← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2028

الخلاف أسبابه وآدابه

عائض القرني

Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الخلاف أسبابه وآدابه إعداد د. عائض القرني بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة إن الحمد لله , نحمده ونستعينه, ونستغفره, ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله , وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه, وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد. . .

стр. 2

فيقول سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ هود (١١٨-١١٩) . قال بعض العلماء: أي للاختلاف خلقهم. والصحيح أن الله خلق الخلق للعبادة؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات (٥٦) . فخلقهم سبحانه للعبادة لا للاختلاف, لكن من سنته في الكون أنه ميز بين كل شيء، فميز بين الأطعمة والأمزجة والألوان والأفكار. فجعل الحلو والحامض, وجعل الظلمة والنور, وجعل الليل والنهار, وجعل الحار والبارد. وجعل من آياته التي تثبت تدبيره للكون وخلقه له, وبديع صنعه فيه: اختلاف الألسنة والألوان, فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ الروم (٢٢) فتبارك الله أحسن الخالقين, وسبحان الذي يُغير ولا يتغير.

стр. 3

وكما أن الخلاف يقع في الكون بأكمله , فهو لا شك واقع في المجتمع الصغير بدءا بالأسرة , ثم القرية , ثم المدينة , ثم الشعب , ثم الأمة , ثم المعمورة. فلا بد أن يقف الإنسان بتعقل أمام سنة الله في الاختلاف.

стр. 4

وقد اخترت الحديث عن هذا الموضوع (الاختلاف) لأنه قد كثر في عالم الشباب, وانتشر مع التنابز والفرقة والخوض في الأعراض والنيل من الفضلاء. فكان لا بد لعلماء الإسلام ودعاته أن يتصدوا لهذه الظاهرة المتفشية. ولقد تأملت الخلاف بأنواعه واستعرضته أمام خاطري فرأيت أن سبب الخلاف العام هو وجود الخطأ، فهو (أي الخطأ) بوابة الخلاف الرئيسة حتى وإن كان هناك - حقيقة - أبواب رئيسة أخرى تكبر بوابة الخطأ قد تكون هي سبب الخلاف الحاصل؛ مثل: بوابة الحسد أو البغض أو غير ذلك من الأسباب، ولكن يظل الخطأ هو السبب المتفق عليه سواء كان ذلك حقيقة أو تلبيسا لإخفاء حقيقة لا يحب المخالف أن يظهرها، فيفرغ ما بداخله بحجة أن فلانا أخطأ أو انحرف عن الطريق، والله وحده هو الذي يعلم السرائر، ولكن يجب أن نذكر أنفسنا بقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كان هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١) ، والأجر والحساب عند الله علام الغيوب.

стр. 5

فأقول: ما دام أن الخطأ والوقوع فيه هو البوابة الأم لوقوع الخلاف، لذلك كان لازما على من أراد أن يتكلم عن ردة الفعل أن يدرس ويسأل عن الفعل أصله. وهنا نقول بأن الخلاف ردة فعل لفعل أو لسبب الوقوع في الخطأ. إذا لا بد أن نقدم بين يدي هذا الموضوع (الخلاف أسبابه وآدابه) كلمةً عن الخطأ تمهيدا فقط، حتى لا يطغى على موضوع الكتاب. إن الخطأ أمر متوقع ومأخوذ في الحسبان في إمكانية حدوثه بكل أشكاله وصوره ودرجاته من بني آدم إلا من عصمه الله تعالى، وقد جاءت السنة المطهرة بتحقيق ذلك في قوله ﷺ : «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (١) .

стр. 6

وهذا الحديث لو شرحناه شرحا وافيا لكان كافيا لتوضيح الخطأ من حيث واقعية حدوثه، ومن حيث إنه الضابط العظيم الذي يربط بإذن الله المرجئة والجبرية وأشباههم أو حتى من كان على غير ملة الرسول ﷺ ، وهو قوله ﷺ : «خير الخطائين التوابون» حتى لا يفهم أن حتمية الخطأ على ابن آدم ذريعة للوقوع في مخالفات شرعية على مختلف أشكالها أو على الأقل الاستمرارية في ممارسة الأخطاء, وحتى لا يفهم الحديث خطأ فإن الحديث الشريف لا يعني تساهل الإنسان بالوقوع في الأخطاء بحجة أنه خطّاء، فلم يفهم الصحابة والسلف الصالح ﵃ هذا الفهم الغريب، بل كانوا يسعون في الأرض إصلاحاً وطاعةً لرب العباد، وإذا أخطؤوا تابوا، ولكن من رحمة الله - تعالى - على الإنسان أنه إذا أخطأ رجع وتاب، فإن خير الخطائين التوابون، وبالتالي فإن حصول الخطأ من الناس وارد؛ فهم ليسوا بمعصومين وإنما المعصوم هم الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام.

стр. 7

أولا- المرحلة القبلية للخطأ وأقصد بذلك المرحلة التي تسبق الحكم بخطأ الشيء: ١- التحري والتبين والتثبت من الخبر: وقد أمرنا الله - تعالى - بضرورة التبين والتثبت من الأخبار لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات (٦) . ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ النساء (٩٤) . ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ الإسراء (٣٦) ولقوله ﷺ : «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (١) . وقد ذكر الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في كتابه رياض الصالحين باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه حديثا عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (٢) .

стр. 8

ومن التثبت طلب سند الكلام؛ أي تقول للناقل: من أخبرك بهذا الكلام؟ أو ما مستندك؟ وهذه الخصيصة من أهم خصائص أمة محمد ﷺ ، فتجدها في العلاقات الاجتماعية بين الناس، وتجدها في طلب العلم بكل فنونه، فهم على سبيل المثال لا يقبلون قول أي إنسان في علم الحديث ما لم يعرف عند علماء الرجال وهذا نوع من التثبت والتحقق. قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى:" الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء فإذا قيل له من حدثك بقي " (١) أي اتضح وانكشف. ٢ - معرفة حال الناقل: وهنا يتأتى وزن ناقل الخبر من حيث القبول أو الرد, ومن ذلك الصدق والعدالة والضبط والإتقان والأمانة والاحتياط من مرض التحاسد بين الأقران والمعاصرين، وفي ذلك يقول الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - في ترجمة عفان الصفار: (كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه) (٢) .

стр. 9

وكما مر معنا في النقطة السابقة فإن معرفة حال الناقل ضرورة لا بد منها في تلقي الأخبار سواء الشرعية وهي الأصل والأهم، أو حتى الأخبار الاجتماعية التي تدور داخل المجتمعات؛ وذلك لأن المعرفة التامة بحال القائلين تخرج - بإذن الله تعالى- أولئك الكاذبين المرجفين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات (٦) . كذلك من معرفة حال الناقل ومعرفة ظروفه المحيطة سواء النفسية الداخلية أو الخارجية فربما يكون سبب نقل هذه المعلومة الخاطئة من هذا الثقة أمراً خارجاً عن إرادته وأهليته قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ النحل (١٠٦) . ولا أريد أن أطيل كثيراً لعل الصورة وضحت، ولكن المهم هنا معرفة حال الناقل سواء كان فرداً أو جماعة معرفة تامة. ٣- عرض هذا الأمر على الأصول:

стр. 10

الخطوة الثانية - بعد التثبت أن هذا الأمر حصل فعلاً - ينبغي عرض هذا الأمر الذي أرى أنه خطأ على الأصول (كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بالفهم النبوي الشريف وفهم الصحابة الكرام , فإنه سوف يتضح هذا الأمر فإن كان صحيحاً أقر وإن كان خطأ رفض أو صُحح. يقول ﵎: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ النساء (٥٩) . والرد إلى لله - تعالى - هو الردُّ لكتابه الكريم، والرد للرسول ﷺ هو الرد لسنته المطهرة ﷺ . ومن لوازم معرفة الأصول المعرفة الصحيحة العرض على العلماء لأنهم (ورثة الأنبياء) ، وهم أهل الذكر الذين أمرنا الله - تعالى - بسؤالهم لقوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ النحل (٤٣) وبالتالي يتضح الأمر جلياً بإذن الله تعالى. ٤- الروية وعدم التسرع في الحكم:

стр. 11

ينبغي عدم التسرع في إطلاق الأحكام على الناس حتى نرى الحقيقة جلية ونسلك المسالك الشرعية في معالجة الأخطاء، ولا نتعجل النتائج فقد دعا الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - أقوامهم سنين طويلة، وذلك لأن التسرع في إطلاق الأحكام وبخاصة غير المحببة ربما يكون فيه ظلمٌ وتعدٍّ على الآخرين؛ لأن بناء الحكم ينبغي له التأني والمرور بخطوات سابقة تجعلك بإذن الله - تعالى - قوي الموقف في هذه القضية، حتى وإن كان هذا القائل كافرا، يقول شيخ الإسلام: " والظلم محرم في كل حال فلا يحل لأحد أن يظلم أحداً ولو كان كافرا " (١) . ٥- معرفة حال الفاعل وظروفه: ومن ذلك أن يسأل الشخص المقصود بالأمر بما وصل إلينا عنه، ويأخذ رأيه، ويقول له: يا فلان، وصلنا عنكم كذا ولم نصدق، فنحن نعرف منهجكم ونعرف فضلكم في سبيل الخير، وكل ذلك بلين ورحمة وتواضع وابتسامة، قال - تعالى - في رسوله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ آل عمران (١٥٩) .

стр. 12

وهذا منهج سلوكي يجب أن نتبعه ما دمنا مسلمين متابعين لرسول الله ﷺ ، فإنه بعد ذلك سوف يوضح لك هذا الشخص وجهة نظره ورؤيته للأمر، أو ينفي علاقته بتلك المخالفة، أو حتى يقلع عن المخالفة فوراً بلا حوار، فلعل الرجل لديه شبهة أو قرأ فكرة منحرفة خدشت سلوكه ومبادئه، أو طرأ عليه طارئ لا تعلمه فوق استطاعته كان سبباً فيما سمعتَ أو نُقل إليك من خلاف عنه, وفي قصة حاطب ﵁ عندما كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخطة الرسول ﷺ : (وهذا فعل خطير) ، وأراد عمر ﵁ قتله لأنه رأى أن هذا العمل نفاق، ولكن الرسول ﷺ قال لحاطب: «ما هذا يا حاطب؟) ، قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرءاً من قريش ولم أكن من أنفَسِهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي. وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني, فقال النبي ﷺ : (إنه قد صدقكم) ، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه. فقال ﷺ : إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل

стр. 13

الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١) . إذاً لا بد من معرفة رأي المخالف ومعرفة تصوره حتى يكون حوارنا على أسس سليمة ومتينة.

стр. 14

ثانيًا - المرحلة البعدية للخطأ وهذه المرحلة تأتي بعد مشوار طويل من التحقق والرجوع والتأصيل والنظر، فإذا ثبت أن الأمر المنقول كان خطأ فإنه يجب تصحيحه بالطرق الشرعية، وتنحصر هذه المرحلة في ضرورة الوصول للمخالف وتصحيح الأمر إلى الصواب سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، ولنعلم أن صاحب هذا الخطأ يعد مخالفاً وإن كان الخلاف يسيرا، فإننا نتكلم عن مبادئ وبالتالي دخلنا في دائرة الخلاف سواء كان الخلاف سائغاً أو غير سائغ , وينتقل الأمر إلى مواجه تتطلب آداباً سيأتي ذكرها لاحقاً بمشيئة الله تعالى. وقبل الشروع في الحديث عن الخلاف أود الإشارة إلى أنني تركت التقسيمات والتنويعات سواء للأخطاء أو للخلاف فإن الأخطاء فيها ما هو كبير جداً يدخل في المعتقدات، ومنها ما يدخل في العبادة والسلوك وما إلى ذلك. وكذلك الخلاف منه ما هو سائغ كالخلاف بين المذاهب السنية في مسألة فرعية في الفقه مثلاً، ومن الخلاف ما هو غير سائغ بل محرم كخلاف الكفار والمبتدعة ونحو ذلك (١) .

стр. 15

وذلك حتى لا أطيل المقام وحتى لا أكرر كثيرا مما كتب، وإنما يستطيع القارئ - إن شاء الله تعالى - أن يعرف النوع والدرجة عند حديثي عن الأسباب والآداب للخلاف، فليس من المعقول أن يفهم القارئ عند حديثي عن أسباب الخلاف أن الحسد من أسباب الخلاف المحمود أو المساغ لا, بل أحسبه يفهم أن هذا من أسباب الخلاف المحرم ونحو هذا. والله أعلم.

стр. 16

أسباب الخلاف أولا - وجود الخطأ أصلا إن وجود الخطأ كما ذكرنا آنفا سبب قوي في نشوء الخلاف، يكبر الخلاف معه ويصغر، وهو يشكل علاقةً مطردةً، لذلك أهل السنة والجماعة على خلاف مع الفِرَق المبتدعة سواءً الأشاعرة أو المعتزلة أو القدرية أو الجبرية أو الرافضة أو الخوارج أو الصوفية، وذلك بسبب أخطاء تلك الفرق المبتدعة، والخلاف معهم ليس بدرجة الخلاف الذي يكون مع الزنادقة والكفرة والملاحدة، كما أن الخلاف هنا مع ضخامته ضد أهل الضلال والزيغ، فإنك تجده محجماً بين المذاهب السنية الأربعة المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة، وذلك لأن الأخطاء الواقعة كانت في مسائل فقهية فرعية، فهم لم يختلفوا بحمد الله في مسائل عقدية كالمبتدعة، وبالتالي كان الخلاف بينهم صغيراً وبسيطاً، يتحقق فيهم قوله ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (١) . ولكن يظل خلافاً يجب رده للكتاب والسنة.

стр. 17

ثانياً - البغي والعدوان البغي بغير علم وبغير هدي, فإنك تجد بعض الناس يحب أن يبغي على الآخرين, لأن من طبيعته العدوان, فهو كبعض الحيات التي تحتوي على السم, فإذا لم تلدغ في السنة مرة ماتت. فتجد بعض الناس كهذه الفصيلة مع الآخرين. فهو كما يقول زهير بن أبي سلمى: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يُهدَّم ومن لا يظلم الناس يُظلمِ وهذا البيت أوله صواب, ولكن آخره خطأ؛ لأنه يدعو إلى الظلم والعدوان. والذي يخالف دائماً بهوى, وبدون حق يبغضه الخالق. والذي يحب أن يخالف بحق فله مكانته ورأيه. قال : ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ آل عمران (١٩) . وقال سبحانه: ﴿جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ البقرة (٨٩) فاليهود يشهدون أن محمدا ﵊ رسول من عند الله، فلما جاءهم بالعلم كفروا بغياً وعدواناً.

стр. 18

ثالثًا - الحسد قال : ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة (١٠٩) والحسد يسري في أهل المهن المتشابهة ,والمتقاربين في السن، والزملاء والأقران، إلا من رحم الله، فتجد الشيخ يخالف الشيخ، والطالب يخالف الطالب، والمهندس يخالف المهندس، والطبيب يخالف الطبيب، والشاعر يخالف الشاعر. . وكثير من الأشياء لها أضداد تخالفها حتى الحديد وهو أقوى الأشياء. قيل لأحد الحكماء: ما أقوى شيء خلقه الله؟ قال: أقوى شيء خلقه الله هو الجبال. قالوا: وما أقوى من الجبال؟ قال: الحديد. قالوا: وما أقوى من الحديد؟ قال: الريح. ولذلك يقول : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ الأحقاف (٢٥) وأثبت ذلك العلم الحديث. قالوا: فما أقوى من الريح؟ قال: الصمت. فالصمت أقوى من الريح, ولذلك يقول (البردوني) يُحيي الرسول ﵊ ويحيي دعوته: بُشرى من الغيب ألقت في فم الغارِ ... وحيًا وأفضتْ إلى الدنيا بأسرارِ بشرى النبوة طافت كالشذا سحرًا ... وأعلنت في الدنا ميلادَ أنوارِ

стр. 19

وشقَّت الصمتَ والأنسامُ تحملها ... تحت السكينة من دارٍ إلى دارِ فالمقصود: أن الحسد يحمل بعض الناس إلى أن يخالف غيره, ولو كان الحق مع المخالف. وهذا مذهب بني إسرائيل, والعياذ بالله , فهم يحسدون الناس كما قال : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ النساء (٥٤) . وبنو الإسلام يقع فيهم الحسد كما يقع في غيرهم , ولو كانوا مؤمنين. وكثيرًا ما يقع الحسد بين الأقران: إن العرانيين تلقاها محسدةً ... ولا ترى لِلِئام الناس حُسَّادا وكتب ابن الوزير العالم اليمني لعمه رسالةً يشكو فيها من حسد الأقران، فرد عليه عمُّه وقال: وشكوت من ظلم الوشاة ولن تجد ... ذا سؤددٍ إلا أصيب بحسَّدِ لا زلت يا ابن الكرام محسَّدًا ... والتافه المسكين غير محسَّدِ وقيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ قال: ويلك!! أنسيت قصة أبناء يعقوب لما حسدوا يوسف ﵇؟ قال: فماذا أفعل؟ قال: إذا حسدت فلا تبغ.

стр. 20

رابعًا - الكبر وهذا أوضحه، وقد عرفه النبي ﷺ بقوله: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» (١) بطر الحق أي ردّه، وغمط الناس: أي احتقارهم. فتجد بعض الناس , لا ينظر إلى الآخرين لأجل هذا الكبر. تقول له: السلام عليكم ورحمة الله. . . فلا يرد لأنه من فصيلةٍ أخرى , فدمه دم آخر. فإذا نصحته غضب عليك , وأخذته العزة بالإثم؛ لأنه يرى أن مثله لا ينصح. فهذا هو رد الحق وبطره. وما حمل أبا جهل على رد دعوة الرسول ﷺ إلا الكبر، وكذلك الوليد بن المغيرة , وكذلك الطغاة من قبلهما كفرعون وقارون وهامان. لقد كان أبو جهل يعلم أن محمدًا ﷺ صادق ورسولٌ من عند الله , لكنه كان يقول: إذا قال بنو هاشم: عندنا النبوة فماذا نقول؟ فانظر إلى الكبر والعياذ بالله. قال : ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ الأنعام (٣٣) . وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ الأعراف (١٤٦) .

стр. 21

فالمتكبر يرد الحق ويخالفه لأنه يرى أنه ليس بإمكانه أن يتنازل لك ليسمع منك الحوار، ويسمع منك المناظرة لحاجة في نفسه. في حين أنه ينبغي للإنسان أن يقرر في نفسه للناس مبدأ التواضع للآخرين , وقبول الحق منهم, ولو كانوا أقل منه علمًا أو تقوى.

стр. 22

خامسًا - التعصب للأشخاص والمناهج فبعض الناس إذا أحب شخصًا تولع به , فلا يكاد يبصر إلا رأيه أو اجتهاداته , ولو كانت خاطئة. وهذا المنهج غير صحيح؛ لأن المعصوم هو محمد ﷺ ، وكل أحد منا يرد من قوله ويؤخذ إلا محمدًا ﷺ . والكتب كلها يقع فيها اختلاف إلا القرآن الكريم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ النساء (٨٢) . وبعض الناس يرى أن منهجه ووسيلته وطريقته هي الصائبة فقط, ولا أصوب منها، أما غيرها فخطأ، وأنه يجب على الناس أن يمضوا على منهجه , وأن يسلموا لطريقته , وأن يسلِّموا لما يقول. وهذا ليس بصحيح. ولذلك يقول أهل هذا المبدأ كما وصفهم الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ النساء (٥١) . وكما قال - تعالى - عن الكافرين المتعصبين لآبائهم بالباطل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ البقرة (١٧٠) .

стр. 23

فأبو جهل مثلا يقول: كيف يكون الحق مع بلال ومع صهيب ومع ابن مسعود وهم ضعفاء الناس في نظره، وما علم الجاهل أنهم من سادات الأمة ﵃ وعن الصحابة أجمعين. قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: يا علي، أتظن أن الحق معك والباطل مع طلحة والزبير وعائشة؟ يعني في معركة الجمل. قال: ويلك!! اعرف الحق تعرف أهله , ولا تعرف الحق بالرجال. فالتعصب للأشخاص والمناهج مصيبة , وقد أضرت بالأمة الإسلامية وأخرت ركبها وأشغلتها بالخلافات والردود، حتى أحاط بنا الأعداء من كل جانب ,يستثنى من ذلك إذا كان هذا التعصب لأمر كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، فهو حق لا بد من التمسك به.

стр. 24

سادساً - ضيق الأفق فبعض الناس ضيق الأفق , لا يتسع صدره للمحاورة ولا للنقاش, فهو يغلق عليك الطريق منذ أول وهلة مقرراً رأيه ومسفها لما سواه. يقول الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ التوبة (٦) ، أي: اتركه حتى يسمع النور , واتركه حتى يسمع الوحي , واجعل له فرصة حتى يظهر لك ما في صدره. ولا يفوتنا هنا: قصة «عتبة بن ربيعة وهو من رؤساء الشرك في قريش, عندما ذهب إلى النبي ﷺ ليحاوره , فتركه ﷺ حتى انتهى وفرغ من قوله وهو يعلم أنه باطل وإفك وزور. ثم قال ﷺ : أفرغت يا أبا الوليد» . وكأنه ﷺ مستعد لسماع محاضرة ودرس أطول من هذا المشرك. لأنه ﷺ يريد هداية الناس، فلا بد أن يسمع منهم ليعرف عللهم فيعالجهم بموجبها. فما بالك إذا كان المحاور لك أخا من إخوانك المؤمنين؟ أفلا يكون أحق بالسماع من ذلك المشرك؟ يقول الشافعي: قولنا صواب يحتمل الخطأ, وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب.

стр. 25

ويقول: والله ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يصيب وخفت عليه أن يخطئ, أو كما قال. وكان إذا ناظر أحداً يدعو ويقول: اللهم سدده , اللهم ثبته. ولذلك رفع الله الشافعي وأمثاله.

стр. 26

سابعاً - فساد التصور وضعفه فإن بعض الناس عنده فساد في تصور الأمور وإدراكها, فمثلاً: هو يجعل الصغائر من المعاصي كبائر. فإسبال الثياب مثلاً يعدها بعض العلماء كبائر لقوله ﷺ : «ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار» (١) , لكنها ليست من الموبقات السبع التي عدها ﷺ , ثم إن صاحبها لا يكفر بها , فتجد بعض الناس يكبر هذه المسألة , ويضخمها لفساد تصوره , وينسى غيرها مما هو أهم منها , كمسائل العقيدة وأمور التوحيد , وإن كان الإسبال محرماً شرعاً. أو أنه يحمل الآيات والنصوص على غير محملها كما فعل الخوارج , فهم يحملون آيات الكفار على المؤمنين فيستحلون دماء المسلمين عياذاً بالله. وأما أهل السنة فإنهم يحملون آيات الكفار على الكفار وآيات المؤمنين على المؤمنين، وينزلون الأمور منزلها الشرعي من غير إفراط ولا تفريط ومن غير غلو ولا جفاء.

стр. 27

ثامناً - إلزام ما لا يلزم فتجد بعض المخالفين يقول: قال العالم الفلاني كذا وكذا , ومعنى كلامه كذا وكذا , إذا فهو كذا وكذا. فمثلاً: وجد من الناس من يستمع الغناء في هذا الزمن. فيقول بعضهم: من سمع الغناء ورضي به فهو فاسد. ومن كان فاسداً , ورضي بالفساد في بيته فهو ديوث. . . ومن كان ديوثاً فهو لا يدخل الجنة , لأن الرسول ﷺ يقول: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه , والمرأة المترجلة , والديوث» (١) . فانظر كيف بنى, وقرر, وألزم, وأدخل الناس النار, لأنه بنى على قواعد واحتمالات لم يتبينها من المحكوم عليه، مع العلم بأن الغناء محرم شرعاً. تقول: له رحمة الله واسعة , والله غفور لذنوب العباد. فيقول في نفسه: المرجئة يقولون: إن الله غفور بالعباد , والمرجئة يسهِّلون المعاصي , إذا فهذا مرجئ , فهو إذا مبتدع أو زنديق.

стр. 28

وكذلك في مسألة التكفير تجد الغلاة المكفرة كفروا بعض المسلمين واتجهوا بعد ذلك إلي من لم يكفرهم من المسلمين فكفروهم ويحتجون بالقاعدة الشرعية: "من لم يكفر الكافر فهو كافر". والقاعدة صحيحة لكن الفهم الخارج عن فهم السلف كان سبباً في وقوعهم في تكفير أهل الإسلام نسأل الله السلامة.

стр. 29

تاسعاً - غلبة العاطفة على العقل خاصة في سن الشباب الذي ما بين العشرين إلى الثلاثين. فتجد الشباب يندفع بعاطفته الجياشة وكلامه الناري , مستخدماً العبارات الثقيلة التي تجنح به عن قبول الحق , لأنه لم يتدبر فيه بعقله بل بعاطفته. ونحن نريد عاطفة الشباب, وعقول الشيوخ , لأن عاطفة الشيوخ بعقول الشباب تموت , فلا ترى فيها من يأمر , أو ينهى أو يدعو إلا من رحم الله. فمثلاً: يخطئ بعض الناس في محاضرة ما في الحكم على حديث , فيقول أحد الشباب: لماذا يقول بأن هذا الحديث صحيح , وهو ضعيف , فهذا يدل على عدم معرفته بسنة الرسول ﷺ , وهجره للسنة , وعدم اهتمامه بالأثر الشريف. وهذا حماس وعاطفة لا داعي لها. بل الواجب: أن يبين بأنه قد أخطأ في الحديث , عارضاً وجهة نظره بحب وود وهدوء. بل يقع أكبر من ذلك في مسائل عقدية بسبب الحماس المندفع وغير المؤهل شرعاً، والعقل يأتي تبعاً للشرع لأن الإسلام - ولله الحمد - جاء لأهل العقول، فإن المجنون مرفوع عنه القلم والتكاليف، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ العنكبوت (٤٣) .

стр. 30

عاشراً - حب الخلاف لذاته يقول أحد الشعراء: مشغوفة بخلافي لو أقول لها ... يوم الغدير لقالت ليلة الغارِ وهكذا فإن بعض الناس لا يرتاح إلا أن يخالف من أمامه. فهو يجلس معك, فإذا استمع رأيك خالفك. مثلا تقول: هذا الأمر يجوز. فيقول: لا يجوز اعتباطاً. تقول: نذهب. يقول: نجلس! تقول: اليوم حار. يقول: اليوم بارد! وهذا كله فقط لمخالفتك ولذلك جعلوا من آداب الصحبة: ألا تخالف صاحبك إلا في معصية لقوله ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (١) . يقول ابن المبارك ﵀: وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ... ذا عفافٍ وحياءٍ وكرمْ قوله للشيء لا إن قلتَ لا ... وإذا قلت نعم قال نعمْ والمقصود طبعاً في غير معصية الله تعالى. ويقول في مقطوعة أخرى: وإذا صاحبت قوماً أهل ودٍّ ... فكن لهم كذي الرحم الشفيقِ ولا تأخذ بزلة كل قومٍ ... فتبقى في الزمان بلا رفيقِ

стр. 31

الحادي عشر - عدم التثبت في الأقوال والأفعال يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات (٦) . فكثير من الناس يبني أحكامه على غير معرفة للرأي الآخر, فإذا سمع مثلاً أن داعية من الدعاة قال كذا وكذا. قام على المنبر بخطبة رنانة ليرد عليه. فيظهر له بعد الخطبة أنه ما قال ذلك. فيسقط في يده , ويضع نفسه في موقف محرج لا داعي له؛ لأنه اعتمد في رواياته على الأخبار الكاذبة! وأهل السنة من منهجهم أنهم إذا بلغهم الخبر , تثبتوا من صاحبه , وشافهوه وراسلوه ليعرفوا مقصوده حتى يردوا ويحاورا على بينة. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ الإسراء (٣٦) . فوصيتي لإخواني: أنهم إذا سمعوا خبرًا من رجل أو من داعية , أو من طالب علم , أو مفكر, أو من مسؤول أن يتثبتوا ويتأكدوا، حتى لا يكونوا عرضة للتهم ولا للمجازفة ولا للعجلة والطيش.

стр. 32

الثاني عشر - اختلال التوازن المعرفي والعلمي وهذا الذي أقصده في الخلاف المذهبي المعتبر, فإن اختلال التوازن بين الأطراف في التحصيل المعرفي أو العلمي أو القدرة على الاستنباط قد يكون سبباً في نشوء خلاف سائغ، ولكن الواجب هو اتباع الحق عند أي طرف , فإن بعض العلماء قد لا يصله الدليل، أو يفهم من النص خلاف ما يفهم غيره من العلماء، أو يرى أن النص منسوخ أو لا يحتج به لأنه لم يثبت لديه، في حين أنه ثابت لدى غيره من العلماء، والحل هو كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ النساء (٥٩) . والرد إلى الله تعالى هو الرد لكتابه المطهر. والرد إلى رسول الله ﷺ هو الرد إلى سنته المطهرة، وبهذا يتحقق التوازن ويزول الخلاف بمشيئة الله تعالى.

стр. 33

الثالث عشر - اتباع الهوى وهذه المسألة طامة كبرى وورطة عظيمة، وذلك لأن صاحب الهوى صعب الاقتناع، شديد الدفاع، وقليل من أتباع الهوى من يعودون إلى الجادة إلا من رحم ربك. واتباع الهوى على صنفين: أما الصنف الأول: فهم الكفرة المردة الجحدة الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ البقرة (٨٩) . وقال عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ الأنعام (٣٣) . والآيات والأحاديث في هذا السياق والدلالة كثيرة جدًّا، والمقصود هو إيصال المراد وتوضيح المسألة. أما الصنف الثاني: فهم المبتدعة المنحرفة عن طريق السلف وفهمهم في تطبيق السنة , فهؤلاء ابتدعوا في دين الله - تعالى - ما لم يأذن به الله ولم يأمر به رسول الله ﷺ ، فأنشئوا طقوساً ومراسيم واحتفالات وهيئات ما أنزل الله بها من سلطان، بحجة التقدير والتوقير، وربما الحب الظاهر دون اتباع ولا دليل ولا برهان، وإذا أتيت تحاور الشخص منهم كأنك اعتديت على أمر مسلّم بصحته وسنيته ودليله.

стр. 34

فتدخل معه في نقاش طويل والصواب أن يختصر معه الطريق ويقال له: يا هذا يقول تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ البقرة (١١١) ، ويقول ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) ، أي مردود على صاحبه غير مقبول، وذلك لأن الشريعة كملت وما مات ﷺ إلا وقد بلغ الرسالة كاملة. يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة (٣) .

стр. 35

والسؤال: أين الدليل من الكتاب والسنة على حجية عملك أو قولك هذا؟ والجواب لا دليل فقط اتباع الهوى. فيكون هذا الصنف , والصنف الأول سببين في نشوء الخلاف، وإن كان الصنف الأول (وهم أتباع الهوى الكفرة) خلافهم مع المسلمين خلاف جذري، أما الخلاف الناشئ مع صنف المبتدعة فهو خلاف بحسب بدعته؛ فإن البدع كما ذكر أهل العلم بدع مكفِّرة وبدع مفسقة. فإن الذي يطوف بالقبور ويسأل الأموات من دون الله تعالى، ويذبح لغير الله - تعالى - معتقداً نفعاً منهم أو ضرًّا، وبُيِّن له الحق فأصر وألح واتبع هواه، فهذا بدعته مكفرة، يقع معه ومع أضرابه خلاف كبير؛ لأن الخلاف على أصل من أصول العقيدة وهو العبادة التي هي حق الله تعالى الخالص. فمعنى لا إله إلا الله أي إفراد الله بالعبادة، فلا معبود بحق سواه ، ومعنى محمد رسول الله ﷺ أي إفراد محمد ﷺ بالاتباع لا الهوى ولا أي شخص سواه ﷺ .

стр. 36

والخلاف مع أهل البدع - كما هو معروف بالتجربة والبرهان - خلاف صعب للغاية؛ لأن المبتدع يرى أنه على حق، فإذا ما تم الحوار معه تلعثم وانسحب دون رجوع عن قوله وفعله إلا من رحم الله، ولكن للإنصاف نجد بعض الجهلة يقلدون المبتدعة في أمور ربما يكون بعضها شركية فإذا ما نصح وبين له الخطأ وأن هذا العمل مخالف لسنة المعصوم ﷺ ، فإنهم في الغالب يعودون إلى الحق، ولكن مقصودي الخلاف مع أشياخهم وضلالهم فإنهم سائرون على خطى الشيطان في بدعتهم، إلا من تداركه الله برحمة منه وفضل. نسأل الله الهداية واتباع الحق والبعد عن الضلال والهوى.

стр. 37

الرابع عشر - عدم الانسجام الروحي والتناكر وهذا سبب فطري ولا يلام عليه المسلم إذا كان أصل الحب في الله تعالى موجوداً, ولا يؤدي ذلك إلى ظلم أو تعدٍّ أو بغض أو أي شكل من أشكال الحرام. قالت عائشة ﵂: سمعت النبي ﷺ يقول: «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (١) وأنا أكتفي بنقل كلام الخطابي في شرح هذا الحديث: " كما في شرح البخاري للكرماني ". يقول الخطابي: " فيه وجهان أحدهما أن تكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر، وأن الخيِّر من الناس يحن إلى شكله والشرير يميل إلى نظيره , فالأرواح إنما تتعارف بسبب طباعها التي جبلت عليها من الخير والشر. فإذا اتفقت الأشكال تعارفت وتآلفت، وإذا اختلفت تناكرت وتنافرت , والأخرى أنه روي أن الله - تعالى - خلق الأرواح قبل الأجساد فكانت تلتقي، فلما ألبست بالأجساد تعارفت بالذكر الأول، فصار كل منها إنما يعرف وينكر على ما سبق له من العهد المتقدم ".

стр. 38

آداب الخلاف أولاً - الإخلاص والمتابعة يجب وجوباً على المسلم في جميع أمره أن يتحقق فيه شرطان: الإخلاص لله تعالى ثم متابعة محمد ﷺ ، ومن ذلك موضوعنا ومحور حديثنا (الخلاف) ، فإنهما (الإخلاص والمتابعة) من آدابه، بل هما الأساسان اللذان يجب أن ينطلق منهما الحوار في مواجهة الخلاف وعرضه وتحليله، وبالتالي إزالته بإذن الله تعالى. فيجب أن يكون القصد من الحوار هو وجه الله ﵎، لا من أجل أن تتناقل الألسنة أن فلاناً محاور جيد أفحم المخالفين بالحجة والبرهان وجعلهم في ورطة، وأحرج موقفهم وكشف عوارهم.

стр. 39

لا، بل يكون القصد هو رضى الرحمن وحده، سواء رضي الناس أم غضبوا، وكذلك يكون الحوار على سنة محمد ﷺ وبأسلوبه الكريم، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الأحزاب (٢١) ، فإن كنت قائداً فهو أسوتك، وإن كنت جندياً فهو أسوتك، وإن كنت معلماً فهو مدرستك، وإن كنت طالباً فهو معلمك، وإن كنت زوجاً فهو مثالك في الحياة الزوجية والأسرية، وإن كنت مقاتلاً فهو معك يعلمك، وإن كنت داعية بالحسنى فهو أستاذك, فالمقصود أنه ﷺ قدوة الأمة الصالحة لكل زمان ومكان، فلا تستطيع أن تعمل عملاً أو تسلك طريقاً خيّراً إلا تجده أمامك ليرشدك الطريق، فكان لزاماً علينا معشر المسلمين وقد حققنا الشرط الأول وأخلصنا العمل لله تعالى دون شريك أن نحقق الشرط الثاني؛ وهو تحقيق المتابعة الخالصة له ﷺ ، حتى تكون جميع أمورنا في هذه الحياة قائمة على بناء سليم قويم، ومن ذلك فنون الحوار في التعامل مع الخلاف وأهله بأدب وروية حتى يسير على أسس الحوار العلمي الصحيح بإذن الله ﵎.

стр. 40

ثانياً - أن تتمنى للمخالف العودة إلى الطريق الصحيح وهذا العنصر مهم جداً، وهو أمنيتك أن يعود المخالف للجادة، حتى وإن كان هذا المخالف يقع في جانب الخلاف المذموم المحرم, ومن ذلك خلاف الكافرين أو خلاف المبتدعة بجميع طوائفهم, بل يجب عليك - أيها المحاور - بحق أن تُعمل جهدك في تحقيق هذا الهدف وهو العودة الحقة للطريق المستقيم لقوله ﷺ لعلي ﵁: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» (١) . وقد عاتب الله تعالى رسوله الكريم ﷺ لشدة ما وجد من حزن وأسى على المخالفين ليكونوا مسلمين، وحتى يفوزوا برضى الرحمن وينجوا من عذابه يقول لنبيه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ الكهف (٦) ، والذي أريد أن أقوله إن من آداب الخلاف أن يكون فيه شفقةٌ على المخالف أن يظل على خطئه.
следующие страницы →