحر يستأذن ربَّه أن يغرق بني آدم، والملائكة تستأذنه أن تعاجله وتهلكه، والرّبُّ تعالى يقول: دعوا عبدي، فأنا أعلم به إذ

стр. 785

أنشأته من الأرض، إن كان عبدكم فشأنكم به، وإن كان عبدي فمنِّي إلى (١) عبدي، وعزَّتي وجلالي إن أتاني ليلًا قبلته، وإن أتاني نهارًا قبلته، وإن تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، وإن تقرّب منِّي ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، وإن مشى إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني أقلته، وإن تاب إليَّ تبت عليه؛ من أعظم منِّي جودًا وكرمًا وأنا الجواد الكريم؟ عبيدي يبيتون يبارزوني (٢) بالعظائم وأنا أكلؤهم في مضاجعهم وأحرسهم على فرشهم، مَن أقبل إليَّ تلقَّيته من بعيدٍ، ومن ترك لأجلي أعطيتُه فوق المزيد، ومن تصرَّف بحولي وقوَّتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردتُ ما يريد، أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من المعايب». ولنقتصر على هذا القدر من ذكر التَّوبة وأحكامها وثمراتها، فإنّه ما أطيل الكلامُ فيها إلّا لفرط الحاجة والضرورة إلى معرفتها، ومعرفة أحكامها وتفاصيلها ومسائلها، والله الموفِّق لمراعاة (٣) ذلك والقيام به عملًا وحالًا كما وفَّق له علمًا ومعرفةً، فما خاب من توكَّل عليه ولاذ به ولجأ إليه، ولا حول ولا قوَّة إلّا بالله. * * * *

стр. 786

فصل فقد علمت أنَّ من نزل في منزل التَّوبة وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام، وأنَّ التّوبة الكاملة متضمِّنةٌ لها وهي مندرجة فيها، ولكن لا بدّ من إفرادها بالذِّكر والتّفصيل تبيينًا لحقائقها وخواصِّها وشروطها. فإذا استقرّت قدمه في منزل التّوبة نزل بعده منزل الإنابة ، وقد أمر به تعالى (١) في كتابه، وأثنى على خليله به، فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]. وأخبر أنّ آياته إنّما يتبصّر بها ويتذكّر أهل الإنابة فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨]، وقال تعالى: ﴿(١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ وَيُنزِلُ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ﴾ [غافر: ١٣]. وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١]، و ﴿مُنِيبِينَ﴾ منصوبٌ على الحال من الضّمير المستكنِّ في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾، لأنّ هذا الخطاب له ولأمَّته، أي: أقم وجهك أنت وأمّتك منيبين إليه، نظيره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، ويجوز أن يكون حالًا من المفعول في قوله ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

стр. 787

أي: فطرهم منيبين إليه، فلو خُلُّوا وفِطَرَهم لما عَدَلتْ عن الإنابة إليه، ولكنَّها تُحوَّل وتغيَّر عمَّا فطرت عليه، كما قال ﷺ : «ما من مولودٍ إلّا يولد على هذه الملَّة (١) حتى يُعرِب عنه لسانُه» (٢). وقال عن نبيِّه داود ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]. وأخبر أنّ ثوابه وجنّته لأهل الخشية والإنابة فقال: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [ق: ٣١ - ٣٤]. وأخبر سبحانه أنَّ البشرى منه إنّما هي لأهل الإنابة فقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]. والإنابة إنابتان: إنابة لربوبيّته، وهي إنابة المخلوقات كلِّها، يشترك فيها المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣]، فهذا عامٌّ في حقِّ كلِّ داعٍ أصابه ضرٌّ، كما هو الواقع، وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام، بل تجامع الشِّرك والكفر، كما قال تعالى في حقِّ هؤلاء: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [الروم: ٣٣ - ٣٤] فهذا حالهم بعد إنابتهم.

стр. 788

والإنابة الثانية: إنابةُ أوليائه، وهي إنابةٌ لإلهيَّته إنابةَ عبوديّةٍ ومحبّةٍ. وهي تتضمّن أربعة أمورٍ: محبّته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عمَّا سواه، فلا يستحقُّ اسم المنيب إلَّا من اجتمعت فيه هذه الأربعة، وتفسير السّلف لهذه اللفظة يدور على ذلك. وفي اللَّفظة معنى الإسراع والرُّجوع والتّقدُّم، فالمنيب إلى الله المسرع إلى مرضاته، الراجع إليه كلَّ وقتٍ، المتقدِّم إلى محابِّه. قال صاحب «المنازل» (١): (الإنابة في اللُّغة الرُّجوع، وهي هاهنا الرُّجوع إلى الحقِّ. وهي ثلاثة أشياء: الرُّجوع إلى الحقِّ إصلاحًا، كما رجع إليه اعتذارًا؛ والرُّجوع إليه وفاءً، كما رجع إليه عهدًا؛ والرُّجوع إليه حالًا، كما رجع إليه إجابةً). لمَّا كان التائب قد رجع إلى الله بالاعتذار والإقلاع عن معصيته، كان من تتمَّة ذلك رجوعُه إليه بالاجتهاد والنُّصح في طاعاته (٢)، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقال: ﴿(١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]؛ فلا تنفع توبةٌ وبطالةٌ، فلا بدَّ من توبةٍ وعملٍ صالحٍ: تركٌ (٣) لما يَكره وفعلٌ لما يحبُّ، تخلٍّ عن معصيته وتحلٍّ بطاعته.

стр. 789

وكذلك الرُّجوع إليه بالوفاء بعهده؛ كما رجعت إليه عند أخذ العهد عليك، فرجعت إليه بالدُّخول تحت عهده أوَّلًا= فعليك بالرُّجوع بالوفاء بما عاهدته عليه ثانيًا. والدِّين كلُّه عهدٌ ووفاءٌ، فإنَّ الله أخذ عهده على جميع المكلَّفين بطاعته، فأخذ عهده على أنبيائه ورسله على لسان ملائكته، أو منه إلى الرسول بلا واسطةٍ كما كلَّم موسى، وأخذ عهده على الأمم بواسطة الرُّسل، وأخذ عهده على الجهَّال بواسطة العلماء، فأخذ عهده على هؤلاء بالتعليم، وعلى هؤلاء بالتعلُّم، ومدَحَ المُوفِين بعهده، وأخبرهم بما لهم عنده من الأجر فقال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] (١)، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهذا يتناول عهودهم مع الله بالوفاء له بالإخلاص والإيمان والطَّاعة، وعهودهم مع الخلق. وأخبر النبيُّ ﷺ أنَّ من علامات النِّفاق الغدرَ بعد العهد (٢). فما أناب إلى الله من خان عهده وغدر به، كما أنَّه لم يُنِب (٣) إليه من لم يدخل تحت عهده، فالإنابة لا تتحقَّق إلَّا بالتزام العهد والوفاء به.

стр. 790

وقوله: (والرُّجوع إليه حالًا، كما رجعت (١) إليه إجابةً)، أي: هو سبحانه قد دعاك فأجبتَه بلبَّيك وسعديك قولًا، فلا بدَّ من الإجابة حالًا تصدِّق به المقال، فإنَّ الأحوال تصدِّق الأقوال أو تكذِّبها، وكلُّ قولٍ فلصدقه وكذبه شاهدٌ من حال قائله؛ فكما رجعت إليه إجابةً بالمقال، فارجِعْ إليه إجابةً بالحال. قال الحسن ﵀: ابنَ آدم، لك قولٌ وعملٌ، وعملك أولى بك من قولك؛ ولك سريرةٌ وعلانيةٌ، وسريرتك أَمْلَكُ بك من علانيتك (٢). فصل قال (٣): (وإنَّما يستقيم الرُّجوع إليه إصلاحًا بثلاثة أشياء: بالخروج من التّبعات، والتّوجُّع للعثرات، واستدراك الفائتات). (الخروج من التّبعات) هو بالتَّوبة من الذُّنوب التي بين العبد وبين الله تعالى، وأداءِ الحقوق التي عليه للخلق. (والتّوجُّع للعثرات) يحتمل شيئين: أحدهما: أن يتوجَّع لعثرته إذا عثر، فيتوجَّع قلبه وينصدع، فهذا دليلٌ على إنابته إلى الله، بخلاف من لا (٤) يتألَّم قلبه ولا ينصدع من عثرته، فإنّه دليلُ فساد قلبه وموته.

стр. 791

الثاني: أن يتوجَّع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر، حتَّى كأنَّه هو الذي (١) عثر بها، ولا يَشْمَت به، فهو دليلٌ على رقّة قلبه وإنابته. (واستدراك الفائتات) هو استدراك ما فاته من طاعةٍ وقربةٍ بأمثالها أو خيرٍ منها، ولاسيّما في بقيَّة عمره عند قرب رحيله إلى الله تعالى، فبقيَّة عمر المؤمن لا قيمة لها (٢)، يستدرك بها ما فات، ويُحيي بها ما أمات. فصل قال (٣): (وإنَّما يستقيم الرُّجوع إليه وفاءً (٤) بثلاثة أشياء: بالخلاص من لذَّة الذّنب، وبترك (٥) الاستهانة بأهل الغفلة تخوُّفًا عليهم مع الرَّجاء لنفسك، وبالاستقصاء في رؤية علَّة (٦) الخدمة). إذا صَفَتْ له الإنابةُ إلى ربِّه تخلَّص من الفكرة في لذَّة الذنب، وعاد (٧)

стр. 792

مكانها ألمًا وتوجُّعًا لذكره والفكرة فيه، فما دامت لذَّة الفكر (١) فيه موجودةً في قلبه فإنابته غير صافيةٍ. فإن قيل: أيُّ الحالين أعلى: حال من يجد لذَّة الذنب في قلبه فهو يجاهدها لله ويتركها من خوفه ومحبَّته وإجلاله، أو حال من ماتت لذّة الذنب في قلبه وصار مكانها ألمًا وتوجُّعًا وطمأنينةً إلى ربِّه وسكونًا إليه والتذاذًا بحبِّه وتنعُّمًا بذكره؟ قيل: حال هذا أرفع وأكمل، وغاية صاحب المجاهدة أن يجاهد نفسه حتَّى يصل إلى مقام هذا ومنزلته، ولكنَّه تاليه في المنزلة والقربِ ومنوطٌ به. فإن قيل: فأين أجر مجاهدة صاحب اللَّذَّة، وتركِه محابَّه لله، وإيثارِه رضى الله على هواه؟ وبهذا كان النوع الإنسانيُّ أفضل من النّوع الملكيِّ عند أهل السنَّة (٢) وكانوا خيرَ البريَّة، والمطمئنُّ قد استراح من (٣) هذه المجاهدة وعُوفي منها، فبينهما من التَّفاوت ما بين درجة المعافى والمُبتلى. قيل: النّفس لها ثلاثة أحوالٍ: الأمر بالذَّنب، ثمَّ اللَّوم عليه والنَّدم منه، ثمَّ الطُّمأنينة إلى ربِّها والإقبال بكلِّيَّتها عليه، وهذه الحال أعلى أحوالها وأرفعُها. وهي التي يشمِّر إليها المجاهد، وما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره فهو لتشميره إلى درجة الطُّمأنينة إلى الله، فهو بمنزلة مرتكب القِفار

стр. 793

والمَهامِهِ (١) والأَهوال ليصل إلى البيت فيطمئنَّ قلبه برؤيته والطَّواف به. والآخَرُ (٢) بمنزلة من هو مشغولٌ به طائفًا وقائمًا، وراكعًا وساجدًا، ليس له التفاتٌ إلى غيره؛ فهذا مشغول بالغاية، وذاك بالوسيلة، وكلٌّ له أجر، ولكن بين أجر الغايات وأجر الوسائل بَونٌ. وما يحصل للمطمئنِّ من الأحوال والعبوديَّة والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسَه في ذات الله تعالى وإن كان أكثرَ عملًا، فقدر عمل المطمئنِّ المنيب بجملته وكيفيَّته أعظم وإن كان هذا المجاهد أكثر عملًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فما سبق الصِّدِّيق الصّحابةَ بكثرة عملٍ، وفيهم (٣) من هو أكثر صيامًا وحجًّا وقراءةً وصلاةً منه، ولكن بأمرٍ آخر قام بقلبه، حتّى إنَّ أفضل الصّحابة (٤) يسابقه (٥) ولا يراه إلَّا أمامه (٦). ولكن عبوديّة مجاهدٍ نفسَه على لذَّة الذَّنب والشَّهوة قد تكون أشقّ، ولا يلزم من مشقَّتها تفضيلُها في الدَّرجة، فأفضل الأعمال الإيمان بالله، والجهاد

стр. 794

أشقُّ منه وهو تاليه في الدرجة، ودرجة الصِّدِّيقين أعلى من درجة المجاهدين والشُّهداء، وفي «مسند الإمام أحمد ﵀» (١) من حديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ ذُكر عنده الشُّهداء فقال: «إنَّ أكثر شهداء أمّتي لأصحابُ الفرش، ورُبَّ قتيلٍ بين الصَّفَّين اللهُ أعلم بنيَّته». فصل ومن علامات الإنابة تركُ الاستهانة بأهل الغفلة والخوفِ عليهم مع فتحك بابَ الرَّجاء لنفسك، فترجو لنفسك الرّحمة وتخشى على أهل الغفلة النِّقمة، ولكن ارجُ لهم الرّحمة واخشَ على نفسك النِّقمة (٢)، فإن كنت لا بدَّ مستهينًا بهم ماقتًا لهم لانكشاف أحوالهم لك ورؤية ما هم عليه، فكن لنفسك أشدَّ مقتًا منك لهم، وكن لهم أرجى لرحمة الله منك لنفسك. قال بعض السَّلف: لن تفقه كلَّ الفقه حتَّى تمقت الخلق (٣) في ذات الله، ثمّ تُقبل على (٤) نفسك فتكون لها أشدَّ مقتًا (٥).

стр. 795

وهذا الكلام لا يعلم معناه إلَّا الفقيه في دين الله تعالى، فإنّ من شهد حقيقة الخلق وعجزَهم وضعفَهم وتقصيرَهم، بل تفريطَهم وإضاعتَهم لحقِّ الله وإقبالَهم على غيره، وبيعَهم حظَّهم من الله بأبخس الثَّمن من هذا العاجل الفاني= لم يجد بدًّا من مقتهم، ولم يمكنه غير ذلك البتَّة، ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره، وكان على بصيرةٍ من ذلك= كان لنفسه أشدَّ مقتًا واستهانةً؛ فهذا هو الفقيه. وأمَّا (الاستقصاء في رؤية علل الخدمة) (١) فهو التّفتيش عمَّا يشوبها من حظوظ النفس، وتمييز حقِّ الربِّ منها من حظِّ النّفس، ولعلَّ أكثرها أو كلَّها أن تكون حظًّا لنفسك وأنت لا تشعر. فلا إله إلَّا الله، كم في النُّفوس من عللٍ وأغراضٍ وحظوظٍ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصةً وأن تصل إليه! وإنَّ العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشرٌ البتَّة وهو غير خالصٍ لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقًا وهو خالصٌ لوجه الله، ولا يميِّز هذا من هذا إلَّا أهلُ البصائر وأطبَّاء القلوب العالمون بأدوائها وعللها. فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطَّاعٌ تمنع وصول العمل إلى القلب، فيكون الرجل كثيرَ العمل وما وصل منه إلى قلبه محبّةٌ ولا خوفٌ ولا رجاءٌ، ولا زهدٌ في الدُّنيا ورغبةٌ في الآخرة، ولا نورٌ يفرِّق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحقِّ والباطل، ولا قوَّةٌ في أمره. فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق، ورأى الحقَّ والباطل، وميَّز بين أولياء الله

стр. 796

وأعدائه، فأوجب (١) له ذلك المزيد من الأحوال. ثمَّ بين القلب وبين الرّبِّ مسافة، وعليها قطَّاعٌ تمنع وصول العمل إليه، من كبرٍ وإعجابٍ وإدلالٍ، ورؤية العمل ونسيان المنَّة، وعللٍ خفيَّةٍ لو استقصى في طلبها لرأى العجب، ومن رحمة الله سَتْرُها على أكثر العُمَّال، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشدُّ منها، من اليأس والقنوط، والاستحسار وترك العمل، وخمود العزم وفتور الهمَّة. ولهذا لمّا ظهرت «رعاية أبي عبد الله الحارث بن أسدٍ المحاسبيِّ» (٢) واشتغل بها العبَّاد عطِّلت منهم مساجد كانوا يَعْمُرونها بالعبادة. والطّبيب الحاذق يعلم كيف يَطُبُّ النُّفوس، فلا يعمر قصرًا ويهدم مصرًا. فصل قال (٣): (وإنّما يستقيم الرُّجوع إليه حالًا بثلاثة أشياء: بالإياس من عملك، وبمعاينة (٤) اضطرارك، وشَيْم برقِ لطفه بك). الإياس من العمل يفسَّر بشيئين:

стр. 797

أحدهما: أنّه إذا نظر بعين الحقيقة إلى الفاعل الحقِّ والمحرِّك الأوَّل، وأنَّه لولا مشيئته لما كان منك فعلٌ، فمشيئته أوجبت فِعلكَ لا مشيئتُك= بقي (١) بلا فعلٍ. فهاهنا تنفع مشاهدة القدر والفناءُ عن رؤية الأعمال. والثاني: أن تيأس من النَّجاة بعملك، وترى النَّجاة (٢) إنّما هي برحمته وعفوه وفضله، كما في «الصَّحيح» (٣) عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لن يُنجي أحدًا منكم عملُه»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلَّا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ». فالمعنى الأوَّل يتعلَّق ببداية الفعل، والثَّاني بغايته ومآله. وأمَّا (معاينة الاضطرار)، فإنَّه إذا يئس من عمله بدايةً والنَّجاة به نهايةً شهد (٤) اضطراره إلى الله، بل شهد في كلِّ ذرّةٍ منه ضرورةً تامَّةً إليه، وليست ضرورته من هذه الجهة وحدها، بل من جميع الجهات، وجهاتُ ضرورته لا تنحصر بعددٍ، ولا لها سببٌ، بل هو مضطرٌّ إليه بالذَّات، كما أنّ الله غنيٌّ بالذَّات، فإنَّ الغنى وصفٌ ذاتيٌّ للربِّ، والفقر والحاجة والضَّرورة وصفٌ ذاتيٌّ للعبد. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة (٥): والفقر لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبدًا ... كما الغنى أبدًا وصفٌ له ذاتِي

стр. 798

وأمّا (شَيْم برق لطفه بك)، فإنَّه إذا تحقَّق له قوَّةُ ضرورتِه (١)، وأيس من عمله والنَّجاة به= نظر إلى ألطاف الله وشام برقها، وعلم أنَّ كلَّ ما هو فيه وما يرجوه وما تقدَّم له لطفٌ من الله به، ومنَّةٌ منَّ بها عليه، وصدقةٌ تصدَّق بها عليه بلا سببٍ منه، إذ هو المحسن بالسَّبب والمسبَّب، والأمر له من قبل ومن بعد، وهو الأوّل والآخر، لا إله غيره، ولا ربّ سواه. * * * *

стр. 799

فصل ثمّ ينزل القلب منزل التّذكُّر وهو قرين الإنابة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ﴾ [غافر: ١٣]، وقال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]. وهو من خواصِّ أولي الألباب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ (١) إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. والتّذكُّر والتّفكُّر منزلان يُثمران أنواع المعارف وحقائقَ الإيمان والإحسان، فالعارف لا يزال يعود بتفكُّره على تذكُّره، وتذكُّره (٢) على تفكُّره، حتّى يفتح قفل قلبه بإذن الفتَّاح العليم. قال الحسن البصريُّ ﵁: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكُّر على التفكُّر، وبالتفكُّر على التذكُّر، ويناطقون القلوب حتّى نطقت (٣). قال صاحب «المنازل» ﵀ (٤): (التذكُّر فوق التفكُّر، لأنَّ التفكُّر طلب، والتذكُّر وجود). يريد أنّ التّفكُّر التماس الغايات من مباديها، كما قال (٥): (التفكُّر تلمُّس

стр. 800

البصيرة واستدراك البغية). وأمَّا قوله: (التذكُّر وجودٌ) لأنه يكون فيما قد حصل بالتفكُّر ثمَّ غاب عنه بالنِّسيان، فإذا تذكَّره وجده وظفر به. والتذكُّر تفعُّلٌ من الذِّكر، وهو ضدُّ النِّسيان، وهو حضور صورة المذكور العلميَّة في القلب، واختير له بناء التفعُّل لحصوله بعد مهلةٍ وتدريج، كالتبصُّر والتفهُّم والتعلُّم. فمنزلة التذكُّر من التفكُّر منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه، ولهذا كانت آيات الله المتلوَّة والمشهودة ذكرى، كما قال في المتلوَّة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر: ٥٣ - ٥٤]، وقال عن القرآن: ﴿(٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ [الحاقة: ٤٨]. وقال في آياته المشهودة: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨]، فالتَّبصرة آلة البصر (١)، والتَّذكرة (٢) آلة الذِّكر (٣)، وقُرن بينهما وجُعلا لأهل الإنابة، لأنه إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر، فاستدلَّ بها على ما هي آياتٌ له، فزال عنه الإعراض بالإنابة، والعمى بالتبصرة، والغفلة بالتذكرة، لأنَّ التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها، فترتَّبت (٤) المنازل الثلاثة أحسنَ

стр. 801

ترتيبٍ، ثمَّ إنَّ كلًّا منها يمدُّ صاحبه ويقوِّيه ويثمره. وقال تعالى في آياته المشهودة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٦]. والنّاس ثلاثة: رجلٌ قلبه ميِّتٌ، فذلك الذي لا قلب له، فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقِّه. الثاني: رجلٌ له قلبٌ حيٌّ مستعدٌّ، لكنّه غير مستمعٍ للآيات المتلوَّة التي يُخبَر بها عن الآيات المشهودة، إمّا لعدم ورودها، أو لوصولها إليه ولكنّ قلبه مشغولٌ عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرًا، فهذا أيضًا لا تحصل له الذِّكرى مع استعداده ووجود قلبه. والثالث: رجلٌ حيُّ القلب مستعدٌّ، تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه، وألقى السّمع وأحضر قلبه، ولم يَشغَله بغير فهم ما يسمعه، فهو شاهد القلب ملقٍ السمعَ، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوّة والمشهودة. فالأوَّل بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر، والثاني بمنزلة البصير الطَّامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه. والثّالث بمنزلة البصير الذي قد حدَّق إلى جهة المنظور إليه وأتبعه بصره، وقابله على توسُّطٍ من البعد والقرب، فهذا هو الذي يراه. فسبحان من جعل كلامه شفاءً لما في الصُّدور. فإن قيل: فما موقع ﴿أَوْ﴾ من هذا النظم على ما قرّرت؟ قيل: فيها سرٌّ لطيفٌ، ولسنا نقول: إنَّها بمعنى الواو، كما يقوله ظاهريَّة النُّحاة.

стр. 802

فاعلم أنَّ الرجل قد يكون له قلبٌ وقَّادٌ، مليءٌ باستخراج العبر واستنباط الحِكَم، فهذا قلبه يوقعه على التذكُّر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نورًا على نورٍ، وهؤلاء أكمل خلق الله تعالى، وأعظمهم إيمانًا وبصيرةً، حتَّى كأنَّ الذي أخبرهم به الرسول قد كان (١) مشاهدًا لهم لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه، حتّى قيل: إنَّ مثل حال الصِّدِّيق ﵁ مع النّبيِّ ﷺ ، كمثل رجلين دخلا دارًا فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجُزويَّاتها (٢)، والآخر وقعت يده على ما في الدَّار ولم ير تفاصيله ولا جزويَّاته، لكن علم أنَّ فيها أمورًا عظيمةً لم يدرك بصرُه تفاصيلها، ثمَّ خرجا فسأله عمَّا رأى في الدَّار؟ فجعل كلَّما أخبره بشيءٍ صدَّقه لِما عنده من شواهده، وهذه أعلى درجات الصِّدِّيقيّة. ولا تستبعد أن يمنَّ الله المنَّان على عبدٍ بمثل هذا الإيمان، فإنَّ فضل الله لا يدخل تحت حصرٍ ولا حسبانٍ. فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نورٌ من البصيرة ازداد بها نورًا إلى نوره. فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب، فألقى السّمع وشهد قلبُه ولم يَغِب= حصل له التذكُّر أيضًا، ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، والوابل والطّلُّ في جميع الأعمال وآثارها وموجَباتها، وأهلُ الجنَّة سابقون مقرَّبون وأصحاب يمينٍ، وبينهما في درجات التّفضيل ما بينهما، حتّى إنّ شراب أحد النّوعين الصِّرف يُطيَّب به شرابُ النَّوع الآخر ويُمزج به مزجًا.

стр. 803

قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]، وكلُّ مؤمنٍ يرى هذا، ولكنّ رؤية أهل العلم لونٌ، ورؤية غيرهم له لونٌ. قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (أبنية التذكُّر ثلاثة: الانتفاع بالعظة، والاستبصار للعبرة، والظّفر بثمرة الفكرة). الانتفاع بالعظة: هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء، فيتحرَّك للعمل طلبًا للخلاص من المخوف، ورغبةً في حصول المرجوِّ. والعظة هي الأمر والنَّهي المقرون بالترغيب والترهيب. والعظة نوعان: عظةٌ بالمسموع، وعظةٌ بالمشهود. فالعظة بالمسموع الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرُّشد والنصائح التي جاءت على يد (٢) الرُّسل، وكذلك الانتفاع بالعظة من كلِّ ناصحٍ ومرشدٍ في مصالح الدِّين والدُّنيا. والعظة بالمشهود: الانتفاع بما يراه ويشهده في العالم من مواقع العِبَر وأحكام القدر ومجاريه، وما يشاهده من آيات الله الدالَّة على صدق رسله. وأمَّا (الاستبصار للعبرة)، فهو زيادة البصيرة عمَّا كانت عليه في منزل التفكُّر بقوَّة الاستحضار، لأنَّ التذكُّر يَصْقُل المعاني التي حصلت بالتّفكُّر في مواقع الآيات والعبر، فهو يظفر بها بالتفكُّر، وتنصقل له وتنجلي بالتذكُّر،

стр. 804

فيقوى العزم على السَّير بحسب قوّة الاستبصار، لأنّه يوجب تحديد (١) النّظر فيما يحرِّك الطلب، إذ الطلب فرع الشُّعور، وكلَّما (٢) قوي الشُّعور بالمحبوب اشتدَّ سفر القلب إليه، وكلّما اشتغل الفكر به ازداد الشُّعور والبصيرة به والذكر (٣) له. وأمّا (الظَّفر بثمرة الفكرة)، فهذا موضعٌ لطيفٌ. وللفكرة ثمرتان: حصول المطلوب تامًّا بحسب الإمكان، والعمل بموجبه رعايةً لحقِّه؛ فإنَّ العقل حال التفكُّر كان قد كَلَّ بإعماله في تحصيل المطلوب، فلمَّا حصلت له المعاني وتخمَّرت في القلب واستراح العقل عاد فتذكَّر ما كان حصَّله وطالعه، فابتهج به وفرح به، وصحَّح في هذا المنزل ما كان فاته في منزل التفكُّر، لأنَّه قد أشرف عليه من مقام التذكُّر الذي هو أعلى منه، فأخذ حينئذٍ في الثمرة المقصودة، وهي العمل بموجَبه مراعاةً لحقِّه، فإنَّ العمل الصالح هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكُّر. وإذا أردت فهم هذا بمثال حسِّي: فطالب المال ما دام جادًّا في طلبه فهو في كلالٍ وتعبٍ، حتّى إذا ظفر به استراح من كدِّ الطلب، وقدم من سفر التِّجارة وطالع ما حصَّله وأبصره، وصحَّح في هذه الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب، فإذا صحَّ له وبردت غنيمتُه له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه.

стр. 805

فصل قال (١): (وإنَّما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدَّة الافتقار إليها، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكُّر الوعد والوعيد). إنّما يشتدُّ افتقار العبد إلى العِظة ــ وهي الترغيب والترهيب ــ إذا ضَعُف تذكُّره وإنابته، وإلّا فمتى قويت إنابته وتذكُّره لم تشتدَّ حاجته إلى الترغيب والترهيب، ولكن الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنهي. والعظة يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، ونفس الرغبة والرهبة. فالمنيب المتذكِّر شديد الحاجة إلى الأمر والنهي، والمُعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب، والمعارض المنكر (٢) شديد الحاجة إلى المجادلة؛ فجاءت هذه الثلاثة في حقِّ هؤلاء الثلاثة في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وأطلق الحكمة ولم يقيِّدها بوصف الحسنة، إذ كلُّها حسنة ووَصْف الحسن لها ذاتيٌّ. وأمَّا الموعظة فقيَّدها بوصف الإحسان، إذ ليس كلُّ موعظةٍ حسنةً. وكذلك الجدال قد يكون بالتي هي أحسن، وقد يكون بغير ذلك. وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادِل من غلظته ولينه وحدَّته ورفقه، فيكون مأمورًا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن؛ وأن يكون صفةً لما يجادَل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيءٍ وأبينُه،

стр. 806

وأدلُّه على المقصود وأوصله إلى المطلوب. والتّحقيق أنَّ الآية تتناول النّوعين. وأمَّا ما ذكره بعض المتأخِّرين (١) أنّ هذا إشارة إلى أنواع القياسات: فالحكمة هي طريقة البرهان، والموعظة الحسنة طريقة الخطابة، والمجادلة بالّتي هي أحسن طريقة الجدل، فالأوَّل بذكر المقدِّمات البرهانيَّة لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا له وهم خواصُّ النَّاس، والثَّاني بذكر المقدِّمات الخطابيَّة التي تثير رغبةً ورهبةً لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور، والثَّالث بذكر المقدِّمات الجدليَّة للمعارض الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون= فتنزيلٌ للقرآن (٢) على قوانين أهل المنطق اليونانيِّ واصطلاحهم، وذلك باطلٌ قطعًا من وجوهٍ عديدةٍ ليس هذا موضع ذكرها (٣)، وإنَّما ذُكر هذا استطرادًا لذكر العظة، وأنّ المنيب المتذكِّر لا تشتدُّ حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض، فإنَّه شديد الحاجة جدًّا إلى العظة ليتذكَّر ما قد نسيه فينتفع بالتذكُّر. وأمّا (العمى عن عيب الواعظ)، فإنّه إذا اشتغل به حُرِم الانتفاع بموعظته، لأنَّ النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه

стр. 807

ولا ينتفع به. وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواءً لمرضٍ به مثلُه والطبيب مُعرضٌ عنه غيرُ ملتفتٍ إليه، بل الطبيب المذكور عندهم أحسن حالًا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به، لأنَّه قد يقوم عنده دواءٌ آخر مقامَ هذا الدَّواء، وقد يرى أنَّ به قوَّةً على ترك التَّداوي، وقد يقنع بعمل الطبيعة، وغير ذلك؛ بخلاف هذا الواعظ فإنَّ ما يعظ به طريق معيَّن للنجاة لا يقوم غيرُها مقامها ولا بدّ منها. ولأجل هذه النُّفرة قال شعيب ــ صلى الله على نبيِّنا وعليه وسلَّم ــ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. وقال بعض السَّلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنَّهي، فإذا أمرتَ بشيءٍ فكن أوَّل الفاعلين له المؤتمرين به، وإذا نهيتَ عن شيءٍ فكن أوَّل المنتهين عنه (١). وقد قيل (٢): يا أيُّها الرجل المعلِّم غيرَه ... هلَّا لنفسك كان ذا التّعليمُ؟ تصف الدّواء لذي السِّقام من الضَّنى ... ومن الضَّنى تمسي وأنت سقيمُ لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

стр. 808

وابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليمُ فالعمى عن عيب الواعظ من شروط تمام الانتفاع بموعظته. وأمَّا (تذكُّر الوعد والوعيد) فإنَّ ذلك يوجب خشيته والحذر منه، ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به وخافه ورجاه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣]، وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]، وقال: ﴿(٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ (١)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٥]. وأصرح من ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره شرطُ الانتفاع بالعظات والآيات والعبر، يستحيل حصوله بدونه. قال (٢): (وإنما تُستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل، ومعرفة الأيّام، والسلامة من الأغراض). وإنّما تتميَّز (٣) العبرةُ وتُرى وتتحقَّق بحياة العقل، والعبرة هي الاعتبار، وحقيقتها العبور من حكم الشَّيء إلى حكم مثله، فإذا رأى من قد أصابته محنةٌ وبلاءٌ لسببٍ ارتكبه، علم أنَّ حكم مَن ارتكب ذلك السبب كحكمه.

стр. 809

وحياة العقل هي صحَّة الإدراك، وقوَّة الفهم وجودته، وتحقيق الانتفاع (١) بالشّيء والتضرُّر به. وهو نورٌ يخصُّ الله به من يشاء من خلقه، وبحسب تفاوت الناس في قوَّة ذلك النُّور وضعفه ووُجوده وعدمه يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم. ونسبته إلى القلب كنسبة النُّور الباصر إلى العين. ومن تجريبات السالكين التي جرَّبوها فألْفَوها صحيحةً أنَّ مَن أدمن مِن قول: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت» أورثه ذلك حياة القلب والعقل. وكان شيخ الإسلام ابن تيميَّة شديدَ اللهج بها جدًّا، وقال لي يومًا: لهذين الاسمين ــ وهما الحيُّ القيُّوم ــ تأثير عظيم في حياة القلب، وكان يشير إلى أنَّهما الاسم الأعظم، وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرَّةً كلَّ يومٍ بين سُنَّة الفجر وصلاةِ الفجر: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث» = حصلت له حياة القلب، ولم يَمُت قلبُه (٢). ومَن علم عبوديَّات الأسماء الحسنى والدُّعاء بها، وسرَّ ارتباطها بالخلق والأمر، وبمطالب العبد وحاجاته= عرف ذلك وتحقَّقه (٣)، فإنَّ كلَّ مطلوبٍ

стр. 810

يُسأل بالاسم المناسب له، فتأمَّل أدعية القرآن والحديث النبويِّ تجدها كذلك. وأمّا (معرفة الأيَّام) فيحتمل أن يريد به أيَّامه التي تخصُّه، وما يلحقه فيها من الزِّيادة والنُّقصان، ويعلم قِصَرها وأنَّها أنفاس معدودة متصرِّمة، كلُّ نَفَسٍ منها يقابله آلافُ آلافٍ من السِّنين في دار البقاء، فليس لهذه الأيام الخالية نسبةٌ قطُّ إلى أيام البقاء، والعبد يُساوق زمنه في مدَّة عمره (١) إلى النعيم أو إلى الجحيم، وهي كمدَّة المنام لمن له عقلٌ حيٌّ وقلبٌ واعٍ، فما أولاه أن لا يصرف منها نَفَسًا إلا في أحبِّ الأمور إلى الله، فلو صرفه فيما يحبُّه وترك الأحبَّ لكان مفرِّطًا، فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه؟ فكيف فيما يَمقته عليه ربُّه؟ فالله المستعان. ويحتمل أن يريد بالأيام أيام الله التي أمر رسله بتذكير أممهم [بها] (٢)، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]. وقد فسِّرت أيام الله بنعمه، وفسِّرت بنقمه من أهل الكفر والمعاصي، فالأوَّل تفسير ابن عبَّاسٍ وأبيِّ بن كعبٍ ومجاهدٍ، والثاني تفسير مقاتلٍ (٣). والصواب أنَّ أيَّامه تعمُّ النَّوعين، وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه، ونعمه التي ساقها إلى أوليائه. وسمِّيت هذه النِّعم والنِّقم الكبار المتحدَّث بها أيَّامًا لأنها ظرف لها، تقول العرب: فلان
следующие страницы →