← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وأدلُّه على المقصود وأوصله إلى المطلوب. والتّحقيق أنَّ الآية تتناول النّوعين. وأمَّا ما ذكره بعض المتأخِّرين (١) أنّ هذا إشارة إلى أنواع القياسات: فالحكمة هي طريقة البرهان، والموعظة الحسنة طريقة الخطابة، والمجادلة بالّتي هي أحسن طريقة الجدل، فالأوَّل بذكر المقدِّمات البرهانيَّة لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا له وهم خواصُّ النَّاس، والثَّاني بذكر المقدِّمات الخطابيَّة التي تثير رغبةً ورهبةً لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور، والثَّالث بذكر المقدِّمات الجدليَّة للمعارض الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون= فتنزيلٌ للقرآن (٢) على قوانين أهل المنطق اليونانيِّ واصطلاحهم، وذلك باطلٌ قطعًا من وجوهٍ عديدةٍ ليس هذا موضع ذكرها (٣)، وإنَّما ذُكر هذا استطرادًا لذكر العظة، وأنّ المنيب المتذكِّر لا تشتدُّ حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض، فإنَّه شديد الحاجة جدًّا إلى العظة ليتذكَّر ما قد نسيه فينتفع بالتذكُّر. وأمّا (العمى عن عيب الواعظ)، فإنّه إذا اشتغل به حُرِم الانتفاع بموعظته، لأنَّ النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه

стр. 807

ولا ينتفع به. وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواءً لمرضٍ به مثلُه والطبيب مُعرضٌ عنه غيرُ ملتفتٍ إليه، بل الطبيب المذكور عندهم أحسن حالًا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به، لأنَّه قد يقوم عنده دواءٌ آخر مقامَ هذا الدَّواء، وقد يرى أنَّ به قوَّةً على ترك التَّداوي، وقد يقنع بعمل الطبيعة، وغير ذلك؛ بخلاف هذا الواعظ فإنَّ ما يعظ به طريق معيَّن للنجاة لا يقوم غيرُها مقامها ولا بدّ منها. ولأجل هذه النُّفرة قال شعيب ــ صلى الله على نبيِّنا وعليه وسلَّم ــ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. وقال بعض السَّلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنَّهي، فإذا أمرتَ بشيءٍ فكن أوَّل الفاعلين له المؤتمرين به، وإذا نهيتَ عن شيءٍ فكن أوَّل المنتهين عنه (١). وقد قيل (٢): يا أيُّها الرجل المعلِّم غيرَه ... هلَّا لنفسك كان ذا التّعليمُ؟ تصف الدّواء لذي السِّقام من الضَّنى ... ومن الضَّنى تمسي وأنت سقيمُ لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

стр. 808

وابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليمُ فالعمى عن عيب الواعظ من شروط تمام الانتفاع بموعظته. وأمَّا (تذكُّر الوعد والوعيد) فإنَّ ذلك يوجب خشيته والحذر منه، ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به وخافه ورجاه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣]، وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]، وقال: ﴿(٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ (١)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٥]. وأصرح من ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره شرطُ الانتفاع بالعظات والآيات والعبر، يستحيل حصوله بدونه. قال (٢): (وإنما تُستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل، ومعرفة الأيّام، والسلامة من الأغراض). وإنّما تتميَّز (٣) العبرةُ وتُرى وتتحقَّق بحياة العقل، والعبرة هي الاعتبار، وحقيقتها العبور من حكم الشَّيء إلى حكم مثله، فإذا رأى من قد أصابته محنةٌ وبلاءٌ لسببٍ ارتكبه، علم أنَّ حكم مَن ارتكب ذلك السبب كحكمه.

стр. 809

وحياة العقل هي صحَّة الإدراك، وقوَّة الفهم وجودته، وتحقيق الانتفاع (١) بالشّيء والتضرُّر به. وهو نورٌ يخصُّ الله به من يشاء من خلقه، وبحسب تفاوت الناس في قوَّة ذلك النُّور وضعفه ووُجوده وعدمه يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم. ونسبته إلى القلب كنسبة النُّور الباصر إلى العين. ومن تجريبات السالكين التي جرَّبوها فألْفَوها صحيحةً أنَّ مَن أدمن مِن قول: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت» أورثه ذلك حياة القلب والعقل. وكان شيخ الإسلام ابن تيميَّة شديدَ اللهج بها جدًّا، وقال لي يومًا: لهذين الاسمين ــ وهما الحيُّ القيُّوم ــ تأثير عظيم في حياة القلب، وكان يشير إلى أنَّهما الاسم الأعظم، وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرَّةً كلَّ يومٍ بين سُنَّة الفجر وصلاةِ الفجر: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث» = حصلت له حياة القلب، ولم يَمُت قلبُه (٢). ومَن علم عبوديَّات الأسماء الحسنى والدُّعاء بها، وسرَّ ارتباطها بالخلق والأمر، وبمطالب العبد وحاجاته= عرف ذلك وتحقَّقه (٣)، فإنَّ كلَّ مطلوبٍ

стр. 810

يُسأل بالاسم المناسب له، فتأمَّل أدعية القرآن والحديث النبويِّ تجدها كذلك. وأمّا (معرفة الأيَّام) فيحتمل أن يريد به أيَّامه التي تخصُّه، وما يلحقه فيها من الزِّيادة والنُّقصان، ويعلم قِصَرها وأنَّها أنفاس معدودة متصرِّمة، كلُّ نَفَسٍ منها يقابله آلافُ آلافٍ من السِّنين في دار البقاء، فليس لهذه الأيام الخالية نسبةٌ قطُّ إلى أيام البقاء، والعبد يُساوق زمنه في مدَّة عمره (١) إلى النعيم أو إلى الجحيم، وهي كمدَّة المنام لمن له عقلٌ حيٌّ وقلبٌ واعٍ، فما أولاه أن لا يصرف منها نَفَسًا إلا في أحبِّ الأمور إلى الله، فلو صرفه فيما يحبُّه وترك الأحبَّ لكان مفرِّطًا، فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه؟ فكيف فيما يَمقته عليه ربُّه؟ فالله المستعان. ويحتمل أن يريد بالأيام أيام الله التي أمر رسله بتذكير أممهم [بها] (٢)، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]. وقد فسِّرت أيام الله بنعمه، وفسِّرت بنقمه من أهل الكفر والمعاصي، فالأوَّل تفسير ابن عبَّاسٍ وأبيِّ بن كعبٍ ومجاهدٍ، والثاني تفسير مقاتلٍ (٣). والصواب أنَّ أيَّامه تعمُّ النَّوعين، وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه، ونعمه التي ساقها إلى أوليائه. وسمِّيت هذه النِّعم والنِّقم الكبار المتحدَّث بها أيَّامًا لأنها ظرف لها، تقول العرب: فلان

стр. 811

عالم بأيام العرب وأيام النَّاس، أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام. فمعرفة هذه الأيام توجب للعبد الاستبصار للعبرة (١)، وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظته، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. ولا يتمُّ ذلك إلا بـ (السلامة من الأغراض) وهي: متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمَّارة (٢)؛ فإنّ اتِّباع الهوى يطمس نور العقل، ويعمي بصيرة القلب، ويصدُّ عن اتِّباع الحقِّ، ويضلُّ عن الطريق (٣) المستقيم، فلا تحصل بصيرة العبرة معه البتَّة. والعبد إذا اتَّبع هواه فسد رأيه ونظره، فأَرَتْه نفسُه الحسن في صورة القبيح، والقبيحَ في صورة الحسن، فالتبس عليه الحقُّ بالباطل، فأنَّى له الانتفاع بالتّذكُّر، أو بالتّفكُّر، أو بالعظة؟ فصل (٤) (وإنَّما تُجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء: بقصر الأمل، والتّأمُّل في القرآن، وقلَّة الخلطة والتمنِّي والتعلُّق بغير الله والشِّبع والمنام). يعني أنَّ في منزل التذكُّر تُجتنى ثمرة الفكرة لأنه أعلى منها، وكلُّ مقامٍ تجتنى ثمرته في الذي هو أعلى منه، ولاسيَّما على ما قرَّره في خطبة كتابه (٥):

стр. 812

كلُّ (١) مقامٍ يصحِّح ما قبله. ثمَّ ذكر أن هذه الثمرة تجتنى بثلاثة أشياء، أحدها: قصر الأمل، والثاني: تدبُّر القرآن، والثّالث: تجنُّب مفسدات القلب الخمسة. فأمَّا (قصر الأمل) فهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدَّة الحياة (٢)، وهو من أنفع الأمور للقلب، فإنّه يبعثه على مغافصة الأيام، وانتهاز الفرص التي تمرُّ مرَّ السّحاب، ومبادرة طيِّ صحائف الأعمال، ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء، ويحثُّه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط، ويزهِّده في الدُّنيا ويرغِّبه في الآخرة، فيقوم بقلبه إذا داوم مطالعةَ قصر الأمل شاهدٌ من شواهد اليقين يُريه فناء الدُّنيا وسرعةَ انقضائها وقلَّة ما بقي منها، وأنها قد ترحَّلت مدبرةً، ولم يبق منها إلا صبابةٌ كصبابة الإناء يتصابُّها صاحبها (٣)، وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يومٍ صارت شمسه على رؤوس الجبال؛ ويريه بقاء الآخرة ودوامها، وأنها قد ترحَّلت مقبلةً، وقد جاء أشراطها وأعلامها (٤)، وأنه مِن لقائها كمسافرٍ خرج صاحب له يتلقَّاه، وكلٌّ منهما يسير إلى الآخر، فيوشك أن يلتقيا سريعًا.

стр. 813

ويكفي في قصر الأمل: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]، وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ (١) كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقولُه: ﴿(٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ﴾ [النازعات: ٤٦]، وقولُه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]، وقولُه: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ نَنفُخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤]. وخطب النبيُّ ﷺ يومًا أصحابه (٢) والشمس على رؤوس الجبال، فقال: «إنَّه لم يبق من الدُّنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» (٣). ومرَّ رسول الله ﷺ ببعض أصحابه، وهم يعالجون خُصًّا لهم قد وَهَى

стр. 814

وهم يصلحونه، فقال «ما هذا؟» قالوا: خُصٌّ لنا قد وهى فنحن نعالجه، فقال: «ما أرى الأمر إلَّا أعجلَ من هذا» (١). وقصر الأمل بناؤه على أمرين: تيقُّن زوال الدُّنيا ومفارقتها، وتيقُّن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها، ثمّ يقايس بين الأمرين ويؤثر أولاهما بالإيثار. فصل وأمَّا (التأمُّل في القرآن) فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمعُ الفكر على تدبُّره وتعقُّله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرَّد تلاوته بلا تفهُّمٍ (٢) ولا تدبُّرٍ، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿(٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾ [محمد: ٢٤]. وقال: ﴿(٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا﴾ [المؤمنون: ٦٨]. وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]. وقال الحسن ﵁: نزل القرآن ليُتدبَّر ويُعمَل به، فاتَّخَذوا تلاوته عملًا (٣).

стр. 815

فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبُّر القرآن وإطالة التأمُّل له، وجمع الفكر على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشرِّ بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتَتُلُّ (١) في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبِّت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيِّد بُنيانه وتوطِّد أركانه، وتريه صورة الدُّنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتُحضره بين الأمم وتريه أيّام الله فيهم، وتبصِّره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرِّفه ذاته وأسماءه وصفاتِه وأفعالَه، وما يحبُّه وما يبغضه، وصراطَه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول إليه والقدوم عليه، وقواطعَ الطريق وآفاتِها، وتعرِّفه النفسَ وصفاتِها، ومفسداتِ الأعمال ومصحِّحاتها، وتعرِّفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالَهم وأحوالهم وسيماهم، ومراتبَ أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسامَ الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما يفترقون فيه. وبالجملة تعرِّفه الربَّ المدعوَّ إليه، وطريقَ الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه. وتعرِّفه في مقابل ذلك ثلاثةً أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.

стр. 816

فهذه ستَّة أمورٍ ضروريَّة للعبد معرفتُها. ومشاهدتُها ومطالعتُها تُشهده (١) الآخرة حتى كأنَّه فيها، وتغيِّبه عن الدُّنيا حتى كأنه ليس فيها، وتميِّز له بين الحقِّ والباطل في كلِّ ما اختَلَف فيه العالَم، فتريه الحقّ حقًّا والباطل باطلًا، وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرِّق به بين الهدى والضلال والغيِّ والرَّشاد، وتعطيه قوَّةً في قلبه وحياةً وسعةً وانشراحًا وبهجةً وسرورًا، فيَصير في شأنٍ والناس في شأنٍ آخر. فإنَّ معاني القرآن دائرةٌ على التَّوحيد وبراهينه، والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال، وما يتنزَّه عنه من سمات النّقص (٢)؛ وعلى الإيمان بالرُّسل، وذكر براهين صدقهم وأدلَّة صحَّة نبوَّتهم، والتّعريف بحقوقهم وحقوق مُرسِلهم؛ وعلى الإيمان بملائكته ــ وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرُهم الأمورَ بإذنه ومشيئته ــ، وما جُعلوا عليه من أمر العالم العلويِّ والسُّفليِّ، وما يختصُّ بالنوع الإنسانيِّ منهم حين يستقرُّ في رحم أمِّه إلى أن يوافي ربَّه ويَقْدَمَ عليه؛ وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعدَّ الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق التي لا يشوبها ألم ولا نكد ولا تنغيص، وما أعدَّ لأعدائه من دار العقاب الوبيل التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح، وتفاصيلِ ذلك أتمَّ تفصيلٍ وأبينَه؛ وعلى (٣) تفاصيل الأمر والنهي، والشرع

стр. 817

والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعِبَر، والقصص والأمثال، والأسباب والحكم، والمبادئ والغايات في خلقه وأمره. فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربِّه بالوعد الجميل، وتحذِّره وتخوِّفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثُّه على التضمُّر والتخفُّف للقاء اليوم الثقيل، وتَهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصدُّه عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النِّعم بشكر ربِّه الجليل، وتبصِّره بحدود الحلال والحرام وتَقِفُه (١) عليها لئلَّا يتعدَّاها فيقع في العناء الطَّويل، وتثبِّت قلبه عن الزيغ والميل عن الحقِّ والتّحويل، وتسهِّل عليه الأمور الصِّعاب والعقبات الشاقَّة غاية التسهيل، وتناديه كلَّما فترت عزماتُه وونى في سيره: تقدَّم الرّكب وفاتك (٢)، فاللَّحاق اللَّحاق، والرحيل الرحيل! وتحدو به وتسير أمامه سيرَ الدليل، وكلَّما خرج عليه كمينٌ من كمائن العدوِّ أو قاطعٌ من قطّاع الطّريق نادَتْه: الحذر الحذر! فاعتصِمْ بالله واستعن به وقُل: حسبي الله ونعم الوكيل. وفي تأمُّل القرآن وتدبُّره وتفهُّمه أضعافُ أضعافِ ما ذكرناه (٣) من الحكم والفوائد. وبالجملة فهو أعظم الكنوز، طِلَّسْمُه (٤): الغوص بالفكر إلى قرار معانيه.

стр. 818

نزِّه فؤادك عن سوى روضاته ... فرياضه حِلٌّ لكلِّ منزِّهِ والفهمُ طِلَّسْمٌ لكنزِ علومه ... فاقصد إلى االطلَّسْمِ تحظَ بكنزهِ لا تخش من بدعٍ لهم وحوادثٍ ... ما دمتَ في كنف الكتاب وحرزهِ من كان حارسَه الكتابُ ودرعَه ... لم يخش من طعن العدوِّ ووَخْزهِ (١) لا تخشَ من شبهاتهم واحمِلْ إذا ... ما قابلتك بنصره وبعزِّه والله ما هاب امرؤٌ شبهاتِهم ... إلَّا لضعف القلب منه وعجزهِ يا ويحَ تيسٍ ظالعٍ يبغي مسا ... بقة الهِزَبْرِ بعَدْوه وبجَمْزهِ (٢) ودخانِ زَبلٍ يرتقي للشّمس يَسـ ... ـتُرُ عينها لمَّا سرى في أزِّه وجبانِ قلبٍ أعزلٍ قد رام يأ ... سِرُ فارسًا شاكي السِّلاح بهزِّه (٣) فصل وأمَّا مفسدات القلب الخمسة، فهي التي أشار إليها مِن كثرة الخلطة، والتمنِّي، والتعلُّق بغير الله، والشِّبع، والمنام. فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب، فنذكر آثارها التي اشتركت فيها، وما تميَّز به كلُّ واحدٍ منها: اعلم أنّ القلب يسير إلى الله والدّار الآخرة، ويكشف عن طريق الحقِّ ونهجه، وآفاتِ النفس والعمل وقطاعِ الطريق= بنوره وحياته وقوَّته، وصحَّته وعزمه، وسلامة سمعه وبصره، وغيبة الشّواغل والقواطع عنه. وهذه

стр. 819

الخمسة تطفئ نوره، وتُغوِّر (١) عينَ بصيرته، وتُثقل سمعه إن لم تُصِمَّه (٢) وتُبكِمْه، وتُضعفُ قواه كلَّها وتوهن صحَّته، وتُفتِّر عزيمته وتوقف همَّته، وتنكسه إلى ورائه. ومن لا شعور له بهذا فميِّت القلب «وما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ» (٣). فهي عائقةٌ له عن نيل كماله، قاطعةٌ له عن الوصول إلى ما خُلق له وجُعِل نعيمُه وسعادته وابتهاجه ولذَّته في الوصول إليه، فإنّه لا نعيم له ولا لذّة ولا ابتهاج ولا كمال إلَّا بمعرفة الله ومحبَّته، والطُّمأنينةِ بذكره (٤)، والفرحِ والابتهاج بقُربه، والشَّوقِ إلى لقائه؛ فهذه جنَّته العاجلة، كما أنَّه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلَّا بجواره في دار النعيم في الجنَّة الآجلة؛ فله جنّتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: إنَّ في الدُّنيا جنَّةً مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة (٥). وقال بعض العارفين: إنّه ليمرُّ بالقلب أوقاتٌ أقول: إن كان أهل الجنّة في مثل هذا إنّهم لفي عيشٍ طيِّبٍ (٦).

стр. 820

وقال بعض المحبِّين: مساكينُ أهلُ الدُّنيا! خرجوا من الدُّنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبّة الله والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عمَّا سواه (١). أو نحو هذا من الكلام. وكلُّ من له قلبٌ حيٌّ يشهد هذا ويعرفه ذوقًا. وهذه الأشياء الخمسة قاطعةٌ عن هذا، حائلةٌ بين القلب وبينه، عائقةٌ له عن سيره، محدثةٌ له أمراضًا وعللًا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها. فأمَّا ما تؤثره (٢) كثرة الخلطة، فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتّى يسودَّ، ويوجب له تشتُّتًا وتفرُّقًا، وهمًّا وغمًّا وضعفًا، وحملًا لما يعجِز عن حمله من مؤنة قرناء السُّوء، وإضاعةِ مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسيمِ فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم، فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟ هذا، وكم جلبت خلطة الناس مِن نقمة، ودفعت من نعمة، وأَنزلت من محنة، وعطَّلت من منحة، وأحلَّت من رزيَّة، وأوقعت في بليَّة؟ وهل آفة النّاس إلَّا الناس؟ وهل كان على أبي طالبٍ عند الوفاة أضرُّ من قرناء السُّوء؟ لم يزالوا به حتَّى حالوا بينه وبين كلمةٍ واحدةٍ توجب له سعادة الأبد (٣).

стр. 821

وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودَّةٍ في الدُّنيا وقضاء وَطَرِ بعضهم من بعضٍ تنقلب إذا حقَّت الحقائق عداوةً، يعضُّ (١) المخالط عليها يديه ندمًا، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقال خليله إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. وهذا شأن كلِّ مشتركين في غرضٍ، يتوادُّون ما داموا متساعدين على حصوله، فإذا انقطع ذلك الغرض أعقب ندامةً وحزنًا وألمًا، وانقلبت تلك المودَّة بغضًا ولعنةً وذمًّا من بعضهم لبعضٍ لمَّا انقلب ذلك الغرض خزيًا (٢) وعذابًا، كما يُشاهَد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خَرْبةٍ (٣) إذا أُخِذوا وعوقبوا، فكلُّ متساعدين على باطلٍ متوادِّين عليه لا بدَّ أن تنقلب مودَّتُهما بغضًا وعداوةً. والضابط النافع في أمر الخلطة أن يخالط الناس في الخير كالجمعة

стр. 822

والجماعات (١)، والأعياد والحجِّ، وتعليم العلم، والجهاد والنصيحة. ويعتزلهم في الشّرِّ وفضول المباحات، فإذا (٢) دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشرِّ ولم يُمكنه اعتزالهم فالحذرَ الحذرَ أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنَّهم لا بدَّ أن يؤذوه إن لم يكن له قوَّة ولا ناصر، ولكن أذًى يعقبه عزٌّ ومحبَّة له وتعظيم، وثناءٌ عليه منهم ومن المؤمنين ومن ربِّ العالمين. وموافقتهم يعقبها ذلٌّ وبغضٌ له ومقتٌ، وذمٌّ منهم ومن المؤمنين ومن ربِّ العالمين، فالصبر على أذاهم خير وأحسنُ عاقبةً وأحمدُ مآلًا. وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعةً لله إن أمكنه، ويشجِّع نفسه ويقوِّي قلبه، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطعِ له عن ذلك بأنَّ هذا رياء ومحبَّة لإظهار علمك وحالك، ونحو ذلك، فليحاربه وليستعن بالله تعالى، ويؤثِّر فيهم من الخير ما أمكنه. فإن عجَّزته المقادير عن ذلك، فليَسُلَّ قلبه من بينهم كسَلِّ الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضرًا غائبًا، قريبًا بعيدًا، نائمًا يقظانَ (٣)، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنَّه قد أخذ قلبه من بينهم، ورقي به إلى الملأ الأعلى، يسبِّح حول العرش مع الأرواح العُلويَّة الزاكيَّة. وما أصعبَ هذا وأشقَّه على النُّفوس، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه، فبين العبد وبينه أن يَصدُقَ الله ويديم اللَّجأ إليه، ويُلقي نفسه على بابه طريحًا

стр. 823

ذليلًا. ولا يعين على هذا إلّا المحبَّةُ الصادقة (١) والذِّكر الدّائم بالقلب واللِّسان، وتجنُّبُ المفسدات الأربعة الباقية الآتي ذكرُها، ولا ينال هذا إلَّا بعدَّةٍ صالحةٍ ومادَّة قويَّةٍ من الله، وعزيمةٍ صادقة، وفراغٍ من التّعلُّق بغير الله. فصل المفسد الثاني من مفسدات القلب: ركوبه بحر التمنِّي، وهو بحرٌ لا ساحل له. وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم. إنَّ المُنى رأس أموال المفاليس (٢) وبضاعة ركَّابه مواعيد الشياطين وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب بالجيفة. وهي بضاعة كلِّ نفسٍ مهينةٍ خسيسة سفليَّة، ليست لها همَّةٌ تنال بها الحقائق الخارجيَّة، فاعتاضت عنها بالأماني الذِّهنية، وكلٌّ بحسب حاله، مِن مُتمنٍّ للقدرة والسُّلطان، أو للضّرب في الأرض والتَّطواف (٣) في البلدان، أو للأموال والأثمان، أو للنِّسوان والمُردان، فيمثِّل المتمنِّي صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصلها، والتذَّ بالظفر بها، فبينا هو على هذه الحال إذ استيقظ

стр. 824

فإذا يده والحصير. وصاحب الهمَّة العليَّة أمانيه حائمةٌ حول العلم والإيمان والعمل الذي يقرِّبه من ربِّه (١) ويدنيه من جواره، فأمانيُّ هذا إيمان ونور (٢)، وأمانيُّ أولئك خَدْعٌ وغرور. وقد مدح النبيُّ ﷺ متمنِّي الخير، وربَّما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله، كالقائل: لو أنَّ لي مالًا لعملت بعمل فلانٍ الذي يتَّقي في ماله ربَّه، ويصل فيه رحمه، ويخرج منه حقَّه؛ وقال: «هما في الأجر سواءٌ» (٣). وتمنَّى ﷺ في حجّة الوداع أنّه لو كان تمتَّع وحلَّ ولم يَسُق الهدي، وكان قد قرن (٤)، فأعطاه الله (٥) ثواب القِران بفعله وثوابَ التمتُّع الذي تمنَّاه بأمنيته، فجمع له بين الأجرين. فصل المفسد الثالث من مفسدات القلب: التعلُّق بغير الله. وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق، فليس عليه أضرُّ من ذلك، ولا أقطعُ له عن الله

стр. 825

وأحجبُ له عن مصالحه وسعادته منه، فإنَّه إذا تعلَّق بغير الله وَكَله الله (١) إلى من تعلَّق به، وخذله من جهة مَن تعلَّق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله بتعلُّقه بغيره والتفاته إلى سواه، فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمَّله ممَّن تعلَّق به وصل! قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥]. فأعظم الناس خِذلانًا من تعلَّق بغير الله، فإنَّ ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظمُ ممَّا حصل له ممَّن تعلَّق به، وهو معرَّض للزوال والفوات. ومثل المتعلِّق بغير الله كمثل المستظلِّ من الحرِّ والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت. وبالجملة فأساس الشِّرك وقاعدته التي بُني عليها: التّعلُّق بغير الله، ولصاحبه الذّمُّ والخِذلان، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] مذمومًا لا حامد لك، مخذولًا لا ناصر لك، إذ قد يكون بعض الناس مقهورًا محمودًا كالذي قُهر بباطلٍ، وقد يكون مذمومًا منصورًا كالذي قَهَر وتسلَّط (٢) بباطلٍ، وقد يكون محمودًا منصورًا كالذي تمكَّن ومَلَك بحقٍّ، والمشرك المتعلِّق بغير الله قسمه أردى الأقسام الأربعة، لا محمودٌ ولا منصور!

стр. 826

فصل المفسد الرّابع من مفسدات القلب: الطعام. والمفسد له من ذلك نوعان: أحدهما: ما يُفسده لعينه وذاته كالمحرَّمات، وهي نوعان: محرّماتٌ لحقِّ الله، كالميتة والدّم ولحم الخنزير، وذي النّاب من السِّباع والمِخلَب من الطير؛ ومحرّماتٌ لحقِّ العباد، كالمسروق والمغصوب والمنهوب، وما أُخِذ بغير رضا صاحبه، إمَّا قهرًا وإمَّا حياءً وتذمُّمًا. والثاني: ما يفسده بقَدْره وتعدِّي حدِّه، كالإسراف في الحلال، والشِّبع المُفرط، فإنَّه يثقله عن الطاعات، ويَشْغَلُه بمزاولة مؤنة البِطنة ومحاولتها حتَّى يظفر بها، فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرُّفها ووقاية ضررها والتّأذِّي بثقلها، وقوَّى عليه موادَّ الشهوة وطُرُقَ مجاري الشيطان ووسَّعها، فإنَّه يجري من ابن آدم مجرى الدّم، فالصَّوم يضيِّق مجاريه ويسدُّ عليه طرقه، والشِّبع يُطرِّقها ويوسِّعها. ومن أكل كثيرًا شرب كثيرًا، فنام كثيرًا، فخسر كثيرًا. وفي الحديث المشهور: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بِحَسْب ابن آدم لقيماتٌ يُقِمن صُلبَه، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه» (١).

стр. 827

ويحكى أنَّ إبليس عرض ليحيى بن زكريا ــ ﵉ ــ فقال له (١): هل نلتَ منِّي شيئًا قطُّ؟ قال: لا، إلَّا أنَّه قدِّم إليك طعامٌ (٢) ليلةً فشهَّيتُه إليك حتَّى شبعتَ منه فنِمتَ عن وِردك، فقال (٣): لله عليَّ أن لا أشبعَ من طعامٍ أبدًا، فقال (٤): وأنا لله عليَّ أن لا أنصح رجلًا (٥) أبدًا (٦). فصل المفسد الخامس: كثرة النوم ، فإنَّه يُميت القلب، ويثقِّل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل. ومنه المكروه جدًّا، ومنه الضّارُّ غير النافع للبدن. وأنفع النَّوم ما كان عند شدَّة الحاجة إليه، ونومُ أوَّل الليل أحمدُ وأنفعُ من آخره، ونومُ وسط النهار أنفعُ من طَرَفيه، وكلَّما قَرُب النوم من الطَّرَفين قلَّ نفعه وكَثُر ضرره، ولاسيَّما نوم العصر والنوم أوَّلَ النهار إلَّا لسهران. ومن المكروه عندهم: النوم بين صلاة الصُّبح وطلوع الشَّمس (٧)، فإنَّه

стр. 828

وقت غنيمةٍ، وللسَّير ذلك الوقت عند السالكين مزيّة عظيمة، حتّى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتّى تطلُع الشَّمس، فإنَّه أوَّل النَّهار ومفتاحه، ووقت نزول الأرزاق وحصول القِسَم وحلول البركة، ومنه ينشأ النهار، وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصَّة، فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطرِّ. وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه نوم نصف اللَّيل الأوَّل وسدسه الأخير (١)، وهو مقدار ثمان ساعاتٍ، وهذا أعدل النوم عند الأطبَّاء، فما زاد عليه أو نقص منه أثَّر عندهم في الطبيعة انحرافًا بحسبه. ومن النوم الذي لا ينفع أيضًا: النومُ أوَّلَ الليلِ عقيبَ غروب الشمس حتَّى تذهب فحمة العشاء، وكان النبي ﷺ يكرهه (٢)، فهو مكروهٌ شرعًا وطبعًا. وكما أنَّ كثرة النوم مُورثةٌ لهذه الآفات، فمدافعته وهَجره (٣) مورثٌ لآفاتٍ أخرى عظامٍ من سوء المزاج ويبسه، وانحراف النفس، وجفاف الرطوبات المُعِينة على الفهم والعمل، ويورث أمراضًا متلفةً لا ينتفع

стр. 829

صاحبها بقلبه ولا بدنه معها. وما قام الوجود إلَّا بالعدل، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظِّه من مجامع الخير، وبالله المستعان. * * * *

стр. 830

فصل ثمَّ ينزل القلب منزل الاعتصام . وهو نوعان: اعتصامٌ بالله، واعتصامٌ بحبل الله. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. والاعتصام افتعالٌ من العصمة، وهو التمسُّك بما يَعصمك ويمنعك من المحذور المخوف، فالعصمة: الحمية، والاعتصام: الاحتماء، ومنه سمِّيت القِلاع: العواصم، لمنعها وحمايتها. ومدار السعادة الدنيويَّة والأخرويَّة على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلَّا لمن استمسك بهاتين العصمتين. فأمَّا الاعتصام بحبله فإنَّه يعصم من الضّلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة، فإنَّ السائر إلى الله كالسائر على طريقٍ نحو مقصده، فهو محتاجٌ إلى هداية الطريق والسلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلَّا بعد حصول هذين الأمرين له، فالدَّليل كفيلٌ بعصمة الضلالة (١) وأن يهديه إلى الطريق، والعُدَّة والقوَّة والسِّلاح بها تحصل له السلامة من قُطَّاع الطريق وآفاتها؛ و الاعتصامُ (٢) بحبل الله يوجب له الهداية واتِّباع الدليل، والاعتصامُ بالله يوجب له القوَّة والعدَّة والسِّلاح والمادَّة التي يسلم بها في طريقه. ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم

стр. 831

كلِّهم إلى هذا المعنى، فقال ابن عبّاسٍ: تمسَّكوا بدين الله (١). وقال ابن مسعودٍ: هو الجماعة (٢). وقال: عليكم بالجماعة، فإنَّها حبل الله الذي أمر به، وإنَّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة خيرٌ ممَّا تحبُّون في الفُرقة (٣). وقال مجاهدٌ وعطاءٌ: بعهد الله. وقال قتادة والسُّدِّيُّ وكثيرٌ من المفسِّرين (٤): هو القرآن (٥). قال ابن مسعودٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ : «إنَّ هذا القرآن هو حبل الله، وهو النُّور المبين، والشِّفاء النّافع، وعصمةُ من تمسَّك به، ونجاة من تبعه» (٦).

стр. 832

وقال عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ في القرآن: «هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تلتبس به الألسن، ولا تشبع منه العلماء» (١). وقال مقاتل (٢): بأمر الله وطاعته، ولا تفرَّقوا كما تفرَّقت اليهود والنصارى. وفي «الموطَّأ» (٣) من حديث مالكٍ عن سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولَّاه الله أمرَكم، ويسخط لكم قيل وقال، وإضاعة

стр. 833

المال، وكثرة السُّؤال». رواه مسلم في «الصحيح» (١). قال صاحب «المنازل» (٢): (الاعتصام بحبل الله هو المحافظة على طاعته، مراقِبًا (٣) لأمره). ويريد بمراقبته الأمر القيام بالطاعة لأجل أنَّ الله أمر بها وأحبَّها، لا لمجرَّد العادة، أو لعلَّةٍ باعثةٍ سوى امتثال الأمر، كما قال طَلْقُ بن حبيب ﵁ في التَّقوى: هي العمل بطاعة الله على نورٍ من الله ترجو ثواب الله (٤)، وترك معصية الله على نورٍ من الله تخاف عقاب الله (٥). وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه في كلام النبيِّ ﷺ كقوله: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ... ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له» (٦)، فالصِّيام والقيام هو الطّاعة، والإيمانُ: مراقبة الأمر، وإخلاص الباعث هو أن يكون الإيمان الآمرَ لا شيءٌ سواه، والاحتساب: رجاء ثواب الله. فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل.

стр. 834

فصل وأمَّا الاعتصام به فهو التوكُّل عليه والامتناع به، والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه، ويعصمه ويدفع عنه، فإنَّ ثمرة الاعتصام به هو الدفع عن العبد، والله يدفع عن الذين آمنوا (١)، فيدفع عن عبده المؤمن به (٢) إذا اعتصم به كلَّ سبب يفضي إلى العَطَب ويحميه منه، فيدفع عنه الشُّبهاتِ والشّهوات، وكيدَ عدوِّه الباطن والظاهر، وشرَّ نفسه، ويدفع عنه موجب أسباب الشرِّ بعد انعقادها بحسب قوَّة الاعتصام به وتمكُّنه، فينعقد في حقِّه أسبابُ العَطَب فيدفع عنه موجَباتِها ومسبَّباتِها، ويدفع عنه قَدَرَه بقدره، وإرادته بإرادته، ويعيذه به منه. فصل وأمّا صاحب «المنازل» ﵀ فقال (٣): (الاعتصام بالله: الترقِّي (٤) عن كلِّ موهومٍ (٥)). الموهوم عنده ما سوى الله، والترقِّي عنه: الصُّعود من شهود نفعه وضرِّه

стр. 835

وعطائه ومنعه وتأثيره إلى الله. وهذه إشارة إلى الفناء، ومراده: الصُّعود عن شهود ما سوى الله إلى الله. والكمال في ذلك: الصُّعود عن إرادة ما سواه إلى إرادته. والاتِّحاديُّ (١) يفسِّره بالصُّعود عن وجود ما سواه إلى وجوده، بحيث لا يرى لغيره وجودًا البتَّة، ويرى وجود كلِّ موجودٍ هو وجوده، فلا وجود لغيره إلَّا في الوهم الكاذب عنده. قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ: اعتصام العامَّة بالخبر استسلامًا وإذعانًا، بتصديق الوعد والوعيد، وتعظيم الأمر والنهي، وتأسيس المعاملة على اليقين والإنصاف). يعني أنَّ العامّة اعتصموا بالخبر الوارد عن الله، استسلامًا من غير منازعةٍ، بل إيمانًا واستسلامًا، وانقادوا إلى تعظيم الأمر والنهي والإذعان لهما، والتصديق بالوعد والوعيد، وأسَّسوا معاملتهم على اليقين، لا على الشكِّ والتردُّد وسلوك طريق الاحتياط، كما قال القائل (٣): زعم المنجِّم والطّبيبُ كلاهما ... لا تُبعث الأجسادُ قلت إليكما إن صحّ قولكما فلستُ بخاسرٍ ... أو صحَّ قولي فالخسارُ عليكما فهذه طريقة أهل الرَّيب والشكِّ، يقومون بالأمر والنهي احتياطًا، وهذه

стр. 836

الطريقة لا تنجي من عذاب الله، ولا تحصِّل لصاحبها السعادة، ولا توصله إلى المأمن. وأمَّا (الإنصاف) الذي أسَّسوا معاملتهم عليه، فهو الإنصاف في معاملتهم لله ولخلقه. فأمّا الإنصاف في معاملة الله فأن يُعطي العبوديَّة حقَّها، وأن لا ينازع ربَّه صفاتِ إلهيَّته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له من العظمة والكبرياء والجِبْريَّة. ومن إنصافه لربِّه أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه، ولا يستعين بها على معاصيه، ولا يحمد على رزقه غيرَه، ولا يعبد سواه، كما في الأثر الإلهيِّ: «إنِّي والإنس والجنُّ في نبإٍ عظيمٍ؛ أخلق ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكَر سواي» (١). وفي أثرٍ آخر: «ابنَ آدم ما أنصفتَني، خيري إليك نازل وشرُّك إليَّ صاعد، أتحبَّب إليك بالنِّعم وأنا غنيٌّ عنك (٢)، وتتبغَّض إليَّ بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، ولا يزال المَلَك الكريم يعرُج إليَّ منك بعملٍ قبيحٍ» (٣).

стр. 837

وفي أثرٍ آخر: «يا ابن آدم، ما من يومٍ جديدٍ إلا يأتيك من عندي رزقٌ جديد، وتأتي عنك الملائكةُ بعملٍ قبيحٍ، تأكل رزقي وتعصيني، وتدعوني فأستجيب لك، وتسألني فأعطيك، وأنا أدعوك إلى جنّتي فتأبى ذلك، وما هذا من الإنصاف» (١). وأمَّا الإنصاف في حقِّ العبيد، فأن يعاملهم بمثل ما يحبُّ أن يعاملوه به. ولعمرُ اللهِ هذا الذي ذَكَر (٢) أنه اعتصام العامَّة هو اعتصام خاصَّة الخاصَّة في الحقيقة، ولكنّ الشّيخ ﵀ ممَّن رُفع له عَلَم الفناء فشمَّر إليه، فلا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يرى مقامًا أجلَّ منه. فصل قال (٣): (و اعتصام الخاصَّة بالانقطاع، وهو صون الإرادة قبضًا، وإسبال الخُلُق على الخَلْق بسطًا، ورفض العلائق عزمًا، وهو التّمسُّك بالعروة الوثقى).

стр. 838

يريد انقطاع النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة، فيصون إرادته ويقبضها عمَّا سوى الله تعالى، وهذا شبيهٌ بحال أبي يزيد (١) ﵀ فيما أخبر به عن نفسه لمَّا قيل له: ما تريد؟ فقال: أريد أن لا أريد. الثاني: (إسبال الخُلق على الخَلق بسطًا)، وهذا حقيقة التصوُّف، فإنَّه كما قال بعض العارفين (٢): «التّصوُّف خلقٌ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التّصوُّف». فإنّ حسن الخلق وتزكية النفس بمكارم الأخلاق يدلُّ على سعة قلب صاحبه وكرم نفسه وسجيَّته. وفي هذا الوصف: يكفُّ الأذى، ويحمل الأذى، ويوجد الرَّاحة، ويدير خدَّه الأيسر لمن لطمه على الأيمن (٣)، ويعطي رداءه لمن سلبه قميصَه، ويمشي ميلين مع من سخَّره ميلًا، وهذا علامة انقطاعه عن حظوظ نفسه وأغراضها. وأمَّا (رفض العلائق عزمًا) فهو العزم التامُّ على رفض العلائق وتركها في

стр. 839

ظاهره وباطنه. والأصل هو قطع علائق الباطن، فمتى قطعها لم تضرَّه علائق الظاهر، فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرَّك ولو كَثُر، ومتى كان في قلبك ضرَّ (١) ولو لم يكن في يديك منه شيءٌ. قيل للإمام أحمد ﵀: يكون (٢) الرجل زاهدًا ومعه ألفُ دينار؟ قال: «نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت» (٣). ولهذا كان الصّحابة ﵃ أزهدَ الأمَّة مع ما بأيديهم من الأموال (٤). وإنّما يُحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين: حيث يخاف منها ضررًا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة، والكمال من ذلك قطع العلائق التي تصير كلاليبَ على الصِّراط تمنعه من العبور، وهي كلاليب الشَّهوات والشُّبهات، ولا يضرُّه ما تعلَّق به بعدها.

стр. 840

فصل قال (١): (و اعتصام خاصَّة الخاصَّة: بالاتِّصال، وهو شهود الحقِّ تفريدًا، بعد الاستحذاء (٢) له تعظيمًا، والاشتغالُ به قربًا). لمّا كان ذلك الانقطاع موصلًا إلى هذا الاتِّصال كان ذلك للمتوسِّطين، وهذا عنده لأهل الوصول. ويعني بـ (شهود الحقِّ تفريدًا) أن يشهد الحقَّ سبحانه وحده منفردًا، ولا شيء معه، وذلك لفناء الشاهد في المشهود، والحوالة في ذلك عند القوم على الكشف. وقد تقدَّم (٣) أنَّ هذا ليس بكمالٍ، وأنَّ الكمال أن يفنى بمراده عن مراد نفسه، وأمّا فناؤه بشهوده عن شهود ما سواه فدون (٤) هذا الفناء في الرُّتبة كما تقدَّم. وأمَّا قوله: (بعد الاستحذاء له تعظيمًا)، فالشيخ ﵀ لكثرة لهجه بالاستعارات عبَّر عن معنًى لطيفٍ عظيمٍ بلفظة الاستحذاء التي هي استفعالٌ من المحاذاة، وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء من المُحاذي خارجًا عمَّا حاذاه، بل قد واجهه وقابله بكلِّيَّته وجميع أجزائه.

стр. 841

ومراده بذلك: القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه. ولا ريب أنَّ العبد يَقرُب من ربِّه، والربُّ يقرُب من عبده، فأمَّا قرب العبد فكقوله تعالى: ﴿تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وكقوله في الأثر الإلهيِّ: «من تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا» (١)، وكقوله: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي» (٢). وفي الحديث الصحيح: «أقرب ما يكون الربُّ من عبده في جوف اللَّيل الأخير (٣)» (٤). وفي الحديث أيضًا: «أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ» (٥). وفي الحديث الصحيح لمَّا ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبيِّ ﷺ في السّفر فقال: «يا أيُّها النّاس، ارْبَعُوا على أنفسكم، إنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا

стр. 842

غائبًا، إنَّ الذي (١) تدعونه سميع قريب، أقرب (٢) إلى أحدكم من عنق راحلته» (٣). فعبَّر الشيخ ﵀ عن طلب القرب منه، ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تَقَرُّ عيون عابديه وأوليائه إلَّا به= بالاستحذاء. وحقيقته: موافاة العبد إلى حضرته وقدَّامه وبين يديه، عكس حال من نبذه وراءه ظِهريًّا وأعرض عنه ونأى بجانبه، بمنزلة من ولَّى المطاعَ ظهره ومال بشقِّه عنه. وهذا أمر لا يدرَك معناه إلَّا بوجوده وذوقه، وأحسن ما يعبَّر عنه بالعبارة النبويَّة المحمديَّة، وأقرب عبارات القوم عنه: أنَّه التقرُّب (٤) برفع الوسائط التي بارتفاعها يحصل للعبد (٥) حقيقة التعظيم، فلذلك قال: (الاستحذاء له تعظيمًا). ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى «الباطن» وفهم اسمه «القريب» مع امتلاء القلب بحبِّه ولهج اللِّسان بذكره، ومن هاهنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذي كان مشمِّرًا إليه عاملًا عليه. فإن كان مشمِّرًا إلى الفناء المتوسِّط، وهو الفناء عن شهود السِّوى، لم

стр. 843

يبق في قلبه شهودٌ لغيره البتَّة، بل تضمحلُّ الرُّسوم وتفنى الإشارات، ويفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل. وفي هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعًا ورغبةً لا كرهًا، لأنَّ هذا المقام امتزج فيه الحبُّ بالتّعظيم مع القرب، وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء. وإن كان (١) مشمِّرًا للفناء العالي، وهو الفناء عن إرادة السِّوى، لم يبق في قلبه مرادٌ يزاحم مرادَه الدينيَّ الشرعيَّ النبويَّ القرآنيَّ، بل يتَّحد المرادان فيصير عينُ مراد الربِّ عينَ (٢) مراد العبد، وهذا حقيقة المحبَّة الخالصة، وفيها يكون الاتِّحاد الصحيح، وهو الاتِّحاد في المراد، لا في المريد ولا في الإرادة. فتدبَّر هذا الفرقان في هذا الموضع الذي طالما زلَّت فيه أقدام السالكين، وضلَّت فيه أفهام الواجدين. وفي هذا المقام حقيقةٌ: يفنى من لم يكن إرادةً (٣) وإيثارًا، ومحبَّةً وتعظيمًا، وخوفًا ورجاءً وتوكُّلًا، ويبقى من لم يزل. وفيه ترتفع الوسائط بين الرّبِّ والعبد حقيقةً، ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونًا بغاية الحبِّ وغاية التعظيم. وفي هذا المقام يجيب داعيَ الفناء في المحبَّة طوعًا واختيارًا لا كرهًا، بل ينجذب إليه انجذاب قلب المحبِّ وروحه ــ الذي قد ملأت المحبَّةُ قلبَه

стр. 844

بحيث لم يبق فيه جزءٌ فارغٌ منها ــ إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوبٍ وأجمله (١) وأحقُّه بالحبِّ. وهذا (٢) أوجبه الحبُّ الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب، ومحوُ ما سوى مراد المحبوب من القلب بحيث لم يبقَ في القلب إلا المحبوب ومراده. وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله، والله المستعان. وأمّا قوله: (والاشتغال به قربًا)، أي يَشْغَله قرب الحقِّ عن كلِّ ما سواه، وهذا حقيقة القرب، ألا ترى أنّ القريب من السُّلطان جدًّا المقبلُ عليه المكلِّمُ له لا يشتغل بشيءٍ سواه البتَّة؟ فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به. * * * *

стр. 845

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفرار . قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]. وحقيقة الفرار: الهرب من شيءٍ إلى شيءٍ، وهو نوعان: فرار السُّعداء، وفرار الأشقياء. ففرار السُّعداء: الفرار إلى الله تعالى، وفرار الأشقياء: الفرار منه لا إليه. وأمّا الفرار منه إليه ففرار أوليائه، قال ابن عبّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: فِرُّوا (١) منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فرُّوا ممَّا سوى الله إلى الله. وقال آخرون (٢): اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطّاعة. وقال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (هو الهرب ممَّا لم يكن إلى من لم يزل. وهو على ثلاث درجاتٍ: فرار العامَّة من الجهل إلى العلم عقدًا وسعيًا، ومن الكسل إلى التّشمير جدًّا (٤) وعزمًا، ومن الضِّيق إلى السّعة ثقةً ورجاءً). يريد بـ (ما لم يكن): الخلق، وبـ (ما لم يزل): الحقَّ.
следующие страницы →