والخلاف مع أهل البدع - كما هو معروف بالتجربة والبرهان - خلاف صعب للغاية؛ لأن المبتدع يرى أنه على حق، فإذا ما تم الحوار معه تلعثم وانسحب دون رجوع عن قوله وفعله إلا من رحم الله، ولكن للإنصاف نجد بعض الجهلة يقلدون المبتدعة في أمور ربما يكون بعضها شركية فإذا ما نصح وبين له الخطأ وأن هذا العمل مخالف لسنة المعصوم ﷺ ، فإنهم في الغالب يعودون إلى الحق، ولكن مقصودي الخلاف مع أشياخهم وضلالهم فإنهم سائرون على خطى الشيطان في بدعتهم، إلا من تداركه الله برحمة منه وفضل. نسأل الله الهداية واتباع الحق والبعد عن الضلال والهوى.
стр. 37
الرابع عشر - عدم الانسجام الروحي والتناكر
وهذا سبب فطري ولا يلام عليه المسلم إذا كان أصل الحب في الله تعالى موجوداً, ولا يؤدي ذلك إلى ظلم أو تعدٍّ أو بغض أو أي شكل من أشكال الحرام.
قالت عائشة ﵂: سمعت النبي ﷺ يقول: «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (١)
وأنا أكتفي بنقل كلام الخطابي في شرح هذا الحديث: " كما في شرح البخاري للكرماني ".
يقول الخطابي: " فيه وجهان أحدهما أن تكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر، وأن الخيِّر من الناس يحن إلى شكله والشرير يميل إلى نظيره , فالأرواح إنما تتعارف بسبب طباعها التي جبلت عليها من الخير والشر. فإذا اتفقت الأشكال تعارفت وتآلفت، وإذا اختلفت تناكرت وتنافرت , والأخرى أنه روي أن الله - تعالى - خلق الأرواح قبل الأجساد فكانت تلتقي، فلما ألبست بالأجساد تعارفت بالذكر الأول، فصار كل منها إنما يعرف وينكر على ما سبق له من العهد المتقدم ".
стр. 38
آداب الخلاف أولاً - الإخلاص والمتابعة
يجب وجوباً على المسلم في جميع أمره أن يتحقق فيه شرطان: الإخلاص لله تعالى ثم متابعة محمد ﷺ ، ومن ذلك موضوعنا ومحور حديثنا (الخلاف) ، فإنهما (الإخلاص والمتابعة) من آدابه، بل هما الأساسان اللذان يجب أن ينطلق منهما الحوار في مواجهة الخلاف وعرضه وتحليله، وبالتالي إزالته بإذن الله تعالى. فيجب أن يكون القصد من الحوار هو وجه الله ﵎، لا من أجل أن تتناقل الألسنة أن فلاناً محاور جيد أفحم المخالفين بالحجة والبرهان وجعلهم في ورطة، وأحرج موقفهم وكشف عوارهم.
стр. 39
لا، بل يكون القصد هو رضى الرحمن وحده، سواء رضي الناس أم غضبوا، وكذلك يكون الحوار على سنة محمد ﷺ وبأسلوبه الكريم، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الأحزاب (٢١) ، فإن كنت قائداً فهو أسوتك، وإن كنت جندياً فهو أسوتك، وإن كنت معلماً فهو مدرستك، وإن كنت طالباً فهو معلمك، وإن كنت زوجاً فهو مثالك في الحياة الزوجية والأسرية، وإن كنت مقاتلاً فهو معك يعلمك، وإن كنت داعية بالحسنى فهو أستاذك, فالمقصود أنه ﷺ قدوة الأمة الصالحة لكل زمان ومكان، فلا تستطيع أن تعمل عملاً أو تسلك طريقاً خيّراً إلا تجده أمامك ليرشدك الطريق، فكان لزاماً علينا معشر المسلمين وقد حققنا الشرط الأول وأخلصنا العمل لله تعالى دون شريك أن نحقق الشرط الثاني؛ وهو تحقيق المتابعة الخالصة له ﷺ ، حتى تكون جميع أمورنا في هذه الحياة قائمة على بناء سليم قويم، ومن ذلك فنون الحوار في التعامل مع الخلاف وأهله بأدب وروية حتى يسير على أسس الحوار العلمي الصحيح بإذن الله ﵎.
стр. 40
ثانياً - أن تتمنى للمخالف العودة إلى الطريق الصحيح
وهذا العنصر مهم جداً، وهو أمنيتك أن يعود المخالف للجادة، حتى وإن كان هذا المخالف يقع في جانب الخلاف المذموم المحرم, ومن ذلك خلاف الكافرين أو خلاف المبتدعة بجميع طوائفهم, بل يجب عليك - أيها المحاور - بحق أن تُعمل جهدك في تحقيق هذا الهدف وهو العودة الحقة للطريق المستقيم لقوله ﷺ لعلي ﵁: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» (١) .
وقد عاتب الله تعالى رسوله الكريم ﷺ لشدة ما وجد من حزن وأسى على المخالفين ليكونوا مسلمين، وحتى يفوزوا برضى الرحمن وينجوا من عذابه يقول لنبيه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ الكهف (٦) ، والذي أريد أن أقوله إن من آداب الخلاف أن يكون فيه شفقةٌ على المخالف أن يظل على خطئه.
стр. 41
هذا الشعور والأدب هو من سمات سلفنا الصالح الذين خلَّد الله ذكرهم، فلا تجد أحداً منهم إلا وتمنى أن يكون مخالفُه محقاً وإن كان ذلك على حسابه، بشرط أن يكون حقاً فعلاًَ. أما بعض منا الآن وللأسف الشديد همه هو إظهار حجته والسعي الحثيث لإسكات المخالف، دون شعور أو رجاء أن يعود به لدائرة الاجتماع والطريق القويم. ورحم الله الإمام الشافعي القائل: ما ناظرت أحداً من الناس (يعني المخالفين) إلا تمنيت أن يجعل الله الحق على لسانه!
стр. 42
ثالثاً - أن تسمع الحجة والرأي
فقبل أن تُصدر أحكامك على المخالف يجب عليك أن تحاوره وتسمع رأيه وحجته.
стр. 43
رابعاً - إيراد الدليل
لأن التهويل والكلام وحده لا يكفي ولا يجدي.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ الأنعام (١٤٨)
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ البقرة (١١١) .
ويقول تعالى: ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الزخرف (٨٦) .
فلا بد أن يكون عندك دليل ووثائق وبراهين تدمغ بها خصمك, وتظهر حجتك ورؤيتك.
стр. 44
خامساً - الهدوء في الرد
وذلك بأن لا يصل الأمر إلى رفع الصوت , لأن رفع الصوت لا يكون إلا في الخطب والمواعظ التي تستلزم ذلك.
قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ لقمان (١٩) .
وصاحب الباطل أحياناً يرفع صوته في الحوار , حتى يظهر للناس أنه محق.
أما صاحب الحق فهو متزن، يوصل كلمته في تمكن واطمئنان لأنه صادق.
стр. 45
سادساً - ذكر جوانب الاتفاق قبل الاختلاف
فإذا أتيت مثلا إلى كافر مشرك وثني تريد أن تجادله في ألوهية الله , فابدأ معه أولا فيما تتفق أنت وهو فيه , وهو وجود الله - مثلاً - وآياته ومخلوقاته.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الزمر (٣٨)
فإذا جلس معك تقول له: مَنْ خلق السماوات والأرض؟ فيقول: الله.
فتقول: أنا وإياك متفقان أن الله خلق السماوات والأرض.
فتتدرج معه , ثم تقول: فمن يستحق العبادة بعد ذلك؟
حينها يقف , وربما يجيبك بأحد جوابين:
إما أن يقول: يستحقها الله , فالحمد لله.
أو يقول: يستحقها الوثن وهو أنواع.
فتقول: الوثن لا يسمع , ولا يبصر , ولا يرى , ولا يرزق , ولا يخلق , فكيف يستحق العبادة؟!
حينها سوف يجيبك بالحق.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ آل عمران (٦٤)
стр. 46
أي لنلتق على كلمة نتفق عليها، وهي قوله تعالى بعد ذلك: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران (٦٤) .
وهكذا في فن التعامل مع المخالف أيًّا كان خلافه، لأن في ذلك تسهيلَ وصوله - بإذن الله - تعالى إلى الطريق الصحيح بأقل كلفة ومؤونة معنوية كانت أو مادية.
стр. 47
سابعاً - التواضع في الرد
قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ سبأ (٢٤) .
فتظهر نفسك في البداية أنك لست جازماً بالحق, لتستدرج المخالف فتقول: أنا رأيي - وقد يكون رأيي خطأ - أن الموضوع كذا وكذا, فإنه حينئذ سيستأنس المخاطب, ويدلي بحجته, ويتأمل حجتك, لعلها أن تكون صائبة, فيجدها صائبة.
يقول أهل الإيمان في القرآن للكفار: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ سبأ (٢٤) , ومعلوم أن أهل الإيمان هم الذين على هدى وأهل الكفر هم الذين على ضلال مبين , ولكنه سحب المخالف للتأمل في الأدلة لما يرى من تواضع خصمه.
стр. 48
ثامناً - تحديد محل الخلاف
فبعض الناس يهيج ويغضب على غير مبدأ, وعلى غير نقطة خلاف. فهو لا يعلم لماذا اختلف مع زميله!
يقول العارفون: لا بد من تحديد نقطة الخلاف, حتى تتكلم أنت وهو على شيء محدد، فيضبط كل واحد كلماته ويختارها بعناية.
وهذا هو منهج القرآن الكريم الذي يحدد مثلا الخلاف مع الكفار في اليوم الآخر, ثم يبدأ يحاورهم فيه.
стр. 49
تاسعاً - الرد إلى الله تعالى ورسوله ﷺ
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ النساء (٥٩) .
فالرد إلى الله تعالى يكون بالرد إلى كتابه الكريم. والرد إلى الرسول ﷺ يكون بالرد إلى سنته المطهرة.
فإذا اختلفت أنت ورجل في قضية ما , فقل له: نحتكم إلى الكتاب والسنة ثم إلى أهل العلم الذين يبينون الكتاب والسنة بفهم النبي ﷺ وأصحابه ﵃.
وحينها تسمعون الحكم الصريح من الكتاب والسنة , لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام (٣٨) .
ويقول : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ الأنبياء (٧)
ويقول : ﴿إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ النساء (٨٣) .
стр. 50
عاشراً - التحاكم إلى صاحب أهلية في الحكم
فأنت إذا اجتمعت واختلفت أنت وزملاء لك, فالأحسن أن تقول نحكِّم فلاناً العالم الداعية بيننا.
وقد حدث مثل هذا في السيرة: عن عبد الله بن حنين ﵁ أن ابن عباس ﵄ والمسور بن مخرمة ﵁ اختلفا، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فاحتكموا إلى أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ .
فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطاطأه حتى بدا رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب, فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيده، فأقبل بهما وأدبر، وقال هكذا رأيته ﷺ يفعل (١) .
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ «عن رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين» . وأن عبد الله بن عمر ﵄ سأل عمر عن ذلك فقال له نعم: "إذا حدثك سعد عن رسول الله ﷺ فلا تسأل عنه غيره" (٢) .
فلك أن تختار شخصاً من الأساتذة أو العلماء أو الدعاة بشرط أن يكون صاحب أهلية، فتحكِّمه في المسألة المختلف فيها، ثم تسمع أنت وإياه للحكم.
стр. 51
الحادي عشر - تجنب النيل من الشخص والتشفي من عرضه
كان ابن قدامة (صاحب المغني) إذا أراد أن يناظر أحداً تبسَّم في وجهه.
وكان أحد العلماء يقول: هذا والله يقتل الناس بتبسمه.
يقول المتنبي:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحرِّ الذي يحفظ اليدا
والمعنى: أن التبسم والأريحية والهدوء يمتص حماس الخصم، وقد يكون سبباً في منازلته لك بالإنصات والتقدير، وبالتالي بإزالة الخلاف بحول الله.
وهذا هو المنهج القرآني الكريم، فإن الله - تعالى - في نداءات كثيرة يقول عن اليهود والنصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ، وهو منهج الرسول ﷺ كما مر معنا - في حواره ﷺ مع عتبة بن ربيعة المشرك، فإن النبي ﷺ تجنب النيل من شخصه وعرضه، بل على العكس كنَّاه فقال له: «أفرغتَ يا أبا الوليد؟» ، كذلك عندما أخبر ﷺ سعد بن معاذ ﵁ عن الكلام الآثم من ذلك المنافق (عبد الله بن أبي بن سلول) فإنه ﷺ مع الأذى من ذلك المنافق - إلا أنه ﷺ كناه بأبي الحباب.
стр. 52
ولكن حتى يكون طرحنا صحيحاً موافقاً للكتاب والسنة، فإنه إذا تجاوز الأمر حده وبلغ السيل منتهاه، وأصبح من المصلحة الشرعية النيل من هذا الشخص السيئ المتعدي الطاغي، فإنه يُنال منه ويُنصر دين الله ، وهذا - أيضاً - منهج قرآني كريم، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ المسد (١) ، فإن الله - تعالى - ذكره باسمه وأهانه.
стр. 53
الثاني عشر - أن يحدد نوع الخلاف, هل هو في مسألة قطعية أو ظنية؟
لأن خلاف التضاد, لا يعذر صاحبه عند أهل السنة.
مثل من ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة , كرجل يقول: أركان الإسلام أربعة.
فتقول: هي خمسة. وتذكرها له بالدليل.
فيقول: لا بل أربعة. ويذكرها ويسقط ركناً منها عامداً.
فهذا ليس بخلاف عند أهل السنة, بل هو ردَّةٌ وكفر.
وأما خلاف التنوع ومسائله، فهي المسائل التي فيها سعة؛ كالمسائل الفقهية التي يكثر فيها الخلاف في كل آن وحين. مثل الإشارة بالأصبع في التشهد , أو وضع اليد في الصلاة , أو صلاة التراويح, أو غيرها مما كثر فيه الخلاف وطال. والحل فيها ما قاله ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» . (١)
فلذلك تدعو للناس في هذه الحالة بالأجر وتلتمس لهم العذر، ولا يجوز للمخالف في مسائل الفرعيات أن يعنف على من خالفه، ولكن يظل الحق مع صاحب الدليل القطعي الأثري.
стр. 54
وقد أطال شيخ الإسلام في رسالته " رفع الملام عن الأئمة الأعلام ", في ذكر أعذار العلماء في خلافاتهم مع بعضهم الآخر , ودافع عنهم دفاعاً شديداً، فارجع إليها فإنها رسالة نفيسة.
стр. 55
الثالث عشر - الإنصاف مع المخالف ولو كان عدواً لك .
قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ المائدة (٨)
ولذلك تجد من لا يقيم هذا المبدأ في حياته يغضب منك إذا ذكرت صفة حسنة في عدو لك وله. كأن تذكر تفوق الدول الغربية في مسائل التعليم المادي, أو في سهولة إنجاز المعاملات, أو نحوها من الأمور الدنيوية.
وهذا ليس به بأس؛ لأنه من ذكر المزايا الدنيوية لهذه الدول والتي تفوقوا فيها , ولا دخل له من قريب أو من بعيد بالولاء والبراء، كما يزعم بعض الناس , لأننا نعلم أن أشد الناس عداوة لنا هو من عادانا بسبب الدين:
كل العداوات قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك في الدينِ.
ولذلك قال عمرو بن العاص ﵁ في الروم: إن فيهم أربع خصال:
١- أنهم أحلم الناس عند فتنة.
٢- وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة.
٣- وأوشكهم كرة بعد فرة.
٤- وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف.
٥- وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك. (١)
وأما مسألة أهل البدع وذكر محاسنهم، فإنها مسألة أخرى غير هذه، وهي مما طال فيه الجدال بين الدعاة والشباب في هذا الزمان.
стр. 56
والصواب فيها - إن شاء الله - أن أهل البدع ليسوا على شاكلة واحدة، فمنهم الذي اجتهد عن حسن نية في اختياراته وترجيحاته, ويظن أنه على منهج أهل السنة , ولكنه ضل الطريق لحكمة إلهية. فهذا نعذره ونبين خطأه مع ذكر محاسنه كالحافظ ابن حجر , والنووي والقاضي عياض ونحوهم.
وآخرون استمرؤوا البدع ونابذوا أهل السنة عن علم , وعن بغي وعدوان.
فهؤلاء لا نذكر محاسنهم أبداً , لأن في ذلك تلبيساً على المسلمين , بل نحذر منهم ونفضحهم. وهذا كحال الجعد بن درهم , والجهم بن صفوان , والعلاف , والنظام , وغيرهم من دعاة البدعة ورءوسها , قديماً ومن سار على دربهم حديثاً.
أما من يستخدم هذا المنهج الأخير مع دعاة الإسلام , وأهل الفضل , فهو خاطئ:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدّوا
стр. 57
الرابع عشر - إحسان الظن
إذا تأكد لديك يقيناً نهائياً أن هذا الأمر المخالف أو الخاطئ صدر من أخيك المسلم فلان، فإن من أولويات ردود الفعل لديك أن تحسن الظن بأخيك المخطئ وأن تتهم نفسك أولاً حتى تسمع رأيه، ولقد أمرنا الله - تعالى - بهذا في كتابه الكريم بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ الحجرات (١٢) .
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ النور (١٢) فالواجب كما ظننت - أيها المؤمن - بنفسك الخير أن تظن بأخيك المؤمن خيراً، لأنه ربما يصلك الخبر صحيحاً من طرقه، ولكن يكون المعنى على غير الذي فهمت تماماً، فالواجب هو إحسان الظن، وقد نهى النبي ﷺ عن الظن فقال ﵊: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (١) .
стр. 58
وكذلك ما رواه البخاري عن شكوى أهل الكوفة في عمار ﵁ إلى عمر بن الخطاب ﵁ أن عمارا لا يحسن الصلاة بهم , وهم لم يصيبوا في ذلك فإن عمارا ﵁ صحابي صلى مع الرسول ﷺ ، فردَّ على شبهتهم بأنه كان يصلي بهم صلاة النبي ﷺ ، فقال عمر ﵁: (وهذا هو الشاهد) "ذاك ظننا بك يا أبا إسحاق ".
إذا من أولويات أدب الخلاف حسن الظن بالمسلمين؛ لأن المسلم الأصل فيه السلامة ما لم يأتٍ قادح يقدح فيه، أما غير المسلم فإن هذا الأمر لا يشترط توفره؛ لأن الأصل فيه عكس ذلك، ولكن يأخذ الأمر ويقدر بقدره مع كامل الحيطة والحذر والصدق والعلم والعدل وسلامة النقل.
стр. 59
الخامس عشر - اختلاف الخلاف:
وأقصد من هذا أن الخلاف ليس على وتيرة واحدة وليس كتلة واحدة يقدر بقدر واحد ويحاور بأسلوب واحد، لا، فإن الخلاف عموماً على ضربين مختلفين تماماً ولا يلتقيان ألبتة ما داما كذلك:
فأولها: الخلاف المحرم وهو المذموم المنهي عنه وهذا غير سائغ أبداً، وهو بكل بساطة خلاف أهل الباطل على مختلف مستوياتهم ودركاتهم، وأشد أهل هذا النوع هم الملاحدة والكفار والمنافقون بجميع نحلهم وأديانهم الباطلة، ثم يأتي بعدهم أهل الزيغ والبدع المكفرة، ثم أهل البدع المفسقة، وهكذا، وليس مقصودي هنا التعداد وإنما توضيح الفكرة.
وأما النوع الثاني من الخلاف: فهو الخلاف السائغ الذي أشار إليه المصطفى ﷺ بقوله: «إذا حكم الحاكم فاجتهد» . . . . . الحديث.
وفي معنى الحديث الشريف أنه ربما يجتهد هذا الحاكم صاحب الأهلية في الاجتهاد فلا يصيب، أي يخالف الصواب ومع ذلك فله أجر.
стр. 60
فإذا عرفنا أقسام الخلاف وفهمناها جيداً أدركنا بمشيئة الله تعالى تصنيف المخالفين التصنيف السليم الصحيح، فلا يصح إطلاقاً أن نخلط في الحوار وإقامة الحجة بين النوعين؛ لأن في ذلك ظلماً وإجحافاً على المسلمين القاصدين الخير، ولكن على كل حال يجب توضيح المنهج الحق الذي ارتضاه الله تعالى لعباده.
стр. 61
السادس عشر - ضع نفسك في محل المخالف
لأنك إن وضعت نفسك في مكان المخالف فإنه سيكون بإذن الله تعالى عوناً أدبيًّا لك في تحقيق بقية الآداب السابقة في أصول الحوار وفن التعامل مع المخالفين, فأنت تحب أن ينصحك الآخرون بأسلوب هادئ ومستور, وإن أمكن بالتلميح لا بالتصريح, كذلك تحب أن يبتسم لك الناس ولا يغلظون لك القول، ولا يظهرون أنفسهم بأنهم أعلم منك، ولا يشهرون بك في المجالس، ولا يتهمونك بالانحراف، وغير ذلك من الآداب التي يحبذها كل إنسان!
فإذا اتفقنا على ذلك، فلماذا لا نجعل هذه الأمور نصب أعيننا وفي ذاكرة كل واحد منا في أسلوب التعامل مع بعضنا الآخر أو حتى مع غيرنا؟! فإذا ما اتضح لك أن هذا المخالف للصواب لا يجدي معه ذلك فإن الخلاف يقدر بقدره - كما أسلفنا - على حسب نوعيته، ويتعامل مع المخالف على ضوء التعاليم الشرعية كما مر معنا، المهم هو تحقيق المبدأ الشرعي الذي أمرنا به الرسول ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "من الخير» (١) ، وأن لا ننسى أبداً قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ النساء (٩٤) .