← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1558–1597 · переход к 1563.

стр. 1558

الإمام أبي عبد الله الشافعي ــ قدس الله روحَه، ورضي عنه ــ قال: «السنّة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها (١) ــ أهل الحديث الذين رأيتهم فأخذت (٢) عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما ــ: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يَقْرُب من خلقه كيف يشاء، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء ... » وذكر كلامًا طويلًا. وقال عبد الرحمن (٣) أيضًا: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدون من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذاهبهم: أن الإيمان قول وعمل، يزيد [ق ٢٥٢] وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والقدَر خيره وشره من الله، وأن الله تعالى على عرشه بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ

стр. 1559

شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقال أبو القاسم الطبري (١) في كتاب «شرح السنة» له: وجدت في كتاب أبي حاتم الرازي: مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين مِن بعدهم، والتمسكُ بمذاهب أهل الأثر مثلِ أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد القاسم، والشافعي ﵏، ولزومُ الكتاب والسنة ... ونعتقد أن الله على عرشه بائن من خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وفي كتاب «الإبانة» (٢) لأبي الحسن الأشعري ﵀ ــ ذكره أبو القاسم ابن عساكر (٣) وعدَّه (٤) من كتبه، وحكى كلامه فيه مبيّنًا عقيدته والذب عنه ــ قال: «ذِكرُ الاستواء على العرش. إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قال نقول له: إن الله مستو على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، [وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]] (٥)، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾

стр. 1560

[السجدة: ٥]، وقال حكاية عن فرعون: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] كذَّب موسى في قوله إن الله فوق السماوات. وقال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، فالسماوات فوقها العرشُ، فلما كان العرشُ هو فوقَ السماوات، وكل ما علا فهو سماء= فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات؛ ألا ترى أن الله ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] ولم يُرِد أن القمر يملؤهن جميعًا؟ ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحوَ السماء، لأن الله تعالى مستوٍ على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا نحو الأرض». ثم قال: «فصل: وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أنه استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. ولو كان هذا كما قالوا لكان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها، وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فالله تعالى لو كان مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء فهو ــ

стр. 1561

علا وعز ــ مستوٍ على الأشياء كلها، على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش، وعلى الأقذار ــ تعالى الله ــ، لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها. وإذا كان قادرا على الأشياء كلها، ولم يَجُز عند أحد من المسلمين أن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية= لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاءَ الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها». ثم ذكر دلالات من القرآن والحديث والعقل والإجماع». وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري في «كتاب الإبانة» (١) له أيضًا: فإن قال قائل: أتقولون: إنه في كل مكان. قيل له: معاذ الله، بل هو مستوٍ على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]. قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يُرغَب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خُلِق منها ما لم يكن، وينقصَ بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصحَّ (٢) أن نرغب إليه نحوَ الأرض، وإلى خلفنا، وإلى يميننا، وإلى شمالنا؛ وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه.

стр. 1562

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في «عقيدته» (١): طريقتنا طريقة المتبعين لكتاب الله والسنة وإجماع الأمة فيما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن رسول الله ﷺ في العرش واستواء الله يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، ولا يحُلُّ فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستوٍ على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه. وقد تقدم حكاية كلام أبي عمر بن عبد البر في «كتاب الاستذكار» (٢). وقال في «التمهيد» (٣) لما ذكر حديث النزول: «هذا حديث ثابت النقل من جهة الإسناد ولم يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قال الجماعة، وهو من حجّتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله بكل مكان». ثم ذكر الاحتجاج لقول الجماعة وأطال. [ق ٢٥٣] وفي «كتاب السنة» (٤) لعبد الرحمن بن أبي حاتم عن سعيد بن

стр. 1563

عامر الضُّبَعي ــ إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من شيوخ الإمام أحمد (١) ــ أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم شرٌّ قولًا من اليهود والنصارى، قد أجمع اليهود والنصارى مع المسلمين أن الله على العرش. وقالوا هم: ليس عليه (٢) شيء. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم أيضًا في «كتاب الرد على الجهمية» (٣): قال عبد الرحمن بن مهدي: أصحاب جهم يعتقدون أن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وأن الله ليس على العرش، أرى أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا. وحكي عن عاصم بن علي ــ شيخ الإمام أحمد والبخاري (٤) ــ قال: ناظرت جهميًّا فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربًّا (٥).

стр. 1564

١٠ - باب في الرؤية ٥٧٣/ ٤٥٦١ - عن جرير بن عبد الله البَجَلي ﵁، قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ جُلوسًا فنظر إلى القمر ليلة أربعَ عشرة فقال: «إنّكُم سَتَرَون ربَّكم كما ترون هذا، لا تُضَامُونَ (١) في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبها فافعلوا». ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). ٥٧٤/ ٤٥٦٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ناس: يا رسول الله، أنَرى ربَّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تُضَارُّونَ في رؤية الشمس في الظَّهيرة، ليست في سحابة؟» قالوا: لا، قال: «هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس فيه سحابة؟» قالوا: لا، قال: «والذي نفسي بيده لا تضَارُّون في رؤيته إلا كما تُضارون في رؤية أحدهما».

стр. 1565

وأخرجه مسلم (١). ٥٧٥/ ٤٥٦٣ - وعن أبي رَزين العقيلي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أكلُّنا يرى ربَّه؟ ــ قال ابنُ معاذ (وهو عبيد الله):مُخْلِيًا به يوم القيامة ــ وما آيةُ ذلك في خَلْقه؟ قال: «يا أبا رَزِين، أليس كُلُّكم يرى القمر؟» ــ قال ابن معاذ: «ليلة البدر مُخْلِيًا به؟» ثم اتفقا ــ قلت: بلى، قال: «فالله أعظم». قال ابن معاذ: قال: «فإنما هو خَلْقٌ من خلقِ الله، فالله أعظم» ــ. وأخرجه ابن ماجه (٢). ٥٧٦/ ٤٥٦٤ - وعن سُلَيم بن جُبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، قال: رأيت رسول الله ﷺ يضعُ إبهامه على أُذنه، والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة: رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه. قال ابن يونس (وهو محمد النسائي): قال المُقرئ (وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد): وهذا رد على الجهمية (٣).

стр. 1566

قال ابن القيم ﵀: قد أخرجا في «الصحيحين» (١) عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضّةٍ آنيتهُما وما فيهما، وجنتان من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن صهيب عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيّض وجوهنا؟ ألم تُدخِلْنا الجنة وتُنْجِنا من النار؟» قال: «فيكشف الحجاب، فما أُعطُوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم »، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وفي «الصحيحين» (٣) عن أبي هريرة أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : «هل تُضارُّون في القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب (٤)؟» قالوا: لا، قال: «فإنكم ترونه كذلك». وفي «الصحيحين» (٥) مثله من حديث أبي سعيد.

стр. 1567

وقد روى الترمذي في «جامعه» (١) من حديث إسرائيل عن ثوير (٢) قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ «إن أدنى أهل الجنة منزلةً لَمَن ينظر إلى جِنانه وأزواجه وخَدَمه وسُرُره مسيرةَ ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غَدوةً وعشيةً»، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. قال: هذا حديث حسن غريب (٣)، وقد رواه غير واحد مثل هذا عن إسرائيل مرفوعًا. وروى عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر قولَه، ولم يرفعه (٤). وروى عبيد الله (٥) الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قولَه لم يرفعه (٦). وقد روى أحاديث الرؤية عن النبي ﷺ جماعة من أصحابه، منهم: جرير بن عبد الله، وأبو رزين العقيلي، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وصهيب، وجابر، وأبو موسى، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأنس بن

стр. 1568

مالك، وعدي بن حاتم، وعمار بن ياسر، وزيد (١) بن ثابت الأنصاري، وابن عمرو (٢). وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق في قول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: «الزيادة النظر إلى الله » (٣). ورواه أبو إسحاق عن مسلم بن يزيد عن حذيفة (٤).

стр. 1569

قال الحاكم أبو عبد الله (١): وتفسير الصحابي عندنا مرفوع. قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد (٢)، قال: سمعتُه وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله لا يُرى في الآخرة، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: من قال: إن الله لا يُرى في الآخرة فقد كفر، فعليه لعنة الله وغضبُه مَن كان من الناس، أليس الله يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة]، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؟ فهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله. وقال حنبل بن إسحاق (٣): سمعت أبا عبد الله يقول: قالت الجهمية: إن الله لا يُرى في الآخرة، وقال الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فلا يكون هذا إلا أن الله يُرى، وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فهذا النظر إلى الله، والأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ : «إنكم ترون ربكم» صحيحة، وأسانيدها غير مدفوعة، والقرآن شاهد أن الله يُرى في الآخرة.

стр. 1570

وقال أبو داود (١): سمعتُ أحمد بن حنبل وذُكِر (٢) عنده شيء في الرؤية فغضب وقال: من قال: إن الله لا يُرى، فهو كافر. وقال العباس الدُّوري: سمعت أبا عبيد القاسم يقول وذُكِر عنده هذه الأحاديث في الرؤية فقال: هذه عندنا حق، نقلها الناس بعضهم عن بعض (٣). وقال عبد الله بن وهب: قال مالك بن أنس: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم (٤). وقال المزني: سمعت ابن هَرِم القرشي يقول: سمعت الشافعي يقول في قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قال: فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا، قال: فقال له أبو النجم القزويني: يا أبا إبراهيم (٥)، به [ق ٢٥٤] تقول؟ قال: نعم، وبه أدين الله، فقام إليه عصام، فقبل رأسه، وقال: يا سيد الشافعيين، اليوم بيَّضتَ وجوهنا. ذكره الحاكم في «مناقب الشافعي» (٦).

стр. 1571

٥٧٧/ ٤٥٦٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلةٍ إلى سماء الدنيا حين يبقى ثُلثُ الليل فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له؟ مَن يسألُني فأعطيَه؟ مَن يستغفرني فأغفرَ له؟». وأخرجه الباقون (١). قال ابن القيم ﵀: وفي لفظ لمسلم (٢) فيه: «ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلثُ الليل الأول فيقول: أنا المَلِك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيبَ له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيَه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفرَ له؟ فلا يزال كذلك حتى يُضيءَ الفجر». وفي لفظ آخر لمسلم (٣): «إذا مضى شَطْرُ الليل ــ أو ثلثاه ــ ينزل الله ﵎ إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل يُعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح». وفي لفظ آخر لمسلم (٤): «من يدعوني فأستجيبَ له؟ أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: مَن يُقرض غير عديم ولا ظلوم؟».

стр. 1572

وفي لفظ آخر له (١): «ثم يبسط يديه ﵎ (٢): مَن يُقرض غير عديم (٣) ولا ظلوم». وفي «صحيح مسلم» (٤) أيضًا عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يُمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول ينزل (٥) إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر». قال الترمذي (٦): وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص (٧). وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٨) أنه قال: «ينزل الله حين يبقى

стр. 1573

ثلث الليل الآخر»، وهو أصح الروايات. آخر كلامه. وفي الباب عن عبادة بن الصامت (١) ... (٢). قال عبّاد بن العوّام: قدم علينا شريكٌ واسطَ، فقلنا له: إن عندنا قومًا ينكرون هذه الأحاديث أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، فقال شريك: إنما جاءنا بهذه الأحاديث من جاءنا بالسنن عن رسول الله ﷺ : الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث (٣). قال الشافعي في رواية الربيع (٤): وليس في سنة رسول الله ﷺ إلا

стр. 1574

اتباعها بفرض الله ، والمسألة بكيف في شيء قد ثبتت فيه السنة ما لا يَسَع عالمًا. وقال مُطرِّف: سمعت مالكًا يقول إذا ذُكر عنده الزائغون في الدين: قال عمر بن عبد العزيز: «سنّ رسول الله ﷺ وولاةُ الأمور بعده سُنَنًا، الأخذُ بها اتباع لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحدٍ من الخلق تغييرُها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا» (١). وقال إسحاق بن منصور (٢): قلت لأحمد بن حنبل: «ينزل ربنا كل ليلة حين (٣) يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا»، أليس تقول بهذه الأحاديث: «ويرون أهل الجنة ربهم»، و «لا تقبّحوا الوجه» (٤)، و «اشتكت

стр. 1575

النار إلى ربها» (١)، و «أن موسى لَطَم عين مَلَك الموت» (٢)؟ فقال أحمد: هذا كله صحيح. قال إسحاق: ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي. فإن قيل: فكيف تصنعون فيما رواه النسائي (٣): أخبرني إبراهيم بن يعقوب، حدثني عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو إسحاق، حدثنا أبو مسلم الأغر قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري يقولان: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يُمهل حتى يمضي شطرُ الليل الأول، ثم يأمر مناديًا ينادي ويقول: هل من داعٍ يستجاب له؟ هل من مستغفر

стр. 1576

يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟» ــ وهذا الإسناد ثقات كلهم ــ؟ قلنا: وأي منافاة بين هذا وبين قوله: «ينزل ربنا، فيقول»؟ وهل يسوغ أن يقال: إن المنادي يقول: «أنا الملِك»، ويقول: «لا أسأل عن عبادي غيري» (١)، ويقول: «من يستغفرني فأغفر له»؟ وأي بُعد في أن يأمر الله مناديًا ينادي: «هل من سائل فيستجاب له» ثم يقول هو سبحانه: «من يسألني فأستجيب له»؟ وهل هذا إلا أبلغُ في الكرم والإحسان أن يأمر مناديه يقول ذلك، ويقول سبحانه بنفسه! وتتصادق الروايات كلها عن رسول الله ﷺ ، ولا نصدّق بعضَها ونكذّب ما هو أصح منه، وبالله تعالى التوفيق (٢). ١١ - باب في القرآن ٥٧٨/ ٤٥٧١ - وعن عبد الله ــ وهو ابن مسعود ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تكلم الله بالوحي سمعَ أهلُ السماء صَلْصَلةً كجَرِّ السِّلسِلة على الصَّفا، فيُصْعَقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريلُ، حتى إذا جاءهم جبريل فُزِّعَ عن قلوبهم»، قال: «فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربُّك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحقَّ الحقَّ» (٣).

стр. 1577

وأخرجه البخاري (١) والترمذي وابن ماجه بنحوه (٢). قال ابن القيم ﵀: ورواه البخاري والترمذي (٣) أيضًا من حديث الحميدي عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحَقّ، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، [ق ٢٥٥] ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض ... » وذكر الحديث. وقد رواه أبو معاوية عن الأعمش، عن مُسْلم بن صُبَيح، عن مسروق (٤)، عن عبد الله قوله: «إن الله إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صَلصَلة كجرّ السلسلة على الصفا فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتى

стр. 1578

يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فُزِّع عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربك؟ قال: فيقول: الحقَّ، قال فينادون: الحق، الحق» (١). وقد روي هذا مرفوعًا، وليس فيه: «سمع أهل السماء للسماء» (٢)، وهو الحديث الذي ذكره أبو داود. وروى البيهقي (٣) من حديث نعيم بن حماد: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن [ابن] أبي زكريا، عن رجاء بن حَيْوة، عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، وإذا تكلم بالوحي أخذت السماوات رَجفة ــ أو قال: رَعدة ــ شديدة خوفًا من الله ، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صَعِقوا وخرُّوا لله سُجّدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من

стр. 1579

وحيه بما أراد، فيمضي جبريل على الملائكة، كلما مرَّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره سبحانه من السماء والأرض». وقال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح (١)، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه» يعني القرآن (٢). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وقد رواه عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ (٣). قال البيهقي: يحتمل أن يكون جبير بن نفير رواه عنهما جميعًا.

стр. 1580

وروى علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وذلك أنه منه». رواه البيهقي (١) من طريقين: أحدهما: من حديث الحِمّاني عن إسحاق بن سليمان الرازي، حدثنا الجراح عن علقمة. والثاني: من حديث يعلى بن المنهال السكوني عن إسحاق بن سليمان به. والجراح: هو الجراح بن الضحاك الكندي (٢). ورواه (٣) أيضًا من حديث حامد بن محمود عن إسحاق به.

стр. 1581

ورواه يحيى بن أبي طالب عن إسحاق بن سليمان فجعل آخره من قول أبي عبد الرحمن مبيّنًا (١)، وتابعه على ذلك غيره. وقد روى عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيتُه أفضلَ ثواب السائلين، وفضلُ القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (٢). وقد روي هذا المعنى ــ وهو: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» ــ من حديث أبي هريرة، ولكن في إسناده عمر الأَبحّ، وقد ضُعّف (٣).

стр. 1582

١٢ - باب في الشفاعة ٥٧٩/ ٤٥٧٢ - عن أشْعث الحُدَّاني، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمَّتي» (١). وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٢) بإسناد حديث أبي داود. وأشعث وثّقه يحيى بن معين، وقال أحمد: ما به بأس، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. وقال العُقيلي: في حديثه وهم (٣). وقد روي هذا من حديث زياد النُّميري عن أنس (٤)، وزياد لا يُحتجّ بحديثه (٥). قال ابن القيم ﵀: ورواه أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» (٦) من

стр. 1583

حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». ٥٨٠/ ٤٥٧٣ - وعن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمدٍ فيدخلون الجنة ويُسمَّون الجهنَّميين». وأخرجه البخاري (١). ٥٨١/ ٤٥٧٤ - وعن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون». وأخرجه مسلم (٢). (٣) قال ابن القيم ﵀: وقد وردت (٤) أحاديث الشفاعة عن النبي ﷺ من حديث أنس، وأبي سعيد، وجابر، وأبي هريرة، وعوف بن مالك الأشجعي، وأبي ذر، وابن الجدعاء، ويقال: ابن أبي الجدعاء، وعتبة بن عبد السلمي، وعمران بن حصين، وحذيفة، وكلها في «الصحيح» (٥).

стр. 1584

ففي «الصحيحين» (١) عن أنس أن نبي الله ﷺ قال: «لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة». وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبي دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا»، ولفظه لمسلم. ورواه مسلم (٣) من حديث جابر بنحوه. وفي «صحيح البخاري» (٤) عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألُني عن هذا الحديث [أحدٌ] أوّل (٥) منك لِما رأيتُ من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قِبَل نفسه».

стр. 1585

وفي «صحيح البخاري» (١) عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يومُ القيامة شفعتُ فقلت: يا رب، أَدخِل الجنةَ من في قلبه خردلةٌ، فيدخلون، ثم أقول (٢): يا رب أدخل الجنة من في قلبه أدنى شيء»، قال أنس: كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ . وفي «صحيح البخاري» (٣) عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «يَخرج قومٌ من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة، ويُسمَّون الجهنميين». وفي «الصحيحين» (٤) عن حماد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابر بن عبد الله [ق ٢٥٦] يحدث عن رسول الله ﷺ : «إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة»؟ قال: نعم. وفي «الصحيحين» (٥) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «يجمع الله الناسَ يومَ القيامة فيهتمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يُريحَنا من مكاننا هذا ... » فذكر الحديث وفيه: «ثم أشفع فيَحُدّ لي حدًّا، فأخرجهم من النار وأُدخِلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال لي: ارفع رأسك يا محمد، قل تُسمع، وسَلْ تُعطَه، واشفع تُشفَّعْ، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلّمنيه ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا، فأخرجهم

стр. 1586

من النار وأدخلهم الجنة ... » وذكر باقي الحديث. وفي «الصحيحين» (١) أيضًا من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم ... » وذكر الحديث، وقال: «فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من بُرّةٍ أو شعيرةٍ من إيمان فأخرجْه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخِرُّ له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمعْ لك، وسل تُعطَه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجِبريائي لأُخرجنّ من قال: لا إله إلا الله». وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة قال: أُتي رسول الله ﷺ يوما بلحم فرُفع إليه الذراع وكانت تعجبه ... فذكر الحديث إلى أن قال: «فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده

стр. 1587

وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تُعطَه، اشفع تشفَّع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من باب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب». وفي «صحيح مسلم» (١) عن حذيفة وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : «يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تُزْلَف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أَخرَجكم من الجنة إلا خطيئةُ أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك ... » فذكر الحديث إلى أن قال: «فيأتون محمدًا ﷺ ، فيقوم فيؤذَن له، وترسل الأمانة والرحم ... » الحديث. وفي «صحيح مسلم» (٢) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أول الناس يشفع في الجنة ... » الحديث. وفي «الصحيحين» (٣) عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحضاح من النار يبلغ كعبَيه يغلي منه دماغُه». وفي «الصحيحين» (٤) عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا

стр. 1588

رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء فإنه كان يَحُوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». فقد تضمنت هذه الأحاديث خمسةَ أنواع من الشفاعة: أحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء، نبيًّا بعد نبي حتى يريحَهم الله من مقامهم. النوع الثاني: الشفاعة في فتح باب الجنة لأهلها. النوع الثالث: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة. النوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار. النوع الخامس: في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار. ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس: أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها. وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يَشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون. فلم أظفر فيه بنص. والنوع الثاني: شفاعته ﷺ لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ورفعة الدرجات. وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي ﷺ لأبي سلمة وقوله: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين» (١)، وقوله في حديث أبي موسى: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، واجعله يوم القيامة فوق كثير من

стр. 1589

خلقك» (١). وفي قوله في حديث أبي هريرة: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله» سِرّ من أسرار التوحيد، وهو أن الشفاعة إنما تنال بتجريد التوحيد، فمن كان أكمل توحيدًا كان أحرى بالشفاعة، لا أنها تنال بالشرك بالشفيع كما عليه أكثر المشركين، وبالله التوفيق. ١٣ - [ق ٢٥٧] باب الحوض ٥٨٢/ ٤٥٧٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أمامَكم حَوْضًا ما بين ناحِيتَيه كما بين جَرْبَا وأذْرُحَ (٢)». وأخرجه مسلم (٣). ٥٨٣/ ٤٥٧٩ - وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ فنزلنا منزلًا، فقال: «ما أنتم جُزءٌ من مائة ألف جزءٍ ممن يَرِدُ عليَّ الحوضَ». قال: قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة، أو ثمانمائة (٤). ٥٨٤/ ٤٥٨٠ - وعن أنس بن مالك قال: أَغْفَى رسولُ الله ﷺ إغفاءة، فرفعَ

стр. 1590

رأسَه مُتَبسِّمًا، فإمَّا قال لهم، وإمّا قالوا له: يا رسول الله مِمَّ ضحكتَ؟ فقال: إنه أُنزلت عليَّ آنِفًا سورةٌ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها، فلما قرأها قال: «هل تَدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نَهرٌ وعَدَنِيه ربي في الجنة، وعليه خيرٌ كثير، عليه حوضٌ يَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيَتُه عدد الكواكب». وأخرجه مسلم والنسائي (١). وقد تقدم في كتاب الصلاة. ٥٨٥/ ٤٥٨١ - وعنه ﵁ قال: لما عُرِجَ برسول الله ﷺ في الجنة ــ أو كما قال ــ عَرض له نهرٌ حافتاه الياقوتُ المُجَيَّبُ ــ أو قال: المجوَّفُ ــ، فضرب الملكُ الذي معه يَدَه فاستخرجَ مِسكًا، فقال محمد ﷺ للمَلك الذي معه: «ما هذا؟» قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك الله . وأخرجه الترمذي والنسائي (٢)، وقال الترمذي: حسن صحيح. ٥٨٦/ ٤٥٨٢ - وعن عبد السلام بن أبي حازم أبي طالوتَ، قال: شهدت أبا بَرْزَة دخل على عبيد الله بن زياد، فحدثني فلان ــ سمَّاه مسلم (يعني ابن إبراهيم) ــ وكان في السِّماط: فلما رآه عبيد الله قال: إن مُحَمَّدِيَّكم هذا لَدَحْدَاحٌ (٣)، ففهِمَها الشيخُ فقال: ما كنتُ أحسبُ أنِّي أبَقى في قوم يُعَيِّروني بصحبة محمد ﷺ ، فقال له عبيد الله: إن صحبةَ محمدٍ ﷺ لك زَيْنٌ غير شَيْنٍ، قال: إنما بَعثتُ إليك لأَسألك عن الحوض، سمعتَ رسول الله ﷺ يذكرُ فيه شيئًا؟

стр. 1591

فقال أبو برزة: نعم، لا مرَّةً، ولا ثِنتين، ولا ثلاثًا، ولا أربعًا، ولا خمسًا، فمن كَذَّب به فلا سقاه الله منه، ثم خرج مُغْضَبًا (١). في إسناده رجل مجهول. قال الشيخ ابن القيم ﵀: وقد روى أحاديث الحوض أربعون من الصحابة، وكثير منها أو أكثرها في «الصحيح» (٢): عمر بن الخطاب، وأنس، وجابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعقبة بن عامر، وكعب بن عجرة، وحارثة بن وهب الخزاعي،

стр. 1592

والمستورِد بن شدّاد، وأبو بَرْزة الأسلمي، وحذيفة بن اليمان، وحذيفة بن أُسَيد، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن زيد، وسهل بن سعد، وسويد بن جَبَلة (١)، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله الصُّنابِحيّ (٢)، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو بَكْرة، والبراء بن عازب، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمرو، وأبو ذر، وثوبان، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسمرة العدوي، وجندب بن سفيان (٣)، وعائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت أبي بكر، وخولة بنت قيس، والعِرباض بن سارية، ولَقِيط بن صَبِرة، وعتبة بن عبد السلمي، ورواه غيرهم أيضًا. وهل الحوض مختص بنبينا ﷺ أم لكل نبي حوض؟ فالحوض الأعظم مختص به لا يشركه فيه نبي غيره. وأما سائر الأنبياء، فقد قال الترمذي في «الجامع» (٤): حدثنا أحمد بن

стр. 1593

محمد (١) بن نَيزك البغدادي، حدثنا محمد بن بكار الدمشقي، حدثنا سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل نبي حوضًا، وإنهم يتباهَون أيُّهم أكثرُ واردةً، وإني لأرجو أن أكون أكثرَهم واردة». قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي ﷺ ،مرسلًا ولم يذكر فيه: «عن سمرة»، وهو أصح. وفي «مسند البزار» (٢) من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لي حوضًا ما بين بيت المقدس إلى الكعبة، أبيضَ من اللبن، فيه عدد الكواكب آنية، وأنا فرطكم على الحوض، ولكل نبي حوض، وكل نبي يدعو أمته، فمنهم من يَرِد عليه فئام من الناس، ومنهم من يَرِد عليه ما هو دون ذلك، ومنهم من يرد عليه العِصابة، ومنهم من يرد عليه الرَّجُلان والرجل، ومنهم من لا يَرِد عليه أحد فيقول: اللهم قد بلغت، اللهم قد بلغت ثلاثًا» وذكر الحديث.

стр. 1594

١٤ - باب في المسألة وعذاب القبر ٥٨٧/ ٤٥٨٦ - وعن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القَبْر ولمَّا يُلْحَدْ، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنَّما على رؤوسنا الطَّير، وفي يده عودٌ يَنْكُت به الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر ــ مرتين أو ثلاثًا ــ». زاد في حديث جرير ــ وهو ابن عبد الحميد ــ هاهنا: وقال: «وإنه لَيَسْمَعُ خَفْق نعالهم إذا ولَّوا مُدبِرين، حين يقال له: يا هذا، من رَبك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟». قال هنّاد ــ وهو ابن السري ــ: «ويأتيه مَلَكان فيُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ قال: فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما يُدريكَ؟ فيقول: قرأتُ كتابَ الله فآمنت به وصدَّقت». زاد في حديث جرير: «فذلك قول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]». ثم اتفقا ــ يعني جرير بن عبد الحميد وأبا معاوية الضرير (١) ــ قال: «فينادي منادٍ من السماء: أن صَدَق عَبدِي، فَأَفرِشُوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحِها وطيبها، قال: ويُفتح له فيها مَدَّ بَصَره. قال: وإن الكافر ــ فذكر موته ــ، قال: وتُعاد روحُه في جسده، ويأتيه ملكان، فيُجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فأفرِشُوه من النار، وألبِسوه من

стр. 1595

النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. قال: فيأتيه من حَرِّها وسَمومها. قال: ويُضيَّق عليه قبرُه حتى تختلف فيه أضلاعه». زاد في حديث جرير: قال: «ثم يُقيَّضُ له أعمَى أبْكَم معه مِرْزَبةٌ (١) من حديد، لو ضُرب بها جبلٌ لصار تُرابًا، قال: فيضربه بها ضربةً يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلَين، فيصير ترابًا، قال: ثم تعاد فيه الروح» (٢). وأخرجه النسائي وابن ماجه مختصرًا، وقد تقدم في كتاب الجنائز مختصرًا (٣). وفي إسناده المِنْهال بن عمرو، وقد أخرج له البخاري في «صحيحه» حديثًا واحدًا (٤)، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال الإمام أحمد: تَرَكه شعبة على عمد (٥)، وغمزه يحيى بن سعيد وحكى عن شعبة أنه تركه (٦). وقال ابن عدي (٧): والمنهال بن عمرو هو صاحب حديث القبر ــ الحديثَ الطويل ــ، رواه

стр. 1596

عن زاذان عن البراء، ورواه عن منهال جماعة. قال ابن القيم ﵀: وقال أبو حاتم البُسْتي (١): خبر الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء سمعه الأعمشُ عن الحسن بن عُمَارة (٢) عن المنهال بن عمرو، وزاذان لم يسمع من البراء، فلذلك لم أخرجه. فذكر له علتين: انقطاعه بين زاذان والبراء، ودخول الحسن بن عمارة بين الأعمش والمنهال. وقال أبو محمد بن حزم (٣): ولم يروِ أحد في عذاب القبر أن الروح تُردّ إلى الجسد، إلا المنهال بن عمرو وليس بالقوي، وقد قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فصحّ أنهما حياتان وموتتان فقط، ولا تُردّ الروح إلا لمن كان ذلك آية له كمن أحياه (٤) عيسى ﵇، وكل من جاء فيه بذلك نص. ولم أعلم أحدًا طعن في هذا الحديث إلا أبا حاتم البستي وابن حزم، ومجموع ما ذكراه ثلاث علل، إحداها: ضعف المنهال، والثانية: أن الأعمش لم يسمعه من المنهال، والثالثة: أن زاذان لم يسمعه من البراء. وهذه علل واهية جدًّا.

стр. 1597

فأما المنهال بن عمرو فروى له البخاري في «صحيحه»، وقال يحيى بن معين والنسائي: المنهال ثقة، وقال الدارقطني: صدوق، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١). والذي اعتمده أبو محمد بن حزم في تضعيفه أن ابن أبي حاتم (٢) حكى عن شعبة أنه تركه، وحكاه أحمد عن شعبة. وهذا لو لم يذكر (٣) سبب تركه لم يكن موجِبًا لتضعيفه، لأن مجرد ترك شعبة له لا يدل على ضعفه، فكيف وقد قال ابن أبي حاتم: إنما تركه شعبة لأنه سمع في داره صوتَ قراءةٍ بالتطريب. ورُوي عن شعبة قال: أتيت منزل المنهال فسمعتُ صوتَ الطنبور فرجعت (٤). فهذا سبب جرحه، ومعلوم أن شيئًا من هذا لا يقدح في روايته، لأن غايته أن يكون عالمًا به مختارًا له، ولعله متأول فيه، فكيف وقد يمكن أن لا يكون ذلك بحضوره ولا إذنه ولا علمه؟! وبالجملة فلا يُردّ حديثُ الثقات بهذا وأمثاله. وأما العلة الثانية، وهي أن بين الأعمش فيه وبين المنهال: الحسن بن
следующие страницы →