← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 123–162 · переход к 128.

стр. 123

ثم هم يخصّونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة طرفيه, وأين في الحديث ما يدل على هذا التخصيص؟! ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر، وهو أنه إذا كان الماء رقيقًا جدًّا, وهو منبسط انبساطًا لا تبلغه الحركة: أن يكون طاهرًا ولا يؤثر الولوغ فيه, وإذا كان عميقًا جدًّا وهو متضايق, بحيث تبلغ الحركة طرفيه: أن يكون نجسًا, ولو كان أضعافَ أضعافِ الأول. وهذا تناقض بيِّن لا محيدَ عنه. قالوا: وإن احتجّ به من يقول بالقلتين فإنه يخصِّصه بما دون القلتين, ويحمل الأمر بغسله وإراقته على هذا المقدار, ومعلومٌ أنه ليس في اللفظ ما يُشْعر بهذا بوجه ولا يدل عليه بواحدة من الدلالات الثلاث. وإذا كان لا بدَّ لهم من تقييد الحديث، وتخصيصه، ومخالفة ظاهره = كان أسعدُ الناس به من حَمَله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها, وهو ولوغ متتابع في آنية صغار، يتحلل مِن فم الكلب في كلِّ مرة ريق ولعاب نجس يخالط الماء, ولا يخالف لونُه لونَه فيظهرَ فيه التغير, فتكون أعيان النجاسة قائمةً بالماء وإن لم تُرَ, فأمر بإراقته وغسل الإناء. فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وأَلْصَق به, وليس في حَمْله عليه ما يخالف ظاهره، بل الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتادة التي تُتّخذ للاستعمال فيَلَغ فيها الكلاب. فإن كان حمله على هذا موافَقةً للظاهر فهو المقصود. وإن كان مخالفةً للظاهر, فلا ريب أنه أقلّ مخالفة مِن حَمْله على الأقوال المتقدمة. فيكون أولى على التقديرين. قالوا: وأما حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام من النوم, فالاستدلال به أضعف من هذا كلّه, فإنه ليس في الحديث ما يدل على

стр. 124

نجاسة الماء، وجمهور الأمة على طهارته, والقول بنجاسته من أشذّ الشاذّ, وكذا القول بصيرورته مستعملًا ضعيف أيضًا, وإن كان إحدى الروايتين عن أحمد, واختيارَ القاضي وأتباعه, واختيار أبي بكر وأصحاب أحمد، فإنه ليس في الحديث دليل على فساد الماء. وقد بينّا أن النهي عن البول فيه لا يدلّ على فساده بمجرَّد البول, فكيف بغَمْس اليد فيه من (١) النوم؟ وقد اختلف في النهي عنه, فقيل: تعبُّد. ويَردّ هذا القول: أنه معلَّل في الحديث بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده". وقيل: معلَّل باحتمال النجاسة, كبَثْرة في يديه, أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار. وهو ضعيف أيضًا، لأن النهي عام للمستنجي والمستجمرِ, والصحيحِ وصاحبِ البثرات، فيلزمكم أن تخصوا النهي بالمستجمرِ, وصاحبِ البثور! وهذا لم يقله أحد. وقيل ــ وهو الصحيح ــ: إنه مُعلّل بخشية مبيت الشيطان على يده, أو مبيتها عليه. وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع [ق ١٧] الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم، فإنه قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمِنْخَريه من الماء, فإن الشيطان يبيت على خيشومه" متفق عليه (٢). وقال هنا: "فإن أحدَكم لا يدري أين باتت يده"، فعلّل بعدم الدراية بمحلّ المبيت. وهذا السبب ثابت في مبيت الشيطان على الخيشوم، فإنّ اليد إذا باتت

стр. 125

ملابِسةً للشيطان لم يَدْر صاحبها أين باتت. وفي مبيت الشيطان على الخيشوم وملابسته لليد سرٌّ يعرفه من عرف أحكام الأرواح, واقتران الشياطين بالمحالِّ التي تُلابسها, فإنّ الشيطان خبيث يناسبه الخبائث, فإذا نام العبد لم يُرَ في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه, فيستوطنه في المبيت. وأما ملابسته ليده، فلأنها أعمّ الجوارح كسبًا وتصرّفًا ومباشرةً لِمَا يأمر به الشيطان من المعصية, فصاحبها كثير التصرّف والعمل بها, ولهذا سميت: جارحة؛ لأنه يجرح بها, أي يكسب. وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء, وهي كما ترى وضوحًا وبيانًا. وحسبك شهادة النصّ لها بالاعتبار. والمقصود أنه لا دليل لكم في الحديث بوجه ما, والله أعلم. وقد تبين بهذا جواب المقام الثاني والثالث. فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر (١) , فنقول: * وأما تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس الجلي, فمما يخالفكم فيه كثير من الفقهاء والأصوليين, ويقولون: القياس الجلي مقدَّم عليه, وإذا كانوا يقدمون القياس على العموم الذي هو حجة بالاتفاق, فَلَأن يقدّم على المفهوم المختَلَف في الاحتجاج به أولى. ثم لو سلّمنا تقديم المفهوم على القياس في صورةٍ ما, فتقديم القياس هاهنا متعيّن لقُوَّته, ولتأيُّده بالعمومات, ولسلامته من التناقض اللازم لمن قَدَّم المفهوم, كما سنذكره, ولموافقته لأدلة الشرع الدالّة على عدم التحديد بالقُلّتين. فالمصير إليه أولى لو كان وحده, فكيف بما معه من الأدلة؟

стр. 126

وهل يُعارِض مفهومٌ واحد لهذه الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الجلي واستصحاب الحال وعمل أكثر الأمة، مع اضطراب أصل منطوقه وعدم براءته من العلة والشذوذ؟ قالوا: وأما دعواكم أن المفهوم عامّ في جميع الصور المسكوت عنها, فدعوى لا دليل عليها، فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين: التخصيص, والتعليل, كما تقدم. ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة, لأنها دعوى مجرَّدة, ولا لفظ معنا يدلّ عليها. وإذا عُلِم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كُلّ فردٍ فردٍ من أفراد المسكوت, لجواز أن يكون فيه تفصيل، فينتفي عن بعضها ويثبت لبعضها, ويجوز أن يكون ثابتًا لجميعها بشرطٍ ليس في المنطوق, فتكون فائدة التخصيص به الدلالةَ على ثبوت الحكم له مطلقًا, وثبوتِه للمفهوم بشرط، فيكون المنفيّ عنه الثبوتَ المطلق, لا مطلقَ الثبوتِ. فمن أين جاء العموم للمفهوم, وهو من عوارض الألفاظ؟ وعلى هذا عامة المفهومات؛ فقوله تعالى: ﴿لَا (١) تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] لا يدلّ المفهوم على أن بمجرَّد نكاحها الزوج الثاني تحلّ له. وكذا قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقًا. وكذا قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣]. ونظائره أكثر من أن تُحصى. وكذلك إن سلكت طريقة التعليل، لم يلزم العموم أيضًا, فإنه يلزم من

стр. 127

انتفاء العلة انتفاء معلولها, ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقًا, لجواز ثبوته بوصفٍ آخر. وإذا ثبت هذا، فمنطوق حديث القُلّتين لا ننازعكم (١) فيه, ومفهومه لا عموم له. فبطل الاحتجاج به منطوقًا ومفهومًا. وأما قولكم: إنَّ العدد خرج مخرج التحديد والتقييد ــ كنُصُب الزكوات ــ فهذا باطل من وجوه: أحدُها: أنه لو كان هذا مقدارًا فاصلًا بين الحلال والحرام, والطاهر والنجس, لوجبَ على النبيِّ ﷺ بيانُه بيانًا عامًّا متتابعًا تعرفه الأمة, كما بيَّن نُصُب الزكوات, وعدد الجَلْد في الحدود, ومقدار ما يستحقّه الوارث, فإن هذا أمر يعمّ الابتلاء به كلَّ الأمة. فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤالُ سائلٍ له عن قضية جُزئية فيجيبه بهذا, ويكون ذلك حدًّا عامًّا للأمة كلها لا يسع أحدًا جهله, ولا تتناقله الأمة, ولا يكون شائعًا بينهم, بل يُحالون فيه على مفهوم ضعيف, شأنه ما ذكرناه, قد خالفَتْه العموماتُ والأدلةُ الكثيرة, ولا يعرفه أهل بلدته, ولا أحد منهم يذهب إليه؟ الثاني: أن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] فلو كان الماء الذي لم يتغيّر بالنجاسة [ق ١٨] منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام, لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون, ولا كان قد فَصَّل لهم ما حَرَّم عليهم. فإن المنطوقَ من حديث القُلّتين

стр. 128

لا دليل فيه, والمسكوتَ عنه كثيرٌ من أهل العلم يقولون: لا يدلّ على شيء, فلم يحصل لهم بيان ولا فَصْلُ الحلال من الحرام. والآخرون يقولون: لا بدّ من مخالفة المسكوت للمنطوق, ومعلومٌ أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكلِّ فردٍ فردٍ من المسكوت عنه, فكيف يكون هذا حدًّا فاصلًا؟ فتبيّن أنه ليس في المنطوق ولا في المسكوت فصلٌ ولا حدّ. الثالث: أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيصَ بالمنطوق, فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن المفهوم معتبرًا, كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فذكر هذا القيد لحاجةِ المخاطَبين إليه, إذ هو الحامل لهم على قتلهم, لا لاختصاص الحكم به. ونظيره: ﴿لَا (١) تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ونظائره كثيرة. وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذِكْر القلّتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك, ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال. نعم لو أنَّ النبي ﷺ قال هذا اللفظ ابتداءً من غير سؤال اندفع (٢) هذا الاحتمال. الرابع: أن حاجة الأمة ــ حَضَرِها وبَدْوها, على اختلاف أصنافها ــ إلى معرفة الفَرْق بين الطاهر والنجس ضرورية, فكيف يُحالون في ذلك على ما

стр. 129

لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فإن الناس لا يكيلون (١) الماء, ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين ولا طولها, ولا عرضها, ولا عمقها! فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب, وتكليف ما لا يُطاق! فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قُلّتان. قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية, فإنها مضبوطة لا يُزاد عليها ولا يُنْقَص منها, كعدد الجَلَدات, ونُصُب الزكوات, وعدد الركعات, وسائر الحدود الشرعية. الخامس: أن خواصّ العلماء إلى اليوم لم يستقرّ لهم قَدَم على قولٍ واحد في القُلّتين؛ فمِنْ قائل: ألف رطل بالعراقي, ومِن قائل: ستمائة رطل, ومن قائل: خمسمائة, ومن قائل: أربعمائة. وأعجب مِن هذا جَعْل هذا المقدار تحديدًا! فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قَدْر القُلّتين, واضطربت أقوالُهم في ذلك, فما الظنّ بسائر الأمة؟ ومعلوم أنّ الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها. السادس: أن المُحدّدين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًّا: منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب يَنجُس! وإذا بال فيه لم ينجّسه! ومنها: أن الشَّعْرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قُلّتين إلا رطلًا مثلًا = أن يَنجُس الماء, ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجّسه! ومعلوم أن

стр. 130

تأثّر الماء بهذه النجاسة أضعافُ تأثره بالشعرة, فمحال أن يجيء شرعٌ بتنجُّس الأول وطهارة الثاني. وكذلك ميتة كاملة تقع في قُلّتين لا تنجّسها, وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلًا فتنجِّسها! إلى غير ذلك من اللوازم التي يدلّ بطلانُها على بطلان ملزوماتها. * وأما جعلكم الشيء نصفًا ففي غاية الضعف, فإنه شكٌّ من ابن جُريج. فيا سبحان الله! يكون شكّه حدًّا لازمًا للأمة, فاصلًا بين الحلال والحرام؟ والنبي ﷺ قد بيَّن لأمته الدِّين, وتركهم على (١) البيضاء ليلها كنهارها، فيمتنع أن يقدِّر لأمته حدًّا لا سبيل لهم إلى معرفته إلا شكٌّ حادثٌ بعد عصر الصحابة يُجعل نصفًا احتياطًا (٢)! وهذا بَيِّن لمن أنصف. والشكُّ الجزئي (٣) الواقع من الأمة في طهورهم وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين, فكيف يجعل شكّهم حدًّا فاصلًا فارقًا بين الحلال والحرام؟ ثم جَعْلكم هذا احتياطًا باطل، لأن الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك المكلَّف منها عملًا لآخر احتياطًا. وأما (٤) الأحكام الشرعية والإخبار

стр. 131

عن الله ورسوله، فطريق الاحتياط فيها أن لا يُخْبَر عنه إلا بما أخبر به, ولا يثبت إلا ما أثبته. ثمّ إن الاحتياط في ترك هذا الاحتياط, فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قُلّة قد وقعت فيها شعرةُ مَيْتةٍ, فتَرْكُه الوضوءَ منه منافٍ للاحتياط (١). فهلّا أخذتم بهذا الأصل هنا, وقلتم: ما ثبت تنجيسُه بالدليل الشرعي نجّسناه, وما شكَكْنا فيه ردَدْناه إلى أصل الطهارة. لأن هذا لمّا كان طاهرًا قطعًا وقد شككنا هل حكم رسول الله ﷺ بتنجيسه أم لا، والأصل الطهارة. وأيضًا: فأنتم لا تبيحون لمن شكّ في نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم, بل توجبون عليه الوضوء، فكيف تحرّمون عليه الوضوء هنا بالشك؟ وأيضًا: فإنكم إذا نجّستموه بالشكّ نجّستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية, وحرَّمتم شربَه والطبخَ به, وأَرَقْتم [ق ١٩] الأطعمةَ المتَّخَذةَ منه. وفي هذا تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرّد الشكّ, وهذا مناف لأصول الشريعة. والله أعلم. ٦ - باب النهي عن ذلك (٢) ٨/ ٧٤ - عن حُميد الحميري قال: لقيتُ رجلًا صَحِب النبيَّ ﷺ أربعَ سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأةُ بفضل الرجل، أو يغتسل الرجلُ بفضل المرأة. ــ زاد مُسدّد ــ: وليغترفا جميعًا". وأخرجه النسائي (٣).

стр. 132

٩/ ٨٠ - وعن أبي حاجب، عن الحَكَم بن عَمرو ــ وهو الأقرع ــ: "أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجلُ بفضل طهور المرأة". وأخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال البخاريّ: سَوادة بن عاصم ــ أبو حاجب العنزي ــ يُعدّ في البصريين، كَنّاه أحمد وغيره، يقال: الغفاريّ، ولا أراه يصح عن الحكم بن عمرو. قال ابن القيم ﵀: وقال الترمذي في كتاب "العلل" (٢): "سألتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث ــ يعني حديث أبي حاجب، عن الحكم بن عَمرو؟ فقال: ليس بصحيح, قال: وحديث عبد الله بن سَرْجِس في هذا الباب, الصحيح هو موقوف, ومَن رَفَعه فهو خطأ". تم كلامُه. وقال أبو عبيد (٣): نا عليّ بن معبد، عن عبيد الله بن عَمرو، عن مَعْمر، عن عاصم بن سليمان، عن عبد الله بن سَرْجِس أنه قال: أترون هذا الشيخ ــ يعني نفسَه ــ فإنه قد رأى نبيَّكم ﷺ وأكل معه, قال عاصم: فسمعته يقول: "لا بأس بأن يغتسل الرجلُ والمرأةُ من الجنابة من الإناء الواحد، فإن خَلَت به فلا تقرَبْه". فهذا هو الذي رجَّحه البخاريُّ, ولعل بعضَ الرواة ظنَّ أن قوله:

стр. 133

"فسمعته يقول" من كلام عبد الله بن سرجس, فوهم فيه, وإنما هو مِن قول عاصم بن سليمان يحكيه عن عبد الله. وقد اختلفَ الصحابةُ في ذلك؛ فقال أبو عبيد (١): ثنا حَجَّاج، عن المسعودي، عن مهاجر أبي الحسن، قال: حدثني كُلثوم بن عامر بن الحارث (٢) قال: "توضأَتْ جُويريةُ بنت الحارث ــ وهي عمَّته ــ قال: فأردتُ أن أتوضأ بفضل وضوئها, فجذَبَت الإناءَ ونَهَتْني وأمرتني أن أُهريقه, قال: فأهرقته". وقال: ثنا الهيثم بن جميل، عن شَريك، عن مهاجر الصائغ، عن ابنٍ لعبد الرحمن بن عوف: "أنه دخل على أمِّ سلمة, ففعلت به مثل ذلك". فهؤلاء ثلاثة: عبد الله بن سرجس, وجويرية, وأم سلمة. وخالفهم في ذلك ابن عباس, وابن عمر. قال أبو عبيد (٣): ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن أبي يزيد المديني، عن ابن عباس: أنه سئل عن سُؤْر المرأة فقال: "هي ألطف بنانًا, وأطيب ريحًا". حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يرى بأسًا بسؤر المرأة, إلا أن تكون حائضًا أو جُنُبًا".

стр. 134

واختلف الفقهاء أيضًا في ذلك على قولين: أحدهما: المنع من الوضوء بالماء الذي تخلو به. قال أحمد: وقد كرهه غير واحد من الصحابة. وهذا هو المشهور من الروايتين عن أحمد (١) , وهو قول الحسن. والقول الثاني: يجوز الوضوء به. وهو قول أكثر أهل العلم (٢). واحتجُّوا بما رواه مسلم في "صحيحه" (٣) عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة". وفي "السنن الأربعة" (٤) , عن ابن عباس أيضًا: أن امرأة من نساء النبيّ ﷺ استحمَّت من جنابة, فجاء النبي ﷺ يتوضأ مِن فَضْلها. فقالت: إني اغتسلتُ منه. فقال: "إن الماء لا ينجّسه شيء"، وفي رواية: "لا يَجْنُب". ٧ - باب الإسراف في الماء ١٠/ ٨٨ - عن أبي نَعَامة ــ واسمه قيس بن عَبايَة ــ أن عبد الله بن مُغفّل سمع

стр. 135

ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصْرَ الأبيضَ عن يمينِ الجنة إذا دخلتُها. فقال: أيْ بُنيّ، سَلِ الله الجنة، وتعوَّذ به من النار. فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطهور والدعاء". وأخرجه ابن ماجه (١) مقتصرًا منه على الدعاء. قال ابن القيم ﵀: وفي الباب حديث أُبيّ بن كعب عن النبي ﷺ قال: "إنّ للوضوء شيطانًا يقال له: الوَلْهان, فاتقوا وسواس الماء" رواه الترمذي (٢) وقال: "غريب, ليس إسناده بالقويّ عند أهل الحديث, لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة ــ يعني ابن مصعب ــ قال: وقد رُوِي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قولَه، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء, وخارجةُ ضعيف (٣) , ليس بالقوي عند أصحابنا, وضَعَّفه ابنُ المبارك. قال: وفي الباب عن عبد الله بن عَمْرو, وعبد الله بن مُغفَّل". آخر كلامه. والذي صحَّ عن النبي ﷺ تسميته: شيطان الصلاة الذي يوسوس للمصلي فيها "خَنْزَب"، رواه مسلم في "صحيحه" (٤) من حديث عثمان (٥) بن أبي العاص الثقفي.

стр. 136

٨ - باب صفة وضوء النبي ﷺ ١١/ ١٠١ - وعن زِرّ بن حُبَيش: أنه سمع عليًّا ــ وسُئل عن وضوء رسول الله ﷺ ــ فذكر الحديث، وقال: "مسح رأسه حتى لمَّا يَقْطُر، وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ ". قال ابن القيم ﵀: حديث زِرٍّ، عن عليّ هذا فيه المنهال بن عَمرو, كان ابن حزم يقول: "لا يُقبل في باقة بَقْل" (١)، ومِن روايته ردَّ (٢) حديثَ البراء الطويل في عذاب القبر. والمنهال قد وثقه يحيى بن معين وغيره (٣). والذي غَرَّ ابنَ حزم شيئان: أحدهما: قول عبد الله بن أحمد، عن أبيه: تركه شعبة على عمد (٤). والثاني: أنه سمع من داره صوت طنبور. وقد صرَّح شعبةُ بهذه العلة, فقال العقيلي (٥): عن وُهيب قال: سمعت شعبة يقول: أتيتُ المنهالَ بن عَمرو, فسمعت عنده صوتَ طنبور, فرجعتُ ولم أسأله. قيل: فهلَّا سألتَه فعسى كان لا يعلم به؟

стр. 137

وليس في شيء مِن هذا ما يقدح فيه. وقال ابن القطان (١): ولا أعلم لهذا الحديث علة. ١٢/ ١٠٤ - وعن ابن عباس قال: "دخل [علَيَّ] عليُّ بن أبي طالب ــ وقد أهْراقَ الماء ــ فدعا بوَضوء، فأتيناه بتَوْر فيه ماء، حتى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابن عباس، ألا أريك كيف كان يتوضأ رسولُ الله ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: فأصغَى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما حَفْنَة من ماء، فضرب بها على وجهه، ثم ألقَمَ إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته، فتركها تَسْتَنُّ على وجهه، ثم غسل ذارعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه وظهورَ أذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا، فأخذ حَفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل، ففَتَلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين". في هذا الحديث مقال (٢). قال ابن القيم ﵀: هذا من الأحاديث المشكلة جدًّا, وقد اختلف مسالكُ الناس في دفع إشكاله: فطائفة ضعَّفَتْه, منهم البخاري والشافعي, قال (٣): والذي خالفه أكثر

стр. 138

وأثبت منه، وأما الحديث الآخر ــ يعني هذا ــ فليس مما يُثْبِتُ أهلُ العلم بالحديث لو انفرد. وفي هذا المسلك نظر؛ فإن البخاريّ روى في "صحيحه" (١) حديثَ ابن عباس كما سيأتي, وقال في آخره: "ثم أخذ غَرْفةً من ماء فرشَّ بها على رجله اليمنى حتى غسلها, ثم أخذ غَرْفة أخرى, فغسل بها ــ يعني رجله اليسرى ــ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ". المسلك الثاني: أنَّ هذا كان في أوّل الإسلام, ثم نُسِخ بأحاديث الغسل. وكان ابن عباس أوّلًا يذهب إليه, بدليل ما روى الدارقطني (٢): ثنا إبراهيم بن حمّاد، ثنا العباس بن يزيد، نا سفيان بن عيينة، ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل: أن عليّ بن الحسين أرسله إلى الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ يسألها عن وضوء النبيّ ﷺ ، فذكر الحديث وقالت: "ثم غسل رجليه"، قالت: وقد أتاني ابن عمٍّ لك ــ تعني ابنَ عباس ــ فأخبرتُه، فقال: "ما أجد في الكتاب إلا غَسْلتين ومَسْحتَين (٣) ". ثم رجع ابن عباس عن هذا لمَّا بلغه غسل النبي ﷺ رجليه, وأوجبَ الغُسلَ. فلعلّ حديث عليّ وحديث ابن عباس كان في أول الأمر ثم نُسِخ. والذي يدلّ عليه أن فيه: "أنه مسح عليهما بدون حائل"، كما روى هشام بن

стр. 139

سعد، نا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابن عباس: "أتحبّون أن أحدّثكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ " فذكر الحديث, قال: "ثم اغترف غَرفة أخرى فرشَّ على رجله وفيها النعل, واليسرى مثل ذلك, ومسح بأسفل الكعبين" (١). وقال عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: "توضأ رسول الله ﷺ " فذكره، قال: "ثم أخذ حفنة من ماء فرشَّ على قدميه وهو منتعل" (٢). المسلك الثالث: أن الرواية عن علي وابن عباس مختلفة, فرُوِيَ عنهما هذا, ورُوي عنهما الغسل, كما رواه البخاري في "الصحيح" (٣) عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. فذكر الحديث وقال في آخره: "أخذ غَرفةً من ماء, فرشَّ بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله، يعني اليسرى" فهذا صريح في الغسل. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٤): ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس به, وقال: "ثم غرف غرفة, ثم غسل (٥) رجله اليمنى, ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى". وقال ورقاء، عن زيد، عن عطاء عنه: "ألا أريكم وضوءَ رسول الله ﷺ ؟ "

стр. 140

فذكره, وقال فيه: "وغسل رجليه مرةً مرةً" (١). وقال محمد بن جعفر، عن زيد: "وأخذ حفنةً فغسل بها رجله اليمنى, وأخذ حفنة فغسل رجله اليسرى" (٢). قالوا: والذي روى أنه رشَّ عليهما في النعل هو: هشام بن سعد, وليس بالحافظ (٣) , فرواية الجماعة أولى من روايته. على أنَّ سفيان الثوري وهشامًا أيضًا رويا ما يوافق الجماعة, فرويا عن زيد، عن عطاء بن يسار قال: "قال لي ابن عباس: ألا أريكَ وضوءَ رسول الله ﷺ ؟ فتوضأ مرةً مرةً, ثم غسل رجليه, وعليه نعله" (٤). وأما حديث علي، فقال البيهقي (٥): رُوِّينا من أوجه كثيرة عن عليّ: "أنه غسل رجليه في الوضوء". ثم ساق منها حديثَ عبد خيرٍ عنه: "أنه دعا بوضوء" فذكر الحديث، وفيه: "ثم صبّ بيده اليمنى ثلاث مرَّات على قدمه اليمنى, ثم غسلها بيده اليسرى, ثم قال: هذا طُهُور نبيِّ الله ﷺ " (٦). ومنها: حديث زِرٍّ عنه: أنه سُئل عن وضوء رسول الله ﷺ ؟ فذكر

стр. 141

الحديث, وفيه: "وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا" (١). ومنها: حديث أبي حَيّة عنه: "رأيت عليًّا توضأ ... " الحديث, وفيه: "وغسل قدميه إلى الكعبين", ثم قال: "أحببتُ أن أريكم كيف كان طُهُور رسول الله ﷺ " (٢). قالوا: وإذا اختلفت الروايات عن عليّ وابن عباس, وكان مع أحدها (٣) رواية الجماعة, فهي أولى. المسلك الرابع: أن أحاديث الرشِّ والمسح إنما هي وضوءُ تجديدٍ للطاهر, لا طهارة رَفْع حدثٍ, بدليل ما رواه شعبة، نا عبد الملك بن مَيْسرة قال: سمعت النزَّال بن سَبْرة يُحَدِّث عن عليّ: "أنه صلى الظهر, ثم قَعَد في حوائج الناس في رَحْبَة الكوفة, حتى حضرت صلاة العصر, ثم أُتي بكوزٍ من ماء, فأخذ منه حفنةً (٤) واحدة, فمسح بها وجهَه ويديه ورأسَه ورجليه, ثم قام فشرب فَضْلَه وهو قائم, ثم قال: وإنَّ أُناسًا يكرهون الشُّرْب قائمًا, وإن رسول الله ﷺ صنع كما صنعت. وقال: هذا وضوء من لم يُحْدِث". رواه البخاري (٥) بمعناه.

стр. 142

قال البيهقي (١): في [ق ٢١] هذا الحديث الثابت دلالةٌ على أنَّ الحديث الذي رُوِي عن النبيّ ﷺ في المسح على الرِّجلين ــ إن صحَّ ــ فإنما عَنَى به: وهو طاهرٌ غيرُ مُحْدِث، إلا أن بعض الرواة كأنه اختصر الحديث, فلم ينقل قولَه: "هذا وضوء مَن لم يُحْدِث". وقال أحمد (٢): حدثنا ابن الأشجعي، عن أبيه، عن سفيان، عن السُّدِّي، عن عبدِ خَيْر، عن عليّ: "أنه دعا بكُوزٍ من ماء, ثم قال (٣): ثمّ توضأ وضوءًا خفيفًا ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ ما لم يُحْدِث". وفي رواية (٤): "للطاهر ما لم يُحْدِث". قال (٥): وفي هذا دلالة على أن ما رُوي عن عليّ في المسح على النعلين إنما هو في وضوءٍ مُتَطوَّع به, لا في وضوء واجبٍ عليه من حَدَثٍ يوجب الوضوء, أو أراد غَسْل الرجلين في النعلين, أو أراد المسح (٦) على

стр. 143

جورَبَيه ونعْلَيه, كما رواه عنه بعض الرُّواة مقيّدًا بالجورَبَين, وأراد به جوربين مُنَعَّلين. قلت: هذا هو المسلك الخامس: أنَّ مَسْحَه رجليه ورَشّه عليهما لأنهما كانا مستورَين بالجوربين في النعلين. والدليل عليه ما رواه سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ توضأ مرّة مرّة, ومسح على نعليه" (١). لكن تفرَّد به رَوَّاد بن الجرَّاح عن الثوري, والثقات رووه عن الثوري بدون هذه الزيادة (٢). وقد رواه الطبراني (٣) من حديث زيد بن الحُباب، عن سفيان، فذكره بإسناده ومتنه، وأنَّ النبيّ ﷺ مسح على النعلين. وروى أبو داود (٤) من حديث هُشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه: أخبرني أوس بن أبي أوس (٥) الثقفي قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه وقدميه".

стр. 144

فقوله: "مسح على نعليه" كقوله: "مسح على خُفّيه". والنعلُ لا تكون ساترة لمحلّ المسح إلا إذا كان عليها جَورب, فلعلَّه مسَحَ على نعل الجورب فقال: "مسح على نعليه". المسلك السادس: أن الرِّجْل لها ثلاثة أحوال: حالٌ تكون في الخفِّ، فيجزي مسح ساترها. وحالٌ تكون حافية, فيجب غَسلها. فهاتان مرتبتان, وهما: كشفها وسترها. ففي حال كشفها لها أعلى مراتب الطهارة, وهي الغَسل التامّ, وفي حال استتارها لها أدناها, وهي المسح على الحائل. ولها حالة ثالثة, وهي حالما تكون في النَّعْل, وهي حالة متوسِّطة بين كشفها وبين استتارها بالخفّ، فأُعْطيت حالة متوسّطة من الطهارة, وهي الرشّ, فإنه بين الغسل والمسح. وحيث أطلق لفظ "المسح" عليها في هذه الحال فالمراد به الرَّش؛ لأنه جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى. وهذا مذهب ــ كما ترى (١) ــ لو كان يُعلَم به قائل معيَّن، ولكن يُحْكَى عن طائفة لا أعلم منهم مُعيَّنًا. وبالجملة فهو خير مِن مسلك الشيعة في هذا الحديث، وهو: المسلك السابع: أنه دليل على أن فَرْض الرجلين المسح, وحُكِي عن داود الجواربي (٢) وابن عباس. وحُكِي عن ابن جرير أنه مخيَّر بين الأمرين,

стр. 145

فأمَّا حكايته عن ابن عباس فقد تقدمت, وأما حكايته عن ابن جرير فغلطٌ بَيِّن, وهذه كتبه وتفسيره كلّه يكذِّب هذا النقل عليه, وإنما دخلت الشبهةُ لأن ابنَ جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشِّيعَة, يوافقه في اسمه واسم أبيه (١) , وقد رأيتُ له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم. فهذه سبعة مسالكَ للناس في هذا الحديث. وبالجملة فالذين رووا وضوء النبي ﷺ ، مثل عثمان بن عفان, وأبي هريرة, وعبد الله بن زيد بن عاصم, وجابر بن عبد الله, والمغيرة بن شعبة, والرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ, والمقدام بن معديكَرِب, ومعاوية بن أبي سفيان, وجدّ طلحة بن مصرِّف, وأنس بن مالك, وأبي أمامة الباهلي, وغيرهم لم يذكر أحدٌ منهم ما ذُكِرَ في حديث عليّ وابن عباس, مع الاختلاف المذكور عليهما. والله أعلم. ١٣/ ١١٩ - وعن طلحة بن مُصَرّف، عن أبيه، عن جده ــ وجده هو كعب بن عمرو، ويقال: عمرو بن كعب الهَمْداني اليَاميُّ، له صحبة، ومنهم من ينكرها ــ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح رأسه مرة واحدة، حتى بلغ القَذَال، وهو أول القفا". وقال مسدَّد: "مسح رأسه مِن مُقَدَّمه إلى مُؤَخَّره، حتى أخرج يديه من تحت أذنيه". قال مسدد: فحدَّثتُ به يحيى، فأنكره. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ابن عيينة ــ زعموا ــ كان ينكره، ويقول: أيشٍ هذا: طلحة، عن أبيه، عن جده؟

стр. 146

قال ابن القيم ﵀: وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت عليّ ابن المديني يقول: قلت لسفيان: إن ليثًا روى عن طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جدّه: "أنه رأى النبيّ ﷺ توضأ"؟ فأنكر سفيانُ ذلك وعَجِب أن يكون جدُّ طلحةَ لقي النبيَّ ﷺ . قال عليٌّ: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن نسب جَدِّ طلحة؟ فقال: عَمرو بن كعب, أو كعب بن عَمرو, وكانت له صحبة (١). وقال عباس الدوري (٢): قلت ليحيى بن معين: طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جدّه, رأى جدُّه النبيَّ ﷺ ؟ فقال يحيى: المحدِّثون يقولون: قد رآه. وأهلُ بيت طلحة يقولون: ليست له صحبة. ٩ - باب تخليل اللحية ١٤/ ١٣٢ - عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حَنَكه، فخلَّل به لحيتَه، وقال: هكذا أمرني ربي". قال ابن القيم ﵀: قال أبو محمد بن حزم (٣): لا يصح حديث أنس هذا، لأنه من طريق الوليد بن زوران (٤) , وهو مجهول, وكذلك أعلَّه ابنُ القطان (٥) بأنّ الوليد هذا مجهول الحال. وفي هذا التعليل نظر, فإن الوليد

стр. 147

هذا روى عنه جعفرُ بن بَرْقان، وحجَّاجُ بن منهال، وأبو المليح الحسن بن عمر الرّقِّي وغيرهم, [ق ٢٢] ولم يُعْلم فيه جرح (١). وقد روى هذا الحديث محمدُ بن يحيى الذُّهلي في كتاب "علل حديث الزهري" (٢) , فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفَّار من أصله ــ وكان صدوقًا ــ ثنا محمد بن حرب، نا الزُّبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ توضأ فأدخل أصابعه تحت لحيته فخلَّلها بأصابعه, ثم قال: "هكذا أمرني ربي ". وهذا إسناد صحيح. وفي الباب حديث عثمان: "أن رسول الله ﷺ كان يخلِّل لحيته". رواه الترمذي وابن ماجه (٣) , وقال الترمذي: حسن صحيح, وصححه ابن خزيمة, وأبو عبد الله الحاكم, وقال أحمد: هو أحسن شيء في الباب. وقال (٤): قال محمد بن إسماعيل: "أصحُّ شيء في هذا الباب: حديث عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان". يريد هذا الحديث. وقد أعلَّه ابن حزم (٥) , فقال: هو من طريق إسرائيل وليس بالقويّ, عن

стр. 148

عامرِ بن شَقيق وليس مشهورًا بقوَّة النقل. وقال في موضع آخر (١): عامر بن شَقيق ضعيف. وهذا تعليل باطل, فإن إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق, احتجَّ به الشيخان وبقية الستة, ووثقه الأئمة الكبار. وقال فيه أبو حاتم: ثقة متقن من أتقن أصحاب أبي إسحاق، ووثقه ابن معين وأحمد, وكان يتعجَّب من حفظه (٢). والذي غَرَّ أبا محمد قولُ أحمدَ في رواية ابنه صالح (٣): إسرائيل عن أبي إسحاق: فيه لِين, سمع منه بأخَرَة. وهذا الحديث ليس من روايته عن أبي إسحاق, فلا يحتاج إلى جواب. وأما عامر بن شقيق، فقال النسائي: ليس به بأس, وروي عن ابن معين تضعيفه, روى له أهل السنن الأربعة (٤). وفي الباب: حديث عائشة, رواه أبو عُبيد (٥)، عن حجاج، عن شُعْبة، عن عمرو بن أبي وهب الخزاعي، عن موسى بن ثروان العجلي (٦)، عن طلحة بن عبيد الله بن كُرَيز عنها, قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلَّل

стр. 149

لحيته". وفي الباب حديث عمار بن ياسر, رواه الطبراني (١)، عن الدَّبَري، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبد الكريم، عن حسَّان بن بلال أن عمار بن ياسر توضأ فخلَّل لحيتَه, فقيل له: ما هذا؟ قال: "رأيت النبيَّ ﷺ يخلِّل لحيتَه". وقد أعلَّه ابنُ حزم (٢) بعلتين: إحداهما أنه قال: حسان بن بلال مجهول. والثانية قال: لا نعرف له لقاءً لعمَّار بن ياسر. فأما العلة الأولى: فإن حسّانًا روى عنه أبو قِلابة، وجعفر بن [أبي] (٣) وحشية، وقَتادة، ويحيى بن أبي كثير، ومطر الورَّاق، وابن أبي المُخارق، وغيرهم. وروى له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال عليّ بن المديني: "كان ثقة". ولم يُحفظ فيه تضعيفٌ لأحد.

стр. 150

وأما العلة الثانية، فباطلة أيضًا. فإنّ الترمذي رواه من طريقين (١) إلى حسَّان, أحدهما: عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن حسَّان، عن عمَّار. والثاني: عن ابن أبي عُمر، عن سفيان بن عُيينة، عن عبد الكريم بن أبي المُخارق، عن حسّان قال: رأيت عمّارًا توضأ فخلَّل لحيته, وفيه: "ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ يخلِّل لحيته". وعلّة هذا الحديث المؤثِّرة هي ما قاله الإمام أحمد في رواية ابن منصور (٢) عنه, قال: قال ابن عيينة: لم يسمع عبدُالكريم من حسّان بن بلال حديثَ التخليل. قال الترمذي (٣): سمعت إسحاق بن منصور يقول: سمعت أحمد بن حنبل فذكره. وذكر الحافظ ابن عساكر عن البخاري (٤) مثل ذلك. وقال الإمام أحمد: لا يثبتُ في تخليل اللحية حديث (٥). وفي الباب: حديث ابن أبي أوفى. رواه أبو عُبيد (٦)، عن مروان بن معاوية، عن أبي الورقاء عنه أنه قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يخلِّل لحيتَه".

стр. 151

وفيه: حديث أبي أيوب. رواه أبو عُبيد (١)، عن محمد بن ربيعة، عن واصل بن السائب الرَّقاشي، عن أبي سَوْرة، عنه قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ توضأ فخلَّل لحيته". قلت: وتصحيح ابن القطان لحديث أنس من طريق الذُّهلي فيه نظر, فإن الذُّهليّ أعلَّه, فقال (٢): وثنا يزيد بن عبد ربّه، ثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيدي: أنه بلغه عن أنس بن مالك فذكره. قال الذّهلي: هذا هو المحفوظ. قال ابن القطان: وهذا لا يضرُّه, فإنه ليس من لم يحفظ حجّة على من حفظ، والصفَّار قد عَيَّن شيخَ الزبيدي فيه, وبيَّن أنه الزهري, حتى لو قلنا: إن محمد بن حرب حدَّث به تارةً فقال فيه: "عن الزبيدي، بلغني عن أنس", لم يضرّه ذلك, فقد يراجع كتابه فيعرف منه أن الذي حدّثه (٣) به الزهري, فيحدِّث به عنه, فأخَذَه عنه الصفَّار هكذا. وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمةُ الحديث وأطباءُ علله, ويعلمون أنَّ الحديث معلول بإرسال الزبيدي له, ولهم ذوقٌ لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات. ولهذا الحديث طريق أخرى, رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤) من

стр. 152

حديث أبي حفص العبدي، عن ثابت، عن أنس قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ توضأ" فذكره كما تقدم. وأبو حفص وثقه أحمد، وقال: لا أعلم إلا خيرًا, ووثقه ابنُ معين، وقال عبد الصمد بن عبد الوارث: ثقة وفوق الثقة (١). فهذه ثلاث طرق حسنة. وذكر الحاكم في "المستدرك" (٢) حديثَ عثمان في ذلك, ثم قال: "وله شاهد صحيح من حديث أنس". ورواه ابن ماجه في "سننه" (٣) من حديث [ق ٢٣] يحيى بن كثير أبي (٤) النضر، عن يزيد الرّقاشي، عن أنس قال: كان النبيّ ﷺ إذا توضأ خلَّل لحيتَه وفرَّج أصابعه مرتين. قال الدارقطني: أبو النضر هذا متروك. وقال النسائي: يزيد الرقاشي

стр. 153

متروك. ورواه ابنُ عدي (١) من حديث هاشم بن سعيد (٢)، عن محمد بن زياد، عن أنس مرفوعًا, ثم قال ابن عدي: وهاشمٌ هذا مقدار ما يرويه لا يُتابَع عليه. ورواه البيهقيّ في "السنن" (٣) من حديث إبراهيم الصائغ، عن أبي خالد (٤)، عن أنس مرفوعًا. وأبو خالد هذا مجهول. فهذه ثلاث طرق ضعيفة, والثلاثة الأُوَل أقوى منها. وأما حديث عمار, فقد تقدم تعليلُ أحمدَ والبخاريِّ له من طريق عبد الكريم. وأما طريق ابن عُيينة، عن ابن أبي عَروبة، عن قَتادة، عن حسَّان, فقال ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (٥): سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة، عن سعيد بن أبي عَروبة، فذكره؟ فقال أبي: لم يحدِّث بهذا أحدٌ سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عَروبة. قلت: هو صحيح؟ قال: لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عَروبة, ولم يصرِّح فيه ابن عيينة بالتحديث, وهذا مما يوهِّنه. يريد بذلك أنه لعله دَلَّسه. قلت: وقد سُئل الإمام أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: إما أن يكون

стр. 154

الحُمَيدي اختلط, وإما أن يكون من حدَّث عنه خَلّط (١). ولكن متابعة ابن أبي عمر له ترفع هذه العُهْدة. والله أعلم. وقد رُويت أحاديثُ التخليل من حديث عثمان, وعلي, وأنس, وابن عباس, وابن عمر, وعائشة, وأم سلمة, وعمار بن ياسر, وأبي أيوب, وابن أبي أوفى, وأبي أمامة, وجابر بن عبد الله, وجرير بن عبد الله البجلي, ﵃. ولكن قال عبد الله بن أحمد (٢): قال أبي: ليس يصح عن النبي ﷺ في التخليل شيء. وقال الخلال في كتاب "العلل" (٣): أنا أبو داود (٤) قال: قلت لأحمد: تخليل اللحية؟ قال: قد رُوي فيه أحاديث ليس يثبت منها حديث, وأحسنُ شيء فيه حديث شقيق، عن عثمان. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "العلل" (٥): سمعت أبي يقول: لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية حديث. قلت: وحديث ابن عباس (٦) من رواية نافع مولى يوسف السلمي, قال

стр. 155

العقيلي (١): لا يُتابَع عليه, منكر الحديث. وقال أبو حاتم: متروك الحديث (٢). وحديث ابن عمر رواه الدارقطني (٣)، وقال: الصواب أنه موقوف على ابن عمر. وكذلك قال عبد الحق (٤): الصحيح أنه من فِعْل ابن عمر غير مرفوع. وله علّة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم (٥) عن أبيه, وهي: أن الوليد بن مسلم حَدّث به عن الأوزاعي مرسلًا, وعبد الحميد رفَعَه عنه. والصواب رواية أبي المغيرة عنه موقوف. وذكره الخلال في كتاب "العلل" عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا (٦). ثم حكى عن جعفر بن محمد أنه قال: قال أحمد: ليس في التخليل أصح من هذا, يعني الموقوف (٧).

стр. 156

وأما حديث أبي أيوب، فذكره الترمذي في كتاب "العلل" (١) , وقال: سألت محمدًا عنه؟ فقال: لا شيء. فقلت: أبو سَورة ما اسمه؟ فقال: ما أدري، ما يُصنع به؟ عنده مناكير, ولا يُعْرف له سماع من أبي أيوب. ورواه ابنُ ماجه في "سننه" (٢) من (٣) حديث ابن أبي أوفى، وراويه فائد أبو (٤) الورقاء, متروك باتفاقهم (٥). وحديث أبي أمامة رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦) من حديث أبي غالب، عن أبي أمامة. وأبو غالب ضعَّفه النسائي ووثقه الدارقطني. وقال ابن معين: صالح الحديث. وصحح له الترمذي (٧).

стр. 157

وحديث جابر ضعيف جدًّا (١). وحديث جَرير ذكره ابنُ عدي (٢) من حديث ياسين الزيّات, عن رِبْعيّ بن حراش، عن جرير مرفوعًا. وياسين متروك عند النسائي والجماعة (٣). وحديث عائشة رواه أحمد في "مسنده" (٤). وحديث أم سلمة ذكره الترمذي في كتابه (٥) معلَّقًا فقال: وفي الباب عن أم سلمة، وذَكَر جماعةً من الصحابة (٦). ١٠ - باب المسح على العمامة ١٥/ ١٣٣ - عن ثوبان ﵁ قال: "بعثَ رسولُ الله ﷺ سريّة، فأصابهم البرد، فلمَّا قَدِموا على رسول الله ﷺ أمرَهم أن يمسحوا على العصائب

стр. 158

والتّسَاخين". ١٦/ ١٣٤ - وعن أنس ﵁ قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قِطْرِيّة، فأدخل يديه من تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقُضِ العمامة" (١). قال ابن القيم ﵀: قال ابن المنذر (٢): ويَمْسح على العمامة, لثبوت ذلك عن النبيِّ ﷺ ، وعن أبي بكر وعمر ﵄. وقال الجوزجاني (٣): رَوى المسحَ على العمامة عن النبي ﷺ : سلمانُ الفارسي، وثوبان، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شُعبة، وأبو موسى. وفَعَله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق، وقال عمر بن الخطاب: مَن لم يطهِّره المسح على العمامة فلا طهَّره الله. قال: والمسح على العمامة سُنَّة مِن رسول الله ﷺ ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار. وحكاه عن ابن أبي شيبة وأبي خيثمة زهير، وسليمان بن داود الهاشمي (٤) مذهبًا لهم. ورواه أيضًا عَمرو بن أمية الضّمْري وبلال.

стр. 159

فأما حديث سلمان (١). ١١ - باب التوقيت في المسح (٢) ١٧/ ١٤٥ - عن خُزيمة بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المسحُ على الخُفّين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يومٌ وليلة". وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ١٨/ ١٤٦ - وفي لفظ لأبي داود: "ولو استزَدْناه لزادنا". وفي لفظ لابن ماجه (٤): "ولو مضى السائلُ على مسألته لجعلها خمسًا". وذَكَر الخطّابيّ: أن الحَكَم وحمادًا قد روياه عن إبراهيم، فلم يذكرا (٥) فيه هذا الكلام. ولو ثبت لم يكن فيه حجة، لأنه ظنٌّ منه وحُسْبان. والحجَّة إنما تقوم بقول صاحب الشريعة، لا بظنِّ الراوي. وقال البيهقي: وحديث خزيمة بن ثابت إسناده مضطرب، ومع ذلك فما لم يرد لا يصير سنة. [ق ٢٤] هذا آخر كلام

стр. 160

البيهقي (١). قال ابن القيم ﵀: وقد أعلَّ أبو محمد بن حزم (٢) حديثَ خُزيمة هذا بأن قال: "رواه عنه أبو عبد الله الجدليّ, صاحب راية الكافر المختار, لا يعتمد على روايته". وهذا تعليلٌ في غاية الفساد, فإن أبا عبد الله الجدليّ قد وثَّقه الأئمة: أحمد ويحيى، وصحَّح الترمذيُّ حديثَه، ولا يُعلم أحدٌ من أئمة الحديث طَعَن فيه (٣). وأما كونه صاحب راية المختار, فإن المختار إنما أظهر الخروج لأخْذِه بثأر الحسين والانتصار له مِن قَتَلَته. وقد طعن أبو محمد بن حزم (٤) في أبي الطفيل, وردَّ روايته بكونه كان صاحب راية المختار أيضًا, مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة, ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس المختار وما يُسِرُّه, فردُّ روايةِ الصاحبِ والتابعِ الثقةِ بذلك باطلٌ. وأيضًا: فقد روى ابن ماجه (٥) هذا الحديث عن علي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، عن عَمرو بن ميمون، عن

стр. 161

خزيمة. فهذا عَمرو بن ميمون قد تابع أبا عبد الله الجَدَلي, وكلاهما ثقة صدوق. وقد قيل: إن عَمرو بن ميمون رواه أيضًا عن أبي عبد الله الجَدَلي عن خزيمة (١)، فإن صحَّ ذلك لم يضرّه شيئًا, فلعله سَمِعه من أبي عبد الله, فرواه عنه, ثم سمعه من خزيمة, فرواه عنه. ١٩/ ١٤٧ - وعن أُبيِّ بن عِمَارة ــ وكان قد صلى مع رسول الله ﷺ القِبْلَتَين ــ أنه قال: "يا رسول الله، أمْسَحُ على الخُفّين؟ قال: نعم، قال: يومًا؟ قال: يومًا، قال: ويومين (٢)؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت". ٢٠/ ١٤٨ - وفي رواية: "حتى بلغ سَبعًا ــ قال رسول الله ﷺ ــ: نعم، ما بَدَا لَك". وأخرجه ابن ماجه (٣). وقال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس بالقوي. وبمعناه قال البخاري. وقال الإمام أحمد بن حنبل: رجاله لا يعرفون. وقال الدارقطني: هذا إسنادٌ لا يثبت. قال ابن القيم ﵀: وقد اخْتُلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا. وعبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قَطَن: مجهولون كلُّهم (٤). وقد

стр. 162

أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح ويحيى بن معين, كلاهما عن عَمرو بن الربيع بن طارق، أنا يحيى (٢) بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد ــ قال يحيى: شيخٌ من أهل مصر ــ عن عُبادة بن نُسَي (٣) ... الحديث. قال الحاكم: هذا إسناد مصري, لم يُنْسَب واحد منهم إلى جرح (٤)، وهذا مذهب مالك, ولم يخرجاه. والعجب من الحاكم، كيف يكون هذا مستدركًا على "الصحيحين" ورواته لا يعرفون بجرح ولا بتعديل؟ والله أعلم (٥). ١٢ - باب المسح على الجورَبَين ٢١/ ١٤٩ - عن أبي قيسٍ الأوْدِيّ، عن هُزَيل بن شُرَحْبيل، عن المغيرة بن شعبة ﵁: "أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوْرَبين والنعلين". وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث، لأن
следующие страницы →