لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذْ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع. مثل تعظيم القبور، وإكرامها، والتزامها (١) بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران، وأخذ تربتها تبركاً، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخِرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. انتهى كلامه.
وقال الإمام البكري الشافعي ﵀ في تفسيره عند قوله
стр. 37
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر- ٣].
وكانت الكفار إذا سئلوا من خلق السموات والأرض قالوا "الله" فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام قالوا: ما نعبدهم إلى ليقربونا إلى الله زلفى (١) لأجل طلب شفاعتهم عند الله. فهذا كفرُ منهم. انتهى كلامه.
فتأمل ما ذكره صاحب الإقناع، وكذا (٢) ما ذكره ابن عقيل من تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وأنّ ذلك كفر.
وقال الحافظ عماد الدين (٣) بن كثير ﵀ في تفسيره (٤) عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم (٥) أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين بزعمهم، فعبدوا تلك الصور، تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم، ورزقهم، وما ينوبهم من أمور الدنيا.
فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به (٦). قال قتادة والسديّ ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي
стр. 38
ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك تملكه وما ملك (١).
وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- بردّها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه، ونهى عنه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل- ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء- ٢٥]. وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلاّ بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وكرهوه (٢) ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل- ٧٤] تعالى الله عن ذلك علواً (٣) كبيراً. انتهى كلامه.
وقال الإمام البكري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس- ٣١] فإن قلت: إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام؟ قلت: كلهم
стр. 39
كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله تعالى والتقرب إليه لكن (١) بطرق مختلفة. ففرقة قالت: ليست لنا أهلية عبادة الله تعالى بلا واسطة لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه زلفى. وفرقة قال الملائكة ذو وجاهة ومنزلة عند الله فاتخذنا لنا أصناماً على هيئة الملائكة لتقربنا إلى الله زلفى. وفرقة قالت جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة كما أن الكعبة قبلة في عبادته. وفرقة اعتقدت أن لكل صنم شيطاناً موكلاً بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلاّ أصابه شيطانه بنكبة بأمر الله تعالى. انتهى كلامه.
فانظر إلى كالم هؤلاء الأئمة وتصريحهم بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلاّ التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله. وتأمل ما ذكره ابن كثير، وما حكاه عن زيد بن أسلم وابن زيد ثم قال: وهذه الشبهة هي (٢) التي اعتمدها المشكرون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردّها والنهي عنها. وتأمل ما ذكره البكري ﵀ عند آية الزمر: أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوهم (٣) إلا الشفاعة. ثم صرّح بأن هذا كفر. فمن تأمل ما ذكره الله تعالى في كتابه تبين له أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله، فإنهم لم يعتقدوا فيها أنها تخلق الخلائق، وتنزل المطر، وتنبت النباتـ بل كانوا مقرين أن الفاعل لذلك هو الله وحده قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ -إلى قوله- فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾
стр. 40
[يونس- ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت- ٦١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ .. ﴾ [المؤمنون- ٨٤ - ٨٥] إلى غير ذلك من الآيات التي يخبر الله فيها أن المشركين معترفون أن الله هو الخالق الرازق (١)، وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم ويشفعوا لهم، كما ذكره سبحانه ففي قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس- ١٨] فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب ليعبدوه (٢) وحده، ولا يجعل معه إله آخر.
وأخبر سبحانه أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه، وأنه لا يأذن إلاّ لمن رضِيَ قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلاّ التوحيد، فالشفاعة مقيدة بهذه القيود.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر- ٤٣]،
стр. 41
وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [الم تنزيل السجدة- ٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة- ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً … ﴾ [طه- ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم- ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الانبياء- ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ- ٢٣].
وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ -وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلق على الله- أنه قال: آتي تحت العرش فأخر لله ساجداً. فيفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع. قال فيحد لي حداً ثم أدخلهم الجنة ثم أعود -فذكر أربع مرات (١) - صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء.
وقال الإمام البكري الشافعي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام- ٥١] نفى الشفيع وإن كانت الشفاعة واقعة في الآخرة، لأنها من حيث أنها لا تقع إلاّ بإذنه كأنها غير موجودة من غيره وهو كذلك، لكن جعل الله ذلك لتبيين الرتب. وجملة النهي حال من ضمير "يحشروا" وهي محل الخوف، والمراد به المؤمنون العاصون. انتهى.
وقال أيضاً عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه- ١٠٩] دلّ أن الشفاعة تكون للمؤمنين فقط.
стр. 42
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد- ١٦] (١) يقرر تعالى أنه لا إله إلاّ هو لأنه معترفون أنه (٢) هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء (٣) يعبدونهم، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة يعترفون أنها مخلوقة عبيد له. كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وكما أخبر عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر- ٣] فأنكر تعالى ذلك عليهم حيث اعتقدوا ذلك وهو تعالى لا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له ثم إنه (٤) قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم يزجرهم عن ذلك وينهاهم عن عبادة من سوى الله فكذبوهم. انتهى (٥).
والمقصود بيان شرك المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، وأنهم ما أرادوا ممن عبدوا إلاّ التقرب إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله. وبيان أن طلب الحوائج من الموتى والإستغاثة بهم في الشدائد أنه من الشرك الذي كفر الله به المشركين.
وبيان أن الشفاعة كلها لله ليس لأحد معه من الأمر شيء. وأنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله. وإنه تعالى لا يأذن إلاّ لمن رضي (٦) قوله
стр. 43
وعمله. وأنه لا يرضى إلاّ التوحيد. كما تقدمت الأدلة الدالة على ذلك.
ومعلوم أن أعلى الخلق، وأفضلهم، وأكرمهم عند الله هم: الرسل (١)، والملائكة المقربون، وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئاً إلاّ بعد إذنه لهم، وأمرهم فيأذن الله سبحانه لمن شاء أن يشفع، فيه. فصارت الشفاعة فيه الحقيقة إنما هي له تعالى، والذي يشفع (٢) عنده إنما شفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته أن يرحم عبده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها المشركون ومن وافقهم، وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية [البقرة- ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة- ٢٥٤].
ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، كما صرحت بذلك النصوص. فروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلاّ الله خالصاً من قلبه" (٣).
стр. 44
وعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "أتاني آتٍ من عندي ربي فخيرني بين أن (١) يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً". رواه الترمذي وابن ماجه (٢).
فأسعد الناس بشفاعة رسول الله ﷺ أهل التوحيد، والذين جردوا التوحيد لله، وأخلصوه من التعلقات الشركية، وهم الذين ارتضى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الانبياء- ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه- ١٠٩] فأخبر سبحانه أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاه قول المشفوع له وإذنه للشافع فيه وأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه، فإنه سبحانه علقها بأمرين رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع. فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه سبحانه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضي عن المشفوع، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة.
стр. 45
فالرب ﵎ هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك ولهذا أثبتها سبحانه بإذنه في مواضع من كتابه، وبين النبي ﷺ انها لا تكون إلاّ لأهل التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعوف بن مالك.
فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعة، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهة ومعبوده هو الذي يأذن سبحانه للشفيع أن يشفع فيه. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ الآية [الزمر- ٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس- ١٨] فبين أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم، وإنما تحصل بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له كما تقدم بيانه.
والمقصود أن الكتاب والسنة دلاَّ على أن من جعل الملائكة، أو الأنبياء، أو ابن عباس أو أبا طالب، أو المحجوب "وغيرهم من الأنبياء والصالحين" (١) وسائط بينه وبين الله ليشفعوا له عند الله، لأجل قربهم من الله، كما يفعل عند الملوك أنه كافر مشرك، حلال المال والدم، وإن قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد (٢) أن محمداً رسول الله، وصلى، وصام، وزعم أنه مسلم، بل هو من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
стр. 46
ومن تأمل القرآن العزيز وجده مصرحاً بأن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بأن اله سبحانه هو الخالق الرازق، وأنا السموات السبع، ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده، وتحت قهره، وتصرفه، كما حكاه تعالى عنهم في سورة "يونس" وسورة "المؤمنون" و"العنكبوت" وغيرها من السور، ووجده مصرحاً بأن المشركين يدعون الصالحين كما ذكر تعالى ذلك (١) عنهم في سورة "سبحان" و"المائدة" وغيرهما من السور، وكذلك أخبر (٢) عنهم أنهم يعبدون الملائكة، كما ذكر ذلك في "الفرقان" (٣) و"سبأ" و"النجم"، ووجده مصرحاً أيضاً (٤) بأن المشركين ما أراد ما ممن عبدوا إلا الشفاعة، والتقرب إلى الله، كما ذكر تعالى ذلك عنهم في سورة "يونس" و"الزمر" وغيرهما من السور (٥).
فإذا تبين لكم أن القرآن قد صرح بهذه المسائل الثلاث أعني:
اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية.
وأنهم يدعون الصالحين.
وأنهم ما أرادو (٦) منهم إلاّ الشفاعة "التقرب إلى الله" (٧).
تبين لكم أن هذا الذي يفعل عند القبور اليوم، من سؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد، أنه الشرك الأكبر الذي كفر الله به
стр. 47
المشركين، فإن هؤلاء المشركين مشبهون شبهوا الخالق تعالى بالمخلوق (١) وفي القرآن، وكلام أهل العلم من الرد على هؤلاء ما لا
стр. 48
يتسع له هذا الموضع، فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة (١).
إما لإخبارهم عن (٢) أحوال الناس بما لا يطلعون عليه (٣). ومن قال: إن الله لا يطلع على (٤) أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء، أو غيرهم من الأولياء والصالحين فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السّر وأخفى، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
الثاني: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه إلاّ بأعوان يعاونونه فلا بدّله من أعوان وأنصار لذلّه وعجزه. والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سحبانه ربّه وخالقه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم. والله سبحانه ليس له شريك في الملك بل لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ولهذا لا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهما فإن من شفع عنده بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب أثر فيه بشفاعته حتى يفعل ما يطلب منه. والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه.
الثالث: أن يكون الملك ليس مريداً النفع لرعيته (٥)، والإحسان إليهم، إلاّ بمحرّك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه،
стр. 49
أو يعظه، أو من يدل عليه (١)، بحيث يكون يرجوه ويخافه، تحركت إرادة الملك، وهمته في قضاء حوائج رعيته. والله تعالى رب كل شيء، ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها (٢)، وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته، وإرادته فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وهو سبحانه إذا أراد إجراء نفع العباد بعضهم على يد بعض (٣) جعل هذا يحسن إلى هذا، أو يدعو له (٤)، أو يشفع له فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي إرادة الإحسان، والدعاء، والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده، أو يعلمه ما لم يكن يعلم، والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلاّ بإذنه كما تقدم إيضاحه (٥)، بخلاف الملوك المحتاجين، فإن الشافع عندهم يكون شريكاً لهم في الملك، وقد يكون مظاهراً لهم (٦) معاوناً لهم على ملكهم، وهم يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك،
стр. 50
والملك يقبل شفاعتهم تارة لحاجته إليهم، وتارة لجزاء إحسانهم، ومكافأتهم حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك، فإنه محتاج إلى الزوجة والولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه فإنه إذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه (١)، ويقبل شفاعة أخيه مخافة أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلاّ لرغبة أو لرهبة (٢). والله تعالى لا يرجو أحداً، ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني سبحانه عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوق، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ -إلى قوله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس- ١٨]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء- ٥٦ - ٥٧] فأخبر سبحانه أن ما يدعى من دونه لا يملك كشف الضر ولا تحويله، وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويتقربون إليه. فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسط الملائكة والأنبياء. وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله هدايته (٣)، وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ [الكهف- ١٧].
стр. 51
المسألة الثانية
[وهي: من قال لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، ولم يصل، ولم يزك هل يكون مؤمناً].
فنقول: أما من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وهو مقيم على شركه يدعو الموتى ويسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات فهذا كافر مشرك حلال المال والدم وإن قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وصلى وصام وزعم أنه مسلم كما تقدم بيانه.
وأما إن وحّد الله تعالى ولم يشرك به لكنه ترك الصلاة ومنع الزكاة، فإن كان جاحداً للوجوب فهو كافر إجماعاً، وأما أن أقراّ بالوجوب ولكنه ترك الصلاة تكاسلاّ عنها فهذا قد اختلف العلماء في كفره.
والعلماء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة لا يجمعون على ضلالة، وإذا تنازعوا في شيء ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، إذا الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق بل كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا الله والرسول. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء- ٥٩]. قال العلماء الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى السنة بعد وفاته. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى- ١٠] وقد ذم الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعا عند التنازع إلى غيره، فقال
стр. 52
تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء- ٦١]. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف العلماء ﵏ في تارك الصلاة كسلاً من غير جحود، فذهب الإمام أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك إلى أنه لا يحُكم بكفره واحتجوا بما رواه عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" (١).
стр. 53
وذهب إمامنا أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهويه وعبدا الله بن المبارك والنخعي والحكم وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين إلى أنه كافر، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعاً ذكره عنه الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي في شرح الأربعين. وذكره في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر عن جمهور الصحابة ﵃.
وقال الإمام أبو محمد بن حزم: سائر الصحابة ﵃ ومن بعدهم من التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقاً ويحكمون عليه بالإرتداد، منهم أبو بكر وعمر وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله "وأبو الدرداء" وأبو هريرة" (١) وعبد الرحمن بن عوف "وغيرهم من الصحابة ولا نعلم لهؤلاء
стр. 54
مخالفاً من الصحابة ﵃ أجمعين" (١).
وأجابوا عن قوله ﷺ : "من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له" أنّ المراد عدم المحافظة عليهن في وقتهن بدليل الآيات والأحاديث الورادة فيها وفي تركها.
واحتجوا على كفر تاركها بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (٢) وعن بريدة بن الحصيب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" رواه الإمام أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حديث صحيح إسناده على شرط مسلم (٣) وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين العبد والكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك" (٤).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: "من حافظ
стр. 55
عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً وبرهاناً ونجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" رواه الإمام أحمد وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه (١).
وعن عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: "لا تشركوا بالله شيئاً ولا تتركوا الصلاة عمداً فمن تركها عمداً خرج من الملة" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه (٢). وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ : "من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله" رواه الإمام أحمد (٣) وعن أبي الدرداء قال: أوصاني أبو القاسم ﷺ أن لا أترك الصلاة متعمداً فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة. رواه ابن أبي حاتم (٤) وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 56
"رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة … " الحديث وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي (١).
فهذه الأحاديث كما ترى صريحة في كفر تارك الصلاة مع ما تقدم من إجماع الصحابة، كما حكاه إسحاق بن راهويه وابن حزم وعبد الله بن شقيق، وهو مذهب جمهور العلماء من (٢) التابعين ومن بعدهم.
ثم اعلم "رحمك الله وأرشدك" (٣) أن العلماء كلهم مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلاً إلاّ أبا حنيفة ومحمد بن شهاب الزهري وداود فإنهم قالوا يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب.
ومن احتج لهذا القول بقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاً الله فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاً بحقها" (٤) فقد أبعد النجعة، فإن هذا الحديث لا حجة فيه، بل هو حجة لمن يقول بقتله كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
واحتج الجمهور على قتله بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله
стр. 57
تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة- ٥] فشرط الكف التوبة من الشرك وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد هذه الثلاث لم يكف عن قتالهم ولم يخل سبيلهم.
قال ابن ماجه ثنا نصر بن علي ثنا (٢) أو أحمد ثنا "أبو جعفر الزازي" (٣) عن الربيع بن أنس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من فارق الدنيا على (٤) والإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مات والله عنه راضٍ" قال أنس: وهو الدين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء. وتصديق ذلك في كتاب الله، في آخر ما نزل: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ قال: خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (٥) -وقال في آية أخرى- ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة- ١١] (٦)(٧).
стр. 58
وأما السنة فثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله" (١)
فعلق العصمة على الشهادتين والصلاة والزكاة.
وقد بعث النبي ﷺ كتاباً فيه: "من محمد رسول الله إلى أهل عمّان أما بعد: فأقروا بشهادة أن لا إله إلاّ الله. وأني رسول الله. وأدوا الزكاة. وخطوا المساجد. وإلا غزوتكم" خرّجه الطبراني والبزار وغيرهما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في "شرح الأربعين" (٢).
وروى ابن شهاب عن حنظلة عن علي بن الأشجع أن أبا بكر الصديق بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس. فمن ترك واحدة منهن فقاتله عليها كما تقاتل على الخمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله. وأن محمداً رسول الله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وصوم رمضان. وحج بيت الله الحرام. وقال سعيد بن جبير: قال عمر بن الخطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه كما نقاتل على ترك الصلاة والزكاة.
стр. 59
وبالجملة فالكتاب والسنة يدلان على أن القتال ممدود إلى الشهادتين والصلاة والزكاة وقد أجمع العلماء على ذلك. قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن (١) شريعة من شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربين وأولى انتهى.
وأما حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالواها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها" فهذا لا إشكال فيه -بحمد الله- (٢) وليس لكم فيه حجة بل هو حجة عليكم ولو لم يكن إلاّ قوله: "إلاّ بحقها" لكان كافياً في إبطال قولكم وقد قال علماؤنا ﵏ إذا قال الكافر لا إله إلاّ الله، فقد شرع في العاصم (٣) لدمه فيجب الكف عنه فإن تم ذلك تحققت العصمة وإلاّ بطلت ويكون النبي ﷺ قد قال كل حديث في وقت. فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله" ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كُفّ عنه وصار دمه وماله معصوماً ثم بين ﷺ في الحديث الآخر أنّ القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين فقال: "أمر أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمداً رسول الله. ويقيموا الصلاة. ويؤتوا الزكاة" فبين أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك ولئلا تقع الشبهة بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاّها أبو بكر الصديق ثم وافقوه ﵃.
стр. 60
ومما يبين فساد قولكم وخطأ فهمكم في معنى حديث أبي هريرة أن الصحابة ﵃ أجمعوا على قتال مانعي الزكاة بعد مناظرة حصلت بين أبي بكر وعمر ﵄ واستدل عمر على أبي بكر بحديث أبي هريرة فبين صدّيق الأمة ﵁ أن الحديث حجة على قتال مانعي الزكاة وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ويصلون.
ونحن نسوق الحديث ثم نذكر ما قاله (١) العلماء في شرحه (٢) ليتبين لكم أن فهمكم الفاسد لم يقل به أحد من العلماء وأنه فهم مشؤم مذموم مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة فنقول:
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكَفَرَ من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله. وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها". فقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال فوالله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الزكاة ومسلم في كتاب الإيمان. وهو من أعظم الأدلة على فساد قولكم، فإن الصديق ﵁ جعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب.
стр. 61
وقد تكلم النووي ﵀ على هذا الحديث في شرح صحيح مسلم فقال: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله. محمد رسول الله. ويقيم الصلاة. ويؤتوا الزكاة. ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ . وأن من قال ذلك عصم نفسه وماله إلاّ بحقها ووكلت سريرته إلى الله تعالى. وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام. واهتمام الإمام بشرائع الإسلام.
وساق (١) الحديث ثم قال: قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلاماً حسناً لا بدّ من ذكره لما فيه من الفوائد. قال ﵀: مما يجب تقديمه في هذا أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا (٢) الملة وعادوا لكفرهم وهم الذين عنى أبو هريرة بقوله: "وكفر من كفر من العرب" والصنف الآخر فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة (٣) من كان يسمع بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم جمعوا زكاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر ﵁ فراجع أبا بكر ﵁ وناظره واحتج عليه بقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قال لا إله إلاّ الله فقد عصم نفسه وماله" وكان هذا من عمر تعلقاً بظاهر الكلام
стр. 62
قبل أن ينظر في آخر ويتأمل شرائطه. فقال له أبو بكر: الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم. ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة –﵃ ولذلك ردّ المختلف فيه إلى المتفق عليه فلما استقر عندهم صحة رأي أبي بكر وبان لعمر صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله: "فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أنه الحق" يريد انشراح صدوره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصاً ودلالة انتهى.
فتأمل هذا الباب الذي ذكره النووي –﵀ وهو إمام الشافعية على الإطلاق تجده صريحاً في ردّ شبهتكم أن من قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. لا يباح دمه وماله وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة فالترجمة بنفسها صريحة في ردّ قولكم فإنه صرح بالأمر بالقتال على ترك الصلاة ومنع الزكاة. وتأمل ما ذكره الخطابي أن الذين منعوا الزكاة منهم من كان يسمع بها ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدّوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم كبني يربوع فإنهم أرادوا أن يبعثوها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم. وأنه عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر في أمر هؤلاء ثم إن عمر وافق أبا بكر على قتالهم.
وتأمل قوله: احتج عمر بقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله". وكان هذا من عمر تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخر ويتأمل شرائطه" وتأمل قوله: "أن قتال الممتنع عن الصلاة كان إجماعاً من الصحابة" وقد أشار
стр. 63
الخطابي إلى أن حديث أبي هريرة مختصر. قال النووي ﵀ قال الخطابي: ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر أن عبد الله بن عمر وأنساً ﵄ روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة. ففي حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حيث يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها" وفي رواية أنس: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله. وأن يستقبلوا قبلتنا. وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا. فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها. لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" انتهى.
قلت (١): وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به. فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها". وفي استدلال أبي بكر واعترض عمر ﵁ دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة وكأن (٢) هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس آخر فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث فإن هذه الزيادة حجة عليه. ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتج بها، ولما كان احتج بالقياس والعموم والله أعلم. انتهى كلام النووي.
стр. 64
فتأمل ما ذكره الخطابي تجده صريحاً في ردّ قولكم. وتأمل قوله: "فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث فإن هذه الزيادة حجة عليه" وبالجملة فحديث أبي هريرة حجة عليكم لا لكم. ولو لم يكن فيه إلاّ قوله: "بحقها" لكان كافياً في بطلان شبهتكم، فإن الصلاة والزكاة من أعظم حقوق لا إله إلاّ الله بل هم أعظمها على الإطلاق.
ومما يد على بطلان قولكم وفساد فهمكم في معنى الحديث أعني حديث أبي هريرة- "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله" أن جميع الشراح والمحشين لم يتأولوه على هذا التأويل الذي ذهبتم إليه. فإنه حديث صحيح مخرج في الصحاح، هؤلاء شراح البخاري ومحشيه نحواً (١) من أربعين كما نبه عليه القسطلاّني في خطبة شرح البخاري وكذا شراح مسلم هل أحد منهم استدل به على ترك قتال (٢) من ترك الفرائض بل الذي ذكروه خلاف ما ذهبتم إليه ولو لم يكن إلاّ احتجاج عمر به على أبي بكر ثم موافقته لأبي بكر على قتال مانعي الزكاة لكان كافياً.
ونحن نذكر لكم كلام الشراح عذراً ونذراً. قال النووي -رحمه الله تعالى-: قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فمن قال: لا إله إلاً الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله ". قال الخطابي: معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف. قال ومعنى "حسابه على الله" أي
стр. 65
فيما يسرونه ويخفونه "دون ما يخلون به في الظاهر.
قال ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل منه إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر العلماء وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل (١) هذا كلام الخطابي. وذكر القاضي عياض ﵀ معنى هذا وزاد عليه وأضحه فقال: اختصاص عصمة المال والنفس لمن قال لا إله إلاّ الله تعبير (٢) عن الإجابة إلى الإيمان وأن المراد مشركو العرب، وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام وقوتل (٣) عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقول لا إله إلاّ الله إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده ولذلك جاء الحديث الآخر: "وأني رسول الله. ويقيم الصلاة. ويؤتي الزكاة". هذا كلام القاضي عياض.
قلت: ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة: "حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به". انتهى كلام النووي.
فتأمل ما ذكره الخطابي وما ذكر القاضي أن المراد بقول: "لا إله إلاّ الله التعبير عن الإجابة إلى الإيمان، واستدل لذلك بالحديث الآخر الذي فيه "وأني رسول الله. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة".
стр. 66
وتأمل قوله: "إن المراد بحديث أبي هريرة مشركو العرب، ومن لا يوحد، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقول لا إله إلاّ الله. إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده".
وتأمل قول النووي: "ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ " وبالجملة فقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله" لا (١) نعلم أحداً من العلماء أجراه على ظاهره، وقال إن من قال لا إله إلاّ الله يكف عنه ولا يجوز قتاله وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة. هذا لم يقل به أحد من العلماء. ولازم قولكم أن اليهود لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله. "وأن الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب لا يجوز قتالهم، لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله" (٢) وأن الصحابة مخطئون في قتالهم لمانعي الزكاة لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله. بل ولازم قولكم أن بني حنيفة مسلمون لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله. سبحان الله ما أعظم هذا الجهل ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم- ٥٩].
ومن العجب أنكم تقرؤون في صحيح البخاري هذا الباب الذي ذكره في كتاب الإيمان. حيث قال: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ثنا عبد الله بن محمد المسندي (٣) ثنا أبو روح الحرمي (٤) ثنا شعبة عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي
стр. 67
يحدث عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمداً رسول الله. ويقيموا الصلاة. ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منهي دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله" ثم بعد ذلك تقولون من قال: لا إله إلاّ الله حرم ماله ودمه ولا أدري بماذا تجيبون به عن هذه الآية والحديثين اللذين ذكرهما البخاري وبأي شيء تدفعون به هذه الأدلة؟.
وقال الإمام أبو عيسى الترمذي في سننه باب أمرت أن أقاتل الناس حيت يقولوا لا إله إلاّ الله. ثنا هناد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله" الحديث ثم أردفه بحديث أبي هريرة في قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، وساق الحديث بتمامه. ثم قال: باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. ويقيموا الصلاة. ثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني ثنا ابن المبارك (١) ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمداً عبده ورسوله. وأن تستقبلوا قبلتنا ويأكلوا ذبيحتنا. وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي هريرة. هذا حديث حسن صحيح.
والمقصود بيان فساد هذه الشبهة التي دسها من يدعي أنه من العلماء على الجهلة من الناس أن من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله
стр. 68
فهو مسلم ولا يجوز قتله وإن ترك فرائض الإسلام. فهذا كلام الله وهذا كلام رسوله وهذا كلام العلماء صريحاً (١) في رد هذه الشبهة بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الطائفة الممتنعة تقاتل على ترك الصلاة ومنع الزكاة وإن أقرّوا بالوجوب كما تقدمت النصوص الدالة على ذلك. بل قد صرح العلماء أن أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة يقاتلون كما سيأتي. وصرحوا أيضاً بأنهم لو تركوا إقامة صلاة الجماعة يُقاتلون. وكذلك لو تركوا صلاة العيد. وعلماء الحرم الشريف (٢) يقولون: من قال لا إله إلاّ الله فقد عصم ماله ونفسه وإن لم يُصل ولم يُزك (٣) فسبحان الله مقلب القلوب والأبصار (٤) كيف يشاء. وهل هذا إلاّ معارضة لكلام الله وكلام رسول وكلام أئمة المذاهب، وهذا كلامهم موجود في كتبهم يُصرحون بأن من ترك الصلاة قُتل وأن الطائفة الممتنعة من فعل الصلاة والزكاة والصيام والحج تقاتل حتى يكون الدين كله لله، ويحكون عليه الإجماع كما صرح بذلك أئمة الحنابلة في كتبهم فإذا كانوا مصرحين بأن من ترك بعض شعائر الإسلام كأهل قرية إذا تركوا الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد أنهم يقاتلون فكيف بمن ترك الصلاة رأساً. وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فقد عصم ماله ودمه وإن كانوا طائفة ممتنعين من فعل الصالة والزكاة. بل يصرحون بأن أهل (٥) البوادي مسلمون (٦) حرام علينا دماؤهم وأموالهم مع العلم القطعي بأنهم لا
стр. 69
يؤذنون ولا يصلون ولا يزكون بل الظاهر عنهم أنهم كافرون بالشرائع وينكرون البعث بعد الموت. سبحان الله ما أعظم هذا الجهل. وقد ذكرنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام شراح الحديث ما فيه الهدى لمن هداه الله.
وبينا أن العصمة شرطها التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فمن لم يأت بهذه الثلاث لم يكف عنه ولم يخل سبيله وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال- ٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة- ٥]، وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله".
وأما كلام الفقهاء فنذكره على التفصيل إن شاء الله! أما كلام المالكية فقال الشيخ علي الأجهوري في شرح المختصر: من ترك فرضاً آخر لبقاء (١) ركعة بسجدتيها من الضروري قتل بالسيف حداً على المشهور. وقال ابن حبيب وجماعة ظاهر المذهب كفراً، واختاره ابن عبد السلام انتهى.
وقال في فضل الأذان، قال المازري: في الأذان معنيان أحدهما إظهار الشعائر والتعريف بأن الدار دار (٢) إسلام وهو فرض كفاية
стр. 70
يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه، فإن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بقتال قوتلوا (١)، والثاني الدعاء للصالة والأعلام بوقتها.
وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع الأذان أغار والا أمسك (٢)، وقال المصنف يقاتلون عليه ليس القتال عليه من خصائص القول بالوجوب لأنه نصّ عن عياض، وفي قول المصنف والوتر غير واجب إلاّ (٣) أنهم اختلفوا في التمالي على ترك السنن هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم لأن في التمالي على تركها إماتتها. انتهى
وقال في فضل صلاة الجماعة. قال ابن رشد: صلاة الجماعة مستحبة للرجل في نفسه (٤) فرض كفاية في الجملة. ويعني بقوله في الجملة أنها فرض كفاية على أهل المصر ولو تركوها قوتلوا كما تقدم انتهى.
وعبارة غيره وإن تركها أهل بلد قوتلوا وأهل حارة أجبروا عليها. انتهى كلام الشيخ علي الأجهوري.
فانظر تصريحهم بأن تارك الصلاة يقتل باتفاق أصحاب مالك وإنما اختلفوا في كفره، وأن ابن حبيب وابن عبد السلام اختاروا أنه يقتل كافراً. وتأمل كلامهم في الطائفة الممتنعة عن الأذان أو عن إقامة الجماعة في المساجد أنهم يقاتلون، فأين هذا من قولكم إن من ترك
стр. 71
الفرائض مع الإقرار بوجوبها لا يحلّ قتالهم لأنهم يقولون: لا إله إلاّ الله.
وأما كلام الشافعية فقال الشيخ الإمام العلامة أحمد بن حمدان الأذرعي ﵀ في كتاب "قوت المحتاج في شرح المنهاج". من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها كفر بالإجماع، وذلك جار في كل جحود مجمعٍ عليه معلوم من الدين بالضرورة، فمن تركها كسلاً قتل حداً على الصحيح أو المشهور. أما قتله فلأن الله أمر بقتل المشركين ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. [التوبة- ٥] فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولما في الصحيحين "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها" ثم قال: "إشارات" منها جعل قتلة ردة ووجد لشر ذمة منهم منصور التميمي، وابن خزيمة، وقضية كلام الرونق أنه كلام منصوص (١) حيث قال: فإذا قتل ففي ماله ودفنه بين المسلمين قولان: أحدهما ما رواه الربيع عن الشافعي إن ماله يكون فيئاً ولا يدفن في مقابر المسلمين والثاني ما رواه المزني عن الشافعي أن ماله يكون لورثته ويدفن في مقابر المسلمين. وقال منصور في المستعمل سألت الربيع ما نصنع بماله إذا قتلناه؟ قال يكون فيئاً. "ومنها" قال في الروضة: تارك الوضوء يقتل على الصحيح جزم به الشيخ أبو حامد. وفي البيان: لو صلى عرياناً مع القدرة على السترة (٢) أو الفريضة قاعداً بلا عذر قتل، وكذلك لو ترك التشهد أو الإعتدال، حكاه ابن الأستاذ عن البحر. فإن صح طُرد في سائر الأركان
стр. 72
والشروط، ويجب أن يكون محله فيما أجمع عليه، ومنها لو امتنع من الصوم والزكاة حسب ومنع المفطرات. وقال إمام الحرمين يجوز أن يجعل الممتنع مما يضيق عليه كالممتنع من الصلاة يجبر عليه فإن أبى ضربت عنقه.
قال المصنف والصحيح قتله بصلاة واحدة بشرط إخراجها عن وقت الضرورة انتهى كلام الأذرعي فانظر كلامه في قتل من ترك الصلاة كسلاً. وأن ربيع روى عن الشافعي أن ماله يكون فيئاً ولا يدفن في مقابر المسلين.
وتأمل كلام أبي حمد وكالم صاحب الروضة في قتل تارك الوضوء وكلام صاحب البيان فيمن صلى عرياناً مع القدرة على السترة وصلى الفريضة قاعداً بلا عذر أنه يقتل فأين هذا من قولكم إن من قال لا إله إلاّ الله كف عنه ولا يجوز قتاله بوجه من الوجوه. وقال الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي (١) في التحفة في باب حكم تارك الصلاة: ان ترك الصلاة جاحداً وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلاً مع اعتقاده وجوبها قتل للآية ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وخبر "أمرت أن أقاتل الناس" فإنهما شرطان (٢) في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لأن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة فإنه لا يمكن فعلها بالمقاتلة. فكانت فيها بمعن القتل (٣).
وقال في باب صلاة الجماعة: قيل وهي فرض للرجل فتجب
стр. 73
بحيث تظهر بها الشعائر (١) في ذلك المحل في البادية أو غيرها فإن لم يظهر الشعار بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم -كأهل محلة من قرية كبيرة ولم يظهر الشعار إلا بهم- قتلوا، يقاتلهم (٢) الإمام أو نائبه لإظهار هذه الشعيرة الكبيرة.
وقال في باب الأذان: الأذان والإقامة سنة وقيل فرض كفاية فيقاتل أهل بلد تركوهما أو أحدهما بحيث لم يظهروا الشعائر (٣). وقال في باب صلاة العيدين: هي سنة وقيل فرض كفاية فعليه يقاتل أهل بلد تركوهما أو أحدهما. انتهى كلامه في التحفة (٤).
فانظر إلى كلامه في قتل تارك الصلاة كسلاً. وتأمل قوله إن الآية والحديث شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقام
стр. 74
الصلاة وإيتاء الزكاة، وإن الإمام يأخذ الزكاة بالمقاتلة ممن امتنعوا أو قاتلوا. وتأمل كلامه في باب صلاة الجماعة، وأنها تجب بحيث يظهر الشعار في ذلك المحل حتى في البادية وأنهم يقاتلون إذا امتنعوا. وتأمل كلامه في الأذان والإقامة، وأن الإمام يقاتل على تركهما وعلى ترك أحدهما على القول بأنهما فرض كفاية. وتأمل كلامه في الطائفة إذا امتنعوا من صالة العيدين، فأين هذا من كلام من يقول: إن أهل البلد والبوادي إذا قالوا: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله لم يجز قتالهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا، سبحان الله ما أعظم هذا الجهل.
وأما كلام الحنابة فقال في الإقناع وشرحه في كتاب الصلاة ومن حجب وجوبها كفر، فإن تركها تهوناً وكسلاً لا جحوداً (١) دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به كالمرض ونحوه، فيهدّده فإن أبى أن يصليها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. [التوبة- ٥]. فمن (٢) ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقى على إباحة القتل وبقوله ﵇: "ومن ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ورسوله".
رواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيد (٣)، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام كمرتد (٤) نصاً، فإن تاب بفعلها وإلاّ قتل بضرب عنقه بالسيف لما رواه جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم وروى بريدة
стр. 75
أن النبي ﷺ قال: "من تركها فقد كفر" رواه الخمسة وصححه الترمذي، انتهى وقال –﵀ في باب الأذان والإقامة: فإن تركهما أي الأذان والإقامة أهل بلد قوتلوا، أي يقاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوهما، لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فقوتلوا على تركهما كصلاة العيد.
وقال ﵀ في باب صلاة الجماعة: وهي واجبة وجوب عين، فيقاتل تاركها كالأذان، لكن الأذان إنما يقاتل على تركه إذا تركه أهل البلد كلهم بخلاف الجماعة فإنه يقاتل تاركها وإن أقامها غيره لأن وجوبها على الأعيان بخلافه. وقال ﵀ في باب صلاة العيدين: وهي فرض كفاية إن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر قاتلهم الإمام كالأذان لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.
وقال ﵀ في "باب إخراج الزكاة" ومن منعها بخلاً أو تهاوناً أخذت منه قهراً كدين الآدمي، وإن غيب ماله أو كتمه وأمكن أخذها بأن كان في قبضة الإمام أخذت منه بغير زيادة، وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوباً، فإن تاب وأخرج كفّ عنه وإلاّ قتل لإتفاق الصحابة على قتال مانعيها وغن لم يمكن أخذها إلاّ بقتال وجب على الإمام قتاله إن وضعها موضعها، انتهى كلامه في الإقناع وشرحه.
فتأمل كلامه فيمن ترك الصلاة كسلاً من غير جحود أن يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل كافراً وتأمل كلامه في أهل البلدان، إذا تركوا الأذان والإقامة وصلاة العيد أنهم يقاتلون بمجرد ترك ذلك، فهذا كلام المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه، فإذا كانوا مصرحين بقتال من التزم شرائع