Полный текст (2 180 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
محلا للاجتهاد بإجماع الصحابة فلو أجمع التابعون عليها لخرجت عن أن تكون محلا للإجتهاد وذلك يفضي إلى تناقض الإجماعين وخامسها أن الصحابة إذا اختلفت على قولين ثم أجمع التابعون على أحدهما لا يصير القول الثاني مهجورا كما تقدمت هذه المسألة وإذا كان كذلك فنقول المسألة التي أجمع التابعون عليها يحتمل أن يكون لواحد من الصحابة فيها قول يخالف قول التابعين مع أن ذلك القول لم ينقل إلينا ومع هذا الاحتمال لا يثبت الإجماع فإن قلت لو فتحنا هذا الباب لزم أن لا يبقى شئ من النصوص دليلا على شئ من الأحكام لاحتمال طريان النسخ والتخصيص قلت الفرق أن حصول إجماع التابعين مشروط بأن لا يكون لأحد من
الصحابة قول يخالف قولهم فالشك فيه شك في شرط يتوقف ثبوت الإجماع عليه فيكون ذلك شكا في حدوث الإجماع والأصل بقاؤه على العدم وأما في مسألة الإلزام ف اللفظ بظاهره يقتضي العموم والشك إنما وقع في طريان المزيل والأصل عدم طريانه فظهر الفرق والجواب عن الأول أن الذي ذكرتموه يقتضي أنه لما مات واحد من أولئك الحاضرين أن
стр. 1297
لا يبقى إجماع الباقين حجة وذلك يقضي إلى سقوط العمل بالإجماع وهم لا يقولون به وعن الثاني أنه يحتمل أن تكون تلك الواقعة ما وقعت في زمن الصحابة فلم يتفحصوا عما يمكن الاستدلال به عليها ثم إنها وقعت في زمن التابعين فتفحصو مع عن الأدلة فوجودا بعض ما نقلته الصحابة دليلا عليه وعن الثالث أن حاصل ما ذكرتموه راجع إلى تعذر حصول الإجماع في غير زمان الصحابة وهذا لا نزاع فيه إنما النزاع في أنه لو حصل كان حجة وعن الرابع ما مر من الجواب عنه غير مرة وعن الخامس أنه يلزمكم أن لا يكون إجماع الصحابة حجة لاحتمال أن يكون الصحابي الذي مات قبل وفاة الرسول ﵊ له فيه قول والله
أعلم
стр. 1298
القسم السادس فيما عليه ينعقد الإجماع المسألة الأولى كل ما لا يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم به أمكن إثباته بالإجماع وعلى هذا لا يمكن إثبات الصانع وكونه تعالى قادرا عالما بكل المعلومات وإثبات النبوه بالإجماع أما حدوث العالم فيمكن إثباته به لأنه يمكننا إثبات الصانع بحدوث الأعراض ثم نعرف صحة النبوة ثم نعرف به الإجماع ثم نعرف به حدوث الأجسام وأيضا يمكن التمسك به في أن الله واحد لأننا قبل العلم بكونه واحدا يمكننا أن نعلم صحة الإجماع المسألة الثانية اختلفوا في أن الإجماع في الآراء والحروب هل هو حجة
стр. 1299
منهم من أنكر ومنهم من قال إنه حجة بعد استقراء الرأي وأما قبله فلا والحق أنه حجة مطلقا لأن أدلة الإجماع غير مختصة ببعض الصور
المسألة الثالثة هل يجوز أن تنقسم الأمة إلى قسمين وأحد القسمين مخطئون في مسألة والقسم الآخر مخطئون في مسألة أخرى مثل إجماع شطر الأمة على أن القاتل لا يرث والعبد يرث وإجماع الشطر الآخر على أن القاتل يرث والعبد لا يرث والأكثرون على أنه غير جائز لأن خطأهم في مسألتين لا يخرجهم عن أن يكونوا قد اتفقوا على الخطأ وهو منفي عنهم ومنهم من جوزه وقال لأن الخطأ ممتنع على كل الأمة لا على بعض الأمة والمخطئون سعيد في كل واحدة من المسألتين بعض الأمة المسألة الرابعة لا يجوز اتفاق الأمة على الكفر
стр. 1300
وحكى عن قوم أنه يجوز أن ترتد الأمة لأنها إذا فعلت ذلك لم يكونوا مؤمنين ولا سبيلهم سبيل المؤمنين وإذا كذبت الرسول خرجت من أن تكون من أمته وجه القول الأول أن الله أوجب اتباع سبيل المؤمنين واتباع سبيلهم مشروط بوجود سبيلهم وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب هذا إذا حملنا لفظ المؤمنين على الإيمان بالقلب أما إذا حملناه على التصديق باللسان ظهر أن الآية دالة على أن المصدقين في الظاهر لا يجوز إجماعهم على الخطأ ذلك يؤمننا من إجماعهم على الكفر
المسألة الخامسة يجوز اشتراك الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به لأن عدم العلم بذلك الشئ إذا كان صوابا لم يلزم من إجماعهم عليه محذور وللمخالف أن يقول لو اجمعوا على عدم العلم بذلك الشئ
стр. 1301
لكان عدم العلم به سبيلا للمؤمنين فكان يجب اتباعهم فيه حتى يحرم تحصيل العلم به
стр. 1302
القسم السابع في حكم الإجماع المسألة الأولى جاحد الحكم المجمع عليه لا يكفر خلاف لبعض الفقهاء
стр. 1303
لنا أن أدلة أصل الإجماع ليست مفيدة للعلم فما تفرع عليها أولى أن لا يفيد العلم بل غايته الظن ومنكر المظنون لا يكفر بالإجماع وايضا فبتقدير أن يكون أصل كون الإجماع حجة معلوما لا مظنونا لكن العلم به غير داخل في ماهية الاسلام وإلا لكان من الواجب على الرسول ﷺ أن لا يحكم بإسلام أحد حتى يعرفه أن الإجماع حجة ولما لم يفعل ذلك بل لم يذكر هذه المسألة صريحا طول عمره ﷺ علمنا أن العلم به ليس داخلا في ماهية الإسلام وإذا لم يكن العلم بأصل الإجماع معتبرا
في الإسلام وجب أن لا يكون العلم بتفاريعه داخلا فيه المسألة الثانية الإجماع الصادر عن الاجتهاد حجة خلافا للحاكم صاحب المختصر
стр. 1304
لنا أنهم لما أجمعوا على ذلك الحكم صار سبيلا لهم فوجب اتباعه للآية فإن قلت ومن سبيلهم إثباته بالاجتهاد وجواز القول بخلافه إذا لاح اجتهاد اخر قلت ومن سبيلهم إثباته بطريق كيف كان فأما تعينه فقد أجمعوا على أنه غير معتبر وعن الثاني أن تجويزهم القول بخلافة حاصل لا مطلقا بل بشرط أن لا يحصل الأتفاق المسألة الثالثة اختلفوا في أنه هل يجوز انعقاد الإجماع بعد إجماع على خلافه ذهب أبو عبد الله البصري إلى جوازه لأنه لا امتناع في إجماع الأمة على قول شرط أن لا يطرأ عليه إجماع اخر ولكن أهل الإجماع لما اتفقوا على أن كل ما أجمعوا عليه فإنه واجب العمل به في كل الأعصار فلا جرم أمنا من وقوع هذا الجائز وذهب الأكثرون إلى أنه غير جائز لأنه يكون أحدهما خطأ لا محالة
وإجماعهم على الخطأ غير جائز
стр. 1305
والقول الأول عندنا أولى المسألة الرابعة إذا أجمعوا على شئ وعارضه قول الرسول ﷺ فإما أن يعلم أن قصد النبي ﷺ بكلامه ما هو ظاهره وقصد أهل الإجماع بكلامهم ما هو ظاهره أو يعلم أحدهما دون الثاني أو لا يعلم واحد منهما والأول غير جائز لامتناع تناقض الأدلة وإن كان الثاني قدمنا ما علم ظهوره وإن كان الثالث فإن كان أحدهما أخص من الآخر خصصنا الأعم بالأخص توفيقا بين الدليلين بقدر الإمكان وإن لم يكن كذلك تعارضا لأنا نقطع بأن النبي ﷺ والأمة أراد أحدهما بكلامه غير ظاهرة لكنا لا نعلم أيهما كذلك فلا جرم يتساقطان والله أعلم
стр. 1306
الكلام في الأخبار وهو مرتب على مقدمه وقسمين
стр. 1307
أما المقدمة ففيها مسائل المسألة الأولى
لفظ الخبر حقيقة في القول المخصوص وقد يستعمل في غير القول كقول الشاعر
стр. 1308
تخبرني العينان ما القلب كاتم وكقول المعري نبي من الغربان ليس على شرع يخبرنا أن الشعوب إلى صدع وكقولهم خبر الغراب بكذا لكنه مجاز فيه بدليل أن من وصف
стр. 1309
غيره بأنه مخبر أو أخبر لم يسبق إلى فهم السامع إلا القول المسألة الثانية ذكروا في حده أمورا ثلاثة أحدها أنه الذي يدخله الصدق أو الكذب وثانيها أنه الذي يحتمل التصديق أو التكذيب وثالثها ما ذكره أبو الحسين البصري وهو أنه كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور نفيا أو إثباتا قال واحترزنا بقولنا بنفسه عن الأمر فإنه يفيد وجوب الفعل لكن لا بنفسه لأن ماهية الأمر استدعاء الفعل والصيغة لا تفيد إلا هذا القدر
ثم إنها تفيد كون الفعل واجبا تبعا لذلك وكذا القول في دلالة النهي على قبح الفعل فأما قولنا هذا الفعل واجب أو قبيح فإنه يفيد بصريحه تعلق الوجوب أو القبح بالفعل وأعلم أن هذه التعريفات ردية أما الأول فلان الصدق والكذب نوعان تحت الخبر والجنس جزء
стр. 1310
من ماهية النوع وأعرف منها فإذن لا يمكن تعريف الصدق والكذب إلا بالخبر فلو عرفنا الخبر بهما لزم الدور واعترضوا عليه أيضا من ثلاثة أوجه أحدها أن كلمة أو للترديد وهو ينافي التعريف ولا يمكن إسقاطها هاهنا لأن الخبر الواحد لا يكون صدقا وكذبا معا وثانيها ان كلام الله لا يدخله الكذب فكان خارجا عن هذا التعريف وثالثها أن من قال محمد ومسيلمة صادقان فإن هذا خبر مع أنه ليس بصدق ولا كذب ويمكن أن يجاب عن الأول بأن المعرف لماهية الخبر أمر واحد وهم إمكان تطرق أحد هذين الوصفين إليه وذلك لا ترديد فيه وعن الثاني
أن المعتبر إمكان تطرق أحد هذين الوصفين إليه وخبر الله تعالى كذلك لأنه صدق
стр. 1311
وعن الثالث أن قوله محمد ومسيلمة صادقان خبران وإن كانا في اللفظ خبرا واحدا لأنه يفيد إضافة الصدق إلى محمد ﵊ والى مسيلمة وأحد الخبرين صادق والثاني كاذب سلمنا أنه خبر واحد لكنه كاذب لأنه يقتضي إضافة الصدق إليهما معا وليس الأمر كذلك فكان كذبا لا محالة وأما التعريف الثاني فالاعتراض عليه أن التصديق والتكذيب عبارة عن الإخبار عن كون الخبر صدقا وكذا فقولنا الخبر ما يدخله التصديق والتكذيب جار مجرى أن يقال الخبر هو الذي يجوز الإخبار عنه بأنه صدق أو كذب فيكون هذا تعريفا للخبر بالخبر وبالصدق والكذب والأول هو تعريف الشئ بنفسه والثاني تعريف الشئ بما لا يعرف إلا به وأما الثالث فالاعتراض عليه من ثلاثة أوجه
стр. 1312
أحدها أن وجود الشئ عند أبي الحسين عين ذاته فإذا قلنا إن السواد موجود فهو خبر مع أنه إضافة شئ إلى شئ اخر فإن قلت السؤال إنما يلزم أن لو قال إضافة أمر إلى أمر اخر
وإنه لم يقل ذلك بل قال إضافة أمر إلى أمر وهذا أعم من قولنا إضافة أمر إلى أمر اخر وايضا فقولنا السواد موجود معناه أن المسمى بلفظ السواد مسمى بلفظ الموجود قلت الجواب عن الأول أن الإضافة مشعرة بالتغاير إذ لو لم يكن ذلك معتبرا لدخل اللفظ المفرد في الحد وعن الثاني أن موضع الإلزام ليس هو الإخبار عن التسمية بل عن وجوده وحصوله في نفسه ومعلوم أن من تصور ماهية المثلث أمكنه أن يشك في أنه هل هو موجود أم لا فموضع الإلزام ها هنا لا هناك وثانيها أنا إذا قلنا الحيوان الناطق يمشي فقولنا الحيوان الناطق
стр. 1313
يقتضي نسبة الناطق إلى الحيوان مع أنه ليس بخبر لأن الفرق بين النعت والخبر معلوم بالضرورة فإن قلت أزيد في الحد قيدا اخر فاقول إنه الذي يقتضي نسبة أمر إلى أمر بحيث يتم معنى الكلام والنعت ليس كذلك قلت إن عنيتم بكون الكلام تاما إفادته لمفهومه فذاك حاصل في النعت مع المنعوت لأن قول القائل الحيوان الناظق بكر يفيد معناه بتمامه وإن عنيتم به إفادته لتمام الخبر لم يعقل ذلك إلا بعد تعقل الخبر فإذا عرفتم به الخبر لزم الدور
وإن عنيتم به معنى ثالثا فاذكروه وثالثها أن قولنا نفيا وإثباتا يقتضي الدور لأن النفي هو الإخبار عن عدم الشئ والإثبات هو الإخبار عن وجوده فتعريف الخبر بهما دور واذا بطلت هذه التعريفات فالحق عندنا أن تصور ماهية الخبر غني عن الحد والرسم لدليلين الأول أن كل أحد يعلم بالضرورة معنى قولنا إنه موجود وإنه ليس بمعدوم وأن الشئ الواحد لا يكون موجودا ومعدوما ومطلق الخبر جزء
стр. 1314
من الخبر الخاص والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء فلو كان تصور مطلق ماهية الخبر موقوفا على الاكتساب لكان تصور الخبر الخاص أولى أن يكون كذلك فكان يجب أن لا يكون فهم هذه الأخبار ضروريا ولما لم يكن كذلك علمنا صحة ما ذكرناه والثاني أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر ويميزه عن الموضع الذي يحسن فيه الأمر ولولا أن هذه الحقائق متصورة تصورا بديهيا وإلا لم يكن الأمر كذلك فإن قلت الخبر نوع من أنواع الألفاظ والألفاظ ليست تصوراتها بديهية فكيف قلت إن ماهية الخبر متصورة تصورا بديهيا قلت حكم الذهن بين أمرين بأن أحدهما له الآخر أو ليس له الآخر معقول واحد لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وكل أحد يدركه من نفسه
ويجد التفرقة بينه وبين سائر أحواله النفسانية من ألمه ولذته وجوعه وعطشه وإذا ثبت هذا فنقول إن كان المراد من الخبر هو الحكم الذهني فلا شك أن تصوره في الجملة بديهي مركوز في فطرة العقل وإن كان المراد منه اللفظة الدالة على هذه الماهية فالاشكال غير وارد أيضا لأن مطلق اللفظ الدال على المعنى البديهي التصور يكون أيضا بديهي التصور
стр. 1315
المسألة الثالثة قيل لا بد في الخبر من الإرادة لأن هذه الصيغة قد تجي ولا تكون خبرا إما لصدورها عن الساهي والحاكي أو لأن المراد منها الأمر مجازا كما في قوله تعالى والجروح قصاص وإذا كانت الصيغة صالحة للدلالة على الخبرية وعلى غيرها لم ينصرف الى أحد الأمرين دون الآخر إلا لمرجح وهو الإرادة أو الداعي والكلام في هذا الأصل قد تقدم في أول باب الأمر وأيضا فلا معنى لكون الصيغة خبرا إلا أن المتلفظ تلفظ بها وكان مقصودة تعريف الغير ثبوت المخبر به للمخبر عنه أو سلبه عنه وزعم أبو علي وأبو هاشم أن الصيغة حال كونها خبرا صفة معللة بتلك الإرادة وإبطاله أيضا قد مضى في أول باب الأمر المسألة الرابعة إذا قال القائل العالم حادث فمدلول هذا الكلام حكمه بثبوت
стр. 1316
الحدوث للعالم لا نفس ثبوت الحدوث للعالم إذ لو كان مدلوله نفس ثبوت الحدوث للعالم لكان حيثما وجد قولنا العالم محدث كان العالم محدثا لا محالة فوجب أن لا يكون الكذب خبرا ولما بطل ذلك علمنا أن مدلول الصيغة هو الحكم بالنسبة لا نفس النسبة بقي ها هنا البحث عن ماهية الحكم فإنه لا يجوز أن يكون المراد منه الاعتقاد لإن الإنسان قد يخبر عما لا يعتقد فيه ألبته لأن من لا يعتقد أن زيدا في الدار يمكنه والحالة هذه أن يقول زيد في الدار ولا يجوز أن يكون المراد منه الإرادة لأن الإخبار قد يكون عن الواجب والممتنع مع أن الإرادة يمتنع تعلقها به فلم يبق إلا أن يكون الحكم الذهني أمرا مغايرا لجنس الاعتقادات والقصود وذلك هو كلام النفس الذي لا يقول به أحد إلا أصحابنا المسألة الخامسة اتفق الأكثرون على أن الخبر لا بد وأن يكون إما صدقا وإما كذبا خلافا للجاحظ
стр. 1317
والحق أن المسألة لفظية لأنا نعلم بالبديهة أن كل خبر فإما أن يكون مطابقا للمخبر عنه أو لا يكون فإن أريد بالصدق الخبر المطابق كيف كان وبالكذب الخبر الغير المطابق كيف كان وجب القطع بأنه لا واسطة بين الصدق والكذب وإن أريد بالصدق ما يكون مطابقا مع أن المخبر يكون عالما بأنه غير مطابق كان هناك قسم ثالث بالضرورة وهو الخبر الذي لا يعلم
قائله أنه مطابق أم لا فثبت أن المسألة لفظية فنقول للجاحظ أن يحتج على قوله بالنص والمعقول أما النص فقوله تعالى حكاية عن الكفار أفترى على الله كذبا أم به جنة جعلوا إخباره عن نبوة نفسه إما كذبا وإما جنونا مع أنهم كانوا يعتقدون أنه ليس برسول الله على التقديرين وهذا يقتضي أن يكون إخباره عن نبوة نفسه حال جنونه مع أنه ليس نبي عندهم لا يكون كذبا لأن
стр. 1318
المجعول في مقابلة الكذب لا يكون كذبا وأما المعقول فمن وجهين الأول أن من غلب على ظنه أن زيدا في الدار فأخبر عن كونه في الدار ثم ظهر أنه ما كان كذلك لم يقل أحد إنه كذب في هذا الخبر الثاني أن أكثر العمومات والمطلقات مخصصة ومقيدة فلو كان الخبر الذي لا يطابق المخبر كذبا لتطرق الكذب إلى كلام الشارع واحتج الجمهور باتفاق الأمة على تكذيب اليهود والنصارى في كفرياتهم مع أنا نعلم أن فيهم من لا يعلم فساد تلك المذاهب ويمكن أن يجاب عنه بأن أدلة الإسلام لما كانت جلية قوية كان حالهم شبيها بحال من أخبر عن الشئ مع العلم بفساده
تنبيه واعلم أن الخبر إما أن يقطع بكونه صدقا أو بكونه كذبا أو لا يقطع بواحد منهما فلا جرم رتبنا هذا الكتاب على قسمين القسم الأول في الخبر المقطوع به وهو إما أن يكون صدقا أو كذبا أما الصدق فطريق هذا القطع إما أن يكون هو التواتر أو غيره ونحن نتكلم أولا في التواتر ثم في سائر الطرق المفيدة للقطع ثم في الطرق التي يظن أنها تفيد القطع وإن لم تكن كذلك
стр. 1319
الباب الأول في التواتر المسألة الأولى التواتر في أصل اللغة عبارة عن مجئ الواحد بعد الواحد بفترة بينهما مأخوذ من قوله تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترا أي رسولا بعد رسول بفترة بينهما فكذا التواتر في المخبرين المراد به مجيئهم على غير الاتصال وأما في اصطلاح العلماء فهو خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم المسألة الثانية أكثر العلماء اتفقوا على أن أمثال هذه الأخبار قد تفيد العلم سواء أكان إخبارا على أمور موجودة في زماننا كالإخبار عن البلدان الغايبة قد أو عن أمور ماضية كالإخبار عن وجود الأنبياء والملوك الذي كانوا في القرون الماضية
стр. 1320
وحكي عن السمنية أن خبر التواتر عن الأمور الموجودة في زماننا لا يفيد العلم اليقيني ألبتة بل الحاصل منه الظن الغالب القوي ومنهم من سلم أن خبر التواتر عن الأمور الموجودة في زماننا يفيد العلم لكن الخبر عن الأمور الماضية في القرون الحالية لا يفيد العلم ألبتة لنا أنا نجد أنفسنا جازمة ساكنة بوجود البلاد الغائبة والأشخاص الماضية جزما خاليا عن التردد جاريا مجرى جزمنا بوجود المشاهدات فيكون المنكر لها كالمنكر للمشاهدات فلا يستحق المكالمة قال الخصم أنا لا أنكر وجود الظن الغالب القوي الذي لا يكاد يتميز عند الأكثرين عن اليقين التام لكن الكلام في أنه هل حصل اليقين أو لا والذي يدل على أن الحاصل ليس بيقين وجهان الأول أنا إذا عرضنا على عقولنا أن الواحد نصف الإثنين وعرضنا على
стр. 1321
عقولنا وجود جالينوس وفلان وفلان عند هذه الأخبار المتواترة وجدنا الجزم الأول أقوى وآكد من الجزم الثاني وقيام التفاوت يدل على احتمال تطرق النقيض إلى الاعتقاد الثاني وقيام هذا الاحتمال فيه كيف كان يخرجه عن كونه يقينا الثاني أن جزمي بوجود هذه المخبرات وفي ليس أقوى من جزمي بأن ولدي
الذي أراه في هذه الساعة هو الذي رأيته بالأمس ثم هذا الجزم ليس بيقين لأنه يجوز أن يوجد شخص مساو لولدي في الشخص والصورة من كل الوجوه إما لأن القادر المختار خلقه أو لأن شيئا من التشكلات الفلكية يقتضي وجوده عند منكري القادر فثبت أن هذا الجزم ليس بيقين بل ظن فكذلك الجزم الحاصل عقيب خبر التواتر فإذا قلت لو جوزنا أن يكون هذا الشخص الذي أراه الآن غير الذي رأيته بالأمس أدى ذلك إلى الشك في المشاهدات قوله لعل القادر خلق مثله أو الشكل الغريب الفلكي اقتضاه قلنا بل ها هنا قام برهان مانع منه وهو أن الله تعالى لو فعل ذلك لأفضى إلى اشتباه الشخص وذلك تلبيس وهو على الله تعالى محال
стр. 1322
قلنا لا نسلم أن تجويزه يفضي إلى الشك في المشاهدات لأن المشاهد هو وجود هذا الذي أراه الآن فأما أن هذا هو الذي رأيته بالأمس فهو غير مشاهد فلا يلزم من تطرق الشك إلى هذا المعنى تطرقه إلى المشاهدات وأما البرهان الذي ذكره على امتناع هذا الاحتمال فلا يدفع الإلزام لأن هذا الجزم لو كان بناء على ذلك البرهان لكان الجاهل بذلك البرهان خاليا عن ذلك الجزم لكن العوام لا يعرفون هذا البرهان فيجب أن لا يحصل لهم ذلك الجزم والجواب أن هذا تشكيك في الضروريات فلا يستحق الجواب كما أن شبه منكري المشاهدات لا تستحق الجواب لمثل هذا السبب
المسألة الثالثة العلم الحاصل عقيب خبر التواتر ضروري وهو قول الجمهور خلافا
стр. 1323
لأبي الحسين البصري والكعبي من المعتزلة ولإمام الحرمين والغزالي منا
стр. 1324
وأما الشريف المرتضى من الشيعة فإنه كان متوقفا فيه لنا لو كان ذلك العلم نظريا لما حصل لمن لا يكون من أهل النظر كالصبيان والبله ولما حصل ذلك لهم علمنا أنه ليس بنظري اعترض أبو الحسين والمرتضى على هذا الوجه بكلام واحد وهو أن النظر في ذلك ليس إلا ترتيب العلوم بأحوال المخبرين وهذا القدر حاصل للعامة والمراهقين لأنه قد حصل في عقولهم علوم كثيرة وهم يستنتجون كل من تركيبها علوما آخر سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك لكن معنا ما يبطله من ثلاثة أوجه
стр. 1325
الأول ما ذكره أبو الحسين البصري وهو أن الاستدلال عبارة عن ترتيب علوم أو ظنون يتوصل بها إلى علوم أو ظنون وكل اعتقاد توقف وجوده على ترتيب اعتقادات أخر فهو استدلالي والعلم الواقع بالتواتر هذا سبيله لأنا لا نعلم وجود ما أخبرنا أهل التواتر عنه إلا إذا علمنا أنه لا داعي للمخبرين إلى الكذب ولا لبس في المخبر عنه وأنه متى كان كذلك استحال كون
الخبر كذبا وإذا بطل كونه كذبا ثبت كونه صدقا فالسامع لخبر التواتر ما لم يتقرر عنده كل واحدة من هذه المقدمات لم يحصل له العلم فكان ذلك العلم استدلاليا الثاني أن العلم الحاصل بالخبر المتواتر لو كان ضروريا لكنا مضطرين إليه بحيث لا يمكننا الانفكاك عنه ولو كان كذلك لعلمنا بالضرورة كوننا عالمين على سبيل الاضطرار بذلك وكان ينبغي أن يعلم بالضرورة كل عاقل كون هذا العلم ضروريا كما في سائر العلوم الضرورية ولما لم يكن كذلك علمنا أن هذا العلم ليس بضروري الثالث ذكره الكعبي وهو أنه لو جاز أن يعلم ما غاب عن الحس
стр. 1326
بالضرورة لجاز أن يعلم المحسوس بالاستدلال ولما بطل هذا بطل الأول والجواب قوله ذلك الاستدلال سهل يتأتى من كل أحد قلنا سنبين ان شاء الله تعالى في فصل مفرد أن ذلك الاستدلال غامض جدا وهو الجواب بعينه عن المعارضة الأولى وعن الثاني أن كون العلم ضروريا كيقية للعلم ويجوز أن يكون أصل الشئ معلوما وتكون كيفيته مجهولة
وعن الثالث أنه لا بد من الجامع المسألة الرابعة استدل أبو الحسين البصري على أن خبر أهل التواتر صدق وقال لو كان كذبا لكان المخبرون إما أن يكونوا ذكروه مع علمهم بكونه كذبا أو لا مع علمهم بكونه كذبا والقسمان باطلان فبطل كونه كذبا فتعين كونه
стр. 1327
صدقا فكان مفيدا للعلم إنما قلنا إنه لا يجوز أن يذكره المخبرون مع علمهم بكونه كذبا لأنهم على هذا التقدير إما أن يكونوا قصدوا فعل الكذب لغرض ومرجح أو لا لغرض ومرجح والثاني محال أما أولا فلان الفعل لا يحصل في وقت دون وقت إلا لمرجح وإلا لزم ترجح أحد الطرفين على الآخر من غير مرجح وهو محال وأما ثانيا فلان كونه كذبا جهة قبح وجهة القبح صارفة عن الفعل ومع حصول الصارف القوي عن الفعل يستحيل حصول الفعل إلا لداع أقوى من ذلك الصارف وأما القسم الأول وهو أنهم قصدوا فعل الكذب لغرض فذلك الغرض إما نفس كونه كذبا أو شئ أخر والأول باطل لأن كونه كذبا جهة صرف لا جهة دعاء والثاني باطل لأن ذلك الغرض إما أن يكون دينيا أو دنيويا
وعلى التقديرين فإما أن يكون رغبة أو رهبة وعلى التقديرات فإما أن يقال كلهم كذبوا لداع واحد من هذه
стр. 1328
الأقسام أو يقال فعله بعضهم لبعض هذه الدواعي وبعضهم للبعض الآخر وعلى كل التقديرات فإما أن تحصل تلك الدواعي بالتراسل أو لا بالتراسل والأقسام كلها باطلة أما إنه لا يجوز أن يكون للدين فلان قبح الكذب متفق عليه سواء كان ذلك بالعقل أو بالشرع فكان ذلك صارفا دينيا لا داعيا دينيا وأما الرغبة الدنيوية فقد تكون رجاء عوض على الكذب أو لأجل أن يسمع غيره شيئا غريبا وإن كان لا أصل له والأول باطل لأن كثيرا من الناس لا يرضى بالعوض الكثير في مقابلة الكذب وإن احتاج إليه وكذا القول في القسم الثاني وأما الرهبة فهي لا تكون إلا من السلطان لكن السلطان لا يقدر على أن يجمع الجمع العظيم على الكذب ألا ترى أن السلطان لا يمكنه ذلك في جميع أهل بغداد لأنه لا يعلم كل واحد منهم حتى يجعله مضطرا إلى ذلك الكذب ولأن السلطان كثيرا ما يخوف الناس عن التحدث بكلام مع أنهم آخر الأمر يقولونه حتى يصير مشهورا بينهم ولأنا نعلم في كثير من الأمور إنه لا غرض للسلطان في أن يخبر عنه بالكذب ولا يجوز أيضا أن يقال الجماعة العظيمة كذبوا بعضهم للرغبة
وبعضهم للرهبة وبعضهم للتدين لأن كلامنا في جماعة عظيمة أبعاضها
стр. 1329
جماعات عظيمة يمتنع تساوي أجزائها في قوة هذه الدواعي وأما القسم الثاني وهو أنهم كذبوا مع أنهم لم يعلموا كونهم كاذبين فذاك لا يمكن إلا إذا اشتبه عليهم الشئ بغيره والاشتباه في الضروريات باطل وشرط خبر التواتر أن يكون واقعا عما علم وجوده بالضرورة وهذا إذا أخبر المخبرون عن المشاهدة وأما ما توسط بين من أخبرنا وبين من شاهد ذلك واسطة واحدة أو وسائط فإنه لا يحصل العلم بخبرهم إلا إذا علمنا كون الوسائط متصفين بالصفات المعتبرة في أهل التواتر وذلك إنما يعلم بطريقين الأول أن يكون أهل التواتر الذين رأيناهم أخبروا أن أولئك الذين مضوا كانوا مستجمعين للشرائط المعتبرة في أهل التواتر والثاني أن كل ما ظهر بعد خفاء وقوى بعد ضعف فلا بد وأن يشتهر فيما بين الناس حدوثه ووقت حدثوه فإن مقالة الجهمية والكرامية لما حدثت
стр. 1330
بعد أن لم تكن لا جرم اشتهر في ما بين الناس وقت حدوثها فلما لم يظهر شئ من ذلك علمنا أن الأمر كان كذلك في كل الأزمنة هذا تمام الاستدلال والاعتراض عليه أن يقال لأبي الحسين إما أن يكون غرضك من هذا الاستدلال ظنا قويا بكون الخبر صدقا
فذلك مسلم أو اليقين فلا نسلم أن ما ذكرته يفيد اليقين لأن التقسيم المفضي إلى اليقين يجب أن يكون دائرا بين النفي والاثبات ثم نبين فساد كل قسم سوى المطلوب بدليل قاطع وهذا الذي ذكره أبو الحسين ليس كذلك فلنبين هذه الأشياء فنقول لم لا يجوز أن يقال كذبوا لا لغرض قوله الفعل بدون المرجح محال قلنا هذا لا يتم على مذهبك لأنه يقتضي الجبر وأنت لا تقول به بيان أنه يقتضى الجبر أن قادرية العبد صالحة للفعل والترك وإلا لزم الجبر فلو لم يترجح أحد الطرفين إلا لمرجح فذاك المرجح إن كان من فعل العبد عاد
стр. 1331
الطلب من أنه لم فعل مرجح أحد الطرفين دون الآخر وإن كان ذلك لمرجح اخر من فعله لزم التسلسل أو ينتهي إلى مرجح ليس من فعله فعند حصول ذلك المرجح الذي ليس من فعله إما أن يكون ترتب أثره عليه واجبا أو لا يكون واجبا فإن كان الأول لزم الجبر وإن كان الثاني فهو باطل وبتقدير صحته فالإلزام عليك وارد أما أنه باطل فلأنه إذا لم يجب ترتب أثره عليه جاز حينئذ أن لا يترتب عليه في بعض الأوقات ذلك الأثر وجاز في وقت آخر أن يترتب إذ لو لم يجز ذلك أصلا لما كان ذلك مرجحا تاما وكلامنا في المرجح التام وإذا كان كذلك فترتب الأثر عليه في أحد الوقتين دون الوقت الآخر إما أن يكون لمزية يختص بها ذلك الوقت دون الوقت الثاني وإما لا يكون كذلك
فإن كان الأول فقبل حصولك * تلك المزية ما كان المرجح التام حاصلا لكنا قد فرضناه حاصلا هذا خلف ثم إننا ننقل الكلام إلى تلك المزية فنبين أنها من فعل الله وبعد حصولها فإن وجب ترتب الأثر عليها لزم الجبر وإن لم يجب افتقر إلى مزية أخرى لا إلي نهاية وهو محال وأما إن لم يكن ترتب الأثر على ذلك المرجح في ذلك الوقت لأجل
стр. 1332
حصول مزية في ذلك الوقت دون سائر الأوقات كانت نسبة تلك المزية إلى زماني ترتب الأثر عليه ولا ترتبه عليه على السواء ولا مرجح ولا مخصص ألبته فيكون اختصاص ذلك الوقت بترتب ذلك الأثر على ذلك المرجح دون الوقت الثاني يكون ترجيحا لأحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح وهو محال وقد بان بهذا أنه ما لم يحصل للعبد مرجح من قبل الغير يمتنع أن يكون فاعلا وإذا حصل المرجح وجب أن يكون فاعلا وهذا هو الجبر وأما بتقدير أن لا يجب ذلك فالإشكال وارد لأن عند حصول مرجح الوجود إذا جاز أن لا يوجد الوجود كان اللاوجود فلا واقعا لا عن مرجح أصلا وإذا جوزت ذلك بطل قولك الفعل لا يقع إلا عن الداعي فلم لا يجوز في أهل التواتر أن يكذبوا لا لداع وأما قوله ثانيا كونه كذبا جهة صرف لا جهة دعاء قلنا هذا بناءا على أن الكذب قبيح لكونه كذبا وقد مر الكلام في إبطاله في أول الكتاب سلمناه لكن عند حصول الصارف لو وجب الترك لزم الجبر
وأنت لا تقول به
стр. 1333
وإن لم يجب فقد جوزت عند حصول الصارف أن لا يقع العدم وجواز أن لا يقع العدم يقتضي جواز أن يقع الوجود فقد جوزت مع الصارف عن الفعل أن يوجد الفعل فلم يلزم من كون الكذب جهة صرف امتناع أن يوجد الكذب سلمنا أنه لا بد من داع فلم لا يجوز أن يوجد فيه شهوة متعلقة بالكذب لكونه كذبا ومتى كان كذلك أقدم العاقل على الكذب لا لغرض آخر سوى كونه كذبا فإن قلت إنه من المحال أن يشتهي العاقل الكذب لمجرد كونه كذبا وإن سلمنا جوازه لكن في حق الواحد والإثنين أما في حق الجمع العظيم فمحال وهذا كما أنه جاز على كل واحد منهم وحده أن يأكل في الساعة المعينة من اليوم المعين طعاما واحدا لكن لا يجوز اتفاق الكل عليه قلت الجواب عن الأول أنا لا نسلم امتناع ذلك فما الدليل عليه وكيف ونرى جمعا اعتادوا الكذب بحيث لا يصبرون عنه وإن كانوا يعلمون أن ذلك يضرهم عاجلا أو اجلا وإذا كان كذلك علمنا أن دعوى الضرورة باطلة
стр. 1334
وعن الثاني
نسلم أن استقراء العادة يفيد ظنا قويا بأن الخلق العظيم لا يتفقون على أكل طعام معين في زمان معين لكن لا نسلم حصول اليقين التام بذلك كيف وذلك جائز على كل واحد منهم وصدوره من كل واحد منهم لا يمنع صدوره عن الباقي فيكون صدوره عن كلهم كصدوره عن كل واحد منهم ومع هذه الحجة اليقينية على الجوار كيف تدعى ضرورة الامتناع سلمنا أنه لا بد من غرض سوى كونه كذبا فلم قلت إن ذلك الغرض إما أن يكون دينيا أو دنيويا أو رغبة او رهبه منه وما الدليل القاطع على الحصر سلمناه فلم لا يجوز أن يكون دينيا قوله حرمة الكذب متفق عليها قلنا مطلقا لا نسلم فإن كثيرا من الناس يعتقد أن الكذب المفضى إلى حصول مصلحة في الدين جائز ولذلك نرى جمعا من الزهاد وضعوا أشياء كثيرة من الأحاديث في فضائل الأوقات وزعموا أن غرضهم منه حمل الناس على العبادات وإذا كان كذلك فلعلهم اتفقوا على الكذب لما أنهم اعتقدوا فيه حصول مصلحة دينية وإن كان الأمر بخلاف ما تخيلوه سلمنا أنه ليس الغرض دينيا فلم لا يجوز أن يكون لرغبة دنيوية قوله الرغبة إما أخذ المال أو إسماع الغير كلاما غريبا
стр. 1335
قلنا أين الدليل على الحصر ثم اين الدليل القاطع على فساد هذين القسمين قوله الجماعات العظيمة لا يشتركون في الرغبة إلى الكذب لأجل هذين الغرضين
قلنا إن أدعيت الظن القوي فلا نزاع وإن ادعيت الجزم المانع من النقيض فما الدليل عليه فإنه إذا جاز ذلك في العشرة أو المائة ولم يكن ثبوت هذا الحكم للبعض مانعا من ثبوته للباقي فلم قلت إنه يمتنع كون الكل كذلك والذي يؤكده أنا لو قدرنا أن أهل بلدة علموا أن أهل سائر البلاد لو عرفوا ما في بلدهم من الوباء العام لتركوا الذهاب إلى بلدهم ولو تركوا ذلك لاختلت المعيشة في تلك البلدة وقدرنا أن أهل تلك البلدة كانوا علماء حكماء جاز في مثل هذه الصورة أن يتطابقوا على الكذب وإن كانوا كثيرين جدا فثبت بهذا إمكان اتفاق الخلق العظيم على الكذب لأجل الرغبة سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يكون للرهبة قوله السلطان لا يمكنه إسكات الكل قلنا إن أدعيت الظن القوي فمسلم وإن ادعيت اليقين فما الدليل
следующие страницы →