← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2022

المحصول للرازي

الفخر الرازي

Полный текст (2 180 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فكل من تكلم بلغته يجب أن يعنى به ذلك المعنى ولهذا يسبق إلى أذهان السامعين ذلك المعنى دون ما هو مجاز فيه ولو قال لنا مثل ذلك في المجاز لكان حقيقة ولم يكن مجازا ورابعها إجماع الكل على أن الأصل في الكلام الحقيقة وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال ما كنت أعرف معنى الفاطر حتى اختصم إلي شخصان في بئر فقال أحدهما فطرها أبي أي اخترعها وقال الأصمعي ما كنت أعرف الدهاق حتى سمعت جارية بدوية تقول اسقني دهاقا أي ملآنا فها هنا استدلوا بالاستعمال على الحقيقة فلولا أنهم عرفوا أن الأصل في الكلام الحقيقة وإلا لما جاز لهم ذلك وخامسها لو لم يكن الأصل في الكلام الحقيقة لكان الأصل إما أن يكون هو المجاز وهو باطل باجماع الأمة أو لا يكون واحد منهما

стр. 317

أصلا فحينئذ يتردد كل كلام الشارع بين أمرين فيصير الكل مجملا وهو باطل بالاجماع ويلزم أن يصير كل ما يتكلم به في العرف مجملا لتردد تلك الألفاظ بين حقائقها ومجازاتها ولو كان الكل مجملا لما فهمنا المراد في شئ من الألفاظ إلا بعد الاستفسار وطلب تعيين المراد ولما كان ذلك باطلا علمنا أن الأصل في الكلام الحقيقة فرع إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح فأيهما أولى فعند أبي حنيفة ﵁ الحقيقة المرجوحة أولى وعند أبي يوسف ﵀ المجاز الراجح أولى ومن الناس من قال يحصل التعارض لأن كل واحد منهما راجح على الآخر من وجه ومرجوح من وجه آخر فيحصل التعارض

стр. 318

القسم الثالث في المباحث المشتركة بين الحقيقة والمجاز وفيه مسائل المسألة الأولى في أن دلالة اللفظ بالنسبة إلى المعنى قد تخلو عن كونها حقيقة ومجازا أما في الأعلام فظاهر وأما في غيرها فالوضع الأول ليس بحقيقة ولا مجاز لأن الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه فالحقيقة لا تكون حقيقة إلا إذا كانت مسبوقة بالوضع الأول والمجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي فيكون هو أيضا مسبوقا بالوضع الأول فثبت أن شرط كون اللفظ حقيقة أو مجازا حصول الوضع الأول فالوضع الأول وجب أن لا يكون حقيقة ولا مجازا المسألة الثانية في أن اللفظ الواحد هل يكون حقيقة ومجازا معا أما بالنسبة إلى معنيين فلا شك في جوازه

стр. 319

وأما بالنسبة إلى معنى واحد فإما أن يكون بالنسبة إلى وضعين أو إلى وضع واحد أما الأول فجائز لأن لفظ الدابة بالنسبة إلى الحمار حقيقة بحسب الوضع اللغوي مجاز بحسب الوضع العرفي وأما الثاني فهو محال لامتناع اجتماع النفي والاثبات في جهة واحدة المسألة الثالثة في أن الحقيقة قد تصير مجازا وبالعكس الحقيقة إذا قل استعمالها صارت مجازا عرفيا والمجاز إذا كثر استعماله صار حقيقة عرفية المسألة الرابعة في أن اللفظ متى كان مجازا فلا بد وأن يكون حقيقة في غيره ولا ينعكس أما الأول فلأن المجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي وهذا تصريح بأنه وضع في الأصل لمعنى آخر فاللفظ متى استعمل في ذلك الموضوع كان حقيقة فيه وأما الثاني فلأن المجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي لمناسبة بينهما وليس يلزم من كون اللفظ موضوعا لمعنى أن يصير موضوعا

стр. 320

لشئ آخر بينه وبين الأول مناسبة المسألة الخامسة فيما به تنفصل الحقيقة عن المجاز الفروق المذكورة منها صحيحة ومنها فاسدة أما الصحيحة فنقول الفرق بين الحقيقة والمجاز إما أن يقع بالتنصيص أو الاستدلال أما التنصيص فمن ثلاثة أوجه أحدها أن يقول الواضع هذا حقيقة وذلك مجاز وثانيها أن يذكر أحدهما وثالثها أن يذكر خواصهما وأما الاستدلال فمن وجوه أربعة أحدها أن يسبق المعنى إلى افهام جماعة أهل اللغة عند سماع اللفظ من دون قرينة فيعلم أنها حقيقة فيه فإن السامع لولا أنه اضطر من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا اللفظ لذلك المعنى لما سبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره

стр. 321

وثانيها أن أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى اقتصروا على عبارات مخصوصة واذا عبروا عنه بعبارات أخرى لم يقتصروا عليها بل ذكروا معها قرينة فيعلم أن الأول حقيقة إذ لولا أنه استقر في قلوبهم استحقاق تلك اللفظة لذلك المعنى لما اقتصروا عليها وثالثها إذا علقت الكلمة بما يستحيل تعليقها به علم أنها في أصل اللغة اللغة غير موضوعة له فيعلم أنها مجاز فيه كقوله تعالى واسئل القرية ورابعها أن يضعوا اللفظ لمعنى ثم يتركوا استعماله إلا في بعض مجازاته ثم استعملوه بعد ذلك في غير ذلك الشئ علمنا كونه مجازا عرفيا مثل استعمال لفظ الدابة في الحمار فالخاصيتان أبي الأوليان للحقيقة والأخريان للمجاز وأما الفروق الضعيفة فقد ذكر مها الغزالي وجوها أربعة أحدها أن الحقيقة جارية على الاطراد فقولنا عالم لما صدق على ذي علم واحد صدق على كل ذي علم والمجاز ليس كذلك فإنه لما صح واسئل القرية صح واسأل البساط

стр. 322

وهذا ضعيف لأن الدعوى العامة لا تصح بالمثال الواحد وأيضا إن أراد باطراد الحقيقة استعمالها في جميع موارد نص الواضع فالمجاز أيضا كذلك لأنه يجوز استعماله في جميع موارد نص الواضع فلا يبقى بينهما فيه فرق وان أراد استعمال الاسم في غير موضع نص الواضع لكونه مشاركا للمنصوص عليه في المعنى فهذا هو القياس وعنده لا قياس في اللغات سلمنا جواز القياس في اللغة لكن دعوى اطراد الحقيقة ممنوعة لأن الحقيقة لا تطرد في مواقع كثيرة الأول أن يمنع منه العقل كلفظ الدليل عند من يقول إنه حقيقة في فاعل الدلالة فإنه لما كثر استعماله في نفس الدلالة لا جرم لم يحسن استعماله في حق الله تعالى إلا مقيدا الثاني أن يمنع السمع منه كتسمية الله تعالى بالفاضل والسخي فإنها ممنوعة شرعا مع حصول الحقيقة فيه الثالث ان تمنع منه اللغة كامتناع استعمال الأبلق في غير الفرس

стр. 323

فان اعتذروا عنه بأن الأبلق موضوع للمتلون بهذين اللونين بشرط كونه فرسا فنقول جوز في كل مجاز لا يطرد أن يكون سبب عدم اطراده ذلك وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعدم الاطراد على كونه مجازا وثانيها قال الغزالي ﵀ امتناع الاشتقاق دليل كون اللفظ مجاز فإن الأمر لما كان حقيقة في القول اشتق منه الآمر والمأمور ولما لم يكن حقيقة في الفعل لم يوجد منه الاشتقاق وهذا ضعيف لما تقدم أن الدعوى العامة لا تصح بالمثال الواحد لأنه ينتقض بقولهم للبليد حمار وللجمع حمر وعكسه أن الرائحة حقيقة في معناها ولم يشتق منها الاسم وثالثها أن تختلف صيغة الجمع على الاسم فيعلم أنه مجاز في أحدهما إذ الأمر الحقيقي يجمع على الأوامر وإذا أريد به الفعل يجمع على أمور

стр. 324

وهو ضعيف لأن اختلاف الجمع لا اشعار له ألبتة بكون اللفظ حقيقة في معناه أو مجازا ورابعها أن المعنى الحقيقي إذا كان متعلقا بالغير فإذا استعمل فيما لا تعلق له بشئ كان مجازا فالقدرة إذا أريد بها الصفة كان متعلقا بالمقدور وإذا أطلق على البيان الحسن لم يكن له متعلق فيعلم كونه مجازا فيه وهذا أيضا ضعيف جدا لاحتمال أن يكون اللفظ حقيقة فيهما ويكون له بحسب إحدى الحقيقتين متعلق دون الأخرى والله أعلم

стр. 325

الباب السابع في التعارض الحاصل بين أحوال الألفاظ اعلم أن الخلل الحاصل في فهم مراد المتكلم ينبني على خمس احتمالات في اللفظ أحدها احتمال الاشتراك وثانيها احتمال النقل بالعرف أو الشرع وثالثها احتمال المجاز ورابعها احتمال الإضمار وخامسها احتمال التخصيص فإن قلت تركت احتمال الاقتضاء قلت الاقتضاء اثبات شرط يتوقف عليه وجود المذكور ولا يتوقف عليه صحة اللفظ لغة كقول القائل اصعد السطح فإنه يقتضي نصب السلم لكن نصب السلم لا يتوقف عليه وجوب الصعود ولا يتوقف عليه صحة اللفظ

стр. 326

وإنما قلنا إن الخلل في الفهم لا بد وأن يكون لأحد هذه الخمس لأنه إذا انتقى احتمال الاشتراك والنقل كان اللفظ موضوعا لمعنى واحد واذا انتفى احتمال المجاز والاضمار كان المراد باللفظ ما وضع له فلا يبقى عند ذلك خلل في الفهم واذا انتفى احتمال التخصيص كان المراد باللفظ جميع ما وضع له. واعلم أن التعارض بين هذه الاحتمالات يقع في عشرة أوجه لأنه يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية ثم بين النقل والثلاثة الباقية ثم بين المجاز والوجهين الباقيين ثم بين الاضمار والتخصيص فكان المجموع عشرة المسألة الأولى إذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل فالنقل أولى لأن عند النقل يكون اللفظ لحقيقة مفردة في جميع الأوقات إلا أنه في بعض الأوقات مفرد بالاضافة إلى معنى وفي بعض الأوقات مفرد بالاضافة إلى معنى آخر والمشترك مشترك في الأوقات كلها فكان الأول أولى فإن قبل لا بل الاشتراك أولى لوجوه أحدها أن الاشتراك لا يقتضي نسخ وضع سابق والنقل يقتضيه فالاشتراك أولى من النسخ على ما سيأتي بيانه فوجب أن يكون أولى مما لا يحصل إلا عند حصول النسخ

стр. 327

وثانيها أن الاشتراك ما أنكره أحد من العلماء المحققين والنقل انكره كثير من المحققين فالأول أولى وثالثها أن الاشتراك إما أن يوجد مع القرينة أو لا يوجد مع القرينة فإن حصلت القرينة معه عرف المخاطب المراد على التعيين وإن لم توجد القرينة معه تعذر عليه العمل فيتوقف وعلى التقديرين لا يخطئ في العمل أما في النقل فربما لا يعرف النقل الجديد فيحمله على المفهوم الأول فيقع الغلط في العمل ورابعها أن الاشتراك يمكن حصوله بوضع واحد فإن المتكلم قد يحتاج إلى التكلم بالكلام المجمل فيقول الواضع وضع هذا اللفظ لهذا ولهذا بالاشتراك أما النقل فيتوقف على وضعه أولا ثم على نسخه ثانيا ثم على وضع جديد ولموقوف على أمر واحد أولى من الموقوف على أمور كثيرة وخامسها أن السامع قد يسمع استعمال اللفظ في المعنى الأول وفي المعنى الثاني ولا يعرف أنه نقل من الأول إلى الثاني فيظنه مشتركا فحينئذ يحصل فيه كل مفاسد الاشتراك مع مفاسد أخرى وهي جهله بكون اللفظ منقولا مع جميع المفاسد الحاصلة من النقل

стр. 328

وسادسها أن المشترك أكثر وجودا من المنقول فلو كانت المفاسد الحاصلة من المشترك أكثر لكان الواضع قد رجح ما هو أكثر مفسدة على ما هو أقل مفسدة وهو غير جائز والجواب أن الشرع إذا نقل اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه الشرعي فلا بد أن يشتهر ذلك النقل وأن يبلغ إلى حد التواتر وعلى هذا التقدير تزول المفاسد المذكورة والله أعلم المسألة الثانية إذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى ويدل عليه وجهان الأول أن المجاز أكثر في الكلام من الاشتراك والكثرة أمارة الظن في محل الشك الثاني أن اللفظ الذي له مجاز إن تجرد من القرينة حمل على الحقيقة وان لم يتجرد عنها حمل على المجاز فلا يعرى على تعيين المراد والمشترك لا يفيد عين المراد عند العراء عن القرينة فإن قيل بل الاشتراك أولى لوجوه

стр. 329

أحدها أن السامع للمشترك إن سمع القرينة معه علم المراد عينا فلا يخطئ وإن لم يسمع توقف وحينئذ لا يحصل إلا محذور واحد وهو الجهل بمراد المتكلم أما اللفظ المحمول على المجاز بالقرينة فقد يسمع اللفظ ولا تسمى القرينة وحينئذ يحمل على الحقيقة فيحصل محذوران احدهما الجهل بمراد المتكلم والآخر اعتقاد ما ليس بمراد مرادا وثانيها أن الاشتراك يحصل بوضع واحد على ما تقدم بيانه وأما المجاز فيتوقف على وجود الحقيقة وعلى وجود ما يصلح مجازا وعلى العلاقة التي لأجلها يحسن جعله مجازا وعلى تعذر الحمل على الحقيقة وما يتوقف على شئ واحد أولى مما يتوقف على أشياء وثالثها أن اللفظ المشترك إذا دل دليل على تعذر أحد مفهوميه يعلم منه كون الآخر مرادا والحقيقة إذا دل الدليل على تعذر العمل بها فلا يتعين فيها مجاز يجب حملها عليه

стр. 330

ورابعها أن اللفظ المشترك يفيد أن المراد هذا أو ذاك ودلالة اللفظ على هذا القدر من المعنى حقيقة لا مجاز والحقيقة راجحة على المجاز فالاشتراك راجح على المجاز وخامسها أن صرف اللفظ إلى المجاز يقتضي نسخ الحقيقة وحمله على الاشتراك لا يقتضي ذلك فكان الاشتراك أولى وسادسها أن المخاطب في صورة الاشتراك يبحث عن القرينة لأن بدون القرينة لا يمكنه العمل فيبعد احتمال الخطأ أما في صورة المجاز فقد لا نبحث عن القرينة لأن بدون القرينة يمكنه العمل فينصرف احتمال الخطأ سابعها أن الفهم في صورة الاشتراك يحصل بأدنى القرائن لأن ذلك كاف في الرجحان أما في صورة المجاز فلا يحصل رجحان المجاز إلا بقرينة قوية جدا لأن أصالة الحقيقة لا تترك إلا لقرينة والجواب أن هذه الوجوه معارضة بما ذكرناه في الباب المتقدم من فوائد المجازات

стр. 331

المسألة الثالثة إذا وقع التعارض بين الاشتراك والإضمار فالإضمار أولى لأن الاجمال الحاصل بسبب الاضمار مختص ببعض الصور والاجمال الحاصل بسبب الاشتراك عام في كل الصور فكان الاشتراك أخل بالفهم فإن قلت الإضمار يفتقر إلى ثلاث قرائن قرينة تدل على أصل الاضمار وقرينة تدل على موضع الاضمار وقرينة تدل على نفس المضمر والمشترك يفتقر إلى قرينة واحدة فكان الاضمار أكثر إخلالا بالفهم قلت هذا لا ينفعكم لأن الإضمار يحتاج إلى ثلاث قرائن في صورة واحدة والمشترك يحتاج إلى قرائن في صور متعددة فيبقى بعضها معارضا للبعض على أن الإضمار من باب الايجاب والاختصار وهو من محاسن الكلام قال ﵊ أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا وليس المشترك كذلك

стр. 332

المسألة الرابعة إذا وقع التعارض بين الاشتراك والتخصيص فالتخصيص أولى لأن التخصيص خير من المجاز على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والمجاز خير من الاشتراك على ما تقدم فالتخصيص خير من الاشتراك لا محالة المسألة الخامسة إذا وقع التعارض بين النقل والمجاز فالمجاز أولى لأن النقل يحتاج إلى اتفاق أهل اللسان على تغيير الوضع وذلك متعذر أو متعسر والمجاز يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الحقيقة وذلك متيسر فكان المجاز أظهر فان قلت ما ذكرته معارض بشئ آخر وهو أنه إذا ثبت النقل فهم كل أحد مراد المتكلم بحكم الوضع فلا يبقى خلل في الفهم وفي المجاز إذا خرجت الحقيقة فربما خفي وجه المجاز أو تعدد طريقه فيقع خلل في الفهم قلت ما ذكرتموه يعارضه شيئان آخران

стр. 333

أحدهما أن الحقيقة تعين على فهم المجاز لأن المجاز لا يصح إلا إذا كان بين الحقيقة والمجاز اتصال وفي صورة النقل اذا خرج المعنى الأول لقرينة لم يتعين اللفظ للمنقول إليه فكان المجاز أقرب إلى الفهم من هذا الوجه الثاني أن في المجاز من الفوائد وليس في النقل ذلك فكان المجاز أولى المسألة السادسة إذا وقع التعارض بين النقل والاضمار فالاضمار (أولى والدليل عليه ما ذكرناه في أن المجاز أولى سواء بسواء المسألة السابعة اذا وقع التعارض بين النقل والتخصيص فالتخصيص أولى لأن التخصيص خير من المجاز على ما سيأتي والمجاز خير من النقل على ما تقدم فالتخصيص خير من النقل المسألة الثامنة اذا وقع التعارض بين المجاز والاضمار فهما سواء لأن كل واحد منهما يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الظاهر

стр. 334

وكما يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المضمر كذلك يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المجاز فان قلت الحقيقة تعين على فهم المجاز فكانت أولى قلت والحقيقة تعين على فهم الإضمار لأن حد الاضمار أن يسقط من الكلام شئ يدل عليه الباقي المسألة التاسعة إذا وقع التعارض بين المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى لوجهين الأول أن في صورة التخصيص اذا لم يقف على القرينة يجريه على عمومه فيحصل مراد المتكلم وغير مراده وفي صورة المجاز اذا لم يقف على القرينة يجريه على الحقيقة فلا يحصل مراد المتكلم ويحصل غير مراده الثاني أن في صورة التخصيص انعقد اللفظ دليلا على كل الأفراد فاذا خرج البعض بدليل بقي معتبرا في الباقي فلا يحتاج فيه إلى تامل واستدلال واجتهاد وفي صورة المجاز انعقد اللفظ دليلا على الحقيقة فاذا خرجت الحقيقة بقرينة احتيج في صرف اللفظ إلى المجاز إلى نوع تأمل واستدلال فكان التخصيص أبعد عن الاشتباه فكان أولى المسألة العاشرة إذا وقع التعارض بين الإضمار والتخصيص فالتخصيص أولى

стр. 335

والدليل عليه أن التخصيص خير من المجاز والمجاز والاضمار سيان فيلزم أن يكون التخصيص خيرا من الإضمار فروع الأول أنك ستعرف إن شاء الله تعالى أن النسخ تخصيص في الأزمان فحيث رجحنا التخصيص على الاشتراك فإنما أردنا به التخصيص في الأعيان أما لو وقع التعارض بين الاشتراك والنسخ فالاشتراك أولى لأن النسخ يحتاط فيه ما لا يحتاط في تخصيص العام ألا ترى أنه يجوز تخصيص العام بخبر الواحد والقياس ولا يجوز نسخ العام بهما والفقه فيه أن الخطاب بعد النسخ يصير كالباطل وبعد التخصيص لا يصير كالباطل فلا جرم يحتاط في النسخ ما لا يحتاط في التخصيص الثاني أن اللفظ اذا دار بين التواطؤ والاشتراك فالتواطؤ أولى لأن مسمى اللفظ المتواطئ واحد والتعدد واقع في محاله ومسمى المشترك ليس بواحد والافراد أولى من الاشتراك على ما تقدم بيانه الثالث إذا وقع التعارض بين أن يكون مشتركا بين علمين وبين معنيين كان

стр. 336

جعله مشتركا بين علمين أولى لأن الاعلام إنما تنطلق على الأشخاص المخصوصة كزيد وعمرو وأما أسماء المعاني فإنها تتناول المسمى في أي ذات كان فكان اختلال الفهم بجعله مشتركا بين علمين أقل فكان أولى الرابع جعل اللفظ مشتركا بين علم ومعنى أولى من جعله مشتركا بين معنيين لأن الاختلال الحاصل عند الاشتراك بين العلم ولمعنى أقل مما عند الاشتراك بين المعنيين الخامس اللفظ إذا تناول الشئ بجهة الاشتراك وبجهة التواطؤ كان اعتقاد أنه مستعمل بجهة التواطؤ أولى وبيانه ان لفظ الأسود يتناول القار والزنجي بالتواطؤ ويتناول القار والرجل المسمى بالأسود بالاشتراك فاذا وجد شخص أسود ومسمى بالأسود ثم أطلق عليه لفظ الأسود فاعتقاد أنه أطلق عليه هذا الاسم باعتبار كونه ملونا أولى لأن الاطلاق بهذا الاعتبار اطلاق بجهة التواطؤ والاطلاق بجهة التلقيب اطلاق بجهة الاشتراك والتواطؤ أولى من الاشتراك فكان ذلك أولى والله أعلم

стр. 337

الباب الثامن في تفسير حروف تشتد الحاجة في الفقه إلى معرفة معانيها وفيها مسائل المسألة الأولى ف ي أن الواو العاطفة لمطلق الجمع قال أبو علي الفارسي أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه أنها للجمع المطلق وقال بعضهم إنها للترتيب

стр. 338

لنا وجوه الأول أن الواو قد تستعمل فيما يمتنع حصول الترتيب فيه كقولهم تقاتل زيد وعمرو ولو قيل تقاتل زيد فعمرو أو تقاتل زيد ثم عمرو لم يصح والأصل في الكلام الحقيقة فوجب أن يكون حقيقة في غير الترتيب فوجب أن لا يكون حقيقة في الترتيب دفعا للاشتراك الثاني لو اقتضت الواو الترتيب لكان قوله رأيت زيدا وعمرا بعده تكريرا ولكان قوله رأيت زيدا وعمروا قبله متناقضا ولما لم يكن كذلك بالاجماع صح قولنا فان قلت يجوز أن يكون الشئ بإطلاقه لا يفيد حكما ثم إذا أضيف إليه شئ آخر تغير عما كان عليه فقوله زيد في الدار يفيد الجزم فإذا أدخلت عليه الهمزة فقيل أزيد في الدار صار للاستخبار وبطل معنى الجزم قلت حاصل هذا السؤال يرجع إلى أن قوله قبله أو بعده كالمعارض لمقتضى الواو إلا أن التعارض خلاف الأصل فالمفضي إليه وجب أن لا يكون

стр. 339

الثالث قوله تعالى في سورة البقرة وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وفي الأعراف وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا والقصة واحدة وقوله تعالى واسجدي واركعي مع أن شرعها تقدم الركوع وقوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وقوله تعالى أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقوله تعالى والسارق والسارقة وقوله الزانية والزاني ففي شئ من هذه المواضع لا تفيد الترتيب الرابع السيد إذا قال لعبده اشتر اللحم والخبز لم يفهم منه الترتيب الخامس روي عن النبي ﷺ أنه قيل له حين أراد السعي بين الصفا والمروة بأيهما نبدأ فقال ابدأوا بما

стр. 340

بدأ الله به ولو كانت الواو للترتيب لما اشتبه ذلك على أهل اللسان ولما احتيج في بيان وجوب الابتداء من الصفا إلى الاستدلال بأنه مذكور أولا فوجب أن تقع به البداءة السادس لو كانت الواو للترتيب لوجب أن القائل اذا قال رأيت زيدا وعمرا ثم علم أنه رآهما معا أن يكون كاذبا وبالاجماع ليس كذلك السابع قال أهل اللغة واو العطف في الأسماء المختلفة ك واو الجمع وبالتثنية في الأسماء المتماثلة فإنهم لما لم يتمكنوا من جمع الأسماء المختلفة بواو الجمع استعملوا فيها واو العطف ولما كان قولهم جاءني الزيدان واجتمع الزيدون يفيد الاشتراك في الحكم ولا يفيد الترتيب فيه فكذا القول في واو العطف وواو الجمع يجوز أن يشتركا في إفادة الاشتراك ف إن قلت واو العطف وواو الجمع يجوز أن يشتركا في إفادة الاشتراك ثم واو العطف يختص بفائدة زائدة وهي الترتيب

стр. 341

قلت إنهم نصوا على أن فائدة احداهما عين فائدة الأخرى وذلك ينفي الاحتمال المذكور احتج المخالف بأمور أحدها أن واحدا قام عند رسول الله ﵌ وقال من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى فقال ﵊ بئس الخطيب أنت هلا قلت ومن عصى الله ورسوله فقد غوى

стр. 342

ولو كانت الواو للجمع المطلق لما افترق الحل بين ما علمه الرسول ﵌ وبين ما قال الرجل وعن عمر ﵁ أنه سمع شاعرا يقول كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

стр. 343

فقال له عمر ﵁ لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك وهذا يدل على أن التأخير في اللفظ يدل على التأخير في الرتبة وروي أن الصحابة ﵃ قالوا لابن عباس ﵄ لم تأمرنا بالعمرة قبل الحج وقد قال الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وهم كانوا فصحاء العرب فثبت أنهم فهموا من الواو الترتيب

стр. 344

وثانيها إذا قال الزوج لامرأته التي لم يدخل بها أنت طالق وطالق طلقت طلقة واحدة ولم تلحقها الثانية ولولا أن الواو تقتضي الترتيب للحقتها الثانية كما أنها تطلق طلقتين إذا قال لها أنت طالق طلقتين وثالثها اذا قال رأيت زيدا وعمرا فالترتيب يستدعي سببا والترتيب في الوجود صالح له فوجب جعله سببا له إلى أن يذكر الخصم سببا آخر ورابعها أن الترتيب على سبيل التعقيب وضعوا له الفاء والترتيب على سبيل التراخي وضعوا له ثم ومطلق الترتيب وهو القدر المشترك بين هذين النوعين معنى معقول أيضا فلا بد له من لفظ يدل عليه وما ذاك إلا الواو

стр. 345

فإن قلت الجمع المطلق معنى معقول أيضا فلا بد له من لفظ يدل عليه وما ذاك إلا الواو قلت لما حصل التعارض وجب الترجيح وهو معنا وذلك لأنا لو جعلناه للترتيب المطلق كان معنى الجمع المطلق جزءا من المسمى ولازما له فجاز جعله مجازا فيه بسبب الملازمة وأما لو جعلناه للجمع المطلق لم يكن الترتيب المطلق لازما له فلا يمكن جعله مجازا عنه لعدم الملازمة والجواب عن الأول أن الواو في قوله ومن عصى الله ورسوله لا تقتضي الترتيب لأن معصية الله تعالى ومعصية رسوله ﷺ لا تنفك احداهما عن الأخرى فهذا بأن يدل على فساد قولكم أولى بل السبب فيه أن قوله ومن عصى الله ورسوله افراد لذكر الله تعالى عن ذكر غيره فكان أدخل في التعظيم وأما أثر عمر ﵁ فهو محمول على أن الأدب أن يكون المقدم في الفضيلة مقدما في الذكر

стр. 346

وأما أثر ابن عباس ﵄ فهو معارض بأمر ابن عباس إياهم بتقديم العمرة على الحج وعن الثاني أن السبب في أن الطلقة الثانية لا تلحقها أن الطلاق الثاني ليس تفسيرا للكلام الأول والكلام الأول تام فبانت به أما إذا قالت أنت طالق طلقتين فالقول الأخير في حكم البيان للأول فكان تمام الكلام بآخره وعن الثالث أن الابتداء بالذكر لما كان دليلا على الترتيب لم تكن بنا حاجة إلى جعل الواو للترتيب وعن الرابع أن ما ذكرتموه من الترجيح معارض بوجه آخر وهو إن الحاجة إلى التعبير عن المعنى الأعم أشد من الحاجة إلى التعبير عن المعنى الأخص لأنه حيث يحتاج إلى ذكر الأخص يحتاج إلى ذكر الأعم لا محالة ضمنا وقد يحتاج إلى ذكر الأعم حيث لا يحتاج إلى ذكر الأخص ألبتة فكانت الحاجة إلى ذكر الأعم أشد

стр. 347

المسألة الثانية الفاء للتعقيب على حسب ما يصح فلو قال دخلت بغداد فالبصرة أفاد التعقيب على ما يمكن لا على ما يمتنع وإنما قلنا إنها للتعقيب لإجماع أهل اللغة عليه ومنهم من استدل عليه بأنها لو لم تكن للتعقيب لما دخلت على الجزاء اذا لم يكن بلفظ الماضي والمضارع لكنها تدخل فيه فهي للتعقيب بيان الملازمة أن جزاء الشرط قد يكون بلفظ الماضي كقوله من دخل داري أكرمته وقد يكون بلفظ المضارع كقوله من دخل داري يكرم وقد يكون لا بهاتين اللفظتين وحينئذ لا بد من ذكر الفاء كقوله من دخل داري فله درهم وقول الشاعر من يفعل الحسنات ... الله يشكرها فقد أنكره المبرد وزعم أن الرواية الصحيحة من يفعل الخير فالرحمن يشكره

стр. 348

وإذا وجب دخول الفاء على الجزاء وثبت أن الجزاء لا بد أن يحصل عقيب الشرط علمنا أن الفاء تقتضي التعقيب واحتج المنازع بأمور أحدها أن الفاء جاء في كتاب الله تعالى لا بمعنى التعقيب في قوله تعالى لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب والاسحات لا يقع عقيب الافتراء بل يتراخى إلى الآخرة وقال وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة مع أن ذلك قد لا يحصل عقيب المداينة

стр. 349

وثانيها أن الفاء قد تدخل على لفظ التعقيب ولو كانت الفاء للتعقيب لما جاز ذلك وثالثها أن التعقيب يصح الإخبار به وعنه والفاء ليست كذلك فالفاء مغايرة للتعقيب والجواب عن الكل أن ما ذكرتموه استدلال في مقابلة النص فلا يقدح في قولنا بل وجب حمل ما ذكروه أولا على المجاز وثانيا على التوكيد وأما الثالث ففيه بحث دقيق ذكرناه في كتاب المحرر في دقائق النحو المسألة الثالثة لفظة في للظرفية محققا أو مقدرا أما المحقق فكقولهم زيد في الدار وأما المقدر فكقوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشئ في المكان

стр. 350

وقولنا فلان في الصلاة وشاك في هذه المسألة من هذا الباب ومن الفقهاء من قال إنها للسببية كقوله ﵊ في النفس المؤمنة مائة من الإبل وهو ضعيف لأن أحدا من أهل اللغة ما ذكر ذلك مع أن المرجع في هذه المباحث اليهم المسألة الرابعة المشهور أن لفظة من ترد لابتداء الغاية كقولك سرت من الدار إلى السوق وللتبعيض كقولك باب من حديد وللتبيين كقوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان وقد تجئ صلة في الكلام كقولك ما جاءني من رجل والحق عندي أنه للتمييز فقولك سرت من الدار إلى السوق ميزت مبدأ السير عن غيره وقولك باب من حديد ميزت الشئ الذي يكون منه الباب عن غيره وقوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان

стр. 351

ميزت الرجس الذي يجب اجتنابه عن غيره وكذلك قولك ما جاءني من أحد ميزت الذي نفيت عنه المجئ وأما إلى فهي لانتهاء الغاية وقيل إنها مجملة لأنها في قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق تستدخل الغاية وفي قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل تقتضي خروجها وهذا ضعيف لأن هذه اللفظة إنما تكون مجملة لو كانت موضوعة لدخول الغاية وعدم دخولها على سبيل الاشتراك لكنا بينا أن اللفظ لا يجوز أن يكون مشتركا بالنسبة إلى وجود الشئ وعدمه بل الحق أن الغاية إن كانت متميزة عن ذي الغاية بمفصل حسي كما في الليل والنهار وجب خروجها وان لم تكن متميزة عنها بمفصل حسي كما في اليد والمرفق وجب دخولها لأنه ليس بعض المقادير أولى من بعض فليس تقدير القدر الذي يجوز إخراجه من المرفق عن وجوب

стр. 352

الغسل بقدر معين أولى من تقديره بما هو أزيد أو أنقص المسألة الخامسة الباء اذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه كقوله تعالى وامسحوا برءوسكم تقتضي التبعيض خلافا للحنفية وأجمعنا على أنها إذا دخلت على فعل لا يتعدى بنفسه كقولك كتبت بالقلم ومررت بزيد فإنها لا تقتضي إلا مجرد الالصاق لنا أنا نعلم بالضرورة الفرق بين أن يقال مسحت يدي بالمنديل وبالحائط وبين أن يقال مسحت المنديل والحائط في أن الأول يفيد التبعيض والثاني يفيد الشمول

стр. 353

واحتج المخالف بأمرين الأول أن القائل إذا قال مررت بزيد وكتبت بالقلم وطفت بالبيت عقلوا منه الصاق الفعل بالمفعول به فدل على أن مقتضى اللفظ ليس إلا الصاق الفعل بالمفعول به الثاني أن أبا الفتح ابن جني ذكر أن الذي يقال من أن الباء للتبعيض شئ لا يعرفه أهل اللغة والجواب عن الأول أن قولهم مررت بزيد وكتبت بالقلم إنما أفاد ذلك لأنه لا يتعدى بنفسه فلا يجوز أن يقال مررت زيدا وكتبت القلم فلذلك أفاد ما قالوه بخلاف ما ذكرنا وأما الطواف فهو عبارة عن الدوران حول جميع البيت ولهذا لا يسمى من دار ببعضه طائفا بخلاف ما نحن فيه فإن من مسح بعض الرأس يسمى ماسحا وعن الثاني أن الشهادة على النفي غير مقبولة فلنا أن نخطئ ابن

стр. 354

الجني بالدليل الظاهر الذي ذكرناه المسألة السادسة لفظة إنما للحصر خلافا لبعضهم لنا ثلاثة أوجه أحدها أن الشيخ ابا علي الفارسي حكى ذلك في كتاب الشيرازيات عن النحاة وصوبهم فيه وقولهم حجة وثانيها التمسك بقول الأعشى ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر

стр. 355

وبقول الفرزدق أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
следующие страницы →