حكم التداوي ومسئولية الطبيب
قبل الشروع في ذكر بعض النوازل الطبية نذكر بعض الأمور المتعلقة بالعلاج والتطبيب.
١- حكم التداوي: التداوي جائز ومما يدل على جوازه ماروى أبو خزيمة عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاَ؟ قال: هي من قدر الله. رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد. وعن أسامة بن شريك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: تداووا فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحد الهرم. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وأما ما رواه البخاري من حديث ابن عباس في الذي يدخلون الجنة بغير حساب، وفعل بعض الصحابة حيث تركوا العلاج ومنهم أبو بكر وأبو الدرداء ﵃ .
فقيل: الحديث محمولٌ على من اعتقد أن الأدوية تنفع بطبعها أو على الرقى التي لا يعقل معناها لاحتمال أن يكون كفراً، ولكنه مردود بأن هذا لا يختص بالسبعين ألفاً الوارد ذكرهم في الحديث. وقيل: محمولٌ على من فعله في الصحة خشية وقوع الداء واختاره ابن عبد البر. وقيل: محمولٌ على من تركه رضاً بقدر الله واعتماداً عليه لا أنه ليس بجائز وهو اختيار الخطابي وابن الأثير وقال: ولا يرِد على هذا وقوع ذلك من النبي ﷺ فعلاً وأمراً، لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، فمن وثق بالله وأيقن بقضائه فلا يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، فقد ظاهر الرسول بين درعين ولبس على رأسه المغفر وهاجر وقال للرجل: اعقلها وتوكل. وقال: إذا سمعتم بالوباء في أرضٍ فلا تقدموا عليها، وإذا وقع في أرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً منه رواه البخاري.
стр. 72
٢- النظر إلى العورة ولمسها ونظر الرجل للمرأة والعكس ولمس موضع التداوي. نص الفقهاء على أن المعالجة من الرجل للمرأة لا تكون إلا حال الضرورة القصوى وأن لا ينظر منها إلا موضع الحاجة فقط (١) . ومما يدل على الجواز عند الضرورة ماروى عطية القرظي قال: كنت من سبي بني قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قُتل ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
٣- مسئولية الطبيب:
الطبيب مسئولٌ أخلاقياً ودينياً، ومسئولٌ مسئوليةً جنائية أيضاً. فالمسئولية قسمان: المسئولية الأخلاقية (الأدبية) ، والمسئولية المهنية (العملية) .
والدليل على مسئولية الطبيب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: من تطبب ولم يُعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامنٌ. رواه ابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. ومن القياس: يضمن الطبيب الجاهل والمتعدي ما أتلفت يداه كما يضمن الجاني سراية جنايته بجامع كون كلٍ منهما فعل محرماً.
واستبعاد بعضهم قصد الجناية في الطب مكابرة.
أركان المسئولية:
١- السائل وهو من يملك حق مساءلة الطبيب ومساعديه كالقاضي ونحوه.
٢- المسئول وهو من يوجه إليه السؤال ويكلف الجواب عن مضمونه سواء كان فرداً كالطبيب أو جهةً كالمستشفى. ٣- المسئول عنه، وهو: الضرر وسببه الناشئان عن فعل الطبيب ومساعديه، أو عنهما معاً. ٤- صيغة السؤال، وهي: العبارة المتضمنة للسؤال الوارد من السائل إلى المسئول.
وقال بعض الباحثين الأركان هي:
стр. 73
١- الخطأ الطبي. ٢- الضرر. ٣- الرابطة السببية. وهذا محل نظر لأن الخطأ ليس ركناً بل سببٌ موجب للمسئولية ولا تتوقف ماهية المسئولية عليه. والضرر أثرٌ من آثار الخطأ الطبي يقوى به اعتبار السبب الموجب للمسئولية، ولا تتوقف عليه ماهيتها. والرابطة السببية بين الخطأ والضرر شرطٌ في اعتبارهما وليست ركناً من أركان المسئولية.
موجبات المسئولية المهنية أربعة أمور وهي:
١- عدم اتباع الأصول العلمية. ٢- الخطأ.
٣- الجهل. ٤- الاعتداء.
١- عدم اتباع الأصول العلمية. وهي: الأصول الثابتة والقواعد المتعارف عليها نظرياً وعملياً بين الأطباء والتي يجب أن يُلم بها كل طبيب وقت قيامه بالعمل الطبي. والعلوم التي يجب الإلمام بها نوعان: ثابتة ومستجدة. ويشترط في المستجدة أن تكون صادرة من جهةٍ معتبرة كالمدارس الطبية المتخصصة بالأبحاث والدراسات الطبية، وأن يشهد أهل الخبرة بكفاءتها وصلاحيتها للتطبيق. وأما إجراء التسجيل العلمي للطريقة العلاجية قبل استخدامها على الإنسان فلا يشترط إلا إذا اعتذرت الجهات الطبية عن تسجيلها لخللٍ فنيٍ يوجب ردها.
والأحوال التي يخرج فيها الأطباء ومساعدوهم عن الأصول العلمية إما أن تكون في الجانب العلمي النظري أو العملي التطبيقي. أو في كليهما. فقد ذكر ابن قدامة ﵀ أن الحاذق إذا جنت يده في الختان يضمن لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ أشبه إتلاف المال، ولأنه فعل محرماً فيضمن سرايته كالقطع ابتداءً. وهكذا قال الشافعي ﵀ في الأم: إن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الإصلاح وكان عالماً به فهو ضامن. وقال ابن القيم ﵀ في التحفة: إن كان الخاتن عارفاً بالصناعة وختن المولود في الزمن الذي يختن فيه مثله، وأعطى الصناعة حقها لم يضمن سراية الجرح اتفاقاً.
стр. 74
٢- الخطأ. وعرفه بعضهم بأنه ما ليس للإنسان فيه قصد. وهذا النوع لا إثم فيه إلا أنه من موجبات المسئولية. ٣- الجهل سواءٌ كان كلياً أو جزئياً.
٤- الاعتداء. وهو أن يقدم على فعل ما يوجب الضرر بالمريض قصداً. وهذا النوع هو أشدها ويصعب إثباته بغير الإقرار إلا أنه يمكن الاهتداء إليه بالقرائن القوية كوقوع العداوة أو سبق التهديد من الطبيب المتهم للمريض.
وبعد أن تحدثنا عن مسئولية الطبيب نشرع الآن في ذكر بعض النوازل الطبية.
стр. 75
موت الدماغ
أولاً: تعريف الوفاة في اللغة والشرع:
الوفاة في اللغة: تطلق على المنية والموت. ويطلق الموت على ما هو ضد الحياة وعلى السكون (١) .
والوفاة شرعاً: مفارقة الروح البدن (٢) . ومما يدل على ذلك حديث البراء بن عازب ﵁ في شأن روح المؤمن وفيه: فتخرج نفسه تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء. وقال في روح الكافر: فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها الحديث رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة. وفي حديث أم سلمة ﵂ : إن الروح إذا قبض تبعه البصر رواه مسلم.
ثانياً: أمارات الوفاة عند الفقهاء:
يتحرى ويتثبت الفقهاء في الحكم على الشخص بأنه قد توفي فلا يحكمون بالوفاة إلا بعد ظهور أدلة واضحة عليها، وقد لا تظهر هذه العلامات إلا بعد مضي مدة على خروج الروح خاصة في الحالات المرضية التي تستدعي المزيد من الحيطة (٣) . يقول ابن رشد " فإذا قضى الميت غمض عينيه ويستحب تعجيل دفنه لورود الآثار بذلك إلا الغريق فإنه يستحب في المذهب تأخير دفنه مخافة أن يكون الماء قد غمره فلم تتبين حياته وإذا قيل هذا في الغريق فهو أولى في كثير من المرضى مثل الذين يصيبهم انطباق العروق وغير ذلك مما هو معروف عند الأطباء، حتى لقد قال الأطباء: " إن المسكوتين لا ينبغي أن يدفنوا إلا بعد ثلاث" (٤) . ويقول النووي ﵀: " فإن شك بأن لا يكون به علة واحتمل أن يكون به سكتة أو ظهرت علامات فزع أو غيره، أخر إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره" (٥)
стр. 76
وإليك جماع ما ذكره الفقهاء من العلامات والأمارات الظاهرة التي يحكم بموجبها بموت المحتضر (١) : ١- انقطاع النفس. ٢- استرخاء القدمين مع عدم انقباضهما وانتصابهما. ٣- انفصال الكفين من الذراعين. ٤-ميل الأنف. ٥- امتداد جلدة الوجه. ٦-انخساف الصدغين. ٧- تقليص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة. ٨- برودة البدن. ٩- إحداد بصره. ١٠- انفراج شفتيه فلا ينطبقان. ١١- غيبوبة سواد عينيه في البالغين.
والملحوظ: في هذه الأمارات أنها أدلة وظواهر تدرك بالمشاهدة والحس ويشترك في معرفتها عموم الناس (٢) .
ثالثاً: علامات الموت عند الأطباء:
سبب بحث هذه المسألة وأهميته:
بما أن الأطباء هم أهل الاختصاص في هذا المجال فالرجوع إليهم متحتم في هذه المسألة، فإذا حكموا بأن توقف الدماغ يعتبر موتاً أكيداً ولو كان القلب ينبض والتنفس يعمل بفعل أجهزة الإنعاش فإنه ينبني على ذلك أمران مهمان:
أولهما: جواز رفع أجهزة الإنعاش باعتبار أن من وضعت عليه في عداد الموتى.
стр. 77
ثانياً: جواز نقل الأعضاء من هذا الشخص الميت دماغياً إذا وافق المصاب أو ذووه على التبرع بأعضائه وأنسجته وفي هذه الحالة لا ترفع أجهزة الإنعاش الصناعي عنه للإبقاء على حياة بعض خلايا جسمه في الأعضاء المهمه كالقلب أو الكلية أو الكبد أو الرئتين أو البنكرياس أو العيون أو الجلد أو غيرها من أجل الحصول على أعضاء صالحة في حالةٍ جيدة لنقلها وزرعها بنجاح في جسم المستفيد، فإبقاء الأجهزة حينئذٍ ليست إلا إحدى الوسائل الطبية الحديثة التي تستخدم لحفظ الأعضاء في حالة أنها تصلح للاستخدام والمعالجة الطبية وشأنه في ذلك كمن يضع الأعضاء في ثلاجة ريثما يتم زراعتها وإن كان المريض المصاب ميتاً بالفعل أو في حكم الميت فهو لا يعي ولا يحس ولا يشعر وذلك لتلف مصدر ذلك كله وهو جذع الدماغ هذا إذا اعتبرنا أن توقف جذع الدماغ يعتبر موتاً.
ثانياً: التعريف الطبي القديم للموت:
هو توقف القلب والدورة الدموية والتنفس توقفاً لا رجعة فيه (١) . ولا يزال هذا التعريف سارياً لمئات الملايين من الوفيات التي تحدث سنوياً ولكن بسبب التقدم السريع في وسائل الإنعاش اختلف في بعض الحالات هل ينطبق عليها هذا المفهوم أم لا (٢) ؟ إذ قد يتوقف الدماغ ولكن القلب والتنفس لم يتوقفا!.
رابعاً: مفهوم موت الدماغ وعلاماته:
١-تاريخ اكتشافه من حيث الحديث عنه والعمل به:
أول من نبه إلى موضوع موت الدماغ المدرسة الفرنسية عام ١٩٥٩م ثم تبعها المدرسة الأمريكية عام ١٩٦٨م ثم أخذت الأبحاث تنتشر فيما بعد.
стр. 78
وقبل ذلك وبالتحديد في سنة ١٩٥٢م قبلت إحدى المحاكم الأمريكية (في ولاية كنتاكي) النظر في الدعوى الخاصة بشخص كان قلبه لا يزال يدق لأنه كان يدفع بالدم من الأنف، فطبقت معيار موت جذع الدماغ كليةً معياراً قانونياً للموت. وعدلت عن معيار توقف التنفس والنبض. (أي القلب والدورة الدموية) وهو ما أقره المؤتمر الثاني للأخلاق الطبية بفرنسا والذي أكد أن معيار الموت هو الموت الكامل لخلايا المخ (الدماغ) وأن الموت ليس نتيجة حتمية لوقف حركة القلب في الجسم. وكان أول من وضع المواصفات العلمية والطبية الخاصة بتحديد موت الدماغ هي لجنة (آدهوك) في جامعة هارفرد الأمريكية عام ١٩٦٨م.
ولولا تطبيق هذا المعيار الحديث للموت لما أمكن إجراء عملية زرع قلب كامل عام ١٩٦٧م لأنه قبل ذلك لا يعتبر ميتاً أثناء العملية الجراحية.
٢-مفهوم موت الدماغ.
أ/ تكوين الدماغ:
يتكون الدماغ من أجزاء ثلاثة:
١ ـ المخ: وهو مركز التفكير والذاكرة والإحساس.
٢ ـ المخيخ: ووظيفته الأساسية توازن الجسم.
٣ ـ جذع المخ: وفيه المراكز الأساسية للحياة مثل مراكز التنفس والتحكم في القلب والدورة الدموية (١) .
ب-المراد بموت الدماغ:
عرف الأطباء موت الدماغ بأنه تلف دائم في الدماغ يؤدي إلى توقف دائم لجميع وظائفه بما فيها وظائف جذع الدماغ (٢) .
أو هو: توقف الدماغ عن العمل تماماً وعدم قابليته للحياة (٣) .
فإذا مات المخيخ فإن الإنسان يمكن أن يعيش، وإذا مات المخ فإن الإنسان أيضاً يمكن أن يعيش وإن كانت حياته حياة غير إنسانية بل حياة نباتية (٤) .
أما إذا مات جذع الدماغ فهنا اختلف الأطباء على قولين:
стр. 79
الأول: الاعتراف بموت جذع الدماغ نهاية للحياة الإنسانية بدلاً من توقف القلب والدورة الدموية وهذا قول أكثر الأطباء. (وهنا ترى المدرسة الأمريكية أنه لا بد من موت الدماغ بأكمله، والمدرسة البريطانية على أن الموت يكون بموت جذع الدماغ فقط)
الثاني: عدم الاعتراف بموت الدماغ نهاية للحياة الإنسانية (١)
ج) موت الدماغ: (جذع المخ) (٢) وعلاماته:
إن الدماغ (أو جذع المخ) هو المكان المعين في المخ الذي ترد عليه جميع الأحاسيس، وهو المركز الرئيسي للتنفس والتحكم في القلب والدورة الدموية، فهو المسئول عن وعي الإنسان ونومه ويقظته وحياته، فموت هذا الجزء من الدماغ يؤدي إلى إثبات الوفاة طبياً. إن موت جذع الدماغ بشكل دائم مرة واحدة يؤدي حتماً إلى خروج الروح من البدن، حتى وإن كان القلب سليماً، وذلك لأنه لا يمكن طبياً تبديل لا القشرة الدماغية الميتة ولا الدماغ لميت.
وقد استقر الطب الحديث على أن الموت الكامل لخلايا المخ (أي الدماغ) الذي يؤدي إلى توقف المراكز العصبية عن العمل هو المعيار الشرعي والقانوني لموت الإنسان موتاً حقيقياً لا رجعة فيه. والمقصود بموت المخ: كلية الغيبوبة النهائية التامة، حيث تتوقف مراكز الاتصال والتفكير والذاكرة والسلوك وغيرها عن العمل. فتخرج بذلك حالة موت جزء من خلايا المخ فقط وهي: الغيبوبة المؤقتة، إذ إن موت المخ لاخلاف بين الأطباء في أنه ليس موتاً. فالموت هو من الناحية الطبية توقف جهاز التنفس والدورة الدموية والجهاز العصبي توقفاً تاماً لبضع دقائق وما يتبع ذلك من ظهور علامات وتغيرات ومنها ظهور الجسم بمظهر الجثة ويتم ذلك بعد حوالي ساعتين وهو ما يعبر عنه بموت الأنسجة.
ويمكن تلخيص العلامات الدالة على موت الدماغ فيما يلي:
стр. 80
١ ـ الإغماء الكامل وعدم الاستجابة لأي مؤثرات لتنبيه المصاب مهما كانت قوية.
٢ ـ عدم الحركة التلقائية.
٣ ـ عدم التنفس لمدة ثلاث أو أربع دقائق (على خلاف بين المدارس الطبية) بعد إبعاد المنفسة.
٤ـ عدم وجود أي نشاط كهربائي في رسم المخ بعد إمراره بطريقة معينة معروفة عند الأطباء.
٥ـ عدم وجود أيٍ من الأفعال المنعكسة من جذع الدماغ الدالة على نشاط الجهاز العصبي مثل:
أـ عدم حركة حدقتي العينين للضوء الشديد.
ب- لا يرمش المصاب رغم وضع قطعة من القطن على قرنية العين.
ج- لا تتحرك مقلة العين رغم إدخال ماء بارد في الأذن.
د- لا يقطب المصاب جبينه رغم الضغط على الجبين بالإبهام.
هـ عدم التحكم أو الكحة عند لمس الحنك وباطن الحلق بالإبهام، وعدم استجابة
عضلات الحنجرة لتحريك أنبوب بالقصبة الهوائية.
وـ عدم وجود حركة الدمية عند تحريك الرأس.
ويجب إعادة فحص وظائف الدماغ من فريق آخر بعد مرور عدة ساعات (إما ست أو أربع وعشرين على خلاف بين الأطباء)
ولا بد أن يجري التشخيص طبيبان على الأقل من الأطباء المختصين الثقات أحدهما مختص في جراحة الأعصاب (أو طب الأمراض العصبية) .
وحين يصاب الدماغ إصابات بالغة نتيجة الحوادث فقد يموت الدماغ وتقوم الأجهزة الحديثة بإنعاش القلب والتنفس وجعلهما يستمران في وظيفتهما وبما أن جذع الدماغ هو المتحكم في جهازي التنفس والقلب والدورة الدموية فإن توقف جذع الدماغ وموته يؤدي لا محالة إلى توقف القلب والدورة الدموية والتنفس ولو بعد حين. ولكن لا بد من التأكد التام من التوقف الكامل الذي لا رجعة فيه لوظائف جذع الدماغ مع وجود إصاباتٍ باثيولوجية وتشريحية. ولا يكفي ذلك لإعلان موت الدماغ مالم تزل الأسباب المؤقتة التي قد تؤدي لتوقف وظيفة جذع الدماغ مؤقتاً، ومنها:
١ ـ بعض العقاقير كالكحول والمنومات.
٢ ـ برودة الجسم فقد تحدث بسببها نوبة إغماء وتوقف للتنفس.
стр. 81
٣ ـ التسمم نتيجة الغازات السامة وغاز أول أكسيد الكربون.
٤ ـ زيادة البولينا في الدم.
٥ ـ نقص السكر أو زيادته في الدم.
٦ ـ نقص الهرمونات أو زيادتها في الدم.
٧ ـ حالات الغرق وتوقف القلب الفجائي.
٨ ـ الحالات التي أجري لها عمليات كبيرة في الدماغ.
٩ ـ أخماج ميكروبية (فيروسية وبكتيرية) تصيب جذع الدماغ.
وفي حالات الشك وخاصة في الأطفال تجري فحوص إضافية وهي:
١ـ حقن شرايين الدماغ الأربعة فإذا لم توجد دورة دموية في الدماغ كان ذلك دليلاً قاطعاً على موت الدماغ.
٢ ـ إجراء الفحص السابق بواسطة المواد المشعة لسهولته النسبية وعدم الحاجة فيه لنقل المريض.
وقد توجد ذبذبات خفيفة تدل على وجود خلايا في الدماغ فوق مستوى جذع الدماغ، ولذا يقترح بعضهم القيام بقياس الدورة الدموية في الدماغ.
... هذا ولا يعد رسم الدماغ أساسياً في تشخيص موت الدماغ، غير أنه إذا توافر كان دليلاً إضافياً مفيداً من الناحية الشرعية والقانونية، ولا تكفي هذه الشروط لإعلان موت الإنسان، بل لا بد أن يكون توقف وظائف جذع الدماغ مصحوباً بعلامات طبية (باثولوجية وتشريحية) وما يتبع ذلك من ظهور تغيرات: كحدوث تغييرات بالعين، وبهاتة لون الجسم، وبرودة الجسم وفقد حرارته الجوية، والزرقة الرمية، وغيرها من علامات ظهور الجسم بمظاهر الجثة تنتهي بتحليل الجسم تحللاً كاملاً.
الغيبوبة وتوقف الدماغ ليس موتاً:
стр. 82
فحالات الغيبوبة المؤقتة مهما طالت والإغماء الطويل أو السبات العميق (أي غياب الوعي مهما طال الزمن) والموت الإكلينيكي وتعطل عمل القشرة المخية والموت الجزئي للجسد أو لبعض أعضائه لا تعد موتاً بالمفهوم الطبي والشرعي مالم يتم إثبات تشخيص موت جذع الدماغ الذي هو موت حقيقي لا رجعة بعده للحياة. ومما سبق يتضح أن موت المخ وهي الحالات التي تحدث عندما تتلف قشرة المخ بشكل دائم فتتلف مع ذلك مراكز الإرادة والوعي ولكن جذع الدماغ يكون سليما فتبقى أعضاء الجسم الأخرى عاملة لا يعد موتاً محققاً بل هو غيبوبة ربما يتغلب عليها بالمعالجة الطبية بعد تشخيص أسبابها. فمع موت المخ يكون نبض القلب عادياً والتنفس والحرارة الطبيعية والأفعال الإنعكاسية الإرادية وإفرازات معظم أجهزة الجسم ونمو الشعر والأظافر واستمرار الحمل طبيعياً بالنسبة للحوامل.
والسكتة الدماغية وهي خلل مفاجيء في تدفق الدم في جزء من الدماغ (بفعل انسداد أوعية دموية في الدماغ، أو جلطة دموية تصل إلى الدماغ، أو ضعف في جدران الأوعية الدموية نتيجة تسارع أو ارتفاع في ضغط الدم أو غيرها) مما يساهم بدوره في موت خلايا الدماغ في المساحة المصابة من الدماغ وبالتالي إحداث خلل أو إعاقة في مهام الجسد التي يقوم بها ذلك الجزء من الدماغ (مثل الحركة أو البلع أو الإدراك الحسي أو الذهني أو أي إحساس آخر) فلا تعتبر موتاً، وقد استطاع الطب الحديث علاج العديد من المصابين بالسكتة الدماغية وتأهيلهم.
وهكذا القلب يمكن أن يتوقف عدة مرات (السكتة القلبية) ولكن خلايا القلب حية فلا يعتبر ميتاً لأن الجهاز العصبي لم يمت ويمكن إسعافه ما دام الدماغ حياً عبر أدوات الرعاية المركزة وأجهزة الإنعاش الصناعي.
فعلامات الموت عند الأطباء ما يلي:
стр. 83
١- توقف القلب والدورة الدموية، ومن علاماته توقف النبض في الشرايين وتوقف القلب بعدم سماع أصواته بالسماعة الطبية، وموت القلب يتبعه لا محالة موت الدماغ إذ أن الدماغ يموت إذا انقطع عنه الدم لمدة أربع دقائق.
٢- توقف التنفس توقفاً تاماً، ومن علاماته توقف حركة الصدر والبطن، وعدم سماع أصوات النفس بالسماعة الطبية.
٣- التغيرات التي تحدث في الجسم وظهوره بمظهر الجثة، ومن ذلك:
عتامة قرنية العين. ونقص الضغط داخل العين.- برودة الجسم.- ارتخاء الأطراف.- الزرقة الرمية، وهي: زرقة ناتجة عن توقف الدورة الدموية.- التيبس الرمي.- التعفن الرمي وهو تحلل أنسجة الجسم بواسطة ميكروبات التعفن وخاصةً في الأحشاء.- التصبن الرمي ويحدث في الجثث الموجودة في الماء لمدةٍ طويلة فتجمد الأجزاء الدقيقة بعد أسابيع من الوفاة خلال ٦ أشهر.- التحول إلى مومياء (التحنط الطبيعي) وهذه الظاهرة تحدث عندما تكون الجثة في مكانٍ جاف شديد الحرارة ويتم هذا التحول خلال ٣ أشهر.
٤- توقف سيطرة الجهاز العصبي على الجسم: ومن علاماته الارتخاء الأولي للعضلات، وعدم استجابة الجثة لأي تنبيه حسي، وتوقف جميع الأفعال المنعكسة، وتكون حدقة العين ثابتة ولا تتأثر بالضوء الشديد.
فالموت في نظر الأطباء على ثلاث درجات:
١- الموت الإكلينيكي. حيث يتوقف جهاز التنفس والقلب عن أداء وظائفهما.
٢- الموت البيولوجي. يتوقف فيها الدماغ بموت خلايا المخ بعد بضع دقائق من توقف دخول الدم المحمل بالأكسجين للمخ (مالم تستعمل وبسرعة أجهزة الإنعاش الصناعي)
٣- الموت الخلوي النهائي. حيث تموت خلايا أعضاء وأنسجة الجسم شيئاً فشيئاً وتدريجياً فيحدث ما يسمى بالموت الخلوي.
خامساً: هل موت الدماغ دون القلب يوجب الحكم بموت صاحبه أو لا؟.
تحرير محل النزاع:
стр. 84
١ ـ اتفق الفقهاء والأطباء في الحكم على عامة الوفيات بالموت بمفارقة الروح البدن وذلك في الحالات التي لا تدخل تحت أجهزة الإنعاش. وهذا يقع في أكثر الموتى في العالم.
٢ ـ اختلف العلماء المعاصرون في موت جذع الدماغ هل يعتبر نهاية للحياة الإنسانية وذلك في الحالات التي تدخل تحت جهاز الإنعاش وهي تقع في حالات ضيقة (١) على قولين:
القول الأول: أن موت دماغ الشخص دون قلبه لا يعد موتاً بل لا بد من توقف القلب عن النبض حتى يحكم بموت الإنسان وهو ما قرره المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (٢) .
القول الثاني: يعتبر موت دماغ الشخص دون قلبه موتاً حقيقياً، ولا يشترط توقف القلب عن النبض حتى يحكم بموت الإنسان، وهذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٣) .
أدلة القول الأول:
١- قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف ...إلى قوله: ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ((٤) وجه الدلالة: أن قوله سبحانه (بعثناهم) أي أيقظناهم،وهذه الآيات فيها دليل واضح على أن مجرد فقد الإحساس والشعور وحده لا يعتبر دليلاً كافياً للحكم بكون الإنسان ميتاً كما دلت عليه الآية الكريمة (٥) .
٢- قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) .
وجه الاستدلال: أن اليقين في هذه الحالة المختلف فيها هو حياة المريض باعتبار الأصل ولأن قلبه ينبض، والشك في موته لأنه دماغه ميت فوجب علينا اعتبار اليقين الموجب للحكم بحياته حتى نجد يقيناً مثله يوجب علينا الحكم بموته (٦) .
стр. 85
٣ ـ قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) .
وجه الاستدلال: أن الأصل أن المريض حي فنحن نبقى على هذا الأصل حتى نجزم بزواله (١)
٤ ـ الاستصحاب:
ووجهه أن حالة المريض قبل موت الدماغ متفق على اعتباره حياً فيها فنحن نستصحب الحكم الموجود فيها إلى هذه الحالة التي اختلفنا فيها ونقول إنه حي لبقاء نبضه (٢) .
٥- النظر:
ووجهه: أن حفظ النفس يعتبر من مقاصد الشريعة الإسلامية التي بلغت مرتبة الضروريات التي تجب المحافظة عليها، ولا شك أن الحكم باعتبار المريض في هذه الحالة حياً فيه محافظة على النفس وذلك يتفق مع هذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية والعكس بالعكس (٣) .
أدلة القول الثاني:
١ ـ أن المولود إذا لم يصرخ لا يعتبر حياً ولو تنفس أو بال أو تحرك كذا قال الإمام مالك ﵀ . فما لم يكن الفعل إرادياً استجابة لتنظيم الدماغ لا يعتبر أمارة حياة (٤) وهذا واقع فيمن مات دماغه فيأخذ حكم المولود الذي لم يصرخ.
ونوقش بأن المسألة مختلف فيها ثم إن المولود مشكوكٌ في حياته وهذا بخلاف ما نحن فيه فالأصل حياة المريض فلا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين.
٢ ـ أن الأطباء هم أهل الاختصاص والخبرة في هذا الفن وهم مؤتمنون في هذا المجال فينبغي علينا تصديقهم وقبول قولهم فيما يختص بوظيفتهم. وقد قال الأطباء: إذا رفض المخ قبول التغذية مات الإنسان (٥) .
فالموت هو مفارقة الإنسان للحياة بعد التحقق من الموت الكامل لجذع الدماغ ويكفي للتأكد من الموت التحقق من موت جميع خلايا مخه ومن التوقف التلقائي للوظائف الأساسية للحياة في الجسم، ومن ثم أخذ الدماغ في التحلل.
стр. 86
وبهذا أوصت ندوة الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها المنعقدة في الكويت ووافق عليه كلٌ من الدكتور أحمد شرف الدين والدكتور محمد علي البار والدكتور محمد أيمن صافي وغيرهم. فإذا توقف جذع المخ ففقد الجهاز العصبي خواصه الوظيفية الأساسية فإنه يعد ميتاً من الناحية الطبية والشرعية وهو ما أفتت به دور الإفتاء بمصر والمملكة العربية السعودية ومجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة بعمان وهو ما قررته المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت (١) .
الترجيح:
الراجح أنه لا يحكم بموته إلا إذا تيقنا من ذلك بتوقف القلب والتنفس، وإن كان توقف دماغ المريض من العلامات القوية على موته لكن الحكم بالموت يترتب عليه أمورٌ شرعية كقسمة تركته ونكاح امرأته إذا رغبت وغيرها ولذلك فلا يجوز الحكم بموته إلا بيقين.
стр. 87
رفع أجهزة الإنعاش الصناعي
أولاً: تعريف الإنعاش: الإنعاش في عالم الطب هو: المعالجة المكثفة التي يقوم بها الفريق الطبي (طبيب أو مجموعة من الأطباء ومساعدوهم) لمساعدة الأجهزة الحياتية حتى تقوم بوظائفها أو لتعويض بعض الأجهزة المعطلة بقصد الوصول إلى تفاعل منسجم بينها (١) (والأجهزة الحياتية الأساسية للإنسان هي: المخ ـ القلب ـ التنفس ـ الكلى ـ الدم للتوازن بين الماء والأملاح (٢)
ثانياً: أجهزة الإنعاش: تتمثل أجهزة الانعاش في الأشياء التالية:
١) المنفسة: وهو جهاز كهربائي يقوم بإدخال الهواء إلى الرئتين وإخراجه منهما مع إمكانية التحكم بنسبة الأكسجين في الهواء الداخل إضافة لأشياء أخرى عديدة لتساعد في إيصال هذا الغاز للدم، وسحب غاز ثاني أكسيد الفحم منه. فيوصل الجهاز بالمريض بأن يقوم الطبيب بإدخال أنبوب إلى الرغامي ثم يوصل ذلك الأنبوب بالمنفسة. وتستعمل المنفسة عند توقف التنفس عند المريض أو إذا أوشك على التوقف، كما تستعمل خلال العمليات الجراحية التي يحتاج المريض فها للتخدير العام (٣) .
٢ ـ مزيل رجفات القلب: وهو جهاز يعطي صدمة كهربائية لقلب اضطرب نظمه أو توقف توقفاً بسيطاً، فيوضع الجهاز على الصدر ويمرر تيار كهربائي محدثاً تنبيهاً للقلب فيؤدي ذلك لانتظام ضربات القلب، أو يعيد القلب للعمل من جديد في حال التوقف (٤) .
стр. 88
٣- جهاز منظم ضربات القلب " ناظم الخطى "يستخدم إذا كانت ضربات القلب بطيئة جداً مما يؤدي لهبوط ضغط الدم أو توقف تام للقلب. وهو عبارة عن جهاز صغير موصول بسلك يتم إدخال هذا السلك إلى أجواف القلب وبعدها يبدأ الجهاز بتوليد شرارات كهربائية بشكل منتظم مما يؤدي لتحريض ضربات القلب بشكل منتظم (١) .
٤- أجهزة الكلية الصناعية:
وهي تعوض عن وظيفة الكلى في تنقية الدم والجسم من السموم والماء المحتبس فيه (٢) .
٥- مجموعة العقاقير: هي التي يستخدمها الطبيب لإنعاش التنفس أو القلب أو تنظيم ضرباته إلى آخر القائمة الطويلة من العقاقير التي تستخدم في إنعاش المرضى (٣) .
ثالثاً: حكم الإنعاش: الذي يبدو أن حكم الإنعاش الوجوب لأن المريض في في حالة خطرة وحاجته لأجهزة الإنعاش أصبحت أمراً ضرورياً كحاجته للطعام والشراب بحيث لو تركه فقد عرض نفسه للهلاك، لذا فإن إقدامه على أجهزة الإنعاش يعتبر واجباً شرعياً يأثم بتركه (٤) . قال شيح الإسلام ابن تيمية ﵀ عن التداوي: " وقد يكون منه ما هو واجب وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره كما يجب أكل الميتة عند الضرورة فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء (٥) . وقال الشيخ محمد المختار السلامي: أما الإنعاش فإنه يبدو لي أنه واجب ذلك أنه لا تختلف حالة الانعاش عن أية حالة من حالات الاضطرار التي تقلب حتى حكم التحريم إلى الوجوب حفاظاً على الحياة ثاني المقاصد الضرورية الخمسة على أن المصاب في كثير من حالات الإنعاش يكون فاقداً للوعي أو هو تحت تأثير وطأة الإصابة لا يتمكن من أخذ القرار المبني على التأمل (٦) "
стр. 89
.. أما حكم إسعاف المريض بأجهزة الإنعاش بالنسبة للمجتمع المسلم فهو واجب كفائي إن قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين وإن لم يقم به أحد أثم الجميع ذلك أن الإنعاش هنا أشبه ما يكون بإنقاذ غريق أو من وقع تحت الهدم (١) .
قال ابن حزم ﵀: " وبيقين يدري كل مسلم في العالم أن من استقاه مسلم وهو قادر على أن يسقيه فتعمد ألا يسقيه إلى أن مات عطشاً فإنه قد اعتدى عليه بلا خلاف (٢) " ونقل الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ الاتفاق على أن من يكون معه فضل زاد وهو في بيداء وأمامه شخص يتضور جوعاً يكون آثماً إذا تركه حتى مات (٣) . وأصل هذا الحكم قول النبي ﷺ : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ على فضل ماءٍ بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف له لأخذها بكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه منها إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفّى وإن لم يعطه منها لم يف متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة ﵁ . وحيث أن المريض المشرف على الهلاك نظير الجائع والظمآن في البيداًء فإن إسعافه يعد أمراً واجباً متحتماً (٤) .
رابعاً: حكم رفع أجهزة الإنعاش:
يختلف حكم رفع أجهزة الإنعاش من مريضٍ لآخر حسب الأحوال التالية:
الحالة الأولى: عودة أجهزة المصاب إلى حالتها الطبيعية بحيث لا يحتاج معها لأجهزة الإنعاش فهنا يقرر الطبيب رفع أجهزة الإنعاش لسلامة المريض وعدم حاجته إليها. ولا ينبغي الاختلاف في هذه الحالة فقد اتفق عليها الشرع والقانون في جميع دول العالم (٥) .
стр. 90
الحالة الثانية: تحسن المريض مع حاجته لأجهزة الإنعاش وهو في طريقه إلى النقاهة والسلامة فهنا تبقى أجهزة الإنعاش عليه حتى يستغنى عنها ويبرأ البرء التام وحنئذٍ ترفع عنه أجهزة الإنعاش كما في الحالة الأولى (١) .
الحالة الثالثة: مريض ميئوس من حالته الطبية أي لا أمل في شفائه طبياً: فهنا لا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن هذا المريض وذلك لما يلي:
١- أن سحب الأجهزة عنه كترك إنقاذ غريق في البحر وحريق يحترق في النار (٢) .
٢- لأن علائم الحياة لا تزال موجودةً فيه فلا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عنه (٣) .
٣ ـ لأن في رفع أجهزة الإنعاش قتل لهذا المريض أو زيادة في مرضه وكلاهما لا يجوز.
٤ ـ أن الرأي الطبي في البلاد العربية والإسلامية بالنسبة إلى سحب أجهزة الإنعاش من مريض ميئوس من حالته أي لا أمل في شفائه طبياً يعتبر جريمة لا تغتفر (٤) .
стр. 91
الرابعة: وهي حالة موت الدماغ: حيث تظهر فيها علامات موت الدماغ من الإغماء وعدم الحركة وغيرها من العلامات، لكن بواسطة أجهزة الإنعاش لايزال القلب ينبض، والنفس مستمر نبضاً وتنفساً صناعيين لا حقيقيين. ففي هذه الحالة صدر قرار كل من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١) والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٢) بجواز رفع أجهزة الإنعاش عن هذا المريض. ذلك لأنه لا يوقف علاجاً يرجى منه شفاء المريض وإنما يوقف إجراء لا طائل من ورائه في شخص محتضر، بل يتوجه أنه لا ينبغي إبقاء آلة الطبيب والحالة هذه لأنه يطيل عليه ما يؤلمه من حالة النزع والاحتضار (٣) .
فاختلف في حكم الرفع في هذه الحالة بالنظر إلى حال المريض فمن نظر إليه باعتباره ميتاً أجاز الرفع لأنه رأى أن هذا العمل (أي: عمل القلب والرئتين) لاينسب إليه وإنما للأجهزة فهي حركة لا إرادية كحركة المذبوح الذي لا يقتل قاتله وإنما يعزر لأنه لم يقتل شخصاً به حياةٌ مستقرة، وكما لو خرج البول منه يقول ابن الماجشون: يكون الريح والبول من استرخاء المواسك.وقد قال بعض الفقهاء: الطفل ولو بال لا يعتبر حياً إذا لم يستهل صارخاً. وقال الأطباء: العضو قد يعمل لساعات وهو منفصلٌ عن صاحبه وقد يقطع الرأس ويبقى الدم يتدفق من عروقه أي: القلب ولا يدل ذلك على حياة صاحبه. وكبقاء حياة الأنسجة فإنها لا تموت بموت صاحبها مباشرة وهو ما عبر عنه الفقاء قديماً بقولهم: آثار الحياة الغريزية كما قاله الرملي.
стр. 92
ومن نظر إليه باعتباره حياً حرم رفع الأجهزة، مستدلاً بأن الأصل هو الحياة، وبناءً على قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، خاصةً وأن الإقدام على رفعها يؤدي إلى الموت والقتل مفسدةٌ عظيمة، ثم إنه قد يحدث أن يحكم بموته ثم يتبين خلاف ذلك.
ونوقش بأنه إذا حدث شيءٌ من ذلك فهو خطأ في التشخيص قد يحدث مثله في العلامات التي ذكرها الفقهاء قديماً، ثم إن الحكم بموته حكمٌ بغلبة الظن وهو معمولٌ به كالحكم بموت المفقود.
وأجيب بأن هذا فيما لو لم تعارض أمارة الموت أمارات الحياة والله تعالى أعلم.
الحالة الخامسة: وهي حالة موت القلب والدماغ:
وفيها تتعطل الأجهزة الحياتية ويحدث الموت فيتعطل الدماغ والقلب فلا يتحرك القلب للقبول والضخ ولا يقبل المخ ما يرد إليه من غذاء. فهنا يقرر الطبيب رفع أجهزة الإنعاش لتحقق موت المريض ومع الموت لا فائدة من مواصلة العلاج المكثف. ولا ينبغي الخلاف في هذه الحالة فقد اتفق عليها الشرع والقانون في جميع دول العالم (١) .
التزاحم على استخدام الأجهزة الطبية المساعدة وأجهزة الإنعاش في حالات المرض (٢) .
رفع الأجهزة الطبية عن المريض لإنقاذ مريضٍ آخر يغلب على الظن إنقاذه بهذه الأجهزة له جانبان:
الجانب الأول: ألا يغلب على الظن موت المريض الميئوس من شفائه بسبب رفع الأجهزة عنه وإنما قد يتأثر بمضاعفة المرض، فهل يجوز رفعها سواء كان الدافع لذلك إنقاذ مريضٍ آخر بحاجةٍ إليها أو بلا سبب وإنما لليأس من الشفاء لطول المدة؟.
стр. 93
والجانب الثاني: أن يغلب على الظن موت المريض الأول الميؤوس من شفائه بسبب رفع تلك الأجهزة عنه فهل يجوز رفعها عنه لأن مرضه ميئوس من شفائه لإنقاذ من يغلب على الظن إنقاذه بهذه الأجهزة؟ أو يجب إبقاؤها لأنه أحق بها ولأن في إبقائها إبقاء لحياته وفي رفعها عنه قتلاً لمعصوم؟
هنا تختلف وجهات النظر أيضاً بين مؤيد للرفع ومؤيد لترك الرفع:
ولو أمكن التوفيق بين المصلحتين لكان أولى فقد نقل الشوكاني عن المحصول " العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه وترك الآخر".
لكن العمل بكل منهما من وجه غير وارد في مسألتنا؛ لأن فيها مريضين وجهاز واحد لا يكفي لهما معاً فلم يبق إلا الترجيح بينهما.
من المؤيدات لترك رفع الأجهزة عن المريض الميئوس من شفائه ما يأتي:
أولاً: استناداً إلى جملةٍ من القواعد الفقهية ومنها:
قاعدة: "درء المفاسد أولى من جلب المصالح " فإذا تعارض مفسدة مع مصلحة قدم دفع المفسدة غالباً (١) .
والمصلحة في مسألتنا هي نزع الأجهزة عن المريض الميئوس من شفائه لوضعها على المريض الآخر لاستبقاء حياته فبناءً على القاعدة درء المفسدة أولى فتبقى الأجهزة على الأول.
стр. 94
فإن قيل: لم لا يعطى الآخر أجهزة أخرى وتترك أجهزة الأول عليه، فنقول: لو أمكن تحصيل المصالح ودفع المفاسد معاً لكان أجود لكن هذا في مسألتنا غير ممكن؛ لأن ذلك في حال ما إذا كانت الأجهزة محدودة ولا تكفي للجميع. يقول العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام ص ٨٣: " إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالاُ لأمر الله تعالى فيهما لقوله (فاتقوا الله ما استطعتم (وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة. وذكر أن الطب كالشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد عن الجسد، والتخيير عند التساوي، والتوقف عند الجهل بالمرجح.
القاعدة الثانية ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر ص ٨٣: فقال" القاعدة الرابعة الضرر يزال، أصلها قوله ﷺ : " لاضرر ولا ضرار " وقال ابن نجيم ص٨٥ وفسره في المغرب بأن لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء " قال السيوطي ص٨٦: " الضرر لا يزال بالضرر. قال ابن السبكي: وهو كعائد يعود على قولهم: الضرر يزال ولكن بلا ضرر. فشأنهما شأن الأخص مع الأعم بل هما سواء؛ لأنه لو أزيل بالضرر لما صدق " الضرر يزال " ومن فروع هذه القاعدة.. لو سقط على جريح فإن استمر قتله وإن انتقل قتل غيره، فقيل: يستمر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر. وقيل: يتخير للاستواء. وقال الإمام: لا حكم في هذه المسألة.
стр. 95
.. قلت: لا شك أن المريض المتأخر في مسألتنا فيه ضرر فضرره يزال لكن بإزالة ضرره يلحق الآخرين الضرر، وإنما يزال الضرر بدون إضرار. لكن قد يستثنى من هذه القاعدة ما لو كان أحدهما أعظم ضرراً فيزال الضرر الأعظم ولو ترتب على إزالته ضررٌ أقل منه إلا أن هذا يستقيم فيما لو كان ذلك في شخصٍ واحد فيزال الأعظم ولو ترتب ضرر أصغر كما في اليد المتآكلة، أما أن يزال ضرر شخص على حساب شخص آخر فهذا غير مستقيم لتعارضه مع قاعدة "درء المفاسد أولى من جلب المصالح"
ثانياً: أنه يغلب على الظن موت من يتم رفع الأجهزة عنه ويندر أن يسلم ومثل هذا لا يجوز الإقدام عليه لغلبة الظن أن هذا المريض يموت عند نزع هذه الأجهزة عنه. قال العز بن عبد السلام ج١/٨٥: " القسم الثاني ما يغلب ترتب مسببه عليه وقد ينفك عنه نادرا فهذا أيضاً لا يجوز الإقدام عليه؛ لأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أكبر الأحوال".
ثالثاً: أن نزع الأجهزة عن الأول مفسدة عظيمة وهي القتل، وقد قال العلماء: لو أُكره على القتل فيصبر ولا يقدم على القتل لعظم مفسدته فكذلك هنا، لأن الإقدام على نزع الأجهزة عن الأول إقدامٌ على القتل. قال العز بن عبد السلام ١/٧٩: " ولاجتماع المفاسد أمثلة أحدها أن يكره على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قُتل فيلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل؛ لأن صبره على القتل أقل مفسدة من إقدامه عليه، وإن قدر على دفع المكره بسبب من الأسباب لزمه ذلك لقدرته على درء المفسدة، وإنما قدم درء القتل بالصبر لاجتماع العلماء على تحريم القتل واختلافهم في الاستسلام للقتل، فوجب تقديم درء المفسدة المجمع على وجوب درئها على درء المفسدة المختلف في وجوب درئها.
стр. 96
وهذا لا يبعد كثيراً عن مسئلتنا حيث إن في مسألتنا مصلحة إحياء نفس ومصلحة درء المفسدة عن المريض الميئوس من شفائه، فدرء المفسدة عن المريض الميئوس من شفائه مقدمة على مصلحة المريض الذي يحتاج إلى هذه الأجهزة وعلى الأخير الصبر؛ لأن صبره على المرض أقل مفسدة من الإقدام على نزع الأجهزة عن مريض قد يكون هذا النزع مميتاً له.
ومما يدل على عظم مفسدة القتل قول بعض العلماء: إذا وكل وكيلاً في القصاص ثم عفا ولم يعلم الوكيل أو أخبره فاسقٌ بالعفو فلم يصدقه وأراد الاقتصاص فللفاسق أن يدفعه بالقتل إذا لم يمكن دفعه إلا به دفعاً لمفسدة القتل من غير حق (١) .
قلت: وفي نزع الأجهزة من الأول نوع من القتل بغير حق وهو أمر عظيم، كيف وقد قال هؤلاء البعض من العلماء: إن للفاسق دفع الوكيل البريء ولو بالقتل خوفاً من وقوع القتل بغير حق. قلت: وفي دفع الفاسق للوكيل ولو أدى إلى القتل نوع من القتل بغير حق أيضاً. والله أعلم.
ومما يدل على استعظام مباشرة القتل ولو لنفسه ما ذكره ابن رجب في القواعد ص ٢٤٧ رقم ١١٢ حيث قال: إذا ألقي في السفينة نار واستوى الأمران في الهلاك أعني المقام في النار وإلقاء النفوس في الماء فهل يجوز إلقاء النفوس في الماء أو يلزم المقام على روايتين. والمنقول عن أحمد في رواية مهنا أنه قال: أكره طرح نفوسهم في البحر. وقال في رواية أبي داود: يفعل كيف شاء، قيل له: هو في اللج لا يطمع في النجاة. قال: لا أدري، فتوقف. ورجح ابن عقيل وغيره وجوب المقام مع تيقن الهلاك فيها؛ لئلا يكون قاتلاً لنفسه بخلاف ما إذا لم يتيقنوا ذلك لاحتمال النجاة بالإلقاء ".
стр. 97
فقوله في رواية مهنا (أكره طرح نفوسهم في البحر) فلأن في ذلك مباشرة منهم للقتل وإلا فقد يكون إلقاء أنفسهم في البحر أهون عليهم من حرارة النار لذا قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام ص٨٥: " ولو وقع بركاب السفينة نار لا يرجى الخلاص منها فعجزوا عن الصبر على تحملها مع العلم بأنه لا نجاة لهم من آلامها إلا بالإلقاء في الماء المغرق فالأصح أنه لا يلزمهم الصبر على ذلك إذا استوت مدتا الحياة في الإحراق والإغراق؛ لأن إقامتهم في النار سبب مهلك لا انفكاك عنه وكذلك إغراق أنفسهم في الماء لا انفكاك عنه وإنما يجب الصبر على شدة الآلام إذا تضمن الصبر على شدتها بقاء الحياة وههنا لا يفيد الصبر على ألم النار شيئاً من الحياة فتبقى مفسدة لا فائدة فيها"
... وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر ص٩١: " وأصله أن الحريق إذا وقع في سفينة وعلم أنه لو صبر فيها يحترق ولو وقع في الماء لا يغرق فعنه يختار أيهما شاء وعندهما يصبر".
رابعاً: أن قتل المسلم بمباشرة أو تسبب من قريبٍ أو من بعيدٍ منهيٌ عنه شرعاً، وعلاج المريض الذي يتطلب علاجه هذه الأجهزة مأمورٌ به شرعاً وما أمر به أهون مما نهي عنه وقد نقل علي بن سعد عن الإمام أحمد أنه قال: (وما أمر به النبي – ﷺ عندي أسهل مما نهى عنه) وكذلك نقل عنه الجويني (الأمر أسهل من النهي) قال السيوطي في الأشباه والنظائر ص٨٧: اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذلك قال ﷺ : إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه مااستطعتم وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة ﵁ . وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر ص٩٠-٩١: إذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالباً، لأن عتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات ...ومن ثم جاز ترك الواجب دفعاً للمشقة ولم يسامح في الإقدام على المنهيات خصوصاً الكبائر.
стр. 98
فنحن في حال نقل الأجهزة من الأول إلى الآخر نكون قد باشرنا قتل الأول لمعرفتنا أنه يموت برفع تلك الأجهزة عنه، وهذا قد يكون من قبيل المباشرة للقتل، وهو وإن لم يكن فيه قصاص فقد دريء القصاص للشبهة ولكن في ترك الأجهزة على الأول لا يكون هناك مباشرة لقتل المريض المتأخر فكان تركها على الأول أولى.
خامساً: أننا في حال ترك الأجهزة على المريض الأول لا يكون لنا فعل تجاه المريضين وفي حال نزعها عن الأول يكون لنا فعل، وهذا الفعل يقتضي رجحان أحدهما على الآخر ولا مرجح سوى المبادرة لإنقاذ حياة المتأخر على حساب حياة المتقدم وهل يجوز لنا قتل نفسٍ لإحياء نفسٍ أخرى.
سادساً: أن المريض الأول يقدم لسبقه، إذ لو لم يوجد مرجح لقلنا بالتخيير. يقول الغزالي في المستصفى ٢/٣٨١: " وأما إذا تعارض الموجب والمحرم فيتولد منه التخيير المطلق كالولي إذا لم يجد من اللبن إلا ما يسد رمق أحد رضيعيه ولو قسم عليهما أو منعهما لماتا، ولو أطعم أحدهما مات الآخر، فإذا اشرنا إلى رضيع معين كان إطعامه واجباً؛ لأن فيه إحياءه وحراماً؛ لأن فيه هلاك غيره، فنقول هو مخير بين أن يطعم هذا فيهلك ذاك أو ذاك فيهلك هذا فلا سبيل إلا التخيير".
فانتفاع المريض الأول بالأجهزة التي وضعت عليه هو من قبيل ملك الانتفاع لا المنفعة فيكون أحق بها كقطاع الأرفاق كمقاعد الأسواق ونحوها (١) . وهذا يندرج تحت قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان. قال الزركشي في المنثور ١/٢٩٤: قاعدة في التزاحم على الحقوق "لا يقدم أحد على أحد إلا بمرجح، وله أسباب الأول: السبق"
стр. 99
.. قلت وفي مسألتنا لدينا أجهزة طبية متقدمة لا تكفي للمريضين بسبب كونها مشغولة لمرضى آخرين فأي المريضين نقدم؟ لو كانا على حالة واحدة وجاءا في آن واحد لكان لنا التخيير كما قال العز بن عبد السلام في القواعد ١/١٤٥: " الفصل الرابع فيما يقدم من حقوق بعض العباد على بعض ترجيح التقديم على التأخير في جلب المصالح ودرء المفاسد وله أمثلة.. منها تقديم ذوي الضرورات على ذوي الحاجات فيما ينفق من الأموال العامة وكذلك التقديم بالحاجة الماسة على مادونها من الحاجات".
سابعاً: أنه نظيرٌ لمسائل ذكرها الفقهاء وحكموا فيها بالتحريم لأنها تحتوي على إنقاذٌ لنفسٍ بقتل أخرى وهذا لا يجوز، ومن هذه المسائل:
أ- جاء في تكلمة البحر الرائق (٨/٢٠٥) : امرأة حامل اعترض الولد في بطنها ولا يمكن إلا بقطعه أرباعاً ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت فإن كان الولد ميتاً في البطن فلا بأس به وإن كان حياً لا يجوز؛ لأن إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع".
قلت: قوله إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع " دليل لما نحن فيه فنزع الأجهزة من الأول المؤدي إلى موته لوضعها على الآخر من قبيل قتل نفس لإحياء نفس أخرى.
ويجاب بأن هذه المسألة مختلفٌ فيها فقد قال بعض العلماء بالجواز لأن حياة الأم متيقنة فهي أعظم حرمةً وحياة الجنين متوهمة.
ب- وقال العز بن عبد السلام (عبد العزيز بن عبد السلام السلمي ت ٦٦٠ هـ) في قواعد الأحكام ص٨٢: إذا اغتلم بحيث علم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق بعض الركبان لتخف بهم السفينة فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بقرعة ولا بغير قرعة لأنهم مستوون في العصمة وقتل من لا ذنب له محرم، ولو كان في السفينة مال أو حيوان محترم لوجب إلقاء المال ثم الحيوان المحترم؛ لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات المحترمة أخف من المفسدة في فوات أرواح الناس". انتهى.
стр. 100
ومن المؤيدات لرفع الأجهزة عن المريض الميئوس من شفائه لوضعها على من تدرك حياته ما يأتي.
أولاً: عملاً بقاعدة " إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما (١) " فإذا نظرنا إلى تعارض المصالح والمفاسد فيكون من يرجى شفاؤه أولى باستخدام الأجهزة الطبية.
ويجاب بأن ذلك معارض بقاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " ومعارض كذلك بأن الأول أسبق باستخدام هذه الأجهزة فهو أولى بغض النظر عن حالة الآخر، ولعل تعارض المصالح والمفاسد وارتكاب أخفهما إذا لم يكن هناك أقدمية أما وقد وجدت فلا تعارض.
ثانياً: أننا مخيرون لتساوي المصالح قال العز بن عبد السلام: " إذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير بين المتساوين ولذلك أمثلة: أحدها إذا رأينا صائلاً يصول على نفسين من المسلمين متساويين وعجزنا عن الدفع عنهما فإنا نتخير (٢) ".
والجواب أن هذا صحيح فيما لو تساوت المصالح مع تعذر الجمع لكنها في مسألتنا غير متساوية والجمع متعذر.
ثالثاً: أن الترجيح لا بد منه ما دام الجمع غير ممكن، ومصلحة الثاني أعظم فتقدم لأنها تتمثل في إنقاذ حياته بإذن الله بينما مصلحة الأول لا تتجاوز حال ميئوسٍ منه فالإبقاء على تلك الحياة إبقاءٌ لحياةٍ شبيهةٍ بالموت. قال الشوكاني: " ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلى الترجيح (٣) ".
... وهنا في مسألتنا يترجح لنا إنقاذ من يمكن إنقاذه إذ ترك الأجهزة على الأول الميئوس من شفائه محاولة لإنقاذ من لا يمكن إنقاذه على حساب من يمكن إنقاذه.
стр. 101
فمصلحة الأول من بقاء الأجهزة لا تتجاوز حال ميئوس منه حسب كلام أهل الخبرة ومصلحة الثاني منها الشفاء من مرض من الممكن تداركه بإذن الله تعالى. يقول ابن القيم في مفتاح دار السعادة ص ٣٤٧: " الشريعة الإسلامية مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان وأن لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت. وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلباً للشارع".
والجواب أن القول بأنه يقدم أكملها وأهمها وأشدها طلباً للشارع، فهذا هو عين الدعوى وأصل منشأ الخلاف فأي المريضين في مسألتنا أشد طلباً للشارع؟.
رابعاً: استفادة المتأخر من الأجهزة معلومة واستفادة الأول منها مظنونة ومن المعلوم أن تقديم ما هو معلوم على ما هو مظنون أولى. يقول الغزالي في المستصفى ٢/٤٠٠ ـ ٤٠١: " وكذلك علة مركبة من وصفين أحدهما ضروري والآخر نظري أو أحدهما معلوم والآخر مظنون إذا عارضها ما هو ضروري الوصفين أو معلوم الوصفين؛ لأن ما علم مجموع وصفيه أولى مما تطرق الشك أو الظن بحكم العلة.
والجواب أننا نسلم أن استفادة المتأخر من تلك الأجهزة معلومة لكن عارضها معارض قوي وهو الإقدام على إلحاق الضرر بالآخرين، فلو كانت المصلحتان تخصان شخصاً واحداً لحصل الترجيح ومنه تقديم ما هو معلوم على ما هو مظنون لكن الحاصل أن كل مصلحة تخص شخصاً غير الشخص الآخر، وهنا يقال إن هذه من حقوق الآدمين وهي مبنية على المشاحة.
خامساً: إذا نظرنا إلى مصلحة المريض المتأخر من الأجهزة فإذا بها ظاهرة مع أن السابق قد لا يستفيد منها سوى بقاء حاله على ما كانت عليه فرفع الأجهزة عنه ووضعها على المريض المتأخر أولى؛ لأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وهذا شبيه بقولهم: ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه كقطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كان الغالب السلامة وإن كان فساداً لها لما فيه من تحصيل المصلحة الراجحة وهو حفظ الروح.
стр. 102
لكن هذا غير مسلم على إطلاقه وإنما هو فيما إذا كانت المصلحة والمفسدة متعلقة بشخص واحد أما إذا اختلفا فلكل حقه.
سادساً: أن تقديم المتأخر شبيهٌ بمسائل ذكرها الفقهاء ومنها:
أ) -: رمي الكفار ولو تترسوا بمسلمين.
فإن قتل المسلم أو التسبب فيه لا يجوز، ومع ذلك فقد أجاز الفقهاء رمي الكفار ولو تترسوا بمسلمين أي تستروا بهم وجعلوهم كالترس (١) ، فقد قال الجمهور أنه لا يجوز فيها قتل المسلمين قصداً ولكنهم أجازوا رمي الكفار في هذه الحال ولو أدى ذلك إلى موت من تترس بهم من المسلمين لكن يقصد الكفار.
وإنما أجازوا ذلك رعاية لمصلحة الإسلام في الجهاد فيقاس على ذلك رفع الأجهزة لوضعها على مريض أو مرضى آخرين أحوج لها.
ونوقش بأن هذا تغليب لمصلحة جيش المسلمين وحرصاً على مصلحة أعم فهو من باب تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ثم إنه ضرورة فيكون عند الخوف من ظهور الكفار ولنصرة الإسلام والمسلمين.
أما في موضوع مسألتنا فليس هناك مصلحة أعم من مصلحة وإنما الأصل في المسلمين أنهم مستوون في العصمة ووجوب المحافظة على الحياة.
ب) -: شق بطن المرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد ترجى حياته.
شق بطن المرأة الميتة لإخراج ولدها الحي فيه انتهاكٌ لحرمة الميت ومخالفةً لقول الرسول (:" كسر عظم الميت ككسره حياً " (٢)
стр. 103
لكن ذلك ـ أعني شق بطنها ـ فيه الإبقاء على حياة الحمل المعصوم.
فعدم شق بطنها فيه تكريمٌ للميت والمحافظة على حرمته لكن يترتب على ذلك القضاء على حياة الحمل وفيه مخالفة للأدلة الدالة على ذلك.
وقد نشأ من هذا التعارض اختلاف بين الفقهاء، فمنهم من منع شق بطنها رعايةً لمصلحة تكريمها ورأى أنها لا تهان لمصلحة غيرها، مع احتمال أن الحمل قد لا يخرج حياً،ومنهم من أجاز أو أوجب شق بطنها إذا لم يمكن إخراج الولد حياً إلا بذلك إيثاراً لجانب الحي على جانب الميت (١) .
وفيما يلي نذكر نصوص بعض الفقهاء في ذلك:
فمما قاله علماء الحنفية: قال عبد العزيز البخاري (ت٧٣٠هـ) في كشف الأسرار عن أصول البزدوي (٢) : (إذا خاف تلف النفس أو العضو جاز له الترخص بالمحرم صيانة للنفس أو العضو عن التلف) انتهى.
стр. 104
وقال الطوري (عبد القادر بن عثمان ت نحو ١٠٣٠هـ) في تكملة البحر الرائق عن النوادر (١) : امرأة حامل اعترض الولد في بطنها ولا يمكن إلا بقطعه أرباعاً ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت فإن كان الولد ميتاً في البطن فلا بأس به وان كان حياً لايجوز لأن إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع...امرأة حامل ماتت فاضطرب الولد في بطنها فإن كان أكبر رأيه أنه حي يشق بطنها لان ذلك تسبب في إحياء نفس محترمة بترك تعظيم الميت فالأحياء أولى) انتهى
وقال ابن نجيم (زين العابدين بن إبراهيم ت ٩٧٠هـ) في الأشباه والنظائر (٢) (ومنها جواز شق بطن الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجى حياته وقد أمر به أبو حنيفة ﵀ فعاش الولد كما في الملتقط، قالوا بخلاف ما إذا ابتلع لؤلؤة فمات فانه لا يشق بطنه لان حرمة الآدمي أعظم من حرمة المال وسوى الشافعية بينهما في جواز الشق) انتهى. وقال الحصكفي (علاء الدين محمد بن علي ت ١٠٨٨هـ) في الدر المختار (٣) تعليقاً على كلام ابن نجيم: (قلت: وقد قدمنا في الجنائز عن الفتح انه يشق أيضاً بلا خلاف، وفي تنوير البصائر أنه الأصح فليحفظ) انتهى.
ونوقش بأن من أجاز ذلك نظر إلى أن رعاية عصمة الدم آكد من حرمة الميت حيث إن الاعتداء على الميت بقطع رقبته أو عضوٍ من أعضائه مثلاً لا يوجب قصاصاً وإنما تعمده يوجب التعزير بخلاف قتل الحي فإن فيه وجوب القصاص أو الدية في الجملة فالتعارض هنا بين حرمة الحي والميت، ثم إن حياة الجنين هنا متوقفة على شق بطن الميتة، وهذا بخلاف ما نحن فيه.
ج) -: أكل المضطر لحم الآدمي الميت إذا لم يجد غيره.
стр. 105
إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك من الجوع ولم يجد إلا إنساناً حياً معصوماً لم يبح له قتله إجماعاً (١) ولا قطع عضوٍ من أعضائه، لأنه مثلة فلا يجوز له أن يبقي نفسه بإتلاف غيره، لأن الضرر لا يزال بضررٍ مثله ولا أكثر منه (٢) ،وهذا لا خلاف فيه.
وإنما الخلاف فيما لو وجد المضطر آدمياً ميتاً هل يجوز له أكله؟ من نظر إلى الأدلة الصحيحة الدالة على حرمة المسلم ومن في حكمه،وأنه يجب تكريمه حياً وميتاً قال: لا يباح للمضطر أن يأكل منه حياً ولا من جثته ميتاً ولو لم يجد غيره، ولو أدى ذلك إلى هلاكه.
ومن أجاز الأكل نظر إلى الأدلة الصحيحة الدالة على أنه يجب على الإنسان أن يحافظ على حياته حتى أنه قد أبيح له أن يأكل عند الضرورة من المحرمات عليه حال الضرورة من ميتة وسواها، بل قد صرح بعضهم بأنه يجب عليه أن يأكل من ذلك إذا خشي الهلاك فإن امتنع المضطر عن التناول ومات أثم إلا إن كان جاهلاً لأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له فلزمه أكله كما لو كان معه طعام حلال (٣) ، ولأن ترك تناول الميتة ونحوها حتى يموت يعتبر قتلاً للنفس وإلقاء بها إلى التهلكة لأن الكف عن التناول فعل منسوب للإنسان (٤) .
وإليك بعض نصوصهم في هذه المسألة:
الظاهر عند الحنفية أنه لا يجوز الأكل من الآدمي لكرامته.
стр. 106
قال السرخسي (محمد بن أحمد بن سهل ت ٤٨٣هـ) في المبسوط (١) : (ألا ترى أن المضطر كما لا يباح له قتل الإنسان ليأكل من لحمه لا يباح له قطع عضو من أعضائه) .
وفي حاشية ابن عابدين (٢) (محمد أمين بن عابدين ت ١٢٥٢هـ) : (خاف الموت جوعاً ومع رفيقه طعام أخذ بالقيمة منه قدر ما يسد جوعه،وكذا بأخذ قدر ما يدفع العطش، فإن امتنع قاتله بلا سلاح، فإن خاف الرفيق الموت جوعاً أو عطشاً ترك له البعض، وإن قال له آخر: اقطع يدي وكلها لا يحل، لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته) انتهى.
ونوقش بأن المسألة مثار خلاف بين الفقهاء حيث منع بعضهم الأكل للمضطر ترجيحاً لحرمة الميت، وأجاز ذلك آخرون إذا لم يجد غيرها إيثاراً لحق الحي على حق الميت (٣) . ثم إن من أجازه قيده بأن يكون عند الضرورة لسد الرمق للحي وحفظاً لحياته مع ما فيه من رعايةٍ لعصمة الدم وأنها آكد من رعاية حرمة الميت، وهذا مخالفٌ لمسألتنا.
د) - ومن المسائل القرعة (٤)
стр. 107
لإلقاء أحد ركبان السفينة إذا تعرضوا للغرق.
استعمال القرعة في إلقاء أحد ركاب السفينة إذا خشي عليها العطب لم نظفر على نصوص كافية عن الفقهاء في نفس المسألة (١) ، وهي محتملة للجواز والمنع، فمن أجاز ذلك قال إن مصلحة الجماعة أولى والأخذ بأخف المفسدتين أسلم،ونجاة الجميع مطلوبة.
وإذا لم يمكن نجاة الكل فعلى الأقل نفعل السبب لنجاة البعض،ولا يحصل ذلك إلا عن طريق القرعة لتساوي الجميع في العصمة.
ومن قال بالمنع قال إن ركاب السفينة مستوون في العصمة ومحافظة كل منهم على حياته واجبة فليس لهم إلقاء البعض وإنما عليهم الصبر، لأن مصلحة إنقاذ الباقين جزئية لا كلية. فمن نظر إلى الأخذ بأخف المفسدتين أجاز، ومن نظر إلى وجوب المحافظة على الحياة منع، وكأنه يقول إن موتهم جميعاً لا فعل لهم فيه،وأما إلقاء بعضهم في اليم فهو بفعلهم فلا يجوز مباشرته، لأن موت من ألقي في اليم يكون بمباشرة من نفسه أو من الآخرين وهذا لا يجوز. قال ابن العربي: الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز فكيف المسلم وإنما كان ذلك في يونس وفي زمانه مقدمةً لتحقيق برهانه وزيادةً في إيمانه، ثم إنهم لم يرموه بل رمى هو بنفسه لما خرجت القرعة، فإنه لا يجوز لمن كان عاصياً أن يُقتل ولا يرمى به في النار والبحر.
стр. 108
وقال العز بن عبد السلام (عبد العزيز بن عبد السلام السلمي ت ٦٦٠ هـ) في قواعد الأحكام (١) : إذا اغتلم بحيث علم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق بعض الركبان لتخف بهم السفينة فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بقرعة ولا بغير قرعة لأنهم مستوون في العصمة وقتل من لا ذنب له محرم، ولو كان في السفينة مال أو حيوان محترم لوجب إلقاء المال ثم الحيون المحترم؛ لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات المحترمة أخف من المفسدة في فوات أرواح الناس". انتهى.
وأجيب بأن المسألة مختلفٌ فيها كما سبق، ثم إنها لا تشبه مسألتنا من جميع الجوانب؛ فقد يقال إن من ألقي في البحر قليل فنجاة الأكثر مطلوبة، لكن من قال بجواز الإلقاء لم يشترط عدداً معيناً لإلقائه فلو كان من ألقي في البحر أكثر ممن بقي في السفينة هل يقول بعدم الجواز أو يقول إن نجاة البعض أهون من موت الجميع؟ ثم إن الاستدلال بقصة يونس –﵇ لو صح فهو استدلالٌ بشرع من قبلنا وقد ورد من شرعنا ما يخالفه وهو من الاعتداء على النفس لا من الإيثار.
الترجيح:
الراجح ترك الأجهزة على الأول لأن الأصل في المسلمين أنهم مستوون في العصمة ووجوب المحافظة على الحياة ومن هنا فلا يقدم أحدهم على الآخر إلا بسبب وكون انتفاع الثاني أكبر من الأول فهذا من المرجحات لكن مع الاستواء وهو غير متحقق هنا فإن الأول يترجح جانبه بالسبق، ثم إن في رفع الأجهزة عنه ارتكابٌ لمحظور وارتكاب المحظور أعظم حرمةً من ترك المأمور، والقاعدة تقول: درء المفسدة مقدمٌ على جلب المصلحة.
المراجع: ...
١- مجلة مجمع الفقه الإسلامي ٢/١/٤٨١ – عدد ٣ ج٢.٢
٢- دراسات وقرارات مؤتمر الطب الإسلامي بالكويت.
٣- قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام.
٤- فقه النوازل، لبكر أبو زيد.
٥- المنثور في القواعد، للزركشي. ٦- الأشباه والنظائر، للسيوطي.
٧- الأشباه والنظائر، لابن نجيم. ٨- تكملة البحر الرائق.
стр. 109
٩- المستصفى، للغزالي. ١٠- مفتاح دار السعادة، لابن القيم.
١١- إرشاد الفحول، للشوكاني. ١٢- تقرير القواعد، لابن رجب.
стр. 110
نقل الأعضاء من الشخص الميت أو الحي وزرعها في الإنسان الحي
التمهيد:
النقل إذا كان من حيوان طاهرٍ حال الحياة فيجوز كما نص على ذلك العلماء كما في المجموع ومجمع الأنهر والفتاوى الهندية وغيرها، وإذا كان من حيوانٍ نجس فلا يجوز إلا عند الضرورة.
وأما النقل من الإنسان فإن كان النقل ذاتياً وذلك بغرس العضو في جسمه من جزءٍ من جسده فهذا جائز كما لو وقعت فيه الآكلة فقطعه وذلك إحياءٌ لنفسه. وأول ما يمكن اعتباره زرعاً للأعضاء ما حدث لقتادة بن النعمان ﵁ في غزوة بدر وقيل أحد لما سقطت عينه على وجنته فردها النبي ﷺ فكانت أحسن عينيه وأحدهما بصراً رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير وضعفه الهيثمي. أما نقله من غير جسده فقد ورد أن عرفجة بن سعد ﵁ لما قطعت أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفاً من ذهب رواه أبو داود والبيهقي ٤/١٤٠. لكنه ليس نقلاً لعضوٍ من بدن غيره والنقل من الغير سيأتي بحثه.
نقل الأعضاء من الناحية الطبية:
نقل يدٍ أو عظم أو رجل يتحاشاه الأطباء لضرره البالغ.