← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1593–1632 · переход к 1598.

стр. 1593

محمد (١) بن نَيزك البغدادي، حدثنا محمد بن بكار الدمشقي، حدثنا سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل نبي حوضًا، وإنهم يتباهَون أيُّهم أكثرُ واردةً، وإني لأرجو أن أكون أكثرَهم واردة». قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي ﷺ ،مرسلًا ولم يذكر فيه: «عن سمرة»، وهو أصح. وفي «مسند البزار» (٢) من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لي حوضًا ما بين بيت المقدس إلى الكعبة، أبيضَ من اللبن، فيه عدد الكواكب آنية، وأنا فرطكم على الحوض، ولكل نبي حوض، وكل نبي يدعو أمته، فمنهم من يَرِد عليه فئام من الناس، ومنهم من يَرِد عليه ما هو دون ذلك، ومنهم من يرد عليه العِصابة، ومنهم من يرد عليه الرَّجُلان والرجل، ومنهم من لا يَرِد عليه أحد فيقول: اللهم قد بلغت، اللهم قد بلغت ثلاثًا» وذكر الحديث.

стр. 1594

١٤ - باب في المسألة وعذاب القبر ٥٨٧/ ٤٥٨٦ - وعن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القَبْر ولمَّا يُلْحَدْ، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنَّما على رؤوسنا الطَّير، وفي يده عودٌ يَنْكُت به الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر ــ مرتين أو ثلاثًا ــ». زاد في حديث جرير ــ وهو ابن عبد الحميد ــ هاهنا: وقال: «وإنه لَيَسْمَعُ خَفْق نعالهم إذا ولَّوا مُدبِرين، حين يقال له: يا هذا، من رَبك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟». قال هنّاد ــ وهو ابن السري ــ: «ويأتيه مَلَكان فيُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ قال: فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما يُدريكَ؟ فيقول: قرأتُ كتابَ الله فآمنت به وصدَّقت». زاد في حديث جرير: «فذلك قول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]». ثم اتفقا ــ يعني جرير بن عبد الحميد وأبا معاوية الضرير (١) ــ قال: «فينادي منادٍ من السماء: أن صَدَق عَبدِي، فَأَفرِشُوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحِها وطيبها، قال: ويُفتح له فيها مَدَّ بَصَره. قال: وإن الكافر ــ فذكر موته ــ، قال: وتُعاد روحُه في جسده، ويأتيه ملكان، فيُجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فأفرِشُوه من النار، وألبِسوه من

стр. 1595

النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. قال: فيأتيه من حَرِّها وسَمومها. قال: ويُضيَّق عليه قبرُه حتى تختلف فيه أضلاعه». زاد في حديث جرير: قال: «ثم يُقيَّضُ له أعمَى أبْكَم معه مِرْزَبةٌ (١) من حديد، لو ضُرب بها جبلٌ لصار تُرابًا، قال: فيضربه بها ضربةً يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلَين، فيصير ترابًا، قال: ثم تعاد فيه الروح» (٢). وأخرجه النسائي وابن ماجه مختصرًا، وقد تقدم في كتاب الجنائز مختصرًا (٣). وفي إسناده المِنْهال بن عمرو، وقد أخرج له البخاري في «صحيحه» حديثًا واحدًا (٤)، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال الإمام أحمد: تَرَكه شعبة على عمد (٥)، وغمزه يحيى بن سعيد وحكى عن شعبة أنه تركه (٦). وقال ابن عدي (٧): والمنهال بن عمرو هو صاحب حديث القبر ــ الحديثَ الطويل ــ، رواه

стр. 1596

عن زاذان عن البراء، ورواه عن منهال جماعة. قال ابن القيم ﵀: وقال أبو حاتم البُسْتي (١): خبر الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء سمعه الأعمشُ عن الحسن بن عُمَارة (٢) عن المنهال بن عمرو، وزاذان لم يسمع من البراء، فلذلك لم أخرجه. فذكر له علتين: انقطاعه بين زاذان والبراء، ودخول الحسن بن عمارة بين الأعمش والمنهال. وقال أبو محمد بن حزم (٣): ولم يروِ أحد في عذاب القبر أن الروح تُردّ إلى الجسد، إلا المنهال بن عمرو وليس بالقوي، وقد قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فصحّ أنهما حياتان وموتتان فقط، ولا تُردّ الروح إلا لمن كان ذلك آية له كمن أحياه (٤) عيسى ﵇، وكل من جاء فيه بذلك نص. ولم أعلم أحدًا طعن في هذا الحديث إلا أبا حاتم البستي وابن حزم، ومجموع ما ذكراه ثلاث علل، إحداها: ضعف المنهال، والثانية: أن الأعمش لم يسمعه من المنهال، والثالثة: أن زاذان لم يسمعه من البراء. وهذه علل واهية جدًّا.

стр. 1597

فأما المنهال بن عمرو فروى له البخاري في «صحيحه»، وقال يحيى بن معين والنسائي: المنهال ثقة، وقال الدارقطني: صدوق، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١). والذي اعتمده أبو محمد بن حزم في تضعيفه أن ابن أبي حاتم (٢) حكى عن شعبة أنه تركه، وحكاه أحمد عن شعبة. وهذا لو لم يذكر (٣) سبب تركه لم يكن موجِبًا لتضعيفه، لأن مجرد ترك شعبة له لا يدل على ضعفه، فكيف وقد قال ابن أبي حاتم: إنما تركه شعبة لأنه سمع في داره صوتَ قراءةٍ بالتطريب. ورُوي عن شعبة قال: أتيت منزل المنهال فسمعتُ صوتَ الطنبور فرجعت (٤). فهذا سبب جرحه، ومعلوم أن شيئًا من هذا لا يقدح في روايته، لأن غايته أن يكون عالمًا به مختارًا له، ولعله متأول فيه، فكيف وقد يمكن أن لا يكون ذلك بحضوره ولا إذنه ولا علمه؟! وبالجملة فلا يُردّ حديثُ الثقات بهذا وأمثاله. وأما العلة الثانية، وهي أن بين الأعمش فيه وبين المنهال: الحسن بن

стр. 1598

عمارة، فجوابها: أنه قد رواه عن المنهال جماعة، كما قاله ابن عدي (١)؛ فرواه عبد الرزاق (٢) عن معمر عن يونس بن خَبّاب (٣) عن المنهال، ورواه حماد بن سلمة عن يونس عن المنهال (٤) = فبطلت العلة من جهة الحسن بن عمارة، ولم يضرّ دخول الحسن شيئًا. وأما العلة الثالثة: وهي أن زاذان لم يسمعه من البراء، فجوابها من وجهين: أحدهما: أن أبا عوانة الإسفراييني رواه في «صحيحه» (٥) وصرح فيه بسماع زاذان له من البراء فقال: «سمعت البراء بن عازب» فذكره.

стр. 1599

والثاني: أن ابن منده (١) رواه عن الأصمّ: حدثنا الصَّغاني (٢) حدثنا أبو النضر، حدثنا عيسى بن المسيب، عن عدي بن ثابت، عن البراء، فذكره. فهذا عدي [ق ٢٥٨] بن ثابت قد تابع زاذان. قال ابن منده: ورواه أحمد بن حنبل، ومحمود بن غيلان، وغيرهما عن أبي النضر. ورواه ابن منده (٣) أيضًا من طريق محمد بن سلَمة عن خُصَيف الجزَري، عن مجاهد، عن البراء. قال أبو موسى الأصبهاني (٤): «هذا حديث حسن مشهور بالمنهال عن زاذان»، وصححه أبو نعيم (٥) والحاكم وغيرهما.

стр. 1600

وأما ما ظنه أبو محمّد من معارضة هذا الحديث لقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨]، وأنهما حياتان وموتان (١) لا غير= فجوابه: أنه ليس في الحديث أنه يحيا حياة مستقرة في قبره، والحياتان المذكورتان في الآية هما اللتان ذُكرا (٢) في قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، وهاتان حياتان مستقرتان، وأما رد الروح إليه في البرزخ للسؤال فردٌّ عارض لا يتّصل به حياةٌ تُعَدّ حياةً ثالثة (٣)، فلا معارضة بين الحديث والقرآن بوجه من الوجوه، وبالله التوفيق. وفي «الصحيحين» (٤) عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله يوم القيامة». وفي «صحيح مسلم» (٥) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا أن لا تَدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر». وفي «صحيحه» (٦) أيضًا عن زيد بن ثابت قال: بينا النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تُلقيه. وإذا أَقْبُرٌ ستة ــ أو خمسة أو أربعة ــ فقال:

стр. 1601

«من يعرف أصحاب هذه الأَقْبُر؟» فقال رجل: أنا، قال: «فمتى مات هؤلاء؟» قال: ماتوا في الإشراك، فقال: «إنّ هذه الأمة تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم عذابَ القبر الذي أسمع منه»، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار»، فقالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، قال: «تعوّذوا بالله من عذاب القبر»، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: «تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: «تعوّذوا بالله من فتنة الدجال»، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. وفي «الصحيحين» (١) عن أبي أيوب قال: خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس فسمع صوتًا فقال: «يهودُ تُعَذّب في قبورها». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن أم خالد أنها سمعت النبي ﷺ ، وهو يتعوّذ من عذاب القبر. وقد تقدم حديث أبي هريرة المتفق عليه: «إذا تشهد أحدكم في صلاته فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب القبر، وعذاب جهنم ... » الحديث. وفي «الصحيحين» (٣) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرّ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان ... » الحديث.

стр. 1602

وفي «الصحيحين» (١) عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهذه الدعوات: «اللهم إني أعوذ من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر وعذاب القبر ... » الحديث. وفي «الصحيحين» (٢) عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العَجْز والكسل، والجُبْن والهَرَم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن شرِّ فتنة المحيا والممات». وفي «الصحيحين» (٣) عن عمرة أن يهودية أتت عائشة تسألها. فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله يُعذَّب الناس في القبور؟ قال رسول الله ﷺ : «عائذا بالله ... » فذكر الحديث، وفيه: ثم رفع وقد تجلّت الشمس فقال: «إني رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال»، فكنتُ أسمع رسول الله ﷺ بعد ذلك يتعوذ من عذاب النار وعذاب القبر. وفي لفظ للبخاري: فرجع ضحًى ... فقال ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوّذوا من عذاب القبر. وفي «الصحيحين» (٤) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خَسفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ فدخلتُ على عائشة وهي تصلي، فقلت: ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ قالت: نعم، فأطال

стр. 1603

رسول الله ﷺ القيام جدًّا، حتى تجلّاني الغَشْي، فأخذت قِربةً من ماء، فجعلت أصب على رأسي ــ أو على وجهي ــ من الماء. قالت: فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس، فخطب رسول الله ﷺ الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيتُه في مقامي هذا حتى الجنةَ والنار، وإنه قد أوحي إلي (١): أنكم تُفتنون في قبوركم قريبًا ــ أو مثل ــ فتنة المسيح الدجال ــ لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء؟ ــ فيُؤتى أحدكم (٢) فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو المُوقن ــ لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء ــ فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وأطعنا (ثلاث مرات)، فيقال له: قد كنّا (٣) نعلم أنك تؤمن به، فنَمْ صالحًا، وأما المنافق أو المرتاب ــ لا أدري: أي ذلك قالت أسماء ــ فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلتُ». وفي «صحيح ابن حبان» (٤) من حديث أبي عبد الرحمن الحُبُليّ عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله [ق ٢٥٩] عليه وسلم ذكر فتَّانَي القبر، فقال عمر ﵁: أتُردُّ علينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال: «نعم كهيئتكم

стр. 1604

اليوم»، قال: فبِفِيه الحجر! (١). وفي «صحيحه» (٢) أيضًا من حديث سعيد المَقْبُري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قُبِر أحدكم ــ أو الإنسان ــ أتاه ملَكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر والآخر: النكير، فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل (لمحمد ﷺ )؟ فهو قائل ما كان يقول، فإن كان مؤمنًا قال: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان له: إنّ كنا لنعلم إنك لتقول (٣) ذلك، ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، ويُنوّر له فيه، فيقال له: نَمْ نومة العروس لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجَعه ذلك. وإن كان منافقًا قال: لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فكنت أقوله، فيقولان له: إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض: الْتَئِمي عليه، فتلتَئِم عليه حتى تختلف فيها أضلاعُه، فلا يزال معذّبًا حتى يبعثه الله

стр. 1605

من مضجَعه ذلك». وفي «صحيحه» (١) أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، قال: «عذاب القبر». وفي «صحيحه» (٢) أيضًا عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل الميت القبر مُثِّلَت له الشمس عند غروبها، فيقول: دَعُوني أصلي». وفي «صحيحه» (٣) أيضًا عن أم مُبشِّر قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ

стр. 1606

وأنا في حائط من حوائط بني النجار، فيه قبور منهم، وهو يقول: «استعيذوا بالله من عذاب القبر»، فقلت: يا رسول الله، وللقبر عذاب؟ قال: «وإنهم لَيعذَّبُون في قبورهم (١)، تسمعه البهائم». وفي «صحيحه» (٢) أيضًا عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن المؤمن في قبره لفي روضةٍ خضراءَ، ويُرْحَب له في قبره سبعين ذراعًا، ويُنوّر له كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليُسلّط عليه تسعة وتسعون تِنِّينًا، أتدرون ما التنين؟ سبعون حيّة لكل حية سبع (٣) رؤوس يَلْسَعونه ويَخدِشونه إلى يوم يبعثون». فيه دراج أبو السَّمْح عن ابن (٤)

стр. 1607

حجيرة عن أبي هريرة. وذكر أبو حاتم (١) أيضًا قصة التسعة والتسعين تِنِّينًا من حديث درّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ . وفي «صحيحه» (٢) أيضًا من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت إذا وضع في قبره إنه يَسمع خَفْق نعالهم حين يُولّون عنه، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة (٣) والمعروف والإحسان إلى الناس عند رِجلَيه، فيؤتى من قِبَل رأسه فتقول الصلاة: ما قِبَلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قِبَلي

стр. 1608

مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فِعْلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل. فيقال (١) له: اجلس، فيجلس قد مُثِّلت له الشمس وقد أُدنيت للغروب، فيقال له: أرأيتَك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولون: إنك ستفعل، أخبِرْنا عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ قال: فيقول: محمد أشهد أنه رسول الله ﷺ وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حَيِيتَ، وعلى ذلك متّ، وعلى ذلك تُبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال: هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورًا، [ثم يُفتح له باب من أبواب النار فيقال له: هذا مقعدك منها وما أعدّ الله لك فيها لو عصيتَه، فيزداد غبطة وسرورًا] (٢)، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا وينوّر له فيه، ويعاد الجسد لِما بُدِئ منه (٣)، فتُجعل نسمته في النَّسَم الطيب، وهي طير تَعْلُقُ في شجر الجنة (٤)». قال: «فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]».

стр. 1609

قال: «وإن الكافر إذا أتي من قِبَل رأسه لم يوجد شيء، ثم أُتي عن يمينه فلا يوجد شيء، ثم أُتي عن شماله فلا يوجد شيء، ثم أُتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء، فيقال له: اجلس، فيجلس خائفًا مرعوبًا، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أي رجل؟ فيقال: الذي كان فيكم، فلا يهتدي لاسمه حتى يقال له: محمد، فيقول: ما أدري، سمعت الناس قالوا قولًا فقلتُ كما قال الناس، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يُفتح له باب من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدك من النار وما أعد الله لك فيها، فيزداد حسرةً وثُبورًا، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة [ق ٢٦٠] فيقال له: ذلك مقعدك من الجنة، وما أعد الله لك فيها لو أطعتَه، فيزداد حسرةً وثُبورًا، ثم يُضيَّق عليه قبرُه حتى تختلف فيه أضلاعه، وتلك المعيشة الضنك التي قال الله : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]». ١٥ - باب الميزان ٥٨٨/ ٤٥٨٧ - عن الحسن ــ وهو البصري ــ عن عائشة ﵂ أنها ذكرت النارَ فبكت، فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك؟» قالت: ذكرتُ النار فبكَيتُ، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «أمَّا في ثلاثة مواطِنٍ فلا يذكرُ أحدٌ أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيَخِفُّ ميزانه أو يثقل؟ وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] حتى يَعلم أين يقع كتابُه، أفي يمينه أم في شِماله أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وُضِعَ بين ظَهْري جهنم» (١).

стр. 1610

قال ابن القيم ﵀: وقد أخرجا في «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم». وفي «جامع الترمذي» (٢) من حديث النضر بن أنس بن مالك عن أبيه قال: سألتُ النبي ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: «أنا فاعل»، قال: قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ قال: «اطلُبْني أولَ ما تطلبني على الصراط»، قال قلت: فإن لم ألقَك على الصراط؟ قال: «فاطلبني عند الميزان»، قال قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: «فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وروى الليث بن سعد عن عامر بن يحيى المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي أنه قال: سمعتُ عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : «يُصاح برجلٍ من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فيُنشَر له تسعة وتسعون سجلًّا، كل سجل منها مدَّ البصر، ثم يقول الله ﵎ له: أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، [فيقول : ألك عُذر

стр. 1611

أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب،] (١) فيقول : بلى إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلّات؟ فيقول: إنك لا تُظلَم، قال: فتُوضَع السجلات في كِفّة والبطاقةُ في كِفّة، فطاشت السجلات وثَقُلت البطاقة» (٢). قال حمزة الكناني (٣): لا أعلم روى هذا الحديث غير الليث بن سعد، وهو من أحسن الحديث. قال أبو طاهر السِّلَفي: أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن محمد الحَرَّاني (٤) قال: أنا حضرتُ رجلًا في المجلس، وقد زَعَق عند هذا

стр. 1612

الحديث ومات، وشهدت جنازته وصليت عليه. قال أبو القاسم الطبراني (١): لا يروى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد، تفرد به عامر بن يحيى. آخر كلامه. ورواه أبو عبد الرحمن المُقرئ عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنعُم الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو. رواه عن المقرئ جماعة (٢). والحديث أخرجه ابن حبان في «صحيحه» والترمذي (٣)، وقال: حديث حسن غريب. وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زرّ بن حبيش: أن عبد الله بن مسعود كان يجتني (٤) لرسول الله ﷺ سواكًا من أراك، وكان في

стр. 1613

ساقَيه دقة، فضحك القوم، فقال النبي ﷺ : «ما يُضحككم من دِقّة ساقَيه؟ والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أُحُد». رواه أبو حاتم في «صحيحه» (١). ١٦ - باب في قتال الخوارج (٢) ٥٨٩/ ٤٥٩٥ - عن عَبِيدة ــ وهو السَّلْماني ــ أن عليًّا ذكر أهل النَّهْرَوان فقال: «فيهم رجل مُودَن اليد ــ أو مُخْدَج اليد، أو مَثدُون اليد (٣) ــ، لولا أن تَبطَروا لنبَّأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ »، قال: قلت: أنت سمعتَ هذا منه؟ قال: قال: إي وربِّ الكعبة! وأخرجه مسلم وابن ماجه (٤). ٥٩٠/ ٤٥٩٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث عليٌّ ﵁ إلى النبي ﷺ بذُهَيبة في تُربتها، فقسمها بين أربعة: بين الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المُجاشعي، وبين عُيَينة بن بدر الفَزاري، وبين زَيد الخيل الطائي ثم أحدِ بني

стр. 1614

نَبهان، وبين علقمة بن عُلاثة العامري ثم أحدِ بني كلاب، قال: فغضبت قريش والأنصار وقالت: يُعطي صناديدَ أهلِ نجدٍ ويَدَعُنا؟! فقال: «إنما أنا أتألَّفهم». قال: فأقبل رجل غائِرُ العَينين، مُشرِف الوَجْنَتين، ناتئ الجبين، كثُّ اللحية، محلوق، قال: اتَّقِ الله يا محمد! فقال: «من يطيع الله إذا عصيتُه، أيأمَنُني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟! » قال: فسأل رجل قَتْلَه ــ أحسبه خالدَ بن الوليد ــ، قال: فمنعه، قال: فلمَّا ولى قال: «إن من ضِئضِئ هذا ــ أو في عقب هذا ــ قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مُروقَ السهم من الرميَّة، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، لئِن أنا أدركتهم لأقتُلَنَّهم قتلَ عاد». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). ٥٩١/ ٤٥٩٧ - وعن قتادة، عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفُرقة، قوم يُحسنون القِيل ويُسيئون الفعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروقَ السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتدَّ على فُوقِه (٢)، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم» قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: «التحليق» (٣). قتادة لم يسمع من أبي سعيد الخدري، وسمع من أنس بن مالك.

стр. 1615

٥٩٢/ ٤٥٩٨ - وعن أنس أن رسول الله ﷺ ... نحوه، قال: «سيماهم التحليق والتَّسْبِيد، فإذا رأيتموهم فأَنِيموهم» (١). ٥٩٣/ ٤٥٩٩ - وعن سُويد بن غفلة قال: قال علي ﵁: إذا حدَّثتكم عن رسول الله ﷺ حديثًا فَلَأَنْ أَخِرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خَدْعة، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يأتي في آخر الزمان قوم حُدَثاء الأسنان، سفهاءُ الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانُهم حناجرَهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ قتلهم أجرٌ لمن قتلهم يوم القيامة». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (٢). ٥٩٤/ ٤٦٠٠ - وعن زيد بن وهب الجُهَني أنه كان في الجيش الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي ﵁: أيُّها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن، ليست قراءتُكم إلى قراءتهم شيئًا، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئًا، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئًا، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضِي لهم على لسان نبيهم ﷺ لنَكَلوا عن العمل، وآيةُ ذلك أن فيهم رجلًا له عَضُد، وليست له ذراع، على عضده مثل حَلَمة الثدي، عليه شَعَرات بيض».أفتذهبون إلى معاوية وأهل

стр. 1616

الشام وتتركون هؤلاء يَخلفونكم في ذراريِّكم وأموالكم؟! والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغارُوا في سَرْحِ الناس، فسِيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل: فنزَّلني زيد بن وهب منزلًا منزلًا حتى مرَّ بنا على قنطرة، قال: فلما التقينا وعلى الخوارج عبد الله بن وهبٍ الرَّاسبي، فقال لهم: ألقُوا الرِّماح وسُلُّوا السيوف من جفونها، فإني أخاف أن يُناشدوكم كما ناشدوكم يوم حَرُوراء، قال: فوحَّشوا برماحهم وسَلُّوا السيوف، وشَجَرهم الناس برماحهم، قال: وقُتِلوا بعضُهم على بعضهم، قال: وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي ﵁: التمسوا فيهم المُخْدَج، فلم يجدوا، قال: فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناسًا قد قتل بعضهم على بعض، فقال: أخرجوهم، فوجدوه ممَّا يلي الأرض، فكبَّر وقال: صدق اللهُ وبلَّغ رسوله، فقام إليه عَبِيدة السَّلْماني فقال: يا أمير المؤمنين، واللهِ الذي لا إله إلا هو لقد سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: إي واللهِ الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف. وأخرجه مسلم (١). ٥٩٥/ ٤٦٠١ - وعن أبي الوضيء ــ وهو عبّاد بن نُسيب القيسي (٢) البصري ــ قال: قال علي ﵁: اطلبوا المُخدَج ــ فذكر الحديث ــ، فاستخرَجوه من تحت القتلى في طين. قال أبو الوضيء: فكأنني أنظر إليه حبشي عليه قُرَيطِقٌ له، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعيرات مثل شعيرات التي تكون على ذَنَب اليربوع» (٣).

стр. 1617

٥٩٦/ ٤٦٠٢ - عن أبي مريم ــ وهو قيس الثقفي المدائني، وقد سمع من علي ﵁ ــ قال: إن كان ذلك المُخدَج لَمَعنا يومئذ في المسجد، نجالسه بالليل والنهار، وكان فقيرًا، ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي ﵁ مع الناس وقد كسوتُه بُرنسًا لي. قال أبو مريم: وكان المخدج يسمَّى نافعًا ذا الثُدَيَّة، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حَلَمةٌ مثل حلمة الثدي وعليه شعيرات مثل سِبالة السِّنَّور» (١). قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل [رسولَ الله ﷺ ] بالجعرانة مُنصرَفَه من حنينٍ، وفي ثوب بلال فضة ورسولُ الله ﷺ يَقبض منها ويُعطي الناس، فقال: يا محمد اعدِلْ، فقال: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خِبْتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل»، فقال عمر بن الخطاب ﵁ دعني يا رسولَ الله أقتلْ هذا المنافق، فقال: «معاذَ الله أن يتحدث الناسُ أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابَه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرميّة». وروى البخاري (٣) هذا الحديث مختصرًا، قال: بينما النبي ﷺ يقسم غَنِيمة بالجِعْرانة، إذ قال له رجل: اعدل، فقال: «لقد شَقِيتَ إن لم أعدل!». والصواب في هذا فتحُ التاء من: «خبت وخسرت»، والمعنى: أنك إذن خائب خاسر، إن كنتَ تقتدي في دِينك بمن لا يعدل، وتجعله بينك وبين الله، ثم تزعم أنه ظالم غير عادل. ومن رواه بضم التاء لم يفهم معناه هذا.

стр. 1618

وفي «الصحيحين» (١) عن أبي سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قَسْمًا، أتاه ذو الخُوَيصِرة ــ وهو رجل من بني تميم ــ فقال: يا رسول الله اعدل، قال رسول الله ﷺ : «ويلَك! من يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل!»، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ائذن لي فيه أضربْ عنقه، قال رسول الله ﷺ : «دعه، فإن له أصحابًا يَحْقِر أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، [ق ٢٦١] وصيامَه مع صيامهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، يُنظَر إلى نَصْله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظَر إلى رِصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّه فلا يوجد فيه شيء ــ وهو القِدْح ــ، ثم يُنظَر إلى قُذَذِه (٢) فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عَضُدَيه مثل ثَدْي المرأة ــ أو مثل البَضْعة ــ تَدَرْدَر، يخرجون على حين فُرقة من الناس». قال أبو سعيد: «فأَشهد أني سمعتُ هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أنّ علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتُمِس، فوجد فأتي به، حتى نظرتُ إليه على نعتِ رسول الله ﷺ الذي نعت». زاد البخاري (٣) فنزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]. وفي رواية المستملي (٤): «على خَيرِ فِرْقة من الناس».

стр. 1619

وفي «الصحيحين» (١) عن أبي سعيد أيضًا: أن النبي ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فُرقة من الناس، سيماهم التحالق، قال: «هم شرُّ الخلق (٢) ــ أو من شر الخلق ــ يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق»، قال: فضرب رسول الله ﷺ لهم مثلًا أو قال قولًا: «الرجل يرمي الرمية ــ أو قال: الغرض ــ فينظر في النَّصْل فلا يرى بصيرة، وينظر في النَّضِيّ فلا يرى بصيرة، وينظر في الفُوق فلا يرى بصيرة». وفي لفظ آخر عنه في هذا الحديث: «تكون في أمتي فِرقتان، فتخرج بينهما مارقةٌ يلي قتلَهم أولاهم بالحق» (٣). وفي آخر: «تَمرُق مارقة في فُرقة من الناس، يلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق» (٤). وفي آخر: «تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق» (٥). وفي آخر: «يخرجون على فُرقة مختلفة، يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق» (٦).

стр. 1620

وفي «صحيح البخاري» (١) عنه عن النبي ﷺ قال: «يخرج ناس من قِبَل المشرق، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، يمرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، حتى يعود السهم إلى فُوقه»، قيل: فما سيماهم؟ قال: «التحليق» أو قال: «التسبيد» (٢). وفي «الصحيحين» (٣) ــ واللفظ لمسلم ــ عن عبيد الله بن أبي رافع أن الحَرورية لما خرجت ــ وهو مع علي بن أبي طالب ــ قالوا: لا حُكْمَ إلا لله، قال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله ﷺ وصف ناسًا ــ إني لأعرِف صفتهم في هؤلاء ــ يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم (وأشار إلى حلقه)، مِن أبغض خلق الله إليه، منهم أسود إحدى يديه طُبْيُ شاةٍ (٤)، أو حَلَمة ثدي. فلما قتلهم علي، قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئًا، فقال: ارجعوا، فوالله ما كَذَبت ولا كُذِبت ــ مرتين أو ثلاثًا ــ، ثم وجدوه في خَرْبة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم، وقول علي فيهم. وفي «صحيح مسلم» (٥) عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بعدي من أمتي ــ أو سيكون بعدي من أمتي ــ قوم يقرأون

стр. 1621

القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة». قال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري، قلت: ما حديثٌ سمعتُه من أبي ذر كذا وكذا ــ فذكرت له هذا الحديث ــ؟ فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ . وفي «الصحيحين» (١) عن يُسَير بن عمرو قال: سألت سهل بن حُنَيف: سمعتَ النبي ﷺ يذكر الخوارج؟ فقال: سمعته يقول وأشار بيده نحو المشرق: «قوم يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرُق السهم من الرمية». وفي لفظ آخر عنه: «يَتِيه قوم من قبل المشرق محلّقةٌ رؤوسُهم» (٢). وفي «صحيح البخاري» (٣) عن ابن عمر وذكر الحرورية فقال: قال النبي ﷺ : «يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية». قال الإمام أحمد (٤): صح الحديث عن النبي ﷺ في الخوارج من عشرة أوجه. وهذه هي العشرة التي ذكرناها، وقد استوعبها مسلم في «صحيحه»، والله أعلم. * * *

стр. 1622

كتاب الأدب ١ - باب في الحلم وأخلاق النبي ﷺ - ٥٩٧/ ٤٦٠٥ - عن إسحاق ــ يعني ابنَ عبد الله بن طلحة ــ قال: قال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ مِن أَحسنِ الناس خُلقًا، فأرسلني يومًا لحاجةٍ فقلتُ: والله لا أذهبُ ــ وفي نفسي أن أذهبَ لِما أمرني به نبيُّ الله ﷺ ــ قال: فخرجتُ حتى أَمُرَّ على صِبيانٍ وهم يلعبون في السُّوق فإذا رسول الله ﷺ قابضٌ بِقَفايَ من ورائي، فنظرتُ إليه وهو يضحكُ، فقال: «يا أُنَيسُ، اذهب حيث أمرتُك». قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خَدَمْتُهُ سبعَ سنين ــ أو تِسْعَ سنين ــ ما علمتُ قال لشيء صنعتُ: لِمَ فعلتَ كذا وكذا؟ ولا لشيء تركتُ: هَلَّا فعلت كذا وكذا؟ وأخرجه مسلم (١)، وفيه «تسع سنين» من غير شك. ٥٩٨/ ٤٦٠٦ - وعن ثابت ــ وهو البُناني ــ عن أنس ﵁ قال: خدمت النبيَّ ﷺ عشر سنين بالمدينة، وأنا غلامٌ ليس كل أمرِي كما يَشتهي صاحبي أن أكونَ عليه، ما قال لي أُفٍّ قطُّ، وما قال لي: لِمَ فعلتَ هذا؟ أم: ألَّا فعلتَ هذا؟ (٢). ٥٩٩/ ٤٦٠٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجلسُ معنا في المجلس يُحدِّثنا، فإذا قام قمنا قيامًا حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه، فحدَّثَنا يومًا، فقُمنا حين قامَ، فنظرنا إلى أعرابي قد أدرَكَه، فجَبَذَه بردائه فحمَّر رقبتَه ــ قال أبو هريرة: وكان رداءً خَشِنًا ــ، فالتفتَ، فقال الأعرابي: احمِل لي على

стр. 1623

بعيرَيَّ هذين، فإنك لا تحملُ لي من مالِك ولا مِن مالِ أبيك، فقال النبي ﷺ : «لا وأستغفرُ الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملُ لك حتَّى تُقيدَني من جَبْذَتِك التي جَبَذتَني»، فكُلُّ ذلك يقول له الأعرابي: والله لا أُقيدُكها ــ فذكر الحديث ــ قال: ثم دعا رجلًا، فقال له: «احمل له على بَعِيرَيه هذين، على بعيرٍ شعيرًا، وعلى الآخر تمرًا»، ثم التفت إلينا فقال: «انصرفُوا على بركة الله تعالى». وأخرجه النسائي (١). وقال الدارقطني (٢): تفرد به محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة. وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن محمد بن هلال الذي يروى عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، فقال: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، قيل: أبوه؟ قال: لا أعرفه. وسئل أبو حاتم الرازي عن محمد بن هلال؟ قال: صالح، وأبوه ليس بمشهور (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد أخرجا في «الصحيحين» (٤) من حديث أنس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذةً شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ ، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء. وفي «الصحيحين» (٥) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ليس

стр. 1624

الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». وفي «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: «لا تغضب»، فردد مرارًا، قال: «لا تغضب». وفي «الصحيحين» (٢) عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله [ق ٢٦٢] عليه وسلم قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وفيهما (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «الحياء شعبة من الإيمان». وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه. ٢ - باب في حسن الخلق (٥) ٦٠٠/ ٤٦٣٠ - وعن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن المؤمن لَيُدرِك بحسن خُلُقه درجةَ الصائم القائم» (٦).

стр. 1625

٦٠١/ ٤٦٣١ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من شيء في الميزان أثقلُ من حسن الخلق». وأخرجه الترمذي (١) وقال: حسن صحيح. قال ابن القيم ﵀: وزاد الترمذي: «وإن الله يبغض الفاحش البذيء». ٦٠٢/ ٤٦٣٢ - عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا زعيم بِبَيتٍ في رَبَض الجنة لمن ترك المِراء وإن كان مُحقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكَذِب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّنَ خُلُقَه» (٢). [قال ابن القيم ﵀: وهو حديث صحيح] (٣). ٦٠٣/ ٤٦٣٣ - عن حارثة بن وهب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة الجَوَّاظُ ولا الجَعْظَرِيُّ». قال: والجوَّاظ: الغليظ الفظُّ. وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه أتم منه، وليس في حديثهما: «الجعظري». وقيل: «الجواظ» الكثير اللحم المختال في مِشيته، وقيل: الجموع المنوع، وقيل: القصير البَطِن، وقيل: الجافي القلب، وقيل: الفاجر، وقيل: الأكول. و «الجعظري»: الفظ الغليظ المتكبر، وقيل: هو الذي لا يُصدَّع رأسه، وقيل: هو

стр. 1626

الذي يتمدَّح وينتفخ بما ليس عنده، وفيه قِصَر (١). قال ابن القيم ﵀: [وفي «صحيح مسلم» (٢) عن عبد الله بن عمرو قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا مُتفحِّشًا، وكان يقول: «إن مِن خياركم أحاسِنَكم أخلاقًا». ورواه البخاري] (٣). وفي «صحيح مسلم» (٤) عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: «البِرُّ: حسنُ الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». وروى الترمذي (٥) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الفم والفرج»، وقال: حديث حسن صحيح (٦). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خيركم لنسائكم». رواه الترمذي (٧) وقال: حسن صحيح.

стр. 1627

وفي الترمذي (١) أيضًا عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «إن مِن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يومَ القيامة أحاسِنَكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إلي وأبعدَكم مني الثَّرثارون والمتشدقون والمُتفَيهِقون»، قالوا يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». قال الترمذي: حديث حسن. والثرثار هو الكثير الكلام تكلفًا، والمتشدّق المتطاول على الناس بكلامه الذي يتكلم بمِلء فيه تفاصُحًا وتفخيمًا وتعظيمًا لكلامه، والمتفيهق أصله من الفَهَق وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه تكثّرًا وارتفاعًا وإظهارًا لفضله على غيره. قال الترمذي (٢): قال عبد الله بن المبارك: حُسن الخلق: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكفّ الأذى. وقال غيره: حسن الخلق قسمان: أحدهما: مع الله ، وهو أن يعلم أن كل ما يأتي منك يوجِب عذرًا، وكل ما يأتي من الله يوجب شكرًا، فلا تزال شاكرًا له معتذرًا إليه،

стр. 1628

سائرًا إليه بين مطالعة منّته وشهود عيب نفسك وأعمالك. والقسم الثاني: حسن الخلق مع الناس، وجِمَاعه أمران: بذل المعروف قولًا وفعلًا، وكف الأذى قولًا وفعلًا. وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم، والجود، والصبر، وطِيب العُود، وصحة الإسلام. أما العلم فلأنه به يَعرف معالِيَ الأخلاق وسَفْسافَها، فيمكنه أن يتصف بهذا ويتحلّى به، ويتركَ هذا ويتخلّى عنه. وأما الجود فسماحة نفسه وبذلُها وانقيادُها لذلك إذا أراده منها. وأما الصبر فلأنه إن لم يصبر على احتمال ذلك والقيام بأعبائه (١) لم يتهيأ له. وأما طِيب العُود فأن يكون الله تعالى خَلَقه على طبيعة منقادة سهلة القياد، سريعةِ الاستجابة لداعي الخيرات. والطبائع ثلاثة: طبيعة حجرية صلبة قاسية، لا تلين ولا تنقاد؛ وطبيعة مائية هوائية سريعةُ الانقياد، مستجيبةٌ لكل داع، كالغصنِ أيُّ نسيمٍ مرّ يعطفه ــ وهاتان منحرفتان؛ الأولى لا تقبل، والثانية لا تحفظ ــ؛ وطبيعة قد جمعت اللين والصلابة والصفاء (٢)، فهي تقبل بلينها، وتحفظ بصلابتها، وتدرك حقائق الأمور بصفائها، فهذه الطبيعة الكاملة التي ينشأ عنها كل خُلُق صحيح.

стр. 1629

وأما صحة الإسلام فهو جماع ذلك والمصحّح لكل خلق حسن، فإنه بحسب قوة إيمانه وتصديقه بالجزاء وحسنِ موعود الله وثوابِه= يسهُل عليه تحمّل ذلك، ويَلَذُّ له الاتصاف به، والله الموفق المعين. ٣ - باب في الرجل يقوم للرجل عن مجلسه ٦٠٤/ ٤٦٦١ - عن أبي الخَصِيب، عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقام له رجلٌ عن مجلسه، فذهبَ ليجلس فيه، فنهاه رسولُ الله ﷺ (١). قال أبو داود: أبو الخصيب: زياد بن عبد الرحمن. هذا آخر كلامه. وهو بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء بواحدة. قال ابن القيم ﵀: وقد أخرج الترمذي (٢) من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقيمُ أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه». قال (٣): وكان الرجل يقوم لابن عمر فما يجلس. قال: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 1630

وحديث ابن عمر هذا في «الصحيحين» (١)، ولفظه: نهى رسول الله ﷺ أن يُقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسعوا. وفي «صحيح مسلم» (٢) عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقيم أحدكم أخاه يومَ الجمعة (٣) ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا». ٤ - باب الهدي في الكلام ٦٠٥/ ٤٦٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلُّ كلامٍ لا يُبْدأ فيه بالحمد لله فهو أجْذَم» (٤). وقال فيه: «زعم الوليد عن الأوزاعي»، وذكر جماعةً رووه عن الزهري مرسلًا (٥). وأخرجه النسائي (٦) مسندًا ومُرسلًا. وأخرجه ابن ماجه (٧) وقال فيه: «أقطع».

стр. 1631

وفي إسناده قُرَّة، وهو ابن عبد الرحمن بن حَيْوِيل المَعافري المصري، كنيته أبو محمد، ويقال: أبو حيويل. قال الإمام أحمد (١): منكر الحديث جدًّا. قال ابن القيم ﵀: وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢). ٥ - باب في تنزيل الناس منازلهم ٦٠٦/ ٤٦٧٦ - عن أبي كنانة، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشَّيبة المُسلم، وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذِي السُّلطان المُقسِط» (٣). أبو كنانة هذا هو القُرَشي، ذكر غير واحد أنه سمع من أبي موسى الأشعري (٤). قال ابن القيم ﵀: وفي الترمذي (٥) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «ما أكرم شاب شيخا لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنه». قال: هذا حديث غريب.

стр. 1632

٦ - باب كفارة المجلس ٦٠٧/ ٤٦٩٠ - عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: كلماتٌ لا يتكلم بهنَّ أحَدٌ في مجلسه عند قيامه ثلاث مرَّاتٍ إلا كُفِّرَ بِهنَّ عنه، ولا يقولهن في مجلس خيرٍ ومجلس ذكرٍ إلا خُتِم له بهنَّ عليه، كما يُخْتَم بالخاتَم على الصحيفة: سُبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك (١). ٦٠٨/ ٤٦٩١ - وعنه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ مثله (٢). وقد أخرجه الترمذي (٣)، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه (٤).
следующие страницы →