← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2048

المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (253 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول]ـ المؤلف: أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي الناشر: المكتبة الشاملة، مصر الطبعة: الثانية، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م رقم الإيداع بالمكتبة الشاملة ١/ ٢٠١٠

стр. 3

إهداء الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى ... وبعد ... أهدي هذا الكتاب وهو (المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول) في طبعته الأولى للمكتبة الشاملة جزى الله القائمين عليها خير الجزاء، وأيضا لإخواني طلاب العلم، سائلا المولى أن يسدَّ هذا الكتاب ثغرة في علم أصول الفقه، وأن يكون حلقة وصل بين طلاب العلم ودراسة أصول المذهب الحنبلي، وأن ينفع به وبأصله إنه ولي ذلك وهو القادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي غفر الله له ولوالديه مصر - المنيا في ٢ من ذي القعدة ١٤٣١ هـ للتواصل osualosual@gmail.com

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾. أما بعد ... فبعد أن أنهيت - بفضل الله ومنته - شرحي لما اختصرته من رسالة "الأصول من علم الأصول" للشيخ العثيمين ﵀ طلب مني بعض الإخوة أن اختصر هذا الشرح وذلك نظرا لأنه قد طال بعض الشيء، وخاصة على المبتدئين في دراسة هذا العلم، مما قد تتقاصر همم بعضهم عن إتمامه، فطلبوا مني أن اختصر الشرح اختصارا غير مخل ويكون كالتوطئة بين يدي دراسة الشرح الأصلي، فاستخرت الله العظيم في ذلك، فانشرح صدري، وشرعت في التلخيص مراعيا الآتي: ١ - الاكتفاء بما تم شرحه من مسائل الكتاب الأصلي دون الزيادة عليها، بل قد أحذف بعض المسائل والتي لا أراها مناسبة لهذا المختصر - كمسألة: ما يمتنع نسخه، وذلك لطول النقاش فيها وكثرة فروعها -، وذلك بما لا يؤثر على تسلسل وترابط مواضيع المختصر. ٢ - الاقتصار على النقاط الرئيسة دون الفرعية. ٣ - المحافظة على ترتيب الرسالة الأصل. ٤ - الاقتصار على القول الراجح سواء أكان في التعاريف، أو المسائل دون الدخول في عرض الخلاف إلا نادرا فيما يشتهر فيه الخلاف ويحسن عدم السكوت

стр. 5

عن الجواب على شبه المخالف. ٥ - الاكتفاء بذكر ما انتهيت إليه من تعاريف، أو ترجيحات مع عدم التقيد بذكر عبارات الشيخ العثيمين ﵀ في غالب الأحيان، مما قد لا يلحظ به البعض وجه التشابه بين هذا المختصر وبين رسالة الشيخ العثيمين ﵀ اللهم إلا في الترتيب وعناوين المواضيع، مع الأخذ في الاعتبار أنني قد أزيد، أو أحذف بعض العناوين أحيانا، وقد أعدل فيها بما يخدم موضوع المختصر ويحافظ على تسلسل مواضيعه. وسميته المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول. منهجي: والناظر في رسالة الشيخ العثيمين ﵀ يجد أن صياغتها كانت حنبلية يخرج فيها الشيخ عما يراه مخالفا للأدلة، وقد سلكت نفس مسلك الشيخ ﵀ فكنت اهتم بذكر مذهب الحنابلة وأحرره في غالب المسائل، إلا أنني عند الترجيح لا أتقيد بمذهب؛ بل أرجح ما يرجحه الدليل. وهذا أوان الشروع في المقصود، سائلا المولى أن ينفع بهذا المختصر وبأصله، وأن يتقبل مني هذا العمل، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يدخر لي أجره يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. المؤلف غفر الله له ولوالديه

стр. 6

أصُولُ الفِقْه تعريف أصول الفقه كمركب إضافي: تعريف الأصول لغة: الأصول جمع أصل واختلفت عبارات الأصوليين في حد الأصل لغة قال السمعاني في " قواطع الأدلة" (١/ ٢١): (ويقال في حد الأصل ما ابتنى عليه غيره والفرع ما ابتنى على غيره. وقيل الأصل ما يقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه، والعبارتان مدخولتان؛ لأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع، ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه بحال مثل: ما ورد به الشرع من دية الجنين والقسامة (١) وتحمل العقل (٢) فهذه أصول ليست لها فروع، فالأولى أن يقال: إن الأصل: كل ما يثبت دليلا في إيجاد حكم من أحكام الدين. وإذا حد هذا فيتناول ما جلب فرعا، أو لم يجلبه) ونقله عنه الزركشي في البحر المحيط (١/ ١١) فقال: (كل ما ثبت دليلا في إيجاب حكم من الأحكام) فعممه، وهو أولى طالما أننا نتكلم عن التعريف اللغوي. ولما كان الأصل يستعمل في الاصطلاح بمعنى الدليل، وبمعنى القاعدة، والراجح، وغير ذلك كان الأصل كالجنس والدليل كأحد أنواعه، وعليه فتعريف الأصل بالدليل فيه نوع دور، والأولى عندي في تعريف الأصل لغة أنه: (ما كان سببا في إيجاد حكم من الأحكام)، والأحكام هنا عامة تشمل الأحكام الشرعية، والعادية، والعقلية.

стр. 7

ويدخل في هذا التعريف ما له فرع، كالشجرة فهي أصل لفروعها؛ لأنها سببا في إيجادها، وكالأب فهو أصل لابنه؛ لأنه كان سببا في إيجاده. ويشمل أيضا ما ليس له فرع، كالقسامة فهي أصل للأيمان التي تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم، وذلك لأنها سبب في إيجاد الأيمان. ويدخل فيه ما يبنى عليه غيره، كالأساس فهو أصل للجدار؛ لأنه كان سببا في إيجاده. ويدخل فيه ما لا يبني عليه غيره، كالأب أصل لابنه، ولا يقال: إن الولد يبنى على الوالد، والوالد سبب في إيجاد ابنه، وهكذا. تعريف الفقه لغة: الفقه لغة: الفهم. سواء أكان لما ظهر وبان، أو لما دق وخفي، والدليل على ذلك مجيئه في الشرع مرادا به مطلق الفهم كما في قوله تعالى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي) [طه: ٢٧، ٢٨] فقوله: (قَوْلِي) معرف بالإضافة فيشمل ما ظهر وما خفي من قوله (١)، وقوله الله تعالى: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء: ٧٨]، (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: ٤٤]، (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) [هود: ٩١]، أي: لا يكادون يفهمون، ولكن لا تفهمون، وما نفهم كثيراً مما تقول. وأما من قيده بالفهم الدقيق، وعلله بأنه يقال: فقهت معنى الكلام وفهمته، ولا يقال: فقهت السماء والأرض، وهذا مردود بما قاله أئمة اللغة: إن الفقه هو مطلق الفهم، وامتناع قولهم فقهت السماء والأرض إنما هو من ناحية أن الفقه يتعلق بالمعاني لا بالمحسوسات، والسماء والأرض من قبيل المحسوسات (٢). تعريف الفقه اصطلاحا: الفقه اصطلاحا هو: (الأحكام الشرعية العملية المكتسبة بأدلتها التفصيلية). والمراد بقولنا:" الأحكام الشرعية " الأحكام المتلقاة من الشرع كالوجوب والتحريم

стр. 8

، فخرج به الأحكام العقلية كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء والأحكام العادية كمعرفة نزول الطل في الليلية الشاتية إذا كان الجو صحواً، والأحكام الوضعية كمعرفة أن كان وأخواتها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ويخرج أيضا الأحكام الحسية كالعلم أن النار محرقة، وأيضا يخرج الأحكام التجريبية (الثابتة بالتجربة) كالعلم بأن السم قاتل وقد تتداخل هذه الأحكام إلا أن الغرض بيان معنى الشرعية وهو خلاف كل ما سبق. والمراد بقولنا: " العملية " المتعلقة بعمل المكلف كالصلاة والزكاة، والصوم، والبيع فخرج به ما يتعلق بالاعتقاد (وتسمى العلمية) كتوحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته فلا يسمى ذلك فقهًا في الاصطلاح، ويخرج أيضا علم التصوف أو السلوك كحرمة الكذب والغيبة ووجوب الصدق، وهكذا فهذا في الاصطلاح لا يدخل في الفقه، ولم يدونه غالب الفقهاء في كتب الفقه. والمراد بقولنا: "المكتسبة" أي: المستنبطة عن طريق النظر والاستدلال ليخرج علم الله عزوجل فهو علم لازم لذاته لم يكتسبه. وليخرج علم الرسول ﷺ فهو علم مستفاد من الوحي غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال. ويخرج علم الملائكة فهو علم مستفاد من وحي الله إليهم، أو عن طريق النظر في اللوح المحفوظ، أو غير ذلك، فهو غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال. ويخرج أيضا علم المقلد؛ لأنه لم يكتسبه عن طريق النظر والاستدلال. والمراد بقولنا: "بأدلتها التفصيلية " أدلة الفقه المقرونة بمسائل الفقه التفصيلية فخرج به أصول الفقه لأن البحث فيه إنما يكون في أدلة الفقه الإجمالية. والأدلة التفصيلية وهي الجزئية كقوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) [الإسراء: ٣٢] فهذا دليل جزئي يخص مسألة واحدة معينة وهي الزني ويبين حكمها وهو تحريم الزنى. وأما الأدلة الإجمالية فهي كالقواعد الكلية ويندرج تحت كل واحدة منها أحكاما كثيرة وسوف يأتي بإذن الله الكلام عنها قريبا. تنبيه - الفقه هو نفس الأحكام لا معرفتها ولا العلم بها: عرف البعض الفقه بأنه: معرفة، والبعض بأنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية

стр. 9

المكتسبة بأدلتها التفصيلية. والصواب تعريف الفقه بأنه نفس الأحكام لا معرفتها ولا العلم بها؛ لأن الأحكام الثابتة في نفسها تسمى فقها سواء وجد من يعرفها أو لم يوجد فالمعرفة ليست هي الفقه. قال المرداوي في "التحبير" (١/ ١٦٣) وهو يستعرض الأقوال في تعرف الفقه: (القول الثاني -: إنه نفس الأحكام الشرعية الفرعية، وهو أظهر، واختاره ابن مفلح، وابن قاضي الجبل، والعسقلاني شارح ' الطوفي '، وجمع كثير، لا معرفتها ولا العلم بها، إذ العلم أو المعرفة بالفقه غير الفقه، فلا يكون داخلاً في ماهيته (١)، وما ليس داخلاً في الماهية لا يكون جنساً في حده). تعريف أصول الفقه كلقب أصول الفقه هو: (أدلة الفقه الإجمالية وطرق استفادة جزئياتها وحال مستفيدها) (٢). قال المرداوي في "التحبير" (١/ ١٧٧): (الأصح أن أصول الفقه: الأدلة، لا معرفتها). وقال أيضا: (إذ العلم والمعرفة بأصول الفقه غير أصول الفقه، فلا يكون داخلاً في ماهيتها) (٣). وخرج بقولنا: "أدلة الفقه": أدلة غير الفقه، كأدلة الكلام. ومعنى قولنا: " الإجمالية " أي غير المعينة، تسمى أيضا الكلية وهي كالقواعد العامة مثل قولهم: الأمر للوجوب والنهي للتحريم، وكالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وكالكتاب والسنة، ونحو ذلك، والأدلة الإجمالية خلاف التفصيلية التي سبق وأن تكلمنا عنها في تعريف الفقه.

стр. 10

فعلم الأصول إنما يبحث في هذه الأدلة الإجمالية، كمطلق الأمر، وكالإجماع والقياس فيبحث عن الأول بأنه للوجوب حقيقة أم للاستحباب، وعن الأخيرين بأنهما حجة أم لا، ويبين أقسامهما. ومعنى قولنا: " طرق استفادة " طرق أي مرجحات. قال البناني في "حاشيته على جمع الجوامع" (١/ ٣٥): "حقيقة الطرق هي المسالك وقد أريد بها المرجحات تشبيها لها بالمسالك بجامع التوصل بكل إلى المقصود ". والمقصود معرفة الترجيح عند التعارض مثلا. ومعنى قولنا: " وحال مستفيدها " معرفة حال المستفيد وهو المجتهد سمى مستفيداً لأنه يستفيد بنفسه الأحكام من أدلتها دون المقلد لبلوغه مرتبة الاجتهاد فمعرفة المجتهد وشروط الاجتهاد وحكمه ونحو ذلك يبحث في أصول الفقه. فائدة أصول الفقه ذكر الأصوليون له من الفوائدِ ما لا يستطيع أحد إحصاءه ومن ذلك: - أنه السبيل القويم للاجتهاد وذلك أن الاجتهاد في الإسلام محكوم بموازين دقيقة يجب اتباعها وإلا كان الاجتهاد بلا ضوابط لوناً من العبث. - ومن فوائده أنه أظهر مزايا التشريع الإسلامي وحيويته ومرونته وبه حفظ الله القرآن العظيم من العبث والتأول وحفظ الأحكام من الفوضى. - ومن فوائده أنه يظهر مناهج الأئمة في استنباط الأحكام وبذلك ترتفع الشحناء من النفوس ويعذر المسلم إخوانه من المسلمين فيما اختاروه من مذاهب فقهية. - إن القواعد التي أَصَّلها العلماء للاستنباط هي أيضا منهج دقيق للتفكير السليم حيث توضع العبارات في موازين دقيقة تستنبط منها الأحكام الشرعية وهكذا فإنَّ علم الأصول يكسب الطالب ملكة التفكير الصحيح السليم. - فالقواعدُ الأصولية وحدها هي الكفيلة باستنباط أحكام شرعية لكل ما يستجد من القضايا خلال تطور الحياة وتنوع العقود والمعاملات والاكتشافات. - إن علم أصول الفقه يضبط الفروع الفقهية ويردها إلى أصولها ويجمع المبادئ

стр. 11

المشتركة ويبين أسباب التباين بينها ويظهر مبررات الاختلاف وهكذا فإنه يكون فيصلاً واضحاً يعتمده الفقيه والمجتهد في تقرير الأحكام. - ومن فوائده أنه يعتبر العماد الرئيس لمن يدرس المذاهب الإسلامية بقصد المقارنة والإفادة من اجتهاد الجميع. - وثامن هذه الفوائد هي أن يستبصر طالب العلم في اختلاف الأئمة في الفروع وما يعود به هذا الاختلاف على الفقه الإسلامي من ثراء ووفرة. أول من صنف فيه المشهور أن أول من جمع أصول الفقه كفن مستقل هو الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) ﵀. وقد صنف عدة رسائل في ذلك، فصنف الرسالة قال الحبش: وهو عبارة عن محاولة أولى لتحديد طرق الاستنباط ومصادر التشريع وقد كتبه الإمام الشافعي أساساً رداً على جماعة منكري السنة الذين ظهروا في عصره فأثبت فيه حجية السنة ثم توسع فبين مصادر التشريع تفصيلاً ومناهج الاستدلال بها. وكذلك صنف الشافعي كتباً أخرى في الأصول منها: جماع العلم وهو كتاب قصد منه إثبات وجوب إتباع خبر الآحاد الصحيح وأقام الأدلة على ذلك. ثم كتب الإمام الشافعيُّ كتابين آخرين وهما: إبطال الاستحسان وكتاب اختلاف الحديث وكلاهما من الكتب المبكرة في علم أصول الفقه). - وقيل إن أبا يوسف (١٨٢ هـ) صاحب أبي حنيفة سبق الشافعي في ذلك فقال ابن خلكان في "وفيات الأعيان": " وقال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض". - وقيل أن أول من صنف هو محمد بن الحسن الشيباني (١٨٩ هـ) وقد صرح ابن النديم في «الفهرست» بان للشيباني من مؤلفاته الكثيرة تأليف يسمى ب «أصول

стр. 12

الفقه» وتأليف سماه «كتاب الاستحسان» وتأليف «كتاب اجتهاد الرأي». - وقيل أن أول من صنف هشام بن الحكم الرافضي توفي (١٧٩، وقيل ١٨٧، وقيل ١٩٨ - ١٩٩ هـ) وينسب إليه كتاب الألفاظ. ومن الملاحظ أن الشافعي تتلمذ على الشيباني والشيباني تتلمذ على أبي يوسف.

стр. 13

الأحكام تعريف الحكم لغة: الأحكام: جمع حكم وهو لغة القضاء. قال الفيومي: (الْحُكْمُ الْقَضَاءُ وَأَصْلُهُ الْمَنْعُ يُقَالُ حَكَمْتُ عَلَيْهِ بِكَذَا إذَا مَنَعْته مِنْ خِلَافِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ وَحَكَمْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ فَصَلْتُ بَيْنَهُمْ فَأَنَا حَاكِمٌ وَحَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْجَمْعُ حُكَّامٌ وَيَجُوزُ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ ... ) (١). قال المرداوي في "التحبير" (٢/ ٧٨٩): (اعلم أن الحكم مصدر قولك: حكم بينهم يحكم حكماً، إذا قضى، ومعناه في اللغة: المنع، وإليه ترجع تراكيب مادة: ح، ك، م، أو أكثرها، فمن ذلك: حكمت الرجل تحكيماً، إذا منعته مما أراد. وحكمت السفيه بالتخفيف -، وأحكمت، إذا أخذت على يده. وسمي القاضي: حاكماً؛ لمنعه الخصوم من التظالم). تعريف الحكم اصطلاحاً: الحكم اصطلاحاً هو: (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء، أو التخيير). شرح التعريف: قولنا: "خطاب الله" إما أن يكون مباشرا، أو غير مباشر، فالأول الكتاب والثاني السنة. وقولنا: "فعل" أي عمل سواء أكان قولا أم فعلا أم إيجادا أم تركا، فخرج به ما تعلق بالاعتقاد فلا يسمى حكماً بهذا الاصطلاح. وقولنا: "المكلف" أولى مما عبر به البعض بصيغة الجمع، حتى يدخل فيه بعض الأفعال الخاصة بمكلف واحد كشهادة خزيمة وخصائص النبي ﷺ ونحو ذلك. قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (١/ ٣٣٧): (وقلنا: "المكلف" بالإفراد ليشمل ما يتعلق بفعل الواحد، كخصائص النبي ﷺ ، وكالحكم بشهادة

стр. 14

خزيمة، وإجزاء العناق في الأضحية لأبي بردة ... ). وقال أيضا في (١/ ٣٣٥): " وخرج بقوله: "المتعلق بفعل المكلف" خمسة أشياء: الخطاب المتعلق بذات الله وصفته وفعله. وبذات المكلفين والجماد. فالأول: ما تعلق بذاته، نحو قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: ١٨]. والثاني: ما تعلق بصفته، نحو قوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة: ٢٥٥]. الثالث: ما تعلق بفعله، نحو قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: ١٦]. الرابع: ما تعلق بذات المكلفين، نحو قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: ١١]، وقوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [النساء: ١]. الخامس: ما تعلق بالجماد. نحو قوله تعالى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ) [الكهف: ٤٧]، ونحوها". وقولنا: (بالاقتضاء) أي الطلب، قال المرداوي في "التحبير" (٢/ ٧٩٨): (الاقتضاء: هو الطلب للفعل جزماً، أو غير جزم، أو الترك جزماً، أو غير جزم) وقولنا: "أو التخيير" يعني أن المكلف مخير بين الفعل والترك. والمدقق في الأقسام الخمسة السابقة المذكورة في التعريف يلاحظ أن الأول هو الواجب إذ أن طلبه من للشارع للمكلف على سبيل الإلزام، والثاني هو المندوب، والثالث هو المحرم، والرابع هو المكروه، والخامس هو المباح، وهذه تسمى الأحكام الطلبية أو التكليفية. تنبيه: ينبغي التفريق بين طريقة جمهور الأصوليين وطريقة الفقهاء وبعض الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي. قال الشيخ عياض السلمي في " أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله" (ص/٢٤): (الحكم في اصطلاح جمهور الأصوليين: «خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع». وعند الفقهاء: هو مقتضى خطاب الله المتعلق

стр. 15

بأفعال المكلفين الخ، أو مدلول خطاب الله الخ. ومال بعض الأصوليين إلى اختيار هذا التعريف ... ). وقال صاحب "البيان المأمول": (الفقهاء وعلماء الفروع يعنون بالحكم الشرعي في لغتهم الأثر الذي يترتب على الدليل كالوجوب والحرمة والإباحة، وأما علماء الأصول فيعنون دليل الحكم الذي هو الآية أو الحديث أو نص الإجماع وهكذا، فمثلاً قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) (البقرة:٤٣) هذا هو الحكم نفسه عند الأصوليين، وأما عند الفقهاء فيعنون ما يترتب على هذا النص وهو وجوب الصلاة). وقال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (١/ ٣٣٣): ("الحكم الشرعي" في اصطلاح الفقهاء: "مدلول خطاب الشرع". قال الإمام أحمد ﵁: الحكم الشرعي خطاب الشرع وقوله. قال في "شرح التحرير": والظاهر أن الإمام أحمد أراد بزيادة: "وقوله" على خطاب الشرع: التأكيد، من باب عطف العام على الخاص؛ لأن كل خطاب قول، وليس كل قول خطابا. انتهى). وسبب الاختلاف بين الطريقتين أن الأصولي يبحث في الأدلة ذاتها - التي هي موضوع علم الأصول - فيكون نظره لذات الدليل، وأما الفقيه فيبحث في متعلق الأدلة - إذ أن موضوع الفقه أفعال المكلف - فيكون نظره لمتعلق الأدلة ومدلول الخطاب وأثره المترتب عليه. والأولى اعتماد طريقة جمهور الأصوليين، إذ أننا نتكلم في علم الأصول لا فروعها.

стр. 16

أقسام الأحكام الشرعية تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية ووضعية. فالتكليفية خمسة: الإيجاب ، والتحريم، والاستحباب (الندب)، والكراهة، والإباحة، والوضعية هي: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح، والفاسد، ... الإيجاب الإيجاب لغة: الإيجاب لغة: السقوط واللزوم. سقوط الشيء لازما محله، ومنه قوله تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) [الحج: ٣٦] أي سقطت ميتة لازمة محلها، وقوله ﷺ في الميت: (فإذا وجب فلا تبكين باكية) (١). ومنه قول قيس بن الخطيم أَطاعَتْ بنُو عَوْفٍ أَمِيراً نَهَاهُمُ ... عن السِّلْمِ، حَتَّى كانَ أَوّلَ وَاجِبِ (٢) واللزوم، قال الفيومي: وَجَبَ الْبَيْعُ وَالْحَقُّ يَجِبُ وُجُوبًا وَجِبَةً لَزِمَ وَثَبَتَ (٣). الإيجاب اصطلاحا: الإيجاب اصطلاحا هو: (أمر الشارع على وجه اللزوم). شرح التعريف: وهو واضح بحمد الله، (أمر) ليخرج غير المأمور به كالمحرم والمكروه، والمباح لذاته، بقي المندوب يشمله التعريف ولذلك قيده بقوله (على وجه اللزوم)؛ لأن المندوب وإن كان مأمورا به إلا أنه ليس على وجه اللزوم بل الأفضلية.

стр. 17

تنبيه: الشارع المقصود به الله - عزو جل - ولكن الحنابلة تطلق لفظ الشارع أيضا على النبي ﷺ ، وهم يقولون بمسألة التفويض ويرون أن النبي ﷺ له أن يحكم بما شاء فيما شاء، ولا يكون رأيه إلا موافقا للصواب في حكم الله. قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥١٩): (يجوز أن يقال لنبي أو مجتهد: احكم بما شئت فهو صواب ويكون) ذلك (مدركا شرعيا ويسمى: التفويض) عند الأكثر؛ لأن طريق معرفة الأحكام الشرعية: إما التبليغ عن الله بإخبار رسله عنه بها، وهو ما سبق من كتاب الله وثبت بسنة رسوله ﷺ ، وما تفرع عن ذلك، من إجماع وقياس وغيرهما من الاستدلالات، وطرقها بالاجتهاد، ولو من النبي ﷺ . وإما أن يكون طريق معرفة الحكم: التفويض إلى رأي نبي أو عالم، فيجوز أن يقال لنبي أو لمجتهد غير نبي: احكم بما شئت فهو صواب عند بعض العلماء، ويؤخذ ذلك من كلام القاضي وابن عقيل، وصرحا بجوازه للنبي ﷺ ، وقاله الشافعي وأكثر أصحابه، وجمهور أهل الحديث، فيكون حكمه من جملة المدارك الشرعية ... وتردد الشافعي، أي في جوازه، كما قال إمام الحرمين، وقال: الجمهور في وقوعه، ولكنه قاطع بجوازه. والمنع: إنما هو منقول عن جمهور المعتزلة، قاله ابن مفلح، ومنعه السرخسي وجماعة من المعتزلة؛ واختاره أبو الخطاب، وذكره عن أكثر الفقهاء، وأنه أشبه بمذهبنا؛ لأن الحق عليه أمارة، فكيف يحكم بغير طلبها؟ وقيل: يجوز ذلك في النبي دون غيره. (و) على القول بالجواز (لم يقع) في الأصح، قال ابن الحاجب: المختار أنه لم يقع، واحتج القاضي وابن عقيل وغيرهما للقول الأول: بقوله : (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ) [آل عمران: ٩٣] لأنه لا يمكن أن يحرم على نفسه

стр. 18

إلا بتفويض الله الأمر إليه لا أنه بإبلاغه ذلك الحكم؛ لتخصيص هذا التحريم بنسبته إليه، وإلا فكل محرم فهو بتحريم الله ، إما بالتبليغ، وإما بالتفويض (١). واستدل له أيضا بما في مسلم (فرض عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: أكل عام؟ فقال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم) (٢) ... ). والصواب أنه ﷺ ليس مُشرِّعاً بل هو مبلغ ومطبق وناقل ومبيِّن للتشريع، وأنه كان يجتهد (٣) فإن اخطأ نزل الوحي بتصويبه (٤)، كما في أسارى بدر (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) [الأنفال: ٦٧] وكما عوتب في ابن أم مكتوم وتحريمه ﷺ العسل ومارية القبطية على نفسه، ولما رجع عن قوله في مسألة التأبير، ونحو ذلك (٥). الواجب يثاب فاعله امتثالًا، ويستحق العقاب تاركه . امتثالًا أي يفعله على وجه الطاعة والقربة، فمن نوى التبرد فغسل أعضاء الوضوء لا يعد متوضئا وهكذا. وأما قولنا (ويستحق) فهو أولى من قول: (ويعاقب تاركه)؛ لأنه من الجائز أن الله

стр. 19

قد يعفو عنه، فهو مستحق للعقاب، لكن قد يعاقب وقد لا يعاقب. نكتة: يجزم بإثابة فاعل الثواب، وكذا تارك الحرام؛ لأنه وعد كما قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: ١٦٠]، ولكن لابد من تقييده بالامتثال. وذلك بخلاف الوعيد على ترك الواجب، وفعل الحرام فلا يجزم بلحوق العقاب؛ لأنه من الجائز أن الله قد يعفو عنه، فهو مستحق للعقاب، لكن قد يعاقب وقد لا يعاقب. أسماؤه: ويسمى: فرضاً على قول، وفريضة، وحتماً، ولازماً. القول بعدم التفريق بين الفرض والواجب عند الحنابلة هو أحد الأقوال الثلاثة المنقولة عن الإمام أحمد في هذه المسألة. قال مجد الدين في "المسودة" (ص/ ٤٤): مسألة: الفرض والواجب سواء وهو الذي ذكره في مقدمة المجرد وبه قالت الشافعية وعنه الفرض آكد ونصرها الحلواني وبه قالت الحنفية وهو على قولهم وروايتنا هذه ما ثبت بدليل مقطوع به وقيل هو ما لا يسقط في عمد ولا سهو وحكى ابن عقيل رواية ثالثة أن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسنة وهذه هي ظاهر كلام أحمد في أكثر نصوصه وقد حكاها ابن شاقلا وهذا القول في الجملة اختيار القاضي وغيره). ومن النتائج المترتبة على هذا الخلاف في ترادف، أو تباين الفرض والواجب: ١ - مسائل عقدية وهو أن من أنكر الفرض كفر ومن أنكر الواجب لا يكفر وهذا على رأي الحنفية (١) ومن وافقهم والصحيح أن من أنكر حجية ما ثبت من السنة فهو كافر، وإن كانت خبر آحاد.

стр. 20

قال الشيخ العثيمين ﵀ في "القول المفيد" (١/ ٨٢): (أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفا أجمع القراء عليه، لكان كافرا، بخلاف الأحاديث القدسية، فإنه لو أنكر شيئا منها مدعيا أنه لم يثبت، لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي ﷺ قاله، لكان كافرا لتكذيبه النبي ﷺ . قال السيوطي في "مفتاح الجنة" (ص/ ٥): (اعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة). ٢ - ترتب أيضًا على الخلاف فيها مسائل أصولية منها أن الزيادة على النص نسخ وهذا لا يجوز عند الحنفية، ويعنون بالنص الكتاب والسنة المتواترة، والزيادة ما ثبت بخبر الآحاد إلا أنهم لم يلتزموا ذلك بل خالفوه في مسائل كثيرة جدا في أكثر من ثلاثمائة موضع كما قال ابن القيم في إعلام الموقعين، ومنها على سبيل التمثيل: قولهم بفرضية الوتر، وجواز الوضوء بنبيذ التمر، وكذلك إنهم اشترطوا في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم. ٣ - كما ترتب على الخلاف في هذه المسألة الأصولية مسائل فقهية كثيرة جدًا ومن تتبع مذهب الحنابلة وجد أنهم تبعا لاختلاف الروايات والأقوال في هذه المسألة اختلفت التطبيقات عليها في المسائل الفقهية فأحيانا لا يفرقون بين الفرض والواجب وأحيانا يفرقون تبعا للمسلك المختار، وتتبع هذا يطول ويخرجنا عن المقصود، وقد ذكر طائفة من ذلك مجد الدين في المسودة (١).

стр. 21

الاستحباب (الندب) تعريف الندب لغة: الندب لغة: الدعاء لمهم، ويطلق أيضا على الطلب، والتأثير. قال المرداوي في التحبير (٢/ ٩٧٦): ﴿المندوب لغة: المدعو لمهم، من الندب وهو: الدعاء. قال الشاعر: لا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ ... فِي النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا وهو الطلب، ومنه الحديث ' ' انتدب الله لمن يخرج في سبيله '، أي: أجاب له طلب مغفرة ذنوبه. ويطلق أيضاً على التأثير، ومنه حديث موسى ﵇: ' وإن بالحجر ندَباً بفتح الدال ستة أو سبعة ضرب موسى ' وأصله: الجرح). تعريف الندب اصطلاحاً: الندب هو: (أمر الشارع لا على وجه الإلزام). شرح التعريف: (أمر) ليخرج غير المأمور به كالمحرم والمكروه، والمباح لذاته، بقي الواجب يشمله التعريف ولذلك قيده بقوله (لا على وجه الإلزام) لأن الواجب مأمور به على وجه الإلزام. وسوف يأتي في باب الأمر بإذن الله كيفية معرفة أنواع الأوامر ومتى يكون هذا الأمر لازما ومتى يكون على سبيل الفضيلة. تنبيه: المندوب مأمور به حقيقة: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤٠٥): ("وهو" أي المندوب "مأمور به حقيقة" عند أحمد والشافعي وأكثر أصحابهما. وحكاه ابن عقيل عن علماء الأصول والفقهاء، لدخوله في حد الأمر، لانقسام الأمر إليهما. وهو مستدعى ومطلوب. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) [النحل: ٩٠]، وإطلاق الأمر عليه في الكتاب والسنة. والأصل: الحقيقة، ولأنه طاعة لامتثال الأمر).

стр. 22

قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/١٤): (والتحقيق أن المندوب مأمور به؛ لأن الأمر قسمان: أمر جازم أي في تركه العقاب وهو الواجب. وأمر غير جازم، أي لا عقاب في تركه وهو المندوب. والدليل على شمول الأمر للمندوب قوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) [الحج: ٧٧] أي ومنه المندوب، (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ) [لقمان: ١٧]، أي ومنه المندوب: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) [النحل: ٩٠]، أي ومن الإحسان وإيتاء ذي القربى ما هو مندوب، واحتج من قال أن الندب غير مأمور به بقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣] قالوا في الآية التوعد على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب الأليم، والندب لا يستلزم تركه شيئا من ذلك، والحديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) مع أنه ندبهم إلى السواك قالوا فدل ذلك على أن الندب غبر مأمور به والجواب أن الأمر في الآية والحديث المذكورين يراد به الأمر الواجب، فلا ينافى أن يطلق الأمر أيضا على غير الواجب، فلا ينافى أن يطلق الأمر أيضا على غير الواجب، وقد قدمنا أن الأمر يطلق على هذا وهذا وزعم من قال أن الندب تخيير بدليل جواز تركه والأمر استدعاء وطلب. والتخيير والطلب متنافيان، زعم غير صحيح، لان الندب ليس تخييرا مطلقا بدليل أن الفعل فيه أرجح من الترك للثواب في فعله وعدم الثواب في تركه، ولان المندوب أيضا مطلوب الا أن طلبه غير جازم والندب في اللغة الدعاء إلى الفعل ... ). المندوب يثاب فاعله امتثالاً ولا يعاقب تاركه . ولا يعاقب تاركه في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن أفاد الشيخ العثيمين- ﵀ في "شرح الأصول" أن الإنسان قد يوبخ ويلام على ترك المستحب إذا كان هذا الترك يدل على زهده في الخير ورغبته عنه. قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤٢٠): (وذكر القاضي وابن عقيل: يأثم بترك السنن أكثر عمره، لقوله ﵊ (من رغب عن سنتي فليس مني) متفق عليه، ولأنه متهم أن يعتقده غير سنة، واحتجا بقول أحمد ﵁ -

стр. 23

فيمن ترك الوتر -: رجل سوء، مع أنه سنة. قال في شرح التحرير: والذي يظهر: أن إطلاق الإمام أحمد: أنه رجل سوء، إنما مراده من اعتقد أنه غير سنة، وتركه لذلك. فيبقى كأنه اعتقد السنة التي سنها الرسول ﷺ غير سنة، فهو مخالف للرسول ﷺ ومعاند لما سنه، أو أنه تركه بالكلية، وتركه له كذلك يدل على أن في قلبه ما لا يريده الرسول ﷺ . أسماؤه: يسمى: سنة، وفضيلة، ونفلاً. قال ابن النجار في شرح الكوكب (١/ ٤٠٤): ("وأعلاه" أي أعلا المندوب "سنة، ثم فضيلة، ثم نافلة". قال الشيخ أبو طالب - مدرس المستنصرية، من أئمة أصحابنا في "حاويه الكبير"-: إن المندوب ينقسم ثلاثة أقسام. أحدها: ما يعظم أجره، فيسمى سنة. والثاني: ما يقل أجره، فيسمى نافلة. والثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين"، فيسمى فضيلة ورغيبة). السنة في لسان الشرع أعم من السنة في اصطلاح الفقهاء: قال الشيخ العثيمين ﵀ "في شرح الأصول" (ص/٥٣): (عند الأصوليين إذا قال: هذا سنة: يعني ليس بواجب، وكذلك مسنونا وكذلك مستحبا، وكذلك نفلا ... لكن السنة في لسان الشارع أعم من المندوب، إذ قد تطلق على الشيء الواجب، ومنه قول ابن عباس حين قرأ الفاتحة وجهر بها في صلاة الجنازة قال: (لتعلموا أنها سنة) ... فالسنة في لسان الشرع أعم من السنة في اصطلاح الفقهاء لأنها تشمل الواجب والمستحب).

стр. 24

التحريم تعريف التحريم لغة: التحريم لغة: المنع. قال الجوهري في الصحاح مادة (ح ر م): "حَرَمَهُ الشَّيءَ يَحْرِمُهُ حَرِماً وحِرْمَةً وحَريمة وحِرْماناً، وأَحْرَمَهُ أيضاً، إذا منعَه إيَّاه".اهـ ومن ذلك قوله تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي منعناه منهن، وقال: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ)، وقال: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) والآيات في هذا المعنى كثيرة. قال ابن عقيل في "الواضح" (١/ ٢٨): (والحظر منع الشيء، فالمحظور: ما منع منه الشرع، وأصله المنع، ومنه سمى المُحتَظِر مُحتظرا؛ إذ جعل حول إبله أو متاعه - في الجملة - مانعا من العَوْسَج - (شجر من شجر الشوك) -. وسميت الحظيرة بذلك من المنع). ومنه قوله ﷺ فيما ورواه الشيخان من حديث النعمان بن بشير ﵁ (وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه) معناه أن ملوك العرب وغيرهم يكون لكل ملك منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله فمن دخله أوقع به العقوبة ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه ولله تعالى أيضا حمى وهي محارمه أي المعاصي التي حرمها الله كالقتل والزنى والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك فكل هذا حمى الله تعالى من دخله بارتكابه شيئا من المعاصي استحق العقوبة ومن قاربه يوشك أن يقع فيه فمن احتاط لنفسه لم يقاربه ولم يتعلق بشيء يقربه من المعصية فلا يدخل في شيء من الشبهات. تعريف التحريم اصطلاحاً: التحريم هو: (نهي الشارع على وجه الإلزام). قولنا: (نهي) خرج ما أمر به كالمندوب والواجب، وما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته كالمباح.

стр. 25

وقولنا: (على وجه الإلزام) أخرج المكروه؛ لأن النهي عنه ليس على سبيل الحتم واللزوم كما سيأتي. المحرم يثاب تاركه امتثالاً ويستحق العقاب فاعله . التحريم لا يثاب تاركه مطلقا ولكن يثاب إن تركه امتثالا. ولا نجزم بعقاب فاعله فقد لا يعاقب ويغفر الله له إن شاء (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨، ١١٧]. فائدة . قد يترك المكلف فعل المحرم ويعاقب، وقد يتركه ولا يثاب ولا يعاقب، وقد يتركه ويثاب: أما الأول - فإن تركه عجزا كما قال النبي ﷺ فيما رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ (مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل به في ماله فينفقه في حقه ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول لو كان لي مثل ما لهذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال قال رسول الله ﷺ فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو كان لي مال مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال قال رسول الله ﷺ فهما في الوزر سواء) (١) وأيضا كمن سعي في طريق المعصية ولكنه حال بينه وبين فعلها حائل وهكذا. وأما الثاني - كمن ترك فعله غافلا فلم يطرأ على باله مطلقا كرجل مشغول في دنياه فما فكر في يوم أن يشرب الخمر، أو إنه ما يعرف شيئا عن هذه المعصية فلم تطرأ على باله فهذا لا يثاب ولا يعاقب. وأما الثالث فهي الحالة العامة ويشترط أن يتركه امتثالا.

стр. 26

أسماؤه: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٣٨٦): ("ويسمى" الحرام "محظورا وممنوعا ومزجورا ومعصية وذنبا وقبيحا وسيئة وفاحشة وإثما وحرجا وتحريجا وعقوبة". فتسميته محظورا من الحظر. وهو المنع. فيسمى الفعل بالحكم المتعلق به، وتسميته معصية للنهي عنه، وذنبا لتوقع المؤاخذة عليه، وباقي ذلك لترتبها على فعله). وسوف يأتي - بإذن الله - في باب الفاسد، وباب النهي متعلقات كثيرة وهامة للمحرم.

стр. 27

الكراهة تعريف الكراهة لغة: الكراهة لغة: البغض. قال الشيخ الشنقيطي في " المذكرة" (ص / ١٨): (والمكروه في اللغة اسم مفعول كرهه إذا أبغضه ولم يحبه، فكل بغيض إلى النفوس فهو مكروه في اللغة، ومنه قوله تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) [الإسراء: ٣٨] وقول عمرو بن الأطانبة: واقدامى على المكروه نفسى ... وضربى هامة البطل المشيح). قال الشيخ العثيمين ﵀ في شرح الأصول (ص/٦١): (المكروه اسم مفعول من كره بمعنى أبغض، ومنه قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) يعني: أبغضهم، فهو إذا في اللغة: المبغض سواء كان عينا أو وصفا أو عملا، فأي شيء تبغضه فهو مكروه عندك). تعريف الكراهة اصطلاحاً: الكراهة هي: (نهي الشارع لا على وجه الإلزام). قولنا: (نهي) خرج ما أمر به كالمندوب والواجب، وما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته كالمباح. وقولنا: (لا على وجه الإلزام) أخرج المحرم؛ لأن النهي عنه على سبيل الحتم واللزوم. المكروه يثاب تاركه امتثالاً، ولا يعاقب فاعله . قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤٢٠) ما مختصره: ((ويقال لفاعله) أي فاعل المكروه (مخالف، ومسيء، وغير ممتثل) مع أنه لا يذم فاعله، ولا يأثم على الأصح. وظاهر كلام بعضهم: تختص الإساءة بالحرام. فلا يقال: أساء إلا لفعل محرم).

стр. 28

فائدة: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤١٨) ما مختصره: ((وهو) أي المكروه (في عرف المتأخرين: للتنزيه) يعني أن المتأخرين اصطلحوا على أنهم إذا أطلقوا الكراهة، فمرادهم التنزيه، لا التحريم، وإن كان عندهم لا يمتنع أن يطلق على الحرام، لكن قد جرت عادتهم وعرفهم: أنهم إذا أطلقوه أرادوا التنزيه لا التحريم. وهذا مصطلح لا مشاحة فيه. (ويطلق) المكروه (على الحرام) وهو كثير في كلام الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وغيره من المتقدمين. - (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) [النحل: ١١٦]-. ومن كلامه " أكره المتعة، والصلاة في المقابر " وهما محرمان، لكن لو ورد عن الإمام أحمد الكراهة في شيء من غير أن يدل دليل من خارج على التحريم ولا على التنزيه: فللأصحاب فيها وجهان. أحدهما - واختاره الخلال وصاحبه عبد العزيز وابن حامد وغيرهم - أن المراد التحريم. والثاني - واختاره جماعة من الأصحاب - أن المراد التنزيه. ومن كلام أحمد " أكره النفخ في الطعام، وإدمان اللحم والخبز الكبار " وكراهة ذلك للتنزيه. وقد ورد المكروه بمعنى الحرام في قوله تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) [الإسراء: ٣٨].

стр. 29

الإباحة تعريف الإباحة لغة: الإباحة لغة: الإعلان والإذن. قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١٠١٩): (﴿المباح لغة: المعلن والمأذون﴾. والإباحة مأخوذة من مادة (الاتساع)، ومنه: باحة الدار، أي: ساحتها. قال ابن قاضي الجبل: (المباح لغة: المعن والمأذون، أخذا من الإباحة، وهي الإظهار والإعلان، ومنه: باح بسره) انتهى. ومنه: أبحت له الشيء، أي: أطلقه له. وقال الطوفي في ' شرحه ': (هو مشتق من الإباحة، وهي: الإظهار، وقيل: من باحة الدار، وهي: ساحتها، وفيه معنى السعة وانتفاء العائق) انتهى) (١). تعريف الإباحة اصطلاحاً: الإباحة اصطلاحاً هي: (خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل). شرح التعريف: صدرت التعريف بأنه خطاب الشارع لأمرين: الأول- مشيا على طريقة الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي بأنه نفس الخطاب. الثاني - لإخراج الإباحة العقلية، فإنها غير منسوبة للشرع، والإباحة العقلية هي البراءة الأصلية، وهي الحكم قبل ورود الشرع، ورفعها لا يكون نسخا، فتحريم الربا لم يكن ناسخا لإباحته في أول الإسلام؛ لأنه إباحته كانت عقلية لا شرعية. وقولنا: (من غير بدل) ليخرج الواجب الموسع (٢) في أول الوقت، والواجب المخير (٣).

стр. 30

الإباحة حكم شرعي: قال الآمدي في "إحكامه" (١/ ١٦٨): (اتفق المسلمون على أن الإباحة من الأحكام الشرعية خلافا لبعض المعتزلة مصيرا منه إلى أن المباح لا معنى له سوى ما انتفى الحرج عن فعله وتركه، وذلك ثابت قبل ورود الشرع وهو مستمر بعده فلا يكون حكما شرعيا، ونحن لا ننكر أن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية وإنما الإباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير على ما قررناه، وذلك غير ثابت قبل ورود الشرع، ولا يخفى الفرق بين القسمين، فإذا ما أثبتناه من الإباحة الشرعية لم يتعرض لنفيها وما نفي غير ما أثبتناه). هل تدخل الإباحة في الأحكام التكليفية ؟ قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٨): (وحده - أي التكليف - في الاصطلاح قيل: إلزام ما فيه مشقة، وقيل طلب ما فيه مشقة، فعلى الأول لا يدخل في حده الا الواجب والحرام إذ لا إلزام بغيرهما وعلى الثاني يدخل معهما المندوب والمكروه لأن الأربعة مطلوبة، وأما الجائز فلا يدخل في تعريف من تعاريف التكليف إذ لا طلب به أصلا، فعلا ولا تركا، وإنما أدخلوه في أقسام التكليف مسامحة وتكميلا للقسمة المشار إليها بقول المؤلف (وجه هذه القسمة أن خطاب الشرع أما أن يرد باقتضاء الفعل أو الترك أو التخير بينهما فالذي يرد باقتضاء الفعل أمر فأن اقترن به إشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب وإلا فيكون إيجابا والذي يرد باقتضاء الترك نهى فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة وإلا فحظر) كلامه واضح). يعني وتتمة القسمة فإن ورد بالتخيير فهو مباح. وقال الشيخ النملة في "إتحاف ذوي البصائر في شرح روضة الناظر" (٢/ ٥٣): (الإباحة ليست تكليفا ولا تدخل تحت الأحكام التكليفية، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح؛ لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة ليس فيها مشقة ... ).

стр. 31

والأليق بتعريف التكليف وبحسب القواعد أن المباح لا يدخل في الأحكام التكليفية، وإنما هو قسم خاص يسمي بالأحكام التخييرية، إلا أن الأمر فيه تساهل، ولا يترتب عليه كبير فائدة من جهة تخطئة هذا القائل، أو ذاك، والخطب يسير ولا مشاحة في الاصطلاح. اطلاقاته: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤٢٧): ((ويطلق) مباح (وحلال على غير الحرام) فيعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح، لكن المباح يطلق على الثلاثة، والحلال على الأربعة. فيقال للواجب والمندوب والمكروه: مباح. ويقال لهذه الثلاثة، وللمباح حلال، لكن إطلاق المباح على ما استوى طرفاه هو الأصل).

стр. 32

الأحكام الوضعية سبب تسميتها بالحكم الوضعي: قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (١/ ٤١١): (ويسمى هذا النوع: خطاب الوضع والإخبار. أما معنى الوضع، فهو أن الشرع وضع، أي: شرع أمورا سميت أسبابا وشروطا وموانع تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي، فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي لوجود الموانع وانتفاء الأسباب والشروط. وأما معنى الإخبار، فهو أن الشرع بوضع هذه الأمور أخبرنا بوجود أحكامه أو انتفائها عند وجود تلك الأمور أو انتفائها، فكأنه قال مثلا: إذا وجد النصاب الذي هو سبب وجوب الزكاة، والحول الذي هو شرطه، فاعلموا أني أوجبت عليكم أداء الزكاة، وإن وجد الدين الذي هو مانع من وجوبها، أو انتفى السوم الذي هو شرط لوجوبها في السائمة، فاعلموا أني لم أوجب عليكم الزكاة. وكذا الكلام في القصاص، والسرقة، والزنى، وكثير من الأحكام، بالنظر إلى وجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها، وعكس ذلك ... التكليف بالشريعة لما كان دائما إلى انقضاء الوجود بقيام الساعة، كما أجمع عليه المسلمون، وكان خطاب الشارع مما يتعذر على المكلفين سماعه ومعرفته في كل حال على تعاقب الأعصار وتعدد الأمم والقرون؛ لأن الشارع إما الله ، وخطابه لا يعرفه المكلفون إلا بواسطة الرسل ﵈ الملائكة إلى الأنبياء، أو الرسول ﷺ إلى الناس، وهو غير مخلد في الدنيا حتى يعرف خطاب الله تعالى وأحكامه في الحوادث بواسطته في كل وقت، بل هو بشر عاش بين الناس زمانا حتى عرفهم أحكام معاشهم ومعادهم، ثم صار إلى رحمة الله وكرامته، اقتضت حكمة الشرع نصب أشياء تكون أعلاما على حكمه ومعرفات له، فكان ذلك كالقاعدة الكلية في الشريعة، تحصيلا لدوام حكمها وأحكامها مدة بقاء المكلفين في دار التكليف، وتلك الأشياء التي نصبت معرفات لحكم الشرع هي الأسباب والشروط والموانع ... ) (١).

стр. 33

تعريف الأحكام الوضعية: الحكم الوضعي هو: (خطاب الله المتعلق بما نصب عَلَمًا معرفًا لحكمه) (١). وللعلَم المنصوب أصناف منها: العلة، والسبب، والشرط وعكسه المانع، والصحة والفساد، ونحو ذلك مما يدخل في الخطاب الوضعي. العلاقة بين الخطاب الوضعي والطلبي: قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٤٣٩): (خطاب الوضع والطلب قد يجتمعان، وقد ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه، أما اجتماعهما فكالزنى هو من جهة كونه سببا للحد خطاب وضعي، ومن جهة كونه حراما خطاب طلبي، وكذا نظائره. وأما انفراد خطاب الوضع، فكزوال الشمس وسائر أوقات الصلوات أسباب لوجوبها، وطلوع الهلال سبب وجوب رمضان، وصلاة العيدين والشك والحيض مانع من الصلاة والصوم، والبلوغ شرط لوجوبها، وحؤول الحول شرط لوجوب الزكاة، فكل هذه متجردة عن خطاب الطلب، ليس هو فيها أنفسها، بل في غيرها، كالوجوب مثلا متعلق بالصلاة لا بالزوال، وبصوم رمضان لا بطلوع الهلال. وأما انفراد خطاب الطلب، فقال القرافي في "الفروق": هو كأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وإن كان صاحب الشرع قد جعلها سببا لبراءة الذمة، وترتيب الثواب، ودرء العقاب، غير أن هذه ليست أفعالا للمكلف، ولا نعني بكون الشيء سببا إلا كونه وضع سببا لفعل من قبل المكلف. وقال في "شرح التنقيح": لا يتصور انفراد خطاب التكليف، إذ لا تكليف إلا وله سبب أو شرط أو مانع. قلت وهذا أشبه بالصواب).

стр. 34

الفرق بين الخطاب الوضعي والتكليفي من حيث الحكم: وقال الطوفي أيضا في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٤١٦): (أما الفرق بينهما من حيث الحكم، فهو أن خطاب اللفظ الذي يعبر عنه بخطاب التكليف، يشترط فيه علم المكلف وقدرته على الفعل وكونه من كسبه، كالصلاة، والصيام، والحج، ونحوها على ما سبق في شروط التكليف. أما خطاب الوضع، فلا يشترط فيه شيء من ذلك إلا ما يستثنى بعد إن شاء الله تعالى. أما عدم اشتراط العلم، فكالنائم يتلف شيئا حال نومه، والرامي إلى صيد في ظلمة أو وراء حائل يقتل إنسانا، فإنهما يضمنان ما أتلفا، وإن لم يعلما، وكالمرأة تحل بعقد وليها عليها، وتحرم بطلاق زوجها، وإن كانت غائبة لا تعلم. وأما عدم اشتراط القدرة والكسب، فكالدابة تتلف شيئا، والصبي أو البالغ يقتل خطأ، فيضمن صاحب الدابة والعاقلة، وإن لم يكن الإتلاف والقتل مقدورا ولا مكتسبا لهم، وطلاق المكره عند موقعه وهو غير مقدور له بمطلق الإكراه أو مع الإلجاء. أما المستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة فهو قاعدتان: إحداهما: أسباب العقوبات، كالقصاص لا يجب على مخطئ في القتل لعدم العلم، وحد الزنى لا يجب على من وطئ أجنبية يظنها زوجته، لعدم العلم أيضا، ولا على من أكره على الزنى لعدم القدرة على الامتناع، إذ العقوبات تستدعي وجود الجنايات التي تنتهك بها حرمة الشرع زجرا عنها وردعا، والانتهاك إنما يتحقق مع العلم والقدرة والاختيار، والقادر المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، والجاهل والمكره قد انتفى ذلك فيه، وهو شرط تحقق الانتهاك، فينتفي الانتهاك لانتفاء شرطه، فتنتفي العقوبة لانتفاء سببها. القاعدة الثانية: الأسباب الناقلة للأملاك، كالبيع، والهبة، والصدقة، والوصية، ونحوها: يشترط فيها العلم والقدرة، فلو تلفظ ناقل للملك، وهو لا يعلم مقتضاه لكونه أعجميا بين العرب، أو عربيا بين العجم، أو طارئا على بلد الإسلام، أو أكره على ذلك، لم يلزمه مقتضاه، لقوله ﵇: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)، وقوله : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: ٢٩]، ولا يحصل الرضى إلا مع العلم والاختيار).

стр. 35

الصحيح تعريف الصحيح لغة: الصحيح لغة: السليم من العيوب والأمراض. قال ابن منظور في لسان العرب مادة (ص ح ح): الصُّحُّ والصِّحَّةُ والصَّحاحُ: خلافُ السُّقْمِ، وذهابُ المرض؛ وقد صَحَّ فلان من علته واسْتَصَحَّ). تعريف الصحيح اصطلاحاً: الصحيح هو: (ما ترتبت آثار فعله عليه). تتحقق الصحة عند الفقهاء عند استيفاء العمل للشروط والأركان، وخلوه من الموانع، والمقصود بالآثار المترتبة على صحة العبادة هي براءة الذمة وسقوط الطلب، فمن أدى الصلاة فقد برئت بها الذمة وسقط بها الطلب. وأما المعاملة فتختلف باختلاف نوعها، فإن كانت بيعا فهي دخول الثمن في ملك البائع والمبيع في ملك المشتري، وإن كانت إجارة فالمقصود منها تمكين المستأجر من العين المستأجرة لينتفع بها، وتمكين المؤجر من تملك الأجرة لينتفع بها، وهكذا. تنبيه - تعريف الصحيح عند الفقهاء وعند المتكلمين (١): الصحيح عند المتكلمين يختلف عنه عند الفقهاء، فهو عند المتكلمين: موافقة الشرع وإن أوجب القضاء كصلاة من ظن أنه متطهر، وعند الفقهاء يفرقون بين العبادات، والمعاملات، ففي العبادة: ما أجزأ وأسقط القضاء، وفي المعاملات: ترتب ثمرة العقد عليه. قال ابن قدامة في "روضة الناظر" (ص/٥٨): (فالصحيح من العبادات - أي عند الفقهاء - ما أجزأ وأسقط القضاء والمتكلمون يطلقونه بإزاء ما وافق الأمر وإن وجب القضاء كصلاة من ظن أنه متطهر، وأما العقود فكل ما كان سببا لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه فهو صحيح وإلا فهو باطل فالباطل هو الذي لم يثمر والصحيح الذي أثمر).

стр. 36

قال ابن بدران في "نزهة الخاطر العاطر" (١/ ١١١): (ثمرة الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين تظهر في صلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين له خلاف ظنه فعلى اصطلاح المتكلمين صلاته صحيحه؛ لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال، وأما القضاء فوجوبه بأمر مجدد فلا يشتق منه اسم الصحة، وهذه الصلاة فاسدة عند الفقهاء؛ لأنها غير مجزئة ... ). فائدة - الفرق بين الصحة والقبول: ذكر ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤٦٩) الأقوال في ذلك ثم قال: (قال ابن العراقي - وهو ولي الدين أبو زرعة ابن الحافظ العراقي الشافعي -: ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول ولم تنتف معه الصحة - كصلاة شارب الخمر ونحوه- أنا ننظر فيما نفي، فإن قارنت ذلك الفعل معصية، - كحديث شارب الخمر ونحوه-انتفى القبول. أي الثواب؛ لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم تقارنه معصية. كحديث: "لا صلاة إلا بطهور" ونحوه، فانتفاء القبول سببه انتفاء الشرط، وهو الطهارة ونحوها، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط. انتهى) (١). وهو الراجح عندي من الأقوال في المسألة. الشرط والسبب والمانع: الشرط عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته) ويزاد عليه قيد (وكان خارجا عن حقيقة الشيء).فمثلا الوضوء شرط لصحة الصلاة عدم وجوده يلزم منه عدم صحة الصلاة ووجوده لا يلزم منه صحة ولا فساد للصلاة لاحتمال وجود مانع من الصحة غيره. وأما القيد الأخير فللتفرقة بين الشرط والركن فالركن داخل ماهية الشيء فقراءة الفاتحة ركن من الصلاة بخلاف الوضوء فهو شرط لصحتها.

стр. 37

والسبب عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته). ومثاله السفر لإباحة الفطر والإسكار لتحريم الخمر والصغر للحجر والولاية عليه، وكالهلال لصيام رمضان والزوال لوجوب الظهر. والقيد الأخير احترازا مما لو قارن السبب فقدان الشرط، أو وجود المانع كالنصاب قبل تمام الحول، أو مع وجود الدين. فإنه لا" يلزم من وجوده الوجود، لكن لا لذاته، بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط ووجود المانع. والمانع: عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم) ويضاف قيد: (لذاته) احترازا من عدم وجود السبب. والمنع ينقسم لمانع دوام كالطلاق للنكاح، ومانع ابتداء كالإحرام للنكاح، ومانع دوام وابتداء كالرضاعة للنكاح.

стр. 38

الفاسد تعريف الفاسد لغة: الفاسد لغة هو التالف والمعطوب، والفساد نقيض الصلاح (١). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٧٩): (كل شيء لا يستفاد منه فإنه يسمى في اللغة فاسدا، لو تغير طعم التمر قيل: هذا تمر فاسد؛ لأنه ضاع وخسره الإنسان). تعريف الفاسد اصطلاحاً: الفاسد هو: (ما لا تترتب آثار فعله عليه). ومن فهم الصحيح ظهر له وجه هذا التعريف وهو واضح فكل مالا يترتب عليه آثاره فهو فاسد سواء كان من العبادات كمن صلى بغير وضوء، أو في المعاملات كمن باع ما لا يملك ونحو ذلك. ومعنى عدم ترتب الآثار عليه (بيع المجهول مثلا) عدم انتقال الملك إلى المشتري، ولا يباح له انتفاعه بالمبيع، ولا يتصرف فيه، ولا يتملك البائع الثمن وهكذا. الفاسد والباطل . قال العلائي في "تحقيق المراد" (ص / ٧٢): (والجمهور في عدم التفرقة بين الباطل والفاسد وأنهما مترادفان يطلق كل منهما في مقابلة الصحيح. وأما الحنفية فإنهم فرقوا بينهما وخصصوا اسم الباطل بما لا ينعقد بأصله كبيع الخمر والحر، والفاسد بما ينعقد عندهم بأصله دون وصفه كعقد الربا فإنه مشروع من حيث انه بيع وممنوع من حيث انه عقد ربا فالبيع الفاسد عندهم يشارك الصحيح في إفادة الملك إذا اتصل بالقبض. وحاصل هذا أن قاعدتهم انه لا يلزم من كون الشيء ممنوعا بوصفه أن يكون ممنوعا بأصله فجعلوا ذلك منزلة متوسطة بين الصحيح والباطل وقالوا الصحيح هو

стр. 39

المشروع بأصله ووصفه وهو العقد المستجمع لكل شرائطه والباطل هو الممنوع بهما جميعا والفاسد المشروع بأصله الممنوع بوصفه ومذهب الشافعي وأحمد وأصحابهما أن كل ممنوع بوصفه فإنه ممنوع بأصله). بيان مذهب الحنابلة: قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١١١٠) بعد أن ذكر مذهب الأحناف بالتفريق بين الفاسد والباطل: (وفائدة التفصيل عندهم: أن الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض، دون الباطل، والله أعلم. والأصح - دليلا -: أن البطلان يرادف الفساد، وهما يقابلان الصحة، كما هو مذهبنا ومذهب الشافعي ... قوله: ﴿مع تفريقهما في الفقه بينهما في مسائل﴾ كثيرة. قد فرق أصحابنا وأصحاب الشافعي بين الفاسد والباطل في مسائل كثيرة. قال بعض أصحابنا: (قد ذكر أصحابنا مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل، ظن بعض المتأخرين أنها مخالفة للقاعدة. والذي يظهر - والله أعلم - أن ذلك ليس بمخالف للقاعدة. وبيانه: أن الأصحاب إنما قالوا: البطلان والفساد مترادفان، في مقابلة قول أبي حنيفة، حيث قال: ما لم يشرع بالكلية هو الباطل، وما شرع أصله وامتنع لاشتماله على وصف محرم هو الفاسد، فعندنا كل ما كان منهيا إما لعينه أو لوصفه ففاسد وباطل، ولم يفرق الأصحاب في صورة من الصور بين الفاسد والباطل في المنهي عنه، وإنما فرقوا بينهما في مسائل لدليل) انتهى (١). قلت: غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد، إذا كانت مختلفا فيها بين العلماء، والتي حكموا عليها بالبطلان إذا كانت مجمعا عليها، أو الخلاف فيها شاذ. ثم وجدت بعض أصحابنا قال: (الفاسد من النكاح: ما يسوغ فيه الاجتهاد، والباطل: ما كان مجمعا على بطلانه. وعبر طائفة من أصحابنا بالباطل عن النكاح الذي يسوغ فيه الاجتهاد أيضا). إذا علم ذلك؛ فقد ذكر أصحابنا مسائل الفاسد غير مسائل الباطل في أبواب منها: باب الكتابة، والنكاح، والحج، وغيرها، وقد ذكر

стр. 40

القاضي علاء الدين في قواعده لذلك قاعدة وذكر مسائل كثيرة فليعاودها من أرادها). كلام ابن رجب في المسألة: قال ابن رجب في "القواعد" (ص/١٢) ما ملخصه: ((القاعدة التاسعة): في العبادات الواقعة على وجه محرم , إن كان التحريم عائدا إلى ذات العبادة على وجه يختص بها لم يصح , وإن كان عائدا إلى شرطها فإن كان على وجه يختص بها فكذلك أيضا , وإن كان - أي الشرط - لا يختص بها ففي الصحة روايتان أشهرهما عدمها (١) , وإن عاد إلى ما ليس بشرط فيها ففي الصحة وجهان واختار أبو بكر عدم
следующие страницы →