القطبين، ولهذا فإن النباتات التي تنمو في الأقاليم الباردة والقطبية تكون عادة من الأنواع التي تستطيع أن تتم حياتها في فترات قصيرة نسيبًّا، ويلاحظ مع ذلك أن كثيرًا من النباتات لا تموت تمامًا بانتهاء فصل النمو بل تموت فقط موتًا ظاهريًّا، ولا تلبث أن تدب فيها مظاهر الحياة من جديد عندما يحل الدفء، كما يلاحظ أن بعض النباتات لا تتأثر تأثرًا ظاهرًا ببرودة فصل الشتاء بل تظل خضراء طول السنة, وتعتبر الأشجار الصنوبرية التي تنمو قرب الدائرة القطبية من أحسن الأمثلة على ذلك.
стр. 562
الضوء:
يعتبر ضوء الشمس بغض النظر عن حرارة الجو من أهم العناصر الضرورية لنمو النبات، وكلما زادت كمية الضوء ساعد ذلك على سرعة النمو، وهذه الحقيقة لها أهمية خاصة في العروض العليا؛ إذ إن طول النهار في فصل الصيف هناك يساعد النباتات على الإسراع في نموها، بحيث تتم حياتها ونضجها في فترة أقصر وبحرارة متجمعة أقل مما يلزم لنموها في العروض الأكثر دفئًا، ومعنى ذلك أن وفرة الضوء تستطيع أن تعوض النباتات عن بعض النقص في الحرارة، فالقمح الربيعي مثلًا يتم نموه ونضجه في شمال السويد في ٧٩ يومًا تقريبًا، بينما يحتاج إلى حوالي ١٠٧ أيام في جنوبها، ويرجع ذلك من غير شك إلى تزايد طول النهار في الصيف كلما اتجهنا شمالًا، ويبين الجدول رقم ١٦ أقصى طول للنهار في العروض المختلفة.
جدول "١٦" أقصى طول للنهار "في ٢١ يونيو" في العروض المختلفة
стр. 563
١٤- ١- ٢- التربة:
تمهيد:
تعتبر التربة من غير شك ثروة من أعظم الثروات الطبيعية التي ترتبط بها حياة الإنسان ارتباطًا مباشرًا، فهي الوعاء الذي تجد فيه النباتات الاحتياجات اللازمة لوجودها ونموها وتكاثرها، والذي يحصل منه الإنسان بطريق مباشر أو غير مباشر على كل ما يحتاج إليه من ضروريات غذائه وملبسه ومسكنه.
وليست المصادفة هي التي جعلت سكان العالم يتجمعون منذ بدء انتشارهم على سطح الأرض، وخصوصًا بعد أن بدءوا يعرفون الزراعة، في وديان الأنهار وغيرها من المناطق التي لا تصلح تربتها لإنتاج المحاصيل الغذائية، أو حتى لتقديم ثروة نباتية وحيوانية طبيعية يمكن أن يحصل منها الإنسان على احتياجاته الضرورية باتباع أساليب الجمع والالتقاط والصيد، وترتبط التربة في نشأتها وتركيبها وخصوبتها وغير ذلك من صفاتها العامة بعوامل مختلفة أهمها نوع الصخور التي استمدت منها "Parent Rocks" والعوامل المناخية التي تدخلت في تفتيت هذه الصخور وتحليل موادها ونقلها وتوزيعها على سطح الأرض وعلاقة ذلك بتضاريس هذا السطح وانحدارته وغير ذلك من العوامل التي يترتب عليها خلق أنواع من التربة ذات أشكال وخواص متباينة بحيث أصبح موضوع التربة من الموضوعات العلمية المعقدة التي لا يمكن الإلمام بكل جوانبها في أية دراسة عامة. وسنحاول فيما يلي أن نقدم عرضًا مختصرًا لأهم جوانب الموضوع بالقدر الذي تحتاج إليه دراستنا الجغرافية العامة.
والمقصود بالتربة بمعناها الضيق هو المواد الصخرية المفتتة التي طرأ عليها بعض التغير الكيميائي واختلطت بها نسبة من المواد العضوية والسائلة والغازية فأصبحت ملائمة لنمو نوع أو أكثر من أنواع الحياة النباتية، وعلى هذا الأساس لا يعتبر الصخر المفتت وحده تربة بمعنى الكلمة طالما لم يطرأ عليه تغير كيميائي
стр. 564
أو يختلط بنسبة من المواد المذكورة، حيث إنه لا يكون في هذه الحالة صالحًا لنمو النباتات، وتتكون التربة عادة ببطء تحت تأثير عوامل مختلفة أهمها المناخ والنبات وتضاريس سطح الأرض، إن اختلاف هذه العوامل بالإضافة إلى نوع الصخر الأصلية التي تستمد منها المواد الصلبة التي تتكون منها التربة هو الذي يؤدي إلى ظهور الصفات الكثيرة التي تتميز بها بعض أنواع التربة عن بعضها الآخر.
стр. 565
مواد التربة:
تنقسم المواد التي تتكون منها التربة عمومًا إلى قسمين كبيرين: فالقسم الأكبر منها يتكون من مواد غير عضوية "Lnorganlc" أما القسم الآخر فيتكون من مواد أصلها عضوية "organlc" بمعنى أنها مستمدة في الأصل من الكائنات الحية على اختلاف أنواعها ومراتبها،
المواد غير العضوية:
هذه المواد هي التي تكون القسم الأكبر من التربة وهي تنتج من تفكك وتحلل الصخور المختلفة التي تتكون منها قشرة الأرض بفعل التجوية الميكانيكية والكيميائية، والمعروف أن كل هذه الصخور عبارة عن مركبات من معادن مختلفة، كما أن المعادن نفسها ليست في معظمها إلا مركبات غير عناصر كيميائية مختلفة، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن المواد غير العضوية التي تتكون منها التربة هي عمومًا نفس العناصر التي تدخل في تركيب صخور القشرة الأرضية ومعادنها، وقد اكتشف من هذه العناصر أكثر من مائة عنصر ولكن نبين أن ٩٨.٥% من تركيب قشرة الأرض يتكون من ثمانية عناصر منها فقط وهي الأكسوجين والسيليكون والألومينيوم "ويتكون من هذه العناصر ثلاثة وحدها حوالي ٨٢% من صخور القشرة الأرضية" ويأتي بعدها بالترتيب الحديد والكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والمغنسيوم وكلها عناصر ضرورية لحياة النباتات. وهناك عناصر أخرى ضرورية لحياة النباتات أيضًا ولكنها موجودة بنسب صغيرة ومنها النيتروجين والفوسفور والكبريت
стр. 566
وهكذا فعندما تتفتت الصخور المختلفة بفعل التجوية فإنها تنتج أنواعًا متباينة من المواد التي يكون بعضها قابلًا للذوبان في الماء مثل كربونات الكالسيوم وبعضها الآخر غير قابل للذوبان مثل الصلصال والغرين والرمال التي تتكون من حبات الكوارتز وقطع الصخور، وهذه المواد غير القابلة للذوبان هي التي تمثل التركيب غير الضروري الرئيسي للتربة.
التركيب الكيميائي للتربة:
إن دراسة التركيب الكيميائي للتربة له علاقة قوية بنوعيتها ومدى صلاحيتها لنمو الأنواع المختلفة من النباتات، وكلما كانت التربة متوازنة في تركيبها الكيميائي كانت أكثر صلاحية للزراعة، وفي حالة عدم توازنها تستخدم عادة أسمدة كيميائية خاصة لتزويدها بالعناصر الناقصة.
ويطلق تعبير عناصر التربة الحرجة soil critical elements على بعض العناصر الضرورية التي تستهلك منها النباتات كميات كبيرة والتي توجد غالبًا بنسب صغيرة في التربة ومنها النيتروجين "الآزوت" والفوسفور والبوتاسيوم، وهي تضاف عادة إلى التربة في صورة أسمدة كيميائية لتعويض ما يطرأ عليها من نقص، وهناك غير ذلك عناصر أخرى لها دخل في توازن التربة مثل المنجنيز والنحاس والزنك، كما أن درجة تركيز الأيدروجين، التي يعبر عنها عادة بالرمز ph تعتبر من العناصر المهمة التي لا بد أن يحسب لها حساب في تقدير صلاحية التربة للزراعة لأنها هي التي تحدد درجة حموضتها أو قلويتها، وتتراوح قيمة ال ph بين ٤ و٥ في التربة الحمضية و٨ و١٠ في التربة القلوية.
وتعتبر المواد الجيرية "أو الكلسبة" والمواد الملحية وأكاسيد الحديد والألومينيوم وأملاح الصوديوم والبوتاسيوم من العناصر التي يمكن أن تعطي للتربة نوعية خاصة إذا كثرت فيها، وعلى هذا الأساس تقسم التربة عمومًا إلى أربعة أنواع كبرى هي: التربة الجيرية، والتربة الملحية، والتربة الحديدية، والتربة
стр. 567
المتعادلة. أما التربة الجيرية فيقصد بها التربة التي تسود فيها المواد الجيرية، ويطلق عليها عمومًا تعبير "بيدوكال"١ Pedocal، وهي موجودة على نطاق واسع في مناطق الصخور الجيرية، وخصوصًا في الأقاليم الجافة، وهي تربة قلوية حيث ترتفع فيها درجة التركيز الأيدروجيني إلى ٨ أو أكثر، وفيها تجود زراعة أنواع متباينة من المحاصيل إذا توافرت لها المياه.
أما التربة الملحية Halomorphic، فهي التربة التي تحتوي على نسبة عالية من الأملاح، وخصوصًا أملاح الصوديوم والبوتاسيوم، وهي موجودة بكثرة في منخفضات الأقاليم الجافة التي تنصرف نحوها مياه الأمطار أو ترتفع فيها بعض المياه الجوفية إلى السطح، ففي هذه الأقاليم يؤدي نشاط التبخير إلى سرعة ارتفاع مياه التربة ومعها الأملاح الذائبة بفعل الخاصية الشعرية، مما يؤدي إلى تركز الأملاح بمرور الوقت على السطح وفي التربة السطحية، كما يكثر وجود هذا النوع من التربة في الأشرطة الساحلية المنخفضة التي تكونت على حساب البحر أو التي تطغى عليها مياهه عند ارتفاعها في حالة المد أو الأمواج العالية.
ومن أشهر السبخات الساحلية والسبخات التي توجد في منخفضات الأقاليم الجافة ومنها منخفضات الواحات.
أما التربة الحديدية٢ pedalfer، فيميزها وجود نسبة عالية من أكاسيد الحديد وأكاسيد الألومينيوم بها، وتعطيها أكاسيد الحديد عادة لونًا أحمر طوبيًّا أو مائلًا للاحمرار، وهي غالبًا حمضية، وفيها لا تزيد قيمة ال ph عن ٤.٥، وهي عمومًا قليلة الخصوبة بسبب حموضتها ولكن من الممكن معالجتها بإضافة بعض الجير إليها، وهي توجد عادة في الأقاليم الاستوائية، كما تمثلها تربة البودزول في الأقاليم الباردة.
стр. 568
أما التربة المتعادلة فهي التربة المتوسطة بين التربة الجيرية القلوية والتربة الحديدية الحمضية، وفيها تكون درجة التركيز الأيدروجينى ما بين ٦ و٧.
المواد العضوية:
مصدر هذه المواد هو بقايا ومخلفات الحياة النباتية والحيوانية بمختلف أنواعها ومراتبها، فكل هذه الكائنات مردها النهائي إلى التربة حيث تتفتت وتتحلل فيها بمرور الزمن وتحت الظروف الملائمة إلى أعداد لا حصر لها من الكائنات العضوية الميكروسكوبية، والمواد العضوية المتحللة في التربة هي التي يطلق عليها عادة اسم الدبال أو الهيومص "Humus" وعندما يزداد تحلل الدبال فإنه يتحول إلى أملاح بسيطة وثاني أكسيد كربون وماء وتعتبر المواد العضوية المتحللة من أهم العوامل التي تساعد على تحسين التربة وعلى المحافظة على خصوبتها، ولذلك فإن وجودها ضروري جدًّا في الأراضي الزراعية، والواقع أن التربة لا تكون ذات قيمة حقيقية إلا إذا كانت بها نسبة معقولة من المواد العضوية المتحللة.
وتعتبر البكتريا وغيرها من الكائنات العضوية الميكروسكوبية مثل الطحالب والفطريات والبروتوزوات من المواد العضوية المهمة، التي يساعد وجودها بكثرة في التربة على إحداث التغيرات الكيميائية الضرورية لتحليل المواد العضوية الأخرى وتحويلها إلى دبال "Humus" ثم تحويل الدبال بدوره إلى عناصر أبسط منه يسهل على النباتات أن تستفيد بها.
стр. 569
العوامل التي تتدخل في تكوين التربة:
تتدخل في تكوين التربة عوامل متعددة وعمليات طبيعية وكيميائية معقدة تشترك فيها كل عناصر البيئة الطبيعية والحيوية بدون استثناء، وليس من السهل حصر كل العوامل التي لها دور مهم في التكوين، ولكننا مع ذلك يمكننا أن نحدد أهمها كما يأتي:
١- نوع الصخر الذي تستمد منه التربة
٢- المناخ
٣- التضاريس
стр. 570
٤- المياه
٥- الكائنات الحية
أولًا: نوع الصخر:
فالصخور هي مصدر المواد غير العضوية التي تستمد منها المكونات الرئيسية الأولية للتربة، ولكل تربة مصدر صخري أصلي تستمد منه مكوناتها الرئيسية، ويطلق علي هذا المصدر تعبير الصخر الوالد parent Rock ولهذا فلابد للباحث الذي يتعرض لدراسة التربة أن يكون على علم بأنواع الصخور وتركيبها المعدني والعنصري لأن هذا التركيب سيكون هو نفسه تقريبًا تركيب التربة، ونظرًا لأهمية هذا العامل فإن التربات تصنف أحيانًا على أساس أنواع الصخور التي استمدت منها، كأن تكون مثلًا تربة رملية أو جيرية أو طينية وتوصف التربة بأنها محلية إذا كانت مستمدة من الصخر الذي ترتكز عليه مباشرة، ومنقولة إذا كانت مستمدة من صخور منطقة أخرى غير منطقة وجودها، ويكون تركيبها في هذه الحالة مختلفًا عن تركيب الصخر الذي ترتكز عليه.
ولا شك أن تحول الصخر إلى المواد المفتتة التي تتكون منها التربة يحتاج إلى أن يتعرض هذا الصخر لعمليات التجوية المختلفة، سواء في ذلك علميات التجوية الميكانيكية أو الكيميائية، وهي العمليات التي تتدخل فيها عوامل كثيرة أهمها المناخ والمياه والكائنات الحية فإذا ما تفتت الصخر وتحلل بالتجوية وبقيت المواد المفتتة الناتجة في مكانها على سطحه فإن هذا يؤدي إلى تكوين التربة المحلية، أما إذا قامت عوامل التعرية بنقل هذه المواد إلى أماكن أخرى فإن هذا يؤدي إلى نشوء أنواع مختلفة من التربة المنقولة التي تتميز بصفات خاصة على حسب طبيعة عوامل التعرية التي قامت بنقلها وترسيبها، ومن أهمها:
١- التربات الهوائية التي تقوم الرياح بنقلها مثل تربة اللويس والتربات الرملية في الأقاليم الجافة.
стр. 571
٢- التربات الفيضية التي تقوم المياه الجارية بنقلها، والتي تتكون منها تربات وديان الأنهار ودلتاواتها، بما في ذلك تربات وديان الأقاليم الجافة التي تجري فيها المياه بصورة متقطعة، وتربات الدلتاوات المروحية التي تتكون في نهايات هذه الوديان، وتربات الأحواض التي تصب فيها.
٣- التربات الجليدية وهي التي يقوم الجليد بنقلها وترسيبها عند انصهاره، وهي توجد حول الثلاجات وعلى أطراف المناطق التي زحف عليها الجليد خلال العصور الجليدية في البليستومين.
ثانيًا- المناخ:
وهو العامل الرئيسي الذي يؤثر في المواد الصخرية والمعدنية المستمدة من الصخر الأصلي ولكل عنصر من عناصر المناخ دوره الخاص في هذا المجال ومع ذلك فإن العناصر كلها تعمل مجتمعة وتؤدي بمرور الوقت إلى إضعاف الصلة بين مواد التربة وبين الصخر الأصلي الذي استمدت منه، وكلما طال الزمن اكتسبت التربة صفات جديدة تبعدها عن صفات هذا الصخر، حتى إن النوع الواحد من الصخور قد يعطي أنواعًا مختلفة من التربة إذا ما تعرضت المواد المستمدة منه لظروف مناخية مختلفة، ولهذا فإن علماء التربة يميلون في الوقت الحاضر إلى تصنيف التربات في العالم على أساس النطاقات المناخية التي تكونت فيها، لا على أساس الصخور الأصلية التي استمدت منها، ولا يكاد يوجد أي عنصر مناخي إلا وله دور مهم في تكوين التربة.
فالإشعاع الشمسي له دور مهم في حياة الكائنات الحية التي تعيش في التربة أو تموت وتتحلل فيها، كما أنه يعتبر عاملًا رئيسيًّا في عمليات التبخر منها وفي التفاعلات الكيميائية التي تحدث فيها، كما أن درجة الحرارة تعتبر هي الأخرى عاملًا رئيسيًّا من العوامل التي لها دخل في تكوين التربة على اعتبار أنها عامل مهم من عوامل التجوية الميكانيكية وأن لها تأثيرًا قويًّا على نمو الكائنات الحية وعلى قدرة التربة على استخلاص الأزوت من الهواء وعلى تبخر الماء منها وعلى
стр. 572
ترسيب الأملاح عليها، أو على تجفيف سطحها وتفتيته مما يساعد الرياح على إزالة ما يغطيه من أتربة ورمال ناعمة.
وتعتبر درجة حرارة التربة من العناصر التي يمكن قياسها بواسطة ترمومترات خاصة، والمعتاد هو أن تكون درجة حرارة التربة السطحية مرتبطة بدرجة حرارة الهواء الملاصق لها، وأن هذا الارتباط يتناقص كلما تعمقنا فيها، ولهذا فكثيرًا ما يكون هناك فرق كبير بين درجة حرارة التربة السطحية ودرجة حرارة التربة السفلية. ففي الأقاليم الصحراوية الحارة مثلًا قد ترتفع درجة حرارة سطح الرمال أحيانًا في وسط النهار في فصل الصيف إلى ٧٠ْ مئوية أو أكثر ولكنها تتناقص تدريجيًّا كلما تعمقنا بعيدًا عن السطح حتى إن المياه الجوفية التي قد توجد على عمق بضعة أمتار تكون باردة، أما في فصل الشتاء فقد يحدث العكس فتكون درجة حرارة السطح أقل من درجة حرارة التربة السفلية التي تظل محتفظة بحرارتها، ومعنى هذا بعبارة أخرى أن درجة حرارة التربة السفلية لا يطرأ عليها تغير كبير من وقت إلى آخر بينما تتغير درجة حرارة التربة السطحية كلما تغيرت درجة حرارة الجو، ومن الظاهرات المعروفة أن التربة السفلية في كثير من المناطق الباردة والقطبية متجمدة باستمرار منذ العصور الجليدية أو قبلها وتعرف هذه الظاهرة باسم perma frost أي ظاهرة التجمد الدائم للتربة, ويمتد هذا التجمد لعمق كبير قد يصل إلى ٤٠٠ متر أو أكثر، ومع هذا فإن التربة السطحية في نفس هذه المناطق تنصهر خلال فصل الصيف وتنمو بها الحشائش القطبية بل ويمكن استخدامها للزراعة، إلا أن مثل هذه التربة تكون رديئة الصرف؛ لأن المياه التي تتجمع على سطحها لا تستطيع التسرب إلى طبقاتها السفلى المتجمدة، وتعتبر الأمطار كذلك من أهم العناصر المناخية التي لها دخل مباشر وغير مباشر في تكوين التربة، وهي كغيرها من العناصر لا تقوم بعملها منفردة بل إنها جميعًا تعمل متضافرة، فالأمطار الكثيرة التي تسقط طول السنة أو في معظم الأشهر على المناطق السهلية تؤدي إلى تبلل التربة باستمرار، بل وإلى تراكم المياه فوقها مما يؤدي إلى
стр. 573
ذوبان ما بها من أملاح قابلة للذوبان وإلى تصفية هذه الأملاح بالتسرب نحو التربة السفلية حيث تتجمع غالبًا في طبقة ملحية تتماسك بمرور الوقت حتى تتصلب وتتكون منها طبقة غير نفاذة تحول دون انصراف مياه التربة إلى أسفل مما يؤدي إلى رداءة صرفها وتدهورها.
ويطلق على عملية ذوبان أملاح التربة وتسربها إلى أسفل اسم عملية التصفية leaching وهي تساهم في تكوين أنواع متباينة من التربة على حسب كثرة الأمطار وتوزيعها الفصلي ودرجة حرارة الأقاليم التي توجد فيها، ففي الأقاليم الباردة المطيرة تؤدي هذه العملية مع قلة التبخر إلى تراكم البقايا النباتية بكثرة وتكدسها على السطح وعدم تحللها تحللًا كافيًا، فينتج عن ذلك نوع من التربة النباتية الحمضية يعرف باسم تربة البودزول، أما في الأقاليم الحارة المطيرة مثل الأقاليم الاستوائية فإن عملية التصفية لا تزيل أكاسيد الحديد الحمراء من التربة بسبب عدم قابليتها للذوبان فينتج عن هذا تكون نوع من التربة الحمراء يشتهر باسم تربة اللاتيريت Laterite أي التربة الطوبية لأنها تشبه الطوب الأحمر.
وعلى العكس من كثرة الأمطار فإن قلتها في الأقاليم الجافة تؤدي إلى جفاف التربة وإلى ارتفاع مياهها إلى السطح بتأثير الخاصة الشعرية حيث تتبخر تاركة ما بها من أملاح على السطح أو تحته مباشرة، وبتكرار هذه العملية تزداد ملوحة التربة السطحية وتتكون فوقها قشرة ملحية، وبهذه الطريقة تتكون المسطحات المالحة والسبخات المنتشرة في منخفضات كثير من الأقاليم الجافة.
وبالإضافة إلى تأثير المطر على نوعية التربة، فإن له تأثيرًا آخر بوصفه عاملًا من عوامل التعرية، حيث إن سقوطه بغزارة على جوانب المنحدرات، وخصوصًا المنحدرات الخالية من الغطاء النباتي، يؤدي غالبًا إلى جرف التربة وإزالتها باستمرار.
وتعتبر الرياح كذلك من العناصر المناخية التي لها دخل في تكوين التربة، وذلك باعتبار كونها عاملًا من عوامل التعرية، فهي تقوم بتذرية التربة الناعمة
стр. 574
في المناطق الجافة مما يؤدي إلى كشف القاعدة الصخرية التي ترتكز عليها أو الطبقة الحصوية التي تتخلف على السطح بعد أن تزيل الرياح الحبات الصغيرة التي كانت مختلطة بها، وبهذه الطريقة تكونت مناطق الحمادة الصخرية ومناطق الرق الحصوية التي تعتبر من أهم الأشكال السطحية في الأقاليم الصحراوية.
كما تقوم الرياح من ناحية أخرى ببناء التربة في المناطق التي ترسب فيها ما تنقله من رمال أو أتربة، فالمعروف مثلًا أنها هي المسئولة عن تكوين بعض أنواع التربة المشهورة في العالم وأهمها تربة اللويس التي توجد في مناطق واسعة وبسمك كبير في كثير من المناطق مثل شمال الصين ووسط أمريكا الشمالية.
ثالثًا- التضاريس:
تتدخل التضاريس في تكوين التربة بطرق مختلفة بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، فمن آثارها المباشرة أنها تساعد على انجراف التربة وتحول دون تراكمها على المنحدرات الشديدة والقائمة، بينما تساعد على ترسيبها وتراكمها في السهول والأحواض المنخفضة، وفيما بين هاتين النهايتين يتدرج تأثير التضاريس على تكوين التربة وعلى تطورها.
ويعتبر انجراف التربة بالذات من أخطر المعوقات الزراعية في الأقاليم الجبلية، ولذلك فقد اهتم الزراع بمقاومته والتغلب عليه منذ العهود الحضارية القديمة، ومن أشهر طرق مقاومته وأقدمها طريقة بناء المدرجات على المنحدرات وهي طريقة منتشرة في مناطق كثيرة من العالم مثل اليمن والجزائر وإندونيسيا وغيرها من بلاد جنوب شرقي آسيا، وهناك طريقة أخرى تستخدم غالبًا في أوروبا وأمريكا، وبمقتضاها تترك أشرطة من الأعشاب الطبيعية على الأطراف السفلية للحقول الواقعة على المنحدرات حتى تعوق انجراف التربة كما تفعل سدود المدرجات، وكلما كان الانحدار شديدًا كلما احتاج الأمر إلى زيادة عرض الأشرطة وزيادة كثافة نباتاتها, ومن المتبع كذلك أن تبنى سدود
стр. 575
منخفضة بعرض الوديان التي تنحدر فيها المياه لتتجمع أمامها التربة فتتكون بذلك أحواض رسوبية صغيرة يمكن زراعتها بعد توقف جريان المياه.
وبالإضافة إلى الطرق السابقة التي تستخدم بقصد استخدام المنحدرات للزراعة، فمن الممكن كذلك حماية تربة المنحدرات الجبلية بتشجيرها أو المحافظة على الغطاء النباتي الطبيعي الذي يكسوها.
رابعًا- المياه:
تعتبر المياه المختلطة بحبيبات التربة من أهم العوامل التي تتدخل في عمليات التحلل الطبيعية والكيميائية التي تحدث للكائنات العضوية التي توجد في التربة، وكلما كانت التربة جيدة الصرف ساعد ذلك على تطورها ونضوجها بشكل متعادل، أما إن كانت رديئة الصرف ظلت مبللة باستمرار فإن ذلك يؤدي إلى تكوين أنواع خاصة من التربة لا تصلح غالبًا للزراعة إلا بعد تجفيفها وإصلاحها، وكثيرًا ما يحدث هذا في الأراضي المنخفضة في المناطق المطيرة وفي المناطق التي ترتكز فيها التربة السطحية على طبقة صماء قريبة من السطح.
ويوجد الماء في التربة بأشكال وصور متعددة من أهمها:
١- الماء الممتص Absorbed water وهو الماء الذي تجتذبه جزيئات التربة فيتجمع حولها، ولكنها لا تحول دون انفصاله عنها عندما تحتاج إليه جذور النباتات ولهذا فإنه يسمى أحيانًا بالماء المتيسر.
٢- الماء الملتصق أو الهيجروسكوبي WATER HYGROSCOPIC وهو الماء الذي يلتصق التصاقًا شديدًا جدًّا بحبات التربة بشكل أغشية رقيقة جدًّا لا يمكن فصلها إلا بالتبخر عندما ترتفع درجة حرارة التربة إلى مائة درجة أو أكثر، ولهذا السبب فإن هذا الماء يسمى أحيانًا بالماء غير المتيسر حيث إن النباتات لا يمكنها أن تستفيد به.
٣- الماء الشعري Capillary "or film" water وهو الماء الذي يستطيع أن
стр. 576
يرتفع في مسام التربة بتأثير الخاصة الشعرية بسبب ضعف التصاقه بحبات التربة مما يسمح له بالارتفاع بين مسامها، ويمكن للنباتات أن تستفيد به.
٤- الماء الحر "الماء الفائض" FREE OR GRAVITATIONAL WATER وهو الماء الزائد عن قدرة الجذب الشعري، وهو يتحرك بقوة الجاذبية الأرضية وهو ماء غير مرغوب فيها لأن زيادته تؤدي إلى رداءة الصرف وسوء تهوية التربة واختناق جذور النباتات، كما أن التخلص منه عن طريق المصارف قد يؤدي إلى فقدان التربة لبعض الأملاح المفيدة للنباتات، ويظهر تأثير هذا الماء بوضوح في المناطق الرطبة حيث يقوم بعمليتي الغسل والترسيب، وهذا الماء هو الذي تتكون منه الطبقة المائية الجوفية حيثما يصادف طبقة صماء تحول دون تسربه إلى أسفل.
خامسًا- الكائنات الحية:
أن العلاقة بين التربة والكائنات الحية علاقة متبادلة بمعنى أن كلًّا منهما يعتمد على الآخر، حتى إن موضوع التربة يدرس غالبًا ضمن موضوع الجغرافيا الحيوية.
ويتوقف الدور الذي تؤديه الكائنات الحية في تكوين التربة على نوع هذه الكائنات، فالدور الذي تؤديه الكائنات المجهرية والحشرات مثل الديدان يختلف اختلافًا تامًّا عن الدور الذي تؤديه الدواب بمختلف أنواعها بما فيها الإنسان والحيوانات المفترسة أو الذي تؤديه الطيور والزواحف وغيرها.
ويعتبر الغطاء النباتي بالذات أهم العوامل الحيوية التي تتدخل في تكوين التربة؛ لأنه تؤثر فيها ويتدخل في تكوينها بطرق عديدة منها:
١- أنه يقلل من الإشعاع الشمسي الواصل إليها فيقلل من درجة حرارتها في أثناء النهار، ويحفظ حرارتها في أثناء الليل فيقلل من المدى الحراري اليومي لها.
стр. 577
٢- أنه يساعد على ضياع مياهها عن طريق النتح ولو أنه يقلل من ناحية أخرى من التبخر المباشر لمياهها.
٣- أن جذور النباتات تعمل على تفكيك التربة وزيادة نفاذيتها وتهويتها.
٤- أن النباتات تستخدم أشعة الشمس في عمليات التمثيل الكلوروفيلي، وتحول بعض عناصر الهواء بطريقة كيميائية إلى عناصر جديدة تنتقل من النبات إلى التربة ومنها بعض المركبات النباتية المهمة مثل الجلوكوز والنشويات والسليلوز وبعض السكريات، وتختلط هذه المركبات بالتربة نتيجة لتراكم بقايا النباتات عليها واختلاطها بها.
٥- أنها تساهم في نقل المواد المعدنية رأسيًّا في التربة؛ لأنها تمتص الأملاح والمواد المعدنية بواسطة الجذور من أعماق متباينة وتتركها على السطح مع البقايا النباتية.
٦- تساهم بعض الأشكال النباتية في تكوين أنواع معينة من التربة مثل تربة التشرنوزيم التي تتكون عادة في مناطق الإستبس وتربة البودزول الحمضية في مناطق الغابات الرطبة ذات الصرف الرديء.
٧- أن الغطاء النباتي يحمي التربة من الانجراف على جوانب المنحدرات.
٨- أن كثرة الكائنات الحية الدقيقة، مثل الطحالب في التربة تساعد على تحلل المادة العضوية وتحويلها إلى دبال وإلى عناصر غذائية مختلفة يستفيد بها النبات.
وتوجد من هذه الكائنات أنواع متباينة في صفاتها ومناطق تكاثرها وآثارها ومن أهمها:
أ- الطحالب الأرضية التي تعيش عند سطح التربة والتي تكثر بها مادة الكلوروفيل، وتساعد على تثبيت بعض الأزوت في التربة عندما تكون مبللة ومعرضة للشمس.
ب- الفطريات وهي تتميز عن الطحالب بخلوها من الكلوروفيل وبعدم مقدرتها على تثبيت أزوت الهواء.
стр. 578
ج- البكتريا وهي من أكثر الكائنات الدقيقة انتشارًا وهي تساعد على عدة عمليات كيميائية في التربة مثل تثبيت النيتروجين والتأزت وتأكسد الكبريت.
د- الأشينيات وهي أحياء نباتية دقيقة جدًّا بين الطحالب والفطريات وتتميز بمقدرتها على الحياة على سطح الصخور الجرداء بسبب قدرتها على الاستفادة من أي غشاء مائي دقيق وعلى امتصاص غذائها من بعض معادن الصخور غير المتحللة وعلى امتصاص بعض الأزوت من الهواء، وهي تمثل البداية الأولى للحياة النباتية على سطح الصخور العارية، كما تعتبر من العوامل الأولى لتكوين التربة عليها.
نسيج التربة وتركيبها Soil texture and soil structure:
المقصود بنسيج التربة هو حجم الحبات التي تتكون منها، أما تركيبها فيقصد به الطريقة التي تتكتل بها هذه الحبات والأشكال التي تأخذها الكتل المكونة منها.
ويتدرج نسيج التربة على حسب حجم من قطع الأحجار المهشمة إلى الحصى والحصباء ثم الرمال بمختلف أحجامها "خشنة - متوسطة - ناعمة - ناعمة جدًّا" ثم الغرين "silt" ثم الصلصال, وليست هناك حدود دقيقة لحجم الحبات التي يتكون منها نسيج التربة ومع ذلك فإن هناك حدودًّا تقريبية يمكن أن يحدد بها هذا النسيج على أساس قطر الحبات المكونة لها كما يأتي١.
صلصال Clay - قطر الحبة ٠.٠٠٢ من الملليمتر.
غرين silt - قطر الحبة من ٠.٠٠٢ إلى ٠.٠٥ من الملليمتر.
رمل sand – قطر الحبة من ٠.٠٥ إلى ملليمترين.
أحجار، وحصى وحصباء "grit" - قطر الحبة أكبر من ملليمترين.
ولكن يندر أن تكون التربة مكونة من نوع واحد من هذه المواد، والغالب
стр. 579
شكل "١٠٩" مثلث نسيج التربة
وهو أنها تكون مكونة من خليط من حبات مختلفة الأحجام، ويحدد نوع التربة على أساس نسبة المواد التي يتكون منها النسيج فإذا كان النسيج مكونًا من خليط من الرمل والغرين والصلصال فإن أنواع التربة يمكن أن ترتب على أساس تزايد نسبة الصلصال والغرين بها كما يأتي: رملية - رملية طفلية - غرينية طفلية - صلصالية طفلية - صلصالية١ "شكل ١٠٩".
وتعتبر الحبيبات الصلصالية أدق الحبيبات التي يمكن رؤيتها في نسيج التربة سواء بالعين المجردة أو بالمجهر، ولكن هناك فضلًا عن ذلك ذرات بالغة الدقة لا يمكن رؤيتها ولكنها تظهر بشكل مادة غروية "colloidal" تساعد على تماسك حبات التربة وحبيباتها، ويوصف نسيج التربة بأنه ناعم أو خشن على أساس حجم الحبات والحبيبات التي يتكون منها، وكلما كان النسيج ناعمًا أي
стр. 580
كانت حبيباته دقيقة ساعد ذلك جذور النباتات على أن تستمد غذاءها من سطح أوسع لأن مجموع سطح الحبيبات في التربة الناعمة يكون أكبر منه في التربة الخشنة، والمعروف أن النباتات تستمد غذاءها من هذه السطوح، وقد قدر مثلًا أن الرطل الواحد من المواد الغروية يمكن أن يغطي مساحة قدرها خمسة أفدنة لو أنه نشر على سطح مستوٍ.
والمألوف في التربة هو أن الحبات والحبيبات لا توجد متفرقة ولكنها تتكتل مع بعضها لتتكون منها مجمعات مختلفة الأشكال والأحجام، والنظام الذي تتكتل به الحبات هو ما يعبر عنه باسم تركيب التربة أو بنائها "soil structure" وتأخذ الحبات في تكتلها أشكالًا معروفة فمنها ما يتكتل في مجمعات تأخذ أشكال قطع الصخور المهشمة أو الشظايا ذات الزوايا المحددة، ومنها ما يأخذ أشكالًا كروية أو بيضية أو منشورية أو شكل الضفائر أو البلاط.
وقد يوصف تركيب التربة بأنه جيد أو رديء على حسب درجة ملاءمته لنمو النباتات، وترتبط جودة التركيب بعوامل مختلفة من أهمها وجود مواد تساعد حبات التربة على الالتصاق والتكتل، وأفضل المواد لهذا الغرض هي المواد التي تحتوي على غذاء عضوي أو معدني مثل الدبال "humus" والكالسيوم والبوتاسيوم والمنجنيز، كما أن نسيج التربة نفسه له دخل كبير في خلق التركيب المناسب، وتعتبر التربة الغرينية والصلصالية من أكثر أنواع التربة ملاءمة لإيجاد التركيب الجيد بسبب كثرة ما بها من مواد غروية.
ولئن كان التوازن الكيميائي في تكوين التربة مهم لرفع قيمتها الإنتاجية فإن نسيج التربة وتركيبها يعتبران كذلك من الصفات المهمة التي يجب مراعاتها عند بحث هذه القيمة، وهما يسيران جنبًا إلى جنب ولا يمكن أن يستغني بأحدهما عن الآخر، فلا يكفي مثلًا أن يكون نسيج التربة ناعمًا مثل الصلصال أو الغرين دون أن يكون تركيبها جيدًا؛ لأنها تكون في هذه الحالة صماء وغير ملائمة لتسرب الماء أو الهواء بين حباتها، كما يكون نفاذ جذور النباتات فيها
стр. 581
صعبًا، ولكن الذي يحدث غالبًا هو أن تأخذ هذه التربة تركيبًا ملائمًا حيث تتحد حبيبات الغرين والصلصال مع بعضها لتتكون منها حبات كبيرة نسبيًّا تبدو كل منها وكأنها حبة أصلية مستقلة، وهذا يسمح للهواء والماء بالتسرب فيها، وقد يحدث أن تعود هذه الحبات الكبيرة نسبيًّا فتتجمع مع بعضها لتتكون منها مجمعات أكبر حجمًا مما يؤدي إلى اتساع الفراغات التي تفصل بعضها عن بعض مما يسهل تهويتها.
القطاع الرأسي للتربة soil profile:
المقصود بالقطاع الرأسي للتربة هو القطاع الذي يبين الطبقات المكونة لها، وهي الطبقات التي يمكن ملاحظتها في كثير من الأحيان على جوانب الوديان والآبار والحفر العميقة, والمعتاد هو أن تكون التربة مكونة من عدد من الطبقات "HORIZONS" التي قد يكون من السهل تمييز بعضها عن بعض على أساس اللون أو التركيب أو النسيج، وهناك ثلاث طبقات رئيسية تكون غالبًا موجودة في معظم أنواع التربة، ويرمز لكل طبقة منها بحرف كبير "CAPITAL" من حروف الهجاء، وهذه الطبقات من أعلى إلى أسفل هي:
الطبقات C,B,A كما أن كل طبقة منها قد تكون مكونة من عدة طبقات أصغر.
وتتميز كل طبقة من الطبقات الرئيسية بصفات خاصة بها، فالطبقة "A" تحتوي عمومًا على أكبر نسبة من المواد العضوية والكائنات الميكروسكوبية المتحللة "الدبال". وهذه هي الطبقة التي تنمو فيها المحاصيل الزراعية، كما أنها هي التي تتعرض دائمًا لعمليات التصفية وتشمل عملية ذوبان الأملاح وتسربها مع المياه إلى الطبقة التي تحتها LEACHING، وعملية إزاحة المواد الناعمة منها بواسطة المياه إلى الطبقة التي تحتها ELUVIATION وتكون هاتان العمليتان نشطتين بصفة خاصة في المناطق الرطبة.
أما الطبقة الثانية "B" فتختلف عن الطبقة الأولى في النسيج والتركيب
стр. 582
واللون، وفي هذه الطبقة تتجمع معظم الأملاح والمواد الناعمة التي تحملها المياه إليها من الطبقة الأولى، وقد تكون هذه المواد في بعض الأحيان كثيرة بدرجة تؤدي إلى تماسكها وجعلها صماء غير مسامية، وهي عادة خالية من الدبال.
وتتكون التربة بمعناها الدقيق من الطبقتين السابقتين، وهما ترتكزان على الطبقة الثالثة "C" التي تتكون من المواد الصخرية الأصلية التي استمدت منها التربة، والتي قد تكون عبارة عن طبقة من المواد الصخرية المفككة أو المتماسكة، أو عبارة عن القاعدة الصخرية الصلبة نفسها، وهي غالبًا ما تكون خالية من أي مظهر من مظاهر التطور المعروفة في التربة.
ولكن لا يشترط أن تكون الطبقات الثلاث ممثلة كلها في قطاع التربة، ففي بعض الأحيان تكون الطبقة "A" مرتكزة فوق الطبقة "C" مباشرة، كما يحدث كثيرًا في الأقاليم الجافة وشبه الجافة.
سمك التربة أو عمقها Soil DEPTH:
تخضع التربة في أثناء تكوينها وتطورها لتأثير عاملين كبيرين يتعارض نشاط أحدهما مع نشاط الآخر وهما عامل البناء وعامل الهدم والإزالة، فبينما يؤدي العامل الأول باستمرار إلى تكوين التربة نتيجة للتغيرات التي تطرأ على المواد التي تحتها فإن العامل الثاني يؤدي باستمرار إلى نحتها وإزالتها وتصفية ما بها من أملاح ومواد ناعمة وخصوصًا في طبقتها السطحية.
ويتوقف نمو التربة وازدياد سمكها على الفرق بين نشاط هذين العاملين، ويكون عامل البناء غالبًا أنشط في مناطق السهول المستوية من عامل الهدم مما يترتب عليه ازدياد سمك التربة بحيث يصل أحيانًا إلى عدة أمتار، أما في المناطق المنحدرة أو المموجة فإن سرعة بناء التربة تكون في كثير من الأحيان مساوية لسرعة إزالتها، ويترتب على ذلك أن تظل رقيقة جدًّا، بل وربما تختفي تمامًا بحيث تبدو القاعدة الصخرية مكشوفة.
стр. 583
نضوج التربة MATURITY OF SOIL:
ويطلق تعبير التربة الناضجة على التربة التي اكتمل تكوينها وأصبحت تتمثل فيها الصفات العامة التي اكتسبتها خلال مراحل تكوينها وتطورها الطبيعي الذي يحدث عادة ببطء شديد، ولكي يتم هذا النضوج يجب أن تبقى المواد الرسوبية الأساسية المكونة لها في نفس مكانها زمنًا طويلًا، وألا تطرأ عليها خلال هذا الزمن تغيرات مهمة، نتيجة لجرفها أو لإضافة رواسب جديدة بكميات كبيرة إليها، أو نتيجة لحدوث تغيرات كبيرة في الأمطار ونظام تصريف المياه، وعلى أساس مراحل التكوين والتطور تقسم التربة أحيانًا إلى ثلاث درجات هي:
التربة الناشئة أو المتغيرة وهي التي ما زالت في بداية تكوينها، ثم التربة الحديثة أو غير الناضجة، ثم التربة الناضجة.
وتوجد التربة الناضجة عادة في المناطق ذات الصرف الجيد ومن مميزاتها أن قطاعها يكون مكتملًا أو ناضجًا ومنتظمًا نتيجة لتطورها البطيء في بيئة طبيعية ملائمة, وأصلح الأراضي لحدوث هذا التطور هي الأراضي التي لا يكون استواؤها شديدًا بدرجة تؤدي إلى تراكم المياه فوقها أو يكون انحدارها شديدًا بدرجة تؤدي إلى جرف التربة باستمرار. ففي مثل هذه الأراضي يمكن أن تتطور التربة تحت تأثير العوامل المناخية والنباتات الطبيعية، كما تنشط فيها التفاعلات البكتريولوجية اللازمة لتحلل المواد العضوية فيها، وينعكس أثر ذلك في الطبقات التي يتكون منها قطاعها.
ويطلق تعبير القطاع الناضج "MATURE PROFILE" على القطاع النهائي الذي تصل إليه التربة التي تطورت في موضعها تطورًا مطردًا حتى وصلت إلى النضوج, وهذا القطاع يظل ثابتًا بعد ذلك ولا يتغير بمرور الوقت.
ويلاحظ أن قطاع التربة لا يكون مكتملًا غالبًا في المناطق التي تتجمع فيها رواسب جديدة باستمرار مثل السهول الفيضية لوديان الأنهار؛ لأن التربة لا تكون في هذه الحالة خاضعة لعوامل التطور العادية التي تساعد على اكتمال
стр. 584
قطاعها، بل تكون متأثرة بصفة خاصة بالمواد الأصلية الجديدة التي كونتها وبدرجة انحدار سطح الأرض، ومثل هذه التربة يكون لها قطاعها الخاص الذي تفرضه ظروفها.
стр. 585
تصنيف التربة وأقسامها الكبرى .
ليس هناك تقسيم واحد تميز فيه أنواع التربة عن بعضها؛ لأن تباين صفاتها من حيث النسيج والتركيب واللون ودرجة النضوج ودرجة الخصوبة وتباين ظروف تكوينها وتوزيعها، بالإضافة إلى تباين الأغراض التي يوضع التقسيم من أجلها، كل ذلك قد فتح المجال لظهور تقسيمات عديدة مبنية على أسس مختلفة، ومن أشهر الأسس التي استخدمت لهذا الغرض ما يأتي:
١- المواد الصخرية التي تتكون منها.
٢- اللون السائد فيها.
٣- الأقاليم المناخية والنباتية التي نشأت فيها، ويشتهر التقسيم الذي يعتمد على هذا الأساس باسم التصنيف الإقليمي المناخي the zonal classification "أو التقسيم النطاقي".
تصنيف التربة على أساس موادها الصخرية:
كان تصنيف التربة على هذا الأساس هو السائد حتى بداية القرن الحالي، وكانت تدخل فيه أنواع الرواسب نفسها والعوامل الطبيعية التي أدت إلى تكوينها وتراكمها سواء في نفس مكانها أو بعد نقلها إلى أماكن أخرى، فكانت التربة تقسم إلى أنواع مثل التربة الفيضية والتربة البركانية والتربة الجليدية والتربة الجيرية أو الرملية أو الصلصالية. كما كانت كل هذه الأنواع تقسم على أساس علاقتها بالصخور التي تحتها إلى مجموعتين كبيرتين هما:
أ- مجموعة التربات المنقولة Transported التي تكونت من مواد رسوبية منقولة من أماكن أخرى غير الأماكن التي توجد فيها، ومنها معظم
стр. 586
أنواع التربة الفيضية والجليدية والهوائية, وهي غالبًا ما تكون مرتكزة على قاعدة صخرية مختلفة في تركيبها عنها.
ب- مجموعة التربات الموضعية "Residual" وهي التي نشأت من تجوية الصخور التي توجد تحتها مباشرة.
وعلى الرغم من أن هذا التصنيف لم يعد مقبولًا كأساس لتقسيم شامل للتربة في العالم، فإنه ما زال مفيدًا للدراسة في مناطق محدودة؛ لأن معرفة نوع الصخر الذي استمدت منه التربة "parent rock" والعوامل التي أدت إلى تجويته ونقل الرواسب الناتجة من هذه التجوية تساعد من غير شك على فهم الكثير من خواص التربة ومميزاتها من حيث النسيج والتركيب ونوع المواد المعدنية والأملاح التي توجد بها ودرجة خصوبتها وغير ذلك من الخواص، فالتربة التي تنشأ من تجوية الجرانيت مثلًا "وهو صخر ناري حمضي" تكون معظم موادها الصخرية، عبارة عن رمال كوارتزية وبعض الصلصال، كما تكون محتوية على نسبة عالية من كربونات البوتاسيوم والمغنسيوم، أما التربة التي تنشأ من تجوية البازلت، وهو كذلك صخر ناري ولكنه قاعدي فتكون معظم موادها الصخرية عبارة عن صلصال، ومعه نفس أنواع المعادن التي تنشأ من تجوية الجرانيت، ومثل هذا يمكن أن يقال عن المواد المتخلفة من تجوية الصخور الرسوبية والمتحولة بأنواعها المختلفة، فكل منها ينتج موادَّ لها صفات خاصة به وصفات مشتركة مع المواد الناتجة من تجوية غيره من الصخور.
تصنيف التربة حسب اللون السائد فيها:
إن لون التربة في حد ذاته ليست له قيمة كبيرة في تقدير أهميتها ولكنه يمكن أن يتخذ مع ذلك دليلًا مساعدًا على معرفة بعض صفاتها الرئيسية، وعند دراسة الأنواع الكبرى للتربة سنجد أنه من الممكن تقسيمها على أساس اللون إلى أقسام كثيرة أشهرها التربة السوداء "black soil" والتربة البنية الكستنائية
стр. 587
"Chestnut brown" "أو البنية الداكنة" والتربة البنية، والبنية الرمادية "gray brown" والحمراء، والصفراء، والرمادية.
والتربة السوداء والتربة الكستنائية "البنية الداكنة" هما في أغلب الأحوال أعظم أنواع التربة خصوبة، ويرجع اللون الأسود أو البني الداكن للتربة إلى وجود نسبة عالية من المواد العضوية المتحللة بها ووجود كميات متوفرة من العناصر الكيميائية ووجود تركيب ملائم، ولكن يجب أن نتنبه إلى أن اللون الأسود أو البني الداكن قد لا يكون سببه هو وفرة المواد العضوية المتحللة بل ربما يكون راجعًا إلى وجود مادة معدنية خاصة أو إلى رداءة الصرف في الأقاليم الرطبة.
أما التربة الحمراء أو البنية المائلة للاحمرار فتكون غالبًا أقل خصوبة من التربة السوداء أو التربة الكستنائية، ويرجع لونها إلى وجود بعض أكاسيد الحديد غير المائية، وتتكون هذه الأكاسيد بصفة خاصة في المناطق ذات الصرف الجيد في الأقاليم المدارية وشبه المدارية التي ينتشر فيها هذا النوع من التربة انتشارًا واسعًا.
أما التربة الصفراء فالمعتقد هو أن لونها يرجع إلى وجود أكاسيد حديد مائية "hydrated iron oxides" بها. وتتكون هذه الأكاسيد نتيجة لاتحاد الأكاسيد بالماء، ولذلك فإن هذه التربة تظهر غالبًا في المناطق ذات الصرف الرديء أو التي كانت ذات صرف رديء في وقت من الأوقات, وهي لا تعتبر بصفة عامة من أنواع التربة الخصبة.
والتربات ذات الألوان الفاتحة سواء منها التربة الصفراء أو الرمادية أو البيضاء لا تعد من التربات الملائمة للإنتاج الزراعي الناجح إلا بالنسبة لبعض المحاصيل الخاصة، ويرجع اللون الرمادي في الغالب إلى فقر التربة في
стр. 588
الأكسوجين وفي المواد العضوية والحديدية، ومن أمثلتها التربة الموجودة في مناطق الغابات في شمال كندا وسيبريا، حيث أدت كثيرة الأمطار مع برودة الجو إلى تصفيتها تمامًا تقريبًا من المواد الحديدية والعضوية، وتنتشر التربة الفاتحة كذلك في المناطق الصحراوية بسبب فقرها في المواد العضوية، كما أن تجمع المواد الجبرية وبعض الأملاح القلوية قد يؤدي أحيانًا إلى ازدياد اللون الفاتح في التربة لدرجة أنها تبدو بيضاء في بعض الأماكن، والتربة البيضاء هي أقل أنواع التربة خصوبة.
التصنيف الإقليمي المناخي "النطاقي" The Zonal Classification:
يعتبر تصنيف التربة على أساس الأقاليم المناخية وما تتميز به من حياة نباتية طبيعية خاصة من أحدث التصنيفات العامة، وهو كذلك من أكثر التصنيفات استخدامًا في الوقت الحاضر، وقد كان الباحث الروسي جلينكا١ "Glinka" من أول الباحثين الذين وجهوا النظر إلى وجود علاقة قوية بين توزيع الأنواع الرئيسية للتربة وبين الأقاليم المناخية، فقد لاحظ في أوروبا مثلًا أن تربة البودزول "Podzol" تمتد في شمال القارة في نطاق يتفق مع نطاق المناخ البارد الرطب نسبيًّا، الذي تسود فيه الغابات الصنوبرية، وأنه إلى الجنوب من ذلك يمتد نطاق آخر تسود فيه التربة البنية، وهو مناخ دافئ في فصل الصيف وتتكون نباتاته الطبيعية من غابات نفضية، ثم إلى الجنوب من ذلك توجد التربة السوداء المعروفة باسم تشرنوزيم "Chernozem" في مناطق الحشائش "الإستبس" التي يسودها مناخ شبه جاف شديد الحرارة في فصل الصيف.
وفي نفس الوقت الذي لاحظ جلينكا، وجود علاقة قوية بين توزيع التربة في أوروبا وبين الأقاليم المناخية بها لاحظ بعض الباحثين في أمريكا أن نفس العلاقة تقريبًا موجودة بين أنواع التربة الرئيسية في هذه القارة وبين
стр. 589
النطاقات المناخية بها. وبعد ذلك تبين أن علاقات مشابهة موجودة كذلك في جهات أخرى من العالم، ولذلك فقد أصبح من المتفق عليه تقريبًا أن تصنيف التربة على أساس المناخ أفضل من تصنيفها على أساس نوع الصخر الأصلي أو اللون.
والواقع أن تأثير المناخ على عمليات تكوين التربة وتطورها "Pedological processes" يظهر في نواح كثيرة، فالمناخ هو الذي يتحكم في تجوية الصخور وفي عمليات الإذابة والتصفية وفي عمليات تحلل المواد العضوية وفي كثير من العمليات الجيومورفولوجية التي تؤدي إلى جرف التربة أو نقلها وترسيبها وهكذا.
وفيما يلي وصف لأهم صفات التربة السائدة في بعض الأنواع المناخية الرئيسية وهي:
١- الأقاليم الرطبة.
٢- الأقاليم الجافة وشبه الجافة.
٣- الأقاليم القطبية.
أولًا- تربات الأقاليم الرطبة:
تشترك تربات هذه الأقاليم في أنها خالية تقريبًا من المواد الجيرية، ولكنها غنية من ناحية أخرى ببعض المواد المعدنية، خصوصًا أكاسيد الحديد والألومينيوم، ولذلك فإن هذه التربات تشتهر في مجموعها باسم البيدالفرز Pedalfers. وتعتبر مناطق الغابات من أهم المناطق التي تتكون فيها هذه التربات، وهي في غالب الأحيان ذات حموضة مرتفعة وعلى درجة منخفضة نسبيًّا من الخصوبة، خصوصًا وأن كثرة الأمطار لا تؤدي إلى تصفيتها من الجير فحسب بل إلى تصفيتها كذلك من أملاح البوطاس والفوسفات ومركبات النترات، وكلها مواد لازمة للإنتاج الزراعي، ولكن على الرغم من أن هذه التربات تشترك في مثل هذه الصفات العامة فإن هناك اختلافًا بين بعضها وبعض على حسب العوامل المحلية التي تتدخل في تكوينها خصوصًا ما يتعلق منها بدرجة الحرارة، فالتربة التي تتكون في الأقاليم الرطبة الحارة أو الدافئة تكون مختلفة من نواح جوهرية عن التربة التي تتكون في المناطق الرطبة الباردة.
стр. 590
ففي الأقاليم الحارة:
تساعد كثرة الأمطار وارتفاع درجة الحرارة على سرعة التفاعلات الكيميائية وعلى سرعة تحلل المواد العضوية، ولكن كثرة المياه المتسربة في التربة تساعد من ناحية أخرى على تصفيتها "Leaching" من المواد العضوية المتحللة ومن الأملاح المعدنية القابلة للذوبان، ويترتب على ذلك ظهور نوع فقير من التربة هو تربة اللاتيريت "Laterite" وهي تربة غنية جدًّا بأكاسيد الحديد والألومينيوم، وفقيرة في الجير والأملاح القابلة للذوبان مثل أملاح الفسفات والبوطاس والنترات، كما أنها فقيرة كذلك في المواد الدبالية "Humus" أي العضوية المتحللة تحللًا تامًّا، واللون المشهور لهذه التربة هو اللون الأحمر أو البني بسبب كثرة أكاسيد الحديد التي قد تكون في بعض الأحيان كثيرة بدرجة يمكن معها استغلال هذه التربة كخام من خامات الحديد، وتعتبر تربة اللاتيرت من التربات غير الخصبة بسبب فقرها في المواد اللازمة لغذاء النبات إلا أن ضعف الخصوبة تعوضه إلى حد ما ملاءمة الظروف المناخية التي تساعد على النمو، ولذلك فإنها تنتج رغم فقرها إنتاجًا طيبًا من بعض المحاصيل الزراعية مثل الموز والكاكاو ونخيل الزيت والتوابل، ولقد كانت نفس هذه الظروف هي السبب في نمو الغابات الكثيفة التي تتميز بها مناطق هذه التربة.
وقد أزيلت هذه الغابات من بعض المناطق وحل محلها الإنتاج الزراعي، ويقوم الزراع الوطنيون في المناطق المدارية الرطبة بتطهير بقع معينة من أراضي الغابات لاستغلالها في زراعة محاصيلهم الغذائية، ولكن سرعان ما تفقد هذه البقع الأملاح المعدنية اللازمة لغذاء النبات بسبب كثرة الأمطار وارتفاع درجة الحرارة وهما عاملان يساعدان على سرعة التجوية الكيميائية، ولهذا السبب فإن هؤلاء الزراع يتبعون عادة أسلوب الزراعة المتنقلة.
وتربة اللاتيريت بمعناها الدقيق، وهي التي تكون قد وصلت إلى آخر مراحل تطورها، قليلة الوجود، والغالب هو وجود أنواع متباينة فيما بينها في درجة تحولها إلى اللاتيريت الحقيقي، ويمكن أن نطلق عليها عمومًا اسم التربات
стр. 591
شبه اللاتيريتية Laterititc Solis وفضلًا عن ذلك فقد تختلف التربات شبه اللاتيريتية فيما بينها على حسب الاختلاف في نوع الصخور الأصلية التي استمدت منها والاختلاف في الظروف المحلية خصوصًا ما يتعلق منها بمظاهر السطح والمناخ, وبالإضافة إلى الأقاليم المدارية المطيرة فإن بعض أنواع التربات شبه اللاتيريتية تنتشر في بعض الأقاليم شبه المدارية حيث تكون الأمطار أقل انتظامًا ودرجة الحرارة أقل نوعًا ما، ولو في فصل من الفصول، عنها في مناطق الغابات المدارية المطيرة، ففي هذه الأقاليم تظهر أنواع التربة الحمراء أو الصفراء التي تتميز بنفس الصفات العامة التي تتميز بها التربات اللاتيريتية وشبه اللاتيريتية في مناطق الغابات المدارية المطيرة، فهي مثلها فقيرة في الجير والدبال وأملاح الفسفات والبوطاس والنترات، ولكنها لا تكون على أي حال مصفاة بدرجة تلك التربات بسبب الفرق في كمية المطر وتوزيعه.
أما في الأقاليم الرطبة المعتدلة الباردة، أو الباردة فإن عمليات تكوين التربة تختلف عنها في الأقاليم الحارة من نواح أساسية، ففي هذه الأقاليم تتعفن المواد العضوية وتتحلل ببطء بسبب انخفاض درجة الحرارة الذي يؤدي إلى ضعف نشاط البكتريا، ويترتب على تراكمها على السطح كما يحدث مثلًا في مناطق الغابات القريبة من الدائرة القطبية حيث تتراكم على أرض الغابة كميات كبيرة من كيزان الصنوبر وبذوره وغير ذلك من البقايا النباتية التي تتكون منها طبقة يزداد سمكها بالتدريج، وتتسرب المياه الحمضية خلال التربة العليا حاملة معها مركبات الحديد والألومينيوم وبعض المواد العضوية التي تتجمع كلها في التربة السفلى، وينتج عن كل هذه العمليات تربة حمضية فقيرة تشتهر باسم تربة "البودزول podzol" ويطلق على عمليات تكوينها تعبير "عمليات التحول البودزولي Podzolization" وهي تربة فقيرة جدًّا في الجير الذي تعمل المياه الحمضية على إذابته وتصفيته باستمرار، كما تكون طبقتها العليا مصفاة كذلك من مركبات الحديد والألومينيوم، وأحسن مثال للبودزول هو التربة الرمادية التي تغطي نطاقات واسعة في إقليم الغابات الصنوبرية في شمال أوروبا
стр. 592
وآسيا وأمريكا الشمالية، والواقع أن كلمة بودزول هي التسمية الروسية لهذه التربة الرمادية، وبالإضافة إلى تربة البودزول المثالية توجد تربات تنتمي إلى نفس النوع ولكنها لم تصل في تطورها إلى درجة النوع المثالي، ويطلق عليها عمومًا اسم التربات شبه البودزولية، ومن أمثلتها التربات الرمادية البنية "Gray brown Solis" التي تغطي في الولايات المتحدة نطاقًا واسعًا يمتد إلى الشمال من الأراضي الحمراء والصفراء الموجودة في نطاق القطن في الجنوب حتى نطاق من البودزول في القسم الأعلى من إقليم البحيرات في الشمال، والتربة الرمادية البنية التي تغطي كذلك مناطق واسعة في شمال غرب أوروبا.
ثالثًا- تربات الأقاليم الجافة وشبه الجافة:
تمتد هذه الأقاليم في نطاقات عظيمة الاتساع في العروض المدارية والمعتدلة، وهي تشمل كل مناطق الحشائش والصحاري, وأهم مميزاتها المناخية هي قلة الأمطار، ولذلك فإن عمليات التصفية "Leaching" فيها تكون ضعيفة جدًّا أو معدومة، مما يجعلها دائمًا غنية بالأملاح، كما أنها تكون كذلك غنية بالجير الذي تساعد الظروف المناخية على تجميعه خصوصًا في القطاعات السفلى من التربة، وهذا هو السبب في أنها كثيرًا ما توضع ضمن مجموعة التربات المعروفة باسم بيدوكالز "Pedocals" أي التربات الجيرية تمييزًا لها عن تربات البيدالفر في الأقاليم الرطبة كما سبق أن ذكرنا.
ويميل لون هذه التربات غالبًا إلى السواد بسبب كثرة ما بها من مواد عضوية متحللة أو دبال، ومن أمثلتها التربة السوداء التي تغطي نطاقًا عظيم الاتساع في أواسط أمريكا الشمالية، ونطاقًا عظيمًا كذلك في جنوب روسيا، وهي تربة عميقة وعظيمة الخصوبة ولذلك فقد أصبحت مناطقها هي أعظم مناطق الإنتاج الزراعي في العالم، وخصوصًا في إنتاج القمح، وهي تشتهر في أمريكا باسم الأرض السوداء، وفي روسيا باسم تشرنوزم "Chernozem" وحيثما تقل الأمطار نسبيًّا فإن لون هذه التربة يتحول إلى اللون البني الداكن أو البني، كما هي الحال في مناطق الرعي الواقعة إلى الغرب مباشرة من نطاق القمح
стр. 593
ونطاق الذرة في السهول العظمى بأمريكا الشمالية، والتربة في هذه المناطق من النوع المعروف باسم التربة الكستنائية البنية "Chestunt Brown Soli" وهي أفقر نوعًا ما من التربة السوداء في المادة العضوية، ولكنها ذات تركيب جيد وتتوفر فيها المواد المعدنية اللازمة لغذاء النبات، كما توجد بها نسبة من الجير، ومع ذلك فإنها تستغل أساسًا للرعي بينما تحتل الزراعة المركز الثاني بسبب عدم كفاية الأمطار لضمان نجاحها في بعض السنين، والقمح هو أصلح محاصيل الحبوب للزراعة في هذه التربة، ولكن إنتاجه كثيرًا ما يتعرض للفشل بسبب الجفاف، ويوجد في روسيا نطاق كبير من هذه التربة إلى الشرق من نطاق التربة السوداء "تشرنوزم" وهو لا يختلف في ظروف استغلاله للزراعة والرعي عن ظروف النطاق المتشابه له في أمريكا الشمالية، وحيثما تتوفر مياه الري في مناطق هذه التربة فإنها تغطي محاصيلَ غنية جدًّا.
أما في الصحاري فإن قلة المياه والنباتات الطبيعية تجعل فرصة التجوية الكيميائية ضعيفة جدًّا، ولكن التفكك والتفتت الميكانيكي يكون من ناحية أخرى كافيًا لتكوين طبقة سطحية دقيقة الحبيبات من المواد الصخرية، ويحدث هذا التفكك بصفة خاصة نتيجة للتطرف في درجة الحرارة، ونتيجة لفعل الصقيع، ومن الطبيعي أن تكون نسبة المواد العضوية المتحللة بل وغير المتحللة في التربة منخفضة جدًّا أو معدومة إلا حيثما يسقط قليل من الأمطار التي تساعد على نمو بعض العشب، وفقر التربة في المواد العضوية المتحللة مع قلة المياه يجعلها مفككة ولا تجد ما يحميها من فعل الرياح التي تذروها باستمرار.
وتربة الصحاري غالبًا غنية بالجير وبالأملاح القابلة للذوبان، وحيثما تتوفر مياه الري يكون من الممكن تحويلها إلى حقوق زراعية خصوصًا لزراعة الخضراوات والمقائي، واللون السائد فيها هو اللون الرمادي gray الفاتح وكلما ازدادت نسبة الجير بها ساعد ذلك على ظهورها بلون مائل للبياض، ولاستغلال مثل هذه التربة يلزم الاعتماد على الأسمدة العضوية المخصبة لتعويض فقرها في المواد العضوية.
стр. 594
ثالثًا- تربات الأقاليم القطبية:
في هذه الأقاليم لا تساعد شدة البرودة عمومًا على نشاط عمليات تكوين التربة وتطورها، وخصوصًا في المناطق الجافة الجرداء من الأقاليم القطبية، ففي هذه المناطق لا تساعد الظروف على نمو النباتات أو تحللها، أو على حدوث تجوية كيميائية تستحق الذكر. ومع ذلك فإن التجوية الميكانيكية الناشئة عن فعل الصقيع تكون نشطة جدًّا مما يؤدي إلى سرعة تكسر الصخور وتفتيتها، ومما يساعد على زيادة نشاط هذه التجوية أن سطح التربة لا يكون محميًّا بأي غطاء نباتي، كما أنه لا يكون كذلك مغطى بأي غطاء جليدي؛ لأن قلة رطوبة الهواء لا تساعد على حدوث التكثف اللازم لتكوين هذا الغطاء.
وتتميز التربة في هذه المناطق، بل وفي المناطق القطبية عمومًا، بأن طبقاتها السفلية تكون متجمدة باستمرار حتى عمق قد يصل إلى بضع مئات من الأمتار، وتعرف هذه الظاهرة باسم "بيرمافروست Permafrost" وهي تساعد على تركيز التجوية الميكانيكية الصقيعية في الطبقة السطحية فقط، وقد أدى ذلك بمرور الزمن إلى تكوين طبقة من الصخور المهشمة والحصى والرمال الخشنة فوق السطح، وعلى الرغم من أن تجوية الصخور تؤدي كذلك إلى تكون بعض الرواسب الناعمة مثل الرمال الدقيقة والأتربة، فإن قوة الرياح في هذه المناطق تؤدي إلى إزالتها بمجرد تكونها، وهذا يحول بالطبع دون تكون أية تربة ناعمة، إلا في بعض المواضع القليلة المحمية.
ولكن هذه الحالة تتغير نوعًا ما في مناطق التندرا. ففي هذه المناطق ترتفع درجة الحرارة في فصل الصيف فوق درجة التجمد وتسقط بعض الأمطار، وتنمو نتيجة لذلك حياة نباتية عشبية قد تكون كثيفة نوعًا ما، ولهذه الظروف فإن مناطق التندرا تكون في جملتها أكثر ملاءمة لحدوث عمليات تكون التربة وتطورها من المناطق الجرداء, فوجود النباتات يعمل على حماية التربة في أغلب المناطق، كما أن ارتفاع درجة الحرارة في فصل الصيف يساعد على نشاط بعض
стр. 595
عمليات التجوية الكيميائية وعلى تحلل البقايات النباتية والحيوانية، ولو بدرجة جزئية.
وهنا أيضًا نجد أن ظاهرة "البيرمافروست" تظهر بوضوح، ونظرًا لكثرة المطر نسبيًّا فإن هذه الظاهرة تؤدي إلى تجمع المياه في التربة السطحية مما يؤدي إلى تكوين كثير من المستنقعات وإلى بقاء التربة مبللة لفترات طويلة ويكون الصرف رديئًا بصفة عامة، ولهذا السبب فإن التربة تكون غالبًا مائلة للحموضة.
стр. 596
١٤- ٢- النباتات الطبيعية وتوزيعها العام:
تمهيد:
رغم أن الإنسان قد عمد في معظم بقاع العالم إلى إزالة النباتات الطبيعية بمختلف أنواعها سواء لإحلال الزراعة محلها أو لأي غرض آخر، فإن الحياة النباتية الطبيعية التي ما زالت موجودة فوق سطح الأرض تعتبر رغم قلتها بالنسبة لما كانت عليه من قبل من أهم إن لم تكن هي أهم مورد من موارد الثروة الطبيعية في العالم، وخصوصًا إذا أضفنا إليها الحياة الحيوانية التي تعيش فيها أو عليها سواء في ذلك تلك الحيوانات التي استأنسها الإنسان على مر العصور واستخدمها لأغراضه الخاصة، أو تلك التي ما زالت تعيش بريًّا في مناطق كثيرة، وأهمها مناطق الغابات والحشائش في العروض المختلفة.
ويمكننا أن ندرك عظم الأهمية الاقتصادية للنباتات الطبيعية إذا تصورنا مثلًا مقدار ما يستهلكه العالم يوميًّا من الأخشاب في أغراض البناء أو صناعة الأثاث، أو في مد السكك الحديدية وصناعة السفن، أو في غير ذلك من الأغراض. إن جميع هذه الأخشاب مصدرها الغابات الطبيعية التي تنمو في مناطق معروفة من العالم، وقد بدأت كثير من الدول المتحضرة خصوصًا في أوروبا وأمريكا، تدرك الخطر الذي يهدد بزوال غاباتها الطبيعية، نتيجة لعظم الطلب عليها من جهة ولطغيان الزراعة عليها من جهة أخرى، فسنت لذلك بعض القوانين التي تنظم بمقتضاها استغلال ما تبقى من هذه الغابات، كما بذلت مجهودات كبيرة لزراعة غابات جديدة، لتعويض النقص الناتج عن كثرة الاستهلاك, ويمكننا كذلك أن نتبين الأهمية الكبرى للحياة النباتية الطبيعية إذا عرفنا أن ما يستهلكه العالم من لحوم وجلود وأصواف يأتي معظمه من المناطق ذات المراعي الطبيعية، التي تربى عليها قطعان كبيرة من الماشية والأغنام، كما هي الحال في مراعي أوروبا والأمريكتين وأستراليا
стр. 597
المجموعات الرئيسية للنباتات الطبيعية:
بينا فيما سبق أن المناخ هو العامل الرئيسي الذي يتحكم في توزيع الحياة النباتية فوق سطح الأرض، خصوصًا وأن التربة نفسها، وهي من العوامل التي تتدخل كذلك في حياة النباتات، وتستمد معظم خواصها من الظروف المناخية السائدة، وتعتبر الأمطار أهم عنصر مناخي تتوقف عليه كثافة الحياة النباتية ومظهرها العام، فعلى فرض عدم الاختلاف في درجة الحرارة نجد أن النباتات في الأقاليم الممطرة، تكون أعظم كثافة منها في الأقاليم قليلة المطر أو الجافة، وعلى هذا الأساس تقسم الحياة النباتية عمومًا إلى ثلاث مجموعات كبرى، وهي الغابات والحشائش والصحاري "انظر شكل ١١٠" ولكن يلاحظ أن النباتات التي تتألف منها كل مجموعة من هذه المجموعات تتباين في فصائلها وأنواعها، وكذلك في درجة كثافتها من منطقة إلى أخرى تبعًا لعوامل أخرى، أهمها درجة الحرارة وطول فصل النمو والتوزيع الفصلي للأمطار وعلى هذا الأساس قسمت كل مجموعة من المجموعات السابقة إلى عدة أنواع ينمو كل منها في أقاليم تتميز بظروف مناخية خاصة، كما سنوضح فيما بعد.
شكل "١١٠" توزيع المجموعات الرئيسية للنباتات الطبيعية
стр. 598
الغابات
مدخل
...
١٤- ٢- ١- الغابات:
تتكون الغابات أو مناطق الأشجار "Woodlands" بصفة عامة من نباتات خشبية أهمها الأشجار المرتفعة التي تفصل بينها في كثير من الأحيان شجيرات وأحراج أقصر منها، وعلى أساس حجم الأشجار وتقاربها ودرجة اختلاطها بغيرها من النباتات الصغيرة، تقسم مناطق الأشجار عادة إلى ثلاثة أنواع هي:
١- الغابات بمعناها الدقيق "Forest" وهي التي تكون أشجارها غالبًا مستقيمة الجذوع ومرتفعة ومتقاربة جدًّا بحيث تتشابك أجراؤها العليا.
٢- أدغال "Bushwoods" وفيها تكون الأشجار متباعدة نوعًا ما، وتفصل بينها شجيرات وأحراج كثيفة تحول دون تشابك قممها.
٣- الأحراج "Shrubwoods" أو "Scrubs" وفيها تسود الأحراج والشجيرات التي تتغطى الأرض بينها بالحشائش، أما الأشجار الكبيرة فلا تظهر إلا على مسافات متباعدة١ ويطلق اسم المناطق الشجرية "Woodlands" على الغابات التي تكون أشجارها غالبًا مستقيمة الجذوع، متباعدة نوعًا ما.
مناخ الغابات:
أهم شرط يجب توفره لنمو الغابات هو وفرة المياه؛ لأن الأشجار تحتاج عادة إلى مقادير من المياه أكثر مما يحتاج إليه أي نوع آخر من النباتات، والسبب في ذلك هو أن شكل الشجرة وكثرة أغصانها وأوراقها يجعلها تفقد مقادير كبيرة من المياه بواسطة النتح "بالنسبة للمساحة التي يغطيها جذعها" وليس من شك في أن ارتفاع الأشجار نفسه يساعد كذلك على نشاط عملية النتح لأنه يجعل أجزاءها العليا أكثر تعرضًا لحركة الرياح من النباتات القصيرة.
ولكن يلاحظ من ناحية أخرى أن الجذور الطويلة التي تتميز بها الأشجار عمومًا تجعلها أقدر على استغلال المياه الباطنية ومياه التربة العميقة من النباتات الصغيرة مثل الحشائش، ولهذا تستطيع مقاومة الجفاف في فصل انقطاع
стр. 599
الأمطار، بشرط أن تظل التربة نفسها محتفظة بمقادير كافية من الرطوبة التي تتجمع فيها خلال الفصل المطير بخلاف الحال بالنسبة للحشائش التي تموت غالبًا خلال الفصل الجاف، ثم تعود للظهور بمجرد سقوط الأمطار.
وتستطيع الأشجار أن تنمو في درجات حرارة مختلفة، ولكن أنواعها وفصائلها تختلف في المناطق الحارة عنها في المناطق المعتدلة أو الباردة، وهناك مع ذلك حد أدنى لدرجة الحرارة التي تستطيع الغابات أن تنمو فيها، فهي لا يمكن أن تنمو في الأقاليم الباردة إلا إذا كان هناك فصل دافئ يزيد معدل درجة الحرارة في أثنائه عن ٦ ْ "صفر النمو" ويرتفع في شهر واحد على الأقل من شهوره إلى ١٠ ْم أو أكثر، ولهذا فإن الحد الشمالي للغابات في أوراسيا وأمريكا الشمالية يتفق بصفة عامة مع خط حرارة ١٠ ْم لأدفإ الشهور.
ولما كان فصل الصيف في العروض المعتدلة والباردة هو الفصل الذي ينشط فيه نمو النباتات وتشتد في أثنائه حاجتها إلى الماء، فإن المناطق التي تغزر فيها الأمطار صيفًا تكون غالبًا أصلح لنمو الغابات من المناطق التي تسقط أمطارها في فصل الشتاء إذا كانت درجة الحرارة في أثنائه أقل مما يلزم لنمو الأشجار، ويمكننا بناء على هذا أن نلخص الشروط الواجب توفرها لنمو الأشجار بصفة عامة فيما يلي:
١- أمطار غزيرة تسقط طول السنة أو على الأقل خلال فصل النمو.
٢- أن تكون التربة السطحية والسفلية محتوية باستمرار على مقادير كافية من الرطوبة.
٣- أن يكون هناك فصل دافئ يزيد معدل درجة حرارته على ٦ ْم وترتفع في شهر واحد على الأقل من شهوره إلى ١٠ ْم أو أكثر.
أنواع الأشجار:
يمكننا أن نميز الأشجار التي تتكون منها الغابات المختلفة في العالم على أسس مختلفة أهمها:
أ- موسم سقوط الأوراق:
وعلى هذا الأساس يوجد نوعان من
стр. 600
الأشجار، هما:
١- الأشجار النفضية وهي التي تسقط كل أوراقها في فصل معين من السنة، هو عادة فصل البرودة الشديدة أو فصل الجفاف الشديد.
٢- الأشجار دائمة الخضرة، وهي تسقط أوراقها في أي وقت من الأوقات ولكنها لا تسقطها كلها في وقت واحد، بل إنها تجددها باستمرار بحيث تبدو دائمًا خضراء.
ب- شكل الأوراق:
فمن الأشجار ما تكون أوراقه إبرية، كما هي الحال في الأشجار الصنوبرية، ومنها ما تكون أوراقه عريضة، كما هي الحال في معظم الأشجار النفضية وبعض الأشجار دائمة الخضرة.
ج- نوع الأخشاب:
وعلى هذا الأساس تقسم الأشجار عمومًا إلى قسمين: هما
١- أِشجار خشبها لين "Softwood" وينطبق هذا بصفة عامة على أشجار الغابات الصنوبرية ذات الأوراق الإبرية.
٢- أشجار خشبها صلب "Hardwood" وينطبق هذا بصفة عامة على أخشاب الغابات النفضية ومعظم الأشجار التي تنمو في المناطق الحارة.