← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1453–1492 · переход к 1458.

стр. 1453

أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. وقال البخاري أيضًا: «بابٌ الصلاة من الإيمان، وقولُه : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، يعني صلاتكم عند البيت»، ثم ذكر حديث تحويل القبلة (١). وأقدم من روي عنه زيادة الإيمان ونقصانه من الصحابة عمير بن حبيب الخطمي، قال الإمام أحمد (٢): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخَطْمي، عن أبيه عن جده عُمَير بن حَبيب قال: الإيمان يزيد وينقص. قيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبّحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيَّعنا ونسينا فذلك نقصانه. وقال أحمد (٣): حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن طلحة، عن

стр. 1454

زبيد، عن ذَرّ قال: كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه: «هلمُّوا نزدد إيمانًا»، فيذكرون الله تعالى. وقال أحمد (١): حدثنا وكيع عن شريك عن هلال عن عبد الله بن عكيم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في دعائه: «اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقهًا ــ أو قال: فهمًا ــ». وقال أحمد في رواية المرّوذي (٢): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام، حدثنا علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: «الإيمان نَزِهٌ، فمن زنى فارقه الإيمان، فإن لام نفسه ورجع راجعه الإيمان». وفي تفسير علي بن أبي طلحة (٣) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، قال: إن الله بعث محمَّدًا ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله. فلما صدق به المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به (٤) زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم

стр. 1455

دينهم فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]». وقال إسماعيل بن عياش: حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي، عن أبي هريرة قال: «الإيمان يزداد وينقص» (١). وقال إسماعيل أيضًا: عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن أبي هريرة وابن عباس قالا: «الإيمان يزداد وينقص» (٢). وقال الإمام أحمد في رواية المرُّوذي (٣): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، عن فضيل بن يسار قال: قال محمد بن علي: «هذا الإسلام» ودَوَّر دارةً، ودور في وسطها أخرى وقال: «هذا الإيمان»، وقال رسول الله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن»، قال: يخرج من

стр. 1456

الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من (١) الإسلام، «فإذا تاب تاب الله عليه»، قال: رجع إلى الإيمان. وقال أحمد في رواية المرُّوذي (٢): حدثنا يحيى بن سعيد عن أشعت عن الحسن عن النبي ﷺ قال: «يُنزَع منه الإيمان، فإن تاب أعيد إليه». ورواه يحيى بن سعيد عن عوف عن الحسن قوله (٣)، وهو أشبه. وقال محمد بن سليمان لُوَين: سمعت سفيان بن عيينة غير مرة يقول: الإيمان قول وعمل، وأخذناه ممن قبلنا، قيل له: يزيد وينقص؟ قال: فأي شيءٍ إذًا؟! (٤) وقال مرة وسئل: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «أليس تقرأون القرآن: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]: في غير موضع؟ قيل: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص (٥). وقال عبد الرزاق: سمعتُ سفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن جريج ومعمرًا يقولون: «الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص» (٦).

стр. 1457

وقال الحميدي: سمعت ابن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد لا تقُل: يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي! بلى، حتى لا يبقى منه شيء (١). وقال أبو داود (٢): سمعت أحمد بن حنبل يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. [وقال أبو داود (٣): حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا عبد الله بن نافع قال: كان مالك يقول: «الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص»] (٤). وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: «الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص». ذكره الحاكم في «مناقبه» (٥). وقال أبو عمرو الزبيري (٦): قال رجل للشافعي: أي الأعمال عند الله

стр. 1458

أفضل؟ قال: ما لا يُقبَل عمل إلا به. قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله هو أعلى الأعمال درجةً وأشرفها منزلةً وأسناها حظًّا. قال الرجل: ألا تخبرني عن الإيمان: قول وعمل، أو قول بلا عمل؟ قال الشافعي: الإيمان عمل لله، والقول بعض ذلك العمل، ثم احتج عليه. ذكره الحاكم عنه (١). وقال أحمد (٢): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما نقصت أمانة عبد إلا نقص إيمانه. وقال وكيع: حدثنا إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قال: ليزداد إيمانًا (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد: أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن الإيمان؟ فقرأ عليه:

стр. 1459

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] حتى ختم الآية. احتج به أحمد في كتاب «الرد على المرجئة» (١). ورواه جعفر بن عون عن المسعودي عن القاسم [ق ٢٣٦] عن أبي ذر بمثله (٢). وقال يحيى بن سليم الطائفي: قال هشام عن الحسن: «الإيمان قول وعمل»، فقلت لهشام: فما تقول أنت؟ فقال: «قول وعمل» (٣). وقال الحميدي: سمعت وكيعًا يقول: «أهل (٤) السنة يقولون الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: الإيمان قول، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة» (٥).

стр. 1460

وصح عن الحسن أنه قال: «ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل» (١)، ونحوه عن سفيان الثوري (٢). وقد جعل النبي ﷺ العمل تصديقًا في قوله: «والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه» (٣). وأما الحديث الذي رواه ابن ماجه في «سننه» (٤) من حديث عبد السلام بن صالح عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان». قال عبد السلام بن صالح: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لبَرَأ= فهذا حديث موضوع ليس من كلام رسول الله ﷺ (٥). قال بعض أئمة الحديث: لو قرئ هذا على مجنون لبرأ لو سَلِم من عبد السلام، وهو المتَّهم به. وفي الحق ما يغني عن الباطل، ولو كنا ممن يحتج بالباطل ويستحلّه لروَّجنا هذا الحديث وذكرنا بعض من أثنى على عبد السلام، ولكن نعوذ بالله من هذه الطريقة، كما نعوذ به من طريقة تضعيف الحديث الثابت وتعليله إذا خالف قول إمام معين، وبالله التوفيق.

стр. 1461

٧ - باب في القدَر ٥٥٤/ ٤٥٢٦ - عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «القدرية مجوس هذه الأمة: إنْ مَرِضُوا فلا تَعُودوهم، وإن مَاتوا فلا تَشهَدوهم» (١). هذا منقطع، أبو حازم سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر. وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس فيها شيء يثبت (٢). ٥٥٥/ ٤٥٢٧ - وعن عُمَر مولى غُفْرَةَ، عن رجل من الأنصار، عن حُذيفة ــ وهو ابن اليَمان ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكلِّ أمةٍ مجوسٌ، ومجوسُ هذه الأمةِ: الذين يقولون لا قَدَرَ، مَن مات منهم فلا تَشهدوا جنازته، ومَن مرض منهم فلا تَعودوهم، وهُم شِيعةُ الدَّجَّال، وحَقٌّ على الله أن يُلحِقهم بالدَّجال» (٣). فيه مجهول، وعمر هذا لا يُحتجّ به (٤). قال ابن القيم ﵀: هذا المعنى قد روي عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر، وحذيفة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ورافع بن خديج.

стр. 1462

فأما حديث ابن عمر وحذيفة، فلهما طرق وقد ضُعِّفَت. وأما حديث ابن عباس، فرواه الترمذي (١) من حديث القاسم (٢) بن حبيب وعلي بن نزار، عن نزار، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «صِنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: القدرية والمرجئة». قال هذا حديث غريب. ورواه (٣) من حديث محمد بن بشر: حدثنا سلَّام بن أبي عمرة (٤)، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ . وأما حديث جابر، فرواه ابن ماجه في «سننه» (٥) عن محمد بن

стр. 1463

المُصفَّى: حدثنا بقية، عن الأوزاعي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر يرفعه، نحو حديث ابن عمر. فلو قال بقية: «حدثنا الأوزاعي» مشى حال الحديث، ولكن عنعنه مع كثرة تدليسه. وأما حديث أبي هريرة: فرواه (١) عبد الأعلى بن حماد: حدثنا معتمر بن سليمان: سمعتُ أبي يحدث عن مكحول، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. رواه عن عبد الأعلى جماعة (٢). وله علتان: إحداهما: أن المعتمر بن سليمان رواه عن أبي الحُرّ (٣): حدثني جعفر بن الحارث، عن يزيد بن ميسرة، عن عطاء الخراساني، عن مكحول، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٤).

стр. 1464

والعلة الثانية: أن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة (١). وأما حديث عبد الله بن عمرو، فيرويه عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز، عن يحيى بن القاسم، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرٍو يرفعه: «ما هلكتْ أمة قط إلا بالشرك بالله ، وما أشركت قط إلا كان بَدْءُ إشراكها التكذيب بالقدر» (٢). وهذا الإسناد لا يحتج به. وأجود ما في الباب حديث حيوة بن شريح: أخبرني أبو (٣) صخر، حدثني نافع، أن ابن عمر جاءه رجل فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام، فقال: إنه قد بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تُقرِئْه مني السلام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في هذه الأمة ــ أو أمتي (الشك منه) ــ خسف، ومسخ أو قذف في أهل القدر» (٤). قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.

стр. 1465

والذي صحّ عن النبي ﷺ ذمهم من طوائف أهل البدع: الخوارج، فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح، لأن مقالتهم حدثت في زمن النبي ﷺ وكلَّمَه رئيسُهم (١). وأما الإرجاء، والرفض، والقدر، والتجهم، والحلول، وغيرها من البدع، فإنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة (٢). وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة فأنكرها من كان منهم حيًّا، كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأمثالهما (٣). وأكثر ما يجيء من ذمهم فإنما هو موقوف على الصحابة قولهم فيه. ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة فتكلم فيها كبار

стр. 1466

التابعين الذين أدركوها كما حكيناه عنهم. ثم حدثت بدعة التجهُّم بعد انقراض عصر التابعين، واستفحل أمرها، واستطار شَرارها في زمن الأئمة كالإمام أحمد وذويه. ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول، وظهر أمرها في زمن الحلّاج (١). وكلما ظهرت (٢) بدعة من هذه البدع وغيرها أقام الله لها مِن حزبه وجنده من يردها ويُحذِّر المسلمين منها نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله [ق ٢٣٧] ولأهل الإسلام، وجعله ميزانًا ومحكًّا يعرف به حزب رسول الله ﷺ وولي سُنّته مِن حزب البدعة وناصرها. وقد جاء في أثر لا يحضرني إسناده: «إن لله عند كل بدعة يُكاد بها الإسلام وليًّا ينطق بعلاماته، فاغتنموا تلك المجالس، وتوكلوا على الله، فإن الرحمة تنزل عليهم» (٣).

стр. 1467

نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يُلحِقنا بهم، وأن يجعلنا لهم خلفًا، كما جعلهم لنا سلفًا، بمنه وكرمه. ٥٥٦/ ٤٥٣٠ - وعن يحيى بن يَعْمَر قال: كان أولَ من تكلَّم في القدر بالبصرة مَعبدٌ الجُهَنيُّ، فانطلقت أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري حاجَّيْن أو مُعْتَمرين، فقلنا: لو لَقِينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناهُ عَمَّا يقول هؤلاء في القدر؟ فوفَّقَ الله لنا عبد الله بن عمر داخلًا في المسجد، فاكْتَنَفْتُه أنا وصاحبي، فظننتُ أنَّ صاحبي سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظَهَر قِبَلَنا ناسٌ يقرأون القرآن ويتقَفَّرون العلم (١)، يزعمون أن لا قَدَر والأمرَ أنُفٌ، فقال: إذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أنِّي بَريءٌ منهم، وهم بُرآءُ مِنِّي، والذي يَحْلِف به عبد الله بن عمر لو أنَّ لأحَدِهم مثلَ أحُدٍ ذهبًا فأنفقه ما قَبِلَهُ الله منه حتى يُؤمن بالقدَرِ، ثم قال: حَدَّثني عمر بن الخطاب، قال: بَيْنا نحنُ عند رسول الله ﷺ إذ طَلَع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثيابِ شديدُ سوادِ الشَّعَر، لا يُرَى عليه أثَرُ السَّفر ولا يَعرفُه منا أحدٌ، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسْنَدَ رُكبتيه إلى رُكبتيه ووضع كَفّيه على فَخِذَيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، قال رسول الله ﷺ : «الإسلام: أن تشهدَ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضان، وتَحُجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلًا». قال: صدقتَ، قال: فَعجِبنا له يسألُه ويُصَدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمنَ بالله وملائكته

стр. 1468

وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدَر خيرِه وشَرِّه». قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تراه فإنه يراك». قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلَمَ من السائل». قال: فأخبرني عن أمارَتها، قال: «أن تلدَ الأمةُ رَبَّتَها، وأن تَرَى الحُفاةَ العُراة العالةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتطاوَلُون في البنيان». قال: ثم انطلقَ، فلَبِثْتُ مَليًّا، ثم قال: «يا عمر، تَدري مَن السائلُ؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريلُ أتاكم يُعَلِّمُكم دينَكم». وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١). ٥٥٧/ ٤٥٣١ - وعن يحيى بن يَعْمَر وحُميد بن عبد الرحمن، قالا: لقينا عبد الله بن عمر فذكرنا له القَدَر، وما يقولون فيه ــ فذكر نحوه، زاد ــ قال: وسأله رجلٌ من مُزَينة أو جُهَينة، فقال: يا رسول الله، فيما نعملُ: أفي شيء قد خلا أو مضَى، أو شيءٍ يُستأنف الآن؟ قال: «في شيء قد خلا ومضَى»، فقال الرجل أو بعضُ القوم: ففيمَ العمل؟ قال: «إنَّ أهلَ الجنةِ يُيَسَّرون لعملِ أهلِ الجنة، وإنَّ أهل النار يُيَسَّرون لعمل أهل النار» (٢). ٥٥٨/ ٤٥٣٢ - وعن ابن يعمر بهذا الحديث يزيد وينقص، قال: «فما الإسلام؟ قال: إقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحَجُّ البيتِ، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة». قال أبو داود: علقمة مُرْجِئ. هذا آخر كلامه.

стр. 1469

وعلقمة هذا هو راوي هذا الحديث، وهو علقمة بن مَرثَد الحضرمي الكوفي. وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه. قال ابن القيم ﵀: ورواه أبو جعفر العقيلي (١) من طريقه، وقال فيه: فما شرائع الإسلام؟ قال: «تقيم الصلاة ... » الحديث. وتابعه على هذا اللفظ مرجئ آخر، وهو جراح بن الضحاك، قاله العقيلي (٢). وهذه زيادة مرجئ تفرد بها عن الثقات الأئمة فلا تقبل. ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٣) من حديث سليمان التيمي، عن

стр. 1470

يحيى بن يعمر، فذكر فيه ألفاظًا لم يذكرها غيره، فقال في الإسلام: «وتحج، وتعتمر وتغتسل من (١) الجنابة وأن تتم الوضوء»، وقال فيه: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: «نعم» وقال في الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنة والنار والميزان ... » وذكر البعث والقدر، ثم قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: «نعم»، وقال في الإحسان: وإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال: «نعم»، وقال في آخره: «هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه». قال أبو حاتم: تفرد سليمان التيمي بهذه الألفاظ. ٥٥٩/ ٤٥٤٤ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: حدثنا رسول الله ﷺ ــ وهو الصادق المصدوق ــ: «إنَّ خلق أحدِكم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضغَةً مثل ذلك، ثم يُبعَث إليه مَلَكٌ فيؤمَر بأربع كلمات: فيَكتب رزقَه وأجله وعمله، ثم يكتب شَقِيٌ أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإنَّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ــ أو قِيدُ ذراع ــ فيَسبِقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخلُها، وإنَّ أحدَكم ليعملُ بعمل أهلِ النار حتى ما يكونَ بينه وبينها إلا ذراع ــ أو قِيدُ ذراعٍ ــ فيسبق عليه الكتاب فيعملُ بعملِ أهل الجنة فيدخلها». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه (٢).

стр. 1471

٥٦٠/ ٤٥٤٥ - وعن عمران بن حُصين قال: قيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أَعُلِمَ أهلُ الجنة من أهلِ النار؟ قال: «نعم»، قال: ففيمَ يعملُ العاملون؟ قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له». وأخرجاه (١). قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن حذيفة بن أُسَيد يبلغ به النبي ﷺ قال: «يدخل الملَكُ على النطفة بعد ما تستقرُّ في الرحم بأربعين ــ أو خمس وأربعين ــ ليلةً فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد؟ فَيُكتَبان، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيُكتَبان، ويُكتَب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تُطْوى (٣) الصحف، فلا يُزاد فيها ولا يُنقَص». وفي «الصحيحين» (٤) عن أنس بن مالك ــ ورفع الحديث ــ قال: «إن الله قد وكَّل بالرحِم ملَكًا، فيقول: أَيْ ربِّ نطفة، أَيْ رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال الملك: أي ربِّ ذكر أو (٥) أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه». وهذا مثل حديث ابن مسعود أن كتابة الأجل والشقاوة والسعادة والرزق في الطَّور الرابع. وحديث حذيفة بن أسيد يدل على أن الكتابة في

стр. 1472

الطور الأول. وقد روي حديث حذيفة بلفظ آخرَ يتبين المراد منه وأن (١) الحديثين واحد، وأنهما متصادقان لا متعارضان. فروى مسلم في «صحيحه» (٢) عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره»، فأتى رجلًا (٣) من أصحاب النبي ﷺ يقال له حذيفة بن (٤) أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال: وكيف يشقى بغير عمل؟ فقال الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب الملَك، ثم يقول: يا رب، أجله؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب الملَك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أُمِر ولا يَنقص». وفي لفظ آخر عنه (٥): سمعت رسول الله ﷺ بأُذُنَيَّ هاتين يقول: «إن النطفة تقع في الرَّحِم أربعين ليلة، ثم يَتَصوَّر عليها الملك ــ قال زهير بن معاوية: حسبته قال: الذي يُخلِّقُها ــ فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا رب، أسوِيٌّ أو غير سوِيّ؟ فيجعله الله سوِيًّا، أو غير

стр. 1473

سوِيّ، ثم يقول: يا رب، ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه؟ ثم يجعله [اللهُ] شقيًا أو سعيدًا». وفي لفظ آخر (١): «أن ملكًا موكلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلُقَ شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة» ثم ذكر نحوه. فدل حديث حذيفة على أن الكتابة المذكورة وقت تصويره وخَلْقِ جلده ولحمه وعظمه، وهذا مطابق لحديث ابن مسعود، فإن هذا التخليق هو في الطور الرابع، وفيه وقعت الكتابة. فإن قيل: فما تصنع بالتوقيت فيه بأربعين ليلة؟ قلت: التوقيت فيه بيان أنها قبل ذلك لا يتعرّض لها، ولا يتعلّق بها تخليق ولا كتابة، فإذا بلغت الوقت المحدود وجاوزت الأربعين وقعت في أطوار التخليق طبقًا بعد طبق، ووقع حينئذ التقدير والكتابة، وحديث ابن مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد كونه مضغةً بعد الأربعين الثالثة، وحديث حذيفة فيه أن ذلك بعد الأربعين، ولم يُوقِّت البَعْديّة بل أطلقها، ووقّتها في حديث ابن مسعود. وقد ذكرنا أن حديث حذيفة دال أيضًا على ذلك. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن تكون الأربعون المذكورة في حديث [ق ٢٣٨] حذيفة هي الأربعين الثالثة، وسمّي الحملُ فيها نطفة، إذ هي مبدؤه الأول. وفيه بعد، وألفاظ الحديث تأباه. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن التقدير والكتابة تقديران وكتابتان، فالأول منهما عند ابتداء تعلق التحويل والتخليق في النطفة وهو إذا مضى عليها

стр. 1474

أربعون، ودخلت في طور العَلَقة، وهذا أول تخليقه. والتقدير الثاني والكتابة الثانية: إذا كَمُل تصويره وتخليقه، وتقدير أعضائه، وكونه ذكرًا أو أنثى في الخارج، فيُكتَب مع ذلك عَمَلُه ورزقه وأجله، وشقاوته وسعادته. فلا تنافي بين الحديثين، والحمد لله رب العالمين، ويكون التقدير الأول تقديرًا لما يكون للنطفة بعد الأربعين، فيقدر معه السعادة والشقاوة، والرزق والعمل، والتقدير الثاني تقديرٌ (١) لما يكون للجنين بعد تصويره، فيقدّر معه ذلك ويكتب أيضًا، وهذا التقدير أخص من الأول (٢). ونظير هذا: أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم يقدر ليلة القدر ما يكون من العام لمثله، وهذا أخص من التقدير العام، كما أن تقدير أمر النطفة وشأنِها يقع بعد تعلقها بالرحم، وقد قدّر أمرها قبل خلق السموات والأرض. ونظير هذا: رفع الأعمال وعرضها على الله تعالى، فإن عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه: «شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (٣)، ويُعرَض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك في «صحيح مسلم» (٤)، وعمل اليوم يُرفَع في آخره

стр. 1475

قبل الليل، وعمل الليل في آخره قبل النهار (١). فهذا الرفع في اليوم والليلة أخص من الرفع في العام، وإذا انقضى الأجل رفع عمل العمر كله، وطويت صحيفة العمل. وهذه المسائل من أسرار مسائل القضاء والقدر. فصلوات الله وسلامه على هادي الأمة، وكاشفِ الغمة؛ الذي أوضح به المحجة، وأقام به الحجة؛ وأنار (٢) به السبيل، وأوضح به الدليل. ولله درُّ القائل (٣): أحيا القلوبَ محمدٌ لما أتى ... ومضى فنابت بعده أنباؤه (٤) كالوَرد رَاقَك ريحُه وشَمِيمُه ... وإذا تولى ناب عندك ماؤه (٥) وقد روى مسلم في «صحيحه» (٦) عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء». وفي «صحيحه» (٧) أيضًا عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب

стр. 1476

بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يُصرِّفُه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم مصرِّفَ القلوب صرِّف قلوبَنا على طاعتك». وفي «صحيحه» (١) أيضًا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل شيء بقَدَرٍ حتى العجزُ والكَيْس ــ أو الكيس والعجز ــ». وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظَّه مِن الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تَمنَّى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك أو يكذبه». وفي «صحيح البخاري» (٣) عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «ما استخلف الله خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله». وفي «صحيح مسلم» (٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القويّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرِص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تَعْجِز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن «لو» تفتح عملَ الشيطان».

стр. 1477

وفي «صحيحه» (١) أيضًا عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة: «اللهم متعني بزوجي رسول الله ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية»، فقال لها رسول الله ﷺ : «إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يُعجَّل منها شيء قبل حِلِّه، ولا يؤخَّر منها شيء بعد حله، ولو سألتِ الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر كان خيرًا لك». وفي «سنن ابن ماجه» (٢) من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن الشعبي قال: لما قدم عدي بن حاتم الكوفة أتيناه في نفر من فقهاء أهل الكوفة فقلنا له: حدِّثْنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال: أتيت النبي ﷺ فقال: «يا عدي بن حاتم أسلِمْ تسلَم»، قلت: وما الإسلام؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها، خيرِها وشرها، وحُلْوِها ومرها». وفي «سننه» (٣) أيضًا من حديث مجاهد عن سُراقة بن جُعْشُم قال: قلت: يا رسول الله، أنعمل فيما جفَّ به القلم وجرت به المقادير، أم في أمر مستقبل؟ قال: «بل فيما جف به القلم وجرت به [ق ٢٣٩] المقادير، وكلٌّ مُيسَّر لما خلق له».

стр. 1478

وفي «صحيح البخاري» (١) عن الحسن قال: حدثنا عمرو بن تَغلِب قال: أتى النبيَ ﷺ مالٌ، فأعطى قومًا ومنع آخرين، فبلغه أنهم عَتَبوا، فقال: «إني أعطي الرجل وأَدَعُ الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي؛ أعطي أقوامًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب»، فقال عمرو: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حُمْرَ النعم. وفي «الصحيحين» (٢) حديث عمران بن حصين قال: إني عند النبي ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: «اقبَلوا البشرى يا بني تميم»، قالوا: بشَّرتَنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم»، قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقّه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: «كان الله ولم يكن شيء قبلَه، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذِّكْر كلَّ شيء ... » الحديث. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لأشجِّ عبد القيس: «إن فيك لخَلَّتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأناة»، قال: يا رسول الله، خلَّتين تخلّقتُ بهما، أم جُبِلت عليهما؟ قال: «بل جُبلتَ عليهما». قال: الحمد لله الذي جبلني على خلَّتين يحبهما الله (٣).

стр. 1479

وقال أبو هريرة: قال لي النبي ﷺ : «جفَّ القلم بما أنت لاقٍ». رواه البخاري تعليقًا (١). وفي «صحيح مسلم» (٢) عن طاوس قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : «كل شيء بقَدَر، حتى العجزُ والكيس، ــ أو الكيس والعجز ــ». وذكر البخاري (٣) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، قال: «سَبَقت لهم السعادة». وفي «الصحيحين» (٤) عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يأتي ابنَ آدم النذرُ بشيءٍ لم يكن قد قدَّرْتُه، ولكن يُلقيه القَدَر، وقد قدرتُه له، أستخرجُ به من البخيل».

стр. 1480

وفي لفظ للبخاري (١): «لا يأتي ابنَ آدم النذرُ بشيء لم يكن قُدِّر له، ولكن يلقيه النذر إلى القَدَر قد قُدِّر له (٢)، فيَستخرِج الله به من البخيل، فيؤتي عليه ما لم يكن يؤتي عليه من قبل». وفي لفظ في «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «النذر لا يُقرِّب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيُخرَج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيلُ يريد أن يُخرج». هذه الأحاديث في النذر والقدر أدخلها البخاري في كتاب القدر، وهي إنما تدل على القَدَر الذي لا يتعلق بقدرة العبد ومشيئته، والكلام فيه إنما هو مع (٤) غلاة القدرية المنكرين لتقدُّم العلم والكتاب. وأما القدرية المنكرون لخلق الأفعال، فلا يُحتَجُّ عليهم بذلك، والله أعلم. وقد نظرتُ في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية فإذا هي تقارب خمسمائة دليل، وإن قدر الله تعالى أفردت لها مصنّفًا مستقلًّا (٥)، وبالله التوفيق.

стр. 1481

٨ - باب في ذَراريِّ المشركين ٥٦١/ ٤٥٤٦ - عن ابن عباس ــ وهو عبد الله ــ ﵄ أن النبيَّ ﷺ سُئِل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلمُ بما كانوا عاملين». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). ٥٦٢/ ٤٥٤٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله، ذَراريُّ المؤمنين؟ فقال: «مِن آبائهم»، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، قلت: يا رسول الله، فذرَارِي المشركين؟ قال: «مِن آبَائهِم»، قلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٢). قال ابن القيم ﵀: حديث عائشة: «قلت يا رسول الله ... » من رواية عبد الله بن أبي قَيس مولى غُطَيف (٣) عنها، وليس بذاك المشهور (٤).

стр. 1482

ورواه عمر بن ذَرّ عن يزيد بن أبي أمية: أن البراء بن عازب (١) أرسل إلى عائشة يسألها عن الأطفال؟ فقالت: ... الحديث. هكذا قال مسلم بن قتيبة عن عمر (٢)، وقال غيره: عن عمر بن ذر عن يزيد عن رجل عن البراء (٣). وأما ما رواه أبو عَقِيل يحيى بن (٤) المتوكل عن بُهَيَّة عنها أنها سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المسلمين: أين هم؟ قال: «في الجنة»، وسألته عن

стр. 1483

أولاد المشركين أين هم يوم القيامة؟ قال: «في النار»، فقلت: لم يدركوا الأعمال، ولم تجرِ عليهم الأقلام؟ قال: «ربك أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده، لو شئتِ أسمعتك تَضاغِيَهم في النار» (١) = فحديث واهٍ، يُعرَف به واهٍ، وهو أبو عَقِيل. ٥٦٣/ ٤٥٤٨ - وعنها ﵂ قالت: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بصَبي من الأنصار يُصلِّي عليه، قلتُ: يا رسولَ الله، طُوبى لهذا، لم يعمل شرًا ولم يدرِ به، فقال: «أَوَ غير ذلكِ يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم». وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه (٢). ٥٦٤/ ٤٥٤٩ - وعن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه ويُنصِّرانه، كما تَناتَجُ الإبلُ من بهيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ فيها مِن جدْعَاءَ؟» قالوا: يا رسول الله أفرأيت مَن يموت وهو صغير؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وأخرجه البخاري ومسلم (٣) بمعناه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. ٥٦٥/ ٤٥٥٠ - وعن ابن وهب ــ وهو عبد الله ــ قال: سمعت مالكًا قيل له: إن أهل الأهواء يحتجُّون علينا بهذا الحديث، قال مالك: احتجَّ عليهم بآخره:

стр. 1484

«قالوا: أرأيتَ مَن يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين» (١). ٥٦٦/ ٤٥٥١ - وعن حجَّاج بن المنهال، قال: سمعت حمَّاد بن سلمة يُفسِّر حديثَ: «كل مولودٍ يولَد على الفطرة» قال: هذا عندنا حيث أخذَ الله عليهم العهد في أصلابِ آبائهم، حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] (٢). ٥٦٧/ ٤٥٥٢ - وعن عامر ــ وهو الشَّعبي ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «الوائدةُ والموءودة في النار». قال يحيى ــ وهو ابن زكريا بن أبي زائدة ــ قال أبي: فحدثني أبو إسحاق ــ يعني السبيعي ــ: أن عامرًا حدثه بذلك عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي ﷺ (٣). ٥٦٨/ ٤٥٥٣ - وعن أنس ــ وهو ابن مالك ﵁ ــ أن رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «أبوك في النار»، فلما قَفَّى قال: «إن أبي وأباكَ في النار». وأخرجه مسلم (٤).

стр. 1485

٥٦٩/ ٤٥٥٤ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرَى الدَّم». وأخرجه مسلم (١) بطوله. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (٢) من حديث صفية بنت حُيَيٍّ عن رسول الله ﷺ ، وقد تقدم في كتاب الصيام. ٥٧٠/ ٤٥٥٥ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تُجالِسُوا أهل القَدَر ولا تفاتحوهم» الحديث (٣)، وقد تقدم. قال ابن القيم ﵀: هذا ما ذكره أبو داود في الباب. حديث: «كل مولود يولد على الفطرة ... » لفظ «الصحيحين» (٤) فيه: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، وأبواه يهودانه ... » الحديث. وفي لفظ آخر (٥): «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويُشرِّكانه»، فقال رجل: أرأيت يا رسول الله، لو مات قبل ذلك؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وفي لفظ آخر (٦): «ما من مولود يولد إلا وهو على الملة».

стр. 1486

وفي لفظ آخر (١): «على هذه الملة حتى يُبِينَ عنه لسانه». وفي لفظ آخر (٢): «ليس مِن مولود يولد إلا على هذه الفطرة، حتى يعبّر عنه لسانه». وفي لفظ آخر (٣): «من يولد يولد على [هذه] الفطرة». وفي لفظ آخر (٤): «كل إنسان تَلِده أمُّه على الفطرة، وأبواه بعدُ يُهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجِّسانه، فإن كانا مسلمين فمسلم». وهذه الألفاظ كلها في «الصحيحين» إلا لفظ «الملة» فهو لمسلم، وكذا لفظ: «يُشرِّكانه» له أيضًا، وكذا قوله: «حتى يُعبّر عنه لسانه»، وكذا لفظ: «فإن كانا مسلمين فمسلم» لمسلم وحده. [ق ٢٤٠] وإنما سقنا هذه الألفاظ لنبين بها أن الكلام جملتان، لا جملة واحدة، وأن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» جملة مستقلة، وقوله: «أبواه يهودانه ... » إلى آخره جملة أخرى. وهو يبين غلط من زعم أن الكلام جملة واحدة، وأن المعنى: كل مولود يولد بهذه الصفة فأبواه يهودانه، وجعل الخبر عند قوله «يهودانه» إلى آخره. وألفاظ الحديث تدل على خطأ هذا القائل، وتدل أيضًا على أن الفطرة هي فطرة الإسلام، ليست الفطرة العامة التي فُطِر عليها من الشقاوة والسعادة، لقوله: «على هذه الفطرة»، وقولهِ: «على هذه الملة».

стр. 1487

وسياقه أيضًا يدل على أنها هي المراد، لإخباره بأن الأبوين هما اللذان يغيّرانها، ولو كانت الفطرة هي فطرة الشقاوة والسعادة في قوله (١): «على هذه الفطرة» لكان الأبوان مقرِّرَين (٢) لها. ولأن قراءةَ قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] عقب الحديثِ (٣) صريحٌ في أن المراد بها فطرةُ الإسلام. ولأن تشبيهَ المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء ــ وهي الكاملة الخلق ــ، ثم تشبيهَه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جَدَعها أهلُها فقطعوا آذانها (٤) = دليل على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة، وما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة. ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقةً معرَّفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام، وهي الفطرة الممدوحة، ولهذا جاء في حديث الإسراء لمّا أخذ النبي ﷺ اللبن قيل له: «أصبتَ الفطرة» (٥)، ولمّا سمع النبي ﷺ المؤذن يقول: الله أكبر الله أكبر، قال: «على الفطرة» (٦). وحيث جاءت

стр. 1488

الفطرة في كلام رسول الله ﷺ فالمراد بها فطرة الإسلام لا غير، ولم يجئ قط في كلامه مرادًا بها فطرة الشقاوة وابتداءُ الخِلقة في موضع واحد. ولفظ الحديث يدل على أنه غير منسوخ وأنه يستحيل فيه النسخ كما قال بعضهم، لأنه خبر محض، وليس حكمًا يدخل تحت الأمر والنهي، فلا يدخله نسخ. وأما حديث عائشة في قصة الصبيّ من الأنصار، فرده الإمام أحمد (١) وطعن فيه، وقال: من يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟! وقال أيضًا: إنهم لا اختلاف فيهم. وأما مسلم فأورده في «صحيحه» كما تقدم. ومن انتصر للحديث وصححه يقول: الإنكار من النبي ﷺ على عائشة إنما كان لشهادتها للطفل المعيّن بأنه في الجنة، كالشهادة للمسلم المعين، فإن الطفل تبع لأبويه، فإذا كان أبواه لا يُشهد لهما بالجنة، فكيف يُشهد للطفل التابع لهما؟ والإجماع إنما هو على أن أطفال المسلمين من حيث الجملة مع آبائهم، فيجب الفرق بين المعين والمطلق.

стр. 1489

وفي «صحيح أبي حاتم» (١) من حديث عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ذراريُّ المؤمنين يكفلهم إبراهيم ﷺ في الجنة». وقد روى البخاري في «صحيحه» (٢) عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رؤيا»، قال: فيَقُصُّ عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: «أتاني الليلة آتيان ... » فذكر حديث الرؤيا بطوله إلى أن قال: «فأتينا على روضة مُعتَمَّة (٣) مِن كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حولَ الرجل أكثرُ ولدانٍ رأيتهم قط ... »، وقال فيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ ، وأما الولدان الذين حوله فكلُّ مولود مات على الفطرة»، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأولاد المشركين». وفي «الصحيحين» (٤) عن ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم».

стр. 1490

وفي «الصحيحين» (١) عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا». وفي «الصحيحين» (٢) عن الصعب بن جثّامة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الدار من المشركين يُبَيَّتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: «هم منهم». وفي لفظ (٣) لهما: «هم من آبائهم». وهذه الأحاديث لا تَناقض بينها، بل يصدّق بعضها بعضًا. وقد اختلف العلماء في الأطفال على ثمانية أقوال (٤): أحدها: الوَقْفُ فيهم وتركُ الكلام في مستقرهم، ويوكل علمهم إلى الله تعالى. قال هؤلاء: وظواهر السنن وأجوبة النبي ﷺ في حديث ابن عباس وأبي هريرة تدل على ذلك، إذ وَكَل عِلمَهم إلى الله وقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». قالوا: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (٥) من حديث جرير بن حازم

стр. 1491

قال: سمعت أبا رجاء العطاردي قال: سمعت ابن عباس يقول وهو على المنبر: قال [ق ٢٤١] رسول الله ﷺ : «لا يزال أمر هذه الأمة مؤَامًّا (١) ــ أو مقارِبًا ــ، ما لم يتكلموا في الوِلدان والقدر». قال أبو حاتم: الولدان أراد به أطفال المشركين. وفيما استدلت به هذه الطائفة نظر، والنبي ﷺ لم يُجِبْ فيهم بالوقف، وإنما وكل عِلْمَ ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله، وهذا جواب عن سؤالهم: «كيف يكونون مع آبائهم بغير عمل؟» وهو طرف من الحديث.

стр. 1492

ويدل عليه حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في أول الباب، والنبي ﷺ وَكَل العلمَ بعملهم إلى الله، ولم يقل: «الله أعلم حيث يستقرون وأين يكونون». فالدليل غير مطابق لمذهب هذه الطائفة. وأما حديث ابن عباس في المنع من الكلام فيهم، ففي القلب من رفعه شيء (١)، وبالجملة فإنما يدل على ذم من تكلّم فيهم بغير علم، أو ضَرَب الأحاديث فيهم بعضها ببعض، كما فعل الذين أنكر عليهم كلامَهم في القَدَر. وأما من تكلم فيهم بعلمٍ وحقٍّ فلا يُذم. القول الثاني: إن أطفال المشركين في النار. وهذا مذهب طائفة، وحكاه القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمد (٢)، قال شيخنا (٣): وهو غلط منه على أحمد، وسبب غلطه أن أحمد سئل عنهم فقال: هم على الحديث، قال القاضي: أراد حديث خديجة إذ سألت النبي ﷺ عن أولادها الذين ماتوا قبل الإسلام فقال: «إن شئتِ أسمعتك تضاغيهم في النار» (٤). قال شيخنا (٥):
следующие страницы →