قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح:٢٩) يقول الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي المغربي: [قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور) وقال ابن إدريس ﵀: " لا آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار- يعني الرافضة – لأن الله تعالى يقول: ﴿ليَغيظَ بهمُ الكُفَّار﴾ " تفسير ابن الجوزي ". قال أبو عروة الزبيري ﵀: (كنا عند مالك فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ .قال مالك: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب محمد ﵇ فقد أصابته الآية) " رواه الخلال، وأبو نعيم وذكره ابن الجوزي مختصراً في تفسيره، ونقل القرطبي هذا الأثر وعزاه للخطيب ثم قال: (لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحداً منهم
стр. 107
أو طعن عليه في روايته فقد ردَّ على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين) " تفسير القرطبي ".قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: ٨، ١٠) . وقال شيخ الإسلام ﵀ في " منهاج [٢/١٨ – ١٩] وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذي جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين الأولين، وفي قلوبهم غلّ عليهم. ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا نقيض مذهب الرافضة، وقد روى ابن بطَّة وغيره من حديث أبي بدر عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ . هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت. ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . ثم قال هؤلاء
стр. 108
الأنصار وهذه منزلة قد مضت.ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا الله لهم. وقال ابن أبي العز ﵀: فمن أضل ممن يكون في قلبه غلٌّ على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب محمد!! لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبُّوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة "شرح الطحاوية [٤٧٠] ". وقال : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الحديد:١٠. والحسنى هي الجنة كما ورد مرفوعاً وموقوفاً من طرق كثيرة مستفيضة. واستدل ابن حزم رحمه الله تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُّ الحُسنَى﴾ إن جميع الصحابة بدون استثناء من أهل الجنة مقطوع بذلك، ورضي الله عنهم من فوق سبع سماوات في قوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (الفتح:١٨) . وفي قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 109
عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:١٠٠) . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذاً بالله من ذلك؛ وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله تعالى عنهم، وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁ ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون " في تفسيره [٢/٣٦٧] . وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: (أخبرنا الله أنه علم ما في قلوبهم ورضي عنهم وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا شك فيهم) والآيات القرآنية في مدحهم وتعظيم قدرهم كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ آل عمران: ١١٠. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ البقرة:١٤٣. فمن المخاطب وقت نزول الآيتين غير الصحابة؟ فهم المخاطبون بذلك خطاباً أولياً، فثبت خيريتهم رضي الله تعالى عنهم على كافة الناس غير الأنبياء وجعلهم الله شهداء على الناس يوم القيامة لفضلهم وشرفهم وعلو منزلتهم. ومنها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ
стр. 110
آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ التحريم:٨. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (وفي الجملة كل ما في القرآن من خطاب المؤمنين والمتقين والمحسنين ومدحهم والثناء عليهم، فهم – أي الصحابة – أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة) " منهاج السنة [٢/٤٩-٥٠]] (١) .
الأدلة على عدالة الصحابة من السنة النبوية وأقوال السلف?
стр. 111
يقول الشيخ المغراوي [قال ﷺ : (لا تسبّوا أحدا من أصحابي فان أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) (١) - قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (وذلك إن الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقلة أهله، وكثرة الصوارف عنه، وضعف الدواعي إليه لا يمكن لأحد أن يحصل له مثله من بعدهم. وهذا يعرف بعضه من ذاق الأمر، وعرف المحن والابتلاء الذي يحصل للناس، وما يحصل للقلوب من الأحوال المختلفة. وهذا مما يعرف به أن أبا بكر ﵁ لن يكون أحد مثله، فان اليقين والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد. قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه. وهكذا سائر الصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول، مؤمنين به مجاهدين معه، إيمان ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم) (٢) . وقال العلامة الشوكاني: (فانظر إلى هذه المزية العظيمة، والخاصية الكبيرة التي لم تبلغ من غيرهم إنفاق مثل الجبل الكبير من الذهب نصف المد الذي ينفقه الواحد منهم، فرضي الله عنهم أرضاهم فهم أفضل أولياء الله سبحانه وأكرمهم عليه وأعلاهم منزلة عنده،: وهم الذين عملوا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ) (٣) وقال ﵌: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... الحديث) وهو خبر متواتر وقد رواه جمع من الصحابة الكرام منهم: أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعمران بن الحصين والنعمان بن بشير وعائشة وبريده وأبو برزة وعمر بن الخطاب وسمرة وسعد بن تميم وجعده بنت هبيرة وجميلة بنت أبى لهب (٤) . وقال ﷺ : من سب أصحابي فعليه
стр. 112
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (١) . قال الإمام الآجر ي: (ومن سبهم فقد سب رسول الله ﷺ ، ومن سب رسول الله استحق اللعنة من الله ومن الملائكة ومن الناس أجمعين) (٢) . وقال أيضاً: (لقد خاب وخسر من سب أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لانه خالف الله ورسوله ولحقته اللعنة من الله ومن رسوله ومن الملائكة ومن جميع المؤمنين ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، لا فريضة ولا تطوعا، وهو ذليل في الدنيا، وضيع القدر، كثّر الله بهم القبور، وأخلى منهم الدور) (٣) وقال ﷺ : (النجوم آمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبتُ
стр. 113
أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) (١) . قال ابن القيم ﵀: (... جعل نسبة أصحابُه لمن بعدهم كنسبتهِ إلي أصحابهِ، وكنسبة النجوم إلى السماء ومن المعلوم إن هذا التشبيه يُعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ، ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم، وأيضاً فإنهُ جعل بقائهم بين الأمة آمنةً لهم وحِرزاً من الشر وأسبابه) (٢) . وقال ﷺ أيضاً: (يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله ﷺ ، فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ فيقولون: نعم، فيفتحُ لهم (٣) . وقال ﷺ : استوصوا بأصحابي خيراً ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم .... وفي رواية: أحسنوا إلى أصحابي، وفي رواية: احفظوني في أصحابي، وفي رواية: أكرموا أصحابي، وفي أخرى: أوصيكم بأصحابي (٤) . وقال ﷺ : إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا (٥)
стр. 114
ومعنى: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا قال أبو الحسن الأشعر ي، في رسالته إلى أهل الثغر ص: ١٧٢ قال أهل العلم: ومعنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر. وقال ﷺ . آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار. وقال في الأنصار كذلك. لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق رواة البخاري ومسلم / قال ابن عمر ﵁: لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة وفي رواية خير من عبادة أحدكم عمره) (١) . وقال ابن مسعود ﵁: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه] (٢) . يقول الإمام مالك في الذين يقدحون في الصحابة: إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء ولو كان صالحاً لكان أصحابه صالحين) (٣)
عدالة جميع الصحابة بدون استثناء عند المحدثين
قال الحافظ بن حجر: (اتفق أهل السنة على إن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة)
стр. 115
قال القرطبي: (فالصحابة كلهم عدول أولياء الله تعالى وأصفياؤه وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم) "الجامع لأحكام القرآن: ١٦ / ٢٨٥ – ٢٨٦) . قال ابن عبد البر: (ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عليهم وثناء رسوله ﵇، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه) . ثم قال: (وهم أولو العلم والدين والفضل، وخير أمة أخرجت للناس، وخير القرون، ومن قد ﵃، وأخبر بأنهم رضوا عنه، وأثنى عليهم بأنهم الرحماء بينهم، الأشداء على الكفار، الركع السجود، وأنهم الذين أوتوا العلم.
قال ابن كثير: (والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم وما بذلوه فيه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل) .
ثم قال: (وقول المعتزلة الصحابة عدول إلا من قاتل عليا قول باطل مرذول ومردود) .
قال ابن صلاح في مقدمته: (للصحابة بأسرهم خاصية وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة، قال الله ﵎: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) "آل عمران: ١١٠".
стр. 116
الآية، قيل: اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحاب رسول الله ﷺ وقال تعالى: (وكذلك.......الناس) " البقرة: ١٤٢ ". وهذا خطاب مع الموجودين حينئذ ...) .ثم قال: (إن الأمة مجمعة على تعديل الصحابة ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع إحساناً للظن بهم ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله أتاح الإجماع إحساناً للظن بهم ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله وأتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة والله أعلم) قال ابن حزم ﵀: (وكلهم عدل إمام فاضل رضى) . قال النووي: (الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به) . وقال السخاوي: (وهم ﵃ باتفاق أهل السنة عدول كلهم مطلقا كبيرهم وصغيرهم، لابس الفتن أم لا. وجوبا لحسن الظن ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر من امتثال أوامره بعده وفتحهم الأقاليم وتبليغهم عنه الكتاب والسنة وهدايتهم الناس، ومواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات من الشجاعة والبراعة والكرم والآثار والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة) وقال ابن الجوزي: (أجمع صالحوا هذه الأمة وعلى رأسهم السلف الكرام على استهجان واستقباح النيل من أحد الصحابة، وهجروا فاعله ورموه بالرزيات وأوقعوا به شتى العقوبات، وقد توعده القرآن والسنة بالخزي في الحياة وبعد الممات، قال تعالى: (ومن يشاقق --- مصيرا) "النساء:١١٥". وَمَنْ المؤمنون حين نزول هذه الآية غير الصحابة؟ فجهنم لمن اتبع غير سبيلهم. فكيف بمن سبهم وشتمهم وأبغضهم؟ قال أبو الحسن الأشعر ي: (وأجمعوا " أي أهل السنة والجماعة " على النصيحة للمسلمين والتولي لجماعتهم وعلى التوادد في الله والدعاء لأئمة المسلمين،والتبري ممن ذم أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بيته و
стр. 117
أزواجه، وترك الاختلاط بهم، والتبري منهم) (١) .
الأدلة القرآنية على حرمة الطعن في الصحابة
يقول شيخ الأسلام ابن تيميه: (أما الأولُ فلأنّ الله سبحانه يقول: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وأدنى أحوال السابّ لهم أن يكون مغتاباً، وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (وَالطَّاعِنُ عَلَيْهِمِ هُمَزَة لُمَزَةٌ) وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدْ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ وهم صدور المؤمنين فإنهم هم المواجَهون بالخطاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حيث ذُكرت، ولم يكتسبوا ما يوجب أذاهم، لأن الله سبحانه رضي عنهم رضىً مطلقاً بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُوْنَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسانٍ، ولم يرضَ عن التابعين إلا أن يتّبعوهم بإحسانٍ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضي اللهُ عَنِ المُؤْمِنينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ والرضى من الله صفةٌ قديمةٌ، فلا يرضى إلا عن عبدٍ علم أنه يوافيه على موجبات الرضى ومَن ﵁ لم يسخط عليه أبداً، وقولة تعالى: ﴿إذْ يُبَايِعُوْنَكَ﴾ سواءٌ كانت ظرفاً محضاً أو ظرفاً فيها معنى التعليل فإن ذلك ظرفٌ لتعلق الرضى بهم، فإنه يسمى رضىً أيضاً كما في تعلق العلم والمشيئة والقدرة وغير ذلك من صفات الله سبحانه، وقيل: بل الظرفُ يتعلقُ بنفسِ الرضى، وإنه يرضى عن المؤمن بعد أن يطيعه، ويسخط عن الكافر بعد أن يعصيه، ويحبُّ من اتبع الرسول بعد اتباعه له، وكذلك أمثال هذا، وهذا قول جمهور السلفِ وأهل الحديث وكثير من أهل الكلام وهو الأظهر، وعلى هذا فقد بيّن في مواضع أُخر أن هؤلاء
стр. 118
الذين ﵃ هم من أهل الثواب في الآخرة، ويموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُوْنَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله ُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِيْ تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيْهَا أَبَداً ذلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لاَ يَدْخُل النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشّجَرَةِ".وأيضاً فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح، فإنه يذكر ذلك في مَعْرِض الثناء عليه والمدح عليه، فلو علم أنه يَتَعقّب ذلك ما يُسخط الرَبَّ لم يكن من أهل ذلك، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيْةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ولأنه قال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلى النَّبيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار ِالّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيْغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال : ﴿وَاصبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيْدُونَ وَجْهَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للِنَّاسِ﴾ وقال تعالى ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ، وهم أول من وُجِّه بهذا الخطاب، فهم مرادون بلا ريبٍ، وقال : ﴿
стр. 119
وَالّّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدَهُمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بَالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلّذينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَحِيمٌ﴾ فجعل سبحانه ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للمهاجرين والأنصار والذين جاءوا من بعدهم مستغفرين للسابقين وداعين لله أن لا يجعل في قلوبهم غِلاً لهم، فعُلم أن الاستغفار لهم وطهارة القلب من الغِلِّ لهم أمرٌ يحبهُ الله ويرضاه، ويُثني على فاعله، كما أنه قد أمر بذلك رسوله في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ومحبةُ الشيء كراهةٌ لضده، فيكون الله يكرهُ السب لهم الذي هو ضدُّ الاستغفار والبغض لهم الذي هو ضدُّ الطهارةِ، وهذا معنى قول عائشة ﵂: "أُمِرُوا بِالاِسْتِغْفَارِ لأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَسَبُّوهُمْ" رواه مسلمُ. وعن مجاهدٍ عن ابن عباسٍ قال: "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَنَا بَالاِسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ سَيَقْتَتِلُونَ" رواه الإمام أحمد.
стр. 120
وعن سعد بن أبي وقاصٍ قال: "النَّاسُ عَلى ثَلاث مَنَازِلَ، فَمَضَتْ مَنْزِلَتَانِ وَبَقِيَتْ وَاحِدَة، فأحسن ما أنتم كائنونَ عليهِ أن تكونوا بهذه المنزلةِ التي بقيت، قال: ثم قرأَ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوَاناً﴾ فهؤلاء المهاجرون، وهذه منزلةٌ قد مضت ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ قال: هؤلاء الأنصارُ، وهذه منزلةٌ قد مضت، ثم قرأ: ﴿وَالَّذَينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ قد مضت هاتان، وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنونَ عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت"، يقولُ: أن تستغفروا لهم، ولأن مَن جَاز سبُّهُ بعينهِ أو لعنته لم يجز الاستغفار له، كما لا يجوز الاستغفارُ للمشركين لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيم﴾ وكما لا يجوز أن يستغفر لجنس العاصيين مُسمَّين باسم المعصية، لأن ذلك لا سبيل إليه، ولأنه شرع لنا أن نسأل الله أن لا يجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا، والسب باللسانِ أعظمُ من الغِلِّ الذي لا سبَّ معهُ، ولو كان الغِلُّ عليهم والسبُّ لهم جائزاً لم يشرع لنا أن نسأله ترك ما لا يضرُّ فِعْلهُ، ولأنه وَصَفَ مستحقي الفيء بهذه الصفة كما وَصَفَ السابقين بالهجرة والنصرة، فعُلم أن ذلك صفةٌ لهم وشرطٌ فيهم، ولو كان السبُّ جائزاً لم يشترط في استحقاق الفيء ترك أمرٍ جائزٍ كما لا يشترط ترك سائر المباحاتِ، بل لو لم يكن الاستغفارُ لهم واجباً لم يكن شرطاً في استحقاقِ الفيءِ (لأِنَّ استِحْقَاقَ الفَيء) لا يشترك فيه ما ليس بواجبٍ، بل هذا دليلٌ على أن الاستغفار لهم داخلٌ في عَقْد الِّدين
стр. 121
وأصله.) (١)
الأدلة من السنة على عدم جواز سب الصحابة
وأما السنةُ ففي الصحيحين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فوا لذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيْفَهُ". وفي رواية لمسلم، واستشهد بها البخاري، قال: "كَانَ بَيْنَ خَالِدِ ابن الوَلِيدِ وَبَيْنَ عبدا لرحمن بن عَوْفٍ شَيءٌ، فسبَّهُ خالدٌ، فقال رسول اللهِ ﷺ : "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإنَّ أَحَدَكُمْ لَو أَنْفَقَ مَثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيْفَهُ". وفي روايةٍ للبرقاني في صحيحه: "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، دَعُوا لِي أَصْحَابِي، فَإِنًَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيْفَهُ". والأصحابُ: جمعُ صاحبٍ، والصاحبُ: اسم فاعل من صحبه يصحبُه، وذلك يقع على قليلِ الصحابةِ وكثيرها، لأنه يقالُ: صحبته ساعة، وصحبته شهراً وصحبته سنةً، قال الله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبُ بِالجَنْبِ﴾ قد قيل: هو الرفيقُ في السفرِ، وقيل: هو الزوجةُ، ومعلومٌ أن صحبةَ الرفيقِ وصحبةَ الزوجةِ قد تكون ساعةً فما فوقها، وقد أوصى الله به إحساناً ما دام صاحباً، وفي الحديث عن النبي ﷺ : "خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيْرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لجارِهِ"، وقد دخل في ذلك قليل الصحبة وكثيرها، وقليلُ الجوار وكثيره، وكذلك قال الإمام أحمد وغيره: "كل من صحب النبي ﷺ سنةً أو شهراً أو يوماً أو رآه مؤمناً به فهو من أصحابه له من الصُّحبة بقدر ذلكَ". فإن قيل: فَلِم نهى خالداً عَنْ أن يسب
стр. 122
أصحابه، إذا كان من أصحابه أيضاً؟ وقال: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مَثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيْفَهُ". قلنا: لأن عبد الرحمن بن عَوْفٍ ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقتٍ كان خالدٌ وأمثاله يعادونه فيه، وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا، وهم أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وكلاً وَعَدَ الله الحسنى، فقد انفردوا من الصحبة بما لم يَشْرَكهم فيه خالدٌ، فَنَهى خالداً ونُظَراءه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل، أن يسبَّ أُولئكَ الذين صحبوه قبله، ومن لم يصحبه قطُّ نسبته إلى من صحبه كنسبة خالدٍ إلى السابقين وأبعد. وقوله: "لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي" خطابٌ لكلِّ أحدٍ أن يسبَّ من انِفرد عنه بصحبته ﷺ ، وهذا كقوله ﷺ في حديث أخر: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أَتَيْتُكُمْ، فَقُلتُ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، فَهَلَ أَنْتُمْ تاركو لِي صَاحِبي؟ فَهَلْ أَنْتُمْ تاركو لِي صَاحِبي"؟ أو كما قال بأبي هو وأمي ﷺ قال ذلك لما غامر بعض الصحابةِ أبا بكرٍ، وذاك الرجلُ من فضلاءِ أصحابه، ولكن امتاز أبو بكر عنه بصحبةٍ انفرد بها عنه. وعن محمد بن طلحة المدني عن عبدا لرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ اخْتَارَنِي، وَاخْتَارَ لِي أَصْحَاباً، جَعَلَ لِي مِنْهُمْ وُزَرَاءَ وَأَنْصَاراً وَأَصْهَاراً، فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَلُ اللهُ مِنْهَ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً" وعن عبد الله بن مُغَفّلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "الله اللهَ فِي
стр. 123
أصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضاً مِنْ بَعْدِي، مَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنِي، ومن أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَن آذَانِي فَقَد آذَى اللهَ، وَمَنْ آذَى اللهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ" رواه الترمذيُّ وغيره من حديث عبيده بن أبي رائطة عن عبد الرحمن بن زيادٍ عنه، وقال الترمذي: "غريبٌ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه". ورُوي هذا المعنى من حديث أنسٍ أيضاً، ولفظه: "مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَقَدْ سَبَّنِي، وَمَنْ سَبَّنِي فَقَدْ سَبَّ اللهَ" رواه ابن البناءِ. وعن عطاء بن أبي رباحٍ عن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي" رواه أبو أحمد الزبيريّ: حدثنا محمدُ بن خالدٍ عنه، وقد رُوي عنه عن ابن عمر مرفوعاً من وجهٍ آخر، رواهما اللالكائي. ولما جاء فيه من الوعيد قال إبراهيم النخعي: "كان يقال: شَتْمُ أَبي بكر وعمر من الكبائرِ"، وكذلك قال أبو إسحاق السبيعي: "شَتْم أبي بكرٍ وعمر من الكبائر التي قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَونَ عَنْهُ﴾ "، وإذا كان شَتْمهم بهذه المثابة فأقل ما فيه التعزيرُ، لأنه مشروعٌ في كُلِّ معصيةٍ ليس فيها حدٌّ ولا كفارةٌ، وقد قال ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً" وهذا مما لا نعلم فيه خلافاً بين أهل الفقه والعلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسانٍ وسائر أهل السنة والجماعة، فإنهم مجمعون على أن الواجبَ الثناءُ عليهم، والاستغفار لهم، والتّرحّمُ عليهم، والتّرضّي عنهم، واعتقادُ محبتهم وموالاتهم، وعقوبةُ مَنْ أَساء فيهم القول (١) .
حكم من سبّ أحداً من الصحابة
стр. 124
يقول الدكتور المغراوي: [اعلم أن سب المسلم ذنب عظيم وخلق ذميم، قال النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) "متفق عليه ". وقال: (لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك) "رواه البخاري ". وقال: (من لعن مؤمنا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله) " رواه البخاري ". وقال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) " رواه البخاري ومسلم من وجه آخر ". فإذا كان هذا الوعيد الشديد يلحق من سب مسلما من رعاع الناس فكيف بمن سب خيرة الناس بعد الأنبياء فالوعيد عليه أشد والخسران به ألحق، قال الله تعالى: (والذين يؤذون.... مبينا) "الأحزاب: ٥٨ ". وقال: (ويل لكل همزة لمزة) قال ابن عباس (همزة لمزة) : طعان معياب. ويا من يقول قول سوء في الصحابة الكرام ولم يتعظ بالمواعظ العظام، وسلك سبيل اللئام ألا تخاف من بطش رب الأنام؟ (فكيف تقدم على شيء لم يكن عليه أمر الله ورسوله وكل ما لم يكن عليه أمرهما فهو رد، أي باطل، كيف وقد أمرك الله ورسوله بخلافه، ونهاك عن سب كل من اتصف بالإسلام كيف وقد أمرك الله تعالى بطلب المغفرة منه لمن سبق كيف وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه قد رضي عنهم، أفيرضى عنهم وتسخط عنهم أنت يا عامي يا جاهل، فان قلت: إنما أمر الله تعالى ورسوله ﷺ بالدعاء لهم قبل أن يقع ما وقع قلت: هذا كفر لأن الله تعالى عالم بما كان وما سيكون فلو علم لقيد الأمر بمن لم يقع منه شيء وقد أطلع رسوله ﷺ على ذلك كما هو معروف وكان سينقلب علم الله تعالى جهلا أو أنه وقع شيء وهو لا يعلمه أو أنهم فعلوا شيئا لا قدرة له على دفعه وكل واحد من هذه الثلاثة لا يقول به إلا كافر نعوذ بالله من ذلك) " من كتاب (القول الشافي السديد في نصح المقلد وإرشاد المستفيد) لعلي محمد بن علي الشوكاني - وهو ابن العلامة
стр. 125
الشوكاني. وقال العلامة علي القاري: (وأما من سب أحدا من الصحابة فهو فاسق ومبتدع بالإجماع، إلا إذا اعتقد انه مباح، كما عليه بعض الشيعة وأصحابهم، أو يترتب عليه ثواب كما هو دأب كلامهم، أو اعتقد كفر الصحابة وأهل السنة في فصل خطابهم؛ فانه كافر بالإجماع. وبعد هذا أتركك أخي القارئ مع إمام همام وهو شيخ الإسلام بحق ابن تيميه الحراني يفصل لك القول في ذلك، وسأنقل كلامه وإن طال لنفاسته وأهميته. قال ﵀ " في الصارم المسلول (١) فأما مَن سبَّ أحداً مِن أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بيته وغيرهم فقد أطلق الإمام أحمد أنه يُضربُ ضرباً نكالاً، وتوقف عن كفره وقتله. قال أبو طالبٍ: سأَلت أحمد عمن شتم أصحاب النبي ﷺ قال: القتل أَجْبُنُ عنه، ولكن أضربه ضرباً نكالاً". وقال عبد الله: "سأَلت أبي عمن شتم رجلاً من أصحاب النبي ﷺ قال: أرى أن يضرب، قلت له: حدٌّ، فلم يقف على الحد، إلا أنه قال: يُضرب، وقال: ما أراه على الإسلامِ". وقال: سَأَلْتُ أَبِي: مَنِ الرَّافِضَةُ؟ فَقَالَ: الّذِينَ يَشْتُمُونَ ـ أو يسبون ـ أبا بكر وعمر ﵄". وقال في الرسالة التي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوبَ الإصطخري وغيره: "وخير الأمةِ بعدَ النبي ﷺ أبو بكرٍ وعمرُ بعدَ أبي بكرٍ، وعثمان بعد عمرَ، وعلي بعد عثمانَ، ووقفَ قومٌ عَلَى عُثمانَ وهم خلفاءُ راشدون مهديون، ثم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ بعد هؤلاء الأربعةِ خير الناسِ، لا يجوز لأحدٍ أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحدٍ منهم بعيبٍ ولا نقصٍ، فمن فعل ذلك فقد وجب عَلَى السُّلْطَانِ تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبهُ، فإن تاب قُبِلَ منهُ، وإن ثبت أعادَ عليهِ العقوبَةَ وخلده في الحبس حتى يموت أو يُراجعَ. وحكى الإمام أحمد
стр. 126
هذا عمن أدركه من أهل العلم، وحكاه الكرماني عنه وعن إسحاق والحميد ي وسعيد بن منصورٍ وغيرهم. وقال الميموني: "سمعت أحمد يقول: ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية، وقال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوءٍ فاتهمه على الإسلام". فقد نصّ ﵁ على وجوب تعزيره، واستتابته حتى يرجع بالجلد، وإن لم ينته حبس حتى يموت أو يراجع، وقال: ما أراه على الإسلام، واتهمه على الإسلام، وقال: أجبنُ عن قتله. وقال إسحاق بن راهويه: من شتم أصحاب النبي ﷺ يعاقب ويحبس.
وهذا قول كثير من أصحابنا، ومنهم ابن أبي موسى، قال: "ومن سب السلف من الروافض فليس بكفؤ ولا يُزوج، ومن رمى عائشة ﵂ بما برأها اللهُ منه فقد مَرَقَ من الدِّين، ولم ينعقد له نكاح على مسلمة، إلا أن يتوب ويظهر توبتَهُ"، وهذا في الجملة قول عمر بن عبدا لعزيز وعاصمِ الأحول وغيرهما من التَّابِعِيْنَ.
قال الحارث بن عتبة: "إنّ عُمَرَ بن عبدا لعزيز أُتِي برجلٍ سبَّ عثمان، فقال: ما حملك على أن سببته؟ قال: أُبغضهُ، قال: وإن أبغضتَ رجلاً سببته؟ قال: فأمر به فجُلِد ثلاثين سوطاً". وقال إبراهيم بن ميسرةَ: "مَا رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عبدا لعزيز ضَرَبَ إنسَاناً قَطُّ، إلاّ إنسَاناً شتم معاويةَ فضربهُ أسوَاطاً". رواهما اللالكائي.
وقد تقدم عنه [أي في الصفحات السابقة من كتاب الصارم المسلول] أنهُ كَتب في رجلٍ سبَّهُ: "لا يقتل إلا من سب النبي ﷺ ، ولكن اجلده فوق رَأسه أَسواطاً، ولولا أني رجوت أن ذلك خير له لم أَفعلْ".
وروى الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا عاصم الأحول قال: "أُتِيْتُ برجلٍ قدْ سبَّ عُثمانَ، قال: فضربتهُ عشرةَ أسواطٍ، قالَ: ثمَّ عَادَ لِمَا قَالَ: فضربتهُ عشرةً أخرى، قال: فلم يزل يَسُبُّهُ حتى ضربتُهُ سبعينَ سَوطاً".
стр. 127
وهذا هو المشهورُ من مذهب مالكٍ، قال مالكٌ: "من شتم النبي ﷺ قتل، ومن شتم أَصحابه أُدّبَ" (١) . وقال عبد الملك بنُ حبيب: "مَنْ غَلاَ مِنَ الشِّيْعَةِ إلى بُغْضِ عثمان والبراءة منهُ أُدِّبَ أدباً شديداً، ومَن زادَ إلى بُغضِ أبي بكرٍ وعمرَ فالعقوبةُ عليهِ أشدُّ، ويُكرَّرُ ضربُهُ، ويُطَالُ سجنهُ حتى يموتَ، ولا يبلغُ به القتل إلاّ في سَبّ النّبِيّ ﷺ ". وقال ابن المنذرِ: "لا أعلم أَحداً يوجب قتل من سب من بعد النبي ﷺ ". وقال القاضي: أبو يعلى: الذي عليه الفقهاءُ في سبّ الصحابةِ: "إن كان مستحلاً لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلاً فَسَق ولم يكفر، سواء كَفَّرهم أو طَعَن في دينهم مع إسلامهم". وقد قطع طائفةٌ من الفقهاء من أهل الكوفةِ وغيرهم بقتل من سبّ الصحابة وَكُفْرِ الرَّافضةِ. قال محمدُ بن يوسف الفريابي، وسئل عمن شتم أبا بكر، قال: "كافر، قيل: فيُصلَّى عليه؟ قال: لا، وسأله: كيف يُصنع به وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته". وقال أحمد بن يونس: "لو أن يهودياً ذبح شاة وذبح رافضي لأَكلت ذبيحة اليهودي، ولم آكل ذبيحة الرافضي، لأَنه مرتد عن الإسلام". وكذلك قال أبو بكر بن هانئ: "لا تُؤكل ذبيحة الروافض والقدريةِ كما لا تُؤكلُ ذبيحةُ المرتدّ، مع أنهُ تُؤكل ذبيحةُ الكتابّي، لأن هؤلاء يُقامونَ مقامَ المرتدّ، وأهل الذمةِ يُقَرُّونَ على دينهم، وتُؤخذُ منهم الجزيةُ". وكذلك قال عبد الله بن إدريس من أعيانِ أئمة الكوفةِ: "ليس لرافضي شفعة لأَنه لا شفعة إلا لمسلمٍ. وقال فضيلُ بن مرزوقٍ:
стр. 128
"سَمِعْتُ الحَسَنَ بَنَ الحسنِ يقولُ لرجلٍ من الرافضةِ: واللهِ إن قَتْلكَ لقربةٌ إلى اللهِ، وما أمتنعُ من ذلك إلا بالجوازِ"، وفي رواية قال: "رَحَمِكَ اللهُ قَدْ عرفتُ إنما تقولُ هذا تمزحُ، قال: لا، واللهِ ما هو بالمزح ولكنهُ الجد، قال: وسمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعنَّ أيديكُم وأَرْجُلَكُمْ".
وصَرَّح جماعاتٌ من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من عليّ وعثمان وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفَّروا الصحابة وفسَّقوهُم وسبّوهُم. وقال أبو بكرٍ عبد العزيز في "المُقْنِعِ" وَ "أما الرَّافِضِيُّ فَإِنْ كَانَ يَسُبُّ فَقَدْ كَفَرَ فَلاَ يُزَوَّجُ". ولفظ بعضهم وهو الذي نَصَره القاضي أبو يعلى أنهُ إن سبهم سبًّا يقدحُ في دينهم أو عدالتهم كَفَر بذلك، وإن كان سبًّا لا يقدحُ ـ مثل أن يسبَّ أبا أحدهم أو يسبه سبًّا يقصد به غيظه ونحو ذلك ـ لم يكفر". قال أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ في الرجلِ يشتمُ عثمان: "هذه زندقةٌ"، وقال في رواية المروذي: "من شتم أَبا بكر وعمر وعائشة ما أراه على الإسلام". (وقال في رواية حنبل: من شتم رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ما أراه على الإسلام) . قال القاضي أبو يعلى: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبّه لأحدٍ من الصحابةِ، وتوقّف في رواية عبد الله وأبي طالبٍ عن قتله وكمال الحد، وإيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره. قال: فيحتمل أن يحمل قوله: "مَا أَرَاهُ عَلَى الإِسْلاَمِ" إذا استحلَّ سبهم بأنَّهُ يكفرُ بلا خلافٍ، ويحملُ إسقاطُ القتلِ على مَنْ لم يستحلّ ذلك، بل فَعَلهُ مع اعتقادهِ لتحريمهِ كمن يَأتِي المعاصي، قالَ: ويحتملُ أن يحمل قولهُ: "مَا أَرَاهُ عَلَى الإِسْلاَمِ" على سبٍّ يطعنُ في عدالتهم نحو قوله: ظَلمُوا، وفَسَقُوا، بعد النبي ﷺ ، وأَخذُوا الأمر بغير حقّ، ويحملُ قولهُ في إسقاطِ القتلِ على سبٍّ لا يطعنُ في
стр. 129
دينهم، نحو قوله: كان فيهم قلةُ علمٍ، وقلةُ معرفةٍ بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شحُّ ومحبةٌ للدُّنْيَا، ونحو ذلك، قال: ويحتملُ أن يُحملَ كلامُه على ظاهره فتكونُ في سابهم روايتان: إحداهما: يكفُرُ، والثانية: يفسقُ، وعلى هذا استقرَّ قولُ القاضي وغيره، حكوا في تكفيرهم روايتين. قال القاضي: "ومن قذف عائشة ﵂ بما برأَها الله منه كفر بلا خلافٍ وإذا أردت التوسع في هذا الموضوع فارجع إلى كتاب ابن تيميه الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ ] (١)
بعض الكتب التي صنفت في من سب الصحابة
١ - رسالة النهي عن سب الصحابة لمحمد بن سحنون التنوخي (ترتيب المدارك) ٤ / ٢٠٧
٢ - النهي عن سب الأصحاب وما جاء فيه من الإثم والعقاب للضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي.
٣ - تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام، أو أحد أصحابه الكرام عليهم الصلاة والسلام لابن عابدين.
٤ - الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين أهل الابتداع والضلال الزندقة، لابن حجر الهيتمي.
٥ - حكم من سب أحدا من الصحابة للشوكاني.
٦ - السيف المسلول على مبغضي أصحاب الرسول لياسين مصطفى الفرضي.
٧ - الحسام المسلول على منقصي أصحاب الرسول لبحرق اليمني.
٨ - السيف اليماني المسلول في عنق من طعن في أصحاب الرسول لمحمد بن يوسف التونسي
٩ - السيف المسلول على من سب أصحاب الرسول للقاضي عياض
١٠ - السيف المسلول على من سب أصحاب الرسول لتقي الدين السبكي
١١ - الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين للمؤيد يحيى بن حمزة الطالبي ت ٧٤٥.
١٢-وكتب محمود شكري الألوسي المتوفى سنة [١٣٤٢ هجري] : (صب العذاب على من سب الأصحاب) ذكرها في الإعلام [٧ / ١٧٣] وقد طبعت مؤخرا.
١٣- (الصارم القرضاب في نحر من سب أكارم الأصحاب) لعثمان بن سند.
١٤ - (إلقام الحجر لمن زكى ساب أبي بكر وعمر) للسيوطي.
стр. 130
- الخاتمة -
نسألُ اللهَ حُسنَها، إِذَا َبلَغت الرّوح المنتَهَى
وفي ختام هذا البحث أحدد النتائج التي توصلت إليها وهي: -
أولاً: أن السبب الرئيسي لهذه الفتنة التي حدثت في صدر الإسلام رجل يهودي ادعى الإسلام وباطنه الكفر والنفاق، ويعتبر هوالذي وضع الخطوط العريضة لمذهب الروافض الغلاة بشهادات كبار علماء الشيعة.
ثانياً: جميع التهم التي وجهت إلى سيدنا عثمان ليس فيها حجة للطاعنين عليه، فهي إما مكذوبة من الأساس، مثل الأمر بقتل بعض زعماء الفتنة، وإما مسائل اجتهادية والحق فيها مع عثمان، مثل تحريق المصاحف
ثالثاً: قتلة عثمان ليس فيهم صحابي ولله الحمد، وعندما وقع قتله استنكرهُ جميع الصحابة.
رابعاً: القتال الذي نشب بين جيش أهل العراق، وجيش أهل الشام، كان سببه الرئيسي في تحديد توقيت الاقتصاص من قتلة عثمان ﵁.
خامساً: ليس من العدل والانصاف نسبة هذه الحرب إلى الصحابة، وتسميتها بالفتنة الكبرى، لأن عدد الصحابة الذين حضروا هذه الفتنة لا يتجاوز الثلاثين رجُل.
سادسأ: أن قصة التحكيم المتداولة بين الكُتَّاب والمؤرخيين، والتي يتهم فيها عمرو بن العاص بالغش والخيانة لأبي موسى الأشعري غير ثابتة ولأولى هو إحسان الظن بصحابة رسول الله ﷺ .
سابعاً: أهل العراق عامة، وأهل الكوفة خاصة، أهل فتنة إلا من رحم الله وقليل ماهم، فلذلك لايرضون عن أمير، ولا يرضى عنهم أمير، وهم على عكس أهل الشام تماماً.
ثامناً: تقع مسؤلية قتل مسلم بن عقيل والحسين بن على على كاهل الشيعة، وليس على بني أمية.
стр. 131
تاسعاً: اتخاذ الشيعة يوم عاشوراء يوم حداد، إنما هو من أجل التشنيع على بني أمية، لأنه قتل في دولة يزيد وليس حباً ولا حزناً على الحسين ﵁، ولهذا نجد أن علي أفضل من الحسين، وقد قتل غدراً ولم يتخذ أحداً يوم موته مأتماً، بل قد قتل من هو خير من الحسين ومن علي وهو عثمان بن عفان، ولم يتخذ أحد يوم قتله مأتما، وقتل عمر بن الخطاب في صلاة الفجر، وهو أفضل من هؤلاء جميعاً ﵃، ولم يتخذ أحد يوم موته مأتما.
عاشراً: عدالة الصحابة ثابتة بالقرآن والسنة، ولايطعن فيهم إلا زنديق أو منافق معلوم النفاق.
الحادي عشر: ان الأصل هو عدم الخوض فيما شجر بين الصحابة مع عامة الناس، إلا إذا ظهرمبتدع يقدح فيهم بالباطل فلابد من الذب عنهم، وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل، ولابدا من الرجوع إلى أقوال الا ئمة المتخصصين في هذا الشان، وكذلك التحقق من الرويات التاريخية، وكما يقال وما أفة الأخبار إلا رواته. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآخرُ دعوانا أن الحمدُاللهِ ربِ العالمين
стр. 132
المصادر والمراجع
*القران الكريم
*البداية والنهاية لابن كثير. تحقيق محمد بيومي وآخرون. ط. مكتبة الإيمان
*الكامل في التاريخ لابن الأثير. تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري. ط. دار الكتاب العربي
* تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري مكتبة. المشكاة *. العواصم من القوا صم. تأليف القاضي أبى بكر بن العربي. تحقيق محب الدين الخطيب. ط المكتبة السلفية الطبعة السابعة
*منهاج السنة النبوية لابن تيميه. مكتبة المشكاة.
*تاريخ خليفة ابن خياط. .ط. مكتبة المشكاة.
*من أقوال المنصفين في الخليفة معاوية تأليف الشيخ عبد المحسن العباد ط. المشكاة.
* تاريخ أبي زرعه الدمشقي. من منشورات مكتبة. المشكاة
* الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيميه / من منشورات مكتبة. المشكاة
* من سب الصحابة ومعاوية فأمهُ هاويه للدكتور. عبد الرحمن المغراوي المشكاة
* مفهوم عدالة الصحابة تأليف أبو عبد الله الذهبي. مكتبة المشكاة
* اعتقاد أهل السنة في الصحابة تأليف محمد بن عبد الله
* موسوعة الشيخ الألباني قرص سي دي مكتبة الألباني الإصدار الأول
*الشيعة والسنة. إحسان إلهي ظهير منشورات مكتبة صيد الفوائد
*من قتل الحسين؟ ﵁. للشيخ عبدا لله بن عبدا لعزيز. دار الإيمان
*العبر في خبر من غبر. للإمام الذهبي. /مكتبة المشكاة
*استشهاد الحسين دراسة تحليلية نقدية/ للشيخ أبو عبد الله الذهبي المشكاة
* الإنقاذ من دعاوى الإنقاذ للتاريخ الإسلامي. تأليف د. سليمان بن حمد العودة. المشكاة