قال ابن بدران في "نزهة الخاطر العاطر" (١/ ١١١): (ثمرة الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين تظهر في صلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين له خلاف ظنه فعلى اصطلاح المتكلمين صلاته صحيحه؛ لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال، وأما القضاء فوجوبه بأمر مجدد فلا يشتق منه اسم الصحة، وهذه الصلاة فاسدة عند الفقهاء؛
لأنها غير مجزئة ... ).
فائدة - الفرق بين الصحة والقبول:
ذكر ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤٦٩) الأقوال في ذلك ثم قال: (قال ابن العراقي - وهو ولي الدين أبو زرعة ابن الحافظ العراقي الشافعي -: ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول ولم تنتف معه الصحة - كصلاة شارب الخمر ونحوه- أنا ننظر فيما نفي، فإن قارنت ذلك الفعل معصية، - كحديث شارب الخمر ونحوه-انتفى القبول. أي الثواب؛ لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم تقارنه معصية. كحديث: "لا صلاة إلا بطهور" ونحوه، فانتفاء القبول سببه انتفاء الشرط، وهو الطهارة ونحوها، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط. انتهى) (١). وهو الراجح عندي من الأقوال في المسألة.
الشرط والسبب والمانع:
الشرط عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته) ويزاد عليه قيد (وكان خارجا عن حقيقة الشيء).فمثلا الوضوء شرط لصحة الصلاة عدم وجوده يلزم منه عدم صحة الصلاة ووجوده لا يلزم منه صحة ولا فساد للصلاة لاحتمال وجود مانع من الصحة غيره.
وأما القيد الأخير فللتفرقة بين الشرط والركن فالركن داخل ماهية الشيء فقراءة الفاتحة ركن من الصلاة بخلاف الوضوء فهو شرط لصحتها.
стр. 37
والسبب عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته).
ومثاله السفر لإباحة الفطر والإسكار لتحريم الخمر والصغر للحجر والولاية عليه، وكالهلال لصيام رمضان والزوال لوجوب الظهر.
والقيد الأخير احترازا مما لو قارن السبب فقدان الشرط، أو وجود المانع
كالنصاب قبل تمام الحول، أو مع وجود الدين. فإنه لا" يلزم من وجوده الوجود، لكن لا لذاته، بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط ووجود المانع.
والمانع: عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم) ويضاف قيد: (لذاته) احترازا من عدم وجود السبب.
والمنع ينقسم لمانع دوام كالطلاق للنكاح، ومانع ابتداء كالإحرام للنكاح، ومانع دوام وابتداء كالرضاعة للنكاح.
стр. 38
الفاسد
تعريف الفاسد لغة:
الفاسد لغة هو التالف والمعطوب، والفساد نقيض الصلاح (١).
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٧٩): (كل شيء لا يستفاد منه فإنه يسمى في اللغة فاسدا، لو تغير طعم التمر قيل: هذا تمر فاسد؛ لأنه ضاع وخسره الإنسان).
تعريف الفاسد اصطلاحاً:
الفاسد هو: (ما لا تترتب آثار فعله عليه).
ومن فهم الصحيح ظهر له وجه هذا التعريف وهو واضح فكل مالا يترتب عليه آثاره فهو فاسد سواء كان من العبادات كمن صلى بغير وضوء، أو في المعاملات كمن باع ما لا يملك ونحو ذلك.
ومعنى عدم ترتب الآثار عليه (بيع المجهول مثلا) عدم انتقال الملك إلى المشتري، ولا يباح له انتفاعه بالمبيع، ولا يتصرف فيه، ولا يتملك البائع الثمن وهكذا.
الفاسد والباطل .
قال العلائي في "تحقيق المراد" (ص / ٧٢): (والجمهور في عدم التفرقة بين الباطل والفاسد وأنهما مترادفان يطلق كل منهما في مقابلة الصحيح.
وأما الحنفية فإنهم فرقوا بينهما وخصصوا اسم الباطل بما لا ينعقد بأصله كبيع الخمر والحر، والفاسد بما ينعقد عندهم بأصله دون وصفه كعقد الربا فإنه مشروع من حيث انه بيع وممنوع من حيث انه عقد ربا فالبيع الفاسد عندهم يشارك الصحيح في إفادة الملك إذا اتصل بالقبض.
وحاصل هذا أن قاعدتهم انه لا يلزم من كون الشيء ممنوعا بوصفه أن يكون ممنوعا بأصله فجعلوا ذلك منزلة متوسطة بين الصحيح والباطل وقالوا الصحيح هو
стр. 39
المشروع بأصله ووصفه وهو العقد المستجمع لكل شرائطه والباطل هو الممنوع بهما جميعا والفاسد المشروع بأصله الممنوع بوصفه
ومذهب الشافعي وأحمد وأصحابهما أن كل ممنوع بوصفه فإنه ممنوع بأصله).
بيان مذهب الحنابلة:
قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١١١٠) بعد أن ذكر مذهب الأحناف بالتفريق بين الفاسد والباطل: (وفائدة التفصيل عندهم: أن الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض، دون الباطل، والله أعلم. والأصح - دليلا -: أن البطلان يرادف الفساد، وهما يقابلان الصحة، كما هو مذهبنا ومذهب الشافعي ... قوله: ﴿مع تفريقهما في الفقه بينهما في مسائل﴾ كثيرة. قد فرق أصحابنا وأصحاب الشافعي بين الفاسد والباطل في مسائل كثيرة. قال بعض أصحابنا: (قد ذكر أصحابنا مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل، ظن بعض المتأخرين أنها مخالفة للقاعدة. والذي يظهر - والله أعلم - أن ذلك ليس بمخالف للقاعدة. وبيانه: أن الأصحاب إنما قالوا: البطلان والفساد مترادفان، في مقابلة قول أبي حنيفة، حيث قال: ما لم يشرع بالكلية هو الباطل، وما شرع أصله وامتنع لاشتماله على وصف محرم هو الفاسد، فعندنا كل ما كان منهيا إما لعينه أو لوصفه ففاسد وباطل، ولم يفرق الأصحاب في صورة من الصور بين الفاسد والباطل في المنهي عنه، وإنما فرقوا بينهما في مسائل لدليل) انتهى (١). قلت: غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد، إذا كانت مختلفا فيها بين العلماء، والتي حكموا عليها بالبطلان إذا كانت مجمعا عليها، أو الخلاف فيها شاذ. ثم وجدت بعض أصحابنا قال: (الفاسد من النكاح: ما يسوغ فيه الاجتهاد، والباطل: ما كان مجمعا على بطلانه. وعبر طائفة من أصحابنا بالباطل عن النكاح الذي يسوغ فيه الاجتهاد أيضا). إذا علم ذلك؛ فقد ذكر أصحابنا مسائل الفاسد غير مسائل الباطل في أبواب منها: باب الكتابة، والنكاح، والحج، وغيرها، وقد ذكر
стр. 40
القاضي علاء الدين في قواعده لذلك قاعدة وذكر مسائل كثيرة فليعاودها من أرادها).
كلام ابن رجب في المسألة:
قال ابن رجب في "القواعد" (ص/١٢) ما ملخصه: ((القاعدة التاسعة): في العبادات الواقعة على وجه محرم , إن كان التحريم عائدا إلى ذات العبادة على وجه يختص بها لم يصح , وإن كان عائدا إلى شرطها فإن كان على وجه يختص بها فكذلك أيضا , وإن كان - أي الشرط - لا يختص بها ففي الصحة روايتان أشهرهما عدمها (١) , وإن عاد إلى ما ليس بشرط فيها ففي الصحة وجهان واختار أبو بكر عدم
стр. 41
الصحة وخالفه الأكثرون (١) فللأول أمثلة كثيرة: (منها) صوم يوم العيد فلا يصح بحال على المذهب ... وللثاني أمثلة كثيرة: (منها) الصلاة بالنجاسة وبغير سترة وأشباه ذلك وللثالث أمثلة كثيرة: (منها) الوضوء بالماء المغصوب (ومنها) الصلاة في الثوب المغصوب والحرير وفي الصحة روايتان ... ومنها الصلاة في البقعة المغصوبة وفيها الخلاف ... وللرابع أمثلة منها الوضوء من الإناء المحرم ومنها صلاة من عليه عمامة غصب أو حرير أو في يده خاتم ذهب وفي ذلك كله وجهان ... ).
بيان أن الخلاف لفظي بين الأحناف والجمهور:
من دقق النظر فيما سبق تبين له أن الخلاف الواقع بين الحنفية والجمهور هو خلاف لفظي، فالحنابلة وإن لم يفرقوا بين الفاسد والباطل من ناحية الأصول فقد
فرقوا بينهما في الفروع لدليل اقتضى ذلك.
قال الشيخ النملة في "إتحاف ذوي البصائر " (٢/ ٢٤٦): (هل الخلاف بين الحنفية والجمهور لفظي أو معنوي؟
أقول - في الجواب عن ذلك أن الجمهور قالوا: لا فرق بين الباطل والفاسد فهما اسمان لمسمى واحد، وأما الحنفية فقد فرقوا بينهما، والخلاف بينهما خلاف لفظي.
قال المحلى في "شرح جمع الجوامع ": وفات المصنف - يعني ابن السبكي - أن
يقول: والخلاف لفظي كما قال في الفرض والواجب إذ حاصله أن مخالفة ذي
الوجهين (٢) للشرع بالنهي عنه لأصله كما تسمى بطلانا هل تسمى فسادا؟ أو لوصفه
стр. 42
كما تسمى فسادا هل تسمى بطلانا؟ فعندهم لا، وعندنا نعم ".
وقال الزنجاني في "تخريج الفروع على الأصول": "واعلم أن هذا أصل عظيم فيه اختلاف الفئتين وطال فيه نظر الفريقين، وهو على التحقيق نزاع لفظي، ومراء جدلي".
بيان ذلك أن الحنفية وإن فرقوا بين الباطل والفاسد في بعض المسائل حيث أثبتوا للفاسد وجودا معترفا به عندهم، ورتبوا عليه بعض الأحكام الشرعية في حالة تنفيذ العقد والقبض، إلا أن وجوده هذا وجود ناقص في الحقيقة، ولذلك فلا حكم له قبل القبض: أي أنه لم يرتب عليه بذاته أثره الشرعي، وإنما ترتبت عليه بعض الآثار نظرا لتنفيذ العقد فكان التنفيذ محل رعاية عندهم؛ لوجود الشبهة القائمة بسبب العقد، ولما قد يترتب في حق الغير بعد التنفيذ فكان الاعتراف ببعض هذه الآثار مراعاة لذلك الحق مع وجود الحرمة والإثم في جميع صوره.
كما أن الجمهور قد يفرقون بين الفاسد والباطل أحيانا ويخرجون عما قرروه من قاعدة الترادف بينهما إذا قام لهم دليل على ذلك من الفروع.
قال ابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية": " ... إذا تقرر هذا فقد ذكر أصحابنا مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل " إلى أن قال: " والذي يظهر أن ذلك ليس مخالفا لقاعدة الترادف وإنما وقع التفريق في مسائل لدليل"، وقال مثل ذلك الإسنوي في "نهاية السول"، والزركشي في "البحر المحيط".
بذلك تبين أن الفرق بين الفاسد والباطل قد عمل به الجمهور والحنفية في مسائل لدليل.
فالحنفية لم يفرقوا بين الفاسد والباطل إلا لما قام عندهم من الدليل الذي فهموا منه هذه التفرقة، وجعلهم يعتدون بالفاسد في بعض عقود المعاملات.
فيمكن أن يعتبر اعتدادهم بالفاسد - خلافا للجمهور - في كثير من المسائل خلافا
فقهيا لا أصوليا، وهذا لم ينشأ عن التسمية، وإنما نشأ عن دليل خاص لدى المجتهد، فنتج من ذلك أن الخلاف لفظي بين الجميع).
стр. 43
العلم
تعريف العلم:
العلم هو: (حكم الذهن بأمر على أمر حكما جازما مطابقا لموجب).
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة " (١/ ١٧١): (والذي فهم من كلام فخر الدين في أثناء تقسيم ذكره: أن العلم هو الحكم الجازم المطابق لموجب.
فالحكم، هو إسناد الذهن أمرا إلى آخر بإيجاب أو سلب، كقولنا: العالم محدث أو ليس بقديم، والجازم: القاطع الذي لا تردد فيه، وبه يخرج الظن والشك والوهم، والمطابق: الموافق لما في نفس الأمر، وهو معنى قول غيره: والأمر في نفسه كذلك، وبه يخرج الجهل المركب، وهو الحكم الجازم غير المطابق، كقول القائل: زيد في الدار، وليس فيها.
وقوله: (لموجب) أي: لمدرك، استند الحكم إليه من عقل، أو حس، أو ما تركب منهما، وهو احتراز عن اعتقاد المقلد المطابق، فإنه حكم جازم مطابق وليس بعلم؛ لأنه ليس لموجب) (١).
أقسام العلم:
ينقسم العلم الحادث إلى تصور وتصديق، وكل منهما إما ضروري، وإما نظري.
قال الشنقيطي في "آداب البحث والمناظرة" (ص/٨): (اعلم أن العلم الحادث ينقسم أربعة أقسام، لأنه إما علم تصور، وإما علم تصديق، وكل واحد منهما إما ضروري، وإما نظري، فالمجموع أربعة من ضرب اثنين في اثنين.
الأول: علم تصور ضروري.
الثاني: علم تصور نظري.
والثالث: علم تصديق ضروري.
والرابع: علم تصديق نظري.
واعلم أن علم التصور في الاصطلاح هو إدراك معنى المفرد من غير تعرض
لإِثبات شيء له، ولا لنفيه عنه كإدراك معنى اللذة، والألم، ومعنى المرارة، ومعنى
стр. 44
الحلاوة، وإدراك معنى الإِنسان، ومعنى الكاتب، فإدراك كل مفرد مما ذكرنا ونحوه أي فهم المعنى المراد به ذلك المفرد من غير تعرض لإثبات شيء، وأما علم التصديق فهو إثبات أمر لأمر بالفعل، أو نفيه عنه بالفعل، وتقريبه للذهن. فلو قلت مثلاً، الكاتب إنسان، فإدراكك معنى الكاتب فقط علم تصور وإدراكك معنى الإِنسان فقط علم تصور، وإدراكك كون الإِنسان كاتباً بالفعل، أو ليس كاتباً بالفعل، هو المسمى بالتصديق. وإنما سمي تصديقاً لأنه خبر، والخبر بالنظر إلى مجرد ذاته يحتمل التصديق والتكذيب فسموه تصديقاً، تسمية بأشرف الاحتمالين).
والضروري ما يكون إدراك المعلوم به ضروريا بحيث لا يحتاج إلى نظر واستدلال فيجد الإنسان نفسه مضطرا إليه بحيث لا يمكن دفعه.
وأما العلم النظري هو ما يحتاج لنظر واستدلال نظر في الأدلة الشرعية أو في المقدمات ليصل إلى العلم به.
قال الشنقيطي في "آداب البحث والمناظرة" (ص/١٠): (فاعلم أن الضروري في الاصطلاح هو ما لا يحتاج إدراكه إلى تأمل.
والنظري في الاصطلاح هو ما يحتاج إدراكه إلى التأمل. فالتصور الضروري كتصور معنى الواحد ومعنى الاثنين.
والتصديق الضروري كإدراك أن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أكبر من الجزء.
والتصور النظري مثل له بتصور الملائكة، والجنة، فإنه نظري (١) ومن أمثلته
تشخيص الطبيب لعين المرض (٢) فهو تصور له بعد بحث وتأمل ونظر. والتصديق النظري كقولك: الواحد نصف سدس الاثنى عشر وربع عشر الأربعين).
стр. 45
الكلام
سبب ذكر هذا الفصل في علم الأصول:
قال المرداوي في "التحبير" (١/ ٢٨٠): (قد سبق أن أصول الفقه يستمد من اللغة، وذلك لما كان الاستدلال من الكتاب والسنة اللذين هما أصل الإجماع بل وأصل القياس محتاجاً إلى معرفة اللغة - التي لا تعرف دلالتهما إلا بمعرفتها؛ لأنهما عربيان، وفهم معانيهما متوقف على معرفة لغة العرب، بل هما أفصح الكلام العربي - احتيج إلى معرفتها. قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: ٢]، (وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) [النحل: ١٠٣]، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) [إبراهيم: ٤]، وغير ذلك من الآيات).
قال الجويني في "البرهان في أصول الفقه" (١/ ٧٨): (ومن مواد أصول الفقه العربية فإنه يتعلق طرف صالح منه بالكلام على مقتضى الألفاظ ولن يكون المرء على ثقة من هذا الطرف حتى يكون محققا مستقلا باللغة والعربية).
وعليه فالاستدلال بالكتاب والسنة مبني على معرفة طرق العرب في الإفهام والفهم، ومن جملة أصول الفقه طرق دلالة الألفاظ على المعاني من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، واشتراك وإجمال، ومنطوق ومفهوم، وحقيقة ومجاز، وهذه كلها إنما يتبع فيها ما جرى عليه عرف أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم وتكلم الرسول ﷺ بها.
تعريف الكلام عند النحويين:
الكلام عند النحويين هو: (اللفظ المركب المفيد بالوضع) (١).
اختلفت اصطلاحات اللغويين والنحويين في تعريف الكلام، فهو عند اللغويين يشمل المفيد وغير المفيد بخلاف النحويين فلا يدخل عندهم فيه غير المفيد.
قولنا: (اللفظ) خرج به الإشارة، ولو أفادت معنى فلا تسمى كلامًا، والكتابة لو أفادت معنى لا تسمى كلامًا.
стр. 46
قولنا: (المركب) قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرحه على الأجرومية" (ص/٥٦): (المركب: يعني الذي يتركب من كلمتين فأكثر، تحقيقا أو تقديرًا.
فإذا قلت: هل. فهذا لفظ لكنه ليس مركبًا، فلا يسمى كلامًا عند النحويين ...
لا بدّ أن يتركب من كلمتين فأكثر تحقيقًا أو تقديرًا.
فمثلاً تحقيقًا إذا قلت: قام زيد. هذا مركب من "قام" و "زيد" تحقيقا.
ومثال تقديرًا إذا قلت: قُم. فهذا لم يتركب من كلمتين تحقيقا، لكن تقديرا؛ لأن قُم فيها ضمير مستتر في قوة البارز فهي مركبة من كلمتين).
وقولنا: (المفيد) أي الفائدة التامة، وهي التي يحسن السكوت عليها من المتكلم، بحيث لا يصير السامع منتظرا لشيء آخر انتظارا تاما، فإن وجد التركيب الإسنادى من الفعل مع فاعله، والمبتدأ مع خبره وجد أصل الكلام، وما زاد على ذلك فليس داخلا في حد الكلام من حيث الوجود.
قال الشيخ الحازمي في "شرح الألفية" (الشريط الثالث) ما محصله: المفيد مقصود به مصطلح خاص عند النحاة فإذا أطلقت الإفادة فالمراد بها الفائدة التي يحسن السكوت عليها من المتكلم، وقيل: من السامع، وقيل منهما، والأول أصح؛ لأن الكلام صفة له ثم إذا سكت وحصلت الفائدة لا يسكت السامع، ولكن يسكت المتكلم، فهو أدرى بما يقول، فكما أن الكلام صفة له فكذلك السكوت يكون صفة له.
هذه الفائدة إذا أطلقت عند النحاة انصرفت إلى هذا المعنى، فإذا قيل لفظ مفيد فالمراد بها الفائدة التامة بحيث يحسن السكوت عليها من المتكلم، بحيث لا يصير السامع منتظرا لشيء آخر انتظارا تاما، بمعنى أنه يوجد التركيب الإسنادي الفعل مع فاعله، والمبتدأ مع خبره، فإذا وجد الفعل مع فاعله، والمبتدأ مع خبره وجد أصل الكلام، وما زاد على ذلك من الفضلات، والمفعولات، والأحوال، والتمييز هذا ليس داخلا في حد الكلام من حيث الوجود، ولذلك قيل: انتظارا تاما، احترازا عن الانتظار الناقص ليشمل الفعل المتعدي إذا ذكر فاعله، ولم يذكر مفعوله، فإذا قلت: ضَرَب زيد، علمت أن الضرب قد وقع من زيد، وأنه فاعل الضرب وأن هذا الضرب قد وقع في الزمن الماضي، ولكن قد وقع على من؟ هل هناك انتظار أم لا؟ نعم هناك انتظار، ولكنه انتظار ناقص.
стр. 47
هل عدم ذكر المفعول به يكون نقضا لأصل الكلام؟ لا، فالفائدة التامة حصلت بقولنا: ضرب زيد؛ لأن الفائدة التامة المراد بها وجود المسند، والمسند إليه بقطع النظر عن المتعلقات، فلو كان هذا الفعل يتعلق به ظرف زمان، أو ظرف مكان، أو جار ومجرور حينئذ نقول: هذه لا أثر لها في الحكم على اللفظ، وعلى التركيب لأنه مفيد فائدة تامة.
إذن المراد بالمركب الإسنادي هو المقصود لذاته، وهذا إنما يحصل بوجود المسند والمسند إليه بقطع النظر عن المتعلقات التي تتعلق بالمسند، أو بالمسند إليه) (١).
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٩٩): (وخرج بقوله: "المفيد": ما لم يفد، كقولك: قام، أكل، شرب، وقولك: زيد، عمرو، خالد، وقولك: في، إلى، عن، كلا، فكل هذا لا يسمى- اصطلاحًا- كلامًا ...
وخرج به على رأي بعض العلماء: "السماء فوقنا، والأرض تحتنا"؛ فهذا غير مفيد؛ فكلنا يعرف هذا.
لكن هذا غير صحيح، لأنا لو قلنا بهذا لقلنا: كل ما كان معلومًا إذا وقع خبرًا فإنه ليس بكلام.
فعلى هذا إذا قلت: من أكل شبع، ومن شرب روي، ومن نام استراح، ومن استظل بالسقف سلم من حرارة الشمس، لا يعد هذا كلامًا، لأن هذا معلوم، وعلى رأيهم يكون قول الشاعر:
كأننا والماء من حولنا ... قومٌ جلوس حولهم ماء
فهذا على قولهم ليس كلامًا، فإذا كنت جالسًا والماء من حولك، ومعك ناس فأنتم قوم جلوس حولكم ماء.
فالصحيح أنه لا يُشترط أن تكون الفائدة متجددة، وأنه يجوز أن يكون الكلام كلامًا ولو كانت فيه فائدة غير متجددة).
قولنا: (بالوضع) قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرحه على الأجرومية" (ص/٥٨): (قوله (بالوضع) مراده بالوضع أحد أمرين:
стр. 48
الأول - أن يكون الواضع له قاصدًا وضعه، فخرج بذلك كلام السكران والمجنون والنائم والهاذي. فهذا لا يسمى كلامًا؛ لأن واضعه غير قاصدًا له.
الثاني - بالوضع. أي بالوضع العربي، بمعنى أنه مطابق للغة العربية، فلو جاءنا كلام يفيد فائدة لا يتشوف السامع بعدها إلى شيء، لكن العرب لا يفهمونه؛ فإنه لا يسمى كلامًا عند النحويين).
وقد اختار الشيخ أحمد الحازمي أن المقصود بالوضع المعنى الثاني فقال (١) ما محصله: بالوضع، وهذا لم يذكره ابن مالك، قيل المفيد يستلزمه؛ لأنه لا يحسن السكوت من المتكلم على كلام إلا إذا كان قاصدا له، وهذا إذا فسرنا الوضع بمعنى القصد وهو ضعيف.
وقالوا حتى يخرج كلام النائم والساهي والمجنون، ونحوهم، فمن طلق زوجته وهو نائم لا تطلق باتفاق.
وأجيب بأن كلام النائم يسمى كلاما وإن لم يقصده، وإنما لم يقع الطلاق لرفع التكليف عنه حال نومه لا لأن ما قاله لم يسم كلاما.
والصواب أن يفسر الوضع في حد الكلام بالوضع العربي يعني أن يكون منظوما بلفظ عربي احترازا عن غيره من اللغات الأجنبية، فإن تكلم بلغة غير عربية فليس بكلام عند النحاة، وإذا اشترطنا القصد دخل معنا كلام البربري ونحوه، وخرج عن الحد كلام الساهي، والنائم، والمجنون، ومن جرى على لسانهم ما لا يقصدون.
اللغة نوعان: مفرد ومركب:
اللغة نوعان مفرد ومركب، هذا قدر متفق عليه بين النحاة والأصوليين ومعهم المناطقة، ولكنهم اختلفوا في تعريف المفرد والمركب.
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ١٠٨): (اللغة نوعان: مفرد، ومركب. المفرد في اصطلاح النحاة: هو الكلمة الواحدة كزيد. وعند المناطقة والأصوليين: لفظ وضع لمعنى، ولا جزء لذلك اللفظ يدل على جزء المعنى الموضوع له.
стр. 49
فشمل ذلك أربعة أقسام.
الأول: ما لا جزء له ألبتة، كباء الجر.
الثاني: ما له جزء، ولكن لا يدل مطلقا، كالزاي من زيد.
الثالث: ما له جزء يدل، لكن لا على جزء المعنى. كإن من حروف إنسان. فإنها لا تدل على بعض الإنسان، وإن كانت بانفرادها تدل على الشرط أو النفي.
الرابع: ما له جزء يدل على جزء المعنى، لكن في غير ذلك الوضع كقولنا: حيوان ناطق، علما على شخص.
والمركب عند النحاة: ما كان أكثر من كلمة، فشمل التركيب المزجي، كبَعْلَبَكّ (١)، ونحوها، والمضاف، ولو علما، كعبد الله. وعند المناطقة والأصوليين: ما دل جزؤه على جزء معناه الذي وضع له، فشمل الإسنادي، كقام زيد، والإضافي: كغلام زيد، والتقييدي، كزيد العالم).اهـ بتصرف يسير.
أقسام الكلمة:
الكلمة إما اسم، أو فعل، أو حرف.
١ - الاسم:
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/١٠٣): (الاسم: ما دل على معنى في نفسه من غير إشعار بزمن):
"ما دلَّ على معنى" وهذا جنس يدخل فيه الفعل والحرف.
"ما دلَّ على معنى في نفسه " نقول: هذا لا يشمل الحرف؛ لأنه دل على معنى في غيره.
وقولنا: "من غير إشعار بزمن " هذا فصل يخرج الفعل لأنه- أي الفعل- دل على معنى في نفسه مع إشعار بزمن.
وقوله: (وهو ثلاثة أنواع:
стр. 50
الأول: ما يفيد العموم كالأسماء الموصولة.
الثاني: ما يفيد الإطلاق، كالنكرة في سياق الإثبات.
الثالث: ما يفيد الخصوص كالأعلام)
وقوله: (منها ما يفيد العموم): يعني الشمول لجميع أفراد ما دل عليه.
وقوله: (كالأسماء الموصولة):الاسم الموصول: اسم دال على العموم، والمحلى بأل غير العهدية دال أيضًا على العموم (﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ) [العصر: ١، ٢] الإِنسان " أي: كل إنسان ...
وقوله: (ما يفيد الإطلاق كالنكرة في سياق الإثبات):إذا قلت: أكرم رجلاً: فهذه لا تعم كل رجل، إنما يراد بها رجلاً واحدًا، فهي لا تعم جميع الرجال. لكن النكرة فيها شمول بدلي، وليس شمولاً عموميًا ...
وقوله: (ما يفيد الخصوص، كالأعلام): "الأعلام "يعني الأسماء التي وضعت علمًا على مسماها، مثل: محمد، عمر، خالد، زيد، بكر ... إلى آخره. نقول: هذه أسماء تفيد الخصوص، ولهذا تعين مسماها. و"اسم الإشارة" يُعيِّن مسماه، إذًا فهو دال على الخصوص).
٢ - الفعل:
وقال أيضا (ص/١٠٥): (والفعل: ما دل على معنى في نفسه وأشعر بهيئته بأحد الأزمنة الثلاثة: وهو إما ماضٍ: كفهم، أو مضارع: كيفهم، أو أمر: كافهم، والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق، فلا عموم له.
قوله: (والفعل مما دل على معنى في نفسه): وهذا جنس يدخل فيه الاسم.
وقوله: (أشعر بهيئته): مثل: "ضرب" يشعر بهيئته بزمن ماضٍ، "اضرب " يشعر بهيئته بزمن مستقبل، "يضرب " يشعر بهيئته بزمن حاضر.
أما ما أشعر بمادته لا بهيئته فإن هذا ليس فعلاً، مثل الصباح، فقول القائل: ما زرتك صباحًا، فهذا يدل على الزمن صباحًا، لكن بمادته، ونقول: زرتك ليلاً، فهذا يدل على الزمن لكن بمادته، ولهذا نقول: "أشعر بهيئته "، ليخرج ما دل على الزمان بمادته كالصباح والمساء، والليل والنهار، وما أشبه ذلك فهذا ليس بفعل.
стр. 51
فإذا قلتَ: أصبح زيد وأمسى زيد، فهو فعل؛ لأن كلمة "أصبح" تدل على الزمن بهيئتها.
وقوله: (بأحد الأزمنة الثلاثة): فالفعل ثلاثة أقسام.
وقوله: (إما ماضٍ كـ "فهم" أو المضارع كـ "يفهم" أو أمر كـ "افهم".
إذًا الماضي كـ "فهم " يشعر بهيئته بزمن مضى، و"يفهم" مضارع يشعر بهيئته بزمن حاضر، و"افهم" أمر يشعر بهيئته بزمن المستقبل).
هل الفعل يفيد الإطلاق مطلقا ؟
الصواب أن الفعل المثبت (١) يفيد الإطلاق إلا في حالتين، وفي الحالة الثالثة خلاف:
١ - يفيد العموم إن كان في معرض الامتنان كقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨] فعم كل الماء الذي ينزل من السماء كالثلج والبرد والمطر.
٢ - يفيد العموم إن كان في سياق الشرط. وسوف يأتي بإذن الله بيانهما في باب العام.
٣ - أما إن كان الفعل مضارعا ومقرونا بـ: " كان " فهل يفيد الدوام والعموم أم لا؟ فيه خلاف، وسوف نعرض له في باب العام - بإذن الله - فهو أليق به.
٣ - الحرف:
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/١٠٧): (قوله: (الحرف: ما دل على معنى في غيره): أما في نفسه فلا يدل أبدًا، ولهذا إذا قلت: الرجل في المسجد، فـ " في " ما دلت على شيء، فلولا المسجد ما دلت على شيء إطلاقًا، فالظرف هو ما بعد " في " وهو الذي استفدنا منه الظرفية، كذلك بقية الحروف ليس لها معنى في نفسها، إنما يظهر معناها بما بعدها.
أ- الواو . ...
الواو لها معان كثيرة منها ما ذكره الشيخ العثيمين ﵀ أنها لمطلق الجمع
стр. 52
أي القدر المشترك بين الترتيب والمعية، وهذا لا ينافي أنها تأتي للترتيب أو المعية لدليل.
قال المرداوي في "التحبير" (٢/ ٦٠٠) ما ملخصه: (قوله: ﴿الواو العاطفة لمطلق الجمع﴾. أي: للقدر المشترك بين الترتيب والمعية، عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وعليه أكثر النحاة، وذكره الفارسي، والسيرافي، والسهيلي، إجماع نحاة البصرة والكوفة. فلا تدل على ترتيب ولا معية، وهي تارة تعطف الشيء على مصاحبه كقوله تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) [العنكبوت: ١٥]، وعلى سابقه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ) [الحديد: ٢٦] وعلى لاحقه: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) [الشورى: ٣]، وقد اجتمعا في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [الأحزاب: ٧] وعلى هذا إذا قيل: قام زيد وعمرو، احتمل ثلاثة معان: المعية، والترتيب، وعدمه).
ومن الأدلة التي تدل على أن الواو ليست للترتيب:
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الشورى: ٣]. وما أخرجه أبو داود من قوله ﷺ : (لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان)، فلو كانت الواو للترتيب لساوت ثم ولما فرق بينهما ﵊.
من الأدلة التي تدل على أن الواو للترتيب:
قوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) [الحج: ٧٧]، وما رواه مسلم في صحيحه: (أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله) أبدأ بما بدأ به الله، فبدأ بالصفا فرقى عليه ... ) الحديث.
وللواو معان أخرى غير ذلك تراجع في كتب حروف المعاني، أو المطولات.
ب- الفاء .
الفاء لها معان كثيرة منها: أنها لاشتراك المتعاطفين في الحكم مع الترتيب والتعقيب، وتأتي سببية فتفيد التعليل.
"الفاء العاطفة" تكون "لترتيب" كـ "قام زيد فعمرو"، "و" تأتي الفاء أيضا لـ "تعقيب" والتعقيب لا يلزم منه الفورية تقول: "تزوج فلان فولد له".
стр. 53
والسببية كقوله تعالى: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) [القصص: ١٥]، وقوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) [البقرة: ٣٧].
ج - اللام الجارة:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٢٥٥): (تأتي "اللام" الجارة "للملك حقيقة، لا يعدل عنه" أي عن الملك إلا بدليل. قاله أبو الخطاب من أصحابنا في "التمهيد". "ولها معان كثيرة: "
أحدها: التعليل (١). نحو "زرتك لشرفك"، ومنه قوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) [النساء: ١٠٥]، وقوله: "أنت طالق لرضى زيد"، فتطلق في الحال، رضي زيد أو لم يرض، لأنه تعليل لا تعليق ...
الخامس: التمليك. نحو: "وهبت لزيد دينارا". ومنه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) [التوبة: ٦٠] ... ).
ومثل الشيخ العثيمين ﵀ في الشرح للإباحة بقوله: (للإِنسان أن يصلي النفل جالسًا مع القدرة على القيام).
د- على الجارة .
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/١١٠): ("على الجارة" فهل هناك "على " غير جارة؟ نعم، إذا دخلت عليها "من" صارت بمعنى فوق، تقول: "دخلت عليه من على الجدار"، أي: من فوق وهذه ليست جارة فلا تدخل في كلامنا هذا.
يقول: "على الجارة ولها معانٍ منها الوجوب "، فتقول: "عليك أن تخلص العبادة لله "- يعني: يجب عليك- وفي كلام الفقهاء من هذا كثير، يقولون مثلاً: "وعليه
أن يقول كذا"، و"عليه أن يتوب "، و"عليه أن يسجد"، وما أشبه ذلك).
وقد ذكر الشيخ أحمد الحازمي في شرحه لرسالة الأصول: أنه ليس المقصود هنا الوجوب الشرعي، وإنما المقصود الإلزام اللغوي.
стр. 54
أقسام الكلام
ينقسم الكلام من ناحية إمكان وصفه بالصدق أو الكذب إلى خبر وإنشاء.
تعريف الخبر:
الخبر هو: (القول الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم، أو سلبها عنه، مع قصد المتكلم به الدلالة على ذلك، على وجه يحسن السكوت عليه) (١).
قولنا (الدال بالوضع) أي أن اللفظ دل على المعني ذاته بنفسه وقد احترز بهذا القيد عن أن يكون اللفظ دالا بجهة الملازمة وهي أن يكون المعنى من لوازم أو مقتضيات اللفظ - مثلا إن قلنا هذا الشراب مسكر، وعللناه بلازم الإسكار وهي الرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة؛ لأن الرائحة ليست هي نفس العلة.
وقولنا: (على نسبة) أي كقولنا: قام زيد، فنسبنا القيام لزيد واحترز به عن أسماء الأعلام وعن كل ما ليس له دلالة على نسبة.
وقولنا: (مع قصد المتكلم به الدلالة على ذلك) احتراز عن صيغة الخبر إذا وردت ولا تكون خبرا كالواردة على لسان النائم والساهي والحاكي لها أو لقصد الأمر كقوله تعالى (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥] وقوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) [البقرة: ٢٣٣] (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) [البقرة: ٢٢٨] (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [آل عمران: ٩٧] ونحوه حيث إنه لم يقصد بها الدلالة على النسبة ولا سلبها.
وقولنا: (معلوم إلى معلوم) حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم.
وقولنا: (أو سلبها عنه) حتى يعم ما مثل قولنا: زيد في الدار، ليس في الدار
وقولنا: (يحسن السكوت عليه) احتراز عن اللفظ الدال على المركب التقييدي وهو: المركب من اسمين، أو اسم وفعل، يكون الثاني قيداً في الأول، ويقوم
стр. 55
مقامهما لفظ مفرد مثل: حيوان ناطق، وزيد كاتب، فإنه يقوم مقام الأول الإنسان، ومقام الثاني الكاتب.
وهذا المركب التقييدي لا يصدق عليه حد الجملة؛ لأنه لم يفد نسبة يحسن السكوت عليها (١).
تعريف الإنشاء:
الإنشاء هو: ما لا يمكن أن يوصف بالصدق والكذب.
قال الشيخ العثيمين في "شرح الأصول" (ص/١١٣): (كل كلام لا يصلح أن يقال عنه صدق أو كذب فهو إنشاء ومنه الأمر والنهي كقوله تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: ٣٦]) الأمر (وَاعْبُدُوا اللَّهَ) والنهي (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) فهذا إنشاء وليس بخبر. ومنه الاستفهام والترجي والتمني).
تعقيب - أنواع أخرى من الإنشاء .
فال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٢/ ٣٠١): ((ومنه) أي من غير الخبر (الأمر) نحو قم (ونهي) نحو لا تقعد (واستفهام) نحو هل عندك أحد؟ (وتمن) نحو ليت الشباب يعود (وترج) نحو قوله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) [البقرة: ٢١٦]﴾ والفرق بين التمني والترجي: أن التمني يكون في المستحيل والممكن، والترجي لا يكون إلا في الممكن (وقسم) نحو قوله تعالى: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) [الأنبياء: ٥٧] (ونداء) نحو: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) [النساء: ١] (وصيغة عقد) نحو وهبت ونحو قبلت (و) صيغة (فسخ) نحو أقلت).
وسوف يأتي مزيد بيان لصيغ العقود ونحوها قريبا بإذن الله - تعالى -.
تنبيه:
التمنى، والترجي، والقسم، والنداء، ويدخل معهم العرض والتخضيض - العرض، نحو: ألا تنزل عندنا؟ والتحضيض، نحوه: هلا تنزل عندنا؟ وهو أشد
стр. 56
وأبلغ من العرض - تسمى تنبيها.
والتنبيه ليس طلباً صريحاً، بل هو إيماء إلى الطلب، فهو شبيه بالطلب الصريح، ولكونه ليس طلباً بالوضع جعله قوم، كالبيضاوي قسيماً له بحيث قال: إن الكلام إما أن يفيد طلباً بالوضع، وهو الأمر والنهي، والاستفهام، أو لا، فما لا يحتمل الصدق والكذب تنبيه وإنشاء ومحتملهما الخبر. والمذهب أن الإنشاء والتنبيه مترادفان، وهو ظاهر كلام الشيخ العثيمين ﵀ حيث جعل الترجي والتمني من الإنشاء (١).
صيغ العقود ونحوها:
قال المرداوي في "التحبير" (٤/ ١٧١٢): (قوله: ﴿وصيغة عقد وفسخ ونحوها إنشاء﴾ الصحيح من مذهبنا، ومذهب أكثر العلماء: أن صيغة العقود والفسوخ ونحوها إنشاء، وهو الذي يقترن معناه بوجود لفظه، نحو: بعت، واشتريت، وأعتقت، وطلقت، وفسخت، ونحوها مما يشابه ذلك مما تستحدث به الأحكام فهي أخبار في الأصل بلا شك، ولكن لما استعملت في الشرع في معنى الإنشاء اختلف فيها: هل هي باقية على أصلها من الإخبار أو نقلت؟ فأصحابنا، والأكثر على الثاني، والحنفية على الأول ... ودليل الأكثر: أنه لو كان خبراً لكان إما عن ماض، أو حال، أو مستقبل، والأولان باطلان لئلا يلزم أن لا يقبل الطلاق ونحوه التعليق؛ لأنه يقتضي توقف شيء لم يوجد على ما لم يوجد، والماضي والحال قد وجدا لكن قبوله التعليق إجماع، والمستقبل يلزم منه أن لا يقع به شيء؛ لأنه بمنزلة (سأطلق) والغرض (٢) خلافه، إلى غير ذلك من أدلته ... وقال القاضي من أصحابنا: هي إخبار في العقود ... وقال شيخنا - يعني الشيخ تقي الدين -: هذه الصيغ إنشاء من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم، وبها تم، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس. انتهى) (٣).
стр. 57
وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو الراجح على خلاف قول الأصحاب.
قال الشيخ العثيمين في "شرح الأصول" (ص/١١٤) ما ملخصه: (مثل صيغ البيع، والإجارة، والوقف، والرهن، والنكاح، وغير ذلك، فكل صيغ العقود لا تصلح أن نطلق عليها أنها خبر، ولا أن نطلق عليها أنها إنشاء؛ لأنها خبر وإنشاء باعتبارين ... فهي خبر باعتبار دلالتها على ما في نفس العاقد، وإنشاء باعتبار ترتب العقد عليها).
مسألة - قد يأتي الكلام بصورة الخبر والمراد به الإنشاء وبالعكس لفائدة .
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/١٩): (مثال الأول: قول تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]. فقوله: (يَتَرَبَّصْنَ) بصورة الخبر والمراد به الأمر وفائدة ذلك تأكيد فعل المأمور به حتى كأنه أمر واقع يتحدث عنه كصفة من صفات المأمور.
ومثال العكس: قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) [العنكبوت: ١٢].فقوله: (وَلْنَحْمِلْ) بصورة الأمر والمراد بها الخبر أي ونحن نحمل وفائدة ذلك تنزيل الشيء المخبر عنه منزل المفروض الملزم به).
نختم بمثال تطبيقي:
نختم بمثال تطبيقي لنتعرف على أهمية هذا الباب في الاستدلال، قال تعالى في سورة الواقعة: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)) فقوله (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) هل هي خبر أم إنشاء؟
بداية اختلف العلماء في المراد هنا على قولين: الأول أنه القرآن، والثاني: اللوح المحفوظ.
فإن قلنا أنه القرآن فهل الآية خبر أم إنشاء؟
فإن قلنا أنها خبر فيكون معناه أن الله يخبر أن القرآن لا يمسه إلا المطهرون، وهذا منتقض بأن القرآن يمسه الطاهر وغير الطاهر، فدل على أن الله لم يعن بالمصحف المذكور في الآية هذا الذي بأيدي الناس، وإنما عني كتابًا آخر، وهو الذي في السماء.
стр. 58
كما أن المراد بالمطهرين في الآية الملائكة لأنهم طهروا من الشرك والذنوب، وليسوا بني آدم؛ لأن المطهر من طهره غيره، ولو أريد بهم بنوا آدم لقيل: المتطهرون
أجاب جمهور العلماء عن اعتراض القائلين بجواز مس المحدث المصحف على أدلة التحريم بما يأتي:
أولاً: أنا نمنع أن قوله سبحانه: (لَا يَمَسُّهُ) خبر فقط، بل هو خبر تضمن نهيًا؛ لأن خبر الله لا يكون خلافه، وقد وجد من يمس المصحف على غير طهارة، فتبين بهذا أن المراد النهي، وليس الخبر، وقد ورد مثل هذا كثير في الكتاب والسنة، ومنه قوله : (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) [البقرة: ٢٣٣] فإنه خبر تضمن نهيًا، ومنه في السنة قوله ﷺ : (لا يبيع أحدكم على بيع أخيه) بإثبات الياء، فإنه خبر تضمن نهيًا.
وأما القول بأن الضمير في قوله سبحانه: (لَا يَمَسُّهُ) إنما يعود على الكتاب الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ، لا على المصحف الذي بأيدي الناس، فالجواب: أن قوله سبحانه: (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الواقعة: ٨٠] بعد قوله سبحانه: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) فيه دلالة ظاهرة على إرادة المصحف الذي بأيدي الناس، فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح.
كما أن القول بأن المراد بـ المطهرين في الآية هم الملائكة وليسوا بني آدم؛ لأن المطهرين هم الذين طهرهم غيرهم، وأنه لو أريد بهم بنو آدم لقيل (المتطهرون).
فالجواب: أن المتوضئ يطلق عليه طاهر ومتطهر، وهذا سائغ لغة.
ومع التسليم بأن المراد بالمطهرين: الملائكة، كما هو قول جمهور المفسرين، فإنه يمكن الاستدلال بالآية بقياس بني آدم على الملائكة، أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (من باب التنبيه والإشارة؛ لأنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، والحديث مشتق من هذه الآية).
وليس الغرض التعرض لمناقشة هذه المسألة وإنما الغرض معرفة كيفية
стр. 59
الاستدلال بالآية على محل النزاع (١).
الحقيقة والمجاز
بيان لابد منه:
المستقرئ للجانب التاريخي لظهور المجاز يجد أن العرب لم يعرف عنهم تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ولم يذكر عنهم التعبير بلفظ المجاز الذي هو قسيم الحقيقة عند أهل الأصول، وإنما هذا اصطلاح حدث بعد القرون المفضلة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٧/ ٨٨، ٨٩)، (١٢/ ٢٧٧): (فهذا التقسيم اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، .. بل ولا تكلم به أئمة اللغة، .. ولا من سلف الأمة، وعلمائها وإنما هو اصطلاح حادث، .. فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة، ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة، وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجودا في المائة الثانية) (٢).
وقد اختلف العلماء في المجاز بين مجيز، ومانع، ومفصل فالجمهور على الجواز والوقوع مطلقا، وذهب بعض العلماء والمحققين منهم أبو إسحاق الاسفرائيني من الشافعية، وأبو علي الفارسي من أهل اللغة وتقي الدين وتلميذه ابن القيم والشنقيطي إلى المنع مطلقا وهذا هو الأقوى عندي، وذهب بعض العلماء منهم داود بن علي، ومن الشافعية ابن القاص، ومن المالكية ابن خويز منداد، ومن الحنابلة جمع منهم: أبو الفضل التميمي، وأبو عبد الله بن حامد وأبو الحسن الخرزي، وغيرهم إلى المنع في القرآن وحده دون اللغة، وانفرد داود الظاهري بالقول بالمنع في القرآن والسنة دون غيرهما، وذهب ابن حزم إلى التفصيل بين ما فيه حكم شرعي وغيره، فما فيه حكم شرعي لا مجاز فيه وما لا فلا.
стр. 60
ولقد كانت تعجبني طريقة العلامة الشنقيطي ﵀ في الرد على القائلين بالمجاز في رسالته "منعُ جَوازِ المَجازِ في المُنزَّلِ للتَّعَبُّدِ والإعجَازِ" وذلك ببيان أن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنها حقائق تكلم بها العرب، ولا يجوز نفيها (١).
والكلام في مناقشة المسألة وأدلة كل فريق يطول وليس هذا محله.
تعريف الحقيقة:
الحقيقة هي: (اللفظ المستعمل فيما وضع له) (٢).
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/١٢٠): (خرج باللفظ الإشارة، فالإشارة لا توصف بحقيقة ولا مجاز - حتى لو فهمت - لأنها ليست بلفظ، والكتابة أيضا عندهم لا تسمى حقيقة ولا مجازا من حيث الكتابة ولكن من حيث المكتوب قد يكون حقيقة أو مجازا.
وقال: فخرج بقولنا: " المستعمل " المهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً.
وخرج بقولنا: " فيما وضع له " المجاز؛ لأن المجاز مستعمل في غير ما وضع له).
تنبيهان:
الأول:
قوله (فيما وضع له) يدخل فيه الحقيقة الشرعية، واللغوية، والعرفية، وذلك أن الوضع هو تعيين اللفظ للمعنى، فإن كان التعيين من جهة الشارع فوضع شرعي، وإن كان من جهة واضع اللغة فوضع لغوي، وإن كان من جهة قوم مخصوصين فوضع عرفي إما عام، وإما خاص.
ولذلك فقد قسم العلماء الحقيقة باعتبار الواضع إلى ثلاثة أقسام فإن كان الواضع الشارع فحقيقة شرعية، وإن كان اللغوي فلغوية، وإن كان العرف فعرفية.
стр. 61
الثاني:
ولتعلم أن من قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز أثبت أن الكلام له وضع أول أي حقيقي استعملته فيه العرب كالأسد للحيوان المفترس، فإن استعملته في وضع ثان أي في الرجل الشجاع مثلا - بشروط تأتي - يقال أن هذا مجاز.
ويشكل على هذا التقسيم أمران:
الأول - أن من لوازم هذا التقسيم للوضع الأول والثاني للكلام أن اللغة توقيفية، وأن الوضع الأول معروف بتوقيف من الله، ويشكل على هذا أمور منها: أن علماء اللغة مختلفون في اللغة هل هي توقيفية أم اصطلاحية أم إلهامية على أقوال ستة مبسوطة في غير هذا الموضوع، فكيف السبيل للجزم بأن هذا هو الوضع الأول، بمعنى أنهم إن احتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال تعذر عليهم ذلك للخلاف الوارد في أصل اللغة هل هي توقيفية أم لا؟
وأيضا إن عكس القول عليهم بأن الوضع الثاني أول لما استطاعوا رده.
وأيضا من لوازم قولهم أن اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز فإن استعمل في غير موضوعه صار مجاز لا حقيقة له.
الثاني- قولهم أن كل مجاز يجوز نفيه.
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح نظم الورقات" (ص/٧١): (ونحن نجيب عن كل هذه الأمثلة - أي التي ذكرها العمريطي انتصار للقول بالمجاز في القرآن واللغة - ونقول: الصواب أنه لا مجاز في اللغة العربية، لا في القرآن، ولا في السنة، ولا في غيرهما؛ وذلك لأن المجاز أصدق ما يكون فيه هو الذي يصح نفيه ونفي المعنى المراد بمقتضى سياقه، أو لفظه لا يمكن أبدا) ثم أخذ ﵀ في الرد على الأمثلة المذكورة.
قال العلامة الشنقيطي ﵀ في رسالته " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز " (ص ٣٥: ٣٨): (كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية.
فمن أساليبها إطلاق الأسد مثلاً على الحيوان المفترس المعروف، وأنه ينصرف إليه عند الإطلاق، وعدم التقييد بما يدل على أن المراد غيره.
стр. 62
ومن أساليبها إطلاقه على الرجل الشجاع إذا اقترن بما يدل على ذلك. ولا مانع من كون أحد الإطلاقين لا يحتاج إلى قيد، والثاني يحتاج إليه؛ لأن بعض الأساليب يتضح فيها المقصود فلا يحتاج إلى قيد، وبعضها لا يتعين المراد فيه إلا بقيد يدل عليه، وكل منهما حقيقة في محله. وقس على هذا جميع أنواع المجازات.
وعلى هذا، فلا يمكن إثبات مجاز في اللغة العربية أصلاً، كما حققه العلامة ابن القيم-﵀ في الصواعق. وإنما هي أساليب متنوعة بعضها لا يحتاج إلى دليل، وبعضها يحتاج إلى دليل يدل عليه، ومع الاقتران بالدليل يقوم مقام الظاهر المستغني عن الدليل، فقولك: " رأيت أسداً يرمي " يدل على الرجل الشجاع، كما أن لفظ الأسد عند الإطلاق على الحيوان المفترس. ثم إن القائلين بالمجاز في اللغة العربية اختلفوا في جواز إطلاقه في القرآن ... والذي ندين به، ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز مطلقاً على كلا القولين.
أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلاً - وهو الحق - فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن. وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسداً يرمي، ليس هو بأسد، وإنما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأن في القرآن مجاز أن في القرآن ما يجوز نفيه.
ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهد في الخارج صحته، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم.
وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك فقالوا: لا يد ولا استواء ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات، لأن هذه الصفات لم ترد حقائقها، بل هي عندهم مجازات، فاليد مستعملة - عندهم - في النعمة أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره، ونحو ذلك، فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز ... ).
стр. 63
الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية:
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٢٠): (وتنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: لغوية، وشرعية، وعرفية.
فاللغوية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة.
والحقيقة الشرعية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في الشرع.
والحقيقة العرفية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف).
قال المرداوي في "التحبير" (١/ ٣٨٩): (الحقيقة ثلاثة أنواع: أحدها: اللغوية، وهي الأصل، كالأسد على الحيوان المفترس. الثاني: الحقيقة العرفية، وحدها: ما خص عرفاً ببعض مسمياته، يعني: أن أهل العرف خصوا أشياء كثيرة ببعض مسمياتها، وإن كان وضعها للجميع حقيقة، وهي قسمان: عامة، وخاصة. فالعامة: ما انتقلت من مسماها اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر الأول، وذلك إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة بالنسبة إلى ذات الحافر، فإن الدابة وضعت في أصل اللغة لكل ما يدب على الأرض فخصصها أهل العرف بذات الحافر من الخيل والبغال والحمير ... وإما باشتهار المجاز، كإضافتهم الحرمة إلى الخمر، وإنما المحرم الشرب، وكذلك ما يشيع استعماله في غير موضوعه اللغوي، كالغائط، والعذرة، والراوية، وحقيقتها: المطمئن من الأرض، وفناء الدار (١)، والجمل الذي يستقى عليه الماء (٢). والخاصة: ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم، كاصطلاح النحاة، والنظار، والأصوليين، وغيرهم على أسماء خصوها بشيء من مصطلحاتهم، كالمبتدأ، والخبر، والفاعل، والمفعول، والنقض، والكسر، والقلب، وغير ذلك مما اصطلح عليه أرباب كل فن).
والحقيقة الشرعية: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الشرع كالصلاة للعبادة المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، وكّالإيمان، للاعتقاد والقول والعمل.
стр. 64
أيها يقدم من الحقائق الثلاث:
وقال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٢٠): (وفائدة معرفة تقسيم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام أن نحمل كل لفظ على معناه الحقيقي في موضع استعماله فيحمل في استعمال أهل اللغة على الحقيقة اللغوية، وفي استعمال الشرع على الحقيقة الشرعية، وفي استعمال أهل العرف على الحقيقة العرفية).
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٢/ ٢٣٨): (المقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية وهو التحقيق خلافاً لأبي حنيفة في تقديم اللغوية ولمن قال يصير اللفظ مجملاً لاحتمال هذا وذاك).
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٧/ ٢٨٦): (ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم).
تعريف المجاز:
المجاز هو: (هو اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي على وجه يصح) (١).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٥٠٥): (وقولنا: على وجه يصح نريد به وجود شروط المجاز المذكورة بعد احتراز من استعماله على وجه لا يصح، وهو ما إذا انتفت شروطه أو بعضها، بأن كان لا لعلاقة، أو لعلاقة خفية (٢)، ونحو ذلك).
وقال ابن بدران في "نزهة الخاطر" (١/ ١٢٢): (عدل عن قولهم لعلاقة إلى قوله
стр. 65
على وجه يصح ليعم المذهبين مذهب من يقول على وجه يصح أي بحسب غير وضع أول بل بمجرد المناسبة (١) كما هو رأي الأكثر، ومذهب من يقول على وجه يصح أي بوضع ثان ملحوظ فيه الوضع السابق كما هو رأي البعض بخلاف ما إذا قيل هو اللفظ المستعمل في غير وضع أول لعلاقة فإنه لا يصح إلا على مذهب الأكثرين. والحاصل أن قولنا على وجه يصح أعم من قولنا لعلاقة وقيد الصحة يخرج مثل استعمال لفظ الأرض في السماء).
شروط المجاز:
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٢١): (ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة وهو ما يسمى في علم البيان ب القرينة . ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ليصح التعبير عنه وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة).
وكلام الشيخ واضح في اشتراط وجود علاقة وقرينة ليصح المجاز.
القرينة:
قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/١٢٥): (ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة، وهو ما يسمى في علم البيان بالقرينة.
فهذا من أهم ما يكون، يعني: أننا لا يمكن أن نحمل الكلام على المجاز إلا بدليل صحيح.
وإذا ضربنا لهذا مثلاً في صفات الله تبين: قال الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، فحقيقة الاستواء هو: العلو، فإذا حرَّفه أحد إلى الاستيلاء! قلنا: لا نقبل مثل هذا؛ لأن تحريفه إلى الاستيلاء إخراج له عن حقيقته، ولا يقبل إلا بدليل.
وإذا قال قائل: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [المائدة: ٦٤]،- يعني: يدي الله وأن المراد بهما النعمة! قلنا له: لا نقبل؛ لأن استعمال اليد في النعمة مجاز، ولا يمكن أن يحمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع إرادة الحقيقة.
стр. 66
فإذا قال: عندي دليل صحيح يمنع إرادة الحقيقة، وهو العقل والنقل:
أما النقل: فلقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١].
وأما العقل: فلظهور التباين بين الخالق والمخلوق!
فالجواب: أن نقول: إن إثبات اليد لا يستلزم المماثلة، فها أنت لك يد، ولبعيرك يد، فهل يداكما سواء؟
وأما الجواب عن العقل، فنقول: نعم، فالتباين بين الخالق والمخلوق صحيح، فكما أنهما متباينان بالذات، فإنهما متباينان في الصفات.
وعلى كل حالٍ أهم شيء عندنا في المجاز هو: أن نمنع حمل الكلام على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة، وهذا الدليل يسميه علماء البلاغة: "القرينة" ثم يقسمون القرينة إلى حالية وإلى لفظية، وليس هذا موضع البحث).
العلاقة:
قال الشيخ العثيمين ﵀ في " شرح الأصول" (ص/١٢٦): (قوله: (ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ليصح التعبير عنه، وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة): فهذا أيضًا لا بد منه، لابد أن يكون هناك علاقة بين الحقيقة والمجاز، يعني: بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، من أجل أن يصح التعبير به عنه، فإن لم يكن هناك علاقة فلا يصح المجاز، فلو عبرت مثلا بالخبز عن الشاة والبيت، لا يصح؛ لعدم العلاقة، لكن لو عبرت عن العصير بالخمر يصح؛ للعلاقة، لأن أصل الخمر العصير، وتعبر باليد عن النعمة؛ لأن النعم والعطاء تكون باليد، وتعبر عن النفس بالرقبة؛ لأن الرقبة إذا قطعت مات الإنسان، لكن هل تعبر عن الإنسان بالظفر، فإذا نزلت إلى السوق وجدت ظفرًا يُحَرّج عليه- أي: يساوم عليه- فاشتريت هذا الظفر وأعتقته، فإن هذا لا يصح، فليست هناك علاقة؛ أولا: لأن الظفر لا يطلق على الإِنسان. وثانيًا: لأن الظفر جزء يسير لو فقد لا يموت الإِنسان بخلاف الرقبة.
وكذلك لو قال: نزلت إلى السوق فوجدت أصبغا يُساوم عليه فاشتريته، وأعتقته؛ فإن ذلك لا يصح ... ).
стр. 67
أنواع العلاقة:
المجاز له أربعة أنواع (١):
١ - المجاز المفرد وهو عندهم الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي.
- والعلاقة إن كانت المشابهة كقولك رأيت أسداً يرمي سمي هذا النوع من المجاز استعارة، وحد الاستعارة مجاز علاقته المشابهة.
- وإن كانت علاقته غير المشابهة كالسببية والمسببية ونحو ذلك سمي مجازاً مفرداً مرسلاً كقول الشاعر:
أكلت دماً إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر (٢)
أطلق الدم وأراد الدية مجازاً مرسلاً علاقته السببية لأن الدية المعبر عنها بالدم سببها الدم وهي مسبب له.
٢ - المجاز المركب وضابطه أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام مفيد آخر، لعلاقة بينهما ولا نظر فيه إلى المفردات، فقد تكون حقائق لغوية، وقد تكون مجازات مفردة، وقد يكون بعضها مجازاً وبعضها حقيقة.
- وعلاقته إن كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، ومنها جميع الأمثال السائرة والمثل يحكي بلفظه الأول، ومثاله قولك لمن فرط في أمر وقت إمكان فرصته، ثم بعد أن فات إمكان فرصته جاء يطلبه (الصَّيفُ ضَيَّعتِ اللَبَن) وأصل المثل أن امرأة من تميم خطبها رجلان أحدهما كبير في السن وله مواشي كثيرة، والثاني شاب
стр. 68
وماشيته قليلة، فاختارت الشاب، وكانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذي ردت خطبته لبناً فقال لها: (الصَّيفُ ضَيَّعتِ اللَبَن) وهذا الاستعمال لعلاقة المشابهة، بين مجموع الصورتين.
- وان كانت علاقته غير المشابهة، سمي مجازاً مركباً مرسلاً كقوله:
هَوايَ مع الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ ... جَنِيبٌ وجُثْمانِي بمَكَّةَ مُوثَقُ (١)
فالبيت كلام خبري أريد به إنشاء التحسر والتأسف لان ما أخبر به عن نفسه هو سبب التحسر والتأسف، وهو مجاز مركب مرسل، علاقته السببية ...
٣ - المجاز العقلي (٢): التجوز فيه في خصوص الإسناد لا في لفظ المسند إليه ولا المسند كقول المؤمن: (أنبت الربيعُ البقلَ) فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع وهو لله جل وعلا عند المتكلم وكذلك هو في الواقع.
٤ - مجاز النقص والزيادة: فمداره على وجود زيادة، أو نقص يغيران الإعراب.
مجاز النقص مثلوا له بقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] والمراد أهل القرية.
والتحقيق أنه لا مجاز في هذه الآية (٣)، وإنما هي أساليب استعملتها العرب،
ومعان حقيقية جاءت بها اللغة، فقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فيه حذف مضاف، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أسلوب من أساليب العربية معروف، لأنه مما يعلم وحذف ما علم جائز كما قرره علماء العربية.
ولتعلم أنه جاء استعمال العرب للقرية تارة للمكان، وتارة للسكان، وقد جاء القرآن
стр. 69
بذلك كله، قال تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) [الأعراف: ٤، ٥])، وقال في آية أخرى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) [محمد: ١٣]، فالمراد بالقرية هنا السكان، وكذلك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) [الكهف: ٥٩]، والمراد السكان.
وقد أطلق لفظ القرية، وأريد به المكان، قال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) [البقرة: ٢٥٩] الآية.
فالحاصل أن العرب تطلق هذا اللفظ، وتريد به تارة المكان، وتارة السكان، والسياق هو الذي يحدد ذلك، وليس هذا اللفظ مجازا، وإنما أسلوب من أساليب العربية المعروفة (١).
- ومثال مجاز الزيادة عندهم قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١].
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/١٣٢): (وقوله: (مثلوا للمجاز بالزيادة بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فقالوا: إن "الكاف " زائدة، لتأكيد نفي المثل عن الله):
قالوا: لا يمكن أن يجتمع كلمتان دالتان على التشبيه؛ لأنه، لو اجتمع كلمتان دالتان على التشبيه لكان هذا عين التشبيه، لأن نفي النفي إثبات.
فلو كان المعنى: ليس مثلَ مثلِ اللَّه شيء، لثبت المثلُ! وهذا مستحيل، والكاف: حرف يدل على التشبيه.
فقالوا: "الكاف " زائدة في الكلام من حيثُ التركيب فلو قيل: ليس مثله شيء. أي ليس شيء مثله، لاستقام الكلام، إذًا فنحمل الآية الكريمة على أن "الكاف" زائدة مجازًا (٢).
стр. 70
س: فما الفائدة؟
ج: الفائدة: توكيد النفي، كأن هذه الجملة صارت جملتين، كل جملة فيها ما يدل على نفي الماثلة، كأنه قال: "ليس كهو شيء"، "ليس مثله شيء"، فيكون المراد بالزيادة هنا التوكيد.
وبهذا التقرير نسلم من معارضات واعتراضات كثيرة وإلا فإن الناس تكلموا في هذه الآَية كلامًا طويلًا عريضًا. لكن اخترنا هذه الآية من أجل تقريب المعنى فيها، ولا نلتفت إلى ما سطره بعض العلماء حول هذه الآية، فقد أوردوا من الإِشكالات والاعتراضات والإِجابات الأشياء الكثيرة، نقول: التوكيد في اللغة العربية جارٍ مجرى التكرار، كما لو قلتَ: "جاء زيد نفسه " كأنك تقول: "جاء زيد زيد").
стр. 71
الأمر
تعريف الأمر:
الأمر هو: (قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء) (١).
وهذا التعريف قريب من تعريفات الحنابلة للأمر وموافق لأصولهم.
قال الشيخ العثيمين ﵀ (٢): فخرج بقولنا: " قول " الإشارة فلا تسمى أمراً وإن أفادت معناه.
وخرج بقولنا: " طلب الفعل " النهي؛ لأنه طلب ترك، وليس المقصود بالفعل هنا قسيم القول، بل المراد بالفعل هنا الإيجاد ولو كان قولا. فإذا قلت لك: قل لا إله إلا الله، فهذا أمر؛ لأنني أمرتك أن توجد هذا القول، فيسمى أمرا.
وخرج بقولنا: " على وجه الاستعلاء " الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من صيغة الأمر بالقرائن.
الالتماس يكون من مساو، أما الدعاء فيقولون إن كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء وهو صحيح بالنسبة لله عزوجل، فلا شك أنه دعاء، أننا إن سألنا الله عزوجل فإننا ندعوه. لكن إن كان من أدنى إلى أعلى فينبغي أن لا نسميه دعاء، بل نسميه سؤالا؛ لأنه لا ينبغي أن يكون الدعاء إلا إلى الله عزوجل.
تنبيهات:
التنبيه الأول - معنى العلو والاستعلاء:
هناك ألفاظ تترد عند الكلام على تعريف الأمر وهي: العلو، والاستعلاء وبينهما فرق.
قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢١٧٦): (قوله: ﴿فالاستعلاء طلب بغلظة، والعلو كون الطالب أعلى رتبة، قاله القرافي﴾. فقال في ' التنقيح ': الاستعلاء هيئة في الأمر من الترفع وإظهار القهر والعلو يرجع إلى هيئة الآمر من شرفه وعلو منزلته بالنسبة إلى المأمور. انتهى ... قال ابن العراقي: فالعلو صفة للمتكلم، والاستعلاء صفة للكلام).
стр. 72
التنبيه الثاني - الخلاف في اشتراط العلو أو الاستعلاء في حد الأمر:
اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال: أحدها: اعتبار العلو والاستعلاء، والثاني: عكسه، والثالث: اعتبار الاستعلاء فقط، والرابع: اعتبار العلو فقط.
والراجح من هذه الأقوال اشتراط الاستعلاء لا العلو؛ لأن الاستعلاء صفة للأمر والعلو صفة للآمر وهو خارج عن ماهية التعريف.
قال الشيخ صالح آل الشيخ في "شرح الورقات": (والأَوْلى أنْ نقول في تعريف الأمر: أنّ الأمر استدعاء الفعل ممن هو دونه على وجه الاستعلاء.
استدعاء الفعل ممن هو دونه على وجه الاستعلاء، ما معناها؟ يعني أن يكون الآمر في أمره مؤكِّدا جازما، وبعض علماء الأصول يقولون على وجه العلو، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ العلو صفة الآمر، والاستعلاء صفة للأمر في نفسه، فيكون على وجه الاستعلاء؛ يعني الأمر فيه جزم، أو فيه شدة، وفيه غلظة، ونحو ذلك، حتى يخرج منها الالتماس والسؤال وإلى آخره).
التنبيه الثالث - للأمر صيغة موضوعة في اللغة أو (الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده):
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٤): (اعلم أن كون الأمر بالشيء نهياً عن ضده فيه ثلاثة مذاهب:
الأول أن الأمر بالشيء هو عين النهى عن ضده وهذا قول جمهور المتكلمين، قالوا أسكن مثلا، السكون المأمور به فيه، هو عين ترك الحركة، قالوا وشغل الجسم فراغاً هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق وهو بالنسبة إليه أمر، وإلى الحركة نهى.
قال مقيده عفا الله عنه:
الذي يظهر والله أعلم أن قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أن الأمر بالشيء هو عين النهى عن ضده، مبنى على زعمهم الفاسد أن الأمر قسمان: نفسي ولفظي، وأن الأمر النفسي، هو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة وبقطعهم النظر عن الصيغة، واعتبارهم الكلام النفسي، زعموا أن الأمر هو عين النهى عن
стр. 73
الضد، مع أن متعلق الأمر طلب، ومتعلق النهى ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، النهى استدعاء ترك، فليس استدعاء شيء موجود، وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهى عن الضد وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أن الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرد عن الصيغة، ويوضح ذلك اشتراطهم في كون الأمر نهياً عن الضد أن يكون الأمر نفسياً يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة ... أصل هذا الكلام مبنى على زعم باطل وهو أن كلام الله مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ، لأن هذا القول الباطل يقتضى أن ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها رب السموات والأرض، وبطلان ذلك واضح.
المذهب الثاني: أن الأمر بالشيء ليس عين النهى عن ضده، ولكنه يستلزمه، وهذا هو أظهر الأقوال لأن قولك أسكن مثلا يستلزم نهيك عن الحركة لان المأمور به لا يمكن وجوده مع التلبس بضده لاستحالة اجتماع الضدين وما لا يتم الواجب إلا به واجب، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلانى في آخر مصنفاته وكان يقول بالأول.
المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنه وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالى من الشافعية، واستدل من قال بهذا بأن الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلا عن ضده وإذا كان ذاهلا عنه فليس ناهياً عنه إذ لا يتصور النهى عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلا، ويجاب عن هذا بأن الكف عن الضد لازم لأمره لزوما لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده فالأمر مستلزم ضرورة للنهى عن ضده لاستحالة اجتماع الضدين) (١).
صيغ الأمر:
أولا- فعل الأمر:
هو الفعلُ الّذي يدلُّ على طلبِ حدوثِ العملِ في المستقبلِ على وجهِ الاستعلاءِ، وهو مبنيٌّ دائماً:
стр. 74
١ - يُبنى على السّكونِ:
أ- إذا لم يتصلْ به شيءٌ، مثلُ: (اسمعْ)
ب-أو إذا اتّصلَتْ به نونُ النّسوةِ (اسمعْن).
٢ - يُبنى على الفتحِ: إذا اتّصلَت به إحدى نوني التّوكيدِ الخفيفةُ أو الثقيلةُ، مثالٌ: اسمعَنْ- اسمعَنَّ.
٣ - يُبنى على حذفِ حرفِ العلّةِ: إذا كانَ معتلَّ الآخرِ، مثالٌ: اسعَ- ادنُ- امضِ.
٤ - يُبنى على حذفِ النّونِ: إذا كانَ مضارعُه من الأفعالِ الخمسةِ، أي إذا اتّصلَتْ به ألفُ الاثنين أو واوُ الجماعةِ أو ياءُ المؤنّثةِ المخاطبةِ. مثالٌ: اكتبا-اكتبوا- اكتبي.
ومثل له الشيخ العثيمين ﵀ بقوله تعالى: (﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) [العنكبوت: ٤٥] فهذا فعل أمر مبني على حذف الواو.
ثانيا - اسم فعل الأمر:
وهو الذي يدل على معنى فعل الأمر، ولا يقبل علامة من علاماته كياء المخاطبة أو نون التوكيد، ومنه:
- إيهِ: بمعنى زِدْ. (إيهِ من حديثِك الطريف).
- صهْ بمعنى: اسكت. (صهْ عن بذئِ الكلام).
- مَهْ بمعنى: كُفَّ. (تماديت في الأذى فمه).
- آمين بمعنى: استَجِب. (ربنا أعنا على فعل الخير آمين).
- حيَّ بمعنى: أَقْبِل. (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح).
ثالثا - المصدر النائب عن فعل الأمر:
هو مصدر ينوب عن فعل الأمر:
- كقول الله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤] فضرب المصدر نائب عن فعل الأمر يعني اضربوا الرقاب.
- قوله تعالى: (فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: ١١] فسحقا: أي فبعدا شديدا، وهو مصدر "سحق" بمعنى: بعد أشد البعد، وقد ناب عن فعل الأمر، والمعنى:
стр. 75
"اسحقوا" أي: ابتعدوا ابتعادا شديدا".
- قول قطري بن الفجاءة:
فَصَبْراً في مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً ... فَما نَيْلُ الخُلُودِ بمُسْتَطَاعِ
فصبرا: أي: فاصبر.
رابعا - المضارع المقرون بلام الأمر:
قال ابن أم قاسم في "الجنَى الداني في حروف المعاني": (لام الأمر، والأولى أن يقال: لام الطلب، ليشمل: الأمر نحو (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) [الطلاق: ٧]، والدعاء نحو (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف: ٧٧]، قيل: والالتماس، كقولك لمن يساويك: لتفعل، من غير استعلاء. وذلك لأن الطلب إذا ورد من الأعلى فهو أمر، وإذا ورد من الأدنى فهو دعاء، وإذا ورد من المساوي فهو التماس.
وهذه اللام التي للطلب كصيغة افعل، في أنها قد ترد لمعان أخر، غير الطلب، كالتهديد نحو قوله تعالى: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (١) [العنكبوت: ٦٦] والأصل في ذلك معنى الطلب ...
تنبيه - الفرق بين لام الأمر ولام التعليل:
الفرق بين اللامين يتبين في هذه النقاط:
١ - الفرق هو فرق في المعنى الذي يظهر من التعليل أو الأمر. فلام التعليل تدخل على الفعل المضارع، ويكون ما بعدها علة لما قبلها، وهذه اللام دائما تأتي مجرورة، ويسميها البعض لام كي، لأنها كثيرة المجئ مع (كي) أو بمعنى كي.
أما لام الأمر: فإنها تدل على الطلب من أعلي لأقل مرتبة، أو من متساوٍ في الرتبة أو غيرهما وذلك من حيث المعنى.
٢ - لام الأمر تجزم الفعل ولام التعليل تنصبه.