الفرائض مع الإقرار بوجوبها لا يحلّ قتالهم لأنهم يقولون: لا إله إلاّ الله.
وأما كلام الشافعية فقال الشيخ الإمام العلامة أحمد بن حمدان الأذرعي ﵀ في كتاب "قوت المحتاج في شرح المنهاج". من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها كفر بالإجماع، وذلك جار في كل جحود مجمعٍ عليه معلوم من الدين بالضرورة، فمن تركها كسلاً قتل حداً على الصحيح أو المشهور. أما قتله فلأن الله أمر بقتل المشركين ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. [التوبة- ٥] فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولما في الصحيحين "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها" ثم قال: "إشارات" منها جعل قتلة ردة ووجد لشر ذمة منهم منصور التميمي، وابن خزيمة، وقضية كلام الرونق أنه كلام منصوص (١) حيث قال: فإذا قتل ففي ماله ودفنه بين المسلمين قولان: أحدهما ما رواه الربيع عن الشافعي إن ماله يكون فيئاً ولا يدفن في مقابر المسلمين والثاني ما رواه المزني عن الشافعي أن ماله يكون لورثته ويدفن في مقابر المسلمين. وقال منصور في المستعمل سألت الربيع ما نصنع بماله إذا قتلناه؟ قال يكون فيئاً. "ومنها" قال في الروضة: تارك الوضوء يقتل على الصحيح جزم به الشيخ أبو حامد. وفي البيان: لو صلى عرياناً مع القدرة على السترة (٢) أو الفريضة قاعداً بلا عذر قتل، وكذلك لو ترك التشهد أو الإعتدال، حكاه ابن الأستاذ عن البحر. فإن صح طُرد في سائر الأركان
стр. 72
والشروط، ويجب أن يكون محله فيما أجمع عليه، ومنها لو امتنع من الصوم والزكاة حسب ومنع المفطرات. وقال إمام الحرمين يجوز أن يجعل الممتنع مما يضيق عليه كالممتنع من الصلاة يجبر عليه فإن أبى ضربت عنقه.
قال المصنف والصحيح قتله بصلاة واحدة بشرط إخراجها عن وقت الضرورة انتهى كلام الأذرعي فانظر كلامه في قتل من ترك الصلاة كسلاً. وأن ربيع روى عن الشافعي أن ماله يكون فيئاً ولا يدفن في مقابر المسلين.
وتأمل كلام أبي حمد وكالم صاحب الروضة في قتل تارك الوضوء وكلام صاحب البيان فيمن صلى عرياناً مع القدرة على السترة وصلى الفريضة قاعداً بلا عذر أنه يقتل فأين هذا من قولكم إن من قال لا إله إلاّ الله كف عنه ولا يجوز قتاله بوجه من الوجوه. وقال الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي (١) في التحفة في باب حكم تارك الصلاة: ان ترك الصلاة جاحداً وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلاً مع اعتقاده وجوبها قتل للآية ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وخبر "أمرت أن أقاتل الناس" فإنهما شرطان (٢) في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لأن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة فإنه لا يمكن فعلها بالمقاتلة. فكانت فيها بمعن القتل (٣).
وقال في باب صلاة الجماعة: قيل وهي فرض للرجل فتجب
стр. 73
بحيث تظهر بها الشعائر (١) في ذلك المحل في البادية أو غيرها فإن لم يظهر الشعار بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم -كأهل محلة من قرية كبيرة ولم يظهر الشعار إلا بهم- قتلوا، يقاتلهم (٢) الإمام أو نائبه لإظهار هذه الشعيرة الكبيرة.
وقال في باب الأذان: الأذان والإقامة سنة وقيل فرض كفاية فيقاتل أهل بلد تركوهما أو أحدهما بحيث لم يظهروا الشعائر (٣). وقال في باب صلاة العيدين: هي سنة وقيل فرض كفاية فعليه يقاتل أهل بلد تركوهما أو أحدهما. انتهى كلامه في التحفة (٤).
فانظر إلى كلامه في قتل تارك الصلاة كسلاً. وتأمل قوله إن الآية والحديث شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقام
стр. 74
الصلاة وإيتاء الزكاة، وإن الإمام يأخذ الزكاة بالمقاتلة ممن امتنعوا أو قاتلوا. وتأمل كلامه في باب صلاة الجماعة، وأنها تجب بحيث يظهر الشعار في ذلك المحل حتى في البادية وأنهم يقاتلون إذا امتنعوا. وتأمل كلامه في الأذان والإقامة، وأن الإمام يقاتل على تركهما وعلى ترك أحدهما على القول بأنهما فرض كفاية. وتأمل كلامه في الطائفة إذا امتنعوا من صالة العيدين، فأين هذا من كلام من يقول: إن أهل البلد والبوادي إذا قالوا: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله لم يجز قتالهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا، سبحان الله ما أعظم هذا الجهل.
وأما كلام الحنابة فقال في الإقناع وشرحه في كتاب الصلاة ومن حجب وجوبها كفر، فإن تركها تهوناً وكسلاً لا جحوداً (١) دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به كالمرض ونحوه، فيهدّده فإن أبى أن يصليها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. [التوبة- ٥]. فمن (٢) ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقى على إباحة القتل وبقوله ﵇: "ومن ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ورسوله".
رواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيد (٣)، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام كمرتد (٤) نصاً، فإن تاب بفعلها وإلاّ قتل بضرب عنقه بالسيف لما رواه جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم وروى بريدة
стр. 75
أن النبي ﷺ قال: "من تركها فقد كفر" رواه الخمسة وصححه الترمذي، انتهى وقال –﵀ في باب الأذان والإقامة: فإن تركهما أي الأذان والإقامة أهل بلد قوتلوا، أي يقاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوهما، لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فقوتلوا على تركهما كصلاة العيد.
وقال ﵀ في باب صلاة الجماعة: وهي واجبة وجوب عين، فيقاتل تاركها كالأذان، لكن الأذان إنما يقاتل على تركه إذا تركه أهل البلد كلهم بخلاف الجماعة فإنه يقاتل تاركها وإن أقامها غيره لأن وجوبها على الأعيان بخلافه. وقال ﵀ في باب صلاة العيدين: وهي فرض كفاية إن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر قاتلهم الإمام كالأذان لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.
وقال ﵀ في "باب إخراج الزكاة" ومن منعها بخلاً أو تهاوناً أخذت منه قهراً كدين الآدمي، وإن غيب ماله أو كتمه وأمكن أخذها بأن كان في قبضة الإمام أخذت منه بغير زيادة، وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوباً، فإن تاب وأخرج كفّ عنه وإلاّ قتل لإتفاق الصحابة على قتال مانعيها وغن لم يمكن أخذها إلاّ بقتال وجب على الإمام قتاله إن وضعها موضعها، انتهى كلامه في الإقناع وشرحه.
فتأمل كلامه فيمن ترك الصلاة كسلاً من غير جحود أن يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل كافراً وتأمل كلامه في أهل البلدان، إذا تركوا الأذان والإقامة وصلاة العيد أنهم يقاتلون بمجرد ترك ذلك، فهذا كلام المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه، فإذا كانوا مصرحين بقتال من التزم شرائع
стр. 76
الإسلام، إلاّ أنهم تركوا الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد، فكيف بمن ترك الصلاة رأساً كالبوادي الذين لا يصلون ولا يزكون ولا يصومون، بل ينكرون الشرائع، ويكرون البعث بعد الموت، هذا هو الغاب عليهم إلا من شاء وهم القليل، وإلا فأكثرهم ليس معهم من الإسلام إلاّ أنهم يقولون لا لا إله إلاّ الله ومع هذا يجادل عنهم علماء مكة المشرفة ويقولون: إنهم مسلمون، وإن دماءهم وأموالهم حرام بحرمة الإسلام، وإن لم يصلوا ولم يزكوا ولم يصوموا إلاّ أنهم يقولون لا إله إلاّ الله، وهل هذا إلاً رد على الله تعالى حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة- ٥] وهؤلاء يقولون يخلى سبيلهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منهي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام". وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلاّ الله عصم دمه وماله وإن لم يصلّ ولم يزك ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم- ٥٩] فهذا كتاب الله وهذه سنة رسوله وهذا إجماع الصحابة على قتل من ترك الصلاة أو منع الزكاة. قال صدّيق الأمة أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ وفي رواية عناقاً لقاتلتهم على منعها، وهذا أيضاً إجماع العلماء قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام فإنه (١) يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله
стр. 77
كالمحاربين وأولى، انتهى. وقال أبو العباس ﵀: "القتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الزكاة أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو الزنا أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فان الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرّت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر أو الأذان أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها فال خلاف في القتال عليها"، انتهى كلامه.
فتأمل كلام إمام الحنابلة وتصريحه بأن من امتنع عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة كالصلوات الخمس أو الصيام أو الزكاة أو الحج، أو عن ترك المحرمات كالزنا أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ذلك، فإنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك حتى يكون الدين كله الله، ويلتزموا (١) جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائع الإسلام، وإن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الصحابة فمن بعدهم فأين هذا من قولكم: إن من قال لا إله إلاّ الله فقد عصم ماله ودمه وإن ترك (٢) الفرائض وارتكب (٣) المحرّمات، بل من تأمل سيرة النبي صلى الله
стр. 78
عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده عرف أن قولكم هذا مضاد لما فعله النبي ﷺ وما فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم. فيا سبحان الله: "أما علمتم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وهم يقولون لا إله إلاّ الله وسبي نساءهم، واستحلّ دماءهم وأموالهم" (١) أما علمتم أن رسول الله ﷺ أراد أن يغزو بني المصطلق لما قيل له إنهم منعوا الزكاة، وكان الذي قاله كاذباً، والقصة مشهورة في كتب الحديث والتفسير، ذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات- ٦].
أما علمتم أن علي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية مع أنهم يقولون لا إله إلاّ الله؟ أما علمتم أن الصحابة ﵁ قاتلوا الخوارج بأمر نبيهم ﷺ ، مع أنه ﷺ أخبر أن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قرآءتهم وقال: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم؟ " أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويؤذنون؟ (٢).
أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني يربوع لما منعوا الزكاة، مع أنهم مقرون بوجوبها وكانوا قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة وفي أمر هؤلاء عرضت الشبهة لعمر ﵁ حتى جلاها الصديق أبو بكر ﵁ وقال:
стр. 79
"والله لو منعوني عقالاً -وفي رواية عناقاً- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلى أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر لقتال فعرفت أنه الحق، وقد تقدم ذلك مبسوطاً، وذكرنا لفظه في شرح مسلم في "باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة".
أما علمتم أن رسول الله ﷺ بعث صاحب الراية (١) إلى رجل تزوج امرأة أبيه كما رواه الترمذي في سننه حيث قال: "باب ما جاء فيمن تزوج امرأة أبيه". حدثنا أبو سعيد الأشج أخبرنا حفص بن غياث (٢) عن أشعث عن عدي بن ثبات عن البراء قال: مرّ بي خالي أبو بردة ومعه لواء فقلت أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن آتيه برأسه، حديث حسن غريب، انتهى (٣).
стр. 80
ولو تتبعنا الآيات والأحاديث والآثار وكلام العلماء في قتال من قال: لا إله إلاّ الله إذا ترك بعض حقوقها لطال الكلام جداً، فكيف بمن ترك (١) الإسلام كله، وكذب به، واستهزأ به على عمد إلا أنهم يقولون: لا إله إلاّ الله كهؤلاء البوادي؟ وفيما ذكرنا كفاية لمن طلب
стр. 81
الإنصاف، فقد ذكرنا الأدلة من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة، وإجماع العلماء بعدهم. فإن كان هذا الذي ذكرنا له معنى آخر ما فهمناه بينوه لنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء فرحم الله أمرءاً نظر لنفسه، وعرف أنه ملاق الله الذي عنده الجنة والنار.
стр. 82
المسألة الثالثة
وهي: [أما المسألة الثالثة فقالوا فهل يجوز البناء على القبور؟].
فنقول: ثبت في الصحيحين والسنن عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن البناء على القبور وأمر بهدمه، كما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويّته (١). وقال أيضاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبني عليه، وأن يكتب عليه (٢) قال أيضاً: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال: حدثنا وهب قال حدثني عمرو بن الحارث أن ثمامة بن شفي حدثه قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها (٣).
стр. 83
وقال الترمذي: "باب ما جاء في تسوية القبور" حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي (١) وائل أن علياً ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته، ولا تمثالاً إلا طمسته. قال: وفي الباب عن جابر.
وقال ابن ماجه في "باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها": حدثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد حدثنا عبد الوارث عن أيوب عبن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور (٢). وحدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبر شيء. وحدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا وهب حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبور (٣).
стр. 84
وقال النووي ﵀ في شرح مسلم: قال الشافعي ﵀ في الأم: "رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويؤيد الهدم قوله: ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته". وقال الأذرعي ﵀ في "قوت المحتاج" ثبت في صحيح مسلم النهي عن التجصيص والبناء. وفي الترمذي وغيره: النهي عن الكتابة. وقال القاضي ابن كج: ولا يجوز أن يبنى عليها قباب ولا غيرها، والوصية عليها باطلة.
قال الأذرعي: ولا يبعد الجزم بالتحريم في ملكه وغيره من غير حاجة على من علم النهي، بل هو القياس الحق، والوجه في البناء على القبور المباهاة والمضاهاة للجبابرة والكفار، والتحريم يثبت بدون ذلك. وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وانفاق الأموال الكثيرة عليه فلا ريب في تحريمه، والعجب كل العجب من يلزم ذلك الورثة من حكام العصر، ويعمل بالوصية بذلك! انتهى كلام الأذرعي ﵀ ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به، وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب والمحجوب وغيرهما وجد أحدهما مضاداً للآخر، مناقضاً له بحيث لا يجتمعان أبداً، فنهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور كما تقدم ذكره، وأنتم تبنون عليها القباب العظيمة، والذي رأيته في المعلاة أكثر من عشرين قبة، ونهى رسول الله ﷺ أن يزاد عليها غير ترابها وأنتم تزيدون عليها غير التراب التابوت الذي عليه ولباس الجوخ، ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص.
وقد روى أبو داود من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه.
стр. 85
ونهى رسول الله ﷺ عن الكتابة عليها كما تقدم في صحيح مسلم.
وقال أبو عيسى الترمذي "باب ما جاء في تجصيص القبور والكتابة عليها": حدثنا عبد الرحمن بن الأسود ثنا محمد بن ربيعة عن ابن جريج (١) عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تجصص القبور أن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ" هذا حديث حسن صحيح.
وهذه القبور عندكم مكتوب عليها القرآن والأشعار.
وقال أبو داود "باب البناء على القبور". حدثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق قال أخبرني ابن جريج (٢) حدثني أبو الزبير أنه سمع جابراً يقول: سمعت النبي ﷺ نهى أن يقعد على القبر، وأن يجصص، وأن يبنى عليه انتهى.
ولعن رسول الله ﷺ من أسرجها. والذي رأيته ليلة دخولنا مكة -شرفها الله- في المقبرة أكثر من مائة قنديل. هذا مع علمكم بأن رسول الله ﷺ لعن فاعله. فقد روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ : لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساج والسرج. رواه أهل السنن.
وأعظم من هذا كله وأشد تحريماً الشرك الأكبر الذي يفعل عندها وهو دعاء المقبورين وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكن تقولون لنا: إن هذا لا يفعل عندها وليس عندنا أحد
стр. 86
يدعوها ويسألها. ونقول: اللهم اجعل ما ذكروه حقاً وصدقاً ونسأل الله أن يطهر حرمه من الشرك. ولا ريب أن دعاء الموتى وسؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد أنه من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين كما تقدم بيانه في المسألة الأولى.
وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن- ١٨] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء- ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس- ١٠٦] (١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا .. ﴾ الآية [فاطر- ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الاحقاف- ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد- ١٤].
وقد روى الترمذي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" (٢) وعن النهمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر- ٦٠]. رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
стр. 87
قال العلقمي في شرح الجامع الصغير حديث "الدعاء مخ العبادة" قال شيخنا: قال في النهاية: مخ الشيء خالصه. وإنما كان مخها لأمرين: أحدهما أنه امتثال لأمر الله حيث قال: "ادعوني استجب لكم" فهو محض العبادة وخالصها. والثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله تعالى قطع عمله عما سواه ودعاه لحاجته وحده وهذا أصل العبادة. ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها وهذا هو المطلوب من الدعاء. وقوله: "الدعاء هو العبادة" قال شيخنا: قال الطيبي (١): أتى بالخبر المعرف باللام ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. وقال شيخنا: قال البيضاوي: لما حم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تتأهل أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل على الله معرض عما سواه لا يرجو إلاّ إياه ولا يخاف إلاّ منه. واستدل عليه بالآية يعني قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر- ٦٠] فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة، وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، والسبب على المسبب، وما كان كذلك كان أتم العبادة. انتهى كلام العلقمي ﵀.
وليكن هذا آخر الكلام على هذه المسائل الثلاث فإن وافقتمونا على أن هذا هو الحق فهو المطلوب. وإن زعمتم أن الحق خلافه فأجيبونا بعلم من الكتاب والسنة فإنهما الحاكمان بين الناس فيما تنازعوا فيه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. [النساء- ٥٩].
وقد ذكرنا لكم الأدلة من الكتاب والسنة وكلام الأئمة فإن لم تسلموا لهذه الأدلة فاذكروا لنا جوابها من الكتاب والسنة وكلام
стр. 88
الأئمة. فإذا أجبتم على هذه المسائل الثلاث أجبناكم عن بقية المسائل إن شاء الله.
ولنختم الكلام بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج- ٤٠ - ٤١] والحمد لله أولاً وآخراً كما يحب ربنا ويرضى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.
стр. 89
" أهم المراجع حسب ورودها في الكتاب "
تنبيه: المراجع التي استقيت المعلومات منها في الرسالة الأولى وهي من مراجعي في هذه الرسلة لا أذكرها في هذا الفهرس اكتفاءً بذكري لها في الرسالة الأولى وهكذا في جميع الكتب القادمة من هذه السلسلة إن شاء الله.
١ - تلخيص الردّ على البكري، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط. السلفية بمصر ١٣٤٦ هـ.
٢ - روضة الأفكار والأفهام، لابن غنام، ط. المكتبة السلفية بالرياض.
٣ - علما نجد، لشيخ ابن بسّام، ط. مكتبة النهضة بمكة ١٣٩٨ هـ.
٤ - الدرر السنية، للشيخ ابن قاسم، ط. النور.
٥ - إغاثة اللهفان، لابن القيم، ط. دار المعرفة ببيروت.
٦ - درء تعارض النقل والعقل، لشيخ الإسلام، ط. جامعة الإمام محمد بن سعود ١٤٠١ هـ.
٧ - معرفة القرّاء الكبار، للذهبي.
٨ - الإنصاف، للمرداوي، ط. أنصار السنة ١٣٧٧ هـ.
٩ - حاشية الروض المربع، للعلامة ابن قاسم، ط. الأهلية ١٣٩٩ هـ.
стр. 90
١٠ - مختصر سنن أبي داود، للمنذري مع تهذيب ابن القيم، ط. أنصار السنة ١٣٦٨ هـ.