← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2022

المحصول للرازي

الفخر الرازي

Полный текст (2 180 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المسألة الثانية تكليف الغافل غير جائز للنص والمعقول أما النص فقوله ﵊ رفع القلم عن ثلاث

стр. 632

وأما المعقول فهو أن فعل الشئ مشروط بالعلم به إذ لو لم يكن كذلك لما أمكننا الاستدلال بالأحكام على كون الله تعالى عالما وإذا ثبت هذا فلو حصل الأمر بالفعل حال عدم العلم به لكان ذلك تكليف مالا يطاق واعلم أن الكلام في هذه المسألة يتفرع على نفي تكليف ما لا يطاق فإن قيل لا نسلم أن فعل الشئ مشروط بالعلم به فإن الجاهل قد يفعله على سبيل الاتفاق فإن قلت الاتفاقي لا يكون دائما ولا أكثريا قلت لا نسلم فإن حكم الشئ حكم مثله فلما جاز وجود الفعل مع عدم العلم به مرة واحدة جاز أيضا ثانية وثالثة فيلزم إمكان ذلك في الأكثر ودائما وإذا جاز ذلك فلا استحالة في أن يعلم الله تعالى وقوع هذا الجائز في بعض الأشخاص

стр. 633

وإذا علم الله تعالى ذلك منه لم يكن تكليفه بالفعل حال مالا يكون المكلف عالما به نكليف أنه ما لا يطاق سلمنا ذلك لكنه معارض بأمور أحدها أن الأمر بمعرفة الله تعالى وارد فإما أن يكون ذلك الأمر واردا بعد حصول المعرفة وذلك محال لأنه يلزم الأمر إما بتحصيل الحاصل أو بالجمع بين المثلين وهو محال أو قبل حصول المعرفة لكن المأمور قبل أن يعرف الأمر استحال منه أن يعرف الأمر فإذن قد توجه التكليف عليه حالة مالا يمكنه العلم بذلك وهو المطلوب الثاني أن العلم بوجوب تحصيل معرفة الله تعالى ليس علما ضروريا لازما لعقول العقلاء وطباعهم بل ما لم يتأمل الأنسان ضربا من التأمل لا يحصل له العلم بالوجوب فنقول علمه بوجوب الطلب إما أن يحصل قبل إتيانه بالنظر أو بعد إتيانه به فإن حصل قبل إتيانه بالنظر وهو قبل إتيانه بالنظر لا يمكنه

стр. 634

أن يعلم ذلك الوجوب لأن العلم بالوجوب مشروط بالإتيان بذلك النظر وقبل الإيان بذلك النظر لو وجب عليه ذلك لوجب عليه في وقت لا يمكنه أن يعلم كونه واجبا عليه وذلك هو تكليف الغافل وإن حصل بعد إتيانه النظر فبعد الإتيان بالنظر حصل العلم بالوجوب فلو وجب عليه في هذا الوقت تحصيل العلم بالوجوب لزم إما تحصيل الحاصل أو الجمع بين المثلين الثالث أن الصبي والمجنون والنائم غافلون عن الفعل ثم إن أفعالهم توجب الغرامات والأروش الرابع قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون خاطب السكران والسكران غافل فثبت أنه يجوز خطاب الغافل والجواب نحن لا ندعي أن وقوع الفعل من العبد مشروط بعلمه به بل ندعي أن اختيار المكلف فعلا معينا لغرض الخروج عن عهدة التكليف مشروط بالعلم به وهذا معلوم بالضروة ولا يقدح فيه ما ذكرتموه

стр. 635

وأما المعارضة الأولى فقد تقدم ذكرها في مسألة تكليف مالا يطاق وأما الثانية فمن الناس من زعم أن العلم بوجوب النظر ضروري وهذا ضعيف لأن العلم بكون النظر في الإلهيات مفيدا للعلم وبكونه معينا في ذلك من أغمض المسائل وأدقها لأن جمهور العقلاء وإن ساعدوا على كون النظر مفيدا للعلم في الجملة كما في الحسابيات والهندسيات لكنهم نازعوا في كون النظر مفيدا للعلم في الإلهيات وزعموا أن النظر فيها لا يفيد إلا الظن ومن سلم ذلك فقد قالوا كما أن النظر يفيد العلم فغيره ايضا قد يفيده وهو تصفية الباطن

стр. 636

وإذا كان العلم بوجوب النظر موقوفا على هذين المقامين النظريين والموقوف على النظري أولي أن يكون نظريا فثبت إنه لا يمكن ادعاء الضرورة في ذلك واعلم أن هذه الحجة تؤيد القول بتكليف مالا يطاق وأما وجوب الغرامات فمعناه إما خطاب الولي بأدائها في الحال أو خطاب الصبي بعد صيرورته بالغا بأدائها وأما الآية فلها تأويلان أحدهما أنها خطاب مع من ظهرت منه مبادئ النشاط والطرب وما زال عقله وقوله حتى تعلموا ما تقولون معناه حتى يتكامل فيكم الفهم كما يقال للغضبان إصبر حتى تعلم ما تقول أي حتى يسكن غضبك وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة إلا مثل هذا السكران وقد يعسر عليه إتمام الخشوع

стр. 637

الثاني أنه ورد الخطاب به في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر وليس المراد المنع من الصلاة بل المنع من إفراط الشرب وقت الصلاة كما يقال لا تقرب التهجد وأنت شبعان أي لا تشبع فيثقل عليك التهجد والله أعلم المسألة الثالثة في أن المامور يجب أن يقصد إيقاع المأمور به على سبيل الطاعة المعتمد فيه قوله ص إنما الأعمال بالنيات قالوا ويستثنى منه سيئان أحدهما الواجب الأول وهو النظر المعرف للوجوب فإنه لا يمكن قصد إيقاعه طاعة مع أن فاعله لا يعرف وجوبه عليه إلا بعد إتيانه به الثاني إرادة الطاعة فإنها لو افتقرت إلى إرادة أخرى لزم التسلسل

стр. 638

المسألة الرابعة في أن المكره على الفعل هل يجوز أن يؤمر به ويتركه المشهور أن الإكراه إما أن ينتهي إلى حد الإلجاء أو لا ينتهي إليه فإن انتهى إلى حد الإلجاء امتنع التكليف لأن المكره عليه يعتبر واجب الوقوع وضده يصير ممتنع الوقوع والتكليف بالواجب والممتنع غير جائز

стр. 639

وإن لم ينته إلى حد الإلجاء صح التكليف به ولقائل أن يقول الإكراه لا ينافي التكليف لأن الفعل أما أن يتوقف غلى الداعي أو لا يتوقف فإن توقف فقد بينا فيما تقدم أنه لا بد من انتهاء الدواعي إلى داعية تحصل فيه من قبل غيره وان حصول الفعل عند حصول تلك الداعية واجب فحينئذ يكون التكليف تكليفا بما وجب وقوعه أو بما امتنع وقوعه وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز مثله في الإكراه وأما إن لم يتوقف على الداعي كان رجحان الفعل على الترك أو بالعكس اتفاقيا والاتفاقي لا يكون باختيار المكلف وأذا جاز التكليف هناك مع أنه ليس باختيار المكلف فلم لا يجوز مثله في الإكراه فإن قلت ما الذي أردت بكون الفعل اتفاقيا إن عنيت به أنه حصل لا بقدرة القادر فهو ممنوع وذلك لأن المؤثر فيه عندنا هو القادر لكن القادر عندنا يمكنه أن يرجح أحد مقدوريه به على الآخر من غير مرجح وإن عنيت به أمرا آخر فلا بد من بيانه قلت الرجل كان موصوفا بكونه قادرا على هذا الفعل مع أن هذا الفعل ما كان موجودا فلما وجد هذا الفعل فإما أن يكون لأنه حدث أمر آخر وراء كونه قادرا الذي كان حاصلا قبل ذلك أو ليس كذلك

стр. 640

فإن حدث كان حدوث الفعل عن القادر متوقفا على أمر آخر سوى كونه قادرا وقد فرضناه ليس متوقفا عليه هذا خلف وإن لم يحدث البتة أمر كان حدوث هذا الفعل في بعض أزمنة كونه قادرا دون ما قبله وما بعده ليس لأمر حصل في جانب القادر حتى يؤمر به أو ينهى عنه بل كان ذلك محض الاتفاق فيكون في هذه الحالة تكليفا له بما ليس في وسعه وإذا ثبت ذلك بطل قولهم المكره غير مكلف وأعلم أن هذه القاعدة قد ذكرناها في هذا الكتاب مرارا وسنذكرها بعد ذلك وما ذاك إلا لأن أكثر القواعد مبني عليها ولا جواب عنها إلا بتسليم أنه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد

стр. 641

المسألة الخامسة ذهب أصحابنا إلى أن المأمور إنما يصير مأمورا حال زمان الفعل وقبل ذلك فلا أمر بل هو إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورا به وقالت المعتزلة إنه إنما يكون مأمورا بالفعل قبل وقوع الفعل لنا أنه لو امتنع كونه مأمورا حال حدوث الفعل لامتنع كونه مأمورا

стр. 642

مطلقا لأن في الزمان الأول لو امر بالفعل لكان الفعل إما أن يكون ممكنا في ذلك الزمان أو لا يكون فإن كان ممكنا فقد صار مأمورا بالفعل حال إمكان وقوعه وإن لم يكن ممكنا كان مأمورا بما لا قدرة له عليه وذلك عند الخصم محال فان قلت إنه في الزمان الأول مأمور لا بأن يوقع الفعل في عين ذلك الزمان بل بأن يوقعه في الزمان الثاني منه قلت قولك إنه في الزمان الآول مأمور بأن يوقع الفعل في الزمان الثاني إن عنيت به أن كونه موقعا للفعل لا يحصل إلا في الزمان الثاني ففي الزمان الأول لم يكن موقعا البتة لشئ وليس هناك إلا نفس القدرة فيمتنع أن يكون في ذلك الزمان مأمورا بشئ وإن عنيت به أن كونه موقعا يحصل في والزمان الأول والفعل يوجد في الزمان الثاني فنقول كونه موقعا إما أن يكون نفس القدرة أو أمرا زائدا عليها فإن كان

стр. 643

نفس القدرة لم يكن لكونه موقعا للفعل معنى إلا محض كونه قادرا فيعود القسم الأول وإن كان أمرا زائدا عليها فحينئذ تكون القدرة مؤثرة في وقوع ذلك الزائد في الزمان الأول والأمر إنما توجه عليه في الزمان الأول بإيقاع ذلك الزائد وذلك الزائد واقع في الزمان الأول فالآمر لا يكون أمرا بالشئ إلا حال وقوعه لا قبله احتج الخصم بأن المأمور بالشئ يجب أن يكون قادرا عليه ولا قدرة على الفعل حال وجود الفعل وإلا لكان ذلك تحصيلا للحاصل وهو محال فعلمنا أن القدرة على الفعل متقدمة على الفعل والأمر لا يتناول إلا القادر والرجل لا يصير مأمورا بالفعل إلا قبل وقوعه والجواب القدرة مع الداعي مؤثرة في وجود الفعل ومستلزمة

стр. 644

له ولا امتناع في كون المؤثر مقارنا للأثر كما في سائر المؤثرات الموجبة والله اعلم

стр. 645

المسألة السادسة المأمور به إذا كان مشروطا بشرط فالآمر إما أن يكون غير عالم بعدم الشرط أو لا يكون

стр. 646

أما الأول فكما إذا قال السيد لعبده صم غدا فإن هذا مشروط ببقاء العبد غدا وهو مجهول للآمر فها هنا الأمر تحقق في الحال يشرط بقاء المأمور قادرا على الفعل وأما الثاني فكما إذا علم الله تعالى إن زيدا سيموت غدا فهل يصح أن يقال أن الله تعالى أمره بالصوم غدا يشرط أن يعيش غدا مع أنه يعلم أنه لا يعيش غدا قطع القاضي أبو بكر والغزالي رحمهما الله تعالى به وأباه جمهور المعتزلة حجة المنكرين أن شرط الأمر بقاء المأمور فالعالم بأن المأمور لا يبقى عالم بفوات شرط الأمر فاستحال مع ذلك حصول الأمر قال المجوزون لا نزاع في أنه لا يجوز أن يقول للميت حال كونه ميتا إفعل لكن لم لا يجوز أن يقال في الحال لمن يعلم أن سيموت غدا إفعل غدا إن عشت بل هو جائز لما فيه من المصالح الكثيرة فإن المكلف قد يوطن النفس على الامتثال ويكون ذلك التوطين نافعا له يوم المعاد ونافعا له في الدنيا لأنه ينحرف به في الحال عن الفساد

стр. 647

وهذا كما أن السيد قد يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه مع عزمه على نسخ الأمر امتحانا للعبد وقد يقول الرجل لغيره وكلتك بيع العبد غدا مع علمه بأنه سيعزله وهو عن ذلك غدا لما أن غرضه منه استمالة الوكيل أو امتحانه في أمر ذلك العبد ومأخذ النزاع في هذه المسألة أن المجوزين قالوا الأمر تارة يحسن لمصالح تنشأ من نفس الأمر لا من المأمور به وتارة لمصالح تنشأ من المأمور به وأما المانعون فقد اعتقدوا أن الأمر لا يحسن إلا لمصلحة تنشأ من المأمور به وتمام تقريره سيظهر في مسألة أنه يجوز النسخ قبل مضي مدة الامتثال والله أعلم

стр. 648

القسم الثالث في النواهي وفيه مسائل

стр. 649

المسألة الأولى ظاهر النهي التحريم وفيه المذاهب التي ذكرناها في أن الأمر للوجوب لنا قوله تعالى وما نهاكم عنه فانتهوا أمر بالانتهاء عن المنهي عنه والأمر للوجوب فكان الانتهاء عن المنهي واجبا وذلك هو المراد من قولنا النهي للتحريم والله أعلم المسألة الثانية المشهور أن النهي يفيد التكرار

стр. 650

ومنهم من أباه وهو المختار لنا أن النهي قد يراد منه التكرار وهو متفق عليه وقد يراد منه المرة الواحدة كما يقول الطبيب للمريض الذي شرب الدواء لا تشرب الماء ولا تأكل اللحم أي في هذه الساعة ويقول المنجم لا تفصد ولا تخرج إلى الصحراء أي في هذا اليوم ويقول الوالد لولده لا تلعب ﷺ أي في هذا اليوم والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فوجب جعل النهي حقيقة في القدر المشترك الثاني أنه يصح أن يقال لا تأكل السمك أبدا وأن يقال لا تأكل اللحم في هذه الساعة وأما في الساعة الأخرى فكل والأول ليس بتكرار والثاني ليس بنقض فثبت أن النهي لا يفيد التكرار احتج المخالف بأمور أحدها أن قوله لا تضرب يقتضي امتناع المكلف من إدخال ماهية الضرب في الوجود والامتناع من إدخال هذه الماهية في الوجود إنما يتحقق إذا امتنع من إدخال كل أفرادها في الوجود إذ لو أدخل فردا من أفرادها

стр. 651

في الوجود وذلك الفرد مشتمل على الماهية فحينئذ يكون قد أدخل تلك الماهية في الوجود وذلك ينافي قولنا إنه امتنع من إدخال تلك الماهية في الوجود وثانيها أن قوله لا تضرب يعد في عرف اللغة مناقضا لقوله إضرب لأن تمام قولنا إضرب حاصل في قولنا لا تضرب مع زيادة حرف النهي لكن قولنا إضرب يفيد طلب الضرب مرة واحدة فلو كان قولنا لا تضرب يفيد الانتهاء أيضا مرة واحدة لما تناقضا لأن النفي والإثبات في وقتين لا يتناقضان فلما كان مفهوم النهي مناقضا لمفهوم الأمر وجب أن يتناول النهي كل الأوقات حتى تتحقق المنافاة وثالثها أن قوله لا تضرب لا يمتنع حمله على التكرار وقد دل الدليل على حمله على التكرار فوجب المصير إليه إنما قلنا إنه لا يمتنع حمله على التكرار لأن كون الإنسان ممتنعا عن فعل المنهي عنه أبدا ممكن ولا عسر فيه

стр. 652

وأما أن الدليل دل عليه فلأنه ليس في الصيغة دلالة على وقت دون وقت فوجب الحمل على الكل دفعا للإجمال بخلاف الأر فإنه يمتنع حمله على التكرار لإفضائه إلى المشقة والجواب عن الأول إنه لا نزاع في أن النهي يقتضي امتناع المكلف عن إدخال تلك الماهية في الوجود ولكن الامتناع عن إدخال تلك الماهية في الوجود قدر مشترك بين الامتناع عنه دائما وبين الامتناع عنه لا دائما كما تقدم بيانه واللفظ الدال على القدر المشترك لا دلالة له على ما به يمتاز كل واحد من القسمين عن الثاني فإذن لا دلالة في هذا اللفظ على الدوام البتة وعن الثاني إنك إن أردت بقولك إن الأمر والنهي دلا على مفهومين متناقضين أن هذا يدل على الإثبات وذلك يدل على النفي فهذا مسلم ولكن مجرد النفي والاثبات لا يتنافيان إلا بشرط اتحاد الوقت فإن قولك زيد قائم زيد ليس بقائم لا يتناقضان لأنه متى صدق الإثبات في وقت واحد فقد صدق الإثبات ومتى صدق النفي في وقت آخر فقد صدق النفي

стр. 653

ومعلوم أن الإثبات في وقت لا ينافي النفي في وقت آخر فمطلق الإثبات والنفي وجب أن لا يتناقضا البتة وعن الثالث أن النهي لا دلالة فيه إلا على مسمى الامتناع فحيث تحقق هذا المسمى فقد وقع الخروج عن عهدة التكليف تنبيه إن قلنا إن النهي يفيد التكرار فهو يفيد الفور لا محالة وإلا فلا المسألة الثالثة الشئ الواحد لا يجوز أن يكون مأمورا به منهيا عنه معا والفقهاء قالوا يجوز ذلك إذا كان للشئ وجهان لنا أن المأمور به هو الذي طلب تحصيله من المكلف وأقل مراتبه رفع الحرج عن الفعل والمنهي عنه هو الذي لم يرفع الحرج عن فعله فالجمع بينهما ممتنع إلا على القول بتكليف ما لا يطاق فإن قيل هذا الامتناع إنما يتحقق في الشئ الواحد من الوجه الواحد

стр. 654

إما الشئ ذو الوجهين فلم لا يجوز أن يكون مأمورا به نظرا إلى أحد وجهيه منهيا عنه نظرا إلى الوجه الآخر وهذا كالصلاة في الدار المغصوبة فإن لها جهتين كونها صلاة وكونها غصبا والغصب معقول دون الصلاة وبالعكس فلا جرم صح تعلق الأمر بها من حيث إنها صلاة وتعلق النهي بها من حيث إنها غصب لأن السيد لو قال لعبده خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار فإذا خاط الثوب ودخل الدار حسن من السيد أن يضربه ويكرمه ويقول أطاع في أحدهما وعصى في الآخر فكذا ما نحن فيه فإن هذه الصلاة وإن كانت فعلا واحدا ولكنها تضمنت تحصيل أمرين أحدهما مطلوب والآخر منهي عنه سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك لكنه معارض بوجه آخر وهو أن الصلاة في الدار المغصوبة صلاة والصلاة مأمور بها فالصلاة في الدار المغصوبة مأمور بها وإنما قلنا أن الصلاة في الدار المغصوبة صلاة لأن الصلاة

стр. 655

في الدار المغصوبة صلاة مكفئة إذا والصلاة المكفئة فقال صلاة مع كيفية فيكون مسمى الصلاة حاصلا وإنما قلنا إن الصلاة مأمور بها لقوله تعالى وأقيموا الصلاة والجواب أن الذي ندعيه في هذا المقام أن الأمر بالشئ الواحد والنهي عنه من جهة واحدة يوجب التكليف بالمحال ثم إن جوزنا التكليف بالمحال جوزنا الأمر بالشئ الواحد والنهي عنه من جهة واحدة وإن لم نجوز ذلك لم نجوز هذا أيضا فلنبين ما ادعيناه فنقول متعلق الأمر إما أن يكون عين متعلق النهي أو غيره فإن كان الأول كان الشئ الواحد مأمورا به منهيا عنه معا وذلك عين التكليف بما لا يطاق والخصم لا يجعل هذا النوع من التكليف من باب تكليف مالا يطاق

стр. 656

وإن كان الثاني فالوجهان إما أن يتلازما وإما أن لا يتلازما فإن تلازما كان كل واحد منهما من ضرورات الآخر والأمر بالشئ أمر بما هو من ضروراته وإلا وقع التكليف بما لا يطاق وإذا كان المنهي من ضرورات المأمور كان مأمورا فيعود إلى ما ذكرنا من أنه يلزم كون الشئ الواحد مأمورا ومنهيا معا وإن لم يتلازما كان الأمر والنهي متعلقين بشيئين لا يلازم أحدهما صاحبه وذلك جائز إلا أنه يكون غير هذه المسألة التي نحن فيها فإن قلت هما شيئان يجوز انفكاك كل واحد منهما عن الآخر في الجملة إلا أنهما في هذه الصورة الخاصة صارا متلازمين قلت ففي هذه الصورة الخاصة المنهي عنه يكون من لوازم المأمور به وما يكون من لوازم المأمور به يكون مأمورا به فيلزم أن يصير المنهي عنه في هذه الصورة مأمورا به وذلك محال فهذا برهان قاطع على فساد قولهم على سبيل الإجمال أما على سبيل التفصيل فهو أن الصلاة ماهية مركبة من أمور أحد

стр. 657

تلك الأمور الحركات والسكنات وهما ماهيتان مشتركتان في قدر واحد من المفهوم وهو شغل الحيز لأن الحركة عبارة عن شغل الحيز بعد أن كان شاغلا لحيز آخر والسكون عبارة عن شغل حيز واحد أزمنة كثيرة وهذان المفهومان يشتركان في كون كل واحد منهما شغلا للحيز فإذن شغل الحيز جزء جزء ماهية الصلاة فيكون جزءا لها لا محالة وشغل الحيز في هذه الصلاة منهي عنه فإذن أحد أجزاء ماهية هذه الصلاة منهي عنه فيستحيل أن تكون هذه الصلاة مأمورا بها لأن الأمر بالمركب أمر بجميع أجزائه فيكون ذلك الجزء مأمورا به مع أنه كان منهيا عنه فيلزم في الشئ الواحد أن يكون مأمورا به منهيا عنه وهو محال أما قوله كونه صلاة وغصبا جهتان متباينتان يوجد كل واحد منهما عند عدم الآخر قلنا نعم ولكنا بينا أن شغل الحيز جزء ماهية الصلاة فكما أن مطلق الشغل جزء ماهية مطلق الصلاة فكذلك الشغل المعين يكون جزءا من ماهية الصلاة المعينة فإذا كان هذا الشغل منهيا عنه وهذا الشغل جزء ماهية هذه الصلاة كان جزء هذه الصلاة منهيا عنه وإذا كان

стр. 658

جزؤها منهيا عنه استحال كون هذه الصلاة مأمورا بها بل الصلاة مأمور بها لكن النزاع ليس في الصلاة من حيث إنها صلاة بل في هذه الصلاة وأما المثال الذي ذكروه وهو أن يقول السيد لعبده خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار فهو بعيد لأن ها هنا الفعل الذي هو متعلق الأمر غير الفعل الذي هو متعلق النهي وليس بينهما ملازمة فلا جرم صح الأمر بأحدهما والنهي عن الآخر إنما النزاع في صحة تعلق الأمر والنهي بالشئ الواحد فأين أحدهما من الآخر وأما المعارضة التي ذكروها فمدار أمرها على إن قوله تعالى أقيموا الصلاة يفيد الأمر بكل صلاة فهذا مع ما فيه من المقدمات الكثيرة لو سلمناه لكن تخصيص العموم بدليل العقل غير مستبعد وما ذكرناه من الدليل عقلي قاطع فوجب تخصيصه به والله أعلم تنبيه الصلاة في الدار المغصوبة وإن لم تكن مأمورا بها إلا أن الفرض يسقط عندها لا بها لأنا بينا بالدليل امتناع ورود الأمر بها

стр. 659

والسلف أجمعوا على أن الظلمة لا يؤمرون بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة ولا طريق إلى التوفيق بيهما إلا ما ذكرناه وهو مذهب القاضي أبي بكر ﵀ والله أعلم المسألة الرابعة ذهب أكثر الفقهاء إلى أن النهي لا يفيد الفساد وقال بعض أصحابنا أنه يفيده وقال أبو الحسين البصري أنه يفيد الفساد في العبادات لا في المعاملات وهو المختار والمراد من كون العبادة فاسدة أنه لا يحصل الإجزاء بها أما العبادات فالدليل على أن النهي فيها يدل على الفساد أن نقول إنه بعد الإتيان بالفعل المنهي عنه لم يأت بما أمر به فبقي في العهدة

стр. 660

إنما قلنا إنه لم يأت بما أمر به لأن المأمور به غير المنهي عنه كما تقدم بيانه فلم يكن الإتيان بالمنهي عنه إتيانا بالمامور به وإنما قلنا إنه وجب أن يبقى في العهدة لأنه تارك للمأمور به وتارك المأمور به عاص والعاصي يستحق العقاب على ما مر تقريره في مسألة أن الأمر للوجوب فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالفعل المنهي عنه سببا للخروج عن عهدة الأمر فإنه لا تناقض في أن يقول الشارع نهيتك عن الصلاة في الثوب المغصوب ولكن إن فعلته أسقطت عنك الفرض بسببه سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن النهي يقتضي الفساد لكنه معارض بدليلين الأول أن النهي لو دل على الفساد لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه ولم يدل عليه في الوجهين فوجب أن لا يدل على الفساد أصلا أما أنه لا يدل عليه بلفظه فلأن اللفظ لا يفيد إلا الزجر عن الفعل والفساد معناه عدم الإجزاء وأحدهما مغاير للآخر وأما أنه لا يدل عليه بمعناه فلأن الدلالة المعنوية إنما تتحقق إذا

стр. 661

كان لمسمى الشئ لازم فاللفظ الدال على الشئ دال على لازم المسمى بواسطة دلالته على المسمى وها هنا الفساد غير لازم للمنع لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارع لا تصل في الثوب المغصوب ولو صليت صحت صلاتك ولا تذبح الشاة بالسكين المغصوب ولو ذبحتها بها حلت ذبيحتك وإذا لم تحصل الملازمة انتفت الدلالة المعنوية الثاني لو اقتضى النهي الفساد لكان أينما تحقق النهي تحقق الفساد لكن الأمر ليس كذلك بدليل النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة والوضوء بالماء المغصوب مع صحتهما والجواب قوله لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالمنهي عنه سببا للخروج عن العهدة قلنا لأنه إذا لم يأت بالمأمور به بقي الطلب كما كان فوجب الإتيان به وإلا لزم العقاب بالدليل المذكور قوله الصلاة في الثوب المغصوب منهي عنها ثم إن الإتيان بها يقتضي الخروج عن العهدة

стр. 662

قلنا الدليل الذي ذكرناه يقتضي أن لا يخرج الإنسان عن عهدة الأمر إلا بفعل المأمور به إلا أنه قد يترك العمل بهذا الدليل في بعض الصور لمعارض والفرق أن مماسة بدن الإنسا للثوب ليست جزءا من ماهية الصلاة ولا مقدمة لشئ من أجزائها وإذا كان كذلك كان آتيا بعين الصلاة المأمور بها من غير خلل في ماهيتها أصلا أقصى ما في الباب أنه أتى مع ذلك بفعل آخر محرم ولكن لا يقدح في الخروج عن العهدة أما المعارضة الآولى فجوابها أن النهي دل على أن المنهي عنه مغاير للمأمور به والنص دل على أن الخروج عن عهدة الأمر لا يحصل إلا بالإتيان بالمأمور به فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن الإتيان بالمنهي عنه لا يقتضي الخروج عن العهدة وأما المعارضة الثانية فنقول لا نسلم أن النهي في الصور التي ذكرتموها تعلق بنفس ما تعلق به

стр. 663

الأمر بل بالمجاور وحيث صح الدليل أن الفعل المأتي به غير الفعل المنهي عنه فلا نسلم أنه لا يفيد الفساد والله أعلم وأما المعاملات فالمراد من قولنا هذا البيع فاسد إنه لا يفيد الملك فنقول لو دل النهي على عدم الملك لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه ولا يدل عليه بلفظه لأن لفظ النهي لا يدل إلا على الزجر ولا يدل عليه بمعناه أيضا لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارع نهيتك عن هذا البيع ولكن إن أتيت به حصل الملك كالطلاق في زمان الحيض والبيع وقت النداء وإذا ثبت أن النهي لا يدل على الفساد لا بلفظه ولا بمعناه وجب أن لا يدل عليه أصلا فإن قيل هذا يشكل بالنهي في باب العبادات فإنه يدل على الفساد ثم نقول لا نسلم أنه يدل عليه بمعناه وبيانه من وجهين الأول أن فعل المنهي عنه معصية والملك نعمة والمعصية تناسب المنع من النعمة وإلا لاحت المناسبة فمحل الاعتبار جميع المناهي الفاسدة

стр. 664

الثاني أن المنهي عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة وإلا لكان النهي منعا عن المصلحة الخالصة أو الراجحة وإنه لا يجوز بقي أحد امور ثلاثة وهو أن يكون منشأ المفسدة الخالصة أو الراجحة أو المساوية وعلى التقديرين الأولين وجب الحكم بالفساد لأنه إذا لم يفد الحكم أصلا كان عبثا والعاقل لا يرغب في العبث ظاهرا فلا يقدم عليه فكان القول بالفساد سعيا في إعدام تلك المفسدة وعلى التقدير الثالث وهو التساوي كان الفعل عبثا والاشتغال بالعبث محذور عند العقلاء والقول بالفساد يفضي إلى دفع هذا المحذور فوجب القول به سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك لكنه معارض بالنص والإجماع والمعقول أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام

стр. 665

من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد والمنهي عنه ليس من الدين فيكون مردودا ولو كان سببا للحكم لما كان مردودا وأما الإجماع فهو أنهم رجعوا في القول بفساد الربا وفساد نكاح المتعة إلى النهي وأما المعقول فمن وجهين الأول أن النهي نقيض الأمر لكن الأمر يدل على الإجزاء فالنهي يدل على الفساد الثاني أن النهي يدل على مفسدة خالصة أو راجحة والقول

стр. 666

بالفساد سعي في إعدام تلك المفسدة فوجب أن يكون مشروعا قياسا على جميع المناهي الفاسدة والجواب قوله يشكل بالنهي في العبادات قلنا المراد من الفساد في باب العبادات أنها غير مجزئة والمراد منه في باب المعاملات إنه لا يفيد سائر الاحكام واذا اختلف المعنى لم يتجه أحدهما نقضا على الآخر قوله الملك نعمة فلا تحصل من المعصية قلنا الكلام عليه وعلى الوجه الثاني مذكور في الخلافيات وأما الحديث فنقول الطلاق في زمان الحيض يوصف بأمرين أحدهما أنه غير مطابق لأمر الله تعالى والثاني أنه سبب للبينونة أما الأول فالقول به إدخال في الدين ما ليس منه فلا جرم كان ردا وأما الثاني فلم قلت إنه ليس من الدين حتى يلزم منه أن

стр. 667

يكون ردا فإن هذا عين المتنازع فيه وأما الإجماع فلا نسلم أن الصحابة ﵃ رجعوا في فساد الربا والمتعة إلى مجرد النهي بدليل أنهم حكموا في كثير من المنهيات بالصحة وعند ذلك لا بد وأن يكون أحد الحكمين لأجل القرينة وعليكم الترجيح ثم هو معنا لأنا لو قلنا إن النهي يدل على الفساد لكان الحكم بعدم الفساد في بعض الصور تركا للظاهر أما لو قلنا بأنه لا يقتضي الفساد لم يكن إثبات الفساد في بعض الصور لدليل منفصل تركا للظاهر فكان ما قلناه أولى قوله الأمر دل على الإجزاء فوجب أن يدل النهي على الفساد قلنا هذا غير لازم لإمكان اشتراك المتضادات في بعض الصور اللوازم ولو سلمنا ذلك لكان الأمر لما دل على الإجزاء وجب أن لا يدل النهي عليه لا أن يدل على الفساد والله أعلم

стр. 668

المسألة الخامسة في أن النهي عن الشئ هل يدل على صحة المنهي عنه الذين قالوا إن النهي عن التصرفات لا يدل على الفساد اختلفوا في أنه هل يدل على الصحة فنقل عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله أنه يدل على الصحة ولأجل ذلك احتجوا بالنهي عن الربا على انعقاده فاسدا وكذا في نذر صوم يوم العيد وأصحابنا أنكروا ذلك

стр. 669

لنا قوله ص دعي الصلاة أيام أقرائك وروى أنه ص نهى عن بيع الملاقيح والمضامين فالنهي

стр. 670

في هذه الصورة منفك عن الصحة احتجوا بأن النهي عن غير المقدور عبث والعبث لا يليق بالحكيم فلا يجوزأن يقال للأعمى لا تبصر ولا أن يقال للزمن لا تطر والجواب عنه النقض بالمناهي المذكورة ثم نقول لم لا يجوز حمل النهي على النسخ كما اذا قال للوكيل لا تبع هذا فإنه وان كان نهيا في الصيغة لكنه نسخ في الحقيقة سلمنا أنه نهي لكن متعلقه هو البيع اللغوي وذلك ممكن الوجود فلم قلت إن المسمى الشرعي ممكن الوجود والله أعلم المسألة السادسة المطلوب بالنهي عندنا فعل ضد المنهي عنه وعند أبي هاشم نفس أن لا يفعل المنهي عنه
следующие страницы →