والقصة أصلاً بصدد عتق الكفارة، أي الرقاب فيها يجزئ؟ ولذلك تنازع الفقهاء في أي الرقاب يجزئ عتقه، وذلك لكلمة مؤمنة التي جاءت في آيات العتق الخاص بالكفارات، وتنازعوا هل يجزئ الصغير به، على قولين معروفين للسلف، هما روايتان عن أحمد. فقيل لا يجزئ عتقه لأن الإيمان قول وعمل، والصغير لا يؤمن بنفسه، وإنما إيمانه تبع لأبويه في أحكام الدنيا، ولم يشترط أحد أن يعلم هل هو مؤمن في الباطن أم لا.
وقيل: يجزئ عتقه لأن العتق من الأحكام الظاهرة وهو تبع لأبويه، فكما أنه يرث منهما، ويصلي عليه، ولا يصلي إلا على مؤمن فإنه يعتق.
стр. 107
وهي قضية عين تنزل على مقتضى القواعد الكلية. ولم يرد في القصة أن هذا كان ابتداء إسلامها، وكذلك لم يرد أنها عندما أقرت به بما أقرت به لم تدخل فيما دخل فيه غيرها من المسلمين. أو لم تكن قد دخلت فعلاً فيما دخل فيه المسلمون. وقد تكون القصة وردت لتبين أي قدر من الإيمان يلزم للعتق، وعلى كل حال فقضايا الأعيان ترتبط بملابساتها دائماً، ولا يمكن أن يقدح حديث لرسول الله ﷺ سواء في هذه الحادثة أو في غيرها في القواعد والأصول، ولهذا لم يقدح حبس ثمامة بن أثال، في سارية المسجد، في عموم النهي عن دخول كل المشركين لكل المساجد. وقد جاء في الرواية الأخرى، أنه عندما سألها أين الله؟ ، قالت: في السماء. وقد اختلف المتكلمون أنفسهم في الرد على هذا السؤال، فالمعتزلة قالت: في كل مكان، وقالت الأشاعرة: لا في داخل العالم ولا في خارجه، وقال السلف في السماء فوق عرشه من غير تحيز، وكلهم يشهد أن لا إله إلا الله (١) !
فإذا كان اللفظ يثبت إسلاماً، لوجب اعتبار العباس مسلماً بقوله لرسول الله ﷺ : لقد كنت مسلماً – مع أن رسول الله ﷺ لم يعتبره كذلك بمجرد هذا القول – ولوجب اعتبار من تكلم بالإسلام في مكة مع مظاهرتهم للمشركين مسلمين بمجرد القول، كذلك فإن الذين قالوا: صبأنا لم يمكن القطع بإسلامهم في الحال بناءً على القول، ولا فرق كما قلنا بين ذلك وبين قول الجارية.
стр. 108
وقضايا الأعيان ليست محل بيان حتى يقال عدم البيان في موضع البيان، بيان للعدم، وإنما البيان تكفلت به القواعد.
٣- النجاشي:
يقول ابن تيمية في كتاب الإيمان: "وكذلك لو قيل إن رجلاً يشهد أن محمداً رسول الله باطناً وظاهراً، وقد طلب منه ذلك، وليس هناك رهبة ولا رغبة يمتنع لأجلها، فامتنع منها حتى قتل، فهذا يمتنع أن يكون في الباطن يشهد أن محمداً رسول الله، ولهذا كان القول الظاهر، من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين إلا الجهمية (جهماً ومن وافقه) فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه أخرس أو لكونه خائفاً من قوم إن أظهر الإسلام آذوه، ونحو ذلك، فهذا يمكن أن لا يتكلم مع إيمان في قلبه، كالمكره على كلمة الكفر، قال الله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) ، وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم، فإنه جعل كل من تكلم بالكفر، من أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن قيل: فقد قال تعالى (ولكن من شرح بالكفر صدراً) ، قيل: هذا موافق لأولها، فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدراً، وإلا تناقض أول الآية وآخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه، لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها صدراً وهي كفر.. الخ" (١) اهـ.
ولذلك قال بعضهم: النجاشي شهد الرسول ﷺ بإسلامه، وقد كان على رأس نظام الكفر والتثليث بالحبشة، ولم يعترف بالإسلام اعترافاً جازماً خوفاً على ملكه، وإنما هي إشارة عرف منها الرسول إيمانه.. فنقول وبالله التوفيق:
стр. 109
١- أنهم اعتمدوا في هذا الذي قرروه على ما رواه ابن هشام عن ابن اسحق عن جعفر بن محمد عن أبيه، من خروج الحبشة على النجاشي، وقولهم له: "فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد؟ قال: فما تقولون في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه، وهو يشهد أن عيسى ابن مريم لم يزد على هذا شيئاً، إنما يعني ما كتب في قبائه، وكان قد كتب فيه هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويشهد أن عيسى ابن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فرضوا وانصرفوا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له".
وما رواه ابن اسحق عن جعفر بن محمد لم يتحدد له وقت، فلعله كان في البداية، ليوافق ما جاء في حديث أم سلمة من خروج رجل من الحبشة عليه. ولكن حديث أم سلمة كله ليس فيه إشارة إلى إسلام النجاشي. والثابت أن رسول الله ﷺ أرسل إليه عمرو بن أمية الضمري بعد غزوة الخندق يدعوه إلى الإسلام، فأخبره النجاشي أنه أسلم على يدي جعفر.
ولم تكن هذه هي بعثة عمرو بن أمية الضمري الأولى إلى النجاشي، بل كانت الأخيرة، أما الأولى فقد كانت بعد غزوة بدر، فيتضح من هذا أن إسلام النجاشي كان بين غزوة بدر وغزوة الخندق، ولقد عاد عمرو وجعفر وكل من في الحبشة من المسلمين عقيب فتح خيبر، وهذا هو بعض حديث أم سلمة: ".. قالت: فقرأ عليه صدراً من "كهيعص" قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون".
стр. 110
وكانت هذه زيارة عمرو بن العاص الأولى له بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة، وقبل هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة. وفي حديثها أيضاً: "قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ قالت: قال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ﷺ ، هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمة ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت، فضرب النجاشي بيده الأرض فأخذ منها عوداً، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شؤم بأرضي، والشيوم الآمنون".
ثم ذكرت أن رجلاً من الحبشة خرج عليه ينازعه ملكه، وأن النجاشي انتصر عليه، واستقر له أمر الحبشة ومكن الله له فيها. ثم قالت: فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله عليه وسلم بمكة، وقد هاجرت بعد ذلك أم سلمة إلى المدينة بعد هجرة زوجها أبو سلمة بنحو عام، ثم توفي زوجها، فتزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة أربع من الهجرة. "سيرة ابن هشام" (١) .
٢- أورد القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى..) الخ.
стр. 111
وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى، حسب ما هو مشهور في سيرة ابن اسحق وغيره. خوفاً من المشركين وفتنتهم وكانوا ذوي عدد. ثم هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد ذلك، فلم يقدروا على الوصول إليه، حالت بينهم وبين الرسول ﷺ الحرب، فلما كانت وقعة بدر، وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض الحبشة، فاهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم، لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي، فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ سورة مريم، فقاموا تفيض أعينهم من الدمع. فهم الذين أنزل الله فيهم: (ولتجدن أقربهم مودة الذين آمنوا.. – وقرأ إلى – الشاهدين) (١) رواه أبو داود.
٣- جاء في "زاد المعاد" جـ٣ صـ٠٦ في ذكر خطابه ﷺ إلى النجاشي قال:
".. وبعث بالكتاب مع عمرو بن أمية الضمري، فقال ابن اسحق إن عمراً قال له: يا أصحمة إن علي القول وعليك الاستماع، إنك كأنك في الرقة علينا، وكأنا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه، ولم نخفك على شئ قط إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفي ذلك الموقع الحز وإصابة المفصل، وإلا فأنت في هذا النبي الأمي، كاليهود في عيسى ابن مريم.
стр. 112
وقد فرق النبي ﷺ رسله إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له، وأمنك على ما أخافهم عليه، بخير سالف وأجر ينتظر، فقال النجاشي: أشهد بالله أنه النبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار، كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس بأشفى من الخير.
ويقول في رده على الرسول ﷺ : "أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله، فيما ذكرت من أمر عيسي، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقاً (١) ، إنه كما ذكرت وقد عرفنا ما بعث به إلينا، وقد عرفنا ابن عمك وأصحابك، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين.
وتوفي النجاشي سنة تسع، وأخبر رسول الله ﷺ بموته ذلك اليوم، فخرج بالناس إلى المصلى فصلى عليه وكبر أربعاً. قلت: وهذا وهم والله أعلم، وقد خلط راويه ولم يميز بين النجاشي الذي كتب إليه يدعوه فهما اثنان، وقد جاء ذلك مبيناً في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ كتب إلى النجاشي وليس بالذي صلى عليه " (٢) .
٤- جاء في زاد المعاد جـ٣ص٦٢ في كتابه ﷺ إلى ملك عمان: "فسألني أين كان إسلامك (٣) ، قلت عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال فكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت نعم.." إلى أن يقول:
стр. 113
"ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي؟ قلت: بلى. قال: بأي شئ علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجاً، فلما أسلم وصدق بمحمد ﷺ قال: لا والله لو سألني درهماً واحداً ما أعطيته. فبلغ هرقل قوله فقال له النياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجاً ويدين بدين غيرك ديناً محدثاً به. قال هرقل: رجل رغب في دين فاختاره لنفسه، ما أصنع به، والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع" (١) .
٥- وما ذكره في "زاد المعاد" عن كتاب رسول الله ﷺ إلى النجاشي مع عمرو بن أمية الضمري، وما ذكره أيضاً عن بعثة عمرو بن العاص إلى عبد وجيفر ابني الجلندي، وحواره مع عبد بن الجلندي، يتفق مع ما جاء في سيرة ابن هشام أن عمرو بن العاص بعد غزوة الخندق، وإحساسه باقتراب ظهور أمر رسول الله ﷺ ، قرر هو ونفر من قريش أن يرتحلوا إلى الحبشة، فإن ظهرت قريش على رسول الله ﷺ عاد إلى مكة، وإن ظهر رسول الله ﷺ ، كان هو عند النجاشي فلا يصل إليه، ثم إنه لما وصل الحبشة، وزار النجاشي، وقرب إليه ما معه من هدايا، وجد عنده عمرو بن أمية الضمري، فسأله أن يعطيه رسول الله ﷺ ليقتله، فغضب النجاشي، وضربه بمروحته ضربة كاد يطير لها أنفه، وقال له: تسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ ، قلت: أيها الملك أكذاك هو؟ ، قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله على الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: قلت: أتبايعني على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي.
стр. 114
وبعد كل هذا يقال عن العبد الصالح النجاشي، أنه عندما اعترف بالإسلام، لم يعترف اعترافاً جازماً، وكان على رأس نظام الكفر والتثليث، يحكم بغير ما أنزل الله، عجباً! لقد قالوا ما لو أدركه "على عبد الرازق" قبل شؤمه الذي كتب، لاشتد بهم فرحه.
٦- أما عن إمكان الخلط بين كون النجاشي مات ملكاً ولم يحكم بحكم الله، فهو وهم كما بينا، نتج من اعتبار أن النجاشي الذي كتب له رسول الله ﷺ عام ست هجرية ومات ملكاً عام تسع، هو النجاشي الذي قابله عمرو بن العاص، والذي صلى عليه رسول الله ﷺ .
فإن هذا غير ذاك، كما ذكر ابن القيم في "زاد المعاد"، وذكر أن صحيح مسلم أوضح ذلك.
جاء في صحيح مسلم::حدثني يوسف بن حماد والمعنى حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أنس أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ ".
وذكر مسلم نفس الحديث بسندين مختلفين عن هذا، كلها عن أنس، ولم يذكر فيها قوله: "وليس بالنجاشي" ولكن يتضح من مقارنة ذلك مع قصة عمرو بن العاص، أن رواة السندين الأخيرين قد وهموا، أو نسوا ما ثبت في رواية الطريق الأول. والله أعلم.
стр. 115
ويؤيد ذلك ما ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير، فقد قال في روايته عن هجرة المسلمين الأولين إلى الحبشة، وذكر خطاب رسول الله ﷺ إلى النجاشي سنة تسع قال: ".. هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة، وفي ذكره ههنا نظر، فإن الظاهر أن هذا الكتاب، إنما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم، صاحب جعفر وأصحابه، وذلك حين كتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله ، قبيل الفتح، كما كتب إلى هرقل عظيم الروم.. إلى قوله:".. فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الأول، وقوله فيه إلى النجاشي الأصحم، لعل الأصحم مقحم من الراوي بحسب ما فهم. والله أعلم) اهـ.
ثم أورد بعدها خطاب الرسول ﷺ إلى النجاشي الأول، الذي أرسله مع عمرو بن أمية الضمري، ورد النجاشي عليه، قال فيه: ".. فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق".
(٤) مؤمن آل فرعون:
стр. 116
لم يرد في القرآن ولا في غيره من النصوص، أن مؤمن آل فرعون كان يكتم عن موسى والمؤمنين معه، وإلا كيف يحكمون بإسلامه ويعاملونه على أنه مسلم مؤمن معهم، وهو يكتم عنهم أمره، وإنما كان يكتم أمره عن فرعون وملأه، ولا يعني هذا أنه كان يوالي فرعون، أو يلتزم بشريعته، بل شأنه في ذلك شأن نعيم بن مسعود عندما أسلم، إبان غزوة الخندق، فقال له رسول الله ﷺ عندما عرض عليه نعيم جهاده:"إنما أنت رجل واحد فخذل عنا" وطلب منه أن يكتم إيمانه حتى ينجح في مهمته، ففعل نعيم ما فعل مع أبي سفيان وبني قريظة وغيرهم، وهم لا يعلمون أنه على دين محمد، لأنه كتم عنهم إسلامه، وكفعل محمد بن مسلمة، عندما قتل كعب بن الأشرف، واستأذن الرسول ﵊ أن يذكره فأذن له، فجعل محمد بن مسلمة يشكو إلى كعب شأن محمد وأصحابه، ليظن كعب أن به نفاقاً، فيأمنه، وقد كان، وبهذا استطاع أن يقتله، وكما كان المسلمون يستخفون بإسلامهم في مكة، فإنهم كانوا يكتمون إيمانهم عن قومهم حتى يأمنوا أذاهم، ولكن كان الرسول ﵊ ومن معه ومعهم من المؤمنين يعلمون شأنهم.
وليس معنى أنهم كانوا يكتمون إيمانهم عن قومهم أنهم كانوا يعبدون معهم الأصنام، أو يذبحون على النصب،أو يستحلون الميتة، أو يأدون البنات، أو يتحاكمون إلى الكهان.
كلا، وإنما فقط مع اعتزالهم، لكل ذلك لا يعلنون أنهم اتبعوا محمداً ﷺ ، وكانت موالاتهم للرسول والمؤمنين بالشرائع، هي الأساس الذي قام عليه إسلامهم؟ قام على العبودية لله بقبول شرعه، ورفض ما سواه وهو معنى الالتزام بالشرائع جملة وعلى الغيب، وهذا هو معنى استسلامهم لشريعة الله، حتى قبل أن ينزل منها فرض واحد.
стр. 117
وكذلك شأن مؤمن آل فرعون. ثم الرجل قد أعلن إيمانه كالراسيات الشوامخ، وصدع بالحق في وجه فرعون وجنوده حين حان الحين لذلك، كما يتبين من قصته في القرآن الكريم.
الباب الثالث
في الرد على الخوارج (١)
стр. 118
الفصل الأول
مجمل أقوال الخوارج
وعلى الطرف النقيض للمرجئة – الذين أشاعوا الفسق بآرائهم، فانتشرت المعاصي واستبيحت حرمات الله – كانت أقوال الخوارج وشبهاتهم – قديماً وحديثاً – مثالاً للتنطع في الدين في غير موضعه، نظراً لظروف النشأة السياسية لهم، فخرجوا عن عقائد أهل السُّنَّة والجماعة، وغلوا في دينهم، ونظروا إلى النصوص نظرة سطحية لا تنفذ إلى المعاني، يقرؤون القرآن ولا يجمعون بين نصوصه، كما هو حال أهل الأهواء والبدع جميعاً، فصدق عليهم قول رسول الله ﷺ : " سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة" متفق عليه.
وقوله ﷺ فيما رواه مسلم بسنده عن أبي سعيد قال: "بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسماً فأتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، قال: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك، فمن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله أتأذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نفسه – وهو قدحه – فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم" (١) .
стр. 119
ومجموع صفاتهم تدل على شدة تعبدهم والتزامهم بالأمر، إلا أن ذلك ليس بدافعهم لبدعتهم في تكفير المسلمين وقتلهم أهل القبلة، وشذوذهم في الرأي الذي بنوا عليه مذهبهم في ذلك، ومخالفتهم لأهل السُّنَّة والجماعة في منهج النظر إلى النصوص الشرعية، ومن ثم في النتيجة التي وصلوا إليها بمنهاجهم الأعوج، وفهمهم السقيم.
وسنورد – إن شاء الله تعالى – مجمل أقوالهم وشبهاتهم وأدلتهم عليها، ثم نفصل القول فيها بعد ذلك لننقضها شبهة شبهة. سائلين الله التوفيق والهداية للحق بإذنه.
مجمل أقوالهم:
(١) قالوا: إن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، فهو قول وعمل، لكنه ثابت لا يزيد ولا ينقص، فإن ذهب أحد أوصافه أو أجزائه ذهب كله جملة واحدة، ولم يصح وصف صاحبه بالإيمان مطلقاً بل هو كافر طالما عرف ذنبه ولم يتب منه.
يقول ابن تيمية: (ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شئ من الإيمان) (١) .
ثم يفصل جماع شبهتهم في ذلك فيقول: (وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين (٢) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبيناً. قالوا: فإذا كان الإيمان مركب من أقوال وأعمال، ظاهرة وباطنة، لزم زواله بزوال بعضها، وهذا قول الخوارج والمعتزلة، قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمناً بما فيه من الإيمان، كافراً بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعوا أن هذا خلاف الإجماع) (٣) .
стр. 120
(٢) كما كان من نتيجة ذلك أنهم سووا بين أعمال الكفر وأعمال المعاصي، فجعلوا من يفعل المعصية كافراً، وجعلوها كلها - بذلك النظر - أفعال مكفرة ما لم يتب منها، فأنكروا انقسام الذنوب إلى شرك وإلى معاصي دون الشرك، واستدلوا على كفر العاصي بأدلة - بزعمهم - منها:
١ - أن الله سبحانه قد أطلق اسم الإيمان على الأعمال كلها - فعلاً وتركاً - فتكون كلها داخلة في أصله، فمن ترك منها شيئاً نزع عنه وصف الإيمان جملة وكان كافراً كما قلنا من قبل.
٢ - قول الله تعالى في مواضع متعددة من كتابه أن معصية الله ورسوله تدخل النار مع الخلود فيها كقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) (١) .
وقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً) (٢) .
وقوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (٣) .
فحملوا لفظ المعصية في الآيات على مطلق المعصية أو الذنب، وأن الخلود في النار يعني الكفر.
وكذلك وصفه تعالى لبعض مرتكبي المعاصي بأنهم من أصحاب النار الخالدين فيها.. قالوا فهم كافرون بهذا، كقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) (٤) واستدلوا على ذلك بأن إبليس إنما كفر بمعصية الله سبحانه في عدم طاعته للأمر بالسجود لآدم، ومثله كل عاص لله تارك لأمره.
٣- أن رسول الله ﷺ قد ذكر بعض المعاصي في أحاديثه الصحيحة وأطلق عليها اسم الكفر:
مثل قوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (٥) .
وقوله ﷺ : "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم" (٦) .
стр. 121
وقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفاراً بضرب بعضكم رقاب بعض" (١) .
وقوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٢) .
وقوله ﷺ : "إذا كَفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما" (٣) .
وقد حملوا الكفر في هذه الأحاديث على الكفر الأكبر الناقل عن الملة لمرتكب هذه المعصية مطلباً. كذلك وصفه ﷺ لمرتكب المعاصي أنهم ليسوا مؤمنين:
كقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (٤) .
وقوله ﷺ : "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله" (٥) .
وقوله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" (٦) .
فحملوا قوله ﷺ على مرتكب المعصية أنه ليس بمؤمن يعني كافراً، وكذلك أن لعنة الله تعني كفر من لعنه الله، كما قال الله تعالى: (فلعنة الله على الكافرين) (٧) فلعنة الله إذن لا يستحقها إلا الكافر.
ثم كان من نتيجة هذا أن جوزوا الكفر على الأنبياء ﵈، وادعوا أن آدم ﵇ قد كفر بالله بأكله من الشجرة، ثم تاب بعد ذلك، وذلك قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) (٨) الآية.
стр. 122
٤- وأن الآيات التي وردت في القرآن الكريم كلها تفيد أن مغفرة الله ورحمته مرتبطة بالتوبة من الذنب أو المعصية، فإن لم يتب منها فهو غير مغفور له لا محالة، فيدخل بها النار خالداً فيها ويكون بذلك كافراً.
واستدلوا بالنصوص التي سبق أن أوردناها للاستدلال على المرجئة، ولكن جعلوا عدم المغفرة للذنب مستلزماً لكفر العاصي والتخليد في النار، على العكس من قول أهل السُّنَّة الذين جعلوا ذلك مستحقاً للعذاب ولكن إلى أجل مسمى يخرج بعده من النار إن كان من الموحدين.
وسنبين إن شاء الله تعالى فساد هذا الأدلة التي أوردوها (١)
стр. 123
، وعدم صحة المعاني التي حملوها عليها ومعناها الصحيح عند أهل السُّنَّة.
فأما عن عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في الإيمان، فقد سبق أن أوضحناها، وأنه قول وعمل يزيد وينقص، كما ناقشنا أصل الإيمان، وعلاقة الأعمال به - سواء الأعمال المشترطة لصحة الإسلام، أو لزوم جنس الأعمال مطلقاً في الأصل ليصدق قوله عمله - ومعنى قولهم بأن زيادة الإيمان بالطاعات ونقصانه بالمعاصي.
وأما عن شبهتهم التي أوردها ابن تيمية والتي بنوا عليها قولهم بزوال الإيمان جملة لزوال أحد أوصافه، فقد أوضح ابن تيمية أن مذهبهم هذا في تشبيه الإيمان بالحقيقة المركبة خاطئ من أساسه، فإن هذه أشبه بالحقيقة الجامعة - التي تجتمع من صفات متعددة - ليس المركبة، وفرق بينهما.
يقول ابن تيمية:
"فإن الحقيقة الجامعة لأمور - سواء كانت في الأعيان أو الأعراض - إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها، وما مثلوا به من العشرة. والسكنجبين مطابق لذلك، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل قد تبقى التسعة، فإذا زال أحد جزئي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر، ولكن أكثر ما يقولون زالت الصورة المجتمعة، وزالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة والسكنجبين.
فيقال: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقى على تركيبه، فهذا لا ينازع فيه عاقل، ولا يدعي عاقل أن الإيمان، أو الصلاة، أو الحج، أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور، إذا زال بعضها بقى ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال بعضه، ولا يقول أحد أن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة كما كانت، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض أعضائه بقى مجموعاً.
стр. 124
كما قال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء".
فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء، وأما زوال الاسم فيقال لهم:
هذا أولاً: بحث لفظى، إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب، ونحن نسلم لهم أنه ما بقى إلا بعضه لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت.
يبقى النزاع هل يلزم زوال الاسم بزوال الأجزاء، فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين:
منها: ما يكون التركيب شرطاً في إطلاق الاسم.
ومنها: ما لا يكون كذلك.
فالأول كاسم العشرة وكذلك السكنجبين، ومنها ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء، فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص حنطة وكذلك التراب والماء ونحو ذلك.
وكذلك لفظ العبادة، والطاعة، والخير، والحسنة، والإحسان، والصدقة، والعلم، ونحو ذلك مما يدخل فيه أمور كثيرة، يطلق الاسم عليها قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض، وكذلك لفظ "القرآن"، فيقال على جميعه وعلى بعضه ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمى قرآناً، وقد تسمى الكتب القديمة قرآناً.
كما قال النبي ﷺ :"خفف على داود القرآن".
стр. 125
وكذلك لفظ القول والكلام والمنطق ونحو ذلك، يقع على القليل من ذلك وعلى الكثير.
وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال للقليل والكثير، وكذلك لفظ الجبل يقال على الجبل وإن ذهب منه أجزاء كثيرة، ولفظ البحر والنهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه، وكذلك المدينة والدار والقرية والمسجد ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة، ثم ينقص كثير من أجزائها والاسم باق، وكذلك أسماء الحيوان والنبات كلفظ الشجرة يقال على جملتها فيدخل فيها الأغصان وغيرها ثم يقطع منها ما يقطع والاسم باق، وكذلك لفظ الإنسان والفرس والحمار يقال على الحيوان المجتمع الخلق، ثم يذهب كثير من أعضائه والاسم باق.. إلى أن قال:-
ومعلوم أن اسم "الإيمان" من هذا الباب، فإن النبي ﷺ قال "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان.
وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: "ويخرج من النار من كان في قلبه مثال حبة من إيمان، فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن، والصلاة، والحج، ونحو ذلك.
أما الحج ونحوه ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل، كرمي الجمار، والمبيت بمنى، ونحو ذلك. وفيه أجزاء ينقص بزوالها من كماله المستحب، كرفع الصوت بالإهلال، والرمل والاضطباع في الطواف الأول.
стр. 126
وكذلك الصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة، في مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك، وفيها ما له أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو، وأمور ليست كذلك، فقد رأيت أجزاء الشئ تختلف أحكامها شرعاً وطبعاً، فإذا قال المعترض: هذا الجزء داخل في الحقيقة، وهذا خارج عن الحقيقة، قيل له: ماذا تريد بالحقيقة؟ فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال صار صاحبه كافراً، قيل له: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة مسمى "مسلم" في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة السواد والبياض، بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له، وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك وكذلك الإيمان والواجب على غيره مطلق (١) لا مثل الإيمان الواجب عليه في كل وقت، فإن الله لما بعث محمداً رسولاً إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان ولا حج البيت ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل. فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمناً تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافراً (٢) .
قال الإمام أحمد: كان بدء الإيمان ناقصاً، فجعل يزيد حتى كمل، ولهذا قال تعالى عام حجة الوداع: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) .
стр. 127
وأيضاً: فبعد نزول القرآن وإكمال الدين إذا بلغ الرجل بعض الدين دون بعض، كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة، وما بلغه عنه مفصلاً، وأما ما لم يبلغه ولم يمكنه معرفته، فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلاً إذا بلغه.
وأيضاً: فالرجل إذا آمن بالرسول إيماناً جازماً، ومات قبل دخول وقت الصلاة أو وجوب شيء من الأعمال، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه. فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن يصلي، وصار يجب عليه ما لم يجب عليه قبل ذلك، وكذلك القادر على الحج والجهاد يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل، والعمل بذلك.
فصار مايجب من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء.
وبحال المكلف في البلاغ وعدمه، وهذا مما يتنوع به نفس التصديق، ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز، وغير ذلك من أسباب الوجوب، وهذه يختلف بها العمل أيضاً. ومعلوم أن الواجب على كل هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر، فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل - وإن كان بين جميع هذه الأنواع قدر مشترك موجود في الجميع، كالإقرار بالخالق، وإخلاص الدين له، والإقرار برسله واليوم الآخر على وجه الإجمال - فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان، كتبعض سائر الواجبات.
يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطاً في ذلك البعض، وقد لا يكون شرطاً فيه، فالشرط كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم، كما قال تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقاً، وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً) .
وقد يكون البعض المتروك ليس شرطاً في وجود الآخر ولا قبوله.
стр. 128
وحينئذ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"، وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق".
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية". وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم".
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم" (١) الخ.
الفصل الثاني
بحث في أقسام المعاصي
دلت الآيات الكريمة، والأحاديث الصحيحة، والمنقول من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة بإجماعهم على أن الذنوب تنقسم إلى قسمين:
١ - القسم الأول: لا يغفره الله تعالى، وهو الكفر والشرك.
٢ - القسم الثاني: يغفره الله تعالى لمن شاء من الموحدين - سواء مغفرة مطلقة أو بعد التطهر منه بالنار.
قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (٢) .
فدلت هذه الآية الكريمة بظاهرها على المعنى الذي قلناه من أن من الذنوب ماهو شرك ومنها ماهو دون ذلك.
стр. 129
قال الطبري: " ... فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام" (١) .
وقال القرطبي: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة" (٢) .
روى الإمام أحمد بسنده عن عائشة قالت: قال ﷺ : "الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله، فالشرك بالله ، (إن الله لا يغفر أن يُشرك به) الآية، وقال: "إنه من يُشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة"، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله من صوم يوم تركه، أو صلاة فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة".
وروى الحافظ البزار في مسنده بسنده عن أنس بن مالك بنفس المعنى السابق.
وما رواه أحمد بسنده عن معاوية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً".
وما رواه أحمد بسنده عن أبي ذر قال: قال ﷺ : "إن الله يقول يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان منك، يا عبديإن لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة".
وما سبق روايته من أحاديث الشفاعة كلها لحديث أبي ذر الذي رواه أحمد، وفيه: ".. فقال ذاك جبريل أتاني فقال من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق".
стр. 130
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب حتى نزلت علينا هذه الآية: (إن الله لا يغفر أن يُشرك به..) (١) .
وما رواه الطبري بسنده عن ابن عمر قال: "كنا معشر أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" (٢) .
فهذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية قد دلت على أن الشرك الذي لا يغفره الله تعالى غير الذنوب التي يغفرها سبحانه.
وأما عن القسم الثاني وهو الذنوب التي دون الشرك فقد تضافرت الآيات والأحاديث وأقوال السلف الصالح على انقسامها إلى صغائر وكبائر.
قال تعالى: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (٣) .
وقال تعالى: (وكل شئ فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر) (٤) .
وقال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (٥) الآية.
وقال تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (٦) الآية.
قال القرطبي: "اللمم: وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه" (٧) .
وقال ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (٨) .
стр. 131
وقال ﷺ : "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل معقرات الذنوب مثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء هذا بعود، وجاء هذا بعود، جاء هذا بعود فأنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب لموبقات (١) .
يقول النووي: "وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروى أيضاً عن ابن عباس ﵄، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسُّنَّة واستعمال سلف الأمة وخلفها" (٢) .
ويقول ابن حجر الهيتمي في مقدمة "الزواجر": "وقال جمهور العلماء أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر" (٣) .
ويقول صاحب "تهذيب الفروق": "قوله تعالى" (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) فجعلها رتباً ثلاثة" الكفر رتبة، أولى والفسوق ثانية، والعصيان ثالثة، بلى الفسوق وهو الصغائر، فجمعت الآية بين الكفر والكبائر والصغائر وسمى بعض المعاصي فسوقاً دون بعض.
وقوله تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) .
وقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) فإن فيها صراحة في انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر) (٤) .
وقد نظر بعض السلف إلى جلال الله وعظمته سبحانه فمنعهم ذلك من تسمية أي معصية لله تعالى باسم "صغيرة" فهي كلها بالنسبة إلى عظم المخالف كبيرة من الكبائر، وإن اتفقوا على أن منها ما يوجب العقوبة والذم أكثر من غيره، فالخلاف لفظي في جواز التسمية لا في المعنى، والجمهور على إطلاق الصغيرة والكبيرة اصطلاحياً كما سبق أن نقلنا عن العلماء.
стр. 132
يقول صاحب "تهذيب الفروق": "اختلفوا أولاً في أن إطلاق لفظ صغيرة على معصية الله تعالى هل يمنع إجلالا له وتعظيماً لحدوده إلا في محل تبين تفاوت الذم والعقاب إن نفذ الوعيد، أو يجوز مطلقا) (١) .
ويقول النووي" (.. ولا شك في كون المخالفة قبيحة جداً بالنسبة إلى جلال الله تعالى ولكن بعضها أعظم من بعض" (٢) .
ويقول الهيتمي: (اعلم أن جماعة من الأئمة أنكروا أن في الذنوب صغيرة، وقالوا بل سائر المعاصي كبائر، منهم الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني والقاضي أبوبكر الباقلاني، وإمام الحرمين في "الإرشاد"، وابن القشيري في "المرشد"، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في تفسيره فقال: معاصي الله تعالى عندنا كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة وكبيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، ثم أول الآية التالية: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) بما ينبو عنه ظاهرها.. إلى أن قال: -
وقال جمهور العلماء: إن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر. ولا خلاف بين الفريقين في المعنى وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق، لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح فيها، وإنما الأولون فروا من هذه التسمية فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظراً إلى عظمة الله تعالى، وشدة عقابه، وإجلالاً له عن تسمية معصيته صغيرة، لأنها بالنظر إلى باهر عظمته كبيرة أي كبيرة، ولم ينظر الجمهور إلى ذلك لأنه معلوم، بل قسموها إلى صغائر وكبائر لقوله تعالى: (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) (٣) .
تحقيق الكبائر وحدها:
فقد وردت أحاديث شريفة تحدد الكبائر بأسمائها، وهي التي وعد الله تعالى عباده بتكفير سيئاتهم إن اجتنبوها، ومن ذلك:
стр. 133
ما أورده الطبري في تفسيره بسنده عن أنس بن مالك قال: ذكر أو سئل رسول الله ﷺ عن الكبائر فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور أو شهادة الزور، قال شعبة: وأكبر ظني قال: شهادة الزور" (١) .
وما أورده الطبري بسنده عن أبي أمامة أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ ذكروا الكبائر وهو متكئ، فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، وفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا، فقال ﷺ : "فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً.. الآية" (٢) .
كما اختلف العلماء في تحديد الكبائر وأنواعها على أقوال نذكر منها مايلي:
(١) قال البعض: هي المذكورة من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها.
لما رواه الطبري بسنده عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى الثلاثين منها: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه..) (٣) الآية.
(٢) وقال آخرون: الكبائر سبع.
"ومن ذلك ما رواه الطبري بسنده عن محمد بن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه قال: إني لفي هذا المسجد، مسجد الكوفة وعلي ﵁ يخطب الناس على المنبر فقال: "يا أيها الناس إن الكبائر سبع، فأصاخ الناس فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: ألا تسألوني عنها؟ قالوا يا أمير المؤمنين: ماهي؟ قال الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة" (٤) .
وممن قال ذلك عبيدة بن عمير وعطاء بن أبي رباح.
(٣) وقال آخرون: الكبائر تسع"
стр. 134
ومن ذلك ما رواه الطبري بسنده عن طيلسة بن مياس قال: "كنت مع الحدثان، فأصبت ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر فقلت: إني أصيب ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر: قلت" أشئ لم يسمعه طيلسة؟ قال: هي تسع وسأعدهن عليك: الإشراك بالله، وقتل النسمة بغير حلها، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلماً، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر، وبكاء الوالدين من العقوق.." (١) .
(٤) وقال آخرون: الكبائر أربع:
ومن ذلك ما رواه الطبري عن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر الشرك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من روح الله، والأمن من مكر الله (٢) .
(٥) وقال آخرون: هي كل ما نهى الله عنه. وهو قول من حكينا عنهم من قبل أنهم نظروا إلى جلال الله سبحانه، فلم يعتبروا صغيرة في أي نهي لله تعالى.
من ذلك ما رواه الطبري بسنده عن ابن عباس، قال: ذكرت عنده الكبائر، فقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة.
وما روى عن ابن عباس أنه سئل عن الكبائر؟ قال: هي إلى السبعين أقرب.
وما روى عنه أن رجلاً سأله، كم الكبائر؟ أسبع هي؟ قال: إلى السبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار (٣) .
стр. 135
(٦) وقال آخرون: كل ما أوعد الله أهله بالنار فهو كبيرة، وكل ذنب فيه حد فهو كبيرة.
ومن ذلك ما روى عن ابن عباس قال: كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، من الكبائر، وممن قال ذلك سعيد بن جبير والحسن البصري ومجاهد والضحاك.
وروى الطبري بسنده عن الضحاك قال: الكبائر كل موجبة
أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحد فهو من الكبائر" (١) .
ثم إن هذه الأقوال المختلفة فيما بينها في تحديد الكبائر هي من قبيل الاختلاف بالتنوع لا بالتضاد (٢)
стр. 136
، فإن كل قول منها ينبه على نوع أو أنواع يمكن أن تكون من الكبائر المقصودة لله سبحانه، وذلك لأن لفظ كبيرة هو من قبيل اللفظ المبهم الذي ليس له موضوع خاص في اللغة أو الشرع.
يقول ابن القيم في المدارج: "وأما الكبائر فاختلف السلف فيها اختلافاً لا يرجع إلى تباين واستفسار وأقوالهم متقاربة" (١) .
ويقول الغزالي في "الإحياء": ".. وذلك لأن الكبير والصغير من المضافات، وما من ذنب إلا وهو كبير بالإضافة إلى ما دونه، وصغير بالإضافة إلى ما فوقه، فالمضاجعة مع الأجنبية كبيرة بالإضافة إلى النظرة، صغيرة بالإضافة إلى الزنا. وقطع يد المسلم كبيرة بالإضافة إلى ضربه، صغيرة بالإضافة إلى قتله. نعم للإنسان أن يطلق على ما توعد بالنار على فعله خاصة اسم الكبيرة، ونعني بوصفه بالكبيرة أن العقوبة بالنار عظيمة. وله أن يطلق على ما أوجب الحد عليه مصيراً إلى أن ما عجل عليه في الدنيا عقوبة واجبة عظيماً. وله أن يطلق على ما ورد في نص الكتاب النهي عنه: فيقول: تخصيصه بالذكر في القرآن يدل على عظمه، ثم يكون عظيماً وكبيرة لا محالة بالإضافة، إذ منصوصات القرآن أيضاً تتفاوت درجاتها".
ثم يقول: "فهذه الإطلاقات لا حرج فيها، وما نقل من ألفاظ الصحابة يتردد بين هذه الجهات ولا يبعد تنزيلها على شئ من هذه الاحتمالات. نعم من المهمات أن تعلم معنى قول الله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) ، وقول رسول الله ﷺ : "الصلوات كفارات لما بينهن إلا الكبائر" فإن هذا إثبات حكم الكبائر" (٢) .
ثم نقول في الفرق بين الصغيرة والكبيرة، أن المعاصي تنقسم من ناحية النظر إليها من وجهين:
١- المعصية من حيث هي في ذاتها، وإن فعلها الإنسان مرة واحدة.
٢- المعصية من جهة تكرار فعلها والعلم بجرمها.
стр. 137
فمن المعاصي ما هي كبيرة في ذاتها ولو فعلها الإنسان مرة واحدة، كقتل النفس، والزنا وماهي صغيرة في ذاتها - عند فعلها مرة واحدة - مثل النظر إلى ما لا يحل النظر إليه.
أما من جهة تكرار المعصية، فإنها وإن كانت في أصلها صغيرة، فإن تكرارها والإقامة على فعلها يجعلها كبيرة من الكبائر، لأن ذلك يوحي بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به، وهذا أقل مرتبتة أن يكون كبيرة.
يقول صاحب المنار: ".. وقال بعضهم كإمام الحرمين والغزالي واستحسنه الرازي أنها - أي الكبيرة - كل ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به، وهو قول مقبول قريب من المعقول" (١) .
فالكبائر هنا تكون: "بحسب قصد فاعلها، وشعوره عند اقترافها، وعقبه، لا في ذاتها وحسب ضررها" (٢) كما يقول صاحب المنار.
فالصغيرة إذن في ذاتها تنقلب إلى كبيرة بالتكرار الذي يشعر بالاستهانة وعدم الاكتراث.
وهو معنى ما أوردناه عن ابن عباس فيما رواه الطبري أنه قال: "لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار" (٣) ، فاللمم من الذنوب لا يكون لملماً إلا إن لم يتكرر، فإن معناه هو ما يلم بالإنسان بصورة عارضة لا إصرار فيها ولا مداومة.
يقول القرطبي: "وقيل" اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة، قاله نفطويه..
وقال الزجاج: "أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه" (٤) .
يقول ابن القيم" "وههنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن "الكبيرة" قد يقترن بها - من الحياء، والخوف، والاستعظام لها - ما يلحقها بالصغائر. وقد يقترن بالصغيرة - من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها - ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها" (٥) .
стр. 138
وأما عن تكفير هذه الذنوب كلها - صغائر أو كبائر - فقد قال ﷺ :
"اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" (١) .
فاتباع السيئة الحسنة يمحها، كما قال ﷺ ، والتوبة مشروعة لكل ذنب، ولذلك تفصيل واسع ليس هذا محله، وسننقل هنا طرقاً مما ذكره ابن تيمية عن مكفرات الذنوب قال:
"على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب:
أحدها: التوبة.
الثاني: الاستغفار.
الثالث: الحسنات الماحية.
الرابع: دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على جنازته.
الخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر كالصدقة ونحوها.
السادس: شفاعة النبي ﷺ وغيره.
السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا.
الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة.
التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.
العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد" (٢) .
وبهذا البيان الواضح، رد الإمام ابن تيمية عن شبهتهم الداحضة في أن الإيمان المركب يزول كلية بزوال جزء من أجزائه، والتي بنوا عليها قولهم في كفر مرتكب المعصية، وزوال اسم الإيمان عنهم، وثبوت الكفر عليه، أما عن بقية شبهاتهم وأداتهم فسنشرع بعون الله تعالى في تفنيدها في الفصلين الباقيين، والله الموفق.
بهذا النظر نكون قد نقضنا القاعدة الأساسية التي بنى عليها الخوارج قولهم، وهي تساوي الذنوب كلها، وأنها كلها داخلة في مسمى الكفر، وأي معصية كفر، سواء أصر عليها أو لم يصر - على اختلاف بينهم في ذلك كما سبق أن قلنا، وأوضحنا بآيات الكتاب والأحاديث الشريفة وأقوال السلف والعلماء المعتد بأقوالهم المذهب الصحيح في ذلك، والحمد لله تعالى.
стр. 139
وبقى بعد ذلك أن نفند ما أوردوه من مزاعم، كأدلة لهم على قولهم المنقوض، فنرد على هذه الأدلة إلى موقعها من الفهم السليم، والمنهج القويم، وهو موضوع الفصل التالي إن شاء الله تعالى.
الفصل الثالث
نقض أدلة الخوارج
(١) الشبهة الأولى:
وهو قولهم أن صاحب الكبيرة كافر.
وقد رددنا في الفصل الثاني من هذا الباب على هذا الزعم، وبينا أن صاحب الكبيرة من الذنوب – دون الشرك – وهو من الموحدين المعرضين للعقاب بالنار دون الخلود فيها. والدليل على عدم كفره كثير، منه ما أورده ابن حزم في "الملل والنحل" واقتطفنا منه مايلى:
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) (١) .
فابتدأ الله بخطاب أهل الإيمان، من كان فيهم من قاتل أو مقتول، ونص تعالى على أن القاتل عمداً وولى المقتول أخوان، فقال تعالى: (فمن عفي له من أخيه شئ) .
فصح أن القاتل عمداً مؤمن بنص القرآن وحكم له بأخوة الإيمان ولا يكون بين الكافر والمؤمن أخوة.
٢- قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) (٢) .
стр. 140
فهذه الآية رافعة للشك جملة في قوله تعالى: إن الطائفة الباغية على الطائفة الأخرى من المؤمنين المأمور سائر المؤمنين بقتالهم حتى تفئ إلى أمر الله، أخوة للمؤمنين المقاتلين، وهذا أمر لا يضل عنه إلا ضال، ولا يقول أحد أن الله تعالى جعلهم إخواناً إذا تابوا، لأن نص الآية أنهم أخوان حال البغي وقبل الفيء إلى الحق، فقد أمرهم سبحانه بالإصلاح بين المتقاتلين في أول الآية، ثم ذكر في آخرها قوله: (فأصلحوا بين أخويكم) فهم إخوة حال البغي أو القتال.
٣- قال تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) (١) .
فهذه الآية نص جلي على أن الزاني والزانية ليسا مشركين، لأن الله تعالى فرق بينهما فرقاً لا يحتمل البتة أن يكون على سبيل التأكيد، بل على أنهما صفتان مختلفتان، وهذا المذهب في النظر وهو أن يقال أن ذلك توكيداً لا محل له، فإن الله سبحانه لا يضع لفظاً في القرآن إلا وله فائدة واحدة، وقواعد البلاغة تقتضي عدم الإطالة، والقرآن رأس البلاغة، ولا يصح في عقل مسلم أن يتوهم أن الله سبحانه قد استعمل لفظاً لا فائدة منه إلا التكرار، فهذا مناف لقواعد البلاغة العربية، وقد جروا هذا المجرى في فهم قوله تعالى: (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) فجعلوها كلها مترادفة، وهذا لا يأتي في كلام العربي العادي أبداً، بل في الركيك من القول أن يتكرر اللفظ مترادفاً بهذا الشكل، وحاشا القرآن أن يكون كذلك.
ولا سبيل إلى القول أنه إذا لم يتب كل منهما صار كافراً، لأنه صح أنه ذنب دون الشرك فهو معاقب عليه لا محالة في الآخرة – إن لم يتب منه – ولم يقم عليه الحد في الدنيا كما هو مقتضى حديث عبادة بن الصامت السابق ذكره.
стр. 141
٤- ثم نقول لمن قال بكفر مرتكب الكبيرة: إن الله سبحانه أمر بقتل المشركين جملة، ولم يستثن منهم أحداً إلا كتابياً يقدم الجزية مع الصغار، أو رسولا حتى يؤدي رسالته، ويرجع إلى مأمنه، أو مستجيراً حتى يسمع كلام الله تعالى، ثم يبلغ مأمنه، وأمر رسول الله ﷺ بقتل من بدل دينه، فنسأل من قال إن مرتكب الكبيرة كافر مفارق لملة الإسلام بالكلية إذا كان الزاني والسارق وشارب الخمر والقاذف والفار من الزحف وآكل مال اليتيم قد خرج من الإسلام أيقتلونه كما أمر رسول الله ﷺ أم لا يقتلونه، فيخالفون الله تعالى ورسوله؟
ومن قولهم كلهم – خوارجهم ومعتزليهم – أنهم لا يقتلونه، وأن في بعض ذلك حدود معروفة من قطع يد أو جلد مائة أو ثمانين، وفي بعضها أدب فقط، وأنه لا يحل الدم بشئ من ذلك ... وهذا انقطاع ظاهر وبطلان لقولهم جملة (١) .
(ب) الشبهة الثانية:
وهي استدلالهم بقول الله تعالى في بعض مواضع من القرآن الكريم من أن معصية الله تدخل نار جهنم خالداً فيها، فيكون بذلك كافراً، كما ورد في آية النساء، والجن، والبقرة، السابق ذكرهم في الفصل الأول من هذا الباب (٢) .
فحسب الفهم السليم الجامع للأدلة فقد قررنا انقسام المعصية إلى شرك، وما دون الشرك.
стр. 142
وأن الخلود في النار الناشئ عن الكفر لا يكون إلا بارتكاب عمل من أعمال الشرك، أما بقية الذنوب فهي لا توجب الخلود في النار بالتالي – وهي الصغائر والكبائر – وتكون المعصية المذكورة في الآيات هي المعصية بمعنى المحادة والكفر، وليست بمعنى الذنب الذي هو دون الشرك، وهذا هو فهم جمهور السلف الذي يجمع الأطراف المستدل بها في الموضوع.
يقول الطبري في آية النساء: فإن قال قائل: أو يخلد في النار عصى الله ورسوله في قسمة المواريث؟ قيل: نعم، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكاً في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين، أو علم ذلك فحاد الله ورسوله في أمرهما.
وفي إشكالهم هذه الآية فهو من أهل الخلود في النار، لأنه باستنكاره حكم الله في تلك يصير بالله كافراً ومن ملة الإسلام خارجاً (١) .
ويقول القرطبي: ".. والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدة ما، كما تقول: خلد الله ملكه، وقال زهير: "ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا" (٢) .
فيصح في اللغة استعمال كلمة الخلود للتعبير عن طول المدة دون ظاهر اللفظ الذي هو عدم الخروج مطلقاً، والقرآن عربي نزل بلسان عربي مبين فيصح – بل يجب – فهمه بأسلوب خطاب العرب، لا حسب ظواهر دلالة اللغة، لما يحدث ذلك من تناقض في المفاهيم الشرعية وتضارب في آياته لا داعي له.
أما عن آية البقرة: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) : فقد كان إجماع السلف على أنها في المشرك، فالسيئة هنا هي الشرك، وبهذا القول قال أبو وائل ومجاهد وقتادة والسدىوعطاء وابن جريج والربيع، ونقله الطبري وابن كثير والقرطبي وغيرهم. أما إحاطة الخطيئة فهي الذنوب الجمة التي يفعلها المشرك في حياته فتصبح محيطة به لا مهرب له منها.
стр. 143
قال الطبري: "فتأويل الآية إذا: من أشرك بالله، واقترف ذنوباً جمة فمات عليها قبل الإنابة والتوبة، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون أبداً" (١) .
ونقل هذا القول عن ابن عباس وقتادة والأعمش كذلك.
وقال القرطبي: "قوله تعالى (سيئة) السيئة الشرك، ... وكذا قال الحسن وقتادة، قالا: والخطيئة الكبيرة. ولما قال تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) دل على أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما، ومثله قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) ، وقوله ﵇ لسفيان بن عبد الله الثقفي وقد قال له: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" (٢) . فدل ذلك على أن ارتكاب المعاصي دون الشرك لا يلزم منها الخلود في النار الناشئ عن الكفر.
أما عن قوله تعالى في النساء أن جزاء القاتل المتعمد هو نار جهنم خالداً فيها، فإن هذا يجب أن يجمع مع قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) ، فصح أن القتال يكون بين مؤمنين دون كفر أي منهم، كما أن الآية لم تنص على كفر القاتل العمد، وإنما هي نص في دخول النار خالداً فيها، وهذا تقرير من الله على استحقاقه لذلك، وإن لم يكن فيه إثبات الوقوع ذلك، لإمكان تخلف الوعيد حسب قاعدة أهل السُّنَّة في ذلك، من أن تخلف الوعيد من القادر صفة كمال له بعكس تخلف الوعد منه. هذا وجه، والوجه الآخر أنه يصح أن يكون الخلود هنا بمعنى طول المكث أو الأمد الطويل كما سبق أن نقلنا عن القرطبي، وإنما أخذنا بهذا الوجه وأجرينا هذا المفهوم على الآية، حتى لا ندفع أحاديث كثيرة ثبتت من قبل من عدم كفر مرتكب المعصية دون الشرك عامة.
стр. 144
منها ما رواه الطبري عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم حتى نزلت: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) فأمسكنا عن الشهادة (١) .
فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ فهموا أن الشرك هو خلاف هذه الأمور كلها، ولا يقال المقصود هو القتل الخطأ – ليس العمد – لأن الخطأ مرفوع أصلاً عن المكلفين بشرط التوبة بعد العلم بالخطأ.
قال تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) .
قال القرطبي: "أي خطيئة من غير قصد" (٢) .
فالخطأ والعمد في هذا يستويان أن من تاب رفعت عنه عقوبة الآخرة، فلا موجب إذن لتخصيص أحدهما في قول عمر دون الآخر.
(أ) وقد نقل الطبري هذا المعنى عن أبي مجاز وأبي صالح.
قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن عليه، عن سليمان التيمي عن أبي مجاز في قوله: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم) قال: هو جزاؤه، وإن شاء تجاوز عنه.
وعن أبي صالح قال: جزاؤه جهنم إن جازاه (٣) .
وقيل بشرط التوبة والندم، فهو معفو عنه، ونقل هذا عن مجاهد وغيره.
وقد ورد عن ابن عباس آثار تدل على أنه لا توبة للقاتل، إلا أن ذلك كان فتوى منه لرجل بعينه خوفاً من قتله لآخر، كما ورد في القرطبي، قال:
أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألمن قتل مؤمناً متعمداً توبة؟
قال: لا، إلا النار.
стр. 145
قال: فلما ذهب قال جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ ، كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة. قال: إني لأحسبه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً. قال فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك"، وهذا مذهب أهل السُّنَّة وهو الصحيح. وأن هذه الآية مخصوصة ودليل التخصيص آيات وأخبار" (١) .
فهذه الآية نزلت في مقيس بن ضبابة وهو قد قتل مؤمناً متعمداً ثم ارتد بعدها كافراً.
(ب) وقد ورد الحديث الشريف عن عبادة بن الصامت يثبت أن الزنى والسرقة وقتل النفس هي غير الشرك بالله.
قال: "تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".
ولا يقال هنا: إن الذنوب الواردة هي من الشرك، وهي بيان له بعد ذكره لأن معنى هذا أن قوله: (من أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له) يعني أن من أشرك بالله فقتل ردة كعقوبة في الدنيا كان ذلك كفارة له عن الشرك، وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن قتل المشرك ردة في الدنيا لا يغني عن تخليده في النار أبداً.
كما نقل عن ابن عباس أن قوله (متعمداً) يعني مستحلاً للقتل فهذا يؤول إلى الكفر.
(ج) قوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة" (٢) .
فهذا نص في أن قاتل النفس ليس كتارك دينه بل هو بمنزلة الزاني المحصن، وإحلال الدم لا يستلزم الكفر بل يكون في حد فقط كما هو معلوم.