ونوقش بأن اعتباره بمثابة النقود يبطل بما إذا لم يكن للساحب رصيد. وأجيب بان الضمانات التي أحيط بها تجعله محل ثقة كالنقود تماماً ومنها أن من كتب شيكا بلا رصيد يعاقب في جميع القوانين عقوبة شديدة وأنه غير مؤجل (أما لو أجل فلا يعتبر بمنزلة القبض) ثم إن ذلك حاصل في النقود فقد تكون مزيفة ولم يمنع ذلك من الثقة بها.
وأما قول النبي ﷺ : (يدا بيد) فيراد به التعيين الذي تثبت به الحقوق كما يدل على ذلك حديث ابن عمر –﵄: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم فقال – ﷺ : لا بأس أن تأخذ بسعر يومها مالم تفترقا وبينكما شيء. رواه البيهقي. وبناءً عليه فالتعيين يكون قبضاً، فيكون القبض إما يدويا أو حسابياً.
وقد أصدر المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة قرارا جاء فيه: بعد الدراسة والبحث قرر المجلس بالإجماع مايلي:
أولا: يقوم استلام الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف.
ثانياً: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فيه.
وقد أفتت اللجنة الدائمة بأنه يعتبر تسليم الشيك قبضاً كما في الحوالة. وسئلت اللجنة عن تسديد قيمة الذهب والفضة عن طريق الخصم من الحساب وإيداعه في حساب البائع بواسطة ما يسمى ببطاقة الائتمان فأجابت بما يلي: ما دام الحال أن جهاز نقاط البيع الذي بموجبه يخصم المبلغ حالاً من حساب المشتري المودع في المصرف المسحوب منه، ويحول حالاً إلى حساب البائع، وليس هناك عمولات لقاء هذا التحويل، فإن البيع بهذه الصفة له حكم التقابض في المجلس، فيجوز بيع الذهب بالعملة الورقية وتسديد الثمن بواسطة نقطة البيع المذكورة لتوفر الحلول والتقابض في مجلس العقد.
стр. 37
وأفتت لجنة الإفتاء في وزارة الأوقاف الكويتية بما يلي: القيد في الحسابات الجارية على ما هو معمولٌ به بصوره لا يمكن الرجوع فيها إلا بإرادة صاحب الحساب يعتبر من قبيل القبض، وهو قبضٌ حكماً بناءً على العرف الجاري في المعاملات المصرفية، لأن القبض ورد الشرع بالأمر به ولم يحدد كيفية معينة له.
وقال الشيخ ستر الجعيد: والشيكات السياحية يمكن أن تعتبر بمثابة النقود لا سيما وهي محاطة بضوابط بواسطتها يمكن حفظ الحق وعدم ضياعه، وهي في نفسها تقوم بوظائف النقود، فلا مانع من إلحاقها بها يعضد ذلك ما رجحنا من أن الشيك عامةً أصبح كالنقد، وإن إلحاقه به متوجه والشيكات أكثر إيغالاً في معنى النقدية من الشيكات عامة، وبالتالي فينطبق عليها ما سبق من وصف الورق النقدي في القول المختار.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين.
المراجع:
١- أبحاث في الاقتصاد المعاصر د/محمد عبد اللطيف الفرفور ص١٤١.
٢- بحوثٌ في الاقتصاد الإسلامي، للشيخ/ عبد الله بن منيع.
٣- أحكام الأوراق التجارية والنقدية د/ ستر الجعيد.
٤- استبدال النقود والعملات د/علي السالوس.
٥- مجلة المجمع عدد (٦) ج١ ص٤٥١-٧٧٢.
٦- قرارات المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ص٩٩.
٧- أحكام صرف النقود والعملات د/ عباس الباز.
٨- مجموعة الفتاوى الشرعية الصادرة عن قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية. طبع وزارة الأوقاف الكويتية.
٩- فتاوى اللجنة الدائمة جمع الشيخ/ أحمد الدرويش.
١٠- القبض، تعريفه، أقسامه، صوره، أحكامه. د/ سعود الثبيتي.
١١- نوازل فقهية معاصرة / لخالد سيف الله الرحماني.
١٢- الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية د/ عمر المترك.
١٣- تحديد قبض الشيك بحث للشيخ عبد الله بن منيع (مجلة البحوث الإسلامية العدد ٢٦) .
стр. 38
إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة
تصوير المسألة: العقد يتم بحضور المتعاقدين ورضاهما إذا حصل الإيجاب والقبول، ولكن جد في الأزمان المتأخرة استحداث بعض الأجهزة والتي يمكن بواسطتها إجراء العقد عن بُعد إما بواسطة الصوت عبر الهاتف وقد تنقل الصورة أيضاً، أو عن طريق إرسال صورة العقد مباشرةً عن طريق الفاكس، أو الكتابة عن طريق الانترنت والتي تظهر مباشرة في جهاز الشخص الآخر ونحو ذلك. فمع افتقاد حضور المتعاقدين بأبدانهما في مجلسٍ واحد هل يتم العقد؟ وهل يعتبر اتصالهما ووجودهما حال إجراء العقد وأثناء التخاطب والمكاتبة بقرب الأجهزة كافياً؟.
التكييف الفقهي للعقد المنقول عن طريق الكتابة:
ينقل على مسألة المكاتبة للغائب عن مجلس العقد وهي جائزة عند الجمهور (١) . لحصول التراضي، والتراخي لا يضر بشرط القبول عند بلوغ الكتاب وهذا قول أكثر العلماء.
وفي وجه عند الشافعية لا يجوز.
التكييف الفقهي للمنقول عن طريق النطق:
يكيف على مسألة العقد بالمناداة وقد قال النووي في المجموع: ولو تناديا وهما متباعدان صح البيع بلا خلاف (٢) .
بعض شروط العقد ذات الصلة بالموضوع:
يشترط العلماء اتحاد المجلس (فيما عدا الهبة، والإيصاء، والوكالة) . وتشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف. ولا تشترط فورية القبول عند الجمهور عدا الشافعية، دفعاً للضرر وليتمكن من التأمل. وإذا كان الإيجاب عن طريق الكتاب والمراسلة فيشترط حصول القبول في مجلس وصول الكتاب.
стр. 39
ويشترط تطابق الإيجاب والقبول، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد. ويصح عند الجمهور عدا المالكية رجوع الموجب، وعند الحنفية إذا اشتغل بأمرٍ آخر يوجب اختلاف المجلس ثم قبل لا ينعقد.
حكم المسألة:
قال كثيرٌ من العلماء المعاصرين (١) : يتم العقد بواسطة هذه الأجهزة بشرط الوضوح والتثبت، ومستندهم في ذلك ما يلي:
١- ما ذكره كثيرٌ من العلماء قديماً من أن العقد يتم عن طريق المراسلة، وأن الإيجاب إذا حصل بعد وصول الكتاب فإنه صحيح، وكذا عن طريق المناداة.
٢- أن المراد باتحاد المجلس: اتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد، لا كون المتعاقدين في مجلسٍ واحد، ولذلك قالوا: إن المجلس يجمع المتفرقات.
وعلى هذا يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية مثلاً هو زمن الاتصال مادام الكلام في شأن العقد، وفي المراسلة والمكاتبة وصول الرسالة أو الخطاب، فإن تأخر القبول إلى مجلسٍ ثانٍ لم ينعقد العقد.
وقد سئل الشيخ: محمد بخيت المطيعي ﵀ عن الاتصال بالبرق وأحكام التعاقد به (وهو التلغراف) فأجاب بأنه كالمكاتبة تماماً لكنه أسرع، لكن لا يمتنع الخطأ ولهذا وجب التثبت بوسائل التثبت الموجودة حالياً كالهاتف وما شابه ذلك، ومثل البرق التلكس لأنه برقٌ خاصٌ بصاحبه من كلا الطرفين، وأما الفاكس فهو أسرع من التلكس ويأخذ حكمها أيضاً.
وبالنسبة للآلات والأجهزة الأخرى فهي إما أن تكون مساويةً للهاتف والبرق بالسرعة في الاتصال وقوته ووضوحه أو أشد فإن كانت مثلها فتأخذ حكمها وإن كانت أشد فمن باب أولى.
стр. 40
وقد قرر مجمع الفقه في دورة مؤتمره السادس بجدة بجواز التعاقد بهذه الوسائل ويعتبر تعاقداً بين حاضرين بشروط، ويستثنى من ذلك الصرف لاشتراط التقابض، والسلم لاشتراط قبض رأس المال (١) .
الشروط:
١- وجود التثبت من كلٍ من المتعاقدين من شخصية صاحبه كي لا يدخل الوهم واللبس والتزييف من أحد الطرفين أو من طرفٍ ثالث.
٢- صحة ما تنسبه هذه الآلات الحديثة إلى كلٍ من المتعاقدين من أقوالٍ وتصرفات.
٣- عدم رجوع الموجب عن إيجابه قبل وصول القبول من الطرف الآخر في بعض الآلات التي يوجد فيها فترة زمنية للوصول.
٤- ألا يؤدي التعاقد عن طريق هذه الآلات إلى تأخير قبض أحد العوضين في الصرف لاشتراط التقابض فيه، وألا يؤدي إلى تأخير قبض راس المال في السلم لاشتراط تعجيل رأس المال فيه.
٥- لا يصح عقد النكاح بها لاشتراط الشهود فيه.
المراجع:
١- مجلة المجمع عدد (٦) ج١ ص٤٥١-٧٧٢. وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ص٩٩.
٢- أبحاث في الاقتصاد المعاصر د/محمد عبد اللطيف الفرفور ص١٤١.
٣- الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي ٤/١٠٨.
٤- حكم إجراء العقود بوسائط الاتصال الحديثة لوهبة الزحيلي.
٥- المدخل الفقهي العام، لمصطفى الزرقاء.
٦- خيار المجلس والعيب في الفقه الإسلامي د/ عبد الله الطيار.
стр. 41
حكم بيع أعضاء الإنسان
التمهيد: بيع الأعضاء إذا قيل بجواز نقلها مبني على مسألة بدن الإنسان هل هو ملكٌ له ويندرج تحت هذا نقاط:
١- بدن الإنسان هل هو مملوك له، أو هو وصيٌ وأمينٌ عليه، وهل هو حقٌ لله أو حقٌ للعبد، أو حقٌ مشترك.
٢- إذا قيل باجتماع الحقين فإن تغليب أي منهما يختلف باختلاف الأحوال والتصرفات.
٣- ومعلومٌ أن ما اجتمع فيه الحقان فإن إسقاط العبد لحقه مشروطٌ بعدم إسقاط حق الله تعالى، فإن حق الله تعالى هو الغاية من خلق الآدميين، فليس للإنسان حق التصرف في بدنه بما يضر في الغاية من خلقه.
آراء العلماء في حكم بيع الأعضاء:
القول الأول الجواز (١) :
والأدلة على الجواز هي:
١-قياسا على لبن الآدميات. فقد قال الشافعية والحنابلة يجوز بيع لبن المرأة في قدح (٢) .
وأجيب بأنه قياس مع الفارق لأن اللبن من مفرزات الجسم وهو يتجدد وبقاؤه في ثدي المرأة مؤذٍ لها بخلاف الأعضاء التي هي مقومات الجسد البشري.
٢- قياسا على أخذ الدية الواجبة في الأعضاء عند إتلافها.
والجواب أن كمال العقول والأجسام من حق الله تعالى في العباد لا من حقوق العباد بدليل أنه لم يجعل إلى اختيارهم فلا يصح للعبد إسقاطه. وأما أخذ المال مقابل فوت جزءٍ منها فلأنه حصل من غير كسبه ولا تسببه فهنالك يتمحض حق العبد إذ ماوقع لا يمكن رفعه فله الخيرة حينئذٍ لأنه صار حقاً مستوفى في الغير كدينٍ من الديون (٣) .
٣- قياساً على بيع الرقيق فإذا جاز بيع الكل جاز بيع البعض.
стр. 42
والجواب: أن وجود الرق حالة استثنائية تقتضيها المصلحة التي يقدرها ولي الأمر، ثم إن الإسلام حض على إعتاق الرقيق وجعله كفارةً لكثيرٍ من الأخطاء كالحنث في اليمين وغيره. وبيع الرقيق لا يعني أنه لا يتمتع بحق الحياة أو إباحة الاعتداء عليه فقد جعل الإسلام كفارة من لطم وجهه على عبده عتقه (١) . وفي الحديث: من كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم (٢) .
٢- القول الثاني: لا يجوز بيع الأعضاء وهو ما أفتى به المجمع الفقهي:
الأدلة على التحريم:
أ- أن أعضاء الإنسان ليست ملكاً له، ولم يؤذن له ببيعها شرعاً فيكون بيعها داخلاً في بيع الإنسان مالا يملك.
ب- أن بيع الإنسان لأعضائه فيه امتهانٌ له، والله مكرم له فخالف مقصود الشرع من هذا الوجه. ولذلك نجد الفقهاء يعلل أكثرهم حرمة البيع بتكريم الله للإنسان قال الشيخ علاء الدين الحصكفي ﵀ عند بيانه لما لا يجوز بيعه: وشعر الإنسان لكرامة الآدمي ولو كان كافراً (٣) .وفي حاشية ابن عابدين ٥/٢١٥: وإن قال له: اقطع يدي وكلها لا يحل لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار ولكرامته. وفي الفتاوى الخانية ٣/٤٠٤: مضطر لايجد الميتة وخاف الهلاك فقال له رجل: اقطع يدي وكلها لا يسعه الأمر. وفي الفتاوى الهندية ٥/٣٥٤: الانتفاع بأجزاء الآدمي لم يجز قيل للنجاسة، وقيل لكرامته وهو الصحيح. وفي الفتاوى البزازية ٦/٣٦٥: يكره معالجة الجراحة بعظم الإنسان ...لأنها محرمة الانتفاع. وفيها أيضاً ص٣٦٦: خاف الهلاك جوعاً فقال له آخر: اقطع يدي وكلها ليس له ذلك لأن لحم الإنسان لا يباح حال الاضطرار لكرامته.
стр. 43
وقال القرافي في الفروق ١/١٤١: وحرم القتل والجرح صوناً لمهجة الإنسان وأعضائه ومنافعها عليه ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يعتبر رضاه ولم ينفذ إسقاطه. وقال الشاطبي في الموافقات ٢/٣٧٦: إن إحياء النفوس وكمال العقول والأجسام من حق الله تعالى في العباد لا من حقوق العباد..فإذا أكمل الله تعالى على عبدٍ حياته وجسمه وعقله الذي به يحصل ما طلب به من القيام بما كلف به فلا يصح للعبد إسقاطه.
وفي روضة الطالبين ٣/٢٨٥: ولا يجوز أن يقطع لنفسه من معصوم غيره ولا للغير أن يقطع من نفسه للمضطر. وفي مغني المحتاج ٤/٤٠٠: ويحرم جزماً على شخصٍ قطعه بعض نفسه لغيره من المضطرين.
وفي كشاف القناع ٦/١٩٨: وإن لم يجد المضطر إلا آدمياً محقون الدم لم يبح قتله ولا إتلاف عضوٍ منه. وفي مجلة المجمع عدد٤ ج١ ص١: قال الدكتور البار: أجمع الفقهاء على عدم جواز بيع الأعضاء من الحر.
هل يجوز بيع أعضاء من لا يتمتع بحياة محترمة كالمحكوم عليه بالموت والمرتد والزاني المحصن والمحارب.
١- القول الأول: يجوز، وقال به الدكتور: محمد سعيد البوطي.
٢- القول الثاني: لا يجوز، وبه صدر قرار المجمع الفقهي.
أدلة القائلين بالجواز:
أ- بناءً على قاعدة يتحمل أخف الضررين لدرء أشدهما، لأن حياة المعصوم محترمة فتصان بإزالة حياةٍ غير محترمة.
ب- عملاً بقول الشافعية والحنابلة بجواز أكل المضطر المحصن من جسد غير المحصن إذا كان في ذلك إنقاذ حياة هذا المعصوم المحصن.
ج- أن حياة المعصوم إحدى الضرورات الخمس فتصان، والمحافظة على عضو من لا يتمتع بحياة محترمة من الحاجيات التي أهدرتها الضرورة.
стр. 44
وبناءً على القول بالجواز فمن يملك القرار بأخذ العضو هل هو الرجل نفسه أم الورثة أم الوالي؟ أما الرجل صاحب العضو فلا يملك حق التصرف بحياته وأعضائه، وأما الورثة فليس لهم الحق في ذلك في حياته وبعد موته وينحصر حقهم في تركته. وأما الوالي فقيل: له الحق في ذلك، لأنه المخول بالأمر بتنفيذ الحكم بالوجه الشرعي الذي ينفذ به، ولأن له الولاية العظمى على مصالح المسلمين، ولكن هذا مردودٌ بأنه ليس من حقه أن يبيع ما لا يملك.
أدلة القائلين بالتحريم:
١- لأن ذلك ليس من حق الشخص، لأنه بيعٌ لما لا يملك، فإن جسد الإنسان ملكٌ لله. ولا من حق ورثته كما سبق، ولا من حق الحاكم لأنه يبيع ما لايملك وليس ثمة ما يخوله ذلك شرعاً.
٢- أنه مخالفٌ لتكريم الله تعالى لجنس الآدمي.
وقد أصدر المجمع الفقهي قراراً ومما جاء فيه:
سابعاً: وينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها مشروطٌ بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو، إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحالٍ ما. أما بذل المال من المستفيد ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأةً وتكريماً فمحل اجتهادٍ ونظر.
المراجع:
١- البيوع الشائعة وأثر ضوابط المبيع على شرعيتها د/ محمد توفيق البوطي.
- أحكام الجراحة الطبية د/ محمد المختار.
٣- أبحاث هيئة كبار العلماء ج١.
٤- مجلة المجمع عدد (٤) ج١.
٥- انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسانٍ آخر د/ محمد البار.
стр. 45
بيع الاسم التجاري (الحقوق المعنوية)
١- الحقوق المعنوية والاسم التجاري:
الحقوق المعنوية أعم من الاسم التجاري: وهي التي ترد على شيء غير مادي. ويطلق عليها بعضهم: الملكية الأدبية، والفنية، والصناعية. واعترض على هذه التسمية بأن الملكية لا يصح إطلاقها على حق المؤلف والمخترع، لأن المادة تؤتي ثمارها بالاستحواذ في حين أن الفكر يؤتي ثماره بالنشر، ولأن الحق المعنوي مؤقت.
حقوق الابتكار: اختار هذا الاسم الأستاذ مصطفى الزرقاء ﵀ : وعرفها الدريني بأنها: الصور الفكرية التي تفتقت عن الملكة الراسخة في نفس العالم أو الأديب أو نحوه مما قد يكون أبدعه هو ولم يسبقه إليه أحد.
- حقوق الملكية التجارية: ومن أبرزها حق الاسم التجاري:
في السنة التاسعة للثورة الفرنسية أصدرت محكمة استئناف باريس حكماً بأن بيع المتجر يشمل: الملكية المادية لمعدات المحل والملكية المعنوية وهي الشهرة وثقة الجمهور، ثم توالت القوانين المؤيدة كمراعاة الضريبة لسمعة المحل ودرجة إقبال الزبائن عليه، ثم انتقلت هذه القوانين للدول العربية. وتسمى بحقوق الملكية التجارية: وهي الحقوق المعنوية التي يتكون منها المتجر.
الاسم التجاري: يطلق على التسمية التي يستخدمها التاجر كعلامة مميزة لمشروعه التجاري عن نظائره ليعرف المتعاملون معه نوعاً خاصا من السلع وحسن المعاملة والخدمة.
مضامين الاسم التجاري:
أ-الشعار التجاري للسلعة أو العلامة التجارية (الماركة) : وهي كل إشارة توسم بها البضائع والسلع والمنتجات أو تعلم بها تمييزاً لها عما يماثلها من سلع تاجر آخر أو منتجات أصحاب الصناعات الأخرى. ويراد بها جذب المستهلكين لاعتيادهم عليها ومعرفتهم بخصائصها.
ب- العنوان التجاري: ويتمثل في الاسم المعلن على لافتته.
ج- الوصف الذي يتمتع به المحل التجاري: من حيث مكانه وموقعه.
٢- الأمور الملحقة بالاسم التجاري وبيان المراد منها:
стр. 46
مما يلحق بالاسم التجاري: ١- حقوق الملكية الأدبية والفنية (ومن أبرزها حق المؤلف) . ٢- والملكية الصناعية أو (براءة الاختراع) .
التأليف: من ألف ويدل على انضمام الشيء إلى الشيء. وقال أبو البقاء: التأليف جمع الأشياء المتناسبة. ويندرج تحت اسم التأليف: اختراع معدوم وجمع متفرق وتكميل ناقص وتفصيل مجمل وتهذيب مطول وترتيب مخلط وتعيين مبهم وتبيين خطأ.
حق المخترع (براءة الاختراع) : ويشمل براءات الاختراع- الرسوم والنماذج الصناعية- العلامات والبيانات التجارية.
فإذا كان حق التأليف يتعلق بالأعمال الأدبية والفنية فإن حق الاختراع يتعلق بالأعمال الصناعية كبراءة اختراع المذياع، أو براءة اختراع دواء لمرض معين.
ويرجع تنظيم هذا الحق إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي حيث صدر أول قانون فيه في فرنسا سنة ١٧٩١م ثم عدل ونسخ وحل محله قانون ١٩٦٨م وقد عقدت اتفاقيات لحماية هذا الحق كان أولها اتفاقية باريس سنة ١٨٨٣م.
معنى براءة الاختراع:
البراءة لغة: من برأ قال ابن فارس: الباء والراء والهمزة أصلان إليهما ترجع فروع الباب أحدهما: الخلق يقال برأ الله الخلق يبرؤهم برءاً، والأصل الثاني: التباعد من الشيء ومزايلته ومن ذلك البرء وهو: السلامة من السقم. ووجه تسمية الشهادة بالبراءة أن العالم هو الذي أوجد الاختراع ولم تبق فكرته حبيسة النفس، وإنما انفصلت وأذيعت للناس وطرحت عليهم وأعلنت وأصبحت ملكاً عاماً. قال الدكتور الواعي: والأصل في منح هذا السند أن المخترع يذيع اختراعه ويعلنه ويطرحه في مجال الثروة العامة.
معنى الاختراع:
الاختراع لغةً من خرع الشيء خرعاً واختراعاً بمعنى شقه وأبدعه وأنشأه فالاختراع إبداع شيءٍ لم يكن له وجود وهو يتضمن عنصرين الأول: عمل ذهني يتعلق بالصناعة، والثاني: وجود شيءٍ جديد.
تعريف براءة الاختراع باعتبارها مصطلحاً:
стр. 47
وثيقة تمنح من طرف دائرةٍ رسمية أو من مكتبٍ عاملٍ باسم مجموعة من الأقطار بناء على طلب بذلك، ويترتب على هذه الشهادة الرسمية حق من منحت له في استخدام الاختراع المعين فيها وأعماله والتنازل عنه بالبيع واستيراده.
وهذه البراءة تمنح المخترع عدة حقوق:
الأول: حق استغلال المخترع لاختراعه واستغلال الورثة له بعد وفاته بمدة معينة تقدرها قوانين البراءة بحيث يسقط بعدها ويصبح من جملة الثروة العامة. والثاني: حق المخترع في أن ينسب الاختراع إليه من البراءة التي تصدر باسم صاحب العمل.
٣- المراد بالحقوق في الفقه الإسلامي، وأقسامها:
الحق لغة يطلق على عدة أمور وهو على الجملة: الأمر الموجود الثابت.
واصطلاحا: عرف بعدة تعريفات: فعرف بأنه مصلحةٌ شرعية تخول صاحبها الاختصاص أو ترتب التكليف. وعرفه الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀ بأنه: اختصاص يقرر به الشارع سلطةً أو تكليفاً.
وعلى كل حال يطلق الحق على كل مايثبت للشخص من ميزات أو مكنات سواء كان مالا أو غيره أي أنه يطلق على الشيء المملوك وعلى الملك نفسه. فالحق والحقيقة بمعنى واحد لغةً وهو في عرف الشرع عبارة عما يختص به الإنسان انتفاعا وارتفاقا كطريق الدار ومسيل الماء والشرب والطريق فهو ينتفع بكل ذلك. ويستعمل في مقابل الأعيان والمنافع المملوكة ويقصدون بها المصالح الشرعية التي لا وجود لها إلا باعتبار الشارع لها كحق النفقة والسكنى والحضانة والخيار والولاية. وذكر بعض العلماء تعاريف أخرى والحاصل أنه لا يختلف استعماله عند الفقهاء عن الاستعمال اللغوي فهم يستعملونه دائما فيما يثبت لإنسان بمقتضى الشرع من أجل صالحه ويعمل كل شيء سواء كان عينا أو دينا أو شيئا آخر كالحقوق المجردة، فالحق يطلق على الأعيان المملوكة وعلى المنافع والمصالح بوجه عام.
أقسام الحقوق في الفقه الإسلامي:
تنقسم الحقوق إلى ثلاثة قسام: حقوق الله، وحقوق العباد، وحقوق مشتركة.
стр. 48
أ- فحقوق الله يقصد بها تعظيم الله تعالى، وتتميز بأنه لا يجوز إسقاطها بعفو أو صلح أو تنازل ولا تغييرها، ولا تورث، ويجوز التداخل فيها كمن زنى مرارا واستيفاؤها يكون من قبل الحاكم.
ب- وحقوق العباد بضدها ويقصد بها مصلحة الشخص كحفظ ماله، واستيفاؤها منوطٌ بصاحب الحق.
ج- والحقوق المشتركة وهي التي يجتمع فيها حق الله وحق العباد كالقذف وعدة المطلقة والحكم في هذا القسم أن يلحق بما غلب عليه، فالقصاص مثلاً يغلب فيه جانب العبد فيجوز العفو فيه والصلح عليه.
وحقوق العباد تنقسم باعتبار المحل إلى أقسام:
أولاً: من حيث المالية تنقسم إلى:
١- حقوق مالية وهي التي تتعلق بالأموال ومنافعها.
وقد قسمها ابن رجب إلى خمسة أقسام:
١- حق الملك. ٢- حق التملك كحق الشفيع في الشفعة، وحق الأب في مال ولده. ٣-وحق الانتفاع كوضع الجار خشبة على جدار جاره إذا لم يكن ضرر على الجار.
٤- وحق الاختصاص وهو ما يختص مستحقه بالانتفاع به ولا يملك أحد مزاحمته وهو غير قابل للشمول والمعاوضات، ومنه مرافق الأملاك كالطرق والأفنية ومسيل المياه والأسواق والجلوس في المساجد فالجالس أحق بمجلسه إلى أن يقوم. ٥- وحق التعلق لاستيفاء الحق، مثل تعلق حق المرتهن بالرهن. وقال القرافي: تمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل فيباشر بنفسه ويمكن غيره من الإنتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية.
٢- الحقوق غير المالية: أي التي ليس محلها المال كحق القصاص وحق الحضانة وحق الولاية على النفس وحق المرأة في الطلاق إذا حصل موجبه.
ثانياً: من حيث تعلقها بالشخص تنقسم إلى:
١- الحق الشخصي: وهو مايقره الشرع لشخصٍ على آخر ومحله إما أن يكون قياماً بعمل كالنفقة، أو امتناعاً عن عمل كحق المودع على الوديع في عدم استعمال الوديعة.
٢- الحق العيني: ويعرف بأنه ما كان له وجود في الخارج أي أنه يمكن إحرازها.
стр. 49
أو هو: ما يقره الشرع لشخص على شيء معين قائم بذاته كحق تصرف المالك في ملكه وحق الارتفاق المقرر على عقار لصالح عقارٍ آخر كحق المرور والمسيل ووضع الخشب.
والحق المعنوي قسيم للحق العيني والحق الشخصي لأن الحق العيني عبارة عن سلطة معينة تعطى لشخصٍ معين على شيء معين وهذا الشيء المعين لابد أن يكون ماديا ولما ظهرت الحقوق المعنوية اعتبرت نوعاً مستقلا من أنواع الحقوق المالية لما تتصف به من خصائص تميزها عن الحقوق العينية والشخصية نتجت من كون محلها غير مادي.
٤- التكييف الشرعي للاسم التجاري وبقية الحقوق المعنوية:
التكييف الشرعي مبني على اعتبار الحقوق المعنوية أموالا أم لا فإذا كانت أموالاً جاز بيعها.
٥-المراد بالمال عند الفقهاء:
سنبحث أولاً في المنافع واعتبارها مالاً لأنها قريبة الشبه من الحقوق المعنوية التي هي محل البحث.
стр. 50
تطلق المنافع في مقابلة الأعيان كسكنى الدار وركوب الدابة، ويطلقها بعض الفقهاء على ثمرات الأعيان سواء كانت أعراضا أم أعيانا متولدة منها كالثمر والزرع وأجرة الأرض. ويرى الجمهور أن المنافع تعتبر أموالا يجوز المعاوضة عنها وتحاز بحيازة أصلها. والحنفية لم يعدوها مالا، وسبب الخلاف: الاختلاف في تعريف المال فقد قيده الحنفية بقيد الادخار لوقت الحاجة. وهذا الاختلاف في المنافع التي هي الأعراض المقابلة للأعيان أما ثمرة الأعيان المتولدة منها فلا خلاف فيها. والراجح الأول لأن المال لا يشترط فيه أن يحرز ويحاز بنفسه وعملا بالعرف. قال الدسوقي: ومرد مالية المنافع إلى العرف. وقال: المنافع متمولة يعاوض عليها. وقال ابن رشد: والقياس أن تجري المنافع والأعيان مجرى واحد. وقال صاحب مطالب أولي النهى: والمنافع كالأعيان لأنها يصح الاعتياض عنها وتضمن باليد والإتلاف. وقال السيوطي: المنافع تملك كالأعيان. والحقوق المعنوية تشبه المنافع من حيث أن كلا منهما شيء غير مادي وأن له قيمة مالية يتمول بها، وأنه يمكن حيازته بحيازة أصله.
ومما سبق يتضح لنا أن الحنفية لا يعدون الحقوق من الأموال لعدم إمكان حيازتها والجمهور يعدونها مالا. وهذا إن أريد بها منفعة كحق المستأجر في العين المؤجرة، وإلا فلا، كحق الحضانة.
٦- أقوال علماء العصر في بيع الحقوق المعنوية:
١- حق المؤلف:
١- قال الدكتور/ أحمد الحجي الكردي بعدم اعتبار حق التأليف وبالتالي عدم حل المقابل المالي لهذا الحق لما يلي:
١- لأن اعتباره حقاً يؤدي إلى حبس المؤلف لمصنفه العلمي عن الطبع والتداول إلا في مقابل مال يحصل عليه. وكتمان العلم منهي عنه، كما في حديث: من سئل عن علمٍ ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجامٍ من نار (١) . وعلق العجلوني على هذا الحديث بما نقله عن المقاصد فقال: ويشمل الوعيد حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع.
стр. 51
وأجيب بأن ذلك غير مسلم بدليل الواقع إذ لم يمنع ذلك من طباعة الكتب ونشرها.
٢- أن العلم يعد قربةً وطاعة والقربة لا يجوز الحصول على أجرٍ ماليٍ في أدائها كما كان حال السلف الصالح.
وأجيب بأن المتأخرين من الفقهاء أفتوا بجواز أخذ الجرة على فعل الطاعات كالإمامة والأذان وتعليم القرآن.
٣- أن حق المؤلف حق مجرد كحق الشفعة فلا يجوز الاعتياض عنه.
وأجيب بأنه قياسٌ مع الفارق لأن حق الشفعة من الحقوق التي أثبتها الشارع لأجل دفع الضرر عن الشفيع فلا يجوز الاعتياض عنها، وأما حق المؤلف فليس لدفع ضررٍ عن المؤلف بل مقابل جهدٍ فكريٍ وبدني.
القول الثاني: يجوز وقال به كثير من المعاصرين ومنهم الشيخ/ مصطفى الزرقاء، والدريني والزحيلي وغيرهم واستدلوا بما يلي:
١- أن المنفعة (١) تعد مالاً عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة بدليل أن الأصل في المهر أن يكون مالاً ومع ذلك يجوز أن يكون المهر منفعةً كما يدل على ذلك قصة شعيب وموسى ﵉ . وإذا كانت المنافع وهي من الأمور المعنوية مالاً فالإنتاج الذهني أيضاً يمثل منفعةً من منافع الإنسان.
٢- أن العرف جرى على اعتبار حق المؤلف في تأليفه وإبداعه فأقر التعويض عنه والجائزة عليه وهذا العرف لا يصادم نصاً والعرف له دخل كبير في مالية الأشياء قال السيوطي: لا يقع اسم المال إلا على ماله قيمة يباع بها وتلزم متلفه وإن قلت وما لايطرحه الناس.
٣- أنه لا يجوز نسبة القول إلى غير قائله لينال خيره ويتحمل وزره، وقد روى الغزالي أن الإمام أحمد سئل عمن سقطت منه ورقة كتب فيها أحاديث أو نحوها أيجوز لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها؟ قال: لا بل يستأذن.
٤- أن المؤلف مسئول عما يكتب بدليل قوله تعالى (ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد) فيكون له بالمقابل الحق فيما أبدعه من خيرٍ عملاً بقاعد (الغنم بالغرم) وقاعدة (الخراج بالضمان) .
стр. 52
٥- الإبداع الذهني أصل للوسائل المادية من سيارة وطيارة ونحوها فلا بد من اعتبار الأصل له صفة المالية.
٦- التخريج على قاعدة المصلحة المرسلة لما في ذلك من مصلحة للمجتمع وللمؤلف والناشر، ومنعه قد يؤدي إلى الانقطاع عن التأليف للتكاليف المالية والذهنية وانعدام الحافز.
٢- الحكم الشرعي لبراءة الاختراع:
-يمكن تخريجه على قاعدة المصالح المرسلة التي سبق ذكرها ووجه المصلحة في حماية هذا الحق تشجيع الاختراع والإبداع.
٣-الحكم الشرعي للاسم التجاري:
يمكن تخريجه أيضاً على قاعدة المصلحة المرسلة. وقد اتفق العلماء المعاصرون على اعتبار الاسم التجاري حقاً مالياً وذا قيمة مالية ودلالة تجارية معينة يحقق رواج الشيء الذي يحمل ذلك الاسم، وهو مملوك لصاحبه والملك يفيد الاختصاص أو الاستبداد أو التمكن من الانتفاع والتصرف فيه بالبيع والإجارة أو غير ذلك ويمنع الغير من الاعتداء عليه إلا بإذن صاحبه، والعرف الذي يستند إليه هذا الحق عام ولا يتصادم مع نص شرعي خاص أو قاعدة كلية عامة في الشريعة الإسلامية.
رأي مجمع الفقه الإسلامي في حقوق الإبتكار:
لقد طرح مجمع الفقه الإسلامي موضوع الحقوق المعنوية أو حقوق الابتكار في دورته الخامسة المنعقدة في الكويت وبعد المداولة اتخذ القرار التالي:
أولاً: الاسم التجاري والعنوان التجاري والعلامة التجارية وحق التأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس بها وهذه الحقوق يعتد بها شرعا فلا يجوز الاعتداء عليها. ثانياً: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية ونقل أي منها بعوض مالي إذا انتفى الغرر والتدليس والغش باعتبار أن ذلك أصبح حقا ماليا.
стр. 53
وأفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية بما يلي: لا مانع من تسجيل الأشرطة النافعة وبيعها، وتصوير الكتب وبيعها، لما في ذلك من الإعانة على نشر العلم إلا إذا كان أصحابها يمنعون من ذلك فلا بد من إذنهم. وأفتت أيضاً بأنه لا يجوز نسخ البرامج التي يمنع أصحابها نسخها إلا بإذنهم.
وفي فتاوى لجنة الأوقاف الكويتية جواباً عن سؤالٍ عن استنساخ الكتب والبرامج الأصلية لبيعها: ذلك ممنوعٌ شرعاً في حالة منع المؤلف أو المنتج الأصلي أو وجود قانونٍ أو عرف يمنع من ذلك، لما فيه من الإضرار بالمؤلف أو ورثته أو المنتج الأصلي.
المراجع:
١- مجلة المجمع عدد (٤) ج٢ ص٢٣٣٣- والعدد (٥) ج٣ ص٢٢٦٥.
٢- دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة د/ محمد الأمين مصطفى الشنقيطي. ٣- زكاة الحقوق المعنوية، أ. د. عبد الحميد محمود البعلي.
٤- المدخل الفقهي العام، للشيخ/ مصطفى الزرقا ص٢٦٧-٢٧٠.
٥- المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، د/محمد عثمان شبير.
٦-البيوع الشائعة وأثر ضبط البيوع على شرعيتها د محمد توفيق رمضان البوطي
٧- مجلة الشريعة والقانون –الإمارات- ٢/١٥. (١)
стр. 54
النوازل في الجنايات
стр. 55
حوادث السيارات
١- الضرر وضمانه في الشريعة الإسلامية:
مما يدل على سعي الشريعة لإزالة الضرر وتضمين المضر ما يلي:
١- ما حكاه الله في كتابه الكريم في قصة داود وسليمان ﵉ مع صاحب الغنم الذي أفسدت غنمه الكرم فقد اجتمع رأيهما ﵉ على تضمين الذي أضر بالكرم وإن اختلفا في طريقة التضمين.
٢- حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا ضرر ولا ضرار (١) .
٣- حديث حرام بن سعد بن محيصّة أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (٢) .
٤- ومما يدل على وجوب التعويض أحكام الديات المبسوطة في الكتاب والسنة.
٢- قواعد فقهية تتعلق بالضرر والضمان:
١- الأصل أن المشي في طريق المسلمين مباح بشرط السلامة فيما يمكن التحرز منه.
٢- لا ضرر ولا ضرار - الضرر يزال – لا يزال الضرر بالضرر. ٣- كل جانٍ جنايته عليه إلا ما قام الدليل على خلافه. ٤- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
٥- الاضطرار لا يبطل حق الغير.
٣- ضمان المباشر والمتسبب.
١- المباشر ضامن وإن لم يكن متعدياً. كالنائم إذا انقلب على آخر فقتله فمع أن نومه ليس محظوراً لكن لأنه باشر القتل فيضمن دية المقتول، فمن أحدث ضرراً في نفس معصومٍ أو بدنه أو ماله فهو ضامن ولو لم يكن متعدياً.
والمباشر هو: من يحصل التلف بفعله من غير أن يتخلل بين فعله والتلف فعل مختار.
٢- المتسبب ضامن إن كان متعدياً:
والمتسبب: هو من يصدر عنه من الأفعال ما كان طريقاً لتلف مالٍ أو نفس أو عضو وليست علةً للتلف.
стр. 56
والمراد بالتعدي الفعل المحظور ومثاله من حفر بئراً فسقط فيها رجل فالحافر متسبب لسقوطه فيضمن إن كان متعدياً في الحفر وإن لم يكن متعدياً فلا ضمان عليه.
٣- إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر:
قال ابن نجيم: فلا ضمان على حافر البئر تعدياً بما أتلف بإلقاء غيره. أي: أن الضامن هو: الملقي لأنه المباشر للقتل ولا ضمان على حافر البئر.
إلا إذا كان المسبب متعدياً والمباشر غير متعدٍ ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء من أن مَن نخس دابةً فقتلت رجلاً فإن الضمان على الناخس دون الراكب إلا إن كانت المباشرة هي السبب الوحيد في التلف. وأحياناً يكون الضمان على كليهما كالممسك مع القاتل.
فتحصل لنا مما سبق ما يلي:
١- إذا جتمع المباشر والمسبب، وليس أحدٌ منهما متعدياً (بالوصف المذكور) فالضمان على المباشر.
٢- إذا اجتمع المباشر والمسبب، والمباشر متعد والمسبب غير متعدٍ، فالضمان على المباشر
٣- إذا اجتمع المباشر والمسبب، وكل واحدٍ منهما متعد فالضمان على المباشر أيضاً.
٤- إذا اجتمع المباشر والمسبب، والمسبب متعدٍ، والمباشر غير متعدٍ، فالضمان على المسبب.
٣- مسئولية السائق:
١- الأصل أن سائق السيارة مسئول عن كل ما يحدث بسيارته خلال تسييره إياها فإذا كان السائق متعدياً في سيره بزيادة سرعة أو مخالفةٍ لقواعد المرور فيكون ضامناً لأن الضرر نشأ بتعديه. وذلك لأن السيارة آلة في يده وهو يقدر على ضبطها، قياساً على الدابة التي ذكر الفقهاء أن راكبها يضمن، لكن هناك فرقاً بين الدابة والسيارة من حيث أن الدابة متحركة بنفسها فلا يتأتى هنا ما ذكره الفقهاء من فعل الدابة.
٢- أما إذا لم يكن متعدياً فهل يضمن؟ خلاف والراجح أنه يضمن الضرر الذي باشره ولا يشترط لتضمينه أن يكون متعدياً ولكن لا بد من التأكد من أنه مباشر بدون مزاحم على وجه معقول، وبناءً على ذلك فلا يضمن في الصور التالية:
стр. 57
أ- إذا دفع شخصٌ آخر أمام سيارة السائق فجأةً فدهسته السيارة فالضمان على الدافع فقد ذكر الفقهاء أن من نخس دابةً فقتلت رجلاً فالضمان على الناخس دون الراكب لأن تأثير الدافع ههنا أقوى، ولأن الدافع متعدٍ والسائق غير متعدٍ. وإذا قفز شخصٌ أمام السيارة فقيل: الضمان على السائق، وقيل: عليهما، وقيل: هدر.
ب- إذا صُدم من الخلف فصَدم سيارةً أمامه فالضامن هو من صدمه لما سبق، قال ابن قدامة: فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر، فأدركه الثاني فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على اللاحق لأنه الصادم والآخر مصدوم فهو بمنزلة الواقف. وذكر في السفينة نحوه. وقال أيضاً: وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفاً فعلى السائر قيمة دابة الواقف نص أحمد على هذا لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه وإن مات هو أو دابته فهو هدر لأنه أتلف نفسه ودابته، وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافه فهما كالسائرين لأن التلف حصل من فعلهما، وإن كان الواقف متعدياً بوقوفه مثل أن يقف في طريقٍ ضيق فالضمان عليه دون السائر لأن التلف حصل بتعديه فكان الضمان عليه كما لو وضع حجراً في الطريق أو جلس في طريقٍ ضيقٍ به إنسان.
وقال البغدادي في مجمع الضمانات: فإن عثر بما أحدثه في الطريق رجلٌ فوقع على آخر فمات كان الضمان على الذي أحدثه في الطريق، وصار كأنه دفع الذي عثر به لأنه مدفوعٌ في هذه الحالة والمدفوع كالآلة أ. هـ.
فمن صدم سيارة من الخلف فهو ضامنٌ للنفوس والمال إلا إذا حصل من المصدوم فعلٌ كان سبباً في الحادث كأن يوقفها بشكلٍ مفاجيء أو يرجع للخلف.
٣- إذا انحرفت الواقفة فالضمان عليهما قياساً على ما ذكره ابن قدامة ﵀ في الدابة.
٤- إذا كانت سيارته واقفةً في طريقٍ ضيقٍ غير مملوك لصاحبها فالضمان على صاحب الواقفة لتعديه، ويحتمل أن يكون الضمان عليهما.
стр. 58
٥- إذا سقط شخصٌ أو متاعٌ بسبب إيقاف السيارة بقوة فيضمن السائق، واحتمل ألا يضمن فيما لو كان الإيقاف لسببٍ قاهر.
٦- إذا مر إنسانٌ أمام سيارته فاستعمل السائق المنبه فسقط أمام سيارته فوطئته سيارته ضمن، وإن سقط تحت سيارةٍ أخرى ضمنه سائقها لأنه مباشر، ويحتمل أن يكون بينهما لاشتراكهما كالممسك مع القاتل.
٧- إذا كانت السيارة سليمةً قبل السير بها وكان السائق يتعهدها ثم طرأ عليها خللٌ مفاجيء حتى خرجت من قدرته فصدمت إنساناً فلا يضمن.
ويمكن تخريجها على القاعدة الثانية من نص الفقهاء على أن الدابة إذا جمحت وخرجت من قدرة الراكب فلا ضمان عليه لأن السائق ليس مباشراً للإتلاف ولا ينسب إليه. وغاية ما يقال فيه أنه سبب وقد ذكر الكاساني أنه إن كان لابساً سيفاً ونحوه مما يلبس عادةً فسقط على غيره فقتله فلا ضمان عليه، لأن اللبس ضرورة والتحرز من السقوط ليس في الوسع، وكما لو سقطت الدابة ميتةً فتلف بسقوطها شيء لم يضمنه الراكب.
قال ابن مفلح: إن غلبت الدابة راكبها بلا تفريط لم يضمن وذكره المرداوي في الإنصاف. وقال مثله الكاساني واستدل بحديث: العجماء جبار، أي: هدر متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة ﵁ . ولأنه لا صنع له في نفارها وانفلاتها ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها فالمتولد منه لا يكون مضموناً وكالهلاك بآفةٍ سماوية. وفي مذهب الشافعية قولان.
стр. 59
٨- إذا ساق مع التزامه بقواعد المرور فقفز رجلٌ أمامه فجأةً فإن كان الذي قفز بالقرب منها بحيث لا يمكن السائق إيقاف السيارة فلا ضمان عليه لأنه كالمكره فهو وإن كان مباشراً إلا أنه ملجئاً فتأثير المسبب ههنا أقوى ولأن القافز متعدياً والمباشر غير متعدٍ. ولأنه لا يجب الضمان بالشك. وأما تضمين راكب الدابة ما وطئته خلال سيرها فلم يذكر الفقهاء التضمين فيه، ثم إن هناك فرقاً بين الدابة والسيارة لأن الدابة متحركة بنفسها يمكنها التنحي في سيرها وأيضاً فالطريق في ذلك الزمن موضوع للمشاة بخلاف الطرق المعبدة الآن، وأما القياس على النائم فهذا إنما يصح فيما إذا كان المباشر هو السبب الوحيد للهلاك.
٩- يضمن العمد إذا مات شخصٌ بالصدمة إما الدية أو نصفها على الخلاف بين الفقهاء، وكذا ما أتلف من السيارة ومتاعها أو نصفه، وفي الخطأ الدية أو نصفها على العاقلة.
١٠- إذا اشتركا في التسبب فعلى كل واحدٍ منهما بحسب ضرره وإن استويا أو جهلت النسبة فعلى السواء.
فقد قال الحنفية والحنابلة: المتصادمان على دابتين على كل واحدٍ منهما ضمان ما تلف من الآخر. وقال المالكية والشافعية: على كل واحدٍ منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر لأن التلف حصل بفعلهما فكان الضمان منقسماً عليهما كما لو جرح إنسانٌ نفسه وجرحه غيره فمات منهما. وأما السفينة فاتفقوا على أنه لا ضمان إذا لم يقصرّا.
١١- إن اصطدمت سيارتان إحداهما نازلة والأخرى صاعدة فالضمان على صاحب المنحدرة إلا أن يكون مغلوباً على أمره، أو انحرف الصاعد لمسار النازل.
١٢- إذا اشتركا في صدمةٍ لشخصٍ فمات فيطبق عليهما أحكام الاشتراك في القتل، فإذا كانت إحدهما تقتل لو انفردت وجب على صاحبها الضمان وعلى الآخر التعزيز، وإلا فعليهما.
وإليك بعض ما قال الفقهاء القدامى ﵏ :
стр. 60
فقد ذكر السرخسي في المبسوط أنه لو وطئت الدابة إنساناً فقتلته فديته على عاقلة الراكب والكفارة عليه، وأما لو ضربت إنساناً أو نفحته برجلها فمات فلا تلزمه الكفارة لأنه لم يباشر القتل وإنما تسبب فيه ولأنه لا يمكن التحرز منه. وإذا اصطدم الفارسان فوقعا جميعاً فماتا فعلى عاقلة كل واحدٍ منهما دية صاحبه عندنا استحساناً، وفي القياس على عاقلة كل واحدٍ منهما نصف دية صاحبه وهو قول زفر والشافعي، وجه القياس أن كل واحدٍ منهما إنما مات بفعله وفعل صاحبه لأن الاصطدام فعل منهما جميعاً...ولكنا استحسنا لما روي عن علي ﵁ أنه جعل دية كل واحدٍ من المصطدمين على عاقلة صاحبه.
وفي مسألة اصطدام السفينتين ذكر الفقهاء أن على كل واحدٍ منهما ضمان الآخر، لكن قال الشربيني الخطيب ﵀ : (محل هذا التفصيل إذا كان الاصطدام بفعلهما، أو لم يكن وقصّرا في الضبط أو سيّرا في رحٍ شديدة، فإن حصل الاصطدام لغلبة الريح فلا ضمان على الأظهر، بخلاف غلبة الدابة (أي على أحد قولي الشافعية) فإن الضبط ثمّ ممكن باللجام ونحوه...وإن تعمد أحدهما أو فرط دون الآخر، فلكلٍ حكمه)
وقال الحطاب في مواهب الجليل: قال أبو الحسن: مسألة السفينة والفرس على ثلاثة أوجه: إن علم أن ذلك من الريح في السفينة، وفي الفرس من غير راكبه فهذا لا ضمان عليهم، أو يعلم أن ذلك من سبب النواتية في السفينة، ومن سبب الراكب في الفرس فلا إشكال أنهم ضامنون، وإن أشكل الأمر حمل في السفينة على أن ذلك من الريح، وفي الفرس أنه من سبب راكبه.
وفي بداية المجتهد: اختلفوا في الفارسين يصطدمان فيموت كل واحد منهما فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة: على كل منهما دية الآخر، وذلك على العاقلة وقال الشافعي وعثمان البتي: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه.
стр. 61
وفي الشرح الكبير للدردير:وأما المتصادمان ففي العمد القود كما قال وفي الخطأ الضمان ولو سفينتين فيهما ولا شيء في العجز بل هدر ولو غير سفينتين كما أشار له بقوله (إلا العجز الحقيقي) أي: إلا أن يكون تصادمهما لعجزٍ حقيقي لا يستطيع كل منهما أن يصرف نفسه أو دابته عن الآخر فلا ضمان بل هدر ولا يحملان عند الجهل بل على العمد كما تقدم لكن الراجح أن العجز الحقيقي في المتصادمين كالخطأ فيه ضمان الدية في النفس والقيم في الأموال بخلاف السفينتين فهدر وحملا عند الجهل عليه لأن جريهما بالريح.
وقال المرداوي: إن اصطدمت سفينتان فغرقتا، ضمن كل واحدٍ منهما سفينة الآخر وما فيها. هكذا أطلق كثيرٌ من الأصحاب قال المصنف وغيره: محله إذا فرط. قال الحارثي: إن فرط ضمن كل واحدٍ سفينة الآخر وما فيها، وإن لم يفرط فلا ضمان على واحد منهما...وإن كانت إحداهما منحدرةً فعلى صاحبها ضمان المصعدة إلا أن يكون غلبه ريح فلم يقدر على ضبطها ...وقال في المغني: إن فرط المصعد فإن أمكنه العدول بسفينته والمنحدر غير قادرٍ ولا مفرط فالضمان على المصعد لأنه المفرط.
قال الخرقي: وإن تصادم نفسان يمشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر.
وقال ابن قدامة: ولا يجب القصاص سواء كان اصطدامهما عمداً أو خطاً، لأن الصدمة لا تقتل غالباً، فالقتل الحاصل بها مع العمد عمد الخطأ، وكذلك الحكم في اصطدام السفينتين، وكذلك بالنسبة لاصطدام الفارسين
فمما سبق يتضح اتفاق الفقهاء على أن ملاح السفينة لا يضمن ما تلف بسفينته إذا لم يفرط في ضبطها، واختلفوا في الدابة لأنه يمكن ضبطها. وبناءً عليه فنقول: إنه يلزم كلاً من السائقين ضمان ما أتلفه إلا إن كان الحادث حصل بأمرٍ خارجٍ عن إرادتهما ولم يقصرا، وفي حالة وجود المباشر والمتسبب فإن المباشر هو الضامن إلا إذا كان فعل المتسبب أقوى كما لو رمى بنفسه أمام السيارة بالقرب منها وبشكلٍ مفاجيء.
стр. 62
وقد أصدر المجمع الفقهي قراراً جاء فيه:
بالنظر إلى تفاقم حوادث السير وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم واقتضاء المصلحة سن الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات بما يحقق شروط الأمن كسلامة الأجهزة وقواعد نقل الملكية ورخص القيادة والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن والقدرة والرؤية والدراية بقواعد المرور والتقيد بها وتحديد السرعة المعقولة والحمولة، قرر ما يلي:
١- أ- إن الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجبٌ شرعاً، لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناءً على دليل المصالح المرسلة، وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.
ب- مما تقتضيه المصلحة أيضاً سن الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزير المالي لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور لردع من يعرض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذاً بأحكام الحسبة المقررة.
٢- الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسئول عما يحدثه بالغير من أضرار سواء في البدن أم المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر ولا يعفى من هذه المسئولية إلا في الحالات الآتية:
أ- إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمرٍ عارض خارج عن تدخل الإنسان.
ب- إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة.
ج- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسئولية.
٣- ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء.
стр. 63
٤- إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحدٍ منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفسٍ أو مال.
٥- أ- مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعدياً، وأما المتسبب فلا يضمن إلا إذا كان متعدياً أو مفرطاً.
ب- إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسئولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعدياً والمباشر غير متعدٍ.
ج- إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحدٍ منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحدٍ من المتسببين المسئولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحدٍ منهما فالتبعة عليهما على السواء. والله أعلم (١) .
المراجع:
١- مجلة المجمع عدد٨ ج٢ ص١٧١.
٢- مجلة البحوث الإسلامية ص٢٧.
٣- مجلة البحوث الفقهية ١٩/٢٢٣.
٤- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث ٨/٤٣٣.
٥- مجمع الضمانات، للبغدادي.
٦- نظرية الضمان.
стр. 64
النوازل في القضاء
стр. 65
الحكم بالقرائن
التمهيد:
مسألة العمل بالقرائن بحثت قديماً فقد بحثها ابن القيم ﵀ في كتابيه الطرق الحكيمة وأعلام الموقعين وبحثها غيره. والذي استجد فيها هو بعض الصور الحديثة لها والتي قد تكون أقوى حتى من شهادة الشهود كإثبات الجريمة بواسطة البصمات والصوت والصورة، وكلما كانت القرينة أكثر وضوحا وأقل احتمالاً للخطأ كانت أقوى في الإثبات، بل إن الحصول على اعتراف الجاني يصبح ميسورا عند موجهته بها.
حكم العمل بالقرائن واعتبارها:
النظر إلى القرائن لا بد منه عند الحكم وهو من العلم بملابسات الواقعة، قال ابن القيم (١) : ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ماوقع بالقرائن والامارات والعلامات حتى يحيط به علما، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع،وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه او على لسان رسوله في هذا الواقع،ثم يطبق احدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم اجرين أو اجرا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله. وقال: فالحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال، ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام: أضاع حقوقا كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه لا يشكون فيه، اعتماداً منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله. ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا،ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم،ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله.
стр. 66
فهاهنا نوعان من الفقه، لابد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع أحوال حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفا للواقع.
والحكم بالقرينة حكم بالأمارات لا بالفراسة وعمل بغلبة الظن.
والقرائن أنواع فمها الضعيفة والقوية وما نص عليها في القرآن والسنة أو عمل بها الصحابة أو نص عليها الفقهاء وما ليس كذلك فلا يعمل بكل قرينة ولو كانت ضعيفة.
البينة ليست مقصورة على الشاهدين:
والمقصود أن الشارع لم يقف الحكم في حفظ البينة على شهادة ذكرين، لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في الحدود، بل قد حد الخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ في الزنا بالحبل، وفي الخمر بالرائحة والقيء، وكذلك إذا وجد المسروق عند السارق كان أولى بالحد من ظهور الحبل والرائحة في الخمر،وكل ما يمكن أن يقال في ظهور المسوق أمكن أن يقال في الحبل والرائحة، بل أولى فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة، وفي الرائحة لا يعرض مثلها في ظهور العين المسروق،والخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي تجيز غلط الشاهد ووهمه وكذبه أظهر منها بكثير، فلو عطل الحد بها لكان تعطيله بالشبهة التي تمكن في شهادة الشاهدين أولى،فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح العباد، وهو من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته ومطابقته لمصالح العباد، وحكمة الرب وشرعه، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال من بعدهم كالتفاوت بين القائلين.
стр. 67
وبالجملة فالبينة اسمٌ لكل ما يبين الحق ويظهره ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد لم يوف مسماها حقه، ولم تأت البينة قط في القرآن مراداً بها الشاهدان وإنما أتت مراداً بها الحجة والدليل والبرهان مفردةً ومجموعة، وكذلك قول النبي ﷺ : البينة على المدعي (١) . المراد به أن عليه بيان ما يصحح دعواه ليحكم له، والشاهدان من البينة ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها لدلالة الحال على صدق المدعي فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة متقاربة في المعنى. وقد حكم رسول الله ﷺ بالشاهد واليمين قال ابن عباس ﵄ : قضى رسول الله ﷺ بشاهدٍ ويمين (٢) . وقد قبل شهادة المرأة في الرضاع، والأعرابي في رؤية الهلال، وقال الأصحاب: شهادة الواحد تجوز عند الحاجة بلا يمين. ويقبل خبر المرأة فيما لا يطلع عليه الرجال غالباً من الولادة والرضاع والحيض والعدة والعيوب، وتقبل شهادة أهل الخبرة والطب في الموضحة وشبهها.
بعض الأدلة على مشروعية العمل بالقرائن:
١- مما ورد في شرع من قبلنا والذي لم يرد في شرعنا ما يخالفه: توصل شاهد يوسف ﵇ بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل (سليمان ﷺ بقوله (ائتوني بالسكين حتى اشق الولد بينكما) إلى معرفة عين الأم.
٢- ومما ورد من السنة:
ما فعله الزبير بن العوام ﵁ من تعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول الله ﷺ حتى دلهم على كنز حيي لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق فقال ﷺ : المال كثير والعهد أقرب من ذلك.
стр. 68
وكما توصل النعمان بن بشير ﵁ بضرب المتهمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظهر وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم، وأخبر أن هذا حكم رسول الله ﷺ .
ومنها: إلحاق الولد للفراش، واعتبار سكوت البكر دليلاً على رضاها. ولما تداعى ابني عفراء في قتل أبي جهل نظر في سيفيهما ثم قال: كلاكما قتله (١) . والحكم باللوث في القسامة فيحلفون خمسين يميناً ويستحقون دم القتيل وهو حكم بالقرينة. ومنها القيافة، والقضاء بالنكول. ومنها: التقاط ما لا تتبعه همة الناس، والتقاط المار بثمر الغير من الثمر دون أن يحمل لأن ذلك مما جرت العادة بالمسامحة فيه، والحكم في اللقطة والركاز.
٣- عمل الصحابة:
فقد حكم عمر ﵁ بالقرينة فرجم المرأة التي ظهر بها الحبل ولا زوج لها ولا سيد (٢) . وكما توصل أمير المؤمنين علي ﵁ بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب لما أنكرته: لتخرجن الكتاب أو لنجردنك، إلى استخراج الكتاب منها.
ولم تزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب ووجود المال مع المتهم نصٌ صريح.
أمثلة للقرائن:
стр. 69
كما في بيع المعاطاة ودفع ما يصلح للزوجة عند التنازع فهو عملٌ بالقرائن، ولو رأينا رجلاً مكشوف الرأس وليس ذلك من عادته وآخر هاربٌ قدامه بيده عمامة وعلى رأسه عمامة حكمنا له بالعمامة التي بيد الهارب قطعاً. وأكل الضيف مما قدم له ولو لم يأذن صاحب الدار اكتفاءً بقرينة الحال، وقبول قول الصبي في الهدايا. ومن ذلك قول أهل المدينة لا تسمع دعوى الزوجة بعدم الإنفاق فيما مضى من الزمان لتكذيب القرائن الظاهرة لها. وقولهم: لا تقبل دعوى يقضي العرف بتكذيبها كمن يتصرف في داره سنين وإنسانٌ حاضرٌ يراه ثم يدعي أنها له. ومنها الحكم بموت المفقود إذا طالت المدة على خلافٍ بين العلماء في تحديدها.
ومما استجد منها: وجود أثر بَصَمات المتهم، أو تسجيل صوته أو صورته، أو استخدام الكلاب المدربة على معرفة المتهم، ونحو ذلك.
المراجع:
١- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، لابن القيم.
٢- اعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم.
٣- الفتاوى لابن تيمية ٢٨/٤٢٢-٣٥/٣٨٦.
٤- القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص٢٧.
٥- القرائن ودورها في الإثبات، لأنور محمود.
٦- الإثبات بالقرائن في الفقه الإسلامي، لإبراهيم الفائز.
٧- القرائن ودورها في الإثبات، د/ صالح السدلان.
٨- مجلة الدراسات الإسلامية الأردن مج١٨/ أ-ع٣ ص٩٩.
٩- البصمات ومشروعية اعتبارها قرينة لبناء الحكم الشرعي، رسالة ماجستير من المعهد العالي للعلوم الأمنية، لابراهيم الحوطي عام ١٤١٠ هـ.
стр. 70
بعض النوازل الطبية
стр. 71
حكم التداوي ومسئولية الطبيب
قبل الشروع في ذكر بعض النوازل الطبية نذكر بعض الأمور المتعلقة بالعلاج والتطبيب.
١- حكم التداوي: التداوي جائز ومما يدل على جوازه ماروى أبو خزيمة عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاَ؟ قال: هي من قدر الله. رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد. وعن أسامة بن شريك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: تداووا فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحد الهرم. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وأما ما رواه البخاري من حديث ابن عباس في الذي يدخلون الجنة بغير حساب، وفعل بعض الصحابة حيث تركوا العلاج ومنهم أبو بكر وأبو الدرداء ﵃ .
فقيل: الحديث محمولٌ على من اعتقد أن الأدوية تنفع بطبعها أو على الرقى التي لا يعقل معناها لاحتمال أن يكون كفراً، ولكنه مردود بأن هذا لا يختص بالسبعين ألفاً الوارد ذكرهم في الحديث. وقيل: محمولٌ على من فعله في الصحة خشية وقوع الداء واختاره ابن عبد البر. وقيل: محمولٌ على من تركه رضاً بقدر الله واعتماداً عليه لا أنه ليس بجائز وهو اختيار الخطابي وابن الأثير وقال: ولا يرِد على هذا وقوع ذلك من النبي ﷺ فعلاً وأمراً، لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، فمن وثق بالله وأيقن بقضائه فلا يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، فقد ظاهر الرسول بين درعين ولبس على رأسه المغفر وهاجر وقال للرجل: اعقلها وتوكل. وقال: إذا سمعتم بالوباء في أرضٍ فلا تقدموا عليها، وإذا وقع في أرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً منه رواه البخاري.
стр. 72
٢- النظر إلى العورة ولمسها ونظر الرجل للمرأة والعكس ولمس موضع التداوي. نص الفقهاء على أن المعالجة من الرجل للمرأة لا تكون إلا حال الضرورة القصوى وأن لا ينظر منها إلا موضع الحاجة فقط (١) . ومما يدل على الجواز عند الضرورة ماروى عطية القرظي قال: كنت من سبي بني قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قُتل ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
٣- مسئولية الطبيب:
الطبيب مسئولٌ أخلاقياً ودينياً، ومسئولٌ مسئوليةً جنائية أيضاً. فالمسئولية قسمان: المسئولية الأخلاقية (الأدبية) ، والمسئولية المهنية (العملية) .
والدليل على مسئولية الطبيب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: من تطبب ولم يُعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامنٌ. رواه ابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. ومن القياس: يضمن الطبيب الجاهل والمتعدي ما أتلفت يداه كما يضمن الجاني سراية جنايته بجامع كون كلٍ منهما فعل محرماً.
واستبعاد بعضهم قصد الجناية في الطب مكابرة.
أركان المسئولية:
١- السائل وهو من يملك حق مساءلة الطبيب ومساعديه كالقاضي ونحوه.
٢- المسئول وهو من يوجه إليه السؤال ويكلف الجواب عن مضمونه سواء كان فرداً كالطبيب أو جهةً كالمستشفى. ٣- المسئول عنه، وهو: الضرر وسببه الناشئان عن فعل الطبيب ومساعديه، أو عنهما معاً. ٤- صيغة السؤال، وهي: العبارة المتضمنة للسؤال الوارد من السائل إلى المسئول.
وقال بعض الباحثين الأركان هي:
стр. 73
١- الخطأ الطبي. ٢- الضرر. ٣- الرابطة السببية. وهذا محل نظر لأن الخطأ ليس ركناً بل سببٌ موجب للمسئولية ولا تتوقف ماهية المسئولية عليه. والضرر أثرٌ من آثار الخطأ الطبي يقوى به اعتبار السبب الموجب للمسئولية، ولا تتوقف عليه ماهيتها. والرابطة السببية بين الخطأ والضرر شرطٌ في اعتبارهما وليست ركناً من أركان المسئولية.
موجبات المسئولية المهنية أربعة أمور وهي:
١- عدم اتباع الأصول العلمية. ٢- الخطأ.
٣- الجهل. ٤- الاعتداء.
١- عدم اتباع الأصول العلمية. وهي: الأصول الثابتة والقواعد المتعارف عليها نظرياً وعملياً بين الأطباء والتي يجب أن يُلم بها كل طبيب وقت قيامه بالعمل الطبي. والعلوم التي يجب الإلمام بها نوعان: ثابتة ومستجدة. ويشترط في المستجدة أن تكون صادرة من جهةٍ معتبرة كالمدارس الطبية المتخصصة بالأبحاث والدراسات الطبية، وأن يشهد أهل الخبرة بكفاءتها وصلاحيتها للتطبيق. وأما إجراء التسجيل العلمي للطريقة العلاجية قبل استخدامها على الإنسان فلا يشترط إلا إذا اعتذرت الجهات الطبية عن تسجيلها لخللٍ فنيٍ يوجب ردها.
والأحوال التي يخرج فيها الأطباء ومساعدوهم عن الأصول العلمية إما أن تكون في الجانب العلمي النظري أو العملي التطبيقي. أو في كليهما. فقد ذكر ابن قدامة ﵀ أن الحاذق إذا جنت يده في الختان يضمن لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ أشبه إتلاف المال، ولأنه فعل محرماً فيضمن سرايته كالقطع ابتداءً. وهكذا قال الشافعي ﵀ في الأم: إن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الإصلاح وكان عالماً به فهو ضامن. وقال ابن القيم ﵀ في التحفة: إن كان الخاتن عارفاً بالصناعة وختن المولود في الزمن الذي يختن فيه مثله، وأعطى الصناعة حقها لم يضمن سراية الجرح اتفاقاً.
стр. 74
٢- الخطأ. وعرفه بعضهم بأنه ما ليس للإنسان فيه قصد. وهذا النوع لا إثم فيه إلا أنه من موجبات المسئولية. ٣- الجهل سواءٌ كان كلياً أو جزئياً.
٤- الاعتداء. وهو أن يقدم على فعل ما يوجب الضرر بالمريض قصداً. وهذا النوع هو أشدها ويصعب إثباته بغير الإقرار إلا أنه يمكن الاهتداء إليه بالقرائن القوية كوقوع العداوة أو سبق التهديد من الطبيب المتهم للمريض.
وبعد أن تحدثنا عن مسئولية الطبيب نشرع الآن في ذكر بعض النوازل الطبية.
стр. 75
موت الدماغ
أولاً: تعريف الوفاة في اللغة والشرع:
الوفاة في اللغة: تطلق على المنية والموت. ويطلق الموت على ما هو ضد الحياة وعلى السكون (١) .
والوفاة شرعاً: مفارقة الروح البدن (٢) . ومما يدل على ذلك حديث البراء بن عازب ﵁ في شأن روح المؤمن وفيه: فتخرج نفسه تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء. وقال في روح الكافر: فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها الحديث رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة. وفي حديث أم سلمة ﵂ : إن الروح إذا قبض تبعه البصر رواه مسلم.
ثانياً: أمارات الوفاة عند الفقهاء:
يتحرى ويتثبت الفقهاء في الحكم على الشخص بأنه قد توفي فلا يحكمون بالوفاة إلا بعد ظهور أدلة واضحة عليها، وقد لا تظهر هذه العلامات إلا بعد مضي مدة على خروج الروح خاصة في الحالات المرضية التي تستدعي المزيد من الحيطة (٣) . يقول ابن رشد " فإذا قضى الميت غمض عينيه ويستحب تعجيل دفنه لورود الآثار بذلك إلا الغريق فإنه يستحب في المذهب تأخير دفنه مخافة أن يكون الماء قد غمره فلم تتبين حياته وإذا قيل هذا في الغريق فهو أولى في كثير من المرضى مثل الذين يصيبهم انطباق العروق وغير ذلك مما هو معروف عند الأطباء، حتى لقد قال الأطباء: " إن المسكوتين لا ينبغي أن يدفنوا إلا بعد ثلاث" (٤) . ويقول النووي ﵀: " فإن شك بأن لا يكون به علة واحتمل أن يكون به سكتة أو ظهرت علامات فزع أو غيره، أخر إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره" (٥)