← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 2021

الجغرافيا المناخية والنباتية

عبد العزيز طريح شرف

Полный текст (664 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أولًا- المناطق الممطرة شتاء: توجد هذه المناطق بصفة خاصة على امتداد السواحل الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط، ولكنها تشمل كذلك معظم المشرق العربي بما في ذلك كل أراضي الخليج العربي وشمال شبه الجزيرة العربية. ووسطها، ولكن ما يستلفت النظر أنه بينما تسقط معظم أمطار مرتفعات اليمن ومرتفعات عسير في جنوب غرب المملكة السعودية في نصف السنة الصيفي فإن معظم الأمطار التي تسقط في كل المناطق السهلية المحيطة بها تسقط في الشتاء. وينطبق هذا على سواحل اليمن الجنوبي وسواحل عمان والسواحل الإفريقية المطلة على جنوب البحر الأحمر وخليج عدن وتشمل سواحل شمال شرقي السودان وسواحل اريتريا وجيبوتي وأجزاء من ساحل الصومال والسبب الرئيسي للأمطار الشتوية في هذه المناطق هو المنخفضات الجوية التي تتقدم عمومًا من الغرب

стр. 527

إلى الشرق والتي يصل تأثيرها أحيانًا إلى الأطراف الجنوبية للبحر الأحمر، وذلك عندما ينحرف أحدها نحو الجنوب على امتداد البحر الأحمر حتى يصل إلى أواسط هذا البحر قبل أن يعود للاتجاه شرقًا. وبالنظر إلى خرائط توزيع المطر في المناطق المحيطة بالبحر المتوسط ومقارنتها بخرائط الرياح والتضاريس، نلاحظ الحقائق العامة الآتية: ١- أنه حيثما تتشابه العوامل المحلية التي تتحكم في سقوط المطر وتوزيعه، وخصوصًا ما يتعلق منها بالتضاريس واتجاه السواحل فإن الأمطار تتناقص عمومًا على طول سواحل هذا البحر. وعبر المشرق العربي من الغرب إلى الشرق فبينما يبلغ معدلها السنوي في مدينة الجزائر مثلًا ٧٥ سم فإنه يبلغ ٤٣ سم في طرابلس الغرب و١٩ سم في الإسكندرية و٦سم في بورسعيد و٥سم في بغداد و٥ سم في الكويت، إلا أن عامل التضاريس واتجاه المنحدرات والسواحل بالنسبة للرياح الممطرة قد يؤدي إلى زيادة الأمطار في أماكن خاصة وسط أقاليم أقل منها مطرًا بكثير. بالإضافة إلى التناقص العام للمطر من الغرب إلى الشرق فإنه يتناقص تدريجيًّا كذلك كلما اتجهنا من الأطراف الشمالية للوطن العربي نحو النطاق الصحراوي، والذي يعتبر حاجزًا مناخيًّا كبيرًا يفصل بين الأقاليم الممطرة شتاء في الشمال والأقاليم الممطرة صيفًا في الجنوب. ٢- أن تعاريج السواحل واختلاف اتجاهاتها بالنسبة لاتجاه الرياح الممطرة يؤدي أحيانًا إلى تباين توزيع المطر تباينًا كبيرًا في قطاعات متجاورة من الساحل، فبغض النظر عن وجود الجبال بجوار بعض السواحل فإن أي تغيير في اتجاه الساحل بالنسبة لاتجاه الرياح الممطرة كفيل بأن يؤدي إلى تغير واضح في كمية المطر، ففي شمال إفريقيا مثلًا نجد أن السواحل المواجهة للشمال الغربي أو الغرب هي أكثر السواحل مطرًا، وخصوصًا إذا كانت تكتنفها جبال مرتفعة، أما أقلها مطرًا فهي السواحل المقوسة نحو الجنوب مثل سواحل

стр. 528

الخلجان المتسعة، والسواحل المواجهة للشرق أو الشمال الشرقي أو الجنوب الشرقي، وخصوصًا إذا كانت الجبال تكتنفها من ناحية الغرب لأنها تكون في هذه الحالة واقعة في ظل المطر. فعلى سواحل المغرب العربي مثلًا يتراوح معدل المطر السنوي على السواحل التونسية والجزائرية المقوسة نحو الشمال بين ٦٠ و٨٠ سم، بينما يتراوح بين ٣٠ و٥٠ سم على سواحل المملكة المغربية الممتدة إلى الشرق من منطقة الريف الجبلية ما عدا بعض أشباه الجزر البارزة في البحر مثل شبه الجزيرة التي تقع عليها مدينة مليلة، والتي تعرف باسم رأس السواري. كما تقل الأمطار بصورة أوضح على الساحل الشرقي لتونس، وفي شمال ليبيا نجد أن أقل السواحل مطرًا هي ساحل سهل الجفارة الذي يبدأ من حدود تونس في الغرب حتى مدينة الزاوية تقريبًا في الشرق، وكذلك ساحل خليج سرت بين ميناء مصراته في الغرب ومدينة أجدابية في الشرق، وساحل خليج بمبه الواقع في ظل المطر بالنسبة لمرتفعات شبه جزيرة برقة وامتداده نحو الشرق حتى الحدود المصرية، فعلى كل هذه السواحل تتراوح معدلات المطر السنوية بين ١٠ و١٥ سم. ولهذا السبب فإن الصحاري تمتد عندها حتى تصل إلى شاطئ البحر نفسه. وعلى العكس من ذلك نجد أن الأمطار تزيد بصورة واضحة على النتوء الساحلي الذي تقع عليه مدينة طرابلس وعلى كل السواحل الأخرى البارزة نحو الشمال والمتجه نحو الغرب أو الشمال الغربي ومنها الساحل الممتد بين مدينتي طرابلس والخمس والساحل الشمالي والشمالي الغربي لشبه جزيرة برقة. وتتراوح معدلات الأمطار على كل هذه السواحل بين ٤٠ و٦٠ سم. وهي تزداد بصفة خاصة على السواحل التي تكتنفها نطاقات جبلية مثل سواحل شبه جزيرة برقة. وفي شمال مصر تكثر الأمطار نوعًا ما على سواحل الدلتا وعلى ساحل الإسكندرية وساحل سيدي براني، وهي المناطق التي تتقوس سواحلها نحو الشمال، وفيها تتراوح المعدلات السنوية بين ١٥ و٢٠سم، بينما لا تزيد على ١٥ سم في المناطق الأخرى التي تتقوس سواحلها نحو الجنوب مثل الساحل

стр. 529

الذي يمتد بين بلدة العامرية ومدينة مرسى مطروح، والذي تقع عليه بلدة الحمام، وكذلك الساحل الذي يمتد بين دمياط والعريش. وإذا انتقلنا إلى سواحل فلسطين وسوريا ولبنان نجد أن امتدادها بين الشمال والجنوب يضعها في مواجهة الرياح الممطرة مباشرة تقريبًا, ولذلك فإنها تكون أكثر مطرًا من سواحل شمال مصر وليبيا بصفة عامة، وتزيد الأمطار على سواحل لبنان وسوريا بصفة خاصة بسبب وجود سلاسل الجبال بحذاء الساحل بينما تقل نوعًا ما في جنوب فلسطين لسببين هما: عدم وجود مثل هذه الجبال من ناحية والاقتراب من النطاق; الصحراوي الواقع إلى الجنوب منها من ناحية ثانية. ٣- أن تأثير التضاريس على توزيع الأمطار يبدو واضحًا في كل العالم العربي، فحيثما تكون الجبال ممتدة بموازاة السواحل المواجهة للرياح القادمة من البحر فإن معظم الأمطار تسقط على المنحدرات والسهول الساحلية المواجهة لها وتقل كثيرًا بل وربما تنعدم على المنحدرات والسهول الواقعة على الجانب المضاد، أي في ظل المطر، ويظهر هذا التوزيع بوضوح في كل المناطق الجبلية المجاورة للبحر المتوسط في سوريا ولبنان وشمال ليبيا والمغرب العربي، كما أن التضاريس المعقدة وانقسام المناطق الجبلية إلى كتل أو سلاسل تفصل بعضها عن بعض وديان أو أحواض منخفضة يؤدي إلى ظهور أنواع مناخية متباينة في مناطق متجاورة، وينطبق هذا بوضوح على نفس الأقاليم الجبلية السابقة، فعلى معظم المنحدرات الشمالية لسلاسل جبال أطلس التل مثلًا يزيد المعدل السنوي للأمطار على ٨٠ سم، بينما لا يزيد على المنحدرات الجنوبية لنفس السلاسل وفي هضبة الشطوط عن ٣٠ سم، ولكنه يعود فيزيد قليلًا على المنحدرات الشمالية لأطلس الصحراء التي لا تلبث المظاهر الصحراوية الحقيقية أن تسود على منحدراتها الجنوبية, ومن الطبيعي أن ينعكس توزيع الأمطار على كل مظاهر الحياة الطبيعية والبشرية التي تتباين كثيرًا في بعض المناطق المتجاورة، فعلى المنحدرات الشمالية لجبال أطلس التل تتكون الحياة النباتية عن غابات دائمة

стр. 530

الخضرة، بينما تتكون على منحدراتها الجنوبية وعلى هضبة الشطوط والمنحدرات الشمالية لسلاسل أطلس الصحراء من حشائش الإستبس. وكذلك في شمال ليبيا تسقط معظم الأمطار على المنحدرات الشمالية والشمالية الغربية لجبال برقة وجبال طرابلس. ولكنها تكثر بصفة خاصة على جبال برقة بسبب مجاورتها للبحر وبروزها فيه بشكل شبه جزيرة كبيرة بينما تقل نوعًا ما على جبال طرابلس التي يفصل قطاعها الأوسط والغربي عن البحر سهل متسع هو سهل الجفارة الذي يبلغ أقصى اتساعه في الغرب، ولهذا فإن القسم المطير فعلًا من جبال طرابلس هو قسمها الشرقي المجاور للبحر. ففي هذا القسم وكذلك على المنحدرات الشمالية والغربية لجبال برقة تتراوح معدلات المطر السنوية بين ٢٥ و٤٥ سم وفيها تكون الحياة النباتية السائدة عبارة عن غابات أو أحراج دائمة الخضرة بينما تتناقص النباتات كلما ابتعدنا عن البحر حتى تنتهي في النطاق الصحراوي الممتد إلى الجنوب من الجبال. وتتكرر نفس الصورة كذلك في المناطق الجبلية في شرقي البحر المتوسط، حيث تستأثر المنحدرات الغربية في سوريا ولبنان بمعظم الأمطار وتكون الحياة النباتية الطبيعية في جملتها مكونة من غابات وأحراج دائمة الخضرة, وتتناقص الأمطار بسرعة كلما اتجهنا شرقًا حيث تظهر مناطق من الحشائش على المنحدرات الشرقية وفي السهول القريبة منها وفي بعض الأحواض المحصورة بين الجبال ثم تتناقص الأمطار وتنتشر المظاهر الصحراوية بسرعة نحو الشرق.

стр. 531

المناطق الممطرة صيفًا: أهم المناطق الغربية التي يسودها المطر الصيفي هي جنوب السودان ووسطه والصومال واليمن. ولكل دولة من هذه الدول ظروفها الجغرافية الخاصة التي تحدد نوع الأمطار وكمياتها وتوزيعها الإقليمي والفصلي. وتوجد في السودان بالذات أكبر المناطق الممطرة صيفًا في الوطن العربي، فباستثناء أطرافه الشمالية المجاورة للبحر الأحمر، والتي يسقط معظم

стр. 532

مطرها شتاء بسبب بعض المنخفضات الشتوية التي تنحرف نحو الجنوب على طول البحر الأحمر، فإن الأمطار في بقية الأقاليم السودانية تسقط في نصف السنة الصيفي، إلا أن طول الفصل الممطر يكون في الجنوب أطول بكثير منه في الشمال، فبينما يبلغ طوله بين ١٠ و١١ شهرًا على الحدود الجنوبية للبلاد فإنه يتناقص كلما اتجهنا شمالًا حتى يصل إلى شهرين فقط في الخرطوم ثم يزداد تناقصه حتى ينتهي في الصحراء، ويرتبط هذا التناقص بحركة الجبهة الاستوائية ltcz مع حركة الشمس الظاهرية وتناقص فترة تعامدها كلما ابتعدنا عن خط الاستواء. ومع تناقص طول الفصل الممطر تتناقص كذلك كمية المطر كلما اتجهنا شمالًا، بسبب قصر فصل سقوطها وبسبب تناقص سمك طبقة الهواء البحري القادم من الجنوب وتناقص فرص تكون السحب تبعًا لذلك, ولكن بينما يكون تناقص طول الفصل الممطر منتظمًا فإن تناقص كمية المطر لا تسير بنفس الانتظام؛ لأنها لا تتوقف على حركة الشمس وحدها بل تتوقف كذلك على طبيعة سطح الأرض واتجاه الرياح الممطرة بالنسبة للمنحدرات الجبلية، ولهذا فإن أمطار المناطق الواقعة في حضن هضبة الحبشة في شرق السودان تزيد على أمطار السهول الواقعة على نفس العروض في وسط البلاد وغربها. لأن وجود حافة هضبة الحبشة في طريق الرياح الجنوبية الغربية الرطبة يؤدي إلى زيادة الأمطار عليها وعلى الأراضي السودانية المجاورة لها، كما هو واضح من انحراف خطوط المطر المتساوي نحو الشمال على هذه الأراضي. وبنفس الطريقة فإن وجود المناطق الجبلية المرتفعة في منطقة منابع بحر الغزال في جنوب غرب البلاد، ووجود جبال إيما تونج في أقصى الجنوب الشرقي قد أدى إلى زيادة أمطار هذه المناطق زيادة واضحة عن أمطار سهول بحر الجبل وبحر الزراف الواقعة في ظل المطر. أما الصومال فله ظروفه الخاصة التي أدت إلى نقص أمطاره بدرجة أدت إلى انتشار المظاهر الصحراوية في القسم الأكبر منه على الرغم من

стр. 533

موقعه الاستوائي أو شبه الاستوائي ومن طول سواحله المشرفة على المحيط الهندي وخليج عدن، فمن النادر أن تزيد الأمطار في أي جزء من أجزائه عن ٤٥ سم بل إنها تنقص في نطاقات شاسعة منه عن ٢٠ سم، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها: ١- وقوعه في منطقة ظل المطر بالنسبة للهضبة الاستوائية وهضبة الحبشة الواقعتين إلى الغرب منه. ٢- جفاف الرياح الموسمية الشتوية التي تهب عليه من ناحية آسيا، فحتى بعد مرور بعض هذه الرياح على البحر العربي فإنها تهب على القرن الإفريقي بحذاء الساحل تقريبًا، كما أن الرياح الموسمية الجنوبية الغربية التي تهب في فصل الصيف، تكون هي الأخرى موازية للساحل. ٣- قلة سمك الهواء المداري البحري الذي يصل إلى المنطقة من المحيط الهندي بدرجة لا تسمح لحركة التصعيد التي تحدث فيه بتكوين سحب من النوع الكثيف الذي يكفي لسقوط أمطار غزيرة. ٤- تعرض الإقليم لتيارات هوائية علوية ساخنة من الهضاب الداخلية؛ إذ إن وجود هذه التيارات في أعلى الجو لا يساعد على تكثف بخار الماء الذي تحمله التيارات الهوائية الصاعدة. وباستثناء السواحل المطلة على خليج عدن والتي تسقط معظم أمطارها القليلة في الشتاء، فإن موسم الأمطار في معظم الصومال هو نصف السنة الصيفي. وينطبق هذا بصفة خاصة على الأجزاء الوسطى من البلاد، فإذا ما اتجهنا جنوبًا نجد أن هذا الموسم يزداد طولًا، كما تتزايد الأمطار كلما اقتربنا من خط الاستواء حيث يمتد موسم المطر ليشغل السنة كلها، ولكن الكميات التي تسقط تكون أقل بكثير من المعدلات المألوفة في المناخ الاستوائي العادي، حيث لا يزيد المعدل السنوي غالبًا على ٤٥ سم فقط. أما السواحل المطلة على خليج عدن فإن أمطارها القليلة يمكن أن تأتي في أي شهر من شهور السنة إلا أن أشهر الشتاء هي أكثر الأشهر تعرضًا لها، وسببها هو نفس سبب أمطار عدن وجيبوتي وإريتريا وشمال شرقي السودان، وهو وصول تأثير بعض المنخفضات الجوية التي تنحرف من ناحية البحر المتوسط وتتقدم جنوبًا عل طول البحر الأحمر.

стр. 534

وتمثل مرتفعات اليمن ومرتفعات عسير في جنوب غربي المملكة العربية السعودية المنطقة الثالثة التي يسقط أغلب مطرها صيفًا، وتعتبر اليمن بصفة خاصة منطقة موسمية بمعنى الكلمة وإن كانت أمطارها أقل في كميتها من أمطار معظم الأقاليم الموسمية الأخرى في جنوب وجنوب شرق آسيا ومعظم أمطارها وكذلك معظم أمطار عسير أمطار تضاريسية صيفية تسببها الرياح الموسمية الجنوبية الغربية التي تتقدم من الجنوب الغربي بتأثير مراكز الضغط المنخفض الموسمية التي تتبع الضغط المنخفض الذي يتكون على آسيا عمومًا في هذا الفصل. ومما يستلفت النظر أنه بينما تسقط معظم أمطار مرتفعات اليمن وعسير في نصف السنة الصيفي فإن معظم أمطار المناطق المنخفضة من حولها ومن بينها سهول تهامة المجاورة للبحر الأحمر تسقط شتاء، وذلك بسبب مواجهة المرتفعات للرياح الرطبة التي تحمل بعض الهواء المداري البحري من خليج غانة. حيث يستطيع بعض هذه الرياح أن يعبر السودان وهضبة الحبشة في مستويات عالية. وهذا يعني أن معظم المطر الذي يسقط في الصيف على هذه المرتفعات عبارة عن مطر تضاريسي, وإلى جانب الأمطار الصيفية التي تسقط على هضاب اليمن وعسير تسقط كذلك بعض الأمطار الربيعية التي تحدث غالبًا بسبب العواصف الرعدية المحلية التي يسببها نشاط التيارات الهوائية الصاعدة. ولذلك فإن وقت سقوطها يكون عادة بعد الظهر.

стр. 535

تذبذب الأمطار في معظم أجزاء العالم العربي: باستثناء المناطق المطيرة في جنوب السودان وعلى الجوانب البحرية لجبال أطلس والجبل الأخضر في ليبيا وجبال سوريا ولبنان ومرتفعات اليمن وعسير، حيث لا يؤدي تغير كمية المطر فيها من سنة إلى أخرى إلى حدوث تغيرات كبيرة على مظاهر الحياة الطبيعية والبشرية، فإن كل المناطق الأخرى في العالم العربي تعاني من التغير الواضح في كمية الأمطار وتوزيعها على الأشهر من سنة

стр. 536

إلى أخرى بحيث يصعب الاعتماد عليها في أي تخطيط زراعي أو رعوي، ففي شمال مصر وليبيا مثلًا يبلغ معدل التغير ٥٠% أو أكثر. ولا شك في أن قلة الأمطار عمومًا معناه أن أي تغير في كميتها قد تترتب عليه نتائج كبيرة. ويمكننا أن ندرك التغير الكبير في نظام المطر إذا استعرضنا على سبيل المثال أمطار أي محطة من المحطات الواقعة على حافة الصحراء خلال عدة سنين. ففي واحة سيوة مثلًا نجد أن ٤٣.٢ مم قد سقطت بها في سنة ٤٤/ ٤٥، بينما لم يسقط بها أي شيء خلال ٢١ سنة بين ١٩٠٠و١٩٢١، ويبلغ المعدل السنوي فيها ١٠.١مم. وعلى الأطراف الجنوبية للصحراء وفي مناطق الإستبس المجاروة لها يرتفع كذلك معدل تغير المطر ارتفاعًا كبيرًا، ففي بورسودان مثلًا يبلغ المعدل السنوي ٨٤.٤ مم، ومع ذلك فإن الأمطار قد انخفضت في سنة ١٩١٠ إلى ٢٠.٣ مم بينما ارتفعت في سنة ١٩٢٥ إلى ٤٢١.٦ مم، وفي تلك السنة سقط ٧١.١ مم خلال ٢٤ ساعة. وفي الخرطوم يبلغ المعدل السنوي ١٦٨مم، ومع ذلك فإن أمطارها قد انخفضت في سنة ١٩٠١ إلى ٦٣.٥ مم بينما ارتفعت في سنة ١٩٣٨ إلى ٣٨١مم، وفي البصرة يبلغ المعدل السنوي ١٤٤.٤مم ولكن أمطارها انخفضت في إحدى السنوات إلى ٥٣.٣ مم بينما ارتفعت في سنة أخرى إلى ٣٥٣.١ مم، وسجل في يوم واحد من الأيام ٨٨.٩ مم، وفي الشارقة على الخليج العربي يبلغ المعدل السنوي ١١٥٧ مم، ومع ذلك فقد حدث أن سقط ١١٠.٢ مم في يوم واحد. كما حدث نفس الشيء تقريبًا في البحرين التي يبلغ معدل مطرها السنوي ٨٢.٧ بينما سجل في أحد الأيام ٧١.١ مم.

стр. 537

الأقسام المناخية للوطن العربي حسب تقسيم كوبن مدخل ... ١٣- ٩- الأقسام المناخية للوطن العربي حسب تقسيم كوبن إن القسم الأكبر من العالم العربي يدخل ضمن القسم المناخي الكبير "B" في تقسيم كوبن، بينما تدخل أجزاء محدودة منه ضمن القسم "A" وأجزاء أخرى ضمن القسم "C". وفيما يلي أهم الأنواع المناخية التي توجد في هذا العالم.

стр. 538

أولًا- المناخ "A" "الحار الممطر": إن النوع الموجود في العالم العربي من هذا المناخ هو النوع "AW" وهو الذي يتفق عمومًا مع النوع المشهور باسم نوع السفانا، وهو يشمل معظم جنوب السودان ونطاقًا كبيرًا في وسطه، وأهم ما يميزه هو وجود فصل جاف في الشتاء يشغل ما بين ثلاثة أشهر في أقصى الجنوب وسبعة أشهر في أقصى الشمال. ويمكن اعتبار خط المطر السنوي ٦٠ سم حدًّا تقريبيًّا لهذا المناخ من ناحية الشمال, والأمطار في جملتها من نوع أمطار التصعيد, وهي تتزايد كلما اتجهنا جنوبًا، حتى يصل معدلها في أقصى جنوب السودان إلى ١٢٠ سم أو أكثر. أما درجة الحرارة فمرتفعة طول السنة ولا ينخفض معدلها في أي شهر من الشهور عن ١٨ْ مئوية، بل إنه قد يصل في بعض الأشهر إلى ٣٠ْ أو أكثر، ويحدث هذا عادة في الشهر أو الشهرين اللذين يسبقان الفصل المطير الرئيسي، كما هي الحال في شمال السودان ووسطه، ولكنه يتناقص تدريجيًّا نحو الجنوب بسبب تزايد طول الفصل المطير في هذا الاتجاه مما يؤدي إلى سقوط الأمطار في كل الأشهر الحارة فلا تكون هناك فرصة للارتفاع غير العادي في معدل أي منها، ولذلك فبينما تزيد معدلات بعض الأشهر إلى أكثر من ٣٠ْ في المناطق الواقعة إلى الشمال من بحر الغزال فإنها "تكاد تصل في أي شهر من الشهور إلى ٢٩ْ في المناطق الواقعة إلى الجنوب منه، ويبدو هذا

стр. 539

شكل "١٠٧" الأنواع المناخية في العالم العربي حسب تقسيمات كوبن

стр. 540

واضحًا لو قارنا المعدلات الحرارية لبلدة جوبا الواقعة على خط عرض ٥ ْشمالًا تقريبًا بنظيراتها في بلدة توزي الواقعة على خط عرض ٣٠ َ ١٢ ْ شمالًا "وهما واقعتان على ارتفاع واحد من سطح البحر". وإقليم المناخ "A" في الواقع هو أغنى أقاليم الوطن العربي في موارده المائية والنباتية وفي إمكانات استخدام أراضيه للتنمية الزراعية والحيوانية، وقد بدأت فيه بالفعل كثير من مشروعات التنمية الزراعية والصناعية، ولكن ما زالت مشكلاته الصحية ونقص سكانه، وصعوبة المواصلات بين أجزائه بعضها وبعض، وبينه وبين بقية البلاد تحول دون تنمية موارده بالسرعة المطلوبة. وتتدرج النباتات الطبيعية في هذا الإقليم من حيث الكثافة والتنوع من الجنوب إلى الشمال تبعًا لتناقص كمية المطر وتناقص طول الفصل الممطر، ففي أقصى الجنوب توجد بعض الغابات دائمة الخضرة التي يظهر معظمها حول مجاري الأنهار، وهذا النوع من الغابات هو الذي يشتهر باسم غابات الدهاليز Gallery Forests. أما في الشمال فتسود حشائش السفانا الخشنة التي تختلط بها بعض الأشجار النفضية، وتتناقص الأشجار وتقل أحجامها كما تتناقص كثافة الحشائش ويقل ارتفاعها كلما اتجهنا نحو الجنوب.

стр. 541

ثانيًا: المناخ "BS": هذا النوع من المناخ هو الذي يمكن أن يطلق عليه تعبير المناخ شبه الجاف أو "مناخ الإستبس". وهو يغطي نطاقات واسعة من العالم العربي، وذلك في مناطق الانتقال بين المناطق الممطرة والمناطق الصحراوية، ولذلك فإنه يشغل نطاقًا متسعًا في وسط السودان بين نطاقي السفانا والصحراء، كما يواصل امتداده في شمال شرقي البلاد حتى سواحل البحر الأحمر، وإلى الشمال من الصحراء الكبرى يعود هذا المناخ للظهور في نطاق آخر إلى الجنوب من البحر المتوسط في مصر وليبيا وإلى الجنوب من جبال أطلس في دول المغرب العربي.

стр. 542

وفي قلب الصحراء الكبرى نفسها يظهر هذا المناخ في منطقة المرتفعات الوسطى ومن أهمها مرتفعات الحجاز, وفي الجانب الآسيوي من العالم العربي يوجد هذا المناخ حول صحراء شبه الجزيرة العربية من معظم الجهات، فمن ناحية الشمال يوجد منه نطاق يشمل معظم سهول وسط وغربي العراق وبادية الشام وشمال الأردن، ومن ناحية الغرب يوجد منه نطاق ممتد من شرق وجنوب فلسطين عبر الحجاز إلى هضاب نجد وحضرموت، ومن ناحية الجنوب الشرقي توجد منطقة تابعة له في إقليم عمان. وتشترك كل هذه المناطق في أن أمطارها لا تكفي إلا لنمو غطاء خفيف من الحشائش والأعشاب التي يمكن أن تصلح للرعي ولكنها لا تكفي لقيام الزراعة دون الاستعانة بالري، وهذه في الواقع هي أهم مناطق الثروة الرعوية في العالم العربي، كما أن كثيرًا منها يمكن أن يستغل للزراعة حيثما تتوفر مياه الري من الأنهار مثل دلتا نهر النيل والأراضي التي ترويها مياه نهر الفرات وشط العرب. أو من مياه الآبار والعيون، كما هي الحال في الواحات التي يوجد عدد كبير منها إلى الجنوب من جبال أطلس وفي شمال ليبيا وشمال مصر. وهناك مجال واسع جدًّا للتنمية الزراعية في كل مناطق هذا المناخ إذا ما أحسن استخدام مواردها المائية، سواء منها الموارد السطحية أو الموارد الجوفية. وعلى أساس التباين في المعدلات الحرارية وفي موسم المطر تنقسم المناطق التابعة لهذا المناخ إلى أقسام أصغر كما يأتي: أ- مناطق حارة صيفًا جافة شتاء "BShw" وتشمل معظم الصومال حيث تمثله معظم البلاد الساحلية، ووسط السودان حيث تمثله الفاشر "في الغرب" والدويم "في الشرق" ومنطقة هضاب وسط الصحراء، وفي شبه الجزيرة العربية لا يتمثل هذا النوع إلا في الأطراف الجنوبية المجاورة للبحر العربي في اليمن الجنوبية وجنوب غرب سلطنة عمان، كما تمثلها بلدة صلالة العمانية، وفي كل هذه المناطق تشتد حرارة فصل الصيف وخصوصًا في المناطق المنخفضة البعيدة

стр. 543

عن تأثير البحار مثل بلدة الدويم في شرق السودان، حيث نجد أن معدل درجة حرارة شهر إبريل الذي يسبق فصل المطر مباشرة يبلغ حوالي ٣٣ ْم، ولكن سقوط الأمطار في الأشهر التالية يؤدي إلى هبوط المعدلات بعض الشيء في أشهر الصيف نفسها. ب- مناطق حارة جافة صيفًا "Bshs" وهي المناطق التي تخضع لتأثير مناخ البحر المتوسط وتشمل مناطق الإستبس في شمال مصر وليبيا وجنوب جبال أطلس وامتدادها حتى ساحل المحيط الأطلسي, كما تشمل مناطق الإستبس في غرب وأواسط شبه الجزيرة العربية، وفي وسط العراق وجنوبه وفي الأردن وفلسطين وجنوب سوريا، وتعتبر هذه المناطق كذلك من أهم مناطق الرعي في العالم العربي، كما أنها هي أهم مناطق إنتاج الشعير، وحيثما تكون كمية الأمطار مناسبة تزرع بها كذلك محاصيل أخرى أهمها القمح، وقد اتجهت الأنظار في معظم الدول العربية إلى تنمية هذه المناطق عن طريق تطوير حرفة الرعي وتربية الماشية وتحسين سلالاتها وعن طريق تشجيع الاستقرار والاهتمام بالإنتاج الزراعي حيثما تسمح الظروف الطبيعية وموارد المياه بذلك. ج- مناطق معتدلة جافة صيفًا "BSKS" وهي تقع إلى الشمال من المناطق السابقة "BShS" وتشمل قسمًا من بادية الشام وشمال الأردن وغربي العراق، وهي المناطق التي تشكل الإطار الداخلي للهلال الخصيب حيث تبدأ الصحاري بعده امتدادها الشاسع نحو الجنوب في أواسط الجزيرة العربية وجنوبيها، وفيها تسقط الأمطار في الشتاء بمعدلات تكفي لنمو حشائش تصلح للرعي، ولهذا فإن هذه المناطق تعتبر من أهم مناطق الرعي في الجزيرة العربية، وهي لا تختلف كثيرًا في حرارتها عن الصحاري المجاورة لها، ففيها يرتفع المدى الحراري وتشتد حرارة فصل الصيف كما تشتد برودة فصل الشتاء، وكثيرًا ما تتعرض هذه المناطق لعواصف ثلجية شديدة في فصل الشتاء بسبب وصول هواء قطبي قاري من شمال أوارسيا في مؤخرة المنخفضات الشتوية العميقة.

стр. 544

ثالثًا- المناخ "BW" "الصحراوي": يشغل هذا المناخ مساحات شاسعة في العالم العربي، بل إنه يشغل أكثر من ٩٥% من مساحات بعض الدول العربية مثل الجزائر وليبيا ومصر والمملكة العربية السعودية، وتشترك كل الصحاري العربية في جفافها وشدة حرارتها في الصيف وارتفاع مداها الحراري الفصلي واليومي، وفي قصر الفصلين الانتقاليين "الربيع والخريف" بها وفي ندرة سحبها وقوة الإشعاع الشمسي بها وفي كثرة ما تتعرض له من عواصف رملية وترابية، وخصوصًا في فصل الربيع عندما يصلها من الشمال هواء بارد نسبيًّا بعد أن يكون سطحها قد بدأ يسخن ويجف وتنشط فوقه التيارات الصاعدة، وتتخلل هذه الصحاري بعض المناطق الجبلية التي تجتذب بعض الأمطار التي قد تكفي لجريان الماء في بعض الأودية، ولظهور بعض الواحات عند مصباته ونمو بعض الحشائش على المنحدرات وفي الأراضي التي تنصرف نحوها المياه، ومن أكبر هذه المناطق مناطق جبال الحجاز في الصحراء الكبرى. ويرتبط موسم الأمطار القليلة التي تسقط على أطراف هذه الصحاري بموسم سقوطها في الأقاليم الممطرة المجاورة لها، ففي الصحاري الواقعة على أطراف مناخ البحر المتوسط في أواسط ليبيا وأواسط الجزائر تأتي معظم الأمطار في الشتاء وهنا يظهر نوع المناخ BWhs أي الجاف في الصيف أما في الجنوب حيث تتدرج الصحاري إلى مناخ السفانا، كما هي الحال في موريتانيا وتشاد وشمال السودان، فيظهر نوع المناخ BWhw أي الجاف في الشتاء.

стр. 545

رابعًا- المناخ "C" "المعتدل": ويوجد منه نوعان هما: ١- نوع ممطر شتاء وجاف صيفًا Cs، ويشمل كل المناطق المجاورة لسواحل البحر المتوسط في شمال إفريقيا، ويختلف اتساعها من منطقة إلى أخرى على حسب تعاريج الساحل وتضاريس الأراضي المجاورة له، ويبلغ أقصى

стр. 546

اتساعها في بلاد المغرب وفي شمال ليبيا ومصر، كما يشمل كل فلسطين ولبنان ومعظم سوريا وإقليم عمان في أقصى جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية. وتختلف درجة الحرارة في هذا النوع على حسب التضاريس ففي المناطق السهلية يظهر النوع csa أي شديدة الحرارة، أما على المرتفعات وأهمها جبال أطلس والجبل الأخضر في ليبيا وجبال لبنان فيظهر النوع csb المعتدل صيفًا. ٢- نوع يسقط مطره صيفًا cw، ويوجد على المرتفعات الواقعة في الأقاليم المدارية أو بالقرب منها وأهمها هضبة اليمن والأجزاء المرتفعة في الصومال وأثيوبيا.

стр. 547

الجغرافيا النباتية العوامل التي تتحكم في نمو النباتات وتوزيعها مدخل ... ١٤- الجغرافيا النباتية ١٤- ١- العوامل التي تتحكم في نمو النباتات وتوزيعها: ليست الحياة النباتية التي تنمو طبيعيًّا في أي إقليم من الأقاليم إلا نتيجة لتفاعل عدد من العوامل الطبيعية التي تتعلق في جملتها بالأحوال المناخية السائدة، وتعتبر التربة كذلك من أهم العوامل التي تتدخل في حياة النباتات، وإن كان من الثابت أن التربة نفسها تستمد معظم خواصها من الظروف المناخية كما سنبين بعد قليل.

стр. 548

العوامل المناخية مدخل ... ١٤- ١- ١- العوامل المناخية: تعتبر المياه والحرارة والضوء أهم عناصر المناخ التي تؤثر بطريق مباشر أو غير مباشر في حياة النباتات، وفيما يلي عرض مختصر للدور الذي يقوم به كل منها.

стр. 549

الأمطار وقيمتها الفعلية precipitation Effectiveness: إن أهمية المياه وضرورتها لقيام أي نوع من أنواع الحياة فوق سطح الأرض معروفة ومسلم بها، والمصدر الأصلي للمياه العذبة هو الأمطار وغيرها من مظاهر التساقط، وكلما توافرت هذه المياه في منطقة من المناطق، كان هذا أدعى إلى ظهور حياة نباتية غنية، ويكفي للدلالة على ذلك أن نقارن بين خريطتين للعالم إحداهما تبين توزيع المعدلات السنوية للمطر، والأخرى تبين توزيع الحياة النباتية الطبيعية، حيث نرى بوضوح أن الأقاليم ذات الأمطار

стр. 550

الحرارة وقيمتها الفعلية بالنسبة لحياة النبات TEMPERATURE Efficiency: ليس من شك في أن الحرارة هي أحد العناصر الرئيسية التي تلزم لقيام أي نوع من أنواع الحياة فوق سطح الأرض، ولكن يلاحظ أن أثرها على تنوع فصائل النباتات يكون أوضح من أثرها على المظهر العام للحياة النباتية. فالغابات والحشائش توجد في كل المناطق الحرارية تقريبًا ما بين خط الاستواء من جهة والدائرة القطبية من جهة أخرى، إلا أن الفصائل التي تتألف منها الغابات والحشائش في المناطق الحارة تختلف في جملتها عن الفصائل التي تتألف منها الغابات الحشائش في المناطق المعتدلة. والواقع أن العلاقة بين درجة الحرارة وحياة النباتات لا تزال غير محدودة تحديدًا دقيقًا واضحًا، فعلى الرغم من أننا نعرف عمومًا أن ارتفاع درجة الحرارة يساعد على نشاط نمو النباتات، فإنه لا يشترط أن يؤدي كل ارتفاع في درجة الحرارة إلى زيادة سرعة النمو أو يؤدي كل انخفاض فيها إلى بطء هذا النمو، كما لا يشترط أن تكون سرعة النمو بالنسبة لجميع أنواع النباتات أو حتى بالنسبة للنوع الواحد متساوية في درجة الحرارة الواحدة، أو أن تكون أصلح درجة لنمو النبات الواحد واحدة في جميع مراحل نموه، ولهذا فإن درجة الحرارة لا تكفي بمفردها لإعطاء فكرة صحيحة عن الأثر الحقيقي الذي تتركه في مظاهر النمو المختلفة، وقد أوضح لفنسجتون ivingston E. هذه الحقيقة في سنة ١٩١٣ وذكر أنه من الواجب على الباحثين أن يحاولوا الوصول إلى طريقة يمكن بواسطتها تقدير القيمة الفعلية لدرجات الحرارة المختلفة بالنسبة لحياة النباتات، ورأى أنه من الممكن تقدير هذه القيمة بطريقتين هما:

стр. 551

١- الطريقة التجريبية، أي بإجراء تجارب معينة على أنواع مختلفة من النباتات لتقدير سرعة نموها في درجات الحرارة المختلفة، ورغم أن إجراء مثل هذه التجارب يعتبر عمومًا من اختصاص الباحثين في علم النبات فإن هذا يجب ألا يحول بين الجغرافيين وبين الاستفادة بنتائجها حتى تكون دراستهم أكثر دقة وواقعية. وهذا في الحقيقة هو أحد الاتجاهات الحديثة في دراسة المناخ. ٢- تحديد فصل النمو "Growing season" وتقدير مجموع الوحدات أو الدرجات الحرارية التي تتجمع خلاله فوق أدنى درجة حرارة ملائمة لنمو النبات، وهي الدرجة التي يطلق عليها عادة اسم "صفر النمو Zero point of Growth" ويطلق عليها مجموع الدرجات الحرارية التي تتجمع فوق هذا الصفر اسم "الحرارة المتجمعة Temprarature Accumulated": أولًا- الطرق التجريبية لتقدير القيمة الفعلية لدرجة الحرارة: يعتبر القانون الذي وضعه فانهوف١ "van't Hoff" حوالي سنة ١٨٨٢ من أهم القوانين الكيميائية التي استفاد بها الباحثون في العلاقة بين حياة النبات والبيئة الطبيعية، حتى إنه لا يزال رغم قدمه من الأسس التي يعتمد عليها هؤلاء الباحثون في دراساتهم، وملخص هذا القانون هو أن التفاعلات الكيميائية في النبات يزداد نشاطها كلما ارتفعت درجة الحرارة، ويتبع ذلك زيادة في سرعة نمو النبات بحيث تتضاعف هذه السرعة كلما زاد متوسط درجة الحرارة بمقدار ١٠ ْمئوية، فإذا فرضنا أن سرعة نمو نبات معين "يكون قد بدأ نموه في درجة حرارة ٦ ْمئوية" هي ١ ْمثلًا فإنها تصبح ٢ في درجة حرارة ١٦ ْم و٤ درجة ٢٦ ْم وهكذا حتى يصل إلى أقصاها في درجة حرارة معينة هي التي يمكن اعتبارها أصلح درجة لنمو النبات، فإذا ما ارتفعت درجة الحرارة أكثر من ذلك أخذت سرعة النمو في التناقص من جديد، ويمكننا بناء على هذا القانون

стр. 552

أن نحسب القيمة الفعلية لأي متوسط يومي لدرجة الحرارة ما يبن درجة ٦ ْم وهي الدرجة التي يبدأ عندها النمو "في رأي فانهوف" من جهة، والدرجة التي تصل عندها سرعة هذا النمو إلى أقصاها من جهة أخرى بالمعادلة الآتية: وذلك على اعتبار أن "ق" هي القيمة الفعلية لدرجة الحرارة و"ح" هي المتوسط اليومي بالدرجات المئوية. وقد استخدم بعض الباحثين في علم المناخ هذا القانون حديثًا في بعض أبحاثهم، فقد استخدمه ثورنثويت١ "Thornthwaite" مثلًا في سنة ١٩٤٨ لتقسيم الولايات المتحدة إلى أقاليم حرارية على أساس القيمة الفعلية لدرجة الحرارة، كما استخدمه زتسر٢ "zetzer" في سنة ١٩٤٦ لتقسيم البرازيل إلى أقاليم حرارية على نفس الأساس. ويلاحظ أن درجة الحرارة التي تبلغ عندها سرعة النمو أقصاها ليست واحدة بالنسبة لجميع النباتات، ولكن معظم التجارب التي أجريت على نباتات المنطقة المعتدلة قد دلت على أن هذه الدرجة تتراوح بين ١٥ ْو٣٢ ْ، فهي بالنسبة للقمح ٣١ ْم وبالنسبة للذرة تتراوح بين ٢٩ ْو٣٢ ْ، أما نباتات المنطقة الحارة فيغلب أن يسرع نموها في درجات حرارة أعلى من ٣٢ ْ. وإننا مع عدم تقليلنا من قيمة هذه التجارب يجب ألا نغالي كثيرًا في الاعتماد على نتائجها التي تعطي في بعض الأحيان صورة غير صحيحة لما يحدث في الطبيعة فعلًا، فالظروف التي تجري فيها مثل هذه التجارب تكون غالبًا ظروفًا

стр. 553

صناعية يحدد فيها أثر كل عنصر من العناصر التي تتدخل في حياة النباتات بصورة يندر أن توجد في البيئة الطبيعية، فعندما يراد مثلًا إجراء تجربة ما لمعرفة سرعة نمو أحد النباتات في درجة حرارة معينة فإن هذا النبات يوضع في مكان معين يمكن تثبيت حرارته على الدرجة المطلوبة لعدة أيام أو أسابيع، وهذا يختلف بالطبع عما يتعرض له النبات في الخلاء، حيث يخضع لدرجات حرارة قد تتغير تغيرًا كبيرًا عن ساعة إلى أخرى، ومن يوم إلى آخر، وهذا فضلًا عن أن درجة الحرارة كما هو معروف ليست هي العامل الوحيد الذي يتحكم في نمو النباتات، بل إن هناك عوامل أخرى كثيرة تتدخل في نموه، منها رطوبة الجو وكمية الأمطار ونظام سقوطها وتوزيعها على أشهر وفصول السنة ونوع التربة، ولذلك فإن نتائج التجارب التي تجري في المعامل على نباتات أو أجزاء من نباتات معينة قد لا تفيدنا كثيرًا في دراسة المظاهر المناخية والحياة النباتية وتوزيعها توزيعًا عامًّا على سطح الكرة الأرضية, وإن كنا مع ذلك لا ننكر أهميتها بالنسبة للدراسات التفصيلية التي تدخل غالبًا في اختصاص المهتمين بالدراسات التحليلية للنباتات وعناصر البيئة التي تعيش فيها وهي الدراسات التفصيلية التي تدخل علمي النبات Botany والبيئة Ecology. ومن المهم أن نشير كذلك إلى أن التجارب القليلة التي أجريت فعلًا لتحديد القيمة الفعلية لدرجات الحرارة المختلفة كانت مقصورة على أنواع قليلة جدًّا من النباتات، ولذلك فقد يكون من الخطإ تطبيق نتائجها على الحياة النباتية بصفة عامة، إذ المعروف أن لكل نبات ظروفه واحتياجاته الخاصة التي قد تختلف اختلافًا كبيرًا عن ظروف واحتياجات غيره من النباتات، بل إن الفصائل المختلفة للنبات الواحد يختلف بعضها عن بعض اختلافًا واضحًا كذلك من هذه الناحية. ثانيًا: فصل النمو والحرارة المتجمعة: تعتبر دراسة الحرارة وقيمتها الفعلية على أساس طول فصل النمو ومقدار الوحدات الحرارية التي تتجمع خلاله من أحدث الدراسات التي صادفت قبولًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة من جانب

стр. 554

علماء المناخ والنبات، الذين أخذوا يوجهون إليها عناية خاصة في كتاباتهم المختلفة. وتمتاز هذه الطريقة عن الطرق التجريبية التي سبقت الإشارة إليها من عدة نواح أهمها: أ- أنها أبسط منها بكثير حتى إنه من الممكن تطبيقها بسهولة في الدراسات المناخية العامة والتفصيلية على حد سواء لأن كل ما يلزم لتطبيقها كما سنرى فيما بعد هو المعدلات الشهرية لدرجة الحرارة. ب- أنها تحاول دراسة العلاقة بين درجة الحرارة والحياة النباتية كما هي موجودة فعلًا في الطبيعة. ج- أنها تستند إلى المبادئ المتفق عليها بين معظم الباحثين في علمي المناخ والنبات ومن أهمها: ١- أن كل نبات يحتاج لكي يتم نموه ونضجه إلى عدد معين من الوحدات الحرارية التي يجب أن تتجمع في أثناء حياته فوق الحد الأدنى الذي يبدأ عنده هذا النبات في النمو، أي فوق "صفر النمو". ٢- أن كل نبات يحتاج إلى عدد معين من الأيام التي يجب ألا ينخفض متوسط درجة حرارتها عن "صفر النمو". تحديد فصل النمو: يجب أن نشير هنا إلى أن فصل النمو كما يفهمه طلاب علم المناخ قد يختلف نوعًا ما عنه في نظر الزراع وطلبة علم الزراعة، وهم الذي يتكلمون غالبًا عن فصل النمو على أنه هو الفترة التي ما بين عمليتي البذر والحصاد، وهذه الفترة كما هو معروف تختلف من نبات إلى آخر، فضلًا عن أنها تتأثر بعوامل أخرى غير درجة الحرارة، ففي بعض دول غرب أوروبا مثلًا قد يحدث في بعض السنين أن تؤدي غزارة الأمطار إلى تأخير عمليات البذر والحصاد عن مواعيدها المعتادة عدة أيام أو أسابيع. أما في علم المناخ فإننا نقصد بفصل النمو تلك الفترة من السنة التي

стр. 555

لا ينخفض المتوسط اليومي لدرجة الحرارة في أثنائها عن "صفر النمو" بالنسبة للحياة النباتية بصفة عامة، ويتفق كثير من الباحثين على أن معظم النباتات التي تنمو في المنطقة المعتدلة يبدأ نموها بصفة عامة في أوائل الربيع عندما يرتفع المتوسط اليومي لدرجة الحرارة إلى ٦ ْم. وهذا بالطبع حكم عام قد لا ينطبق على كثير من الأنواع والفصائل النباتية، فبعض النباتات تستطيع أن تنمو في درجات حرارة اقل أو أعلى بكثير من هذا الحد، فبينما يبدأ القمح مثلًا نموه عندما ينخفض المعدل اليومي إلى ٣ ْم. نجد أن الذرة والقطن لا يبدآن نموهما إلا إذا ارتفع المعدل إلى ١٣ ْم بالنسبة للأول و١٧ ْ بالنسبة للثاني. ويحسب طول فصل النمو عادة بالأيام، فإذا اعتبرنا أن المتوسط اليومي ٦ ْم في "صفر النمو" أمكننا أن نقدر طول هذا الفصل في أي مكان بالطريقة المبينة في شكل "١٠٨". الصقيع وفصل النمو: ويجب أن نشير أيضًا إلى أن هناك تحديدًا آخر لفصل النمو يستخدم بصفة خاصة في البلاد التي تهتم بزراعة النباتات الحساسة التي لا تتحمل الصقيع، ومن أشهرها الخضراوات وكثير من أنواع الفواكه والنباتات ذات الزهور فكثيرًا ما يؤدي ظهور صقيع شديد إلى تعطيل نمو هذه النباتات أو هلاكها، وفي مثل هذه البلاد يحدد فصل النمو عادة بالفترة التي لا يحتمل أن يظهر في أثنائها صقيع من هذا النوع، وهذه الفترة تكون غالبًا أقصر من الفترة التي لا يقل المتوسط اليومي لدرجة الحرارة في أثنائها عن ٦ ْم١. والمقصود بالصقيع بمعناه الضيق هو المادة الثلجية البيضاء التي تظهر فوق سطح الأرض وما عليه من أجسام مختلفة بشرط أن تكون هذه المادة قد تكونت نتيجة لانخفاض درجة الحرارة إلى ما دون نقطة التجمد انخفاضًا فجائيًّا يترتب عليه تحول بخار الماء الموجود في الجو من حالته الغازية إلى الحالة الصلبة

стр. 556

شكل "١٠٨" طول فصل النمو وعدد أيام الصقيع في لندن الأعمدة السوداء تدل على عدد أيام الصقيع في الشهر، المسافة المحصورة بين نقطتين تقاطع منحنى الحرارة مع خط ٤٣ ْ"٦ ْم" هي التي تبين طول فصل النمو مباشرة، أي دون أن يتكاثف أولًا إلى ماء ثم إلى ثلج بعد ذلك، وهذا الهبوط الفجائي في درجة الحرارة يكون عادة أشد خطرًا على نمو النبات، من هبوطها بشكل تدريجي. ولكن كلمة صقيع تستخدم في الوقت الحاضر بمعنى أوسع من معناها الأصلي الذي سبقت الإشارة إليه، فهي تطلق الآن على أي انخفاض في حرارة الجو يؤدي إلى هبوطها إلى درجة الصفر المئوي أو إلى ما دونها حتى ولو لم يؤد هذا الانخفاض إلى ظهور المادة الثلجية البيضاء، وتقدر شدة الصقيع عادة على أساس مقدار انخفاض درجة الحرارة عن الصفر، ويلاحظ أن سرعة الرياح تزيد عادة من قسوة البرودة، فدرجة الحرارة ٥ ْم مثلًا تكون أشد تأثيرًا وخطرًا على النباتات إذا كانت الرياح شديدة منها إذا كان الهواء ساكنًا، ويتبين هذا من الجدول "٤١". ويعتبر الصقيع من أخطر الظاهرات الجوية على حياة النباتات، وخصوصًا

стр. 557

جدول "٤١" الحدود الحرارية التي وضعها مكتب الأرصاد الجوية البريطانية للصقيع١ الأنواع الحساسة منها، مثل الأزهار والفواكه والخضراوات، ولهذا فإن محطات الإذاعة والتلفاز في البلاد التي تتعرض كثيرًا لظهوره تذيع باستمرار إنذارات للزراع في حالة توقع ظهوره في بعض الليالي. وكثيرًا ما يعمد هؤلاء الزراع إلى إيقاد النيران في حدائقهم ومزارعهم لتلافي بعض أخطاره، كما هي الحال في الولايات المتحدة. وينتشر الصقيع في جميع الأقاليم المعتدلة والباردة من العالم، ولو أن مرات حدوثه تتزايد بصفة عامة كلما اتجهنا ناحية القطبين, وموسم ظهوره هو فصل الشتاء، ولكنه قد يظهر كذلك في فصلي الخريف والربيع, ويلاحظ أن صقيع فصل الشتاء لا يهم الزراع كثيرًا؛ لأنه تأتي في الفصل الذي يتوقف فيه نمو معظم النباتات، وخصوصًا في الأقاليم الباردة، كما أن صقيع فصل الخريف ليست له أهمية كبيرة؛ لأنه يأتي غالبًا بعد أن تكون معظم النباتات قد أتمت نموها، أو تكون على الأقل قد وصلت في نموها إلى مرحلة لا تتأثر فيها بظهور

стр. 558

الصقيع. أما صقيع فصل الربيع فهو في الواقع أخطر أعداء الفلاح في العروض المعتدلة لأنه يأتي في الوقت الذي تكون فيه النباتات قد بدأت نموها وتكون الأشجار قد أخذت تخرج براعمها، ويشتد خطر صقيع الربيع بصفة خاصة في السنوات التي يكون شتاؤها دافئًا نسبيًّا؛ لأن جميع النباتات، والأشجار تبدأ نموها وازدهارها في مثل هذه السنوات في أواخر الشتاء وأوائل الربيع، أي قبل مواعيدها المعتادة فإذا حدث وظهر صقيع شديد بعد ذلك فإنه يؤدي إلى هلاكها مما يسبب خسائر كبيرة للزراع، ففي مصر وغيرها من البلاد العربية مثلًا كثيرًا ما يحدث صقيع شديد في بعض الليالي الربيعية فيؤدي إلى هلاك بعض المحاصيل الحساسة مثل محصول الطماطم، مما يتسبب في نقص المعروض منه في الأسواق وارتفاع أسعاره فجأة ارتفاعًا كبيرًا. الحرارة المتجمعة Accumulated Temperature: ويقصد بها مجموع الوحدات أو الدرجات الحرارية التي تتجمع فوق أدنى متوسط يومي للحرارة يمكن أن تنمو فيه النباتات بصفة عامة، وهو في رأي معظم الباحثين ومن بينهم كوبن وأوستن ملر ٦ ْم، ويمكن أن تحسب الحرارة المتجمعة ليوم واحد أو لأسبوع أو شهر أو لأي فترة غير ذلك، إلا أن المعتاد هو حسابها لفصل النمو بأكمله، والحرارة المتجمعة لأي يوم هي الفرق بين متوسط درجة حرارته وصفر النمو:"٦ ْ" فإذا كان متوسط درجة الحرارة في يوم ما هو ١٦ ْم فإن الحرارة المتجمعة لهذا اليوم تكون ١٦ - ٦ = ١٠ ْم والحرارة المتجمعة لأي شهر من الأشهر هي مجموع الدرجات الحرارية المتجمعة في جميع أيام هذا الشهر، وأبسط طريقة لحسابها هي: م = "ح- ٦" × عدد أيام الشهر. وذلك على اعتبار أن "م" هي الحرارة المتجمعة و"ح" هي المتوسط اليومي لدرجة حرارة الشهر, فإذا كان المتوسط اليومي لدرجة حرارة شهر يناير مثلًا هو ١٠ ْم فإن حرارته المتجمعة تكون "١٠ - ٦" × ٣١ = ١٢٤ ْم.

стр. 559

والحرارة المتجمعة لفصل النمو هي مجموع درجات الحرارة التي تتجمع في جميع الأشهر التي يشملها هذا الفصل، وتقدير الحرارة المتجمعة لفصل النمو له أهمية كبيرة بالنسبة للحياة النباتية بصفة عامة والتوسع الزراعي في الأقاليم الباردة بصفة خاصة لأنه هو الذي يحدد نوع الغلات التي يمكن زراعتها في هذه الأقاليم، وذلك على أساس ما سبق أن ذكرناه من أن كل نبات يحتاج لكي يتم حياته إلى عدد معين من الأيام وإلى عدد معين أيضًا من الوحدات الحرارية، وقد ساعد هذا النوع من الدراسة كثيرًا من الدول الواقعة على حدود المناطق القطبية، كما هي الحال كندا وروسيا، على استغلال كثير من الأراضي الواقعة إلى الشمال من الدائرة القطبية في زراعة بعض المحاصيل التي أهمها القمح. وقد دلت التجارب على أن القمح يحتاج لكي يتم حياته إلى أن تتجمع خلال فصل نموه المعتاد الذي حوالي ٢١٥ يومًا، ١٠٩٠ ْم١ على الأقل، ومع ذلك فقد استنبتت من القمح فصائل يمكن أن تتم حياتها في فترة أقصر من ذلك وبعدد أقل من الدرجات الحرارية المتجمعة، ومن أمثلتها بعض الفصائل التي تزرع في شمال كندا وبعض جهات ألاسكا، وهي تستطيع أن تتم حياتها في يوم واحد أو أقل ولا تحتاج إلا إلى ٧٥٠ ْم، وليس من شك في أن وفرة ضوء الشمس في هذه العروض العليا في فصل الصيف يعتبر من العوامل التي تساعد على سرعة نمو النباتات وسرعة نضجها؛ لأنه يعوض النقص في درجة الحرارة من جهة وقصر النمو من جهة أخرى٢. ويمكننا أن نلخص العلاقة بين درجة الحرارة وحياة النباتات فيما يلي:

стр. 560

١- أن هناك حدًّا أدنى لدرجة الحرارة التي يمكن أن تنمو فيها النباتات، وهذا الحد الأدنى هو الذي يطلق عليه اسم "صفر النمو" zero point of GROWTH" وهو يختلف من نبات إلى آخر، فبينما تستطيع نباتات الأقاليم الباردة أن تنمو في درجة حرارة أقل من الصفر المئوي نجد أن أغلب نباتات الأقاليم المعتدلة لا تنمو إلا إذا ارتفع المتوسط اليومي لدرجة الحرارة عن ٦ ْم، "وهذا هو صفر النمو المتفق عليه بين كثير من الباحثين" أما نباتات الأقاليم الحارة فيلزم لنموها من غير شك درجات حرارة أعلى من ذلك. ٢- ولئن كان هناك حد أدنى لدرجة الحرارة التي ينمو فيه النبات، فإن هناك كذلك حدًّا أعلى لها، ويكون هذا الحد أقل بالنسبة لنباتات الأقاليم المعتدلة والباردة منه بالنسبة لنباتات الأقاليم الحارة، فبينما تموت بعض نباتات الأقاليم الباردة إذا زاد المتوسط اليومي لدرجة الحرارة عن ٢١ ْم، نجد أن أغلب نباتات الأقاليم الحارة لا يؤذيها ارتفاع هذا المتوسط إلى ٣٨ ْم أو أكثر. ٣- أن سرعة نمو أي نبات تبلغ أقصاها في درجة حرارة معينة يمكن اعتبارها أصلح درجة لنموه "Optimum Temperature" وهي ليست واحدة بالنسبة لجميع النباتات، بل إنها ليست واحدة بالنسبة للنبات الواحد في مراحل نموه، المختلفة، وهي تقع بطبيعة الحال بين أدنى وأعلى درجتي حرارة يستطيع أن ينمو فيهما النبات، وتكون أعلى بالنسبة لنباتات الأقاليم الحارة منها بالنسبة لنباتات الأقاليم الباردة. ٤- أن كل نبات يحتاج لكي يتم حياته ونضجه إلى عدد معين من الوحدات الحرارية التي يجب أن تتجمع في أثناء حياته فوق "صفر النمو" ويطلق على هذه الوحدات اسم الحرارة المتجمعة Accumulated Temperature. ٥- في الأقاليم المعتدلة والباردة يقف نمو معظم النباتات في الفصل الذي ينخفض في أثنائه المتوسط اليومي لدرجة الحرارة عن "صفر النمو" ويتزايد طول هذا الفصل، أو بعبارة أخرى يتناقص طوله كلما اقتربنا من

стр. 561

القطبين، ولهذا فإن النباتات التي تنمو في الأقاليم الباردة والقطبية تكون عادة من الأنواع التي تستطيع أن تتم حياتها في فترات قصيرة نسيبًّا، ويلاحظ مع ذلك أن كثيرًا من النباتات لا تموت تمامًا بانتهاء فصل النمو بل تموت فقط موتًا ظاهريًّا، ولا تلبث أن تدب فيها مظاهر الحياة من جديد عندما يحل الدفء، كما يلاحظ أن بعض النباتات لا تتأثر تأثرًا ظاهرًا ببرودة فصل الشتاء بل تظل خضراء طول السنة, وتعتبر الأشجار الصنوبرية التي تنمو قرب الدائرة القطبية من أحسن الأمثلة على ذلك.

стр. 562

الضوء: يعتبر ضوء الشمس بغض النظر عن حرارة الجو من أهم العناصر الضرورية لنمو النبات، وكلما زادت كمية الضوء ساعد ذلك على سرعة النمو، وهذه الحقيقة لها أهمية خاصة في العروض العليا؛ إذ إن طول النهار في فصل الصيف هناك يساعد النباتات على الإسراع في نموها، بحيث تتم حياتها ونضجها في فترة أقصر وبحرارة متجمعة أقل مما يلزم لنموها في العروض الأكثر دفئًا، ومعنى ذلك أن وفرة الضوء تستطيع أن تعوض النباتات عن بعض النقص في الحرارة، فالقمح الربيعي مثلًا يتم نموه ونضجه في شمال السويد في ٧٩ يومًا تقريبًا، بينما يحتاج إلى حوالي ١٠٧ أيام في جنوبها، ويرجع ذلك من غير شك إلى تزايد طول النهار في الصيف كلما اتجهنا شمالًا، ويبين الجدول رقم ١٦ أقصى طول للنهار في العروض المختلفة. جدول "١٦" أقصى طول للنهار "في ٢١ يونيو" في العروض المختلفة

стр. 563

١٤- ١- ٢- التربة: تمهيد: تعتبر التربة من غير شك ثروة من أعظم الثروات الطبيعية التي ترتبط بها حياة الإنسان ارتباطًا مباشرًا، فهي الوعاء الذي تجد فيه النباتات الاحتياجات اللازمة لوجودها ونموها وتكاثرها، والذي يحصل منه الإنسان بطريق مباشر أو غير مباشر على كل ما يحتاج إليه من ضروريات غذائه وملبسه ومسكنه. وليست المصادفة هي التي جعلت سكان العالم يتجمعون منذ بدء انتشارهم على سطح الأرض، وخصوصًا بعد أن بدءوا يعرفون الزراعة، في وديان الأنهار وغيرها من المناطق التي لا تصلح تربتها لإنتاج المحاصيل الغذائية، أو حتى لتقديم ثروة نباتية وحيوانية طبيعية يمكن أن يحصل منها الإنسان على احتياجاته الضرورية باتباع أساليب الجمع والالتقاط والصيد، وترتبط التربة في نشأتها وتركيبها وخصوبتها وغير ذلك من صفاتها العامة بعوامل مختلفة أهمها نوع الصخور التي استمدت منها "Parent Rocks" والعوامل المناخية التي تدخلت في تفتيت هذه الصخور وتحليل موادها ونقلها وتوزيعها على سطح الأرض وعلاقة ذلك بتضاريس هذا السطح وانحدارته وغير ذلك من العوامل التي يترتب عليها خلق أنواع من التربة ذات أشكال وخواص متباينة بحيث أصبح موضوع التربة من الموضوعات العلمية المعقدة التي لا يمكن الإلمام بكل جوانبها في أية دراسة عامة. وسنحاول فيما يلي أن نقدم عرضًا مختصرًا لأهم جوانب الموضوع بالقدر الذي تحتاج إليه دراستنا الجغرافية العامة. والمقصود بالتربة بمعناها الضيق هو المواد الصخرية المفتتة التي طرأ عليها بعض التغير الكيميائي واختلطت بها نسبة من المواد العضوية والسائلة والغازية فأصبحت ملائمة لنمو نوع أو أكثر من أنواع الحياة النباتية، وعلى هذا الأساس لا يعتبر الصخر المفتت وحده تربة بمعنى الكلمة طالما لم يطرأ عليه تغير كيميائي

стр. 564

أو يختلط بنسبة من المواد المذكورة، حيث إنه لا يكون في هذه الحالة صالحًا لنمو النباتات، وتتكون التربة عادة ببطء تحت تأثير عوامل مختلفة أهمها المناخ والنبات وتضاريس سطح الأرض، إن اختلاف هذه العوامل بالإضافة إلى نوع الصخر الأصلية التي تستمد منها المواد الصلبة التي تتكون منها التربة هو الذي يؤدي إلى ظهور الصفات الكثيرة التي تتميز بها بعض أنواع التربة عن بعضها الآخر.

стр. 565

مواد التربة: تنقسم المواد التي تتكون منها التربة عمومًا إلى قسمين كبيرين: فالقسم الأكبر منها يتكون من مواد غير عضوية "Lnorganlc" أما القسم الآخر فيتكون من مواد أصلها عضوية "organlc" بمعنى أنها مستمدة في الأصل من الكائنات الحية على اختلاف أنواعها ومراتبها، المواد غير العضوية: هذه المواد هي التي تكون القسم الأكبر من التربة وهي تنتج من تفكك وتحلل الصخور المختلفة التي تتكون منها قشرة الأرض بفعل التجوية الميكانيكية والكيميائية، والمعروف أن كل هذه الصخور عبارة عن مركبات من معادن مختلفة، كما أن المعادن نفسها ليست في معظمها إلا مركبات غير عناصر كيميائية مختلفة، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن المواد غير العضوية التي تتكون منها التربة هي عمومًا نفس العناصر التي تدخل في تركيب صخور القشرة الأرضية ومعادنها، وقد اكتشف من هذه العناصر أكثر من مائة عنصر ولكن نبين أن ٩٨.٥% من تركيب قشرة الأرض يتكون من ثمانية عناصر منها فقط وهي الأكسوجين والسيليكون والألومينيوم "ويتكون من هذه العناصر ثلاثة وحدها حوالي ٨٢% من صخور القشرة الأرضية" ويأتي بعدها بالترتيب الحديد والكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والمغنسيوم وكلها عناصر ضرورية لحياة النباتات. وهناك عناصر أخرى ضرورية لحياة النباتات أيضًا ولكنها موجودة بنسب صغيرة ومنها النيتروجين والفوسفور والكبريت
следующие страницы →