← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2048

المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (253 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومن تتبع الأدلة الشرعية الوارد فيها استعمال صيغة (كان يفعل) يجد أن بعضها يدل على عدم التكرار، والبعض يدل على التكرار، وقد رأيت البعض يقول أن الأصل فيها أن تستعمل للمرة الواحدة، والتكرار يحتاج لدليل، والبعض يعكس ويقول أنها تستعمل للتكرار إلا لدليل. قال المرداوي في " التحبير" (٥/ ٢٤٣٩): (قال البرماوي: والتحقيق ما قاله ابن دقيق العيد: إنها تدل على التكرار كثيرا، كما يقال: كان فلان يقري الضيف، ومنه كان النبي أجود الناس. الحديث. ولمجرد الفعل قليلا من غير تكرر، نحو: كان النبي يقف بعرفات عند الصخرات، وقول عائشة: كنت أطيب النبي لحله وحرمه. ولم يقع وقوفه بعرفة وإحرامه وعائشة معه إلا مرة واحدة. ومنه: ما في سنن أبي داود بسند صحيح عن عائشة، وهي تذكر شأن خيبر: كان النبي يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص النخل. فهذا لا يمكن فيه التكرار؛ لأن فتح خيبر كان سنة سبع، وعبد الله بن رواحة قتل في غزوة مؤتة سنة ثمان). الترجيح: الأقوى عندي هو أن كان يفعل تدل على التكرار إلا لقرينة. العمل بالعام: قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (١٩/ ١٦٦): (العام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقى وهذا أيضا لا خلاف فيه. وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وذكروا عن أحمد فيه روايتين وأكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فإذا

стр. 107

غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض). وقد بحث هذه المسألة الشيخ عياض السلمي (١) حيث قال: (الذي يظهر لي بعد استعراض أهم الآراء وأدلتها أن الراجح هو التفريق بين العلماء المجتهدين الذين أحاطوا بغالب نصوص الشريعة، وحصلوا من العلم ما يمكنهم من معرفة مراد الشارع، وسبروا غور النصوص فعرفوا الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، وعرفوا مواطن الإجماع والاختلاف، والعوام ومن يلحق بهم من المنتسبين إلى الفقه الذين أخذوا من العلم ما لا يؤهلهم للفتيا وتولي القضاء. فالقسم الأول لا ينبغي الخلاف في أن أحدهم إذا بلغته آية عامة أو حديث عام ولم يبلغه ما يخصصه، مع تمرسه بالأدلة المنقولة والمعقولة، أنه يجب عليه العمل به إذا حان وقت العمل من غير توقف، ولا يجب عليه البحث عما عساه أن يجده من مخصص أو ناسخ. أما العوام ومن في حكمهم فليس لأحد منهم أن يفتي أو يحكم بالعموم على ظاهره؛ لأنهم ليسوا من أهل الفتيا والحكم، وليسوا مخاطبين بهما ... ويبدو لي أن الذين نقل عنهم المنع من العمل بالعام قبل البحث عن المخصص إنما منعوه لأحد أمرين: الأول: أنهم لا يقصدون بالبحث عن المخصص استقصاء موارد الأدلة جميعها، وإنما يقصدون مجرد التروي واسترجاع المعلومات السابقة لعرض الدليل العام عليها، فإن وجدوا فيها ما يخصصه خصصوه، وإلا عملوا به في عمومه. وهذا ظاهر من قول أبي زيد الدبوسي: (وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه، فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الأشباه، مع كونه حجة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطا حتى لا يحتاج إلى نقض ما أمضاه بتبين الخلاف) (٢).

стр. 108

الثاني: أنهم إنما منعوا ذلك خوفا من أن يقدم كل أحد على العمل بالعموم، والحكم به، وإن كان من غير أهل الاجتهاد، ولا شك أنه لو أذن لغير المجتهدين في أن يعملوا بالعموم من غير بحث عن المخصص لتعطل كثير من نصوص الشريعة الخاصة للجهل بها، وعدم البحث عنها ... ). فرع - هل يكفى غلبة الظن بعدم المخصص: قال ابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية" (ص/١٣): (إذا قلنا على رواية اختارها أبو الخطاب وغيره يمنع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص فهل يشترط حصول اعتقاد جازم بأنه لا مخصص أو يكفى غلبة الظن بعدمه فيه خلاف اختار القاضي أبو بكر الأول وابن سريج وإمام الحرمين والغزالي الثاني) ونص عبارة الغزالي في "المستصفى" (ص/٢٥٧): (والمختار عندنا أن تيقن الانتفاء إلى هذا الحد لا يشترط وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل غاية وسعه فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا وانتفاء الدليل في نفسه مظنون وهو الظن بالصحابة في المخابرة ونظائرها وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر). ولا شك أن من عجز عن تمام اليقين فليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه. العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: قال ابن اللحام في " القواعد والفوائد" (ص/ ٢٤٠): (إذا ورد دليل بلفظ عام مستقبل ولكن على سبب خاص فهل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب في ذلك مذهبان أحدهما العبرة بعموم اللفظ وهو قول أحمد وأصحابه ... والمذهب الثاني العبرة بخصوص السبب وذكره أبو العباس رواية عن أحمد ... وحكاه القاضي في الكفاية عن بعض أصحابنا ... ). والراجح القول الأول.

стр. 109

قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٠٩): (تحرير المقام في هذه المسألة أن العام الوارد على سبب خاص له ثلاث حالات: الأولى: أن يقترن بما يدل على العموم فيعم إجماعا كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨] لأن سبب نزولها المخزومية التي قطع النبي ﷺ يدها والإتيان بلفظ السارق الذكر يدل على التعميم وعلى القول بأنها نزلت في الرجل الذي سرق رداء صفوان بن أمية في المسجد فالإتيان بلفظ السارقة الأنثى دليل على التعميم أيضاً. الثانية: أن يقترن بما يدل على التخصيص فيخص إجماعا كقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب: ٥٠]. الثالثة: ألا يقترن بدليل التعميم ولا التخصيص وهي مسألة المؤلف. والحق فيها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيعم حكم آية اللعان النازلة من عويمر العجلاني وهلال. وآية الظهار النازلة في امرأة أوس بن الصامت وآية الفدية النازلة في كعب بن عجرة. وآية: (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) [النساء: ٧] النازلة في ابنتي سعد بن الربيعة. وهكذا. (تنبيه) فان قيل: ما الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فالجواب: أن ذلك دل عليه الوحي واللغة أما الوحي فان هذه المسألة سئل عنها رسول الله ﷺ فأفتى بذلك , وذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤] الآية. قال للنبي: ألي هذا وحدي يا رسول الله. ومعنى ذلك هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي ﷺ بأن العبرة بعموم لفظ: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لا بخصوص السبب حيث قال له: (بل لأمتي كلهم) وهو نص نبوي في محل النزاع. ومن الأحاديث الدالة على ذلك أنه ﷺ لما أيقظ علياً وأمره وفاطمة بالصلاة من الليل، وقال له على ﵁: إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا ولي ﷺ يضرب فخذه ويقول: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)

стр. 110

[الكهف: ٥٤]، فجعل عليا داخلاً فيها مع أن سبب نزولها الكفار الذين يجالدون في القرآن. وخطابه ﷺ لواحد كخطابه للجميع كما تقدم ما لم يقم دليل على الخصوص. وأما اللغة فان الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه لا يختص الطلاق بالطالبة التي هي السبب ... ).

стр. 111

الخاص تعريف الخاص: أ - لغة: الخاص لغة بمعنى المفرد. العام لغة بمعنى الشامل، والخاص ضده فيكون بمعنى: المنفرد من قولهم: اختص فلان بكذا أي انفرد به. قال ابن منظور في "لسان العرب" مادة: خ ص ص: (خصّه بالشيء يخُصّه خَصّاً وخُصوصاً وخَصُوصِيّةً وخُصُوصِيّةً، والفتح أَفصح، وخِصِّيصَى وخصّصَه واخْتصّه: أَفْرَدَه به دون غيره. ويقال: اخْتصّ فلانٌ بالأَمر وتخصّصَ له إذا انفرد، وخَصّ غيرَه واخْتصّه بِبِرِّهِ. ويقال: فلان مُخِصٌّ بفلان أَي خاصّ به وله به خِصِّيّة). قال الفيومي في "المصباح المنير": (خَصَّصْتُهُ بِكَذَا أَخُصُّهُ خُصُوصًا مِنْ بَابِ قَعَدَ وَخُصُوصِيَّةً بِالْفَتْحِ وَالضَّمُّ لُغَةٌ إذَا جَعَلْتَهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَخَصَّصْتُهُ بِالتَّثْقِيلِ مُبَالَغَةٌ وَاخْتَصَصْتُهُ بِهِ فَاخْتَصَّ هُوَ بِهِ وَتَخَصَّصَ وَخَصَّ الشَّيْءَ خُصُوصًا مِنْ بَابِ قَعَدَ خِلَافُ عَمَّ فَهُوَ خَاصٌّ وَاخْتَصَّ مِثْلُهُ وَالْخَاصَّةُ خِلَافُ الْعَامَّةِ وَالْهَاءُ لِلتَّأْكِيدِ). ب- اصطلاحا: الخاص هو (اللفظ الموضوع لواحد ولو بالنوع أو لمتعدد محصور) (١). قال الشيخ علي عباس الحكمي في "تخصيص العام" (ص/٤٩): (وهذا التعريف قد أشار إليه صدر الشريعة وابن الهمام. فاللفظ جنس، و"الموضوع" قيد مخرج المهمل الذي لم يوضع لشيء). أي أن وضعه هنا كقيد تحسبا لمن عرف الخاص بأنه: (ما ليس بعام) فاعترض عليه بدخول المهمل فيه فهو ليس بعام ولا خاص. وقال: ("ولواحد" احترازا من العام و"لو بالنوع" قيد لإدخال المطلق والنكرة في الإثبات لأنهما من الخاص باعتبار وحدة النوع، وقولنا " أو لمتعدد محصور" قيد ليشمل التعريف أسماء الأعداد والمثنى المنكر لأنها وضعت لأكثر من واحد مع الحصر).

стр. 112

تعريف التخصيص: أ-لغة: سبق أن ذكرنا أن الخاص لغة بمعنى المنفرد، وعليه فالتخصيص في اللغة مصدر خصص، بمعنى خص، والتخصيص: إفراد وتمييز بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وذلك خلاف التعميم (١). ب- اصطلاحا: التخصيص هو: (قصر العام على بعض أفراده الغالبة بدليل يقتضي ذلك) (٢). وقولنا: (قصر) لإخراج النسخ الجزئي من التعريف، وذلك لأن نسخ البعض ليس قصرا بل هو رفع بعد إثبات، والتخصيص قصر للدليل العام عن إثبات الحكم قبل دخوله وقت العمل فلا يدخل النسخ في التعريف (٣). قال الشيخ النملة في "شرح الروضة" (٦/ ٢١١): (والمراد من (قصر العام) قصر حكمه، وإن كان لفظ العام باقيا على عمومه، لكن لفظا لا حكما. وبذلك يخرج إطلاق العام وإرادة الخاص، فإن ذلك قصر إرادة لفظ العام لا قصر حكمه). فائدة - الفرق بين النسخ الجزئي والتخصيص: في حالة النسخ الجزئي يكون الحكم قد تناول جميع الأفراد ابتداء ثم رفع بالنسبة إلى بعض الأفراد وبقي الحكم فيما عداهم. وأما في حالة التخصيص فإن حكم العام تعلق ببعض أفراده ابتداء، ولهذا يشترط في النسخ أن يكون متراخيا عن وقت العمل بالعام، بخلاف التخصيص فإنه لا يشترط أن يكون متأخرا عن وقت العمل بالعام سواء جاء مقترنا بالعام، أو متقدما عليه، أو متأخرا عنه - وذلك على القول الراجح من أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى العمل به ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة للعمل به -.

стр. 113

مثال النسخ الجزئي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) [النور: ٦]، هو نسخ جزئي للعام في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: ٤]، لأن هذه الآية الثانية بعمومها تشمل كل قاذف سواء قذف زوجته أو غيرها، وقد شرع الحكم ابتداء عاماً، ثم قام الدليل وهو آيات اللعان على قصر الجلد على القاذف الذي يقذف غير زوجته، والدليل على ذلك ما رواه ابن ماجه وأحمد من حديث عبد الله قال: (كنا في المسجد ليلة الجمعة. فقال رجل لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، والله لأذكرن ذلك النبي ﷺ ، فذكره النبي ﷺ ، فأنزل الله آيات اللعان، ثم جاء الرجل بعد ذلك يقذف امرأته) الحديث. وأما مثال التخصيص فقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ) [العنكبوت: ١٤] الظاهر أن الألف كاملة لكن قوله: (إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) بين أن هذه الخمسين غير مراد دخولها في الألف بداية وأن المراد بالألف تسعمائة وخمسون عاما. وسوف يأتي أمثلة أخرى كثيرة في محلها بإذن الله. وقيدنا أفراده أو أجزائه بالغالبة لتخرج النادرة وغير المقصودة: قال العطار في "حاشيته على جمع الجوامع" (٢/ ٣١): (ينبغي تقييد أفراده بالغالبة ليخرج النادرة وغير المقصودة فإن القصر على أحدهما ليس تخصيصا خلافا للحنفية ولذلك ضعف تأويلهم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل بحمله على المكاتبة أو المملوكة لأنه نادر فلا يقصر عليه الحكم ... ). قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٥٧٩ (: (فحصل من هذا الكلام في أمثلة التأويل والتخصيص المذكورة أن إخراج النادر من العام قريب، كإخراج المكاتبة من عموم حديث النكاح كما سبق بيانه (١)، وقصر العموم على النادر ممتنع،

стр. 114

كقصر حديث النكاح على المكاتبة) (١). وقولنا: (بدليل يقتضي ذلك) وأدلة التخصيص تنقسم إلى متصلة ومنفصلة كما سيأتي قريبًا - بإذن الله -. المخصِّص: المخصِّص بصيغة الفاعل - أي فاعل التخصيص - يطلق على الدليل الأخص الدال على قصر العام على بعض أفراده، فيقال القرآن مخصص للسنة والسنة مخصصة للقرآن، وهكذا. قال ابن النجار في " شرح الكوكب المنير" (٣/ ٢٧٧): ("وهو المراد هنا" فإنه الشائع في الأصول حتى صار حقيقة عرفية). ويطلق على الشارع، وقد يطلق المخصِّص على المجتهد الذي رأى تخصيص دليل بدليل، فيقال خصص الإمام أحمد عموم الآية بكذا. المخصص المتصل والمنفصل: المخصص المتصل هو ما لا يستقل بنفسه في إفادة معناه، بل يكون متعلقا بما اتصل به من الكلام كالاستثناء والشرط والغاية ونحوهم وسيأتي الكلام تفصيليا على أنواعه، ومثال الاستثناء قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)).

стр. 115

والمنفصل وهو ما يستقل بنفسه في إفادة معناه من غير حاجة إلى كلام سابق عليه فقوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر) عام في النوع والمقدار، وقد خصص في المقدار بقوله ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة). فرع - يؤخذ بالتخصيص سواء تقدم المخصِّص أو تأخر: قال الكلوذاني في "التمهيد" (٢/ ١٥١): (يقدم العام على الخاص سواء تقدم الخاص أو تأخر أو جهل التاريخ. وبه قال أصحاب الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن تأخر الخاص كقولنا، وإن تقدم الخاص قدم العام عليه، وحكم بنسخ الخاص، وإن جهل التاريخ يتوقف فيهما، أو يرجع إلى غيرهما أو إلى ترجيح أحدهما على الآخر، وقد روي عن عبدالله عن احمد ما يدل على هذا فقال في كلام طويل: تستعمل الأخبار حتى تأتي دلالة بأن الخبر قبل الخبر فيكون الأخير أولى لأن يؤخذ به إلا أن شيخنا تأوله على الخبرين إذا كان خاصين يكون الأخير أولى وفيه نظر). وقال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢١٣): (واعلم أيضاً أن التحقيق هو تخصيص العام بالخاص سواء تقدم عنه أو تأخر خلافاً لأبي حنيفة القائل بأن المتأخر منهما ناسخ , محتجاً بقول ابن عباس أو الزهري كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث وبأن العام قطعي الشمول للأفراد عنده، وعليه إن جهل التاريخ يلزم التوقف حتى يدل دليل على أحدهما. وهذا المذهب رواية أيضاً عن أحمد. والدليل على تقديم الخاص على العام مطلقاً أمران: الأول: أن الصحابة كانوا يقدمونه عليه كما قاله المؤلف وغيره ومن تتبع قضاياهم تحقق ذلك عنهم. الثاني: أن دلالة الخاص أقوى من تناول العام له فلا شك أن دلالة ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث)) على عدم أرث فاطمة له ﷺ أقوى من دلالة عموم (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) [النساء: ١١] الآية. على ارثها له ﷺ ورضي عنها).

стр. 116

المخصصات المتصلة: أولًا - الاستثناء: تعريفه: ١ - الاستثناء لغة: قال الفيومي في المصباح المنير: (الِاسْتِثْنَاءُ اسْتِفْعَالٌ مِنْ ثَنَيْثُ الشَّيْءَ أَثْنِيهِ ثَنْيًا مِنْ بَابِ رَمَى إذَا عَطَفْته وَرَدَدْتُهُ وَثَنَيْتُهُ عَنْ مُرَادِهِ إذَا صَرَفْتُهُ عَنْهُ وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاءُ صَرْفُ الْعَامِلِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمُسْتَثْنَى ... ) (١). قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة " (٢/ ٥٨٠): (اعلم أن الاستثناء من حيث اللفظ: استفعال إما من التثنية؛ لأن المستثنى في كلامه يثني الجملة، أي: يأتي بجملة ثانية في كلامه، نحو: قام القوم إلا زيدًا؛ فهم منه قيام القوم، وعدم قيام زيد؛ فهي جملتان، أو من: ثني الفارس عنان فرسه، إذا عطفه؛ لأن المستثنى يعطف على الجملة؛ فيخرج بعضها عن الحكم بالاستثناء) (٢). ٢ - الاستثناء اصطلاحا: الاستثناء هو: (المنع عن دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بحرف وضع له) (٣). وقولنا: (بحرف وضع له) أولى من قول: (بإلا وأخواتها) قال الشيخ علي الحكمي في "تخصيص العام" (ص/١٢٨): (انتقده العضد بأن قوله: "وأخواتها" إن كان يريد بأخوات إلا ما يدل على الإخراج، فالحد غير مانع لدخول الغاية والعطف بلا، فإنهما يدلان على الإخراج في بعض التراكيب، وليس شيء منها استثناء، فتعين أنه يريد بقوله "وأخواتها" ألفاظ الاستثناء المشهورة، وحينئذ كان الأولى أن يضع موضع "إلا وأخواتها" قيدا يدخلها ويخرج ما عداها فيقول: "بحرف وضع له").

стр. 117

تتمة: قال ابن النجار في شرح الكوكب (٣/ ٢٨٣): (أدوات الاستثناء المشهورة ثمانية، منها: حروف باتفاق، وهي " إلا " أو وحروف على الأصح، وهي حاشا " فإنها حرف عند سيبويه دائما. ويقال فيها: حاش وحشا. ومنها ما هو فعل بالاتفاق، كـ لا يكون، أو فعل على الأصح، وهي "ليس". ومنها ما هو متردد بين الحرفية والفعلية بحسب الاستعمال، فإن نصب ما بعده كان فعلا، وإن جر ما بعده كان حرفا، وهو " خلا " بالاتفاق، و " عدا " عند غير سيبويه. ومنها ما هو اسم، وهو " غير " و " سوى " ويقال فيه " سوى " بضم السين، و " سواء " بفتحها والمد، وبكسرها والمد، سواء قلنا هو ظرف، أو يتصرف تصرف الأسماء). شروط الاستثناء: الشرط الأول - اتصاله بالمستثنى منه لفظا أو حكماً . قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٢٩٧): ((وشروطه) أي شروط الاستثناء (اتصال معتاد) ثم إما أن يكون الاتصال المعتاد (لفظا) كذكر المستثنى عقب المستثنى منه، (أو) يكون الاتصال المعتاد (حكما) كانقطاعه عنه بتنفس أو سعال أو عطاس. ويأتي به عقب ذلك، فيشترط ذلك (كبقية التوابع) ... وعن أحمد رضي الله تعالى عنه: يصح في اليمين متصلا في زمن يسير إذا لم يخلط كلامه بغيره. وعنه أيضا: وفي المجلس. واختاره الشيخ تقي الدين وغيره. وروي عن الحسن وعطاء. وقيل: يصح ما لم يأخذ في كلام آخر ... ). والقول باعتبار هذا الشرط صححه الكلوذاني والمرداوي وابن النجار وغيرهم وهو مذهب جمهور العلماء قال الكلوذاني في "التمهيد" (٢/ ٧٣): (وأما التخصيص بالاستثناء فمن شرط صحته: أن يكون متصلا بالكلام، أو في حكم المتصل فأما المتصل بالكلام كقوله: له على عشرة إلا درهما، وأما الذي في حكم المتصل بالكلام فبأن يكون انفصاله قبل أن يستوفي المتكلم غرضه من الكلام نحو أن يسكت عن

стр. 118

الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريق أو سعال وما أشبهه وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم). ولا يشكل عليه إلا ما روى عن ابن عباس ﵄ وبعض التابعين من القول بالجواز، وسوف نعرض - بإذن الله - لقول ابن عباس وتوجيهه بإذن الله تعالى وأدلة الجمهور باختصار، فالله المستعان. أدلة الجمهور: ١ - قال ابن النجار في شرح الكوكب (٣/ ٣٠١): (واستدل للمذهب الصحيح الذي في المتن بقول النبي ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه؛ وليأت الذي هو خير" (١) ولم يقل: أو ليستثن). ٢ - قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٥٦٣): (وكذلك لما أرشد الله - أيوب ﵊ بقوله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) [ص: ٤٤] جعل طريق بره ذلك، ولو كان الاستثناء المتراخي يحصل به البر لما جعل الله تعالى له الوسيلة إلى البر ذلك. وفي ' تاريخ بغداد ' لابن النجار أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطريق وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل وهو يقول لآخر: مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح، ولو صح لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)، بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى التوسل إلى البر بذلك، فقال الشيخ أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل يرد على ابن عباس لا تستحق أن يخرج منها. انتهى) (٢). ٣ - قال الزركشي في "البحر المحيط" (٢/ ٤٣٠): (ومثله احتجاج بعضهم بقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ) [المائدة: ٨٩] فلو جاز الاستثناء من غير شرط الاتصال لم يكن لشرع الكفارة وإيجابها معنى لأنه كان يستثنى). ٤ - وقد استدل الكلوذاني بأدلة من اللغة وأدلة عقلية فقال في "التمهيد" (٢/ ٧٤): (والحجة في ذلك أن الاستثناء لغة وقد بينت أنه غير مستعمل في عرف اللغة وذلك

стр. 119

لأن الإنسان إذا قال: رأيت الناس ثم قال بعد شهر: إلا زيدا، ثم قال أردت به الاستثناء من الكلام الذي قلته منذ شهر قبح ذلك عندهم وعدوه لغوا. ثم قال: دليل ثان: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه وهو كالخبر مع المبتدأ، والجزاء مع الشرط فإنه قد ثبت أنه لو قال: زيد ثم قال: بعد شهر منطلق، أو قال: من دخل الدار، ثم قال بعد شهر: فله درهم. لم يحسن ذلك، كذلك الاستثناء. دليل ثالث: أنه لو جاز ذلك وصح لم يستقر عقد ولا إيقاع طلاق ولا عتاق، ولم يوثق بأحد في وعد ولا وعيد، لجواز أن يستثني بعد زمان ما يسقط حكم الكلام، وفي اتفاق الناس على خلاف هذا دليل على بطلانه. دليل رابع: أن من جوزه إلى سنة لم ينفصل عمن جوزه إلى سنتين وأكثر، فبطل الجميع). توجيه أثر ابن عباس: ومن أقوى ما استدل به القائلون بالجواز (١) أثر ابن عباس ﵄ قال: (إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني ولو إلى سنة وإنما نزلت هذه الآية في هذا (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) قال إذا ذكر استثنى) (٢).

стр. 120

وهذا الأثر ضعيف، وعلى فرض صحته فيوجه بأحد الوجوه التالية: ١ - أنه على فرض صحة إسناده، فهو مضطرب المتن فقد ورد عنه الأثر بلفظ: ولو بعد حين، ولفظ: إلى أربعة أشهر، وشهر، وسنة، وعنه أبدا (١). ٢ - أنه لم يقصد الاستثناء، وإنما قصد امتثال الآية، وقد ذهب إلى هذا التوجيه جماعة منهم: أبو عبيد (٢)، والطبري، والبيهقي، والقرافي، وابن الملقن، وغيرهم. قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٨/ ١٢٤): (قال - أي البيهقي -: ويحتمل قول ابن عباس أن يكون المراد به أنه كان مستعملا للآية، وإن ذكر الاستثناء بعد حين، كما في قوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) لا فيما يكون يمينا قلت: وهذا ما قرره القرافي في «الأصول» في تعليقه على الحنث، حيث قال: المروي عن ابن عباس إنما هو في استثناء المشيئة، لقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) [الكهف: ٢٤] (فإنه قال: إن سبب نزولها ترك النبي ﷺ الاستثناء بالمشيئة وتقديرها كما قال ابن العصري في التفسير (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) أي إذا شئت الاستثناء): أي إذا تذكرت ولو بعد سنة فقل: إن شاء الله؛ فإنه يسقط عنك المؤاخذة في ترك الاستثناء، وقدره العراقي بأن: الذكر في زمن النسيان محال، فدل على أنه أراد طرف بمنع النسيان في جزء منه، والذكر في جزء آخر، ولم يحدده الشرع، فجاز على التراخي). ٣ - أنه محمول على أنه نوى الاستثناء عند بداية كلامه فيدان به. قال الغزالي في "المستصفى" (ص/٢٥٨): (ونقل عن ابن عباس أنه جوز تأخير الاستثناء ولعله لا يصح عنه النقل إذ لا يليق ذلك بمنصبه وأن صح فلعله أراد به إذا

стр. 121

نوى الاستثناء أولا ثم أظهر نيته بعده فيدين بينه وبين الله فيما نواه ومذهبه أن ما يدين فيه العبد فيقبل ظاهرا أيضا فهذا له وجه أما تجويز التأخير لو أجيز عليه دون هذا التأويل فيرد عليه اتفاق أهل اللغة على خلافه لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام فإذا انفصل لم يكن إتماما). قال الزركشي في "البحر المحيط" (٢/ ٤٣١): (وقال ابن ظفر في الينبوع إذا حققت هذه المسألة ضعف أمر الخلاف فيها وتحقيقها أنه لا يخلو الحالف التارك للاستثناء من أحد ثلاثة أمور إما أن يكون نوى الجزم وترك الاستثناء فما أظن الخلاف يقع في مثل هذا أو يكون نوى أن يستثني ولم ينطق بالاستثناء ثم ذكر فتلفظ به فلا يحسن أن يعد استثناؤه لغوا وإما أن يكون ذاهلا عن الأمرين معا فهذه الصورة صالحة للاختلاف ولا يظهر فيها قول من صحح الاستثناء). الترجيح: وعليه فالأقوى هو قول جمهور العلماء من أهل اللغة والأصول من أنه لابد وأن يكون الاستثناء متصل بحيث لا يفصل بينه وبين صدر الكلام فاصل من كلام آخر، أو سكوت يعد فاصلا عرفا، ولا يضر الفصل بالسعال، أو التنفس، ونحوهما مما لا يعد فاصلا عرفا (١). وأما الاستدلال بحديث استثناء الإذخر فقيل فيه أن الاستثناء فيه كان منقطعًا، وأن الإذخر لم يكن من الخلا ولم يتناوله الكلام بداية، وإنما أراد العباس ﵁ تأكيد ذلك فصدقه النبي ﷺ . وعلى فرض كونه من الاستثناء المتصل فيجمع بينه وبين أدلة الجمهور بأن هذا الفصل هنا كان يسيرا، ولا يعد فاصلا عرفا. وعلى هذا الوجه تتجه الرواية المنقولة عن الإمام أحمد بجواز الفصل بزمان يسير ما دام في المجلس (٢)، وقد اختار هذه الرواية ابن تيمية (٣) مع أنها خلاف الرواية الصحيحة في المذهب.

стр. 122

قال ابن عقيل في "الواضح" (٣/ ٤٦١): (وقد حكى شيخنا عن أحمد اختلاف الرواية، وليس يظهر من ذلك ما يوجب اختلافا؛ لأنه سهل في اليمين إذا سكت قليلا، ثم قال: إن شاء الله. وهذا يجب أن يكون محمولا على يسير لا يُعدُّ في الكلام فصلا ولا قطعا). الشرط الثاني - ألا يكون المستثنى مستغرقا المستثنى منه: أولًا - بالنسبة للاستثناء من للعدد: وصورها أن يكون المستثنى أكثر أو أقل أو مساو للنصف أو مستغرقا للمستثنى منه. ويصح في المذهب استثناء الأقل، ولا يصح استثناء الكل، وأما استثناء النصف ففيه خلاف، وظاهر المذهب أنه يصح، وأما استثناء الأكثر فالراجح في المذهب أنه لا يصح، والأقوى عندي صحة الاستثناء للأكثر، وهو قول أكثر الفقهاء، والمتكلمين، واختاره الغزالي وابن الحاجب، والبيضاوي، وغيرهم (١). ثانيًا - بالنسبة للاستثناء من الصفة: يصح الاستثناء من الصفة، وإن خرج الكل، أو الأكثر. تحرير المذهب (٢): قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/١١٢): (وأن لا يكون مستغرقًا إجماعًا. وفي الأكثر والنصف خلاف. واقتصر قوم على الأقل، وهو الصحيح من مذهبنا) وقال في "شرح مختصر الروضة " (٢/ ٥٩٧): (يشترط لصحة الاستثناء أن لا يكون مستغرقًا فإن كان مستغرقًا نحو: له علي عشرة إلا عشرة، بطل «إجماعًا (٣) وفي

стр. 123

الأكثر والنصف» نحو: له علي عشرة إلا ستة، أو: خمسة - «خلاف. واقتصر قوم على الأقل» أي: على صحة الاستثناء الأقل، نحو: له علي عشرة إلا أربعة، «وهو الصحيح من مذهبنا». قال صاحب «المحرر» من أصحابنا: يصح استثناء الأقل دون الأكثر في عدد الطلاق والمطلقات والأقارير نص عليه. وفي النصف وجهان، وقيل: يصح في الأكثر أيضًا. قلت: المصحح لاستثناء الأكثر هم أكثر الفقهاء والمتكلمين، والمانع منه أصحابنا وبعض الفقهاء والقاضي أبو بكر في آخر أقواله. - ولنذكر توجيه الأقوال المذكورة: - أما عدم صحة الاستثناء المستغرق؛ فلإفضائه إلى العبث وكونه نقضًا كليًا للكلام، ورجوعًا عن الإيجاد إلى الإعدام؛ فعلى هذا يلغو الاستثناء، ويلزم المستثنى، فإذا قال: له علي عشرة إلا عشرة، أو: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا؛ لزمه عشرة، وطلقت ثلاثًا. وأما وجه الخلاف في استثناء الأكثر؛ فمن صححه، احتج بوجوه: أحدها: قوله حكاية عن إبليس: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)) [سورة ص]، وقال في آية أخرى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢]؛ فاستثنى في الأولى العباد المخلصين من بني آدم، وفي الثانية الغاوين من العباد، وأيهما كان الأكثر حصل المقصود. ولتقرير الدليل من ذلك وجه آخر، وهو أنه استثنى الغاوين من العباد، والغاوون أكثر؛ بدليل قوله : (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف:

стр. 124

١٧]، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [العنكبوت: ٦٣]، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ١٠٠] ... والجواب الصحيح عن الآية: هو أنا نمنع من استثناء الأكثر إذا صرح بعدد المستثنى منه، أما إذا لم يصرح به؛ فهو جائز باتفاق، كما إذا قال: خذ ما في هذا الكيس من الدراهم إلا الزيوف، وكانت أكثر، والآية من هذا الباب لم يصرح فيها بعدد المستثنى منه، بل قال : (إِنَّ عِبَادِي)، وهو مقدار غير معين، بخلاف: له عندي مائة إلا تسعين؛ فهذا هو الممنوع). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٣٠٦): ((ويصح استثناء النصف) في أحد الوجهين لأصحابنا. قال في الإنصاف: وهو المذهب. قال ابن هبيرة: الصحة ظاهر المذهب، وصححه في التصحيح، وتصحيح المحرر، والرعايتين، والحاوي الصغير، واختاره ابن عبدوس في تذكرته وجزم به في الإرشاد والوجيز والمنور، ومنتخب الآدمي ... والوجه الثاني: لا يصح. (لا الأكثر) يعني أنه لا يصح استثناء أكثر من النصف من عدد مسمى، كقوله: له علي عشرة إلا ستة، عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وأصحابه وأبي يوسف وابن الماجشون، وأكثر النحاة. وذكر ابن هبيرة: أنه قول أهل اللغة. ونقله أبو حامد الإسفراييني وأبو حيان في الارتشاف عن نحاة البصرة. ونقله ابن السمعاني وغيره عن الأشعري. وقيل: بلى. قال ابن مفلح: وعند أكثر الفقهاء والمتكلمين: يصح. ويستثنى من القول بعدم صحة استثناء الأكثر ما أشير إليه بقوله (إلا إذا كانت الكثرة من دليل خارج عن اللفظ) نحو قوله : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢] وقوله تعالى: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)) وقوله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: ١٠٣] لأن هذا تخصيص بصفة ... فلو قال: اقتل من في الدار إلا بني تميم، أو إلا البيض، فكانوا كلهم ` بني تميم أو بيضا لم يجز قتلهم، بخلاف العدد ... ). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٢٨٣): (فإذا كان أقل أو مساويًا، فالاستثناء صحيح. وإلا فلا يصح ... قال بعض العلماء: إن الاستثناء يصح

стр. 125

ولو كان المستثنى أكثر من المستثنى منه، فلو قال: له عليَّ عشرة إلا ستة، صح الاستثناء ولزمه أربعة، وكذا لو قال: عشرة إلا سبعة أو إلا ثمانية أو إلا تسعة. قالوا: لأنه متى أمكن تصحيح كلام المكلف وجب تصحيحه، إذ إن الأصل في النطق الصحة حتى يقوم دليل على البطلان، فمتى أمكن تصحيح كلام المكلف وجب أن يصحح، وهذا يمكن. وقولكم: خلاف الفصيح، نقول: وليكن خلاف الفصيح، فلا يغير الحكم، فلا يضر أن يكون خلاف الفصيح (١). وأما قولكم: لماذا لم يقل أربعة بدلاً من عشرة، نقول: ولماذا لم يقل سبعة بدلاً من عشرة إلا ثلاثة، ولماذا لم يقل ستة بدلاً من عشًرة إلا أربعة، والإِنسان قد يكون له ملاحظة في التعميم ثم الإِخراج والاستثناء. وعلى كل حال: القول الراجح: أن هذا ليس بشرط، وأنه يجوز أن يكون المستثنى أكثر من النصف). وقال (ص/٢٨٣): (إذا استثنى الكل فإنه لا يصح، لماذا؟ لأن استثناء الكل يستلزم رفع الكل!! ورفع الشيء بعد الإِقرار به لا يصح. فلو قال: له علي عشرة إلا عشرة لزمته العشرة كلها). وقال في (ص/٢٨٥): (أما إن كان من صفة، فيصح، وإن خرج الكل أو الأكثر، مثاله: قوله تعالى لإبليس: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢] المراد بالآية هنا على حسب ما سقناها .. المراد بالعبودية فيها: "العبودية العامة" يعني: إن الناس الذين هم عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين. أما إذا جعلنا العبودية هنا "عبودية خاصة" فالاستثناء هنا منقطع، وليس له تعلق بما ذكرنا؛ لأن يكون معناه: إن عبادي الذين تعبَّدوا لي ليس لك عليهم سلطان، لكن من

стр. 126

اتبعك من الغاوين فلك عليهم سلطان. وحينئذ فلا يدخل في الباب الذي نحن فيه، فكلامنا في أن "عبادي " هنا يراد بها العبودية العامة، ويستثنى منها: إلا من اتبعك من الغاوين. ولو قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء، فتبين أن جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء، ولم يعطوا شيئًا). فائدة - هل يشترط لصحة الاستثناء أن يكون المستثنى من نفس جنس المستثنى منه ؟ القول الصحيح في المذهب (١) هو أنه يشترط لصحة الاستثناء أن يكون المستثنى من نفس جنس المستثنى منه، وأنه لا يصح الاستثناء المنقطع، إلا في النقدين ففي رواية الإمام أحمد جواز استثناء أحد النقدين من الآخر وقد اختلف الأصحاب في توجيه هذه الرواية، واختار أبو الخطاب وغيره إجراءها على ظاهرها وأنهما نوعان فيصح استثناء نوع من آخر كثوب من دراهم. وهذه الرواية المخرجة على قول الإمام أحمد في النقدين هي الموافقة لقول الجمهور بصحة الاستثناء المنقطع وهذا القول هو الراجح. قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٣/ ٤٦٦):) قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: ٦٢]. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين إذا أدخلهم ربهم جنات عدن التي وعدهم (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا) أي في الجنات المذكورة (لَغْوًا) أي كلاماً تافهاً ساقطاً كما يسمع في الدنيا. واللغو: هو فضول الكلام، وما لا طائل تحته. ويدخل فيه فحش الكلام وباطله ... ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان: . وَما بِالرَبعِ مِن أَحَدِ إِلّا الأَوارِيَّ ... (٢)

стр. 127

(فالأواري) التي هي مرابط الخيل ليست من جنس (الأحد). وقول الفرزدق: وبنتِ كريمٍ قدْ خطبنا ولمْ يكنْ ... لها خاطبٌ إلاَّ السنانُ وعاملهْ وقول جران العود وبَلْدةٍ لَيس بها أَنِيْسُ ... إِلاَّ اليَعافِيرُ وإِلاَّ العِيسُ (فالسنان) ليس من جنس (الخاطب) و (اليعافير والعيس) (١) ليس واحد منهما من جنس (الأنيس) ... وبهذا الذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليين خلافاً للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشافعية القائلين: بأن الاستثناء المنقطع لا يصح؛ لأن الاستثناء إخراج ما دخل في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللفظ أصلاً حتى يخرج بالاستثناء. تنبيهان: الأول - اعلم أن تحقيق الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع يحصل بأمرين يتحقق بوجودهما أن الاستثناء متصل. وإن اختل واحد منهما فهو منقطع: الأول أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، نحو: جاء القوم إلا زيداً. فإن كان من غير جنسه فهو منقطع، نحو: جاء القوم إلا حماراً. والثاني أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. ومعلوم أن نقيض الإثبات النفي كالعكس. ومن هنا كان الاستثناء من النفي إثباتاً، ومن الإثبات نفياً. فإن كان الحكم على المستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من جنس المستثنى منه. فقوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) [الدخان: ٥٦] استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المستثنى من جنس المستثنى منه. وكذلك قوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: ٢٩] وإنما كان منقطعاً في الآيتين لأنه لم يحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. فنقيض: (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ): هو يذوقون فيها الموت. وهذا النقيض

стр. 128

الذي هو ذوق الموت في الآخرة لم يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدنيا. ونقيض (لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) كلوها بالباطل ولم يحكم به في المستثنى. فتحصل أن انقطاع الاستثناء قسمان: أحدهما بالحكم على غير جنس المستثنى منه. كقولك: رأيت أخويك إلا ثوباً. الثاني: بالحكم بغير النقيض. نحو: رأيت أخويك إلا زيداً لم يسافر. التنبيه الثاني: اعلم أنه يبنى على الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع بعض الفروع الفقهية. فلو أقر رجل لآخر فقال له: علي ألف دينار إلا ثوباً. فعلى القول بعدم صحة الاستثناء المنقطع يكون قوله (إلا ثوباً) لغواً وتلزمه الألف كاملة. وعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع لا يلغى قوله (إلا ثوباً) وتسقط قيمة الثوب من الألف ... ). ثانيًا - التخصيص بالشرط: تعريف الشرط: أ- لغة: الشرْط بالسكون: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه من العقود، وجمعه شروط. والشرَط - بفتح الراء- وهو العلامة. وجمعه: أشراط، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها (١). ب- اصطلاحا: عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته) ويزاد عليه قيد (وكان خارجا عن حقيقة الشيء). فمثلا الوضوء شرط لصحة الصلاة، عدم وجوده يلزم منه عدم صحة الصلاة، ووجوده لا يلزم منه صحة ولا فساد للصلاة لاحتمال وجود مانع من الصحة غيره.

стр. 129

وأما القيد الأخير فللتفرقة بين الشرط والركن فالركن داخل ماهيته الشيء فقراءة الفاتحة ركن من الصلاة بخلاف الوضوء فهو شرط لصحتها. تنبيهات: الأول - الشرط ينقسم لأربعة أقسام: قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (١/ ٤٥٥): ((وهو) أي الشرط منحصر في أربعة أنواع. الأول: شرط (عقلي كحياة لعلم) لأنها إذا انتفت الحياة انتفى العلم، ولا يلزم من وجودها وجوده. (و) الثاني (شرعي، كطهارة لصلاة و) الثالث (لغوي، كأنت طالق إن قمت، وهذا) النوع (كالسبب) فإنه يلزم من وجود القيام وجود الطلاق ومن عدم القيام عدم الطلاق المعلق عليه. (و) الرابع (عادي، كغذاء الحيوان) إذ العادة الغالبة: أنه يلزم من انتفاء الغذاء انتفاء الحياة ومن وجوده وجودها؛ إذ لا يتغذى إلا الحي. فعلى هذا: يكون الشرط العادي كالشرط اللغوي في كونه مطردا منعكسا) (١). الثاني - الشروط اللغوية أسباب: ومعنى قولنا: (الشروط اللغوية أسباب) أن الشرط اللغوي يسمى شرطا من حيث الاسم، وهو سبب من حيث المعنى والحكم؛ لأنه ينطبق عليه تعريف السبب؛ لأنه يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. قال المرداوي في " التحبير" (٣/ ١٠٦٨ (: (الشرط اللغوي، والمراد به: صيغ التعليق ب ' إن ' ونحوها من أدوات الشرط، وهو ما يذكر في أصول الفقه في

стр. 130

المخصصات للعموم، نحو: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) [الطلاق: ٦]، ومنه قولهم في الفقه: الطلاق والعتق المعلق بشرط، ونحوهما، نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو حرة، وقولهم: لا يجوز تعليق البيع على شرط ونحوه، فإن دخول الدار ليس شرطا لوقوع الطلاق شرعا ولا عقلا، بل من الشروط التي وضعها أهل اللغة. وهذا - كما قال القرافي وغيره -: (يرجع إلى كونه سببا يوضع للمعلق، حتى يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته). قال ابن النجار في "الكوكب المنير" (٣/ ٣٤٠): ("ويختص" الشرط "اللغوي منه" أي من الشرط المطلق "بكونه" أي بكون الشرط اللغوي "مخصصا" قال البرماوي، في شرح منظومته: الشرط ثلاثة أقسام، ثم قال: الثاني اللغوي، والمراد به صيغ التعليق "بإن" ونحوها، وهو ما يذكر في أصول الفقه في المخصصات للعموم نحو "قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) [الطلاق: ٦]، ومنه قولهم في الفقه: العتق المعلق على شرط، والطلاق المعلق على شرط. وهذا -كما قال القرافي وغيره- يرجع إلى كونه سببا، حتى يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، ووهم من فسره هناك بتفسير الشرط المقابل للسبب والمانع، كما وقع لكثير من الأصوليين كالطوفي، فجعل (١) المخصص هنا من الشرط اللغوي، ووهم من قال غيره). قال القرافي في "الفروق" (١/ ١٠٧): (الشروط اللغوية أسباب بخلاف غيرها من الشروط العقلية كالحياة مع العلم، أو الشرعية كالطهارة مع الصلاة، أو العادية كالسلم مع صعود السطح فإن هذه الشروط يلزم من عدمها العدم في المشروط ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم، فقد يوجد المشروط عند وجودها كوجوب الزكاة عند دوران الحول الذي هو شرط، وقد يعدم لمقارنة الدين لدوران الحول مع وجود النصاب، وأما الشروط اللغوية التي هي التعاليق كقولنا: إن دخلت الدار فأنت طالق، يلزم من الدخول الطلاق ومن عدم الدخول عدم الطلاق، إلا أن يخلفه سبب آخر كالإنشاء بعد التعليق وهذا هو شأن السبب أن يلزم من عدمه العدم إلا أن يخلفه سبب

стр. 131

آخر فإذا ظهر أن الشروط اللغوية أسباب دون غيرها ... ثم إن الشرط اللغوي يمكن التعويض عنه والإخلاف والبدل كما إذا قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم يقول لها أنت طالق ثلاثا فيقع الثلاث بالإنشاء بدلا عن الثلاث المعلقة، وكقوله إن أتيتني بعبدي الآبق فلك هذا الدينار، ولك أن تعطيه إياه قبل أن يأتي بالعبد هبة فتخلف الهبة استحقاقه إياه بالإتيان بالعبد ويمكن إبطال شرطيته كما إذ أنجز الطلاق فإن التنجيز إبطال للتعليق). الثالث - تعريف الشرط اللغوي: عرفه الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٤٠) بقوله: (تعليق شيء بشيء وجوداً أو عدماً بإن الشرطية أو إحدى أخواتها). الرابع - أما باقي أنواع الشرط فهي من المخصصات المنفصلة . قال الشيخ عياض السلمي في " أصوله" (ص/٢٣٨): (والصواب أن مقصودهم بالشرط في باب التخصيص الشرط اللغوي، وأما الشرط العقلي والشرعي فإنهما من المخصصات المنفصلة، فالأول تخصيص بالعقل، والثاني تخصيص بنص أو قياس ونحوهما، مما ثبت به كون الشيء شرطا شرعيا، فإن ثبت بنص قيل إن المخصص للعموم النص، وإن ثبت بقياس قيل المخصص القياس). أدوات الشرط: أدوات الشرط كثيرة ومنها: إن المخففة - إذا - إذْ ما - لو - لولا - أنى - حيثما - متى - مهما - كيفما - مَنْ - ما - أي - أين - أيان ... كقوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٦]، وكقول: إن جاء زيد أكرمته. وكقول: إذا أحمر البُسْر فأتنا وهكذا ... أحكام الشرط: الشرط مخصص سواء تقدم أم تأخر . قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٤٠): (مثال المتقدم قوله تعالى في المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة:

стр. 132

٥]. ومثال المتأخر قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: ٣٣]). ثالثًا - التخصيص بالصفة: أولا - تعريفها: الصفة المرادة هنا التي تخصص العام عند الأصوليين ليس المقصود بها النعت فقط، بل ما هو أعم من ذلك، فكل وصف أو معنى يمكن أن يحصر عموم العام في بعض الأفراد، يسمونه صفة، سواءً كان جاراً ومجروراً أو كان نعتاً أو كان حالاً فهذه كلها يعدونها من التخصيص بالصفة (١). الصفة هي: (ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام). ثانيا - أمثلة عليها: ١ - النعت: مثل له الشيخ العثيمين في "الأصول" (ص/٤١) بقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء: ٢٥]. فلفظ (فَتَيَاتِكُمُ) هنا جمع مضاف إلى معرفة وهي من صيغ العموم، ثم قال في وصفهن: (المُؤْمِنَاتِ) هذا قيد خصص عموم قوله (فَتَيَاتِكُمُ) فذهب جمهور العلماء إلى أن من لم يستطع مهر الحرة يجوز له أن يتزوج أمة لكن لابد وأن تكون مؤمنة. ٢ - الحال: قال الزركشي في "البحر المحيط" (٢/ ٤٨٦): (التخصيص بالحال هو في المعنى كالصفة). ومثل له الشيخ العثيمين في "الأصول" (ص/٤١) بقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٣]. الآية).

стр. 133

قال الشيخ السلمي في "شرح الورقات": (- قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) [النساء: ٩٣]، لو لم تأتي كلمة (مُّتَعَمِّداً) وهي حال هنا والأصوليون يسمونها صفة ويجعلونه من التخصيص بالصفة، لو لم ترد كلمة: (مُّتَعَمِّداً) أصبحت من يقتل مؤمنا فجزائه جنهم، لكن هل كل من قتل مؤمناً يعني ولو خطأ يستحق هذا العقاب؟ الجواب لا، بدليل قوله تعالى: (مُّتَعَمِّداً) فقوله (مُّتَعَمِّداً) هذا تخصيص بالصفة، كانت الآية عامة لولا هذا التخصيص، فهذا هو التخصيص بالصفة). المخصصات المنفصلة . تمهيد - العام الذي أريد به الخصوص: العام الذي أريد به الخصوص، هو الذي لفظه عام من حيث الوضع ولكن اقترن به دليل يدل على أنه مراد به بعض مدلوله اللغوي مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران: ١٧٣]، فلفظ الناس عام ولكنه لم يرد به عموم الناس بدليل قوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) فدل على وجود أناس جمعوا، وأناس مجموع لهم، وأناس نقلوا الخبر للمجموع لهم. فلفظ الناس تكرر مرتين والمراد به في الأولى: نعيم بن مسعود، أو ركب عبد القيس، وفي الثانية: أبو سفيان ومن معه من الأحزاب (١). أولاً - التخصيص بالحس: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٢٧٨): (المراد بالحس المشاهدة) (٢). قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٦٣٨): (قوله: ﴿منه الحس﴾. يجوز التخصيص بالحس، أي: المشاهدة، كقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣]، (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) [الأحقاف: ٢٥] فنحن نشاهد أشياء كثيرة لم تؤتها بلقيس كملك سليمان، ونحن نشاهد أشياء كثيرة لم تدمرها الريح كالسموات، والجبال، وغيرها. ونحوه قوله تعالى: (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) [الذاريات: ٤٢]، (يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) [القصص: ٥٧] فإنا نشاهد أشياء

стр. 134

لم تجعلها كالرميم، وأن ما في أقصى المغرب والمشرق لم يجب إليه. واعلم أن هنا ثلاثة أشياء: الأول: أن هذه الأمثلة لا تتعين أن تكون من العام المخصوص بالحس، فقد يدعى أنها من العام الذي أريد به الخصوص. الثاني: أن ما كان خارجا بالحس قد يدعى أنه لم يدخل حتى يخرج، كما يأتي نظيره في التخصيص بالعقل، فليكن هذا على الخلاف الذي هناك. الثالث: يؤول التخصيص بالحس إلى أن العقل يحكم بخروج بعض الأفراد بواسطة الحس، فلم يخرج عن كونه خارجا بالعقل فليكونا قسما واحدا، وإن اختلف طريق الحصول (١)). ثانيا - التخصيص بالعقل: قال مجد الدين في "المسودة" (ص/١٠٦): (مسألة يجوز تخصيص العموم بدليل العقل نص عليه وهو قول أكثر أهل العلم وقال قوم لا يجوز ذلك وهم من المتكلمين. قال الجويني: أبى بعض الناس تسمية ذلك تخصيصا وهى مسألة قليلة الفائدة ولست أراها خلافية وأشار إلى أنه نزاع في عبارة وأنهم جعلوا ذلك بيانا ويقال لهم بل التخصيصات بيان. قلت: الذين يجعلون العقل مخصصا فانه والله أعلم لأن العقل مثل المخصصات اللفظية المتصلة ... ). وقال القاضي في "العدة" (٢/ ٥٤٧): (يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل) (٢). وهذا هو أحد الأقوال في المذهب (٣) والراجح أن هذا ليس تخصيصا وإنما من باب العام الذي أريد به الخصوص كما سبق في التخصيص بالحس. قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٦٣٩): (قوله: ﴿والعقل أيضا﴾ من المخصصات المنفصلة. العقل ضروريا كان أم نظريا، فالضروري كقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: ١٦]، فإن العقل قاض بالضرورة أنه لم يخلق نفسه

стр. 135

الكريمة، ولا صفاته (١). والنظري كتخصيص قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧] فإن العقل بنظره اقتضى عدم دخول الطفل، والمجنون بالتكليف بالحج؛ لعدم فهمهما، بل هما من جملة الغافلين الذين هم غير مخاطبين بخطاب التكليف. قال بعض أعيان الشافعية: لا خلاف في ذلك. قال البرماوي: نعم، منع كثير من العلماء أن ما خرج من الأفراد بالعقل من باب التخصيص، وإنما العقل اقتضى عدم دخوله في لفظ العام، وفرق بين عدم دخوله في لفظ العام، وبين خروجه بعد أن دخل ... ). ومما سبق يتضح رجحان ما أشار إليه الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٤١) بقوله: (ومن العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص إذ المخصوص لم يكن مراداً عند المتكلم ولا المخاطب من أول الأمر وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص). ثالثا التخصيص بالشرع: يخصص الكتاب بالكتاب، والكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب، والسنة بالسنة، والكتاب بالإجماع، والسنة بالإجماع، والكتاب بالقياس، والسنة بالقياس. وقد مثل الشيخ في الأصل لهذه الأنواع إلا السادس، ولم يتعرض للخلاف الوارد في بعضها كالخلاف في تخصيص القرآن والسنة المتواترة بالسنة الآحادية، والخلاف في تخصيص عموم القرآن والسنة بالقياس (٢).

стр. 136

قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٣/ ٣٥٩): ((يخصص الكتاب ببعضه و) يخصص أيضا (بالسنة مطلقا) أي سواء كانت متواترة أو آحادا (و) تخصص (السنة به) أي بالقرآن (وببعضها) أي تخصص السنة ببعضها (مطلقا) أي سواء كانت متواترة أو آحادا. فمن أمثلة تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] فإن عمومه خص بالحوامل في قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤] وخص أيضا عمومه الشامل للمدخول بها وغيرها بقوله تعالى في غير المدخول بها (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [الأحزاب: ٤٩]. ونحو ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [البقرة: ٢٣٤] خص بقوله : (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ونحو ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) [البقرة: ٢٢١] خص بقوله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [المائدة: ٥] والمخالف في مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب بعض الظاهرية، وتمسكوا بأن التخصيص بيان للمراد باللفظ فلا يكون إلا بالسنة، " لقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤] ... وأجيب بأن التخصيص لا يخرج عن كونه مبينا إذا بين ما أنزل بآية أخرى منزلة كما بين ما أنزل إليه من السنة. فإن الكل منزل (١). ومثال تخصيص الكتاب بالسنة، حتى مع كونها آحادا عند أحمد ومالك والشافعي ﵃: قوله : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) [النساء: ٢٤] فإنه مخصوص بقوله ﷺ : (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) متفق عليه.

стр. 137

ونحوه تخصيص آية السرقة بما دون النصاب، وقتل المشركين بإخراج المجوس، وغير ذلك ... ومثال تخصيص السنة بالكتاب: قوله ﷺ : (ما أبين من حي فهو ميت) رواه ابن ماجه، خص بقوله : (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) [النحل: ٨٠]. ومن أمثلته أيضا: قوله ﷺ فيما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب: جلد مائة والرجم) والمقصود بيان السبيل في قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) فقوله ﷺ : (البكر بالبكر، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) يشمل الحرة والأمة، ولكن الأمة خصت بقوله : (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥] فدل على أنه ليس عليهن قتل لأن القتل لا ينصف كما أن عليهن جلد خمسين لا مائة جلدة وهكذا. ومن ذلك حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) خص بقوله : (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩]. ومثال تخصيص السنة بالسنة: قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر) فإنه مخصوص بقوله ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وهو كثير ... (وبإجماع) يعني أن العام يخص بإجماع (والمراد دليله) أي دليل الإجماع، لا أن الإجماع نفسه مخصص؛ لأن الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه، وإن لم نعرفه (١).

стр. 138

ومن أمثله المسألة: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩] خص بالإجماع على عدم وجوب الجمعة على المرأة (١) ... (و) يجوز تخصيص اللفظ العام أيضا (بالقياس) قطعيا كان أو ظنيا، ثم إن كان قطعيا خص به العام قطعا، قاله الإبياري في شرح البرهان وغيره، وإن كان ظنيا، فالذي عليه الأئمة الأربعة والأشعري والأكثر: جواز التخصيص به، وعند ابن سريج والطوفي من أصحابنا: يخصص القياس الجلي دون غيره، وهو قول جماعة من الشافعية ... ). ومن أمثلة تخصيص عموم القرآن بالقياس تخصيص عموم قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢] .. فان عموم الزانية خصص بالنص وهو قوله في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥]. فقيس عليها العبد بجامع الرق فيلزم جلد العبد خمسين لقياسه على الأمة ويخرج بذلك من عموم ((الزاني)) الذي يجلد مائة. - وهذا القياس للعبد على الأمة بجامع الرق خصص قوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» في تنصيف الحد والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور. - ومن أمثلة تخصيص القياس لعموم القرآن: تخصيص عموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [البقرة: ٢٧٥] بقياس الأرز على البر في تحريم بيعه متفاضلا أو نسيئة وكذلك كل ما وجدت فيه علة الربا الموجودة في الأجناس الربوية المنصوص عليها في قوله ﷺ (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا مثلا بمثل

стр. 139

سواء بسواء) فمقتضى الآية حل جميع أنواع البيع، وخصها الحديث بتحريم بيع الأجناس الربوية المذكورة بجنسها إلا يدا بيدا مثلا بمثل ثم استنبط الفقهاء من حديث النهي علة التحريم - على خلاف بينهم فيها - وألحقوا بتلك الأجناس كل ما وجدت فيه العلة وخصوا الآية بذلك. بقيت لنا أمثلة على تخصيص السنة بالإجماع. قال المرداوي في "التحبير" (٢/ ٢٦٧٠): (وأما تخصيص السنة العامة بالإجماع فلم أرهم تعرضوا له كأنهم استغنوا بمثال تخصيص القرآن). ومن أشهر الأمثل على ذلك تخصيص عموم قوله ﷺ : (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) إذ أن (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم لكن هذا العموم مخصوص بما تغير بالنجاسة بالإجماع (١) (٢).

стр. 140

المطلق والمقيد تعريف المطلق: ١ - لغة: المطلق في اللغة من الإطلاق بمعنى الإرسال، فهو المرسل، أي: الخالي من القيد. قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٣/ ٣٩٢): ("المطلق" مأخوذ من مادة تدور على معنى الانفكاك من القيد). قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" مادة (ط ل ق): (الطاء واللام والقاف أصلٌ صحيحٌ مطّرد واحد، وهو يدلُّ على التَّخلية والإرسال. يقال انطلقَ الرّجل ينطلق انطلاقاً. ثمَّ ترجع الفروع إليه، تقول أطْلَقْتهُ إطلاقاً. والطِّلْق: الشيء الحلال، كأنَّه قد خُلِّيَ عنه فلم يُحظَر ... والطَّالق: النّاقة تُرسَل ترعى حيث شاءت. ويقال للظَّبْي إذا مرَّ لا يُلوِي على شيء: قد تَطلَّق ... ) (١). ٢ - اصطلاحا: المطلق هو:: (الدال على الحقيقة من غير وصف زائد عليها) (٢). مثال ذلك: قوله تعالى في كفارة الظهار: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [المجادلة: ٣] هذا يشمل كل رقبة سواء أكانت: صغيرة، أو كبيرة، مؤمنة، أو كافرة، ذكر، أو أنثى، سليمة من العيوب، أو معيبة ... إلخ. فهذا اللفظ مطلق يشمل كل هذه الأشياء على البدل، لكن يتناول نوعًا واحدًا لا بعينه غير محدد بمعنى أنه يجزئه أن يحرر أي رقبة من الأنواع السابقة. فائدتان: الفائدة الأولى - النكرة في سياق الإثبات: اعلم أن النكرة في سياق الإثبات من صيغ الإطلاق لا العموم إلا أن يكون ممتنا

стр. 141

بها أو في صيغة الشرط، فحينئذ تكون من صيغ العموم. قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (١/ ٢٨٩): (قال ولي الدين والفعل في سياق الثبوت لا يعم كالنكرة المثبتة إلا أن تكون في معرض الامتنان كقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨]). اهـ. من الضياء اللامع لابن حلولو). أي: فتعم كل الماء الذي ينزل من السماء كالثلج والبرد والمطر، ونحو ذلك. قال الزركشي في "معنى لا إله إلا الله" (ص/ ١٠٠): (النكرة في سياق الإثبات لا تعم كذا أطلق جماعة من الأصوليين والحق غيره وأنها بحسب المقامات. والذي أريده هنا أنه تستثنى من ذلك صورتان إحداهما إذا كانت في سياق الشرط نبه عليه الإمام في البرهان. الثانية إذا كانت في سياق الامتنان نص عليه القاضي أبو الطيب الطبري). الفائدة الثانية - الفعل المثبت لا يعم: الفعل المطلق في سياق الإثبات كالنكرة في سياق الإثبات يفيد الإطلاق، وذلك لأن الفعل مضمن المصدر. قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (١/ ٢٨٩): (وجه كون الفعل في سياق الثبوت لا يعم هو أن الفعل ينحل عند النحويين وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن وينحل عند جماعة من البلاغيين عن مصدر وزمن ونسبة فالمصدر كامن في معناه إجماعا والمصدر الكامن فيه لم يتعرف بمعرف فهو نكرة في المعنى ومعلوم أن النكرة لا تعم في الإثبات وعلى هذا جماهير العلماء). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٢١٣): () فعله) أي فعل النبي ﷺ المثبت وإن انقسم إلى جهات وأقسام لا يعم أقسامه وجهاته)؛ لأن الواقع منها لا يكون إلا بعض هذه الأقسام من ذلك ما روي (أنه ﷺ صلى داخل الكعبة) فإنها احتملت الفرض والنفل، بمعنى أنه لا يتصور أنها فرض ونفل معا، فلا يمكن الاستدلال به على جواز الفرض والنفل داخل الكعبة، فلا يعم أقسامه) (١).

стр. 142

تعريف المقيد: أ- لغة: المقيد في اللغة: مقابل المطلق، تقول العرب: قيدته وأقيده تقييدًا، فرس مقيد، أي: ما كان في رجله قيد أو عقال مما يمنعه من التحرُّك الطبيعي. قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة مادة (ق ي د): (القَيْد، وهو معروفٌ، ثُمَّ يستعارُ في كل شيءٍ يَحْبِس. يقال: قيَّدْتُه أُقََيِّده تقييداً. ويقال: فرَسٌ قَيْدُ الأَوَابِدِ، أي فكأنَّ الوحشَ من سُرعةِ إدراكه لها مُقيَّدة ... ). ب- اصطلاحاً: المقيد هو: (ما دل على الحقيقة بوصف زائد عليها) (١). ومثال ذلك قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: ٩٢]، و (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) [النساء: ٩٢]، فوصف الرقبة بالإيمان، والشهرين بالتتابع، وذلك وصف زائد على حقيقة جنس الرقبة والشهرين؛ لأن الرقبة تصدق على المؤمنة أو الكافرة، والشهرين قد يكونان متتابعين وغير متتابعين، فقيد الرقبة بالإيمان، والشهرين بالمتتابعين. فوائد: - قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٣٩٣): (وتتفاوت مراتبه في تقييده باعتبار قلة القيود وكثرتها، فما كثرت فيه قيوده كقوله تعالى ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (سورة التحريم / آية ٥) الآية أعلى رتبة مما قيوده أقل، (وقد يجتمعان) أي الإطلاق والتقييد (في لفظ) واحد (با) عتبار (الجهتين) فيكون اللفظ مقيدا من وجه مطلقا من وجه آخر، نحو قوله تعالى ﴿رَقَبَةٍ

стр. 143

مُؤْمِنَةٍ﴾ (النساء: ٩٢) قيدت الرقبة من حيث الدين والإيمان فتتعين المؤمنة للكفارة، وأطلقت من حيث ما سوى الإيمان من الأوصاف، ككمال الخلقة والطول والبياض وأضدادها ونحو ذلك، فالآية مطلقة في كل رقبة مؤمنة وفي كل كفارة مجزئة، مقيدة بالنسبة إلى مطلق الرقاب ومطلق الكفارات. ثم اعلم أن الإطلاق والتقييد تارة يكونان في الأمر، كأعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة، وتارة في الخبر، كلا نكاح إلا بولي وشاهدين، ولا نكاح إلا بولي رشيد وشاهدي عدل). - الفرق بين العام والمطلق: ذكر الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول " (ص/ ٢٥١) فروقًا ثلاثة بين العام والمطلق وهي: ا- أن العام يشمل جميع أفراده على سبيل العموم، وأما المطلق فلا يعم جميع الأفراد إلا على سبيل البدل بمعنى أن العام عمومه شمولي والمطلق عمومه بدلي (١). ٢ - العام يدخله التخصيص، والمطلق يدخله التقييد (٢). ٣ - العام يصح الاستثناء منه استثناء متصلاً، ولا يصح الاستثناء من المطلق إلا استثناء منقطعًا (٣). العمل بالمطلق: وهنا مسألتان: الأولى - العمل بالمطلق قبل البحث عن مقيد والقول فيها كالقول في العام وقد سبق، قال الزركشي في "البحر المحيط" (٣/ ٥): (العمل بالمطلق قبل البحث عن المقيد ينبغي أن يكون على الخلاف السابق في العموم). الثانية - الدليل الشرعي المطلق إذا لم يرد ما يقيده يجب حمله على إطلاقه، كما أن العام إذا لم يرد ما يخصصه يجب حمله على عمومه (٤).

стр. 144

حمل المطلق على المقيد: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٤٤): (وإذا ورد نص مطلق ونص مقيد وجب تقييد المطلق به إن كان الحكم واحداً وإلا عمل بكل واحد على ما ورد عليه من إطلاق أو تقييد. مثال ما كان الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى في كفارة الظهار: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) (المجادلة: ٣)، وقوله في كفارة القتل: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (النساء: ٩٢). فالحكم واحد هو تحرير الرقبة فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل ويشترط الإيمان في الرقبة في كل منهما. ومثال ما ليس الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (المائدة: ٣٨). وقوله في آية الوضوء: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (المائدة: ٦). فالحكم مختلف ففي الأولى قطع وفي الثانية غسل فلا تقيد الأولى بالثانية بل تبقى على إطلاقها ويكون القطع من الكوع مفصل الكف، والغسل إلى المرافق).اهـ ومثال ما اتحد حكمه وسببه: كما لو قال في كفارة الظهار: (اعتق رقبة)، وقال عن نفس الكفارة في موضع آخر: (اعتق رقبة مؤمنة) فهنا يحمل المطلق على المقيد، وتقيد الرقبة بالإيمان. ومثال ما اختلف حكمه واتحد سببه: مثل آية الوضوء؛ قال الله - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]، وقال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦]؛ ففي الآية: تقييد غسل اليدين إلى المرفقين، وفي التيمم إطلاق الأيدي، وسببهما واحد وهو الحدث فلا يحمل المطلق على المقيد هنا، وفي بعض هذه الحالات خلاف في المذهب وغيره، والراجح هنا ما اختاره الشيخ من حمل المطلق على المقيد عند إتحاد الحكم سواء اتحد السبب أم اختلف. شروط حمل المطلق على المقيد: اشترط القائلون بالحمل شروطا كثيرة وقد ذكرها الزركشي في البحر المحيط

стр. 145

ولخصها عنه الشوكاني في إرشاده، والسلمي في أصوله، ومن هذه الشروط (١): ١ ـ أن يكون القيد من باب الصفات، كالإيمان في الرقبة، ولا يصح أن يكون في إثبات زيادة لم ترد في المطلق، ولذلك لا يصح أن يقال: يجب أن يُيَمم الرجلين والرأس إذا أراد التيمم. ٢ ـ أن لا يعارض القيد قيدٌ آخر، فإن عارضه قيد آخر لجأ المجتهد إلى الترجيح. مثاله: حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، ورد بلفظ: فليغسله سبعا إحداهن بالتراب، وورد بلفظ: أولاهن، وبلفظ أخراهن، وكلها صحيحة السند، فالأولى مطلقة، والثانية والثالثة مقيدتان بقيدين متضادين فلا يمكن حمل المطلق على المقيد هنا إلا بترجيح. ٣ ـ أن يكون ورود المطلق في باب الأوامر والإثبات، أما في سياق النفي والنهي فلا يحمل المطلق على المقيد، فلو قال: لا تعتق مكاتبا، ثم قال: لا تعتق مكاتبا كافرا، فلا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنه لو أعتق مكاتبا مؤمنا لأخل بعموم اللفظ الأول. كذا قالوا، ولا يخفى أن النكرة في سياق النفي والنهي تكون للعموم فلا يكون تقييدها من تقييد المطلق بل من تخصيص العام، والعام لا يخصص بما يدل على ثبوت الحكم لبعض أفراده. ٤ ـ أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد، فإن قام دليل يمنع منه لم يجز، ويمكن أن نمثل له بإطلاق الرقبة في كفارة الظهار في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)، [المجادلة: ٣] وتقييد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان كما في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: ٩٢] فقد تقرر حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة فالواجب تحرير رقبة مؤمنة في كفارة الظهار، ولنفترض أنه ورد نص آخر في كفارة الظهار ينص على اجزاء الرقبة الكافرة نحو: فتحرير رقبة مؤمنة أو كافرة، لكان ذلك دليلا مانعا من حمل المطلق على المقيد، فيجزئ في الظهار رقبة مؤمنة، أو كافرة (٢).
следующие страницы →