← История

История · id 2034

الوجيز في أسباب ونتائج قتل عثمان

مصطفى يونس الراقي الفاخري

Полный текст (132 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأما صاحب عمرو بن العاص وهو - عمرو بن بكر - فإنه كمن له ليخرج إلى الصلاة فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فلم يخرج إلا نائبه للصلاة وهو خارجة بن أبي حبيبة من بني عامر ابن لؤي وكان على شرطة عمرو بن العاص فحمل عليه الخارجي فقتله وهو يعتقده عمرو بن العاص , فلما أخذ الخراجي قال: أردت عمراً وأراد الله خارجة , فأرسلها مثلاً , وقتل قبحه الله. وعن جعفر بن محمد الصادق قال: صُلَّى عَلَى علِيَّ ليلاً ودفن بالكوفة وعمي موضع قبره , ولكنه عند قصر الإمارة وقال ابن الكلبي (١)

стр. 72

: (شهد دفنه في الليل الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر وغيرهم من أهل بيتهم فدفنوه في ظاهر الكوفة وعموا قبره خيفة عليه من الخوارج وغيرهم) . وحاصل الأمر أن علياً قتل يوم الجمعة سحراً وذلك لسبع عشرة خلت من رمضان من سنة أربعين ودفن بالكوفة على ثلاث وستين سنة ﵁ وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر فلما مات علي ﵁ استدعى الحسن ابن ملجم فقال له ابن ملجم: إني أعرض عليك خصلة قال: وما هي؟ قال إني كنت عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل علياً ومعاوية أو أموت دونهما فإن خليتني ذهبت إلى معاوية على أني إن لم أقتله أو قتلته وبقيت فلله علي أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك فقال له الحسن: كلا والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله وقد قيل: إن عبد الله بن جعفر قطع يده ورجله وكحلت عيناه وهو مع ذلك يقرأ سورة [اقرأ باسم ربك الذي خلق] إلى أخرها ثم جاءوا ليقطعوا لسانه فجزع وقال: إني أخشى أن تمر علي ساعة لا أذكر الله فيها ثم قطعوا لسانه ثم قتلوه) (١) الباب الثالث خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب

стр. 73

يقول ابن كثير: (إن علياً ﵁ لما ضربه ابن ملجم قالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين فقال: لا لكن أدعكم كما ترككم رسول الله ﷺ -يعني بغير استخلاف. فإن يرد الله بكم خيراً يجمعكم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله ﷺ . فلما توفي وصلى عليه ابنه الحسن.لأنه أكبر بنيه ﵃ ودفن بدار الإمارة على الصحيح من أقوال الناس فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن علي ﵁ قيس بن سعد بن عبادة فقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده، وكان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان تحت يده أربعون ألف مقاتل قد بايعوا علياً على الموت فلما مات علي ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام، فعزل قيساً عن إمرة أذربيجان، وولى عبيد الله بن عباس عليها , ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحداً، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعاً عظيماً لم يسمع بمثله ,فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثنى عشر ألفاً بين يديه، وسار هو بالجيوش في أثره قاصداً بلاد الشام، ليقاتل معاوية وأهل الشام فلما اجتاز بالمدائن إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضاً حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطاً كان جالساً عليه،وطعنه بعضهم فكرههم الحسن كراهية شديدة، وركب فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله وهو جريح، وكان عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي، فلما استقر الجيش بالقصر , قال المختار بن أبي عبيد قبحه الله لعمه سعد بن مسعود: هل لك في الشرف والغني؟ قال: ماذا؟ قال تأخذ الحسن بن علي فتقيده وتبعثه إلى معاوية فقال له عمه: قبحكم الله وقبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول الله ﷺ ، ولما رأى الحسن بن علي تفرق

стр. 74

جيشه عليه مقتهم وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان- فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف درهم وأن يكون خراج دار أبجرد له وأن لا يُسب علي وهو يسمع فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة لمعاوية ويحقن الدماء بين المسلمين فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية، وقد لام الحسين لأخيه الحسن على هذا الرأي فلم يقبل منه والصواب مع الحسن ﵁ والمشهور أن مبايعة الحسن كانت في سنة أربعين ولهذا يقال له عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على معاوية والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين وقال ابن جرير في هذه السنة (يعني سنة إحدى وأربعين) سلّم الحسن بن علي الأمر لمعاوية بن أبي سفيان. ثم روى عن الزهري أنه قال: لما بايع أهل العراق الحسن بن علي طفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون مسالمون من سالمت محاربون من حاربت فارتاب به أهل العراق وقالوا: ما هذا لكم بصاحب فازداد لهم بغضاً وازداد منهم ذعراً. فعند ذلك عرف تفرقهم واختلافهم عليه وكتب إلى معاوية يسالمه ويراسله في الصلح بينه وبينه على ما يختاران , وروى البخاري في كتاب الصلح عن أبي موسى قال: قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة أخرى ويقول "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " قال البخاري: قال لي علي بن المديني: إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث (١) .

стр. 75

وروى الحافظ الخطيب البغدادي: حدثنا بن جعفر محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكمي حدثنا عباس بن محمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا زهير بن معاوية حدثنا أبو روق الهمداني حدثنا أبو العريف قال: كنا في مقدمة الحسن بن علي اثنا عشر ألفاً بمسكن مستميتين من الجد على قتال أهل الشام، وعلينا أبو الغمر طه فلما جاءنا بصلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، فلما قدم الحسن بن علي على الكوفة قال له رجل منا يقال له: أبو عامر سعيد بن النتل: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: لا تقل هذا يا عامر. لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك، ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق، ورجع إليه قيس بن سعد وقد كان عزم على الشقاق وحصل على بيعة معاوية عامئذ الإجماع والاتفاق، ترحل الحسن بن علي ومعه إخوه الحسين وبقية أخوتهم وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحي من شيعتهم يبكتونه (١) على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية، وهو في ذلك هو البار الراشد الممدوح وليس يجد في صدره حرجاً ولا تلوماً ولا ندماً بل هو راضٍ بذلك مستبشر به، وإن كان قد ساء هذا خلقاً من ذويه وأهله وشيعتهم، ﵁ وأرضاه وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه) (٢) . فضل معاوية بن أبي سفيان

стр. 76

يقول ابن كثير: (هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أبو عبد الرحمن القرشي الأموي خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين أسلم هو وأبوه وأمه هند بنت عتبة بن ربيعه بن عبد شمس يوم الفتح وقد روى عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكني كتمت إسلامي من أبي إلى يوم الفتح وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية وآلت إليه رياسة قريش بعد يوم بدر فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب وكان رئيساً مطاعاً ذا مال جزيل ثم أصبح معاوية من كتّاب الوحي لرسول الله ﷺ ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان وأقره على ذلك عثمان بن عفان وزاده بلاداً أخرى وهو الذي بنى القبة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة.

стр. 77

وروى الطبراني عن ابن عباس أنه قال: مازلت موقناً أن معاوية يلي الملك من هذه الآية يعني " من قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً " [الإسراء:٣٣] فلما امتنع معاوية من البيعة لعلي حتى يسلمه قتلة عثمان حدثت تلك الأحداث العظيمة التي ذكرناها في الباب الثاني في هذا البحث، ثم استفحل أمر معاوية ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أهل العراق حتى قتله ابن ملجم فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي وأهل الشام لمعاوية بن سفيان , ثم خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁ وكان ذلك في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعدما بايعه الناس واستوثقت لهُ الممالك شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة) (١) (وروى الإمام أحمد ومسلم والحاكم في مستدركهِ من طريق أبي عوانه عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله ﷺ ، قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي، فاختبأت على الباب فجاءني فخطاني خطاة أو خطاتين، ثم قال " اذهب فادعُ لي معاوية " وكان يكتب الوحي. قال: فذهبت فدعوته لهُ فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: له إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل: إنهُ يأكل فأخبرتهُ، فقال في الثالثة " لا أشبع الله بطنه " قال: فما شبع بعدها (٢) . يقول ابن كثير: " وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميراً كان يأكل في اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة

стр. 78

ومعدة يرغب ُ فيها كلِ الملوك) (١) ، وأما في الآخرة فيقول الشيخ عبد المحسن العباد: (وقد ختم الإمام مسلم ﵀ بهذا الحديث الأحاديث الواردة في دعاء النبي ﷺ أن يجعل ما صدر منه من سب ودعاء على أحد ليس هو أهلاً لذلك أن يجعله له زكاة وأجراً ورحمة وذلك كقوله: " تربت يمينك، وثكلتك أمك، عقري حلقي ولا كبرت سنك "، فقد أورد في صحيحه عدّة أحاديث. أحدها هذا الحديث، وقبله حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كانت لأم سليم يتيمة، وأم سليم هي أم أنس، فرآها رسول الله ﷺ فقال: " أأنت هي لقد كبرتِ لا كبر سنّك ". فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت لها أم سليم: ما لك يا بنية؟ فقالت الجارية: دعا عليَّ النبي ﷺ أن لا يكبر سنّي، فالآن لا يكبر سني أبداً، أو قالت قرني. فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها، حتى لقيت رسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : " ما لك يا أم سليم؟ "، قالت: يا رسول الله، أدعوت على يتيمتي؟ قال: " وما ذاك يا أم سليم؟ "، قالت: زَعَمَتْ أنك دعوت عليها أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها. قال: فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: " يا أم سليم، أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة ".

стр. 79

وعقب هذا الحديث مباشرة أورد مسلم ﵀ الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ في معاوية: " لا أشبع الله بطنه ". وهذا من حسن صنيع مسلم ﵀ وجودة ترتيبه لصحيحه، وهو من دقيق فهمه، وحسن استنباطه ﵀ (١) يقول ابن كثير في تاريخه: قلت: (قد قال البخاري في كتاب المناقب: ذكر معاوية بن أبي سفيان ثم ذكر سنداً عن ابن أبي مليكه قال: أوترَ معاوية بعد العشاء بركعة وعندهُ مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: أوتر معاوية بركعة بعد العشاء فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله ﷺ . حدثنا بن أبي مريم حدثنا نافع بن عمر ابن أبي مليكة قال: قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلا بواحدة! قال: أصاب. إنه فقيه) (٢) . (روى أبو بكر بن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله ﷺ -في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده فسلمت عليه وجلست فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فأدخلا بيتاً وأُجيف الباب وأنا أنظر فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قُضِي لي ورب الكعبة , ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غُفِر لي ورب الكعبة.

стр. 80

وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية , فقال له: ولِمَ؟ قال: لأنه قاتل علياً , فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم , وخصم معاوية كريم , فإيش دخولك أنت بينهما؟ ﵄ وسئل الإمام أحمد عن ما جرى بين علي ومعاوية فقرأ: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم , ولا تسألون عما كانوا يعملون") (١) [البقرة: ١٣٤] . يقول أحد السلف وهو أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي قال: (إن معاوية بن أبي سفيان ستر لأصحاب رسول الله ﷺ فمن كشف الستر اجترأ على ما وراءه) . (٢) (وقال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي بن أبي طالب ﵁ إلى معاوية جعل يبكي فقالت له امرأته أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. وفي رواية أنها قالت: بالأمس تقاتلنه واليوم تبكينه؟) (٣) خروج طائفة من الخوارج على معاوية

стр. 81

يقول ابن كثير: (كان سبب ذلك أن معاوية ﵁ لما دخل الكوفة وخرج الحسن وأهله منها قاصدين إلى الحجاز قالت فرقة من الخوارج نحو خمسمائة. جاء ما لا يشك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه فساروا حتى قربوا من الكوفة وعليهم فروة بن نوفل. فبعث إليهم معاوية خيلاً من أهل الشام فطردوا الشاميين، فقال معاوية: لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم فخرجوا إلى الخوارج فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون؟ أليس معاوية عدوكم وعدونا؟ فدعونا حتى نقاتله فإن أصبناه كنا قد كفينا كموه، وإن أُصبنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا والله حتى نقاتلكم , فقالت الخوارج: يرحم الله إخواننا من أهل النهروان كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم، ثم ولى معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة وفي هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وتغلب عليها فبعث معاوية جيشاً ليقتلوه ومن معه، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية فسأله في الصفح والعفو، فعفى عنهم وأطلقهم وولي على البصرة بسر ابن أبي أرطأة وبعد خروج هذه الطائفة بسنتين وتحديداً سنة ثلاث وأربعين. كانت وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة،وذلك أنهم صمموا على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز لهم المغيرة بن شعبة جنداً عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو الرواع بمكان يقال له المذار , فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس فنزل وصلى بأصحابه،ثم شرع في مدح أبي الرواع فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة. فكن أنت ردأ الناس ومر الفرسان

стр. 82

فليقاتلوا بين يديك فقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت , فما كان إلا ريثما قال له ذلك حملت الخوارج على معقل وأصحابه فانجفل عنه عامة أصحابه فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض , فترجل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس منهم أبو الرواع الشاكري , فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فدمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالاً شديداً، والناس يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، وهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة. ووقعوا في أرض نهر شير، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد - نائب المدائن- ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة) (١) . أخذ معاوية ﵁ -البيعة لابنه يزيد سنة إحدى وخمسين هجري

стр. 83

روى خليفة بن خياط في تاريخه (عن وهب بن جرير بن حازم قال: حدثني أبي قال: أخبرنا النعمان بن راشد عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة قال: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد، حج فقدم مكة في نحو من ألف رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحق بهذا الأمر منه؟ ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: أما بعد يا بن عمر فإنك قد كنت تحد ثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم، فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث عملوا الخيار، وأنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر. وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد وأخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه فقال: إنك والله لوددت إنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنفرنها عليك جذعه ثم وثب فقام. فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل لا تشرفن بأهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا بن الزبير عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما، فتكلم ابن الزبير فقال: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدا، ثم قام فراح معاوية فصعد المنبر فحمد

стр. 84

الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له فقال: أهل الشام لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: مه سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل. فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا. ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام، ثم روي ابن خياط عن وهب قال: حدثني أبي عن أيوب عن نافع قال: خطب معاوية فذكر ابن عمر فقال: والله ليبايعن أو لا قتلنه، فخرج عبيد الله بن عبد الله بن عمر إلى أبيه فأخبره، وسار إلى مكة ثلاثا، فلما أخبره بكى ابن عمر، فبلغ الخبر عبد الله بن صفوان فد خل على ابن عمر فقال: أخطب هذا بكذا؟ قال: نعم. فقال: ما تريد؟ أتريد قتاله؟ فقال: يا بن صفوان الصبر خير من ذلك. فقال ابن صفوان: والله لئن أراد ذلك لأقاتلنه. فقدم معاوية مكة، فنزل ذا طوى، فخرج إليه عبد الله بن صفوان فقال: أنت الذي تزعم أنك تقتل ابن عمر إن لم يبايع لابنك؟ فقال: أنا أقتل ابن عمر!! إني والله لا أقتله. حدثنا وهب بن جرير قال: حدثني جويرية بن أسماء قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما كان قريبا من مكة، قال لصاحب حرسه: لا تدع أحدا يسير معي إلا من حملته أنا. فخرج يسير وحده حتى إذا كان وسط الأراك لقيه الحسين بن علي، فوقف وقال: مرحبا وأهلا يا بن بنت رسول الله ﷺ ، سيد شباب المسلمين، دابة لأبي عبد الله يركبها، فأتي ببرذون فتحول عليه، ثم طلع عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: مرحبا وأهلا بشيخ قريش وسيدها وابن صديق هذه الأمة، دابة لأبي محمد، فأتي ببرذون فركبه، ثم طلع ابن عمر فقال: مر حبا وأهلا بصاحب رسول الله ﷺ وابن الفاروق

стр. 85

وسيد المسلمين ودعا له بدابة فركبها، ثم طلع ابن الزبير فقال له: مرحبا وأهلا يا بن حواري رسول الله ﷺ ، وابن الصديق وابن عمة رسول الله، ثم دعا له بدابة فركبها. ثم أقبل يسير بينهم لا يسايره غيرهم حتى د خل مكة، ثم كانوا أول داخل وآخر خارج ليس في الأرض صباح إلا لهم فيه حباء وكرامة لا يعرض لهم بذكر شئ مما هو فيه حتى قضى نسكه وترحلت أثقاله، وقرب مسيرة إلى الكعبة وأنيخت رواحله، فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: أيها القوم لا تخدعوا إنه والله ما صنع بكم لحبكم ولا كرامتكم، وما صنعه إلا لما يريد فأعدوا له جوابا. وأقبلوا على الحسين فقالوا: أنت يا أبا عبد الله؟ قال: وفيكم شيخ قريش وسيدها هو أحق بالكلام. فقالوا: أنت يا أبا محمد لعبد الرحمن بن أبي بكر فقال: لست هناك وفيكم صاحب رسول الله ﷺ -وابن سيد المسلمين - يعني ابن عمر -. فقالوا لابن عمر: أنت؟ قال: لست بصاحبكم ولكن ولوا الكلام ابن الزبير يكفيكم. قالوا: أنت يا بن الزبير. قال: نعم إن أعطيتموني عهودكم ومواثيقكم ألا تخالفوني كفيتكم الرجل. فقالوا: فلك ذلك. فخرج الإذن فأذن لهم، فدخلوا، فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم وصفحي عنكم وحملي لما يكون منكم، ويزيد بن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس فيكم رأيا، وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونون أنتم الذين تنزعون وتؤمرون، وتجبون وتقسمون، لا يدخل عليكم في شئ من ذلك، فسكت القوم فقال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا. فأقبل على ابن الزبير فقال: هات يا بن الزبير، فإنك لعمري صاحب خطبة القوم. قال: نعم يا أمير المؤمنين نخيرك بين ثلاث خصال أيها ما أخذت فهو لك رغبة. قال: لله أبوك أعرضهن. قال: إن شئت صنعت ما صنع رسول الله ﷺ ، وإن شئت صنعت ما صنع أبو بكر فهو خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه

стр. 86

وسلم، وإن شئت صنعت ما صنع عمر فهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر. قال: لله أبوك وما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله ﷺ فلم يعهد ولم يستخلف أحدا، فارتضى المسلمون أبا بكر، فإن شئت أن تدع هذا الأمر حتى يقضي الله فيه قضاءه فيختار المسلمون لأنفسهم فقال: إنه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر، إن أبا بكر كان رجلا تقطع دونه الأعناق، وإني لست آمن عليكم الاختلاف. قال: صدقت والله ما تحب أن تدعنا على هذه الأمة. قال فاصنع ما صنع أبو بكر. قال: لله أبوك قال: وما صنع أبو بكر؟ قال: عمد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه ولا من رهطه الأدنين فاستخلفه، فإن شئت أن تنظر أي رجل من قريش شئت ليس من بني عبد شمس فترضى به قال: لله أبوك الثالثة ما هي؟ قال: تصنع ما صنع عمر. قال: وما صنع عمر؟ قال: جعل هذا الأمر شورى في ستة نفر من قريش، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه ولا من رهطه. قال: فهل عندك غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضا. قال: أما أنا فإني أحببت أن أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر، وإنه قد كان يقوم منكم القائم إلي فيكذبني على رؤوس الناس، فأحتمل له ذلك وأصفح عنه. وإني قائم بمقالة إن صدقت فلي صدقي وإن كذبت فعلي كذبي، وإني أقسم لكم بالله لئن رد علي منكم إنسان كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إلي رأسه، فلا يرعين رجل إلا على نفسه، ثم دعا صاحب حرسه فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين من حرسك، فإن ذهب رجل يرد علي كلمة في مقامي هذا بصدق أو كذب فليضرباه بسيفيهما (١)

стр. 87

، ثم خرج وخرجوا معه حتى إذا رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا نستبد بأمر دونهم ولا نقضي أمرا إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد بن أمير المؤمنين من بعده، فبايعوا بسم الله، فضربوا على يديه ثم جلس على راحلته وانصرف فلقيهم الناس فقالوا: زعمتم وزعمتم فلا أرضيتم وحبيتم فعلتم قالوا: إنا والله ما فعلنا قالوا: فما منعكم أن تردوا على الرجل إذ كذب؟ ثم بايع أهل المدينة والناس ثم خرج إلى الشام. حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرنا سفيان عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد بن معاوية: إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاء صبرنا، وحدثنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأود ي عن حميد بن عبد الرحمن قال: د خلنا على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: أتقولون أن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقها ولا أعظمها فيها شرفا؟ قلنا: نعم. قال: وأنا أقول ذلك، ولكن والله لإن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق. أرأيتم بابا لو دخل فيه أمة محمد وسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أهر يق دم أخي، ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذ لك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله ﷺ : لا يأتيك من الحياء إلا خير) (١) . وفاة الحسن بن علي بن أبي طالب

стр. 88

يقول ابن كثير: (هو أبو محمد القرشي الهاشمي سِبْط رسول الله ﷺ ابن ابنته فاطمة الزهراء، وريحانته , وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله ﷺ بريقه وسماه حسناً، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه حباً شديداً، وقد ثبت في صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق صلى بهم العصر بعد وفاة رسول الله بليالٍ ثم خرج هو وعلي يمشيان , فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على عنقه وجعل يقول " بأبي شبه النبي، وليس شبيهاً لعلي" قال: وعلي يضحك (١) وقال أبو داود والطيالسي: حدثنا قيس عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك (٢) وقال أحمد: حدثنا حازم بن الفضيل حدثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان النهد ي يحدثه أبو عثمان عن أسامة بن زيد قال: كان النبي ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمنا ثم يقول: " اللهم ارحمهما فإني ارحمهما " (٣) وفي رواية " اللهم أحبهما فإني أحبهما " وقال شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي ﷺ والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول " اللهم أحبه فإني أحبه" (٤) وقال الأصمعي: عن سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله قال: رأى الحسن

стр. 89

بن علي في منامه أنه مكتوب بين عينيه، (قل هو الله أحد) ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا فقلَّ ما بقي من أجله. قال: فلم يلبث الحسن بن علي بعد ذلك إلا أياماً حتى مات. وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن عمير بن إسحاق، قال: " دخلت أنا ورجل آخر من قريش على الحسن بن علي فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود , ولقد سقيت السم مراراً وما سقيت مرة هي أشد من هذه، قال: وجعل يقول لذلك الرجل سلني قبل أن لا تسألني. فقال: ما أسألك شيئاً يعافيك الله، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد، وقد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند رأسه فقال: أي أخي! من صاحبك؟ قال: تريد قتله , قال نعم! قال: لئن كان صاحبي الذي أظن الله أشد نقمة. وفي رواية: فالله أشد بأساً وأشد تنكيلاً , وإن لم يكن هو ما أحب أن تقتل بي بريئاً. ورواه محمد بن سعد عن ابن علية عن ابن عون. وقال أبو نعيم: " لما أشتد بالحسن بن علي الوجع جزع فدخل عليه رجل فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزع؟ وما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على أبويك علي وفاطمة وعلى جديك النبي ﷺ وخديجة وعلى أعمامك حمزة وجعفر , وعلى أخوالك القاسم الطيب والطاهر وإبراهيم، وعلى خالاتك زينب ورقية وأم كلثوم، قال: فسري عنه. وقيل: إن القائل له ذلك أخوه الحسين وأن الحسن قال له: يا أخي إني أدخل في أمرٍ من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقاً من خلق الله لم أرَ مثله قط، قال: فبكى الحسين ﵃. رواه عباس الدوري عن ابن معين، ورواه بعضهم عن جعفر بن محمد عن أبيه فذكر نحوهما. وتوفي الحسن وهو ابن سبع وأربعين سنة والمشهور أنه مات سنة ٤٩ هـ) (١) وفاة معاوية بن أبي سفيان ﵁

стр. 90

وقال ابن أبي الدنيا: (حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس إن من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خيرٌ مني، إنما يليكم من هو شر مني، كما كان من وليكم قبلي خيراً مني , ويا يزيد إذا دنا أجلي فولِ غسلي رجلاً لبيباً , فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله ﷺ وقراضة من شعره وأظفاره فاستودع القراضة أنفي وفمي، وأذني وعيني، واجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون لفافي، ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين. فإذا ادرجتموني في جريدتي ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وارحم الراحمين.) (١) (وقال أبو السائب المخزومي: لما حضرت معاوية الوفاة تمثل بقول الشاعر: إن تناقش يكن نقاشكَ يا ربُ عذاباً لا طوقَ لي بالعذابِ أو تجاوز تجاوزَ العفوِ واصفحْ عن مسيءٍ ذنوبهُ كالترابِ وقال محمد بن سيرين: جعل معاوية لما احتضر يضع خداً على الأرض ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء ٤٨ اللهم فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له. وقال العتبي عن أبيه: تمثل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السياق: هو الموتُ لا منجا منَ الموتِ والذي نحاذرُ بعد الموتِ أدهى وأفظعُ

стр. 91

ثم قال: اللهم أقلِ العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرجَ غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك , رواه ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيده عن أبي عمرو بن العلاء فذكر مثله، وزاد: ثم مات. وقال غيره: أغمي عليه ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا الله فإن الله تعالى يقي من اتقاه , ولا يقي من لا يتقي، ثم مات ﵀. ولا خلاف أنه توفي بدمشق في رجب سنة ستين. وقال محمد بن إسحاق والشافعي: صلى عليه ابنه يزيد وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائباً فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن بدار الإمارة وهي الخضراء، وقيل بمقابر باب الصغير , وعليه الجمهور والله أعلم , وكان عمره آنذاك ثمانيا وسبعين سنة، وقيل جاوز الثمانين وهو الأشهر) (١) قال أبو زرعة قال سمعت أبا مسهر _ أملاه علينا: أن معاوية بويع سنة أربعين وهو عام الجماعة فأقام عشرين سنة إلا شهراً (٢) توجه الحسين بن علي ﵁ -إلى العراق

стр. 92

قال ابن كثير: (لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق وتكررت الرسل بينهم وبينه , وجاءه كتاب مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله، ثم وقع في غبون ذلك ما وقع من قتل مسلم بن عقيل , والحسين لا يعلم بشيء من ذلك، بل قد عزم على المسير إليهم والقدوم عليهم، فاتفق خروجه من مكة أيام التروية قبل مقتل مسلم بيوم واحد- فإن مسلماً قتل يوم عرفة- ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك،وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكّروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم، وقال غير واحد عن شبابه بن سوار قال: حدثنا يحي بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال: سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر أنه كان بمكة فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليالٍ فقال: أين تريد؟ قال: العراق وإذ معه كتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا تأتهم فأبى، فقال ابن عمر: إني محدثك حديثاً، إن جبريل أتى النبي ﷺ فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله والله ما يليها أحدُ منكم أبداً، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع.قال: فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل. وقال يحي بن معين:حدثنا أبوعبيدة حدثنا سليم بن حيان عن سعيد بن مينا قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: عجل حسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني ببني هاشم فُتح هذا الأمر، وببني هاشم يُختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان. قلت: وهذا مع حديث ابن عمر يدل على أن الفاطميين أدعياء كذبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة كما نص عليه غير واحد من الأئمة.

стр. 93

وقال ابن الزبير للحسين: أين تذهب إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلى من أن تُستحل بي - يعني مكة) (١) (وهذا هو موقف ابن الزبير ﵁ مثل باقي كبار الصحابة الذين نصحوا الحسين بعدم الخروج والحجة في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد حسن قال: لقي عبد الله بن الزبير الحسين بن علي بمكة فقال: يا أبا عبد الله بلغني أنك تريد العراق، قال: أجل، قال فلا تفعل، فإنهم قتلة أبيك، الطاعنين بطن أخيك وإن أتيتهم قتلوك. المصنف "٧ /٤٧٧ "، وهذا الأثر يرد على مزاعم الإخباريين حول تحريض ابن الزبير للحسين بن علي رضوان الله عنهم أجمعين على الخروج على يزيد بن معاوية. وأن ابن الزبير ضاق من وجود الحسين بمكة، وأنه كان يطمع بالخلافة، وأن يخلو له الجو كما يقولون، وأن تخلو له الساحة والميدان) (٢)

стр. 94

وروى محمد بن سعد قال: (لما بايع الناس معاوية ليزيد كان الحسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا , ويستطيلوا بنا , ويستنبطوا دماء الناس ودماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الإقامة عنهم، فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف) (١) . (وقال محمد بن سعيد: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جعفر بن سليمان عن يزيد الرشك قال: حدثني من شافه الحسين قال: رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الأرض فقلت: لمن هذه؟ قالوا: هذه للحسين قال: فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته، قال قلت: بأبي وأمي يا بن بنت رسول الله ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟ فقال: هذه كتب أهل الكوفة إلى ولا أرهم إلا قاتلي , فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة - يعني مقنعتها) (٢) .

стр. 95

(وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن بعض مشيخته قال: قال الحسين حين نزلوا كر بلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كر بلاء، قال: كرب وبلاء. وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد لقتالهم، فقال له الحسين: يا عمر اختر مني إحدى ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم فيَ ما رأى , فإن أبيت هذه فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل إلى ابن زياد بذلك , فهمّ أن يسيره إلى يزيد، فقال شمر بن ذي الجو شن: لا! إن ينزل على حكمك، فأرسل إلى الحسين بذلك فقال الحسين: والله لا أفعل , وأبطأ عمر عن قتاله فأرسل ابن زياد شمر بن ذي الجو شن وقال له: إن تقدم عمر فقاتل وإلا فاقتله وكن مكانه، فقد وليتك الإمرة وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلاً من أعيان أهل الكوفة , فقالوا له: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله ﷺ ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئاً؟ فتحولوا مع الحسين يقاتلون معه) (١) . استشهاد الحسين بن علي ﵁. يقول الشيخ أبو عبد الله الذهبي (يقول ابن حجر: وقد صنف جماعة من القدماء في مقتل الحسين تصانيف فيها الغث والسمين، والصحيح والسقيم، وقد صح عن إبراهيم النخعي أنه كان يقول: لو كنت فيمن قاتل الحسين ثم دخلت الجنة لاستحييت أن أنظر إلى وجه رسول الله ﷺ . الإصابة (٢/٨١) .

стр. 96

واختلفت الأقوال في يوم قتله، فالبعض قال يوم الجمعة وقيل يوم السبت العاشر من المحرم والأصح الأول. واتفق على أنه قتل يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى وستين، وكذا قال الجمهور، وشذ من قال غير ذلك، وكان يوم الجمعة هو يوم عاشوراء. الإصابة (٢/٧٦-٨١) والعقد الفريد لابن عبد ربه (٤/٣٥٦) وهو يؤيد الإجماع. وقال الحافظ في الفتح: كان مولد الحسين في شعبان سنة أربع في قول الأكثر، وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكر بلاء من أرض العراق، وكان أهل الكوفة لما مات معاوية واستخلف يزيد كاتبوا الحسين بأنهم في طاعته فخرج الحسين إليهم، فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدمه قبله ليبايع له الناس، ثم جهز إليه عسكراً فقاتلوه إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته. فتح الباري (٧/١٢٠) . وتاريخ خليفة (ص ٢٣٤) .وروى الحاكم عن أم الفضل بنت الحارث أن رسول الله ﷺ قال: أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا - يعني الحسين - فقلت: هذا؟ فقال نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء. السلسلة الصحيحة (٢/٤٦٤) وهو في صحيح الجامع، رقم (٦١) .

стр. 97

وروى أحمد عن عائشة أو أم سلمة أن النبي ﷺ قال: لقد دخل عليّ البيت مَلَكٌ لم يدخل علي قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها. السلسلة الصحيحة (٢/٤٦٥) . وروى أحمد عن ابن عباس قال: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم ذات يوم بنصف النهار أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه، ولم أزل ألتقطه منذ اليوم. فأحصي ذلك الوقت، فوجد قتل ذلك الوقت. مشكاة المصابيح للتبريزي بتحقيق الشيخ الألباني (٦١٧٢) . ومسند أحمد (١/٢٨٣) والذي يقول فأحصينا.. هو راوي الخبر عن ابن عباس، هو أبو عمر عمار بن أبي عمار مولى بني هشام، صدوق من كبار التابعين (ت ١٢٠ هـ) ، التقريب (ص ٤٠٨) . وقد اختلطت الروايات الحقيقية بالمكذوبة التي افتراها الرافضة الحمقى وروج لها الإخباريين بأسلوب يهدر كل القيم والمثل. نعم هناك روايات كتاب الأغاني، - والذي يسمى بالنهر المسموم -، ذلك النهر الذي عب منه كل مثقفينا، وكل من تناول جانباً من تاريخنا، كابراً عن كابر، فَضَّلوا وأضلوا. وهذا الذي ذكرته هو المشهور والمتفق عليه بين العلماء في مقتله ﵁ وقد رويت زيادات بعضها صحيح وبعضها ضعيف وبعضها كذب موضوع، والمصنفون من أهل الحديث في سائر المنقولات أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم؛ لأنهم يسندون ما ينقلونه عن الثقات، أو يرسلونه عمن يكون مرسله مقارب الصحة بخلاف الإخباريين؛ فإن كثيراً مما يسندونه، يسندونه عن كذّاب أو مجهول، أمّا ما يرسلونه فظلمات بعضها فوق بعض، وأما أهل الأهواء ونحوهم فيعتمدون على نقل لا يعرف له قائل أصلاً لا ثقة ولا ضعيف وأهون شيء عندهم الكذب المختلق، وأعلم من فيهم لا يرجع فيما ينقله إلى عمدة بل إلى سماعات عن المجاهيل والكذابين، و

стр. 98

روايات عن أهل الإفك المبين.هذه هي الحقيقة الفاجعة، وأصلها وفصلها، وكفى، لكن لنقف مع تقويم هذه المعارضة من قبل الحسين ﵁. كانت معارضة الحسين ليزيد بن معاوية وخروجه إلى العراق طلباً للخلافة، ثم مقتله ﵁ بعد ذلك، قد ولد إشكالات كثيرة، ليس في الكيفية والنتيجة التي حدثت بمقتله ﵁، بل في الحكم الشرعي الذي يمكن أن يحكم به على معارضته، وذلك من خلال النصوص النبوية، وإن عدم التمعن في معارضة الحسين ليزيد والتأمل في دراسة الروايات التاريخية الخاصة بهذه الحادثة قد جعلت البعض يجنح إلى اعتبار الحسين خارجاً على الإمام!! ، وأن ما أصابه كان جزاءاً عادلاً!! وذلك وفق ما ثبت من نصوص نبوية تدين الخروج على الولاة.فقد قال ﷺ : من أراد أن يفرق بين المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان. صحيح مسلم (١٢/٢٤١) ، قال السيوطي: أي فاضربوه شريفاً أو وضيعاً على إفادة معنى العموم. عقد الزبرجد (١/٢٦٤) . وقال النووي معلقاً على هذا الحديث: الأمر بقتال من خرج على الأمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بالقتل قتل وكان دمه هدراً. وفي هذا الحديث وغيره من الأحاديث المشابهة له جاء تأكيد النبي ﷺ -على أن الخارج على سلطان المسلمين يكون جزاؤه القتل، وذلك لأنه جاء ليفرق كلمة المسلمين. وإن الجمود على هذه الأحاديث جعلت الكرامية فرقة من الفرق مثلاً يقولون: إن الحسين ﵁ باغ على يزيد!! ، فيصدق بحقه من جزاء القتل. نيل الأوطار للشوكاني (٧/٣٦٢) .

стр. 99

وأما البعض فقد ذهبوا إلى تجويز خروج الحسين ﵁ واعتبروا عمله هذا مشروعاً، وجعلوا المستند في ذلك إلى أفضلية الحسين والى عدم التكافؤ مع يزيد. نيل الأوطار (٧/٣٦٢) ، وأما البعض فقد جعل خروج الحسين خروجاً شرعياً بسبب ظهور المنكرات من يزيد. انظر: الدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم (ص ٣٧٦) وابن خلدون في المقدمة (ص ٢٧١) ، ولكن إذا أتينا لتحليل مخرج الحسين ﵁ ومقتله، نجد أن الأمر ليس كما ذهب إليه هذان الفريقان، فالحسين لم يبايع يزيد أصلاً، وظل معتزلاً في مكة حتى جاءت إليه رسل أهل الكوفة تطلب منه القدوم، فلما رأى كثرة المبايعين ظن ﵁ أن أهل الكوفة لا يريدون يزيد فخرج إليهم، وإلى الآن فإن الحسين لم يقم بخطأ شرعي مخالف للنصوص، وخاصة إذا عرفنا أن جزءً من الأحاديث جاءت مبينة لنوع الخروج. فعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: من نزع يداً من طاعة فلا حجة له يوم القيامة، ومن مات مفارقاً للجماعة فقد مات ميتة جاهلية. مسلم بشرح النووي (١٢/٢٣٣-٢٣٤) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵁: الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي بعدها كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة والشهر إلى الشهر يعني رمضان كفارة لما بينهما، قال: ثم قال بعد ذلك: إلا من ثلاث، - قال: فعرفت إن ذلك الأمر حدث إلا من الإشراك بالله، ونكث الصفقة، وترك السنة. قال: أما نكث الصفقة: أن تبايع رجلاً ثم تخالف إليه، تقاتله بسيفك، وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة. المسند (١٢/٩٨) بسند صحيح. وبالرغم من أن الحسين ﵁ حذره كبار الصحابة ونصحوه إلا أنه خالفهم، وخلافه لهم إنما هو لأمر دنيوي، فقد عرفوا أنه سيقتل وسيعرض نفسه للخطر، وذلك لمعرفتهم بكذب أهل العراق، والحسين ﵁ ما خرج يريد

стр. 100

القتال، ولكن ظن أن الناس يطيعونه، فلما رأى انصرافهم عنه طلب الرجوع إلى وطنه أو الذهاب إلى الثغر أو إتيان يزيد. منهاج السنة (٤/٤٢) . يقول ابن خلدون في المقدمة (ص ٢٧١) : فتبين بذلك غلط الحسين، إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه، وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه، لأنه منوط بظنه، وكان ظنه القدرة على ذلك، وأما الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا بالحجاز ومصر والعراق والشام والذين لم يتابعوا الحسين رضوان الله عليه، فلم ينكروا عليه ولا أثمّوه لأنه مجتهد وهو أسوة للمجتهدين به، ويقول شيخ الإسلام في منهاج السنة (٤/٥٥٦) : وأحاديث النبي ﷺ التي يأمر فيها بقتل المفارق للجماعة لم تتناوله، فإنه ﵁ لم يفارق الجماعة، ولم يقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى بلده أو إلى الثغر أو إلى يزيد، وداخلاً في الجماعة معرضاً عن تفريق الأمة، ولو كان طالب ذلك أقل الناس لوجب إجابته إلى ذلك، فكيف لا تجب إجابة الحسين، ويقول في موضع آخر ٦/٣٤٠ ولم يقاتل وهو طالب الولاية، بل قتل بعد أن عرض الانصراف بإحدى ثلاث.. بل قتل وهو يدفع الأسر عن نفسه، فقتل مظلوماً.) (١) ١) (وقال عبد الملك بن عمير: دخلت على عبيد الله بن زياد وإذا رأس الحسين بن علي بين يديه على ترس، فوا لله ما لبثت إلا قليلاً حتى دخلت على المختار بن أبي عبيد، وإذا رأس ابن زياد بين يدي المختار على ترس، ووالله ما لبثت إلا قليلاً حتى دخلت على عبد الملك بن مروان وإذا برأس مصعب بن الزبير على ترس بين يديه) (٢) ٢)

стр. 101

(عن حسن البصري أنه قال: قتل مع الحسين ستة عشر رجلاً كلهم من أهل بيته ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه وقال غيره: قتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاث وعشرون رجلاً فمن أولاد علي ﵁: جعفر والحسين والعباس ومحمد وعثمان وأبو بكر , ومن أولاد الحسين: علي الأكبر وعبد الله , ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة: عبد الله والقاسم وأبو بكر , ومن أولاد عبد الله بن جعفر اثنان: عون ومحمد ومن أولاد عقيل: جعفر وعبد الله وعبد الرحمن ومسلم قتل قبل ذلك وممن قتل مع الحسين بكر بلاء أخوه من الرضاعة عبد الله بن يقطر، وقد قيل قبل ذلك حيث بعث معه كتاباً إلى أهل الكوفة فحمل إلى ابن زياد فقتله وقتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلاً سوى الجرحى. فصلى عليهم عمر بن سعد ودفنهم ويقال: إن عمر بن سعد أمر عشرة من الفرسان فداسوا الحسين بحوافر خيولهم حتى ألصقوه بالأرض يوم المعركة وأمر برأسه أن يحمل من يومه إلى ابن زياد مع خولي بن يزيد الأصبحي فلما انتهى به إلى القصر وجده مغلقاً فرجع به إلى منزله فوضعه تحت إجاّنه وقال لامرأته نوار بنت مالك: جئتك بعز الدهر فقالت: ما هو؟ فقال: برأس الحسين. فقالت: جاء الناس بالذهب والفضة وجئت أنت برأس ابن بنت رسول الله ﷺ والله لا يجمعني وإياك فراش أبداً ثم نهضت من الفراش. فلم أصبح غدا به إلى ابن زياد فأحضره بين يديه ويقال إنه كان معه رؤوس بقية أصحابه وهو المشهور ومجموعها اثنان وسبعون رأساً وذلك أنه ما قتل قتيل إلا احتزوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد، ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام) (١) . ويقول ابن كثير: (ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً فاحشاً من كون الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم

стр. 102

وأن أرجاء السماء احمرت وإن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم وصارت السماء كأنها علقه والكواكب ضرب بعضها بعضاً وأمطرت السماء دماً أحمر وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ إلى أن قال: ابن كثير وللشيعة (١) والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه في حدود أربعمائة وما حولها فكانت الدبادب تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، وبذر الرماد والتبن في الطرقات والأسواق، وتغلق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين لأنه قتل عطشان ثم تخرج النساء حاسرات عن وجوههن ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن حافيات في الأسواق إلى غير ذلك من البدع الشنيعة والأهواء الفظيعة والهتائك المخترعة وإنما يريدون بهذا وأشباهه أن يشنعوا على دولة بني أمية لأنه قتل الحسين في دولتهم وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام فكانوا في يوم عاشوراء يطبخون الحبوب (٢) ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم، ويتخذون ذلك اليوم عيداً ويصنعون فيه أنواعاً من الأطعمة، ويظهرون فيه الفرح والسرور ويريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم إلى أن قال ابن كثير ﵀: فكل مسلم له أن يحزنه قتله ﵁ , فإنه من سادات المسلمين وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله ﷺ التي هي

стр. 103

أفضل بناته وقد كان عابداً شجاعاً شيخاً ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء , وقد كان أبوه أفضل منه فقتل وهم لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم مقتله مأتماً وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي قتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم مقتله مأتماً، ورسول الله ﷺ ولد آدم في الدنيا والآخرة , وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحداً يوم موتهم مأتماً يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك) (١) . (وروى البخاري من حديث شعبة ومهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب سمعت ابن أبي نعيم قال: سمعت عبد الله بن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب فقال: أهل العراق يسألون عن قتل الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ وقد قال رسول الله ﷺ هما ريحانتاي من الدنيا رواه البخاري برقم ٣٧٥٣) (٢) . ماذا تعرف عن الكوفة؟؟ الجواب: (يقول الشيخ الشيعي باقر شريف القرشي: " إن الكوفة كانت مهداً للشيعة، وموطناً من مواطن العلويين، وقد أعلنت إخلاصها لأهل البيت في كثير من المواطن " حياة الإمام الحسين ٣/١٢

стр. 104

وقال الشيخ الشيعي جواد محدثى: " اشتهر أهل الكوفة تاريخياً بالغدر ونقض العهد، وعلى كل حال فإن تاريخ الإسلام لا يحمل نظرة طيبة عن عهد والتزام أهل الكوفة" وقال أيضاً: "ومن جملة الخصائص النفسية والخلقية التي يتصف بها أهل الكوفة يمكن الإشارة إلى ما يلي: تناقض السلوك والتحايل والتلون والتمرد على الولاة والانتهازية وسوء الخلق والحرص والطمع وتصديق الإشاعات والميول القبلية إضافة إلى أنهم يتألفون من قبائل مختلفة، وقد أدت كل هذه الأسباب إلى أن يعاني منهم الإمام علي ﵇ الأمرَّين، وواجه الإمام الحسن ﵇ منهم الغدر، وقتل بينهم مسلم بن عقيل مظلوماً، وقتل الحسين عطشاناً في كر بلاء قرب الكوفة، وعلى يد جيش الكوفة موسوعة عاشوراء ص ٥٩) (١) من قتل الحسين ؟ يجيبك على هذا السؤال كبار أئمة الشيعة الروافض فهذه شهاداتهم على بني جلدتهم: (١-قال الشيعي حسين كوراني: " أهل الكوفة لم يكتفوا بالتفرق عن الإمام الحسين، بل انتقلوا نتيجة تلون مواقفهم إلى موقف ثالث، وهو أنهم بدأوا يسارعون بالخروج إلى كر بلاء، وحرب الإمام الحسين علية السلام، وفي كربلاء كانوا يتسابقون إلى تسجيل المواقف التي ترضي الشيطان، وتغضب الرحمن، مثلاً نجد أن عمرو بن الحجاج الذي برز بالأمس في الكوفة وكأنه حامي حمى أهل البيت، والمدافع عنهم، والذي يقود جيشاً لإنقاذ العظيم هانئ بن عروة، يبتلع كل موقفه الظاهري هذا ليتهم الإمام الحسين بالخروج عن الدين لنتأمل النص التالي: وكان عمرو بن الحجاج يقول لأصحابه: قاتلوا من مرق عن الدين وفارق الجماعة " في رحاب كربلاء ص ٦٠-٦١ "

стр. 105

٢- يقول الشيعي كاظم الإحسائي النجفي: "إن الجيش الذي خرج لحرب الإمام الحسين ﵇ ثلاثمائة ألف، كلهم من أهل الكوفة، ليس فيهم شامي ولا حجازي ولا هندي ولا باكستاني، ولا سوداني، ولا مصري، ولا أفريقي، بل كلهم من أهل الكوفة، قد تجمعوا من قبائل شتى" "عاشوراء ص ٨٩ " ٣-قال المؤرخ الشيعي حسين بن أحمد البراقى النجفي " قال القزويني: ومما نقم على أهل الكوفة أنهم طعنوا الحسن بن علي ﵇، وقتلوا الحسين ﵇ بعد أن استدعوه "تاريخ الكوفة ص١١٣ " ٤-وقال الشيعي جواد محدثتي " وقد أدت كل هذه الأسباب إلى أن يعاني منهم الإمام علي ﵇ الأمرَّين، وواجه الإمام الحسن ﵇ منهم الغدر، وقتل بينهم مسلم بن عقيل مظلوماً، وقتل الحسين عطشاناً في كربلاء قرب الكوفة وعلى يدي جيش الكوفة " موسوعة عاشوراء ص٥٩) (١) ما هو موقف أهل السنة من قتل الحسين ﵁؟ الجواب: (أما موقف أهل السنة من مقتل الحسين ﵁ فيلخصه شيخ الإسلام ابن تيميه في مجموع الفتاوى (٤ /٥١١) بقوله: " وقد أكرمه الله بالشهادة وأهان ذلك من قتله أو أعان على قتله، أو رضي بقتله وله أسوةً حسنه بمن سبقه من الشهداء، فإنه وأخوه سيدا شباب الجنة، وقد كانا قد تربيا في عز الإسلام لما ينالا من الهجرة والجهاد والصبر والأذى في لله ما نالهُ أهل بيته فأكرمهما الله بالشهادة تكميلاً لكرامتهما ورفعاً لدرجاتهما وقتلهُ مصيبة عظيمة. والله قد شرع الاسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى: " وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم وأولئك هم المهتدون"البقرة ١٥٥-١٥٧") (٢) الباب الرابع الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن الكريم

стр. 106

قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح:٢٩) يقول الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي المغربي: [قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور) وقال ابن إدريس ﵀: " لا آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار- يعني الرافضة – لأن الله تعالى يقول: ﴿ليَغيظَ بهمُ الكُفَّار﴾ " تفسير ابن الجوزي ". قال أبو عروة الزبيري ﵀: (كنا عند مالك فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ .قال مالك: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب محمد ﵇ فقد أصابته الآية) " رواه الخلال، وأبو نعيم وذكره ابن الجوزي مختصراً في تفسيره، ونقل القرطبي هذا الأثر وعزاه للخطيب ثم قال: (لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحداً منهم

стр. 107

أو طعن عليه في روايته فقد ردَّ على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين) " تفسير القرطبي ".قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: ٨، ١٠) . وقال شيخ الإسلام ﵀ في " منهاج [٢/١٨ – ١٩] وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذي جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين الأولين، وفي قلوبهم غلّ عليهم. ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا نقيض مذهب الرافضة، وقد روى ابن بطَّة وغيره من حديث أبي بدر عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ . هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت. ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . ثم قال هؤلاء

стр. 108

الأنصار وهذه منزلة قد مضت.ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا الله لهم. وقال ابن أبي العز ﵀: فمن أضل ممن يكون في قلبه غلٌّ على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب محمد!! لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبُّوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة "شرح الطحاوية [٤٧٠] ". وقال : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الحديد:١٠. والحسنى هي الجنة كما ورد مرفوعاً وموقوفاً من طرق كثيرة مستفيضة. واستدل ابن حزم رحمه الله تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُّ الحُسنَى﴾ إن جميع الصحابة بدون استثناء من أهل الجنة مقطوع بذلك، ورضي الله عنهم من فوق سبع سماوات في قوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (الفتح:١٨) . وفي قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 109

عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:١٠٠) . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذاً بالله من ذلك؛ وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله تعالى عنهم، وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁ ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون " في تفسيره [٢/٣٦٧] . وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: (أخبرنا الله أنه علم ما في قلوبهم ورضي عنهم وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا شك فيهم) والآيات القرآنية في مدحهم وتعظيم قدرهم كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ آل عمران: ١١٠. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ البقرة:١٤٣. فمن المخاطب وقت نزول الآيتين غير الصحابة؟ فهم المخاطبون بذلك خطاباً أولياً، فثبت خيريتهم رضي الله تعالى عنهم على كافة الناس غير الأنبياء وجعلهم الله شهداء على الناس يوم القيامة لفضلهم وشرفهم وعلو منزلتهم. ومنها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ

стр. 110

آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ التحريم:٨. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (وفي الجملة كل ما في القرآن من خطاب المؤمنين والمتقين والمحسنين ومدحهم والثناء عليهم، فهم – أي الصحابة – أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة) " منهاج السنة [٢/٤٩-٥٠]] (١) . الأدلة على عدالة الصحابة من السنة النبوية وأقوال السلف?
следующие страницы →