← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1488–1527 · переход к 1493.

стр. 1488

الفطرة في كلام رسول الله ﷺ فالمراد بها فطرة الإسلام لا غير، ولم يجئ قط في كلامه مرادًا بها فطرة الشقاوة وابتداءُ الخِلقة في موضع واحد. ولفظ الحديث يدل على أنه غير منسوخ وأنه يستحيل فيه النسخ كما قال بعضهم، لأنه خبر محض، وليس حكمًا يدخل تحت الأمر والنهي، فلا يدخله نسخ. وأما حديث عائشة في قصة الصبيّ من الأنصار، فرده الإمام أحمد (١) وطعن فيه، وقال: من يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟! وقال أيضًا: إنهم لا اختلاف فيهم. وأما مسلم فأورده في «صحيحه» كما تقدم. ومن انتصر للحديث وصححه يقول: الإنكار من النبي ﷺ على عائشة إنما كان لشهادتها للطفل المعيّن بأنه في الجنة، كالشهادة للمسلم المعين، فإن الطفل تبع لأبويه، فإذا كان أبواه لا يُشهد لهما بالجنة، فكيف يُشهد للطفل التابع لهما؟ والإجماع إنما هو على أن أطفال المسلمين من حيث الجملة مع آبائهم، فيجب الفرق بين المعين والمطلق.

стр. 1489

وفي «صحيح أبي حاتم» (١) من حديث عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ذراريُّ المؤمنين يكفلهم إبراهيم ﷺ في الجنة». وقد روى البخاري في «صحيحه» (٢) عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رؤيا»، قال: فيَقُصُّ عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: «أتاني الليلة آتيان ... » فذكر حديث الرؤيا بطوله إلى أن قال: «فأتينا على روضة مُعتَمَّة (٣) مِن كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حولَ الرجل أكثرُ ولدانٍ رأيتهم قط ... »، وقال فيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ ، وأما الولدان الذين حوله فكلُّ مولود مات على الفطرة»، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأولاد المشركين». وفي «الصحيحين» (٤) عن ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم».

стр. 1490

وفي «الصحيحين» (١) عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا». وفي «الصحيحين» (٢) عن الصعب بن جثّامة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الدار من المشركين يُبَيَّتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: «هم منهم». وفي لفظ (٣) لهما: «هم من آبائهم». وهذه الأحاديث لا تَناقض بينها، بل يصدّق بعضها بعضًا. وقد اختلف العلماء في الأطفال على ثمانية أقوال (٤): أحدها: الوَقْفُ فيهم وتركُ الكلام في مستقرهم، ويوكل علمهم إلى الله تعالى. قال هؤلاء: وظواهر السنن وأجوبة النبي ﷺ في حديث ابن عباس وأبي هريرة تدل على ذلك، إذ وَكَل عِلمَهم إلى الله وقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». قالوا: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (٥) من حديث جرير بن حازم

стр. 1491

قال: سمعت أبا رجاء العطاردي قال: سمعت ابن عباس يقول وهو على المنبر: قال [ق ٢٤١] رسول الله ﷺ : «لا يزال أمر هذه الأمة مؤَامًّا (١) ــ أو مقارِبًا ــ، ما لم يتكلموا في الوِلدان والقدر». قال أبو حاتم: الولدان أراد به أطفال المشركين. وفيما استدلت به هذه الطائفة نظر، والنبي ﷺ لم يُجِبْ فيهم بالوقف، وإنما وكل عِلْمَ ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله، وهذا جواب عن سؤالهم: «كيف يكونون مع آبائهم بغير عمل؟» وهو طرف من الحديث.

стр. 1492

ويدل عليه حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في أول الباب، والنبي ﷺ وَكَل العلمَ بعملهم إلى الله، ولم يقل: «الله أعلم حيث يستقرون وأين يكونون». فالدليل غير مطابق لمذهب هذه الطائفة. وأما حديث ابن عباس في المنع من الكلام فيهم، ففي القلب من رفعه شيء (١)، وبالجملة فإنما يدل على ذم من تكلّم فيهم بغير علم، أو ضَرَب الأحاديث فيهم بعضها ببعض، كما فعل الذين أنكر عليهم كلامَهم في القَدَر. وأما من تكلم فيهم بعلمٍ وحقٍّ فلا يُذم. القول الثاني: إن أطفال المشركين في النار. وهذا مذهب طائفة، وحكاه القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمد (٢)، قال شيخنا (٣): وهو غلط منه على أحمد، وسبب غلطه أن أحمد سئل عنهم فقال: هم على الحديث، قال القاضي: أراد حديث خديجة إذ سألت النبي ﷺ عن أولادها الذين ماتوا قبل الإسلام فقال: «إن شئتِ أسمعتك تضاغيهم في النار» (٤). قال شيخنا (٥):

стр. 1493

وهذا حديث موضوع، وأحمد أجلّ من أن يحتج بمثله، وإنما أراد حديث عائشة: «الله أعلم بما كانوا عاملين». والقول الثالث: إنهم في الجنة. واحتج هؤلاء بحديث سمرة الذي رواه البخاري. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وبقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]، فهذا دليل على أن كل فوج يُلقى فيها لا بد وأن يكونوا قد جاءهم النذير وكذبوه، وهذا ممتنع في حق الأطفال. واحتجوا بقوله تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، قالوا: فإذا امتلأت منه ومن أتباعه لم يبق فيها موضع لغيرهم. واحتجوا بقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، قالوا: فالله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بذنبه، فالنار دار عدله لا يُدخِلها أحدًا إلا بعمل، وأما الجنة فدار فضله يُدخِلها بغير عمل، ولهذا ينشئ للفضل الذي يبقى فيها أقوامًا يُسكِنُهموه. وأما الحديث الذي ورد في بعض طرق البخاري (١): «وأما النار فينشئ الله لها خلقًا يسكنهم إياها» فغلط من الراوي انقلب عليه لفظه، وإنما هو:

стр. 1494

«وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا»، وقد ذكره البخاري (١)، وسياق الحديث يدل على ذلك. قالوا: وأما حديث عائشة والصعب بن جَثَّامة (٢)، فليس فيه أنهم في النار، وإنما فيه أنهم «من آبائهم» تبع لهم في الحكم وأنهم إذا أصيبوا في البيات لم يُضمَنوا بديةٍ ولا كفارة، وهذا ظاهر في حديث الصعب (٣). وأما حديث عائشة فقد ضعفه غير واحد (٤). قالوا: وحديث خديجة باطل لا يصح. والقول الرابع: إنهم بين الجنة والنار، إذ لا معصية لهم توجب دخول النار، ولا إسلام يوجب لهم دخول الجنة. وهذا أيضًا ليس بشيء، فإنه لا دار للقرار إلا الجنة والنار، وأما الأعراف فإن مآل أصحابها إلى الجنة، كما قاله الصحابة (٥). والقول الخامس: إنهم تحت المشيئة، يجوز أن يعذبهم وأن ينعمهم،

стр. 1495

وأن يعذب بعضًا وينعم بعضًا. وهذا قول كثير من المثبتين للقدر، وقول الجبرية ونفاة التعليل والحكم. والقول السادس: إنهم ولدان أهل الجنة وخَدَمهم، وقد روي في ذلك حديث لا يثبت (١). والقول السابع: إن حكمهم حكم الآباء في الدنيا والآخرة، فلا حكم لهم غير حكم آبائهم. فكما هم معهم تبع في الدنيا فكذلك (٢) في الآخرة. والقول الثامن: إنهم يُمتحنون في الآخرة، فمن أطاع منهم أدخله الجنة، ومن عصى عذّبه. وقد روي في هذا من حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة وغيرهما مرفوعًا (٣)، وهي أحاديث يشد بعضُها بعضًا.

стр. 1496

وهذا أعدل الأقوال، وبه يجتمع شمل الأدلة وتتفق الأحاديث في هذا الباب. وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة كما في حديث سمرة، وبعضهم في النار كما دل عليه حديث عائشة. وجواب النبي ﷺ يدل على هذا، فإنه قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم». ومعلوم أن الله لا يعذبهم بعلمه فيهم ما لم يقع معلومه، فهو إنما يعذب من يستحق العذاب على معلومه، وهو متعلَّق علمه السابق فيه، لا على علمه المجرّد، وهذا العلم يظهر معلومه في الدار الآخرة. وفي قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين لو عاشوا، وأن من يطيعه وقت الامتحان [ق ٢٤٢] كان يطيعه لو عاش في الدنيا، ومن يعصيه حينئذ كان ممن يعصيه لو عاش في الدنيا. فهو دليل على تعلُّق علمِه بما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

стр. 1497

وقيل: إنما قاله النبي ﷺ قبل أن يُعلِمه الله بمصيرهم ومستقرهم؛ وليس بشيء، فإنه لا تعرض في هذا للمستقر، كما تقدم. وقيل معناه الله أعلم على أي دين يميتهم لو عاشوا وبلغوا العمل، فأما إذا عدم فيهم العمل فهم في رحمة الله؛ وهذا بعيد من دلالة اللفظ عليه، والله أعلم. ٩ - باب في الرد على الجهمية ٥٧١/ ٤٥٥٨ - وعن العباس بن عبد المطلب ﵁، قال: كنتُ في البَطْحاء في عِصابة، فيهم رسول الله ﷺ ، فمرَّتْ بهم سَحابة فنظر إليها فقال: «ما تُسَمُّون هذه؟» قالوا: السحاب، قال: «والمُزْن»، قالوا: والمزن، قال: «والعَنان»، قالوا: والعَنان ــ قال أبو داود: لم أتقن «العَنان» جيدًا ــ قال ﷺ : «هل تَدْرُون ما بُعْدُ ما بين السماء والأرض؟» قالوا: لا ندري، قال: «إن بُعْدَ ما بينهما إمَّا واحدة، أو اثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك ــ حتى عَدَّ سَبْع سماوات ــ ثم فوق السابعة بَحْرٌ بين أسفله وأعلاه مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماء، ثم فوقَ ذلك ثمانية أوعالٍ، بين أظلافهم ورُكَبهم مثلُ ما بين سماء إلى سماءٍ، ثم على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوقَ ذلك». وأخرجه ابن ماجه والترمذي (١)، وقال: حسن غريب، وروى شريك بعض

стр. 1498

هذا الحديث عن سماك فوقفه. قال ابن القيم ﵀: قد رُدَّ هذا الحديث بشيئين: أحدهما بأن فيه الوليد بن أبي ثور، ولا يحتج به (١). والثاني بما رواه الترمذي (٢) من حديث قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله ﷺ جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ : «هل تدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا العنان، هذه روايا الأرض، يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه»، ثم قال: «هل تدرون ما فوقكم؟» قالوا الله ورسوله أعلم، قال: «إنها الرقيع، سقف محفوظ، ومَوج مكفوف». ثم قال: «هل تدرون كم بينكم وبينها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينكم وبينها [مسيرة] خمسمائة سنة»، ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن فوق ذلك سماءين ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة»، حتى عد سبع سماوات، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين»، ثم قال: «هل تدرون ما الذي تحتكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم،

стр. 1499

قال: «فإنها الأرض»، ثم قال: «هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن تحتها أرضًا أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة» حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: «والذي نفس محمد بيده لو أنّكم دَلَّيتم بحبل إلى الأرض السُّفلى لهبط على الله»، ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. قالوا: هذا خلاف حديث العباس في موضعين: في ذكر بُعد المسافة بين السماوات، وفي نفي اختصاص الرب بالفوقية. قال المثبتون: أما ردُّ الحديث الأول بالوليد بن أبي ثور، ففاسد، فإن الوليد لم ينفرد به بل تابعه عليه إبراهيم بن طَهمان، كلاهما عن سِماك، ومن طريقه رواه أبو داود (١). ورواه أيضًا عمرو بن أبي قيس عن سِماك، ومن حديثه رواه الترمذي (٢) عن عبد بن حُميد: حدثنا عبد الرحمن بن سعد، عن عمرو بن أبي قيس. قال الترمذي: قال عبد بن حميد: سمعت يحيى بن معين يقول: ألا يريدُ (٣) عبد الرحمن بن سعد أن يحجَّ حتى نسمع منه هذا الحديث؟ ورواه الوليد بن أبي ثور عن سماك، ومن حديثه رواه ابن ماجه في «سننه»، فأي ذنب للوليد في هذا؟ وأي تعلُّق عليه؟ وإنما ذنبه روايته (٤) ما

стр. 1500

يخالف قول الجهمية، وهي علته المؤثرة عند القوم! وأما معارضته بحديث (١) الحسن عن أبي هريرة ففاسدة (٢) أيضًا، فإن الترمذي ضعّف حديث الحسن هذا، وقال فيه: «غريب» فقط، قال: ويُروى عن أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. قال الترمذي: ففسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما معناه: هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، [وعلمُ الله] (٣) وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه. وهذا التفسير الذي ذكره الترمذي يشبه التفسير الذي حكاه البيهقي عن أبي حنيفة ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، فإنه قال (٤): أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أخبرنا أبو محمد بن حيان (٥)، أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر، حدثنا يحيى بن مُعَلَّى (٦) قال: سمعت

стр. 1501

نُعَيم بن حماد يقول: سمعت نوح بن أبي مريم يقول: كنا عند أبي حنيفة أوَّل ما ظهر، إذ جاءته امرأة من تِرمِذَ كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة ــ فأظنني أقلُّ ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس ــ تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن هاهنا رجلًا نظر في المعقول يقال له: أبو حنيفة فأْتِيه، فأتته وقالت: أنت الذي تعلّم الناس المسائل، وقد تركتَ دينك؟! أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها ثم خرج إلينا وقد وضع كتابًا: إن الله تعالى في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾؟ قال: هو كما تكتب إلى الرجل: إني معك، وأنت غائب عنه (١). قال البيهقي: فقد أصاب أبو حنيفة ﵀ فيما نفى عن الله تعالى من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع [ق ٢٤٣] مطلقَ السمع في

стр. 1502

قوله: إن الله في السماء. هذا لفظه في كتاب «الأسماء والصفات». قالوا: وأما اختلاف مقدار المسافة في حديثَي العباس وأبي هريرة، فهو مما يشهد بتصديق كل منهما للآخر، فإن المسافة يختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها، فسير البريد مثلًا يُقطَع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات، وهذا معلوم بالواقع، فما تَسِيره الإبل سيرًا قاصدًا في عشرين يومًا يقطعه البريد في ثلاثة، فحيث قدَّر النبي ﷺ بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد، وحيث قدَّر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب، فكل منهما يصدِّق الآخر ويشهد بصحته، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. ٥٧٢/ ٤٥٥٩ - وعن جُبير بن محمد بن جبير بن مُطْعِم، عن أبيه، عن جده قال: أتى رسولَ الله ﷺ أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ الله، جَهِدَتِ الأنفُس، وضاعت العيالُ، ونُهِكَت الأموالُ، وهَلكت الأنعامُ، فاسْتَسْقِ الله لنا، فإنَّا نَسْتَشْفِعُ بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله ﷺ : «وَيْحَك! أتدري ما تقول؟» وسَبَّح رسولُ الله ﷺ ، فما زال يُسبح حتى عُرِف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: «وَيحَك! إنه لا يُسْتَشْفَعُ بالله على أحدٍ مِن خَلقه، شأنُ الله أعظمُ من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إنَّ عرشه على سماواته لَهكذا ــ وقال بأصابعه مثلَ القُبَّة عليه ــ وإنه لَيَئِطُّ به أَطِيط الرَّحل بالراكب». قال ابن بشَّار في حديثه: «إن الله فوقَ عرشه، وعَرْشُه فوق سمواته ... » وساق الحديث (١).

стр. 1503

قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن النبي ﷺ من وجه من الوجوه، إلا من هذا الوجه. ولم يقل فيه محمد بن إسحاق: «حدثني يعقوب بن عتبة». هذا آخر كلامه. وقد أُعِلَّ هذا الحديث بوجوه: أحدها: أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن الحديث ولم يصرِّح بالسماع، والمدلس إذا لم يذكر سماعه لم يُحتجّ براويته. الثاني: أنه لو صرَّح بالسماع، فابن إسحاق لا يحتجُّ بحديثه، وقد كذَّبه مالك وغيره. الثالث: أنه قد تفرَّد به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي، ولم يروِ عنه أحد من أهل «الصحيح» (١). الرابع: أنه رواه عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، ولم يروِ عنه أحد من

стр. 1504

أصحاب «الصحيح» أيضًا. الخامس: أن الحديث اضطُرب فيه على ابن إسحاق، فقال عبد الأعلى ومحمد بن المُثنَّى ومحمد بن بشَّار: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعتُ محمد بن إسحاق يحدِّث عن يعقوب بن عتبة و جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدِّه. وقال أحمد بن سعيد الرِّباطي: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعتُ محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده (١). السادس: أنه اختُلف عليه في لفظه، فرواه يحيى بن معين وغيره فلم يذكروا: «به»، وقالوا: «إنه لَيَئِطُّ أَطِيطَ الرَّحل» (٢). ورواه جماعة فقالوا: «ليئطُّ به» (٣). قال ابن القيم ﵀: قال أهل الإثبات: ليس في شيء من هذا مُستراح لكم في رد الحديث! أما حملكم فيه على ابن إسحاق، فجوابه أن ابن إسحاق بالموضع الذي

стр. 1505

جعله الله من العلم والأمانة (١) وثناءِ أكابر الأئمة عليه، وردّهم على من طعن عليه واستنكارهم له، وشهادتهم له بالصدق والحفظ والإمامة. قال علي ابن المديني: حديثه عندي صحيح (٢). وقال شعبة: ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث (٣)، وقال أيضًا: هو صدوق (٤). وقال علي ابن المديني أيضًا: لم أجد له سوى حديثين منكرين (٥). وهذا في غاية الثناء والمدح إذ لم يجد له على كثرة ما روى إلا حديثين منكرين. وقال علي أيضًا: سمعت ابن عيينة يقول: ما سمعت أحدًا يتكلم في ابن إسحاق إلا في قوله في القدر (٦). ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعدهم. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال الزهري: لا يزال بهذه الحَرَّة علم ما دام بها ذلك الأحوَل، يريد ابن

стр. 1506

إسحاق (١). وقال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين: كيف ابن إسحاق؟ قال: ليس بذاك، قلت: ففي نفسك من حديثه شيء؟ قال: لا، كان صدوقًا (٢). وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: لو كان لي سلطان لأمّرتُ ابن إسحاق على المحدثين (٣). وقال ابن عدي (٤): قد فتشت أحاديث ابن إسحاق الكثير (٥)، فلم أجد في حديثه ما يتهيأ أن يُقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو وهم كما يخطئ غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقاتُ والأئمة، وهو لا بأس به. وقال أحمد بن عبد الله العجلي (٦): ابن إسحاق ثقة. وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذكرها لابن إسحاق في «صحيحه» (٧).

стр. 1507

وقد روى الترمذي في «جامعه» (١) من حديث ابن إسحاق: حدثنا سعيد بن عُبَيد بن السبّاق، عن أبيه، عن سهل بن حُنَيف قال: «كنت ألقى من المذي شدة فأكثِر الاغتسال منه [فسألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «فيه الوضوء»، قلتُ: فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماءٍ فتَنْضحَ به ثوبَك حيث ترى أنه أصابه»] (٢). قال الترمذي: «هذا حديث صحيح، لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق». فهذا حكم قد تفرد به ابن إسحاق في الدنيا (٣)، وقد صححه الترمذي. فإن قيل: فقد كذّبه مالك ويحيى القطان وهشام بن عروة وغيرهم (٤)، فقال أبو قِلابة الرَّقاشي: حدثني أبو داود سليمان بن داود قال: قال يحيى القطان (٥): أشهد أن محمد بن إسحاق كذّاب، قلت: وما يدريك؟ قال: قال لي وهيب (٦)، فقلت لوهيب: وما يدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس، فقلت لمالك: وما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة، قال: قلت لهشام:

стр. 1508

وما يدريك؟ قال: حَدَّث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأُدخِلتْ عليَّ (١)، وهي بنت تسع، وما رآها رجل حتى لقيتِ الله (٢). قيل: هذه الحكاية وأمثالها هي التي غرَّت من اتهمه بالكذب، وجوابها من وجوه: أحدها: أن سليمان بن داود (راويها عن يحيى) هو الشاذَكُوني (٣)، وقد اتُّهم بالكذب، فلا يجوز القدح في الرجل بمثل رواية الشاذكوني. الثاني: أن في الحكاية ما يدل على أنها كذب، فإنه قال: أُدخلتْ عليّ وهي بنت تسع، وفاطمة أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، ولعلها لم تُزَفّ إليه إلا وقد زادت على العشرين، ولمّا أَخَذ عنها ابنُ إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة. الثالث: أن هشامًا إنما نفى رؤيته لها، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع. قال الإمام أحمد: لعله سمع منها في

стр. 1509

المسجد، أو دخل عليها فحدثَّتْه من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟ وقد كانت امرأة قد كَبِرت وأسنَّت (١). وقال يعقوب بن شيبة (٢): سألت ابن المديني عن ابن إسحاق؟ قال: حديثه عندي صحيح، قلت: فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه ولم يعرفه، وأي شيء حدّث بالمدينة؟! قلت: فهشام بن عروة قد تكلم فيه؟ قال: الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها، فإن حديثه ليتبين فيه الصدق؛ يروي مرة: حدثني أبو الزناد، ومرة: ذكر أبو الزناد، ويقول: حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب في سلف وبيع، وهو أروى الناس عن عمرو بن شعيب (٣). فصل وأما قولكم: إنه لم يُصرّح بسماعه من يعقوب بن عتبة، فعلى تقدير ثبوت العلم بهذا النفي لا يخرج الحديث عن كونه حسنًا، فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه، وفي «الصحيح» قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس، كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار، ونظائر [ق ٢٤٤] كثيرة لذلك. وأما قولكم: تفرد به يعقوب بن عتبة، ولم يرو عنه أحد من أصحاب

стр. 1510

«الصحيح»؛ فهذا ليس بعلة باتفاق المحدثين، فإن يعقوب ثقة لم يضعّفه أحد، وكم من ثقة قد احتُجّ به وهو غير مخرَّج عنه في «الصحيحين». وهذا هو الجواب عن تفرد محمد بن جبير به (١)، فإنه ثقة (٢). وأما قولكم: إن ابن إسحاق اضطرب فيه ... إلى آخره، فقد اتفق ثلاثة من الحفاظ ــ وهم: عبد الأعلى وابن المُثنَّى وابن بشّار ــ على وهب بن جرير عن أبيه عن ابن إسحاق أنه حدّث به عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد عن أبيه، وخالفهم أحمد بن سعيد الرِّباطي (٣) فقال: عن وهب بن جرير عن أبيه: سمعتُ محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير= فإما أن يكون الثلاثة أولى، وإما أن يكون يعقوب رواه عن جبير بن محمد، فسمعه منه ابن إسحاق، ثم سمعه من جبير نفسه، فحدث به على الوجهين. وقد قيل (٤): إن الواو غلط، وإن الصواب: «عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد، عن أبيه»، والله أعلم. وأما قولكم: إنه اختلف لفظُه، فبعضهم قال: «ليئط به»، وبعضهم لم

стр. 1511

يذكر لفظة «به»؛ فليس في هذا اختلافٌ يوجب رد الحديث، فإذا زاد بعض الحفاظ لفظةً لم ينفِها غيرُه ولم يرو ما يخالفها، فإنها لا تكون موجبةً لردّ الحديث. فهذا جواب المنتصرين لهذا الحديث. قالوا: وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من غير حديث ابن إسحاق، فقال محمد بن عبد الله الكوفي المعروف بمُطَيَّن: حدثنا عبد الله بن الحكم وعثمان قالا: حدثنا يحيى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر قال: أتت النبيَّ ﷺ امرأة فقالت: ادعُ الله أن يُدخلني الجنة، فعظَّم أمرَ الرب ثم قال: «إن كرسيَّه فوقَ السماوات والأرض، وإنه يقعُد عليه، فما يفضل منه مقدارُ أربع أصابع ــ ثم قال بأصابعه فجمعها ــ وإن له أطيطا كأطيط الرحل ... » الحديث (١).

стр. 1512

فإن قيل: عبد الله بن الحكم وعثمان لا يُعرفان (١). قيل: بل هما ثقتان مشهوران عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الحكم القطواني، وهما من رجال الصحيح (٢). وفي «الصحيحين» (٣) من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه: إن رحمتي غلبت غضبي». وفي لفظ البخاري (٤): «وهو وَضْعٌ عنده على العرش». وفي لفظ له (٥) أيضًا: «فهو مكتوب فوق العرش». و «وضْع» بمعنى موضوع، مصدر بمعنى المفعول، كنظائره. وفي «صحيح البخاري» (٦) أيضًا من حديث حماد بن زيد عن ثابت البُناني عن أنس قال: كانت زينب تفخَر على أزواج النبي ﷺ وتقول: زوجكنّ أهاليكنّ وزوجني الله من فوق سبع سماوات! وفي لفظ للبخاري (٧): كانت تقول: أنكحني الله في السماء.

стр. 1513

وفي «الصحيحين» (١) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من تصدّق بعدل تمرةٍ من كسب طيب، ــ ولا يصعَد إلى الله إلا الطيب ــ فإن الله يتقبّلها بيمينه، ثم يُربّيها لصاحبها كما يُربّي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل»، لفظ البخاري. وفي «الصحيحين» (٢) من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يَعرُج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون». ورواه البيهقي (٣) بإسناد الصحيح وقال: «ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم»، وقال: أخرجاه في «الصحيح».

стр. 1514

وفي «الصحيحين» (١) قصة سعد بن معاذ وحكمِه في بني قريظة، وقولِ النبي ﷺ : «لقد حكمتَ فيهم بحكم المَلِك». ورواه البيهقي (٢) من حديث سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه، وفيه فقال النبي ﷺ : «لقد حكم فيهم اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات». وقال ابن إسحاق (٣) في حديثه: «لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبعة أرقعة». والرقيع من أسماء السماء، وقد تقدم. وروى الترمذي والإمام أحمد (٤) من حديث الحسن عن عمران بن

стр. 1515

حُصَين قال: قال رسول الله ﷺ لأبي: «يا حُصَين كم تعبد اليوم إلهًا؟» قال أبي: سبعة، ستة في الأرض وواحدًا في السماء، قال: «فأيهم تُعدّ لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء، قال: «يا حصين أما إنك لو أسلمتَ علّمتك كلمتين تنفعانك». قال: فلما أسلم حصين قال: يا رسول الله علِّمْني الكلمتين اللَّتَين وعدتني، قال: «قُل: اللهم ألهمني رشدي، وأَعِذني مِن شرّ نفسي». وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه شهد للجارية بالإيمان حيث أقرت بأن الله في السماء، وحديثها في «صحيح مسلم» (١). وثبت عنه في «الصحيح» (٢) أنه جعل يشير بإصبعه إلى السماء في خطبته في حجة الوداع ويَنْكُتها إلى الناس ويقول: «اللهم اشهد»، وكان مستشهدًا بالله حينئذ، لم يكن داعيًا حتى يقال: السماء قبلة الدعاء (٣).

стр. 1516

وفي «الصحيحين» (١) من حديث عبد الرحمن بن أبي نُعْم قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله [ق ٢٤٥] عليه وسلم من اليمن بذُهَيبةٍ في أَدِيم مقروظٍ لم تُحَصَّل من ترابها، فقسمها بين أربعة نفر، بين عُيَينةَ بن بدر، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن عُلاثة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا أحقَّ بهذا من هؤلاء، فبلغ ذلك النبي ﷺ : فقال: «ألا تأمنوني، وأنا أمين مَن في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء». وسيأتي إن شاء الله (٢) حديث أبي الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ربنا الله الذي في السماء، تقدّس اسمك، أمرُك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء ... » الحديث. رواه أبو داود في الطب (٣).

стр. 1517

وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «ارحموا مَن في الأرض يَرحمْكم من في السماء». رواه الترمذي (١) وقال: حديث حسن صحيح. وسيأتي في كتاب الأدب. وفي «صحيح ابن حبان» (٢) عن أبي عثمان النَّهدي عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ قال: «إن ربكم حَييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صفرًا». وقد روى الترمذي والبيهقي (٣) من حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن

стр. 1518

عطاء عن وكيع بن حُدُس (١) عن أبي رَزِين العُقَيلي قال قلت: يا رسول الله أين كان ربنا ﵎ قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: «كان في عَمَاءٍ (٢) ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش ثم استوى عليه». هذا لفظ البيهقي. وهذا الإسناد صححه الترمذي في موضع وحسنه في موضع، فصحّحه في الرؤيا (٣): حدثنا الحسن بن علي (٤) الخلال، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا (٥) شعبة عن، يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس، عن عمه أبي رَزِين العُقَيلي قال: قال رسول الله ﷺ : «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة، وهي على رِجلِ طائرٍ ما لم يتحدّث بها فإذا تحدّث بها

стр. 1519

سقطت»، قال: وأحسبه قال: «لا تحدّث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال ابن القطان (١): فيلزمه تصحيح الحديث الأول أو الاقتصار على تحسين الثاني؛ يعني لأن الإسناد واحد. قال: فإن قيل لعله حسّن الأول لأنه من رواية حماد بن سلمة، وصحح الثاني لأنه من رواية شعبة، وفَضْل ما بينهما في الحفظ بيّن= قلنا: قد صحح من أحاديث حماد بن سلمة ما لا يُحصى، وهو موضع لا نظر فيه عنده ولا عند أحد من أهل العلم، فإنه إمام، وكان عند شعبة من تعظيمه وإجلاله ما هو معلوم. وروى البيهقي (٢) عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصَّغاني (٣)، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، عن أبي يزيد

стр. 1520

المديني: أن عمر بن الخطاب مرّ في ناس من أصحابه فلقيتْه عجوزٌ واستوقفته فوقف عليها فوضع يده على منكبيها حتى (١) قضت حاجتها، فلما فرغت قال له رجل: حبستَ رجالات قريش على هذه العجوز! قال: ويحك! تدري من هذه؟ هذه عجوز سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، والله لو استوقفتني إلى الليل لوقفتُ عليها إلا أن آتي صلاة ثم أعود إليها (٢)». قال البيهقي (٣): وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي الجوهري، حدثنا إبراهيم بن الهيثم، حدثنا محمد بن كثير المِصّيصي قال: سمعتُ الأوزاعي يقول: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. وقال البخاري في «الصحيح» (٤): قال أبو العالية: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾

стр. 1521

[البقرة: ٢٩] ارتفع، ﴿فَسَوَّى﴾: (١) خَلَقهنّ، وقال مجاهد: ﴿اسْتَوَى﴾ علا. وقال أبو الحسن علي بن مهدي (٢) الطبري من كبار أصحاب أبي الحسن الأشعري: «والله في السماء فوقَ كل شيء، مستوٍ على عرشه بمعنى أنه عالٍ عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول: استويتُ على ظهر الدابة، واستويتُ على السطح بمعنى علوتَه، واستوت الشمسُ على رأسي واستوى الطيرُ على قمة رأسي بمعنى علا، تعني علا في الجو فوُجِد فوق رأسي؛ فالقديم سبحانه عالٍ على عرشه، لا قاعد ولا قائم ولا مماسّ ولا مباين عن العرش». هذا كلامه حكاه عنه البيهقي (٣). قال (٤): وروى [أبو] الحسن بن مهدي الطبري عن أبي عبد الله نِفطويه

стр. 1522

قال: أخبرني أبو سليمان قال: كنا عند ابن الأعرابي (١) فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله ما معنى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قال: إنه مستوٍ على عرشه كما أخبر، فقال الرجل: إنما معنى ﴿اسْتَوَى﴾ استولى، فقال له ابن الأعرابي: ما يُدريك؟ العربُ لا تقول: استولى على الشيء فلانٌ حتى يكون له فيه مُضاد، فأيهما غلب قيل: قد استولى عليه، والله تعالى لا مضاد له، فهو على عرشه كما أخبر. وقال يحيى بن إبراهيم الطُّلَيطِلي (٢) في كتاب «سِيَر الفقهاء»: حدثني عبد الملك بن حبيب، عن عبد الله بن المغيرة، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: «كانوا يكرهون قول الرجل: يا خيبة الدهر، وكانوا يقولون الله هو الدهر؛ وكانوا يكرهون قول الرجل: رَغِم أنفي لله، وإنما يرغم أنف الكافر؛ وكانوا يكرهون قول الرجل: لا والذي [ق ٢٤٦] خاتمه على فمي، وإنما يختم على فم الكافر؛ وكانوا يكرهون قول الرجل: واللهِ حيث كان، أو: إن الله بكل مكان» (٣)، قال أصبغ: «وهو مستوٍ على عرشه، وبكلّ مكان علمه

стр. 1523

وإحاطته». وقال ابن عبد البر في «التمهيد» و «الاستذكار» (١): قال مالك: «الله في السماء وعلمه في كل مكان». وقال القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري (٢) في رسالته المشهورة التي سماها «رسالة الحُرَّة (٣)»: «وأن الله سبحانه شاءٍ مريدٌ كما قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] و: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ

стр. 1524

بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وأن الله مستوٍ على عرشه ومستول على جميع خلقه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة». وقال حافظ الغرب إمامُ السنة في وقته أبو عمر ابنُ عبد البرِّ في كتابيه (١) «التمهيد» و «الاستذكار» في شرح حديث مالك عن ابن شهاب عن الأغرِّ وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ... » الحديث، قال أبو عمر ــ وهذا لفظه في «الاستذكار» (٢) ــ: فيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماواتٍ كما قالت الجماعة، وهو مِن حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله تعالى في كل مكان وليس على العرش. والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] (٣)، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾

стр. 1525

[فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وهذا من العلو، وكذلك قوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. وقال جل ذكره: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٢ - ٣]، والعروج هو الصعود. وأما قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، فمعناه: مَن على السماء، يعني على العرش، وقد تكون «في» بمعنى «على»، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] أي: على الأرض، وكذلك قوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل. وهذا كله يعضده قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وما كان مثلَه مما تلونا من الآيات في هذا الباب. وهذه الآيات كلها واضحة في إبطال قول المعتزلة.

стр. 1526

وأما ادعاؤهم المجازَ في الاستواء، وقولُهم: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولى= فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد. ومِن حقِّ الكلام أن يحمَل على حقيقته، حتى تتفق الأمة (١) أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أُنزِل إلينا من ربِّنا إلا على ذلك، وإنما يوجَّه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدّعٍ ما ثبت شيء من العبارات، وجلّ اللهُ أن يخاطِب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء في اللغة معلوم مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة (٢): في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى﴾، قال: علا، وتقول العرب: استويتُ فوق الدابة، واستويت فوق البيت. قال أبو عمر: و [الاستواء:] (٣) الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨].

стр. 1527

وقال الشاعر (١): فأوردتُهم ماءً بفَيفاءَ قفرةٍ ... وقد حلّق النجمُ اليماني فاستوى وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى، لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النَّضْر بن شُمَيل ــ وكان ثقةً مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة ــ، قال: حدثني الخليل ــ وحسبك بالخليل ــ قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان مِن أعلم مَن رأيتُ، فإذا هو على سطح، فسلَّمنا فردَّ علينا السلام وقال لنا: استووا، فبَقِينا متحيّرين ولم ندرِ ما قال، فقال لنا أعرابي إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو مِن قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، فصعدنا إليه. وأما من نزع منهم بحديث عبد الله بن واقد الواسطي بإسناده (٢) عن ابن عباس: «﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي: استولى على جميع بريَّته، فلا يخلو منه مكان» = فالجواب أن هذا حديث منكر ونَقَلَته مجهولون ضعفاء، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث لو عقلوا أو أنصفوا؟! أما سمعوا الله حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ
следующие страницы →