Полный текст (2 180 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
بالفساد سعي في إعدام تلك المفسدة فوجب أن يكون مشروعا قياسا على جميع المناهي الفاسدة والجواب قوله يشكل بالنهي في العبادات قلنا المراد من الفساد في باب العبادات أنها غير مجزئة والمراد منه في باب المعاملات إنه لا يفيد سائر الاحكام واذا اختلف المعنى لم يتجه أحدهما نقضا على الآخر قوله الملك نعمة فلا تحصل من المعصية قلنا الكلام عليه وعلى الوجه الثاني مذكور في الخلافيات وأما الحديث فنقول الطلاق في زمان الحيض يوصف بأمرين أحدهما أنه غير مطابق لأمر الله تعالى والثاني أنه سبب للبينونة أما الأول فالقول به إدخال في الدين ما ليس منه فلا جرم كان ردا
وأما الثاني فلم قلت إنه ليس من الدين حتى يلزم منه أن
стр. 667
يكون ردا فإن هذا عين المتنازع فيه وأما الإجماع فلا نسلم أن الصحابة ﵃ رجعوا في فساد الربا والمتعة إلى مجرد النهي بدليل أنهم حكموا في كثير من المنهيات بالصحة وعند ذلك لا بد وأن يكون أحد الحكمين لأجل القرينة وعليكم الترجيح ثم هو معنا لأنا لو قلنا إن النهي يدل على الفساد لكان الحكم بعدم الفساد في بعض الصور تركا للظاهر أما لو قلنا بأنه لا يقتضي الفساد لم يكن إثبات الفساد في بعض الصور لدليل منفصل تركا للظاهر فكان ما قلناه أولى قوله الأمر دل على الإجزاء فوجب أن يدل النهي على الفساد قلنا هذا غير لازم لإمكان اشتراك المتضادات في بعض الصور اللوازم ولو سلمنا ذلك لكان الأمر لما دل على الإجزاء وجب أن لا يدل النهي عليه لا أن يدل على الفساد والله أعلم
стр. 668
المسألة الخامسة في أن النهي عن الشئ هل يدل على صحة المنهي عنه الذين قالوا إن النهي عن التصرفات لا يدل على الفساد اختلفوا في أنه هل يدل على الصحة فنقل عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله أنه يدل على الصحة ولأجل ذلك احتجوا بالنهي عن الربا على انعقاده فاسدا
وكذا في نذر صوم يوم العيد وأصحابنا أنكروا ذلك
стр. 669
لنا قوله ص دعي الصلاة أيام أقرائك وروى أنه ص نهى عن بيع الملاقيح والمضامين فالنهي
стр. 670
في هذه الصورة منفك عن الصحة احتجوا بأن النهي عن غير المقدور عبث والعبث لا يليق بالحكيم فلا يجوزأن يقال للأعمى لا تبصر ولا أن يقال للزمن لا تطر والجواب عنه النقض بالمناهي المذكورة ثم نقول لم لا يجوز حمل النهي على النسخ كما اذا قال للوكيل لا تبع هذا فإنه وان كان نهيا في الصيغة لكنه نسخ في الحقيقة سلمنا أنه نهي لكن متعلقه هو البيع اللغوي وذلك ممكن الوجود فلم قلت إن المسمى الشرعي ممكن الوجود والله أعلم المسألة السادسة المطلوب بالنهي عندنا فعل ضد المنهي عنه وعند أبي هاشم نفس أن لا يفعل المنهي عنه
стр. 671
لنا أن النهي تكليف والتكليف إنما يرد بما يقدر عليه المكلف والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا للمكلف لأن القدرة لا بد لها من تأثير والعدم نفي محض فيمتنع إسناده إلى القدرة
وبتقدير أن يكون العدم أثرا يمكن إسناده إلى القدرة لكن العدم الأصلي لا يمكن إسناده إلى القدرة لأن الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا وإذا ثبت أن متعلق التكليف ليس هو العدم ثبت أنه أمر وجودي ينافي المنهي عنه وهو الضدد احتج المخالف بأن من دعاه الداعي إلى الزنا فلم يفعله فالعقلاء يمدحونه على أنه لم يزن من غير أن يخطر ببالهم فعل ضد الزنا فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون متعلق التكليف والجواب أنهم لا يمدحونه على شئ لا يكون في وسعه والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وسعه على ما تقدم بل إنما يمدحونه
стр. 672
على امتناعه من ذلك الفعل وذلك الامتناع أمر وجودي لا محالة وهو فعل ضد الزنى فان قلت إنه كما يمكنه فعل الزنا فكذلك يمكنه أن يترك ذلك الفعل على عدمه الأصلي وأن لا يغيره فعدم التغيير أمر مقدور له فيتناوله التكليف قلت المفهوم من قولنا تركه على ذلك العدم الأصلي وما غيره عنه إما أن يكون محض العدم أو لا يكون فإن كان محض العدم لم يكن متعلق قدرته فاستحال أن يتناوله التكليف وإن لم يكن محض العدم كان أمرا وجوديا وهو المطلوب المسألة السابعة النهي عن الأشياء إما أن يكون نهيا عنها على الجمع أو عن الجمع أو نهيا عنها على البدل أو عن البدل
أما النهي عنها على الجمع فهو أن يقول الناهي للمخاطب لا تفعل هذا ولا هذا فيكون ذلك موجبا للخلو عنهما أجمع
стр. 673
ثم تلك الأشياء التي أوجب الخلو عنها إن كان الخلو عنها ممكنا فلا شك في جواز النهي وإن لم يكن كان ذلك النهي جائزا عند من يجوز التكليف بمالا يطاق وأما النهي عن الجمع بين أشياء فهو مثل أن تقول لا تجمع بين كذا وكذا ثم تلك الأشياء إن أمكن الجمع بينها فلا كلام في جواز ذلك النهي وإلا لم يجز عند من لا يجوز تكليف مالا يطاق لأنه عبث يجري مجرى نهي الهاوي من شاهق جبل عن الصعود وأما النهي عن الأشياء على البدل فهو أن يقال للإنسان لا تفعل هذا إن فعلت ذلك ولا تفعل ذلك إن فعلت هذا وذلك ب أن يكون كل واحد منهما مفسده عند وجود الآخر وهذا يرجع إلى النهي عن الجمع بينهما وأما النهي عن البدل فيفهم منه شيئان
стр. 674
أحدهما أن ينهى الإنسان عن أن يفعل شيئا ويجعله بدلا عن غيره وذلك يرجع إلى النهي عن أن يقصد به البدل وذلك غير ممتنع والآخر أن ينهى عن أن يفعل أحدهما دون الآخر لكن يجمع بينهما وهذا النهي جائز إن أمكن الجمع وغير جائز إن تعذر على قول
من لا يجوز تكليف مالا يطاق والله أعلم
стр. 675
الكلام في العموم والخصوص وهو مرتب على أقسام
القسم الأول في العموم وهو مرتب على شطرين
стр. 676
الشطر الأول في ألفاظ العموم وفيه مسائل
المسألة الأولى في العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد كقولنا الرجال فإنه مستغرق لجميع ما يصلح له ولا يدخل عليه النكرات كقولهم رجل لأنه يصلح لكل واحد من رجال الدنيا ولا يستغرقهم
стр. 677
ولا التثنية و (لا) الجمع لأن لفظ رجلان ورجال يصلحان لكل اثنين وثلاثة ولا يفيدان الاستغراق ولا ألفاظ العدد كقولنا خمسة لأنه صالح لكل خمسة ولا يستغرقه
وقولنا بحسب وضع واحد احتراز عن اللفظ المشترك أو الذي له حقيقة ومجاز فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا وقيل في حده أيضا إنه اللفظة الدالة على شيئين فصاعدا من غير حصر واحترزنا باللفظة عن المعاني العامة وعن الألفاظ المركبة وبقولنا الدالة عن الجمع المنكر فإنه يتناول جميع الأعداد لكن
стр. 678
على وجه الصلاحية لا على وجه الدلالة وبقولنا على شيئين عن النكرة في الإثبات وبقولنا من غير حصر عن أسماء الأعداد والله أعلم المسألة الثانية المفيد للعموم إما أن يفيد لغة أو عرفا أو عقلا أما الذي يفيده لغة فإما أن يفيده على الجمع أو على البدل والذي يفيده على الجمع فإما أن يفيده كونه اسما موضوعا للعموم أو لأنه اقترن به ما أوجب عمومه وأما الموضوع للعموم فعلى ثلاثة أقسام الأول ما يتناول العالمين وغيرهم وهو لفظ أي في الاستفهام والمجازاة تقول أي رجل وأي ثوب وأي جسم في الاستفهام والمجازاة وكذا لفظ كل وجميع الثاني ما يتناول العالمين فقط وهو من في المجازاة والاستفهام
الثالث ما يتناول غير العالمين وهو قسمان أحدهما ما يتناول كل ما ليس من العالمين وهو صيغة ما
стр. 679
وقيل إنه يتناول العالمين أيضا كقوله تعالى ولا أنتم عابدون ما أعبد وثانيهما ما يتناول بعض ما ليس من العالمين وهو صيغة متى فإنها مختصة بالزمان وأنى وحيث فإنهما مختصان بالمكان وأما الاسم الذي يفيد العموم لأجل أنه دخل عليه ما جعله كذلك فهو إما في الثبوت أو في العدم أما الثبوت فضربان لام الجنس الداخلة على الجمع كقولك الرجال والإضافة كقولك ضربت عبيدي وأما العدم فكالنكرة به في النفي وأما الاسم الذي يفيد العموم على البدل فأسماء النكرات على اختلاف مراتبها في العموم والخصوص وأما القسم الثاني وهو الذي يفيد العموم عرفا كقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم فإنه يفيد في العرف تحريم جميع وجوه الاستمتاع
стр. 680
وأما القسم الثالث وهو الذي يفيد العموم عقلا فأمور ثلاثة أحدها أن يكون اللفظ مفيدا للحكم ولعلته فيقتضي ثبوت الحكم أينما وجدت العلة
والثاني أن يكون المفيد للعموم ما يرجع إلى سؤال السائل كما إذا سئل النبي ﵊ عمن أفطر فيقول عليه الكفارة فنعلم أنه يعم كل مفطر والثالث دليل الخطاب عند من يقول به كقوله ﵊ في سائمة الغنم زكاة فإنه يدل على أنه لا زكاة في كل ما ليس بسائمة والله أعلم المسألة الثالثة في الفرق بين المطلق والعام اعلم أن كل شئ فله حقيقة وكل أمر يكون المفهوم منه مغايرا للمفهوم من تلك الحقيقة كان لا محالة أمرا آخر سوى تلك الحقيقة سواء كان ذلك المغاير لازما لتلك الحقيقة أو مفارقا وسواء كان سلبا أو إيجابا
стр. 681
فالإنسان من حيث إنه إنسان ليس إلا أنه إنسان فأما أنه واحد أو لا واحد أو كثير أو لا كثير فكل ذلك مفهومات منفصلة عن الإنسان من حيث إنه إنسان وإن كنا نقطع بأن مفهوم الإنسان لا ينفك عن كونه واحدا أو لا واحدا إذا عرفت ذلك فنقول اللفظة الدالة على الحقيقة من حيث إنها هي هي من غير أن تكون فيها دلالة على شئ من قيود تلك الحقيقة سلبا كان ذلك القيد أو إيجابا فهو المطلق وأما اللفظ الدال على تلك الحقيقة مع قيد الكثرة فإن كانت الكثرة كثرة معينة بحيث لا يتناول ما يزيد عليها فهو اسم العدد وإن لم تكن الكثرة كثرة معينة فهو العام
وبهذا التحقيق ظهر خطأ من قال المطلق هو الدال على واحد لا بعينه فإن كونه واحدا وغير معين قيدان زائدان على الماهية والله أعلم
стр. 682
المسألة الرابعة اختلف الناس في صيغة كل وجميع وأي وما ومن في المجازاة والاستفهام فذهبت المعتزلة وجماعة من الفقهاء إلى أنها للعموم فقط وهو المختار وأنكرت الواقفية ذلك ولهم قولان فالأكثرون ذهبوا إلى أنها مشتركة بين العموم والخصوص والأقلون قالوا لا ندري أنها حقيقة في العموم فقط أو الخصوص فقط أو الاشتراك فقط والكلام في هذه المسألة مرتب على فصول خمسة
стр. 683
الفصل الأول في أن من وما وأين ومتى في الاستفهام للعموم فنقول هذه الصيغ إما أن تكون للعموم فقط أو للخصوص فقط أولهما على سبيل الاشتراك أو لا لواحد منهما والكل باطل إلا الأول أما أنه لا يجوز أن يقال إنها موضوعة للخصوص فقط فلأنه لو كان كذلك لما حس من المجيب أن يجيب بذكر كل العقلاء لأن الجواب
يجب أن يكون مطابقا للسؤال لكن لا نزاع في حسن ذلك وأما أنه لا يجوز القول بالاشتراك فلأنه لو كان كذلك لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قيل من عندك فلا بد أن تقول تسألني عن الرجال أو عن النساء فإذا قال عن الرجال فلا بد أن تقول تسألني عن العرب أو عن
стр. 684
العجم فإذا قال عن العرب فلا بد أن تقول تسألني عن ربيعة أو عن مضر وهلم جرا إلى أن تأتي على جميع التقسيمات الممكنة وذلك لأن اللفظ إما أن يقال أنه مشترك بين الاستغراق وبين مرتبة معينة في الخصوص أو بين الاستغراق وبين جميع المراتب الممكنة والأول باطل لأن أحدا لم يقل به والثاني يقتضي أن لا يحسن من المجيب ذكر الجواب إلا بعد الاستفهام عن كل تلك الأقسام لأن الجواب لا بد وأن يكون مطابقا للسؤال فإذا كان السؤال محتملا لأمور كثيرة فلو أجاب قبل أن يعرف ما عنه وقع السؤال لاحتمل أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال وذلك غير جائز فثبت أنه لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات لكنها غير واجبة أما أولا فلأنه لا عام إلا وتحته عام آخر وإذا كان كذلك كانت التقسيمات الممكنة غير متناهية والسؤال عنها على سبيل التفصيل محال وأما ثانيا فلأنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان أنهم يستقبحون مثل هذه الاستفهامات وأما أنه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة للعموم
ولا للخصوص فمتفق عليه
стр. 685
فبطلت هذه الأقسام الثلاثة ولم يبق إلا القسم الأول وهو الحق فإن قيل لا نسلم أنها غير موضوعة للخصوص قوله لو كان كذلك لما حسن الجواب بذكر الكل قلنا متى إذا وجدت مع اللفظ قرينة تجعله للخصوص أو إذا لم توجد الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن من الجائز أن تكون هذه الصيغة موضوعة للخصوص إلا أنه قد يقترن بها من القرائن ما يصير المجموع للعموم لجواز أن يكون حكم المركب مخالفا لحكم المفرد سلمنا ذلك فلم لا يكون مشتركا قوله لو كان كذلك لوجبت الاستفهامات قلنا لم لا يجوز أن يقال هذه اللفظة لا تنفك عن قرينة دالة على
стр. 686
المراد بعينه فلا جرم لا يحتاج إلى تلك الاستفهامات سلمنا إمكان خلوه عن تلك القرينة لكن متى يقبح الجواب بذكر الكل إذا كان ذكر الكل مفيدا لما هو المطلوب بالسؤال على كل التقديرات أو إذا لم يكن الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن السؤال إما أن يكون قد وقع عن الكل أو عن البعض فإن وقع عن الكل كان ذكر الكل هو الواجب
وإن وقع عن البعض فذكر الكل يأتي على ذلك البعض فيكون ذكر الكل مفيدا لحصول المقصود على كل التقديرات وذكر البعض ليس كذلك فكان ذكر الكل أولى سلمنا أن الاشتراك يوجب تلك الاستفهامات لكن لا نسلم أنها لا تحسن ألا ترى أنه إذا قيل من عندك حسن منه أن يقول أعن الرجال تسألني أم عن النساء أعن الأحرار أم عن العبيد غاية ما في الباب أن يقال الاستفهام عن كل الأقسام الممكنة غير جائز لكنا نقول
стр. 687
ليس الاستدلال بقبح بعض تلك الاستفهامات على عدم الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن بعضها على الاشتراك وعليكم الترجيح سلمنا أن ما ذكرتم يدل على قولكم لكنه معارض بأن هذه الصيغ لو كانت للعموم فقط لما حسن الجواب إلا بقوله لا أو نعم لأن قوله من عندك تقديره أكل الناس عندك ومعلوم أن ذلك لا يجاب إلا بلا أو بنعم فكذلك ها هنا والجواب قوله الصيغة وإن كانت حقيقة في الخصوص لكن لم لا يجوز أن يقترن بها ما يصير المجموع للعموم قلنا لثلاثة أوجه الأول أن هذا يقتضي أنه لو لم توجد تلك القرينة أن لا يحسن الجواب بذكر الكل ونحن نعلم بالضرورة من عادة أهل اللغة حسن ذلك سواء وجدت قرينة أخرى أم لم توجد الثاني أن هذه القرينة لا بد وأن تكون معلومة للسامع والمجيب معا
لأنه يستحيل أن تكون تلك القرينة طريقا إلى العلم بكون هذه الصيغة للعموم مع أنا لا نعرف تلك القرينة
стр. 688
ثم تلك القرينة إما أن تكون لفظا أو غيره والأول باطل لأنه إذا قيل لنا من عندك حسن منا أن نجيب بذكر كل من عندنا وإن لم نسمع من السائل لفظة أخرى والثاني باطل أيضا لأنا لا نعقل قسما آخر وراء اللفظ يدل على مقصود المتكلم إلا الإشارة وما يجري مجراها من تحريك العين والرأس وغيرهما وكل ذلك مما لا يطلع الأعمى عليه مع أنه يحسن منه أن يجيب بذكر الكل الثالث أن من كتب إلى غيره فقال من عندك حسن منه الجواب بذكر الكل مع أنه لم يوجد في الكتبة شئ من القرائن وبهذه الوجوه خرج الجواب أيضا عن قوله إنما لم يحسن الاستفهام عن جميع الأقسام لأن اللفظ لا ينفك عن القرينة الدالة وأيضا فقد إنعقد الإجماع على أن اللفظ المشترك يجوز خلوه عن جميع القرائن المعينة قوله إنما حسن الجواب بذكر الكل لأن المقصود حاصل على كل التقديرات قلنا يلزم منه لو قال من عندك من الرجال أن يحسن منه ذكر النساء مع الرجال لأن تخصيص الرجال بالسؤال عنهم لا يدل على أنه لا حاجة
стр. 689
به إلى السؤال عن النساء فلما لم يحسن في هذا فكذا فيما ذكرتموه وأيضا فكما أنه يحتمل أن يكون غرضه من السؤال ذكر الكل أمكن أن يكون غرضه السؤال عن البعض مع السكوت عن الباقين قوله قد يحسن الاستفهام عن بعض الأقسام فليس الاستدلال بقبح البعض على نفي الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن البعض على ثبوت الاشتراك قلنا قد ذكرنا أنه ليس في الأمة أحد يقول بأن هذه الصيغ مخصوصة ببعض مراتب الخصوص دون البعض فلو كانت حقيقة في الخصوص لكانت حقيقة في كل مراتب الخصوص ولو كان كذلك لوجب الاستفهام عن كل تلك المراتب فلما لم يكن كذلك علمنا فساد القول بالاشتراك فأما حسن بعض الاستفهامات فلا يدل على وقوع الاشتراك لما سنذكر إن شاء الله تعالى أن للاستفهام فوائد أخر سوى الاشتراك قوله لو كانت هذه الصيغة للعموم لما حسن الجواب إلا بلا أو نعم قلنا لا نسلم وذلك لأن السؤال ها هنا ما وقع عن التصديق
стр. 690
حتى يكون جوابه بلا أو بنعم بل إنما وقع عن التصور فقوله من عندك معناه اذكر لي جميع من عندك من الأشخاص ولا تبق أحدا إلا وتذكره لي ومعلوم أنه يحسن الجواب عن هذا السؤال بلا أو بنعم والله أعلم
стр. 691
الفصل الثاني
في أن صيغة من وما في المجازاة للعموم ويدل عليه ثلاثة أوجه الأول أن قوله من دخل داري فأكرمه لو كان مشتركا بين الخصصوص والاستغراق لما حسن من المخاطب أن يجري على موجب الأمر إلا عند الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة لكنه حسن فدل على عدم الاشتراك وتقريره ما تقدم في الفصل الأول الوجه الثاني إنه إذا قال من دخل داري فأكرمه حسن منه استثناء كل واحد من العقلاء والعلم بحسن ذلك من عادة أهل اللغة ضروري والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك لأنه لا نزاع في
стр. 692
أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يصح دخوله تحت المستثنى منه فإما أن لا يعتبر مع الصحة الوجوب أو يعتبر والأول باطل وإلا لكان يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله جاءني فقهاء إلا زيدا وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله جاءني الفقهاء إلا زيدا فرق لصحة دخول زيد في الخطابين لكن الفرق معلوم بالضرورة من عادة العرب فعلمنا أن الاستثناء من الجمع المعرف يقتضي إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ وهو المطلوب فإن قيل ينتقض دليلكم بأمور ثلاثة أحدها جموع القلة كالأفعل والأفعال والأفعلة والفعلة
وجمع السلامة فإنه للقلة بنص سيبوية مع أنه يصح استثناء كل واحد من أفراد ذلك الجنس عنها
стр. 693
وثانيها أنه يصح أن يقال اصحب جمعا من الفقهاء إلا فلانا ومعلوم أن ذلك المستثنى لا يجب أن يكون داخلا تحت ذلك المنكر وثاليها ثم إنه يصح أن يقال صل إلا اليوم الفلاني ولو كان الاستثناء يقتضي إخراج ما لولاه لدخل لكان الأمر مقتضيا للفعل في كل الأزمنة فكان الأمر يفيد الفور والتكرار وأنتم لا تقولون بهما سلمنا سلامته عن النقض لكن لا نسلم أن قوله من دخل داري أكرمه يحسن استثناء وكل واحد من العقلاء منه فإنه لا يحسن منه أن يستثنى الملائكة والجن واللصوص ولا يحسن أن يقول إلا ملك الهند وملك الصين سلمنا حسن ذلك ولكن لم يدل على العموم قوله المستثنى يجب صحة دخوله تحت المستثنى منه فإما أن يكون الوجوب معتبرا مع هذه الصحة أو لا يكون قلنا لا نسلم أن المستثنى يجب صحة دخوله تحت المستثنى منه فإن استثناء الشئ من غير جنسه جائز
стр. 694
سلمناه لكن لم قلت إنه لا بد من الوجوب قوله لو لم يكن الوجوب معتبرا لما بقي فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر وبين الاستثنا من الجمع المعرف قلنا نسلم أنه لا بد من فرق لكن لا نسلم أنه لا فرق إلا ما
ذكرتموه سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على الوجوب لكن معنا ما يدل على أن الصحة كافية وبيانه من وجهين الأول أن الصحة أعم من الوجوب فيكون حمل اللفظ على الصحة حملا له على ما هو أعم فائدة الثاني أن القائل اذا قال لغيره أكرم جمعا من العلماء واقتل فرفة من الكفار حسن أن يستثنى كل واحد من العلماء والكفار فيقول إلا فلانا وفلانا ولو كان الاستثناء يخرج ما لولاه لوجب دخوله فيه لوجب أن يكون اللفظ المنكر للاستغراق سلمنا أن ما ذكرتموه يقتضي أن تكون صيغة من للعموم لكن لا يجب أن يكون الأمر كذلك بيانه أن الاستدلال بالمقدمتين المذكورتين على النتيجة إنما يصح لو ثبت أنه لا تجوز المناقضة على واضع اللغة إذا لو جازت المناقضة عليه
стр. 695
جاز ان يقال إنهم حكموا بهاتين المقدمتين اللتين توجبان عليهم أن يحكموا بأن صيغة من للعموم ولكنهم لعلهم لم يحكموا بها لأنهم لم يحترزوا عن المناقضة بلى لو ثبت أن اللغات توفيقية اندفع هذا السؤال سلمنا أن صحة الاستثناء من هذه الصيغ دالة على أنها للعموم لكنها تدل على أنها ليست للعموم من وجه آخر وذلك لأنها لو كانت للعموم لكان الاستثناء نقضا على ما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى والجواب أما النقض بجموع القلة فلا نسلم أنه يحسن استثناء أي عدد شئنا منه مثلا لا يجوز أن يقول أكلت الأرغفة إلا ألف
رغيف وتوافقنا على أنه يجوز استثناء أي عدد شئنا من صيغة من في المجازاة مثل أن يقول من دخل داري أكرمته إلا أهل البلدة الفلانية قوله ينتقض بقوله اصحب جمعا من الفقهاء إلا زيدا قلنا هب أن الاستثناء من الجمع المنكر يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله فيه فلم قلت إن في سائر الصور كذلك قوله يلزم أن تكون صيغة الأمر للتكرار قلنا لم لا يجوز أن يكون اقتران الاستثناء بلفظ الأمر قرينة دالة على دلالة الأمر على التكرار
стр. 696
قوله لا يحسن استثناء الملائكة واللصوص وملك الهند وملك الصين قلنا لأن المقصود من الاستثناء خروج المستثنى من الخطاب وقد علم من دون الاستثناء خروج هذه الأشياء من الخطاب ولهذا لو لم يعلم خروجها منه لحسن الاستثناء ألا ترى أنه لو كان الخطاب صادرا عن الله تعالى لحسن منه تعالى هذا الاستثناء مثل أن يقول إني أطعم من خلقت إلا الملائكة وأنظر بعين الرحمة إلى جميع خلقي إلا الملوك المتكبرين قوله لم قلت إنه يجب صحة دخول المستثنى تحت المستثنى منه قلنا لأن الإجماع منعقد على ذلك في استثناء الشئ من جنسه فلا يتوجه جواز الاستثناء من غير الجنس
стр. 697
ولأن الاستثناء مشتق من الثني وهو الصرف وإنما يحتاج إلى الصرف لو كان بحيث لولا الصارف لدخل قوله لم قلت إنه لا فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر ومن الجمع المعرف إلا ما ذكرت قلنا لأن الجمع المنكر هو لاذي يدل على جمع يصلح أن يتناول كل واحد من الأشخاص فلو كان الجمع المعرف كذلك لم يبق بين الأمرين فرق وحينئذ لا يبقى بين الاستثناء من الجمعين فرق قوله حمل الاستثناء على الصحة أولى لكونها أعم فائدة قلنا يعارضه أن حمله على الوجوب أولى لأن الصحة جزء من الوجوب فلو حملناه على الوجوب لكنا قد أفدنا به الصحة والوجب معا ولو حملناه على الصحة وحدها لم نفد به الوجوب أصلا والجمع بين الدليلين بقدر الإمكان واجب قوله الاستثناء من الجمع المنكر ليس إلا لدفع الصحة
стр. 698
قلنا هب أنه كذلك فلم قلت أن الاستثناء من صيغة من وما في المجازاة كذلك قوله لم قلت إن التناقض على الواضعين لا يجوز قلنا لأن الأصل عدم التناقض على العقلاء لا سيما وقد قرر الله تعالى ذلك الوضع قوله لو كانت الصيغة للعموم لكان الاستثناء نقضا قلنا سيجئ الجواب عنه إن شاء الله تعالى
فهذا أقصى ما يمكن تمحله رسول في هذه الطريقة الوجه الثالث لما أنزر ولا الله تعالى قوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال ابن الزبعري لأخصمن محمدا ثم أتى النبي ص فقال يا محمد أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى فتمسك بعموم اللفظ ولم ينكر النبي ص ذلك حتى نزل قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
стр. 699
فإن قلت السؤال كان خطأ لأن ما لا تتناول العقلاء قلت لا نسلم لقوله تعالى والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها والله أعلم
стр. 700
الفصل الثالث في أن صيغة الكل والجميع تفيدان الاستغراق ويدل عليه وجوه الأول أن قوله جاءني كل فقيه في البلد يناقضه قوله ما جاءني كل فقيه في البلد ولذلك يستعمل كل واحد منهما في تكذيب الآخر والتناقض لا يتحقق إلا إذا أفاد الكل الاستغراق لأن النفي عن البعض لا يناقض الثبوت في البعض الثاني أن صيغة الكل مقابلة في اللفظ لصيغة البعض ولولا أن صيغة الكل غير محتملة للبعض وإلا لما كانت مقابلة لها الثالث أن الرجل إذا قال ضربت كل من في الدار وعلم أن في الدار
عشرة ولم يعرف سوى هذه اللفظة أعني أنه لم يعرف أن في الدار أباه وغيره ممن يغلب على الظن أنه لا يضربه بل جوز أن يضربهم كلهم فإن الأسبق إلى الفهم الاستغراق ولو كانت لفظة الكل مشتركة بين الكل
стр. 701
والبعض لما كان كذلك لأن اللفظ المشترك لما كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية امتنع أن تكون مبادرة الفهم إلى أحدهما أقوى منها إلى الآخر الرابع أن يتمسك بسقوط الاعتراض عن المطيع وتوجهه على العاصي أما الأول فهو أن السيد إذا قال لعبده كل من دخل اليوم داري فأعطه رغيفا فلو أعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه حتى أنه لو أعطى رجلا قصيرا فقال له لم أعطيته مع أني أردت الطوال فللعبد أن يقول ما أمرتني بإعطاء الطوال وإنما أمرتني بإعطاء من دخل وهذا قد دخل وكل عاقل سمع هذا الكلام رأي اعتراض السيد ساقطا وعذر العبد متوجها وأما الثاني فهو أن العبد لو أعطى الكل إلا واحدا فقال له السيد لم لم تعطه فقال لأنه طويل وكان لفظك عاما فقلت لعلك أردت القصار استوجب التأديب بهذا الكلام
стр. 702
الخامس إذا قال أعتقت كل عبيدي وإمائي ومات في الحال ولم يعلم منه أمر آخر سوى هذه الألفاظ حكم بعتق كل عبيده وإمائه
ولو قال غانم حر وله عبدان اسمهما غانم وجبت المراجعة والاستفهام فعلمنا عدم الاشتراك السادس إنا ندرك تفرقة بين قولنا جاءني فقهاء وبين قولنا جاءني كل الفقهاء ولولا دلالة الثاني على الاستغراق وإلا لما بقي الفرق السابع معلوم أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير عن معنى الاستغراق فزعوا إلى استعمال لفظة الكل والجميع ولا يستعملون الجموع المنكرة ولولا أن لفظة الكل والجميع موضوعة للاستغراق وإلا لكان استعمالهم هاتين اللفظتين عند إرادة الاستغراق كاستعمالهم للجموع المنكرة فإن قلت في جميع هذه المواضع إنما حكمنا بالعموم للقرينة قلت كل ما تفرضونه من القرائن أمكننا فرض عدمه مع بقاء الأحكام المذكورة وأيضا لو قيل كل من قال لك جيم فقل له دال فها هنا لا قرينة تدل على هذه الأحكام مع أن العموم مفهوم منه
стр. 703
وأيضا فلو كتب في كتاب وقال اعملوا بما فيه حكم بالعموم مع عدم القرينة وأيضا الأعمى يفهم العموم من هذه الألفاظ مع أنه لا يعرف القرائن المبصرة وأما المسموعة فهي منفية لأنا فرضنا الكلام فيمن سمع هذه الألفاظ ولم يسمع شيئا آخر الثامن لما سمع عثمان ﵁ قول لبيد
وكل نعيم لا محالة زائل قال كذبت فإن نعيم الجنة لا يزول فلولا أن قوله أفاد العموم وإلا لما توجه عليه التكذيب والله أعلم
стр. 704
الفصل الرابع في أن النكرة في سياق النفي تعم وذلك لوجهين الأول أن الإنسان إذا قال اليوم أكلت شيئا فمن أراد تكذيبه قال ما أكلت اليوم شيئا فذكرهم هذا النفي عند تكذيب ذلك الإثبات يدل على اتفاقهم على كونه مناقضا له ولو كان قوله ما أكلت اليوم شيئا لا يقتضي العموم لما ناقضه لأن السلب الجزئي لا يناقض الإيجاب الجزئي مثاله من كتاب الله أن اليهود لما قالت ما أنزل الله على بشر من شئ قال تعالى قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى وإنما أورد الله تعالى هذا الكلام نقضا لقولهم الثاني لو لم تكن النكرة في النفي للعموم لما كان قولنا لا إله إلا الله نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى.
стр. 705
تنبيه النكرة في الآيات إذا كانت خبرا لا تقتضي العموم كقولك جاءني رجل وإذا كان أمرا فالأكثرون على أنه للعموم كقوله أعتق رقبة
والدليل عليه أنه يخرج عن عهدة الأمر بفعل أيها كان ولولا أنها للعموم وإلا لما كان كذلك
следующие страницы →