← Акыда

Акыда · id 2024

حقيقة الإيمان

طارق عبد الحليم

Полный текст (160 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإن أطلق الله سبحانه اسم الكفر على عمل من الأعمال - سواء بالنص أو بما يقوم مقامه - كان فاعله كافراً لأننا نثبت التلازم بين الظاهر والباطن، أما أن تؤخذ قاعدة التلازم لإثبات قدر زائد عن مجرد الوصف الثابت شرعاً لمرتكب الفعل، ويستنتج منها شئ بدون دليل قطعي فهذا ما لا محل له، وهنا وقعت الخوارج في التكفير بالمعصية أو الإصرار. ثانياً: على الحقيقة: فإن المقيم على الذنب المداوم عليه دون توبة له حالتان: ١- إما أن يكون مصراً - أي مقيماً - بدافع الشهوة الجامحة للمعصية أو النفرة من فعل الأمر مع التزامه وانقياده قلبياً له، فهذا هو العاصي الذي تعتبر صغيرته كبيرة باعتبار إصراره عليها. ٢- أن يكون مصراً بمعنى أن ينعقد قلبه على عدم الترك للمعصية أبداً، فيكون معانداً لله سبحانه في أمره وهذا في حقيقته هو من سقط عقد قلبه، وذهب انقياده والتزامه وفسد اعتقاده، فهو كافر في الحقيقة عند الله ، وإن كنا لا نحكم بكفره ظاهراً حتى يأتي أمراً لا خلاف عليه في دلالته على الاستحلال كأن يعلن ذلك بنفسه، أو بما يدل عليه كأن يعلن أنه اتخذ هذا العمل أو هذا السبيل المغاير للشرع منهجاً ثابتاً لا يتغير وقاعدة لحياته، ودعا الناس إليه وأعلن محاسنه - حتى ولو لم يعلن استقباح الشرع في المقابل - فإن هذا دليل كافٍ على فساد اعتقاده واستحبابه لشرع غير شرع الله تعالى، فإن سبيله في فعل المعصية هكذا يكون كمن شرعها لتكون منهجاً وسُنة لا طارئ عارض يلم بالنفس فيدفعها للمخالفة ثم يذهب وإن تكرر مرات ومرات كما هو حال من أصر ولم يكفر. فهذا الشأن دال على الكفر بالاستحلال، ولا سبيل إلى التأكد من كفر مرتكب المعصية المقيم عليها بغير هذا السبيل. وقد قرر شارح الفقه الأكبر دلالة الاستحلال بما قلناه:

стр. 72

يقول: "إن استحلال المعصية صغيرة أو كبيرة كفر، إذا ثبت كونها معصية بدلالة قطعية وكذا الاستهانة بها كفر بأن يعدها هينة سهلة ويرتكبها من غير مبالاة بها ويجريها مجرى المباحات في ارتكابها" (١) . ويقرر الإمام ابن القيم كفر من عزم بقلبه على المداومة وعدم الترك أبداً على الحقيقة لما سينشأ في قلبه من هذا من أحوال فيقول: ".. واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبه لغير الله، وذله لغير الله، وتوكله على غير الله، ما يصير به منغمساً في بحار الشرك. والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل، فإن ذل المعصية لا بد أن يقوم بالقلب فيورثه خوفاً من غير الله، وذلك شرك ويورثه محبة لغير الله واستعانة بغيره في الأسباب التي توصله إلى فرضه. فيكون عمله لا بالله ولا لله. وهذا حقيقة الشرك. نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل، وعباد الأصنام. وهو توحيد الربوبية وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله ولو أنجى هذا التوحيد وحده، لأنجى عباد الأصنام، والشأن في توحيد الألوهية، الذي هو الفارق بين المشركين والموحدين" (٢) . ويقول ابن رجب في دلالة الاستحلال الظاهرة: "قال تعالى (إنما النسئ زيادة في الكفر ... ) والمراد أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عاماً فيحلونه بذلك ويمتنعون من القتال فيه عاماً فيحرمونه بذلك.

стр. 73

وقال الله (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم..) وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهداً في الدنيا وتقشفاً. وبعضهم حرم ذلك على نفسه إما بيمين حلف بها أو بتحريمها على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر. وبعضهم امتنع منها من غير يمين أو تحريم على نفسه، فسمى الجميع تحريماً حيث قصر الامتناع منه إضراراً بالنفس وكفاً لها عن شهواتها. ويقال في الأمثال: فلان لا يحلل ولا يحرم إذا كان لا يمتنع من فعل حرام ولا يقف عندما أبيح له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام فيجعلون من فعل الحرام ولا يتحشى منه محللاً وإن كان لا يعتقد حله" (١) . وأما عن قول الخوارج إن الإصرار على الذنب غير مكفر لصاحبه بشرط التوبة والاستغفار فهو كتحصيل حاصل، فإن من تاب واستغفر عاد كمن لا ذنب له، كما صح من حديث الرسول ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٢) . وصار تكرار المعصية ذنب جديد ومعصية عادية لا معنى للإصرار فيها، أي المداومة فيكون ترك الاستغفار أو التوبة لازم لمعنى الإصرار (٣) كما نقلنا عن الطبري. وقد قال القرطبي: "قال علماؤنا الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار، ويثبت معناه في الجنان، لا التلفظ باللسان، فأما من قال بلسانه أستغفر الله وقلبه مصر على معصية فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار وصغيرته لاحقة بالكبائر" (٤) .

стр. 74

هذا وجه وهناك وجه آخر هو حب الله ورسوله على غلبة الشهوة. والمتأمل في قوله تعالى: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) (١) . يرى أن الله سبحانه قد جعل من لم يصر على ذنبه بعد علمه به (٢) ، واستغفر منه، في أعلى درجات الإيمان وأحسن أوصاف المؤمنين، فالقرآن "يأتي بالغايات تنصيصاً عليها" - كما سيأتي تفصيل ذلك في الباب الثالث - فيصف المؤمنين دائماً بأحسن صفاتهم المطلوبة فيرغب فيها أهل الحق ليسعون إليها، ويصف الكافرين بأبشع أوصافهم لينفر منها المؤمنين ويبتعدوا عنها (٣) .

стр. 75

فهذه الصفة التي وردت في الآية الكريمة ليست صفة المسلم العادي، وإنما هي صفة كمال الإيمان أي أن من أصر على الذنب - أي أقام عليه - ليس بالضرورة مشركاً بل يحتمل أن يكون كذلك إن انعقد قلبه على عدم الترك كما قلنا، أو أن يكون عاصياً لا يجعل له صفة الكمال في الإيمان لإقامته على الذنب فقط - دون عقد القلب - وترك التوبة منه، ولا يصح أن يفهم من الآية مفهوم مخالفتها بمعنى أن من لم يصر فهو المؤمن فيكون المصر كافراً! هكذا دون تفصيل، فهذا هو الفهم الناقص الذي لا يجمع بين أطراف الأدلة ولا يسير على منهج النظر الصائب، ولا يستلهم القواعد والأصول ومقتضياتها. قبول الشرائع وردها بين الفرد والمجتمع: قررنا فيما سبق أن مناط الكفر في أعمال المعاصي هو سقوط عقد القلب أو استحلال المعصية. والاستحلال أمر قلبي لابد من دلالة قطعية عليه ليمكن الحكم بكفر مرتكبها. وإن إقدام الفرد على معصية الله تعالى ومداومته عليها يعتبر إصراراً منه عليها وكبيرة من الكبائر – كما اعتبرها الإمام ابن حجر الهيثمي في الزواجر، الكبيرة الرابعة والثلاثون – وكما تبين من قبل لا يعتبر دلالة على رد الشرع أو الأمر والنهي بظاهره إلا إن أخذ صورة الدوام والعرف المتبع، وأصبح مبدأ ثابتاً يدعو إليه ويستحسنه مع علمه لمخالفته لأمر الله تعالى ... فبهذه الضوابط يعتبر ظاهر فعله كفراً هذا بالنسبة للفرد، أما المجتمعات فتختلف الدلالات بالنسبة لها. فإن الفقهاء قد وضعوا شروطاً محددة واعتبروا أوضاعاً معينة ظاهرة هي التي تفرق بين دار الإسلام ودار الكفر، فمتى تحققت هذه الشروط اعتبرت هذه المجتمعات بحسبها.

стр. 76

وإن تواضع مجتمع ما بأفراده وهيئاته على إقرار معصية من المعاصي بحيث تصير غير منكرة بينهم، بل هي المتعارف عليها المعمول بها، المستنكر خلافها (١) ، فهذا ولاشك يحمل دلالة على رد الشرع وعدم الانقياد له من المجتمع جملة، وإن لم يلزم من ذلك اعتبار أفراده خارجين عن الإسلام فرداً فرداً. والحق أنه ليس هناك مجتمع يعلن الإسلام – ولو باللسان – ثم يعلن إنكار للرسالة أو جحود الشرائع جملة، وإنما هو الوقوع في أعمال الكفر مع الإقامة على تصديق الرسالة والاعتراف بربوبية الله تعالى. وقد ذكر الفقهاء الدلالة التي يعتبر فيها المجتمع منخلعاً عن الإسلام ويتحول إلى دار كفر بعد أن كان دار إسلام، فأجمعوا على أنها الحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير شريعته، وارتفاع لواء شرع غير شرعه تجرى على أساسه جميع معاملات هذا المجتمع (٢) ، فهذه دلالة قطعية على رد هذا المجتمع للشريعة جملة، وخروجه عن الإسلام كلية، وإن كان هذا لا يعني كفر أفراده فرداً فرداً.

стр. 77

فإن إجراء حكم الكفر على الأفراد له دلالات مختلفة أخرى غير دلالة كفر المجتمع، كشخصية اعتبارية، يجرى عليها الحكم بالإسلام أو بالكفر، ليتاح بعد ذلك أن يعامل الأفراد فيها حسب المعاملات المخصوصة التي شرعت لدار الكفر، كترك إقامة الحدود مثلاً أو عدم وجوب إقامة الجمعة – على مذهب أبي حنيفة خلافاً للجمهور – إلى غير ذلك من المعاملات التي تتحدد بتحديد نوعية المجتمع وماهيته ككل. الباب الثاني في الرد على المرجئة (١)

стр. 78

الفصل الأول مجمل أقوال المرجئة تدور مفاهيم الأرجاء – قديماً وحديثاً – حول ثلاث نقاط رئيسية ليس لهم عليها دليل، وإنما هو التناقض في فهم الكتاب والسُّنَّة، وانحراف مناهج الاستدلال (١) كما ذكرنا من قبل. وسنورد إن شاء الله تعالى هذه النقاط، ثم نعقبها بالرد ما تيسر لنا ذلك. النقطة الأولى: وهي تدور حول مفهوم الإيمان، فقد انقسموا إلى ثلاثة أقوال على الجملة: أن الإيمان مجرد ما في القلب – أي قول القلب – ثم منهم من يدخل فيه أعمال القلب ومنهم من لا يدخلها.

стр. 79

أن الإيمان هو مجرد قول اللسان، وهو قول الكرامية (١) . أن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان. يقول ابن تيمية: "والمرجئة ثلاث أصناف: الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه ... ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم. والقول الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان. وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم" (٢) . وقال بعضهم: (٣) إن الكفر هو التكذيب لأن الإيمان عندهم مرادف للتصديق، وقد رد ابن تيمية على ذلك رداً مفصلاً أوضح فيه مفارقة الإيمان للتصديق لفظاً ومعنى، لغة وشرعاً من عدة وجوه نذكر منها الوجه المقصود للتفرقة بين كفر التكذيب ومطلق الكفر قال:

стр. 80

"إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب، كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت. ويقال صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب، له بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر يقال هو مؤمن أو كافر. والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم، فلو كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيباً ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعاً بلا تكذيب، فلابد أن يكون الإيمان تصديقاً مع موافقة وموالاة وانقياد، ولا يكفي مجرد التصديق فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان، كما كان الامتناع عن الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر، فيجب أن يكون كل مؤمن مسلماً منقاداً للأمر، وهذا هو العمل" (١) . وقد سبق أن بينا من قبل مركبات الإيمان كما هي عند أهل السُّنَّة وأدلتهم عليها، وشرحنا مقام الجحود في إثبات الكفر، ومقام التصديق في إثبات الإيمان فلا معنى للإعادة. النقطة الثانية: أن من قال لا إله إلا الله بلسانه كان مؤمناً مسلماً يدخل الجنة، اعتماداً على فهم قاصر لأحاديث وردت عن رسول الله ﷺ ، كقوله ﷺ : "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" (٢) وغيرها اعتقاداً منهم أن مجرد النطق بالشهادتين كاف لإثبات حقيقة الإسلام الذي ينجو به صاحبه من الخلود في النار!. النقطة الثالثة: أن الإيمان لا تضر معه معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والاعتماد على غفران الله سبحانه الذي وردت به الآيات التي تصف الله سبحانه بالرحمة والمغفرة وغفران الذنوب، كقوله تعالى: "إن الله غفور رحيم" (٣)

стр. 81

أو قوله تعالى: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم" (١) ، إلى غير ذلك من الآيات التي تحمل نفس هذا المعنى من رحمة الله ومغفرته. هذه هي النقاط الثلاث التي يدور حولها فكر الإرجاء – قديماً وحديثاً – والتي تأثر بها بعض "دعاة الإسلام" تأثراً شديداً دون علم بالأصول التي ينحدر منها هذا الفكر. وسنحاول – إن شاء الله تعالى – فيما يأتي – أن نرد على هذه الشبهات – الثانية والثالثة – بعد أن بينا مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في الأول وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وحقيقة الإيمان ومقام التصديق فيه. والله أعلم. الفصل الثاني أحاديث الشفاعة وحقيقة الشهادتين وردت في السُّنَّة الشريفة أحاديث عن رسول الله ﷺ تفيد أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وما يجري مجراها في المعنى، فتعلق بها المرجئة، وأجروها على ظواهرها، واعتبروا أن من تلفظ بالشهادتين فهو المسلم عند الله ، وهو الذي يحق له دخول الجنة بإذن الله. ومن هذه الأحاديث: (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت يا رسول الله: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه" رواه البخاري. (٢) وعن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل" رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.

стр. 82

(٣) عن عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار". رواه مسلم والترمذي. (٤) وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل قال: "يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار.." رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث التي ذكر فيها نطق الشهادتين، وجعلها شرطاً لدخول الجنة، وترتيب النجاة على قولها أو شهادتها دون غيرها. وقد اتفق أهل السُّنَّة والجماعة بلا خلاف بينهم على صرف هذه الأحاديث عن ظاهرها وتأويلها بوجه من الوجوه وعدم اعتبار عموميتها، ومن أقوالهم في ذلك: يقول الإمام الشاطبي في شرح الطريقة التي يجب أن تتخذ منهجاً ومسلكاً لفهم الكتاب والسُّنَّة: "... وللسنة هنا مدخل، لأنها مبينة للكتاب، فلا تقع في التفسير إلا على وفقه، وبحسب المعرفة بالتقديم والتأخير يحصل بيان الناسخ من المنسوخ في الحديث، كما يتبين ذلك في القرآن أيضاً. ويقع في الأحاديث أشياء تقررت قبل تقرير كثير من المشروعات، فيأتي فيها إطلاقات أو عمومات ربما أوهمت ففهم منها ما لا يفهم منها لو وردت بعد تقرير تلك المشروعات، كحديث: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" أو حديث: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صادقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار"، وفي المعنى أحاديث كثيرة وقع من أجلها الخلاف بين الأمة فيمن عصى الله من أهل الشهادتين. فذهبت المرجئة إلى القول بمقتضى هذه الظواهر على الإطلاق، وكان ما عارضها مؤولا عند هؤلاء. وذهب أهل السُّنَّة والجماعة إلى خلاف ما قالوه، حسبما هو مذكور في كتبهم وتأولوا هذه الظواهر.

стр. 83

ومن جملة ذلك أن طائفة من السلف قالوا إن هذه الأحاديث منزلة على الحالة الأولى للمسلمين وذلك قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهي، ومعلوم أن من مات في ذلك الوقت ولم يصل أو لم يصم مثلاً وفعل ما هو محرم في الشرع لا حرج عليه، لأنه لم يكلف بشئ من ذلك بعد، فلم يضيع من أمر إسلامه شيئاً، كما أن من مات والخمر في جوفه قبل أن تحرم فلا حرج عليه، لقوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح..) الآية، وكذلك من مات قبل أن تحول القبلة نحو الكعبة لا حرج عليه في صلاته إلى بيت المقدس، لقوله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم..) ، وإلى أشياء من هذا القبيل فيها بيان لما نحن فيه، وتصريح بأن اعتبار الترتيب في النزول مفيد في فهم الكتاب والسُّنَّة" (١) . ويقول الحافظ المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب": "وقد ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال: "لا إله إلا الله دخل الجنة أو حرم الله عليه النار" ونحو ذلك، إنما كان في ابتداء الإسلام، حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد، فلما فرضت الفرائض، وحدت الحدود نسخ ذلك، والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة. وإلى هذا القول ذهب الضحاك والزهري وسفيان الثوري وغيرهم، وقال طائفة أخرى: لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك، فإن كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين.." (٢) . كما ذكر ابن رجب الحنبلي في كتابه "تحقيق كلمة الإخلاص" بعض آراء السلف في صرف هذه الأحاديث عن ظاهرها وفهمها وتفسيرها:

стр. 84

"وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولاً وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود ومنهم الزهري والثوري وغيرهما. وهذا بعيد جداً، فإن كثيراً منها نزل بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك وهي في آخر حياة النبي ﷺ . وهؤلاء منهم من يقول إنها منسوخة. ومنهم من يقول هي محكمة ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور. وقالت طائفة: تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى، ففي بعضها: "من قال لا إله إلا الله مخلصاً"، وفي بعضها: "مستيقناً"، بعضها: "يصدق لسانه"، وفي بعضها: "يقولها حقاً من قلبه"، وفي بعضها: و"قد ذل بها لسانه واطمأن بها قلبه" (١) اهـ. ثم ذكر ابن رجب بعد ذلك أقوالاً تفيد أنها مقيدة بشرائط لابد من تحققها، قال: "وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم العدة لكن لـ (لا إله إلا الله) شرائط، فإياك وقذف المحصنة. وقيل للحسن: إن ناساً يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ فقال: بلى. ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.. كما في الصحيحين عن أبي أيوب أن رجلاً قال يا رسول الله: أخبرني بعمل يُدخلني الجنة؟ فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ... كما دل قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) .

стр. 85

على أن الاخوة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد، فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد" (١) . كما أخذ الإمام الآجري بقول من قال من السلف أن هذه الأحاديث قبل نزول الفرائض فقال: "فإن احتج محتج بالأحاديث التي رويت: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"، قيل له: هذه كانت قبل نزول الفرائض على ما تقدم ذكرنا له، وهذا قول علماء المسلمين ممن نعتهم الله بالعلم، وكانوا أئمة يقتدى بهم سوى المرجئة الذين خرجوا عن جملة ما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وقول الأئمة والذين لا يستوحش من ذكرهم في كل بلد" (٢) . وما أوردناه من أقوال العلماء من أهل السُّنَّة والجماعة إنما هو دليل على أنهم - بإجماع - صرفوها عن ظاهرها وأولوها بوجه من وجوه التأويل، وإن اختلفوا في السبب الذي صرفت عن ظاهرها لأجله. وإن هذا الأمر لهو المنزلق الوعر الذي انزلقت فيه أقوال الكثير من "دعاة الإسلام"، فظنوا أن مجرد نطق الشهادتين - بمعنى التلفظ بهما - هو مدار النجاة من الخلود في النار في الآخرة، ودخلت عليهم الشبهة التي دخلت على مرجئة العصر القديم من هذا الباب، باب الأحاديث التي أطلق فيها هذا القول السابق. وقد رأينا أن أهل السُّنَّة قد اتفقوا على تأويلها - خلافاً للمرجئة - وإن اختلفوا في السبب. والحق أن ما ذكره ابن رجب وغيره عن الطائفة التي ذكرت أن هذا القول هو حق قبل نزول الفرائض قد جانبها الصواب في هذا، فإن من هذه الأحاديث ما ورد من طريق أبي هريرة ﵁، ومعلوم أنه أسلم مؤخراً في المدينة في السنة السابعة للهجرة بعد نزول كثير من الفرائض، ومنها ما جاء في حين غزوة تبوك، فثبت بهذا أن هذا الاعتراض غير وارد.

стр. 86

والأمر أهون من ذلك - بإذن الله - إذا أخذنا في اعتبارنا أمرين في غاية الأهمية لإدراك المعنى الصحيح المقصود من هذه الأحاديث الشريفة، فإنها كلها حق والحمد لله، ولكن عدم فهمها على وجهها الصحيح أو الاستدلال بها في غير موضعها لهو ضرب من تلبيس الحق بالباطل فنعوذ بالله من ذلك. والأمران هما: (أ) النظر في مجموع الروايات الأخرى التي وردت فيها أحاديث الشفاعة نفسها لتشرح بعضها البعض وتفيد في تقرير معنى الشهادتين المعتبر شرعاً عند الله . (ب) اعتبار حقيقة الشهادتين التي رتب عليها الشارع دخول الجنة بقولها. وسننظر في كلا الأمرين بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى. (أ) النظر في مجموع الروايات: إذا تتبعنا الأحاديث التي رتب فيها الشارع دخول الجنة أو التحريم على النار على قول لا إله إلا الله، وجدنا أنه قد رتب ذلك على هذا القول تارة، وعلى التوحيد تارة، وعلى انتفاء الشرك تارة في روايات الحديث المختلفة. ومثال ذلك: ١ - حديث بني الإسلام على خمس: قد ورد بأربع روايات: الرواية الأولى: حدثنا عبيد الله بن معاذ ثنا أبي ثنا عاصم وهو ابن محمد ابن زيد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ :"بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان رواه مسلم. الرواية الثانية: عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت" رواه مسلم.

стр. 87

الرواية الثالثة: حدثنا سهل بن عثمان العسكري ثنا يحيى بن زكريا ثنا سعد بن طارق قال حدثني سعد بن عبيدة السُّلمى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: أن يعبد الله ويكفر بما دونه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان" (١) رواه مسلم. الرواية الرابعة: حدثنا محمد بن عبد الله بن محمدالهمداني ثنا أبو خالد يعني سليمان بن حبان الأحمر عن أبى مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "بنى الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج، قال رجل: الحج وصيام رمضان. قال: لا صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ " رواه مسلم. كما جاء في معناها غير ذلك من الأحاديث ما يفيد أن الشهادتين تعنى ترك الشرك وعبادة الله وحده، وإنما التلفظ عنوان ذلك ودليله، منها: "ما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فلما ولى قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا". ٢- حديث جبريل وله ثلاث روايات:

стр. 88

الرواية الأولى: ما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يوماً بارزاً للناس إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.. إلى أن قال: هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم". الرواية الثانية: ما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوني فهابوه أن يسألوه فجاء رجل فجلس عند ركبتيه فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: لا تشرك بالله شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان. قال: صدقت. قال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث وتؤمن بالقدر كله. قال: صدقت، قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال أن تخشى الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت، قال: يا رسول الله، متى تقوم الساعة؟ قال ما المسئول عنها بأعلممن السائل، وسأحدثك عن أشراطها.. إلى أن قال: هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا".

стр. 89

الرواية الثالثة: ما رواه مسلم بسنده عن ابن عمر قال حدثني أبي عمر ابن الخطاب قال: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. إلى أن قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". ٣- حديث وفد بني عبد القيس: وقد ورد برواتين عند مسلم: الرواية الأولى: ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس قال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ﷺ ، فقال: "ممن القوم؟ فقالوا من ربيعة. فقال مرحباً بالوفد غير خزايا ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل، نأخذ به ونأمر به من ورائنا وندخل به الجنة. فقال: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم".

стр. 90

الرواية الثانية: ما رواه مسلم بسنده عن قتادة قال: حدثنا من لقى الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من عبد القيس قال سعيد، وذكر قتادة أبا نفرة عن أبي سعيد الخدري في حديثه هذا أن ناساً من عبد القيس قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا نبي الله إنا حي من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم، فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به. فقال رسول الله ﷺ : "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من المغنم وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير (١) ..". ٤ - حديث مبعث معاذ إلى اليمن: وورد بروايتين: الرواية الأولى: ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس أن معاذاً قال: بعثني رسول الله ﷺ قال: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.. الحديث" (٢) . الرواية الثانية: ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم.. الحديث" (٣) . ٥ - حديث أبي ذر الغفاري: وله ثلاث روايات:

стр. 91

الرواية الأولى: روى الإمام أحمد بسنده عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق، قال وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق، ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: رغم أنف أبي ذر". الرواية الثانية: ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي ذر قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء ونحن ننظر إلى أُحد فقال يا أبا ذر، قلت: لبيك يا رسول الله. قال: ما أحب أن أُحداً ذاك عندي ذهباً أمسى ثالثة وعندي منه دينار إلا ديناراً لرصده - يعني لدين - إلا أن أقول في عباد الله هكذا وهكذا.. إلى أن قال: ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة". الرواية الثالثة: ما رواه البخاري ومسلم بسندهما عن أبي ذر قال: "خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد. قال: فجعلت أمشي في ظل الفجر فالتفت فرآني، فقال: من هذا؟ ، فقلت: أبا ذر جعلني الله فداك. قال: يا أبا ذر تعال.. إلى أن قال: ذاك جبريل عرض لي من جانب الحرة، فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. ٦- أحاديث الشفاعة: ما رواه مسلم: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله". وما رواه مسلم: "من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله تعالى". وما رواه بسنده عن ابن نمير: "من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار". وما رواه أحمد بسنده عن أبي ذر حدثه عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك ما كان منك، يا عبدي إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة".

стр. 92

وما رواه مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ : "ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئاً إلا حلت لها المغفرة إن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها". وما رواه أبو يعلي بسنده عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب، قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: الإشراك بالله". (٧) حديث معاذ وهو رديف رسول الله ﷺ : وله روايتان: الرواية الأولى: ما رواه مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل قال: "يا معاذ، قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يارسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرم الله عليه النار. قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا، قال: إذاً يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً".

стр. 93

الرواية الثانية: ما رواه مسلم بسنده عن معاذ بن جبل، قال: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار يقال له عفير، قال: فقال: "يامعاذ تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً. قال: قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ ، قال لا تبشرهم فيتكلوا" (١) .

стр. 94

وفي هذا القدر الذي رويناه من روايات متعددة لأحاديث مشتركة الكفاية للتدلل على أن ما قصده رسول الله ﷺ بقوله: "من قال لا إله إلا الله" أنه هو الذي، "يعبد الله ولا يشرك به شيئاً" وهو الذي، "يوحد الله ويكفر بما دونه"، فهي كلها مترادفة وليست رواية منها أحق بالقبول من الأخرى، خاصة ويجمعها كلها وجه واحد وينتظم منها معنى واحد وهو أن القول هنا ليس هو مجرد التلفظ بل هو القيام بمدلولها من عبادة الله وترك الشرك، أي توحيد الله والكفر بما دونه كما قال تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفسام لها) (١) . فإن من تلفظ بالشهادتين بلسانه دون أن يترك الشرك فهو لم يقلها بالمعنى الشرعي ولم يدخل الإسلام بعد. ومن نطق بهما وهو لم يوحد الله، أو هو قائم على عبادة غيره، فهو كمن لم ينطق، بل هو باق على أصل الشرك لم يزل عنه. فالمراد إذن بالشهادتين - بنص الأحاديث وظاهرها - هو ترك الشرك والتبري عن دين الكفر، فمن ظل على دين الكفر، أو كان على عمل من أعمال الشرك الأكبر. فهذا لم يأت بالشهادة التي تنجي صاحبها من الخلود في النار.

стр. 95

وقد اعتبر الفقهاء نطق الشهادتين عنواناً ودلالة على الدخول في الإسلام (١) في ظاهر الأمر ليمكن إجراء الأحكام على أساسها في الدنيا بشرط عدم التلبس في الشرك. فهذا هو المناط الحقيقي للإسلام، والشهادتين إنما هما دلالة عليه وهو معنى ما سبق أن نقلناه عن الحافظ في الفتح، قال: "فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم" (٢) . فالإقرار هنا في أحكام الدنيا إنما هو معتبر بالنطق بالشهادتين على اعتبار تحقق الإسلام فعلا بترك الشرك وعبادة الله وحده، وعليه تجرى الأحكام الظاهرة، إلا في حالة التحقق من عدم التبرى من الكفر أو بالإقامة على الشرك بفعل عمل من أعماله. فهنا لا يحكم بالإسلام بالنطق بالشهادتين لعدم اعتبار دلالتها على الإسلام في حالة الاقتران بالكفر، وهو عين ما صرح به الحافظ. (ب) اعتبار حقيقة الشهادتين: فإن الله عندما يرتب حكماً شرعياً على أي قول، فهو إنما يرتبه على القول التام المقترن بالنية والمقصد، المتضمن لمدلوله ومقتضاه، لا على مجرد التلفظ الذي لا يحمل معنى، وإلا كان المنافقون مسلمين بنطقهم للشهادتين وهذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام.

стр. 96

قال تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) (١) . والمنافقون إنما ثبت لهم عقد الإسلام ظاهراً فقط، بقولهم الشهادة والتزامهم الشرائع، وإنما يعرف نفاقهم من قرائن تظهر منهم تدل على فساد دينهم، وإن لم تصل إلى حد الكفر الصراح في مدلولها أو ثبوتها عليهم، وإلا فإن دلت عليه أو ثبتت أقيم عليهم حكم الردة.

стр. 97

يقول ابن القيم: "فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلابد من قول القلب وقول اللسان. وقول القلب يتضمن من معرفتها والتصديق بها، ومعرفة حقيقة ما تضمنته من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله، المختصة به، التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب علماً ومعرفة ويقيناً وحالاً ما يوجب تحريم قائلها على النار. وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب، فإنما هو القول التام" (١) . وهذا المعنى إنما يأتي من أن الألفاظ لا تراد لذواتها وإنما تراد لمعانيها، يقول الإمام ابن القيم مدللاً على هذا المعنى في كلام بليغ: "الألفاظ موضوعة للدلالة على ما في النفس": إن الله تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفاً ودلالة على ما في نفوسهم، فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئاً عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه، ورتب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ، ولم يرتب تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيه ولم يحط بها علماً، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم به، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة، أو ناسية، أو مكرهة، أو غير عالمة به إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به، أو قاصدة إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم. هذه قاعدة الشريعة.. الخ" (٢) .

стр. 98

وكذلك يظهر أن المقاصد والنيات معتبرة في الأعمال، وأن العمل الذي لا يقوم على قصد فهو لا معنى له، وهو معنى قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١) ، وقد تكلم ابن القيم على اعتبار المقاصد في العقود عامة دون اللفظ المجرد، قال تحت عنوان: "العبرة في العقود القصد دون اللفظ المجرد". "ومما يوضح ما ذكرناه - من أن المقصود في العقود معتبرة دون الألفاظ المجردة التي لم تقصد بها معانيها وحقائقها أو قصد غيرها.." (٢) ، ثم ذكر أمثلة من العقود المعتبر فيها القصد والنية دون اللفظ ... ولا يخفى أن عقد الإسلام بكلمة لا إله إلا الله هو أولى العقود بهذا المعنى وأعلاها شأناً فلا يصح أن يكون اعتبار اللفظ المجرد فيه دون القصد والنية، وهو معنى التوحيد المتضمن إثبات الربوبية اللائقة به سبحانه، وتحقيق العبودية له اللازمة لربوبيته المنفية عمن عداه. الفصل الثالث ردود على شبهات مرجئة العصر الحديث وبعد.. فقد أثارت المرجئة - قديماً وحديثاً - بعض الشبهات التي اعتقدوا أنها تقدح فيما قررناه من قبل، من أن مجرد التلفظ بالشهادتين لا يثبت بمجرده الإسلام، إلا أن يكون دلالة على ترك الشرك والتبرؤ من دين الكفر، وأن المقصود الأول للإسلام هو عبادة الله وحده وترك الشرك وليس مجرد الإتيان بلفظ لا مدلول له ولا معنى يراد به. ومن هذه الشبهات التي أثاروها: قصة أبي طالب، وجارية معاوية ابن الحكم ومؤمن آل فرعون، وقصة النجاشي.

стр. 99

وقبل أن نرد تفصيلاً على هذه الشبهات، نريد أن نؤكد على معنى هام وهو أن الأصل - أو القاعدة الكلية - إذ تقررت فإنما تتقرر بضم جزئيات كثيرة من مجموع الشريعة ينتظم منها معنى واحد أو أصل واحد يجرى مجرى العموم، فلا يقدح فيه تخلف جزئية عن الدخول تحته، وإنما الأصل إذا تقرر بشواهد من الكتاب والسُّنَّة وغير ذلك من الأدلة الشرعية، فإنه يكون الحاكم على الجزئيات في الشريعة، فلا يمكن بعد ذلك معارضته بجزئية واحدة وردت في نص معين، لأن ذلك يعني معارضة نصوص كثيرة بنص واحد، وهو ما لا يصح شرعاً ولا عقلاً، وأما عند معارضة قضية ما أو نص معين لأصل كلي متقرر في الشريعة، تكون هذه القضية "قضية عين" أو "حكاية حال" لا تقدح في ثبوت الأصل الكلي. وقد ناقش أئمة "أصول الفقه" هذه المسألة في معرض دراستهم لقضية "العموم والخصوص" وخاصة الإمام الشاطبي ﵀ الذي جلاها أحسن تجلية وبينها أوضح بيان في "الموافقات". فقضايا الأعيان: هي القضايا التي تعارض بظاهرها قاعدة عامة أو مطلقة سواء ثبتت هذه القاعدة بطريق النص العام أو الاستقرار الجزئي. وفي طرق ثبوت العموم يقول الإمام الشاطبي ﵁: "العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط بل له طريقان: أحدهما: الصيغ إذا وردت. وهو المشهور في كلام أهل الأصول. والثاني: استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ" (١) اهـ. ويقرر الشاطبي قاعدة قضايا الأعيان فيقول: "إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال. والدليل على ذلك أمور: أحدها: أن القاعدة مقطوع بها بالفرض، لأنا إنما نتكلم في الأصول الكلية القطعية، وقضايا الأعيان مظنونة أو متوهمة. والمظنون لا يقف للقطعي ولا يعارضه.

стр. 100

الثاني: أن القاعدة غير محتملة، لاستنادها إلى الأدلة القطعية. وقضايا الأعيان محتملة لإمكان أن تكون على غير ظاهرها، أو على ظاهرها وهي مقتطعة ومستثناة من ذلك الأصل. فلا يمكن والحالة هذه إبطال كلية القاعدة بما هذا شأنه. والثالث: أن قضايا الأعيان جزئية. والقواعد المطردة كليات. ولا تنهض الجزئيات أن تنقض الكليات. ولذلك تبقى أحكام الكليات جارية في الجزئيات وإن لم يظهر فيها معنى الكليات على الخصوص، كما في المسألة السفرية بالنسبة إلى الملك المترف، وكما في الغنى بالنسبة إلى مالك النصاب والنصاب لا يغنيه على الخصوص، وبالضد في مالك غير النصاب وهو به غنى. والرابع: أنها لو عارضتها فإما أن يعملا معاً، أو يهملا، أو يعمل بأحدهما دون الآخر. أعني في محل المعارضة: فإعمالهما معاً باطل وكذلك إهمالهما، لأنه إعمال للمعارضة فيما بين الظني والقطعي. وإعمال الجزئي دون الكلي ترجيح له على الكلي، وهو خلاف القاعدة، فلم يبق إلا الوجه الرابع وهو إعمال الكلي دون الجزئي وهو المطلوب" (١) اهـ. ويقول في نفس المعنى: "... لأن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلَّف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كلياً. وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت. إلى قوله:

стр. 101

.. فإذا كان كذلك فالكلية في الاستقرائيات صحيحة، وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات. وأيضاً فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لِحكم خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلاً. أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها، أو داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى، فالملك المترفه قد يقال إن المشقة تلحقه لكنا لا نحكم عليه بذلك لخفائها، أو نقول في العقوبات التي لم يزدجر صاحبها: إن المصلحة ليست الازدجار فقط، بل ثم أمر آخر وهو كونها كفارة، لأن الحدود كفارات لأهلها وإن كانت زجراً أيضاً على إيقاع المفاسد، وكذلك سائر ما يتوهم أنه خادم للكلي. فعلى كل تقدير لا اعتبار بمعارضة الجزئيات في صحة وضع الكليات للمصالح" (١) اهـ. وبعد فسنذكر الرد على بعض الشبهات التي يثيرها المرجئة عن بعض قضايا الأعيان وهي: ١ - أبو طالب. ٢ - جارية معاوية بن الحكم. ٣ - مؤمن آل فرعون. ٤ - النجاشي. (١) أبو طالب: حكى البخاري في كتاب الجنائز من حديث المسيب بن حزن قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبوجهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب، آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ " "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنْه عنك"، فأنزل الله تعالى فيه: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ... الآية) (٢) .

стр. 102

وقد وقفت مبتدعة العصر الحديث على هذا الحديث فاعتقدوا أن الإسلام كلمة، والنجاة من النار بكلمة أو من الخلود فيها بكلمة لا شيء بعدها. ومن أثبت شيئاً معها لصحة الإسلام فهو من الخوارج بزعمهم. قال الحميدي: سمعت وكيعاً يقول أهل السُّنَّة يقولون الإيمان قول وعمل والمرجئة يقولون الإيمان قول والجهمية يقولون الإيمان المعرفة: وفي رواية أخرى عنه، وهذا كفر" (١) . وقد احتج عليهم الإمام أحمد بما أفحمهم في هذا المجال، قال أحمد: "ويلزمه أن يقول هو مؤمن بإقراره، وإن أقر بالزكاة في الجملة ولم يجد في كل مائتي درهم خمسة أنه مؤمن، فيلزمه أن يقول: إذا أقر ثم شد الزنار في وسطه وصلى للصليب وأتى الكنائس والبيع وعمل الكبائر كلها إلا أنه في ذلك مقر بالله فيلزمه أن يكون عنده مؤمناً، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم" (٢) اهـ. أتنجى الكلمة من النار ولو بقى مع تلفظه بها يعبد الأصنام ويستقسم بالأزلام وينذر للات والعزى ويتبرك بها لتقربه إلى الله زلفى، ذلك راجع إلى أهل الخلاف على أن الألفاظ هل تراد لذواتها أم لمعانيها؟ فإن من قال إن الألفاظ تراد لذواتها كان من لازم قوله أن من تلفظ بكلمة التوحيد - لا إله إلا الله - لم يكن قد خرج عن مقتضى اللفظ مع بقائه على ما كان عليه من الشرك من التحاكم إلى الكهان وعبادة الأصنام ومظاهرة المشركين. وهذا تكذيب لصريح القرآن، فعلم أن الألفاظ إنما تراد لمعانيها وإن الكلمة إنما هي التوحيد المتضمن لتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد القصد والإرادة والعمل، أي توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ولم يكن بد من ترك الشرك كله في الربوبية وفي الألوهية، وإفراد الله وحده بالعبادة من نسك وولاية وحكم.

стр. 103

وترك العمل عمل، (وهي قاعدة أصولية) فلابد من القول مع العمل. ولذلك قال رسول الله ﷺ لما سئل عن الإسلام: "أن تقول أسلمت لله وتخليت". ومثل هذا في النصوص كثير. ولما كانت القضية هي قضية الإسلام الأولى حسمها رسول الله ﷺ أيضاً لفظياً، وإن كانت واضحة تماماً من حيث المعنى قطعاً، ولكن من يهدي من أضل الله؟ وهذه هي أقواله ﷺ . ١ - من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله تعالى. ٢ - من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله تعالى. ويقول ربنا : (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) . ويقول: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) أي التزموا الشرائع. ويقول محمد بن نصر المروزي: " فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقاً ينقل عن الملة ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد" (١) . وقال سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان أنه: "قول وعمل ونية وسُنة، لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سُنة فهو بدعة" (٢) . ويقول ابن تيمية عن أبي طالب: ".. بل أبو طالب وغيره كانوا يحبون النبي ﷺ ويحبون علو كلمته وليس عندهم حسد له، وكانوا يعلمون صدقه، ولكن كانوا يعلمون في متابعته فراق دين آبائهم وذم قريش لهم، فما احتملت نفوسهم ترك العادة واحتمال هذا الذم، فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم بل لهوى النفس، فكيف يقال إن كل كافر إنما كفر لعدم علمه بالله" (٣) .

стр. 104

وقد سبق نقل ما أورده ابن القيم في زاد المعاد: ".. أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله ﷺ بأنه نبي، لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومحبته ومتابعته" (١) .. الخ. وأبو طالب عم رسول الله ﷺ ، الذي نصره وشد أزره في طوال السنين العشرة التي عاشها في أول الدعوة، كان يعلم حق العلم معنى دعوة رسول الله ﷺ ، ويفهم أن دعوة "لا إله إلا الله" هي بذاتها دعوة هدم الأصنام، لتحل محلها تلك الكلمة، فيرد الأمر كله إلى الله وحده. فالتوجه بالدعاء والشعائر والرجاء والخوف والتوكل، سيكون لله مباشرة، وليس للأصنام، والولاء والتناصر سيكون لله وفي الله. والتحاكم إلى الله وحق التشريع لله، وهو الحق الذي اغتصبه الوثنيون فأعطوه للأصنام، وما في معناها.. ففهم أبو طالب أن كل هذه المعاني هي مقتضى الكلمة التي دعاه إليها رسول الله ﷺ ، وفهم منها أنها نظام متكامل يهدم النظام الذي يعيشون عليه، والذي بنى على أساس الإشراك بالله. فكان أن رفض أبو طالب ذلك الأمر كله. ولم يرفض مجرد التلفظ بكلمة ليس لها مضمون ولا محتوى. فإذن ما كان يريده رسول الله ﷺ منه هو التوبة عن الشرك، والانخلاع من عبادة غير الله، وأن يلقى الله على غير دين عبد المطلب، بل على دين إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، والعبودية لله وحده بقبول شرعه، ورفض ما سواه، مع الإقرار بالتوحيد وصحة الرسالة، وهي أشياء لا تتوقف على دخول وقت، ولا حولان حول، ولا انتفاء مانع، ولا غير ذلك مما يلزم وجوده في الفروع دون الأصل.

стр. 105

ثم، أليست هذه الكلمة التى دعا إليها رسول الله ﷺ أهل الكتاب حينما تلا عليهم قول الله تعالى: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله فإن تولوا [أي عن التوحيد كما قال العلماء] فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون" (١) . فهذه الكلمة هي عهد وميثاق مع الله على الإقرار بالتوحيد والانخلاع من الشرك وإفراد الله بالعبودية. (٢) جارية معاوية بن الحكم: قال معقل بن عبيد الله العنسي بعد كلام: "فلقيت الحكم بن عتبة فقلت له: إن عبد الكريم وميموناً بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة، فعرضوا قولهم عليك فقبلت قولهم؟ ، فقال: فقيل ذلك على ميمون وعبد الكريم؟! لقد دخل علىَّ اثنا عشر رجلاً وأنا مريض، فقالوا: يا أبا محمد بلغك أن رسول الله ﷺ أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية فقال: يا رسول الله، علىَّ رقبة مؤمنة، أفترى هذه مؤمنة؟ فقال لها رسول الله ﷺ : أتشهدين أن لا إله إلا الله، فقالت: نعم، قال: وتشهدين أن محمداً رسول الله، قالت: نعم، قال: وتشهدين أن الجنة حق والنار حق؟ ، قالت: نعم قال: وتشهدين أن الله يبعثك بعد الموت، قالت: نعم. قال فأعتقها فإنها مؤمنة. فخرجوا وهم ينتحلون ذلك" (٢) اهـ. وفي رواية أخرى، قال لها رسول الله ﷺ : "أين الله، فقالت: في السماء، ومن أنا؟ فقالت: رسول الله، فقال: اعتقها فإنها مؤمنة".

стр. 106

والقصة أصلاً بصدد عتق الكفارة، أي الرقاب فيها يجزئ؟ ولذلك تنازع الفقهاء في أي الرقاب يجزئ عتقه، وذلك لكلمة مؤمنة التي جاءت في آيات العتق الخاص بالكفارات، وتنازعوا هل يجزئ الصغير به، على قولين معروفين للسلف، هما روايتان عن أحمد. فقيل لا يجزئ عتقه لأن الإيمان قول وعمل، والصغير لا يؤمن بنفسه، وإنما إيمانه تبع لأبويه في أحكام الدنيا، ولم يشترط أحد أن يعلم هل هو مؤمن في الباطن أم لا. وقيل: يجزئ عتقه لأن العتق من الأحكام الظاهرة وهو تبع لأبويه، فكما أنه يرث منهما، ويصلي عليه، ولا يصلي إلا على مؤمن فإنه يعتق.

стр. 107

وهي قضية عين تنزل على مقتضى القواعد الكلية. ولم يرد في القصة أن هذا كان ابتداء إسلامها، وكذلك لم يرد أنها عندما أقرت به بما أقرت به لم تدخل فيما دخل فيه غيرها من المسلمين. أو لم تكن قد دخلت فعلاً فيما دخل فيه المسلمون. وقد تكون القصة وردت لتبين أي قدر من الإيمان يلزم للعتق، وعلى كل حال فقضايا الأعيان ترتبط بملابساتها دائماً، ولا يمكن أن يقدح حديث لرسول الله ﷺ سواء في هذه الحادثة أو في غيرها في القواعد والأصول، ولهذا لم يقدح حبس ثمامة بن أثال، في سارية المسجد، في عموم النهي عن دخول كل المشركين لكل المساجد. وقد جاء في الرواية الأخرى، أنه عندما سألها أين الله؟ ، قالت: في السماء. وقد اختلف المتكلمون أنفسهم في الرد على هذا السؤال، فالمعتزلة قالت: في كل مكان، وقالت الأشاعرة: لا في داخل العالم ولا في خارجه، وقال السلف في السماء فوق عرشه من غير تحيز، وكلهم يشهد أن لا إله إلا الله (١) ! فإذا كان اللفظ يثبت إسلاماً، لوجب اعتبار العباس مسلماً بقوله لرسول الله ﷺ : لقد كنت مسلماً – مع أن رسول الله ﷺ لم يعتبره كذلك بمجرد هذا القول – ولوجب اعتبار من تكلم بالإسلام في مكة مع مظاهرتهم للمشركين مسلمين بمجرد القول، كذلك فإن الذين قالوا: صبأنا لم يمكن القطع بإسلامهم في الحال بناءً على القول، ولا فرق كما قلنا بين ذلك وبين قول الجارية.

стр. 108

وقضايا الأعيان ليست محل بيان حتى يقال عدم البيان في موضع البيان، بيان للعدم، وإنما البيان تكفلت به القواعد. ٣- النجاشي: يقول ابن تيمية في كتاب الإيمان: "وكذلك لو قيل إن رجلاً يشهد أن محمداً رسول الله باطناً وظاهراً، وقد طلب منه ذلك، وليس هناك رهبة ولا رغبة يمتنع لأجلها، فامتنع منها حتى قتل، فهذا يمتنع أن يكون في الباطن يشهد أن محمداً رسول الله، ولهذا كان القول الظاهر، من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين إلا الجهمية (جهماً ومن وافقه) فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه أخرس أو لكونه خائفاً من قوم إن أظهر الإسلام آذوه، ونحو ذلك، فهذا يمكن أن لا يتكلم مع إيمان في قلبه، كالمكره على كلمة الكفر، قال الله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) ، وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم، فإنه جعل كل من تكلم بالكفر، من أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن قيل: فقد قال تعالى (ولكن من شرح بالكفر صدراً) ، قيل: هذا موافق لأولها، فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدراً، وإلا تناقض أول الآية وآخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه، لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها صدراً وهي كفر.. الخ" (١) اهـ. ولذلك قال بعضهم: النجاشي شهد الرسول ﷺ بإسلامه، وقد كان على رأس نظام الكفر والتثليث بالحبشة، ولم يعترف بالإسلام اعترافاً جازماً خوفاً على ملكه، وإنما هي إشارة عرف منها الرسول إيمانه.. فنقول وبالله التوفيق:

стр. 109

١- أنهم اعتمدوا في هذا الذي قرروه على ما رواه ابن هشام عن ابن اسحق عن جعفر بن محمد عن أبيه، من خروج الحبشة على النجاشي، وقولهم له: "فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد؟ قال: فما تقولون في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه، وهو يشهد أن عيسى ابن مريم لم يزد على هذا شيئاً، إنما يعني ما كتب في قبائه، وكان قد كتب فيه هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويشهد أن عيسى ابن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فرضوا وانصرفوا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له". وما رواه ابن اسحق عن جعفر بن محمد لم يتحدد له وقت، فلعله كان في البداية، ليوافق ما جاء في حديث أم سلمة من خروج رجل من الحبشة عليه. ولكن حديث أم سلمة كله ليس فيه إشارة إلى إسلام النجاشي. والثابت أن رسول الله ﷺ أرسل إليه عمرو بن أمية الضمري بعد غزوة الخندق يدعوه إلى الإسلام، فأخبره النجاشي أنه أسلم على يدي جعفر. ولم تكن هذه هي بعثة عمرو بن أمية الضمري الأولى إلى النجاشي، بل كانت الأخيرة، أما الأولى فقد كانت بعد غزوة بدر، فيتضح من هذا أن إسلام النجاشي كان بين غزوة بدر وغزوة الخندق، ولقد عاد عمرو وجعفر وكل من في الحبشة من المسلمين عقيب فتح خيبر، وهذا هو بعض حديث أم سلمة: ".. قالت: فقرأ عليه صدراً من "كهيعص" قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون".

стр. 110

وكانت هذه زيارة عمرو بن العاص الأولى له بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة، وقبل هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة. وفي حديثها أيضاً: "قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ قالت: قال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ﷺ ، هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمة ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت، فضرب النجاشي بيده الأرض فأخذ منها عوداً، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شؤم بأرضي، والشيوم الآمنون". ثم ذكرت أن رجلاً من الحبشة خرج عليه ينازعه ملكه، وأن النجاشي انتصر عليه، واستقر له أمر الحبشة ومكن الله له فيها. ثم قالت: فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله عليه وسلم بمكة، وقد هاجرت بعد ذلك أم سلمة إلى المدينة بعد هجرة زوجها أبو سلمة بنحو عام، ثم توفي زوجها، فتزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة أربع من الهجرة. "سيرة ابن هشام" (١) . ٢- أورد القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى..) الخ.
следующие страницы →