← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2048

المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (253 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأمر تعريف الأمر: الأمر هو: (قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء) (١). وهذا التعريف قريب من تعريفات الحنابلة للأمر وموافق لأصولهم. قال الشيخ العثيمين ﵀ (٢): فخرج بقولنا: " قول " الإشارة فلا تسمى أمراً وإن أفادت معناه. وخرج بقولنا: " طلب الفعل " النهي؛ لأنه طلب ترك، وليس المقصود بالفعل هنا قسيم القول، بل المراد بالفعل هنا الإيجاد ولو كان قولا. فإذا قلت لك: قل لا إله إلا الله، فهذا أمر؛ لأنني أمرتك أن توجد هذا القول، فيسمى أمرا. وخرج بقولنا: " على وجه الاستعلاء " الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من صيغة الأمر بالقرائن. الالتماس يكون من مساو، أما الدعاء فيقولون إن كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء وهو صحيح بالنسبة لله عزوجل، فلا شك أنه دعاء، أننا إن سألنا الله عزوجل فإننا ندعوه. لكن إن كان من أدنى إلى أعلى فينبغي أن لا نسميه دعاء، بل نسميه سؤالا؛ لأنه لا ينبغي أن يكون الدعاء إلا إلى الله عزوجل. تنبيهات: التنبيه الأول - معنى العلو والاستعلاء: هناك ألفاظ تترد عند الكلام على تعريف الأمر وهي: العلو، والاستعلاء وبينهما فرق. قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢١٧٦): (قوله: ﴿فالاستعلاء طلب بغلظة، والعلو كون الطالب أعلى رتبة، قاله القرافي﴾. فقال في ' التنقيح ': الاستعلاء هيئة في الأمر من الترفع وإظهار القهر والعلو يرجع إلى هيئة الآمر من شرفه وعلو منزلته بالنسبة إلى المأمور. انتهى ... قال ابن العراقي: فالعلو صفة للمتكلم، والاستعلاء صفة للكلام).

стр. 72

التنبيه الثاني - الخلاف في اشتراط العلو أو الاستعلاء في حد الأمر: اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال: أحدها: اعتبار العلو والاستعلاء، والثاني: عكسه، والثالث: اعتبار الاستعلاء فقط، والرابع: اعتبار العلو فقط. والراجح من هذه الأقوال اشتراط الاستعلاء لا العلو؛ لأن الاستعلاء صفة للأمر والعلو صفة للآمر وهو خارج عن ماهية التعريف. قال الشيخ صالح آل الشيخ في "شرح الورقات": (والأَوْلى أنْ نقول في تعريف الأمر: أنّ الأمر استدعاء الفعل ممن هو دونه على وجه الاستعلاء. استدعاء الفعل ممن هو دونه على وجه الاستعلاء، ما معناها؟ يعني أن يكون الآمر في أمره مؤكِّدا جازما، وبعض علماء الأصول يقولون على وجه العلو، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ العلو صفة الآمر، والاستعلاء صفة للأمر في نفسه، فيكون على وجه الاستعلاء؛ يعني الأمر فيه جزم، أو فيه شدة، وفيه غلظة، ونحو ذلك، حتى يخرج منها الالتماس والسؤال وإلى آخره). التنبيه الثالث - للأمر صيغة موضوعة في اللغة أو (الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده): قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٤): (اعلم أن كون الأمر بالشيء نهياً عن ضده فيه ثلاثة مذاهب: الأول أن الأمر بالشيء هو عين النهى عن ضده وهذا قول جمهور المتكلمين، قالوا أسكن مثلا، السكون المأمور به فيه، هو عين ترك الحركة، قالوا وشغل الجسم فراغاً هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق وهو بالنسبة إليه أمر، وإلى الحركة نهى. قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر والله أعلم أن قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أن الأمر بالشيء هو عين النهى عن ضده، مبنى على زعمهم الفاسد أن الأمر قسمان: نفسي ولفظي، وأن الأمر النفسي، هو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة وبقطعهم النظر عن الصيغة، واعتبارهم الكلام النفسي، زعموا أن الأمر هو عين النهى عن

стр. 73

الضد، مع أن متعلق الأمر طلب، ومتعلق النهى ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، النهى استدعاء ترك، فليس استدعاء شيء موجود، وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهى عن الضد وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أن الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرد عن الصيغة، ويوضح ذلك اشتراطهم في كون الأمر نهياً عن الضد أن يكون الأمر نفسياً يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة ... أصل هذا الكلام مبنى على زعم باطل وهو أن كلام الله مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ، لأن هذا القول الباطل يقتضى أن ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها رب السموات والأرض، وبطلان ذلك واضح. المذهب الثاني: أن الأمر بالشيء ليس عين النهى عن ضده، ولكنه يستلزمه، وهذا هو أظهر الأقوال لأن قولك أسكن مثلا يستلزم نهيك عن الحركة لان المأمور به لا يمكن وجوده مع التلبس بضده لاستحالة اجتماع الضدين وما لا يتم الواجب إلا به واجب، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلانى في آخر مصنفاته وكان يقول بالأول. المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنه وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالى من الشافعية، واستدل من قال بهذا بأن الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلا عن ضده وإذا كان ذاهلا عنه فليس ناهياً عنه إذ لا يتصور النهى عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلا، ويجاب عن هذا بأن الكف عن الضد لازم لأمره لزوما لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده فالأمر مستلزم ضرورة للنهى عن ضده لاستحالة اجتماع الضدين) (١). صيغ الأمر: أولا- فعل الأمر: هو الفعلُ الّذي يدلُّ على طلبِ حدوثِ العملِ في المستقبلِ على وجهِ الاستعلاءِ، وهو مبنيٌّ دائماً:

стр. 74

١ - يُبنى على السّكونِ: أ- إذا لم يتصلْ به شيءٌ، مثلُ: (اسمعْ) ب-أو إذا اتّصلَتْ به نونُ النّسوةِ (اسمعْن). ٢ - يُبنى على الفتحِ: إذا اتّصلَت به إحدى نوني التّوكيدِ الخفيفةُ أو الثقيلةُ، مثالٌ: اسمعَنْ- اسمعَنَّ. ٣ - يُبنى على حذفِ حرفِ العلّةِ: إذا كانَ معتلَّ الآخرِ، مثالٌ: اسعَ- ادنُ- امضِ. ٤ - يُبنى على حذفِ النّونِ: إذا كانَ مضارعُه من الأفعالِ الخمسةِ، أي إذا اتّصلَتْ به ألفُ الاثنين أو واوُ الجماعةِ أو ياءُ المؤنّثةِ المخاطبةِ. مثالٌ: اكتبا-اكتبوا- اكتبي. ومثل له الشيخ العثيمين ﵀ بقوله تعالى: (﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) [العنكبوت: ٤٥] فهذا فعل أمر مبني على حذف الواو. ثانيا - اسم فعل الأمر: وهو الذي يدل على معنى فعل الأمر، ولا يقبل علامة من علاماته كياء المخاطبة أو نون التوكيد، ومنه: - إيهِ: بمعنى زِدْ. (إيهِ من حديثِك الطريف). - صهْ بمعنى: اسكت. (صهْ عن بذئِ الكلام). - مَهْ بمعنى: كُفَّ. (تماديت في الأذى فمه). - آمين بمعنى: استَجِب. (ربنا أعنا على فعل الخير آمين). - حيَّ بمعنى: أَقْبِل. (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح). ثالثا - المصدر النائب عن فعل الأمر: هو مصدر ينوب عن فعل الأمر: - كقول الله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤] فضرب المصدر نائب عن فعل الأمر يعني اضربوا الرقاب. - قوله تعالى: (فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: ١١] فسحقا: أي فبعدا شديدا، وهو مصدر "سحق" بمعنى: بعد أشد البعد، وقد ناب عن فعل الأمر، والمعنى:

стр. 75

"اسحقوا" أي: ابتعدوا ابتعادا شديدا". - قول قطري بن الفجاءة: فَصَبْراً في مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً ... فَما نَيْلُ الخُلُودِ بمُسْتَطَاعِ فصبرا: أي: فاصبر. رابعا - المضارع المقرون بلام الأمر: قال ابن أم قاسم في "الجنَى الداني في حروف المعاني": (لام الأمر، والأولى أن يقال: لام الطلب، ليشمل: الأمر نحو (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) [الطلاق: ٧]، والدعاء نحو (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف: ٧٧]، قيل: والالتماس، كقولك لمن يساويك: لتفعل، من غير استعلاء. وذلك لأن الطلب إذا ورد من الأعلى فهو أمر، وإذا ورد من الأدنى فهو دعاء، وإذا ورد من المساوي فهو التماس. وهذه اللام التي للطلب كصيغة افعل، في أنها قد ترد لمعان أخر، غير الطلب، كالتهديد نحو قوله تعالى: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (١) [العنكبوت: ٦٦] والأصل في ذلك معنى الطلب ... تنبيه - الفرق بين لام الأمر ولام التعليل: الفرق بين اللامين يتبين في هذه النقاط: ١ - الفرق هو فرق في المعنى الذي يظهر من التعليل أو الأمر. فلام التعليل تدخل على الفعل المضارع، ويكون ما بعدها علة لما قبلها، وهذه اللام دائما تأتي مجرورة، ويسميها البعض لام كي، لأنها كثيرة المجئ مع (كي) أو بمعنى كي. أما لام الأمر: فإنها تدل على الطلب من أعلي لأقل مرتبة، أو من متساوٍ في الرتبة أو غيرهما وذلك من حيث المعنى. ٢ - لام الأمر تجزم الفعل ولام التعليل تنصبه.

стр. 76

خامسا - صيغ أخرى للأمر: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٢٤): (وقد يستفاد طلب الفعل من غير صيغة الأمر مثل أن يوصف بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أو يمدح فاعله، أو يذم تاركه أو يترتب على فعله ثواب، أو على تركه عقاب). هذه الصيغ التي ذكرها الشيخ هنا تدل على مطلق الطلب للفعل سواء أكان جازما أم غير جازم فيدخل فيها الواجب والمندوب. وقد مثل الشيخ في "شرح الأصول" لما ذكر فقال (ص/١٤١) ما ملخصه: (قد نستفيد طلب الفعل بغير صيغة الأمر مثل أن يوصف بأنه فرض مثل قوله تعالى لما ذكر أصناف الزكاة قال: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة: ٦٠]، وقال النبي ﷺ لمعاذ: (أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات)، وكقوله ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم). كقوله هذا مندوب، ويندب له أن يفعل كذا. وقوله ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف)، وقوله: (كل معروف صدقة). أو يمدح فاعله مثل أن يرتب عليه الثواب: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) [البقرة: ٢٦١]) وهكذا ... وقد عقد الشيخ مناع القطان بحثا في مجلة البحوث الإسلامية العدد الأول بعنوان " وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في شئون الحياة كلها" وقدم لبحثه بمقدمة ومما ذكر فيها: وليست صيغة الأمر قاصرة على صيغة واحدة فإن أساليب طلب الفعل في القرآن كثيرة منها: - الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) [البقرة: ١٧٨]، وقوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء: ١٠٣]. - اقتران الفعل بألا، كقوله تعالى: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ) [التوبة: ١٣]- قال القرطبي: (توبيخ وفيه معنى التحضيض) -.

стр. 77

- الاستفهام التعجبي والإنكاري مقرونا بترك الفعل، كقوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) [آل عمران: ٨٣]. - الإخبار بأن ترك الفعل كفر، أو ظلم، أو فسق، كقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: ٤٤]. وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: ٤٥]، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [المائدة: ٤٧]. - الإخبار بأن إتيان الفعل من الإيمان أو أن تركه يناقض الإيمان، كقوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء: ٦٥]، وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب: ٣٦]. ثم قال: قال الغزالي في "المستصفى": (إن قول الشارع أمرتكم بكذا، وأنتم مأمورون بكذا، أو قول الصحابي أمرت بكذا، كل ذلك صيغ دالة على الأمر، وإذا قال: أوجبت عليكم، أو فرضت عليكم، أو أمرتكم بكذا أو أنتم معاقبون على تركه فكل ذلك يدل على الوجوب). الأمر المتجرد عن القرائن للوجوب إلا لصارف: قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٢٠٢): ((أحمد وأصحابه، والأكثر: الأمر المجرد عن قرينة حقيقة في الوجوب). هذا مذهب إمامنا وأصحابه وجمهور العلماء من أرباب المذاهب الأربعة وغيرهم. قال أبو إسحاق الشيرازي في ' شرح اللمع '، وابن برهان في ' الوجيز ': هذا مذهب الفقهاء) (١). قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/١٨٩): (والحق أنها للوجوب إلا بدليل صارف عنه لقيام الأدلة , كقوله (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣] فالتحذير من الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر يدل على أنه للوجوب.

стр. 78

وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب: ٣٦]، فإنه جعل أمر الله ورسوله مانعاً من الاختيار وذلك دليل الوجوب. وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ) [المرسلات: ٤٨] فهو ذم على ترك امتثال الأمر بالركوع وهو دليل الوجوب وقوله: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [الأعراف: ١٢] فقرعه على مخالفة الأمر. وهو دليل الوجوب وقوله: (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) [طه: ٩٣] فهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية. وذلك دليل الوجوب. وقوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) [التحريم: ٦] إلى غير ذلك من أدلة الكتاب والسنة. ولا خلاف بين أهل اللسان العربي أن السيد لو قال لعبده افعل فلم يمتثل فأدبه لأنه عصاه أن ذلك واقع موقعه مفهوم من نفس صيغة الأمر ... والحق أن دليل اقتضاء ((افعل)) للوجوب الشرع واللغة كما ذكرنا وقيل العقل ... ). الأمر للفور: الخلاف إنما هو بالنسبة للأمر المطلق وهو الأمر الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور، أو على تراخي، ولم يكن محددا لفعله وقت معين، وذلك كإخراج زكاة المال ودفعها إلى مستحقيها عند حلول الحول، وكقضاء الفوائت، وكالكفارات والنذور غير المؤقتة بوقت ... والمقصود من كون الأمر للفور أن يبادر المكلف لامتثال الأمر وتنفيذه بعد سماعه دون تأخير، فإن تأخر عن الأداء كان مؤاخذا - إلا لعذر -. وظاهر المذهب أن الأمر المطلق يقتضي تعجيل فعل المأمور به (١)، قال الكلوذاني في "التمهيد" (١/ ٢١٧): (الأمر المطلق يقتضي تعجيل فعل المأمور به في ظاهر المذهب ... وقد أومأ إليه أحمد ﵀ أي القول بأنه على التراخي - في رواية الأثرم). وقال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٢٢٦): (وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أنه لا يقتضي الفور، وقاله: أكثر الشافعية، نقله الأستاذ أبو منصور، وسليم الرازي،

стр. 79

ونصره الباقلاني، والغزالي، والآمدي، والرازي. وأخذت هذه الرواية عن أحمد من قوله عن قضاء رمضان: يفرق، قال الله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤] ... ). والراجح أنه للفور. قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٢٥): (ومن الأدلة على أنه للفور قوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة: ١٤٨] والمأمورات الشرعية خير، والأمر بالاستباق إليها دليل على وجوب المبادرة. ولأن النبي ﷺ كره تأخير الناس ما أمرهم به من النحر والحلق يوم الحديبية، حتى دخل على أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس. ولأن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ، والتأخير له آفات، ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز عنها) (١). خروج الأمر عن الإيجاب للندب لقرينة: سبق تعريف الإيجاب وهو (أمر الشارع على وجه الإلزام) والندب وهو (أمر الشارع لا على وجه الإلزام) والمقصود بيان أنه قد تأتي قرينة أو دليل يبين أن الأمر ليس على سبيل الإلزام. مثال: قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) [البقرة: ٢٨٢] فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، والدليل الصارف هو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وفي مسائل الإمام أحمد (٢/ ١١) مسألة رقم (١٨٠٧): (قُلْتُ - والقائل هو إسحاق بن منصور صاحب المسائل -: قول اللهِ (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] إِذا بَاع بَالنقدِ أَيُشهدُ أمْ لا؟ قَالَ: إِنْ أشْهدَ فلا بأسَ، وإِنْ لمْ يشهدْ فلا بأسَ لقولِ الله : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا). مثال آخر له تعلق بهذا المثال ويوضحه، فآية الدين والآية التالية لها بينتا أن توثيق الدين له طرق منها: الكتاب، والرهن، والإشهاد.

стр. 80

قال الشنقيطي في "تفسيره" (١/ ١٨٤) فقال: (قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) [البقرة: ٢٨٢] ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب. ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣]؛ لأن الرهن لا يجب إجماعا وهو بدل الكتابة عند تعذرها في الآية فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبا. وصرح بعدم الوجوب بقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) [البقرة: ٢٨٣] فالتحقيق أن الأمر في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) للندب والإرشاد؛ لأن لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعا فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس قاله القرطبي). وقد بيَّن ﵀ أن قيد (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ) لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه جرى مجرى الغالب إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر وإنما يتعذر غالبا في السفر، وعليه فالرهن جائز حضرا وسفرا وقد ثبت أن النبي ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي. فائدة - الفرق بين الندب والإرشاد: قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢١٨٦): (والضابط فيه - أي الإرشاد - أن يرجع لمصلحة في الدنيا بخلاف الندب فإنه لمصالح الآخرة. وأيضا الإرشاد لا ثواب فيه والندب فيه الثواب) (١). والإرشاد إنما يكون بالنظر للعادات، أو الأمور الدنيوية لذاتها (العادات المحضة) بقطع النظر عن نية الامتثال أو شائبة التعبد، كالأكل لنيل حظ النفس من الشبع،

стр. 81

والشرب للري، والنوم لراحة الجسد، ونحو ذلك. وشأن هذه الأفعال أن تكون مباحة ما لم تخالف نصا عاما للشريعة فتكون معصية، كمن أسرف في الأكل أو الشرب، أو تناول محرما منهما، أو تعمد النوم لإضاعة الصلاة، ونحو ذلك مما هو معلوم. أما إن خالطت نية فعل هذا الأمر الإرشادي نية الامتثال - كمن نام ليتقوى على قيام الليل -، أو انفردت نية الامتثال، وتجردت عند الفاعل وانقطع نظره من مراعاة حظ نفسه، فلا شك أنه يؤجر على نية الامتثال في هاتين الحالتين، وقد فصل السبكي هذه الحالات فقال في "الإبهاج " (٢/ ١٧): (والفرق بين الندب والإرشاد أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، ولا يتعلق به ثواب البتة؛ لأنه فعل متعلق بغرض الفاعل ومصلحة نفسه، وقد يقال إنه يثاب عليه لكونه ممتثلا، ولكن يكون ثوابه أنقص من ثواب الندب؛ لأن امتثاله مشوب بحظ نفسه، ويكون الفارق إذا بين الندب والإرشاد إنما هو مجرد أن أحدهما مطلوب لثواب الآخرة والآخر لمنافع الدنيا، والتحقيق أن الذي فعل ما أمر به إرشادا إن أتى به لمجرد غرضه فلا ثواب له، وإن أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحته ولا قاصد سوى مجرد الانقياد لأمر ربه فيثاب، وإن قصد الأمرين أثيب على أحدهما دون الآخر، ولكن ثوابا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرد الامتثال) (١). تنبيه: مما سبق يتبين أن الأمر الإرشادي هو ما كان بالنظر للمصالح الدنيوية فقط، وتحصيل حظ النفس، فإن اجتمع معه نية الامتثال فقد اجتمع الندب مع الإرشاد. وكذا الأمر بالنسبة للمكروه والنهي الإرشادي. قال الزركشي في "تشنيف المسامع" (١/ ٣١٧): (الفرق بين الإرشاد والكراهة ما سبق في الفرق بينه وبين الندب، ولهذا اختلف أصحابنا في كراهة المشمس شرعية، أو إرشادية، أي متعلق الثواب، أو ترجع إلى مصلحة طبية).

стр. 82

وقال العطار في " حاشيته على جمع الجوامع" (١/ ٤٩٧): (الفرق بينه - أي الإرشاد- وبين الكراهة أن المفسدة المطلوب درؤها فيه دنيوية وفي الكراهة دينية). قال أبو زرعة العراقي في " طرح التثريب" (٨/ ١١١) في شرح حديث: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون): (هذا النهي ليس للتحريم بل ولا للكراهة وإنما هو للإرشاد، والفرق بينه وبين ما كان للندب في الفعل وللكراهة في الترك أن ذلك لمصلحة دينية والإرشاد يرجع لمصلحة دنيوية وقد بين ﵊ المعنى في ذلك بقوله في حديث جابر في الصحيحين وأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم وأراد بالفويسقة الفأرة لخروجها على الناس من جحرها بالفساد وقوله تضرم بضم التاء وإسكان الضاد أي تحرق سريعا ... ). ومن أمثلة النهي الإرشادي أيضا: النهي عن المشي في نعل واحدة، وعن الانتعال من قيام. الأمر بعد الحظر . المذهب أن الأمر بعد الحظر للإباحة، والراجح أنه يعود لما كان عليه قبل الحظر. قال المرداوي في التحبير (٥/ ٢٢٤٦) ما مختصره: ((أحمد، ومالك، وأصحابهما، والشافعي، والأكثر: الأمر بعد الحظر للإباحة)، هذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور ... (وذهب الشيخ) تقي الدين، وجمع - وهو ظاهر كلام القفال الشاشي - والبلقيني (أنه كما قبل الحظر) فهو لدفع الحظر السابق وإعادة حال الفعل إلى ما كان قبل الحظر، فإن كان مباحا كانت للإباحة نحو: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]، أو واجبا كانت للوجوب ... قال الشيخ تقي الدين: وعليه يخرج (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) [التوبة: ٥] الآية. (وقال: هو المعروف عن السلف والأئمة). انتهى). قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/١٩٠): (الذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما يشهد له القرآن العظيم وهو أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر فان كان قبله جائزاً رجع إلى الجواز , وان كان قبله واجباً رجع إلى الوجوب.

стр. 83

فالصيد مثلا كان مباحاً ثم منع للإحرام ثم أمر به عند الإجلال فيرجع لما كان عليه قبل التحريم. وقتل المشركين كان واجباً ثم منع لأجل دخول الأشهر الحرم ثم أمر به عند انسلاخها في قوله تعالى: ((فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ... الآية)) فيرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم. وهكذا. وهذا الذي اخترنا قال به بعض الأصوليين واختاره ابن كثير في تفسير قوله تعالى ((وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]). ومن الأدلة أيضا التي تدل على أنه للوجوب ما روت عائشة ﵂: (أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فقال (ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) (١). التهديد: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٢٣) وهو يتكلم عن المعاني التي ترد لها صيغة الأمر: ((و) الحادي عشر: كونها بمعنى (تهديد) نحو قوله تعالى (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: ٤٠] وقوله تعالى (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ) [الإسراء: ٦٤]). ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي: سبق وأن ذكرت أن الأمر المطلق الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور، أو على تراخي، ولم يكن محددا لفعله وقت معين الراجح فيه أنه على الفور. والكلام الآن عن الأمر الذي دلت القرينة على أنه على التراخي. قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/١٦٦): (قوله: (ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي): وهذا يكون في الموقت الموسع، فكل عبادة ذات وقت موسع فهي على التراخي ما دام وقتها باقيًا.

стр. 84

فمثلًا قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: ٧٨]: دلوكها يعني زوالها - يعني: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، فظاهر الآية الكريمة أنه تجب الصلاة فور الزوال، ولكن دلت النصوص الأخرى على أن وقت الظهر من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، وعلى هذا نقول: العبادة الموقتة بوقت مضيق (١)، فعلها على الفور. كذلك الواجب المربوط بسبب لا يجب قبل وجود سببه، فإذا وُجد سببه، فإن كان موقتًا فهو على حسب الوقت، وإن لم يكن موقتًا فهو فوري- يجب على الفور ... كفارة اليمين إذا حنث هل هي فورية أم على التراخي؟ ج: هي على الفور فمن حين أن يحنث وجب عليه أن يكفِّر. وإذا حلق الإنسان رأسه في الإحرام، فهل يجب عليه أن يبادر بالفدية أم لا؟ ج: نعم، يجب؛ لأن السبب وجد وليست الفدية بمؤقتة، فيجب عليه أن يبادر، بناء على القول بأن الواجب على الفور). ما لا يتم المأمور إلا به . قال المرداوي في "التحبير" (٢/ ٩٣١): (هذه المسألة هي المعبر عنها في الأصول: بما لا يتم الواجب إلا به واجب، وربما قيل: ما لا يتم المأمور إلا به يكون مأموراً به، وهو أجود وأشمل من حيث إن الأمر قد يكون للندب، فتكون مقدمته مندوبة، وربما كانت واجبة). تنبيه- الفرق بين مقدمة الوجوب ومقدمة الوجود: قال الشيخ عفانة في "شرح الورقات": (هذه المسألة المعروفة عند الأصوليين بمقدمة الواجب ويقولون ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. ومقدمة الواجب تنقسم إلى قسمين:

стр. 85

مقدمة وجوب وتسمى مقدمة تكليف وهي ما يتوقف وجوب الواجب عليه سواء كانت سبباً أو شرطاً مثال السبب دخول الوقت للصلاة ومثال الثاني الاستطاعة للحج. ومقدمة وجود وتسمى مقدمة صحة وهي ما يتوقف وجود الواجب عليه مثل الوضوء بالنسبة للصلاة. ومقدمة الوجوب تحصيلها ليس واجباً على المكلف أما مقدمة الوجود فتحصيلها واجب على المكلف إن كانت تحت مقدوره كالوضوء بالنسبة للصلاة. وأما إن لم تكن تحت قدرته فليست واجبة عليه كحضور أربعين لصحة الجمعة عند من يشترط ذلك العدد. وخلاف الأصوليين في مقدمة الوجود فقط). قال ابن اللحام في "قواعده" (ص/ ٩٤): (ما لا يتم الواجب إلا به للناس في ضبطه طريقان: إحداهما وهى طريقة الغزالي وأبى محمد المقدسي وغيرهما أنه ينقسم - إلى ما بكون غير - مقدور كالقدرة والأعضاء وإلى فعل غيره كالإمام والعدد في الجمعة فلا يكون واجبا وإلى ما يكون مقدورا له كالطهارة وقطع المسافة إلى الجمعة والمشاعر فيكون واجبا، قال أبو البركات وهذا ضعيف في القسم الأول إذ لا واجب هناك وفى الثاني باطل باكتساب المال في الحج والكفارات ونحو ذلك. الطريقة الثانية أن ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب كالقسم الأول وكالمال في الحج والكفارات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مطلقا، وهذه طريقة الأكثرين من أصحابنا وغيرهم، قال أبو البركات وهى أصح وسواء كان شرطا وهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم أو سببا وهو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم ... ) (١).

стр. 86

النهي لما كان الأمر مستلزم للنهي عن الضد فالكلام الذي ذكرناه عن الأمر ينسحب على النهي. قال ابن قدامة في "روضة الناظر" (ص/٢١٦): (اعلم أن ما ذكرناه من الأوامر تتضح به أحكام النواهي إذ لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي على العكس فلا حاجة إلى التكرار إلا في اليسير). تعريف النهي: النهي هو: (قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء) (١). سبق في باب الأمر بيان أن الراجح في حد الأمر اشتراط الاستعلاء دون العلو وعللته بأن الاستعلاء صفة للأمر والعلو صفة للآمر وهو خارج عن ماهية التعريف، وهذا الكلام ينسحب على تعريف النهي. فائدة - هل الكف فعل ؟ قال الأشقر في أفعال الرسول (٢/ ٤٦ - ٤٧): (يرى كثير من الأصوليين أن الكفّ فعل من الأفعال، وهو عندهم فعل نفسي. ونُسِب إلى قوم منهم أبو هاشم الجبائي أن الكف انتفاء محضّ، فليس بفعل. والأول أولى، كما هم معلوم بالوجدان. وأيضاً نجد في الكتاب والسنة إشارات إلى أن الكف فعل ... ). وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٦/ ٣١٧: ٣٢٠) عند قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان: ٣٠]: (اعلم أن السبكي قال إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة «الفرقان» مسألة أصولية، وهي أن الكف عن الفعل فعل. والمراد بالكف الترك، قال في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلّة تدلّ على أن الكفّ فعل لم أرَ أحدًا عثر عليها. أحدها: قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان: ٣٠]، فإن الأخذ التناول والمهجور المتروك، فصار المعنى تناولوه

стр. 87

متروكًا، أي: فعلوا تركه، انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب «نشر البنود، شرح مراقي السعود»، في الكلام على قوله: فكفّنا بالنهي مطلوب النبيّ. قال مقيّده - عفا اللَّه عنه وغفر له -: استنباط السبكي من هذه الآية أن الكفّ فعل وتفسيره لها بما يدلّ على ذلك، لم يظهر لي كل الظهور، ولكن هذا المعنى الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلّت عليه، وهو كون الكفّ فعلاً دلّت عليه آيتان كريمتان من سورة «المائدة»، دلالة واضحة لا لبس فيها، ولا نزاع. فعلى تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية «الفرقان» هذه، فإنه قد بيّنته بإيضاح الآيتان المذكورتان من سورة «المائدة». أمّا الأولى منهما، فهي قوله تعالى: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [المائدة: ٦٣]، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سمّاه اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا في قوله: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)، أي: وهو تركهم النهي المذكور، والصنع أخصّ من مطلق الفعل، فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح؛ كما ترى. وأمّا الآية الثانية، فهي قوله تعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: ٧٩]، فقد سمّى جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلاً، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذمّ في قوله: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، أي: وهو تركهم التناهي، عن كل منكر فعلوه، وصراحة دلالة هذه الآية أيضًا على ما ذكر واضحة، كما ترى. وقد دلَّت أحاديث نبويّة على ذلك؛ كقوله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فقد سمّى ﷺ في هذا الحديث ترك أذى المسلمين إسلامًا، ومما يدلّ من كلام العرب على أن الترك فعل قول بعض الصحابة في وقت بنائه ﷺ لمسجده بالمدينة: لئن قَعَدْنا والنبي يَعْمَل ** لذاك مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ فسمّى قعودهم عن العمل، وتركهم له عملاً مضللاً .... والصحيح أن الكفّ فعل، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة واللغة؛ كما تقدّم إيضاحه).

стр. 88

صيغة النهي: قال الكلوذاني في "التمهيد" (١/ ٣٦٠): (للنهي صيغة موضوعة في اللغة تدل بمجردها عليه وهو قول القائل لغيره: لا تفعل على وجه الاستعلاء ... ). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٢٨): (وخرج بقولنا: " بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية مثل قوله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) [الأنعام: ١٥٠] " ما دل على طلب الكف بصيغة الأمر مثل دع، اترك، كف ونحوها فإن هذه وإن تضمنت طلب الكف لكنها بصيغة الأمر فتكون أمراً لا نهياً). تتمة: بعض الصيغ الأخرى التي يستفاد منها التحريم (١): ١ - أن يوصف الفعل بالتحريم كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣] الآية، وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير) [المائدة: ٣] الآية. ٢ - لعن الله أو رسوله للفاعل، مثل قوله ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فهذا دليل على النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وقوله ﷺ : (لعن الله النامصة والمتنمصة). ٣ - توعد الفاعل بالعقاب كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) [الفرقان: ٦٨]. ٤ - إيجاب الحد على الفاعل، مثل قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢]. ٥ - وصف العمل بأنه من صفات المنافقين أو من صفات الكفار نحو قوله تعالى ـ عن المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا

стр. 89

كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: ١٤٢]. ٦ - الخبر، مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: ٩]. النهي للتحريم إلا لصارف: قال الكلوذاني في "التمهيد" (١/ ٣٦٢): (النهي يقتضي التحريم خلافا لمن قال يقتضي التنزيه بمطلقه وخلافا للأشعرية في قولهم يقتضي الوقف. لنا أن الصحابة ﵃ عقلوا من النهي الكف عن الفعل والترك، فروى عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "كنا نخابر (١) أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن ذلك فتركناها" (٢)؛ ولأن السيد إذا نهى عبده عن فعل الشيء فخالفه عاقبه، ولم يلم في عقوبته، فلو لم يكن النهي يقتضي التحريم والمنع لما استحق به العقوبة ... ). قد يخرج النهي عن التحريم إلى معان أخرى لدليل: سبق في باب الأمر وأن ذكرنا أن الأمر المطلق للوجوب إلا لصارف، والأمر كما هو هنا فالنهي الأصل أنه للتحريم إلا لدليل، وقد ترد بعض الأدلة التي تبين أن النهي لـ (٣): كراهة: نحو قوله ﷺ : (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول). وتحقير: نحو قوله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) [الحجر: ٨٨].

стр. 90

وبيان العاقبة: نحو قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) [إبراهيم: ٤٢]. ودعاء: نحو قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: ٨]. ويأس: نحو قوله تعالى: (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: ٦٦]. وإرشاد: نحو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: ١٠١] قيل: وفيه نظر، بل هي للتحريم. والأظهر الأول؛ لأن الأشياء التي يسأل عنها السائل لا يعرف حين السؤال هل تؤدي إلى محذور أم لا؟ ولا تحريم إلا بالتحقق. وتهديد: نحو قول السيد لعبده - وقد أمره بفعل شيء فلم يفعله - لا تفعله، فإن عادتك أن لا تفعله بدون المعاقبة. والتماس: كقولك لنظيرك: لا تفعل. وتصبر: نحو قوله تعالى: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: ٤٠]. وتسوية: نحو قوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) [الطور:١٦]. وتحذير: نحو قوله تعالى: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ١٠٢]. وبعض هذه المعاني متداخل كما أن بعض الأمثلة المضروبة لا تخلو من نظر، للخلاف الوارد في قوة ودلالة الدليل الصارف إلا أنه ينبغي أن نتقيد بفهم وعمل السلف الصالح وألا ننشئ قولا ليس لنا فيه سلف.

стр. 91

التكليف تعريف المكلف: المكلف هو: (الآدمي البالغ العاقل الذاكر غير الملجأ) (١). تكليف الجن: وإنما ذكرت في صدر التعريف الآدمي كجنس فيه ليخرج الجن، والجن مكلفون في الجملة ولكن تكليفهم لا على حد تكليف الإنس بها. قال الطوفي في "شرح الروضة" (١/ ٢١٨): (وقع النزاع بين بعض الفقهاء في سنتنا هذه- وهي سنة ثمان وسبع مائة للهجرة - في أن الجن مكلفون بفروع الدين أم لا؟ واستفتي فيها شيخنا أبو العباس أحمد بن تيمية بالقاهرة- أيده الله تعالى- فأجاب فيها بما ملخصه أنهم مكلفون بها بالجملة، لكن لا على حد تكليف الإنس بها، لأنهم مخالفون للإنس بالحد فبالضرورة يخالفونهم في بعض التكاليف. قلت: مثاله، أن الجن قد أعطي بعضهم قوة الطيران في الهواء، فهذا يخاطب بقصد البيت الحرام للحج طائرا. والإنسان لعدم تلك القوة فيه، لا يخاطب بذلك، فهذا في طرف زيادة تكليفهم على تكليف الإنس. وأما من جهة نقص تكليفهم عن تكليف الإنس، فكل تكليف يتعلق بخصوص طبيعة الإنس، ينتفي في حق الجن، لعدم تلك الخصوصية فيهم. والدليل على تكليف الجن بالفروع، الإجماع على أن النبي ﷺ أرسل بالقرآن الكريم إلى الجن والإنس، فجميع أوامره ونواهيه متوجهة إلى الجنسين، وهي مشتملة على الأصول والفروع، نحو: (آمِنُوا بِاللَّهِ) [النساء: ١٣٦]، (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣]. وقد تضمن هذا الدليل، على أن كفار الإنس مخاطبون بها، وكذلك كفار الجن، لتوجه القرآن بجميع ما فيه إلى مؤمني الجنسين وكفارهم).

стр. 92

تكليف المميز: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٣١): (فخرج بقولنا: " البالغ " الصغير فلا يكلف بالأمر والنهي تكليفاً مساوياً لتكليف البالغ، ولكنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز تمريناً له على الطاعة ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها). وقال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/١٢): (وفي تكليف المميز، قولان: الإثبات، لفهمه الخطاب. والأظهر النفي، إذ أول وقت يفهم فيه الخطاب، غير موقوف على حقيقته، فنصب له علم ظاهر يكلف عنده، وهو البلوغ. ولعل الخلاف في وجوب الصلاة والصوم عليه، وصحة وصيته وعتقه وتدبيره وطلاقه وظهاره وإيلائه ونحوها، مبني على هذا الأصل). وقال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٨): (وأما الصبي المميز فجمهور العلماء على أنه غير مكلف بشيء مطلقاً؛ لأن القلم مرفوع عنه حتى يبلغ، وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز، ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبي بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والحرام، قالوا للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب ولا بارتكاب حرام لرفع القلم عنه، وأما المكروه والمندوب، فاستدلوا لتكليفه بهما بحديث الخثعمية التي أخذت بضبعي (١) صبى، وقالت: (يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر). وقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم) رواه أصحاب السنن من حديث علي ﵁ نص في المسألة فتكليف الصبي لا يكون إلا بعد احتلامه. تكليف المجنون: وقال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصل" (ص/٣١): (وخرج بقولنا: " العاقل " المجنون فلا يكلف بالأمر والنهي، ولكنه يمنع مما يكون فيه تعد على غيره أو إفساد ولو فعل المأمور به لم يصح منه الفعل لعدم قصد الامتثال منه. ولا يرد

стр. 93

على هذا إيجاب الزكاة والحقوق المالية في مال الصغير والمجنون؛ لأن إيجاب هذه مربوط بأسباب معينة متى وجدت ثبت الحكم فهي منظور فيها إلى السبب لا إلى الفاعل). النسيان: وقال ﵀ (ص/٣٣): (فمتى فعل محرماً ناسياً فلا شيء عليه؛ كمن أكل في الصيام ناسياً. ومتى ترك واجباً ناسياً فلا شيء عليه حال نسيانه؛ ولكن عليه فعله إذا ذكره (١)؛ لقول النبي ﷺ : "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها"). الإكراه: وقال أيضا ﵀ (ص/٣٣): (من أكره على شيء محرم فلا شيء عليه؛ كمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه، وعليه قضاؤه إذا زال؛ كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها إذا زال الإكراه). فائدة: قال الشيخ عياض في "أصوله" (ص/٨٧): (الإكراه الملجئ عند الجمهور: هو الذي لا يكون للمكره فيه قدرة على الامتناع ويكون كالآلة في يد المكره، ومثلوه بما لو ألقاه من مكان مرتفع على صبي فمات، أو ربطه وأدخله في دار حلف ألا يدخلها. وغير الملجئ عندهم ماعدا ذلك من أنواع الإكراه كالتهديد بالقتل أو الضرب أو السجن ... ). وقال الشيخ الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٣٠): (وأما المكره فجزم المؤلف ﵀ بأنه مكلف وإطلاقه تكليفه من غير تفصيل لا يخلو من نظر، إذ الإكراه قسمان: قسم لا يكون فيه المكره مكلفاً بالإجماع كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلا، فقهره

стр. 94

من هو أقوى منه، وكبله بالحديد، وحمله قهراً حتى أدخله فيها فهذا النوع من الإكراه صاحبه غير مكلف كما لا يخفى، إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه. وقسم هو محل الخلاف الذي ذكره المؤلف، وهو ما إذا قيل له افعل كذا مثلا وإلا قتلتك، جزم المؤلف بأن المكره هذا النوع من الإكراه مكلف، وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرم الذي أكره عليه هذا النوع من الإكراه لكان آثماً والظاهر أن في ذلك تفصيلا. فالمكره على القتل بأن قيل أقتله وإلا قتلتك أنت، لا يجوز له قتل غيره، وإن أدى ذلك إلى قتله هو، وأما في غير حق الغير الظاهر أن الإكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦] وفى الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (١) والحديث وإن أعله أحمد وابن أبى حاتم فقد تلقاه العلماء بالقبول وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة).

стр. 95

العام تعريف العام: لغة: العام لغة: الشامل. قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٢٤٢): (العام اسم فاعل من عمَّ يعم إذا شمل. ويمكن أن يقال: إن العِمَامة من هذا الباب؛ لأنها تعم الرأس). قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٤٥٤): (العموم في اللغة الشمول. يقال: هذا الكساء يعم من تحته، أي: يشملهم). اصطلاحا: العام هو: (اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر بحسب وضع واحد دفعة) (١). - قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٣٤): (فخرج بقولنا: " المستغرق لجميع أفراده " مالا يتناول إلا واحداً كالعلم، والنكرة في سياق الإثبات كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢]؛ لأنها لا تتناول جميع الأفراد على وجه الشمول وإنما تتناول واحداً غير معين (٢). وخرج بقولنا: " بلا حصر " ما يتناول جميع أفراده مع الحصر كأسماء العدد مئة وألف ونحوهما). - قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٤٥٨): (وقوله: "بحسب وضع واحد"، احتراز من المشترك، كلفظ العين والقرء؛ فإنه لفظ مستغرق لما يصلح له من مسمياته، لكنه ليس بوضع واحد، بل بأكثر منه؛ فالقرء الدال على الحيض إنما وضع له، وكذلك القرء الدال على الطهر إنما وضع له بوضع غير الأول (٣)، بخلاف قولنا:

стр. 96

الرجال، فإن دلالته على جميع ما يصلح له بوضع واحد). وهذه فائدة في بيان الفرق بين العام والمشترك . ملاحظة: هذا القيد الأخير إنما يخرج المشترك ما لم تقم قرينة تبين أحد معانيه (مجمل)، وأما إذا قلنا مثلا: قتلت العيون، أو غورت العيون، فالعيون هنا عامة لقيام قرينة تبين أحد معانيها. - وقال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/١٩٧): (وخرج بقوله: "دفعة"، النكرة في سياق الإثبات كرجل , فإنها مستغرقة , ولكن استغراقها بدلي لا دفعة واحدة). قال ابن بدران في "المدخل" (ص/ ٢٤٤): (العام عمومه شمولي وعموم المطلق بدلي فمن أطلق على المطلق اسم العموم فهو باعتبار أن موارده غير منحصرة والفرق بينهما أن عموم الشمول كلي يحكم فيه على كل فرد فرد وعموم البدل كلي من حيث إنه لا يمنع نفس تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه ولكن لا يحكم فيه على كل فرد بل على فرد شائع في أفراده يتناولها على سبيل البدل ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة). وهذه فائدة في بيان الفرق بين العام والمطلق (١). صيغ العموم: ١ - من صيغ العموم: ما دل على العموم بمادته مثل: كل، وجميع، وأجمع وأجمعين، ومعشر، ومعاشر، وعامة، وكافة، وقاطبة. قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ١٢٣) ما ملخصه: (من صيغه أيضا (كل) وهي أقوى صيغه. فمادتها تقتضي الاستغراق والشمول كالإكليل لإحاطته بالرأس، والكلالة لإحاطتها بالوالد والولد. فلهذا كانت أصرح صيغ العموم لشمولها العاقل وغيره، المذكر والمؤنث، المفرد والمثنى والجمع ... (و) من صيغ العموم أيضا (جميع) وهي مثل كل، إلا أنها لا تضاف إلا إلى

стр. 97

معرفة، فلا يقال: جميع رجل، وتقول جميع الناس، وجميع العبيد. (ونحوهما) أي ومن صيغ العموم أيضا: كل ما كان نحو كل وجميع، مثل أجمع وأجمعين (و) كذلك (معشر ومعاشر وعامة وكافة وقاطبة) قال الله : (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص: ٨٢] وقال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [الأنعام: ١٣٠] وقال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦] وقال رسول الله ﷺ : (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) وقالت عائشة ﵂: " لما مات رسول الله ﷺ : ارتدت العرب قاطبة " قال ابن الأثير: أي جميعهم، لكن معشر ومعاشر: لا يكونان إلا مضافين، بخلاف قاطبة وعامة وكافة فإنها لا تضاف). ٢ - أسماء الشرط: مثل لها الشيخ العثيمين ﵀ بقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) [فصلت: ٤٦]، وقول: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة: ١١٥]. فاسم الشرط في الآية الأولى (من) وفي الثانية (أين). وأدوات الشرط إما أن تكون جازمة تجزم فعلين مثل: إن (وهذا حرف خارج شرطنا ولا يفيد العموم والباقي أسماء تفيد العموم) - مَنْ - ما - مهما - متى - أيان - أين - أَنَّى - حيثما - كيفما - أَيّ. وغير جازمة مثل: إذا - لو - لولا - كلما - لَمَّا. ٣ - أسماء الاستفهام. مثل لها الشيخ العثيمين ﵀ بقوله تعالى: (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) [الملك: ٣٠]، وقوله: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥]، وقوله: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) [التكوير: ٢٦]. فأسماء الاستفهام هي: (مَنْ - ما - متى - أين - كم - كيف - أي). وأما: (الهمزة، هل) فهما حرفان لا يفيدان العموم. ٤ - الأسماء الموصولة. مثل الشيخ لها في الأصل بقوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر: ٣٣] وقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩]

стр. 98

وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [النازعات: ٢٦] وقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [آل عمران: ١٠٩]. والأسماء الموصولة هي: الذي - التي - اللَّذان - اللَّتان - الَّذين - الَّلاتي - الَّلائي - مَنْ - ما - أيَّ. ملاحظة: لاحظ أن ((ما))، و ((من))، و ((أي)) تعم مطلقاً سواء كانت شروطاً، أو موصولات، أو استفهامية. فائدة - مَنْ للعاقل، وما لغير العاقل غالبا. - قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) [النور: ٤٥] فجاءت من لغير العاقل. - وأما قوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [النساء: ٣] فقال الشنقيطي في "الأضواء" (١/ ٢٢٣): (عبر تعالى عن النساء في هذه الآية بما التي هي لغير العاقل في قوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) ولم يقل من طاب؛ لأنها هنا أريد بها الصفات لا الذوات. أي: ما طاب لكم من بكر أو ثيب أو ما طاب لكم لكونه حلالا وإذا كان المراد الوصف عبر عن العاقل بما كقولك ما زيد في الاستفهام تعنى أفاضل؟. وقال بعض العلماء: عبر عنهن ب (مَا) إشارة إلى نقصانهن وشبههن بما لا يعقل حيث يؤخذ بالعوض والله تعالى أعلم.!). - وقد تستخدم ما للدلالة على العاقل وغير العاقل معا باعتبار تغليب أحدهما على الآخر كما في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الفرقان: ١٧]. قال الشنقيطي في "الأضواء" (٦/ ٣٣): (الأظهر عندي شمول المعبودين المذكورين للأصنام، مع الملائكة وعيسى، وعزير ... عبر عن المعبودين المذكورين بما التي هي لغير العاقل فلفظة ما تدل على شمول غير العقلاء، وأنه غلب غير العاقل لكثرته). ٥ - النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري. قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٣٥): (النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ)

стр. 99

[آل عمران: ٦٢]، [ص: ٦٢ - ٨٣]. (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: ٣٦]. (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: ٥٤]. (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ) [القصص: ٧١]). فائدتان: الأولى- النكرة المنفية أقوى في الدلالة على العموم من النكرة في سياق النفي: قال الزركشي في "معنى لا إله إلا الله" (ص / ٩٩): (النكرة المنفية كما في كلمة الشهادة أقوى في الدلالة على العموم من النكرة في سياق النفي ولذلك قال سيف الدين الآمدي في أبكار الأفكار إن النكرة في سياق النفي لا تعم وإنما تعم النكرة المنفية). الثانية - النكرة في سياق الاستفهام الإِنكاري للعموم. قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٢٥٤): (قوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) [الأنعام: ٤٦]، هذا أيضًا نكرة في سياق الاستفهام الإِنكاري، وأما إذا كانت في سياق الاستفهام غير الإِنكاري فإنها لا تدل على العموم بل هي للإطلاق؛ لأنه لا يراد به النفي، وهي إنما كانت للعموم فِي سياق الاستفهام الإنكاري؛ لأن الاستفهام الإنكاري بمنزلة النفي، فإن قوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ) [القصص: ٧١] يوازن قوله: "لا إله غير الله يأتيكم بضياء " ولهذا كانت النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري دالة على العموم. أما في سياق الإثبات فلا تدل على العموم، فلو قلتُ لك: " أكرِمْ رجلاً " فأكرمت رجلاً واحدً، فقد امتثلت؛ لأنه يصدق عليه أنه رجل، ولو قلتُ: "أرجلاً أكرمتَ " .. استفهام يقصد به الاستعلام لا الإِنكار .. فلو قلتُ: "أرجلاً أكرمتَ " فهذا للعموم أم لا؟ ليس للعموم؛ لأنها نكرة في سياق الاستفهام لغير الإِنكار ولكنها للاستعلام؛ ولهذا لو قلتُ: أرجلاً أكرمتَ أم رجلين؟ صح الكلام، ولو كانت للعموم ما صح). ٦، ٧ - المعرف بالإضافة أو بأل الاستغراقية. قال ابن النجار في"شرح الكوكب" (٣/ ١٢٩): ((و) من صيغ العموم أيضا (جمع مطلقا) أي سواء كان لمذكر أو لمؤنث، وسواء كان سالما أو مكسرا، وسواء كان جمع قلة أو كثرة (معرف) ذلك الجمع (بلام أو إضافة) مثال السالم من

стр. 100

المذكر والمؤنث المعرف باللام: قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) [الأحزاب: ٣٥] ومثال جمع الكثرة من المذكر والمؤنث الرجال والصواحب. وجمع القلة (١): الأفلس (٢) والأكباد، ومثال الجمع المعرف بالإضافة قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: ١١] وقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣] وقيل: إن الجمع المذكر لا يعم، فلا يفيد الاستغراق. واستدل للأول الذي عليه أكثر العلماء والصحيح عنهم بقول النبي ﷺ في ﴿السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين﴾ في التشهد: ﴿فإنكم إذا قلتم ذلك: فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض﴾ رواه البخاري ومسلم). فائدة: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٢٥٦): (علامة الاستغراقية أن يحل محلها "كل" ... (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ) [النور: ٥٩] احذف "أل" وضع مكانها "كل": وإذا بلغ كل أطفال منكم الحلم فليستأذنوا فصارت "أل" الاستغراقية من صيغ العموم). أل العهدية: قال عباس حسن في"النحو الوافي" (١/ ٤٢٣): (فأما"العهدية" فهي التي تدخل على النكرة فتفيدها درجة من التعريف تجعل مدلولها فردًا معينًا بعد أن كان مبهمًا شائعًا. وسبب هذا التعريف والتعيين يرجع لواحد مما يأتي: ١ - أن النكرة تذكر في الكلام مرتين بلفظ واحد، تكون في الأول مجردة من "أل" العهدية، وفي الثانية مقرونة "بأل" العهدية التي تربط بين النكرتين، وتحدد المراد من الثانية: بأن تحصره في فرد واحد هو الذي تدل عليه النكرة الأولى. نحو: نزل مطر؛ فأنعش المطر زروعنا. أقبلت سيارة، فركبت السيارة. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾. فكل كلمة من

стр. 101

الثلاث: "مطر - سيارة - رسول" وأشباهها قد ذكرت مرتين؛ أولاهما بغير "أل" فبقيت على تنكيرها، وثانيتهما مقرونة بأل العهدية التي وظيفتها الربط بين النكرتين ربطًا معنويًّا يجعل معنى الثانية فردًا محدودًا محصورًا فيما دخلت عليه وحده، والذي معناه ومدلوله هو النكرة السابقة ذاتها. وهذا التحديد والحصر هو الذي جعل الثانية معرفة؛ لأنها صارت معهودة عهدًا ذِكْريًّا، أي: معلومة المراد والدلالة، بسبب ذكر لفظها في الكلام السابق ذكرًا أدى إلى تعيين الغرض وتحديده بعد ذلك، وأن المراد في الثانية فردٌ معين؛ هو السابق، وهذا هو ما يسمى: "بالعهد الذِّكْري". ٢ - وقد يكون السبب في تعريف النكرة المقترنة بأل العهدية هو أن "أل" تحدد المراد من تلك النكرة، وتحصره في فرد معين تحديدًا أساسه علم سابق في زمن انتهى قبل الكلام، ومعرفة قديمة في عهد مضى قبل النطق، وليس أساسه ألفاظًا مذكورة في الكلام الحالي. وذلك العلم السابق ترمز إليه "أل" العهدية وتدل عليه، وكأنها عنوانه. مثال ذلك؛ أن يسأل طالب زميله: ما أخبار الكلية؟ هل كتبت المحاضرة؟ أذاهب إلى البيت؟ فلا شك أنه يسأل عن كلية معهودة لهما من قبل، وعن محاضرة وبيت معهودين لهما كذلك. ولا شيء من ألفاظ السؤال الحالية تشير إلى المراد إلا: "أل"؛ فإنها هي التي توجه الذهن إلى المطلوب. وهذا هو ما يسمى: "العهد الذهني" أو: "العهد العِلمي". ٣ - وقد يكون السبب في تعريف تلك النكرة حصول مدلولها وتحققه في وقت الكلام، بأن يبتدئ الكلام خلال وقوع المدلول وفى أثنائه؛ كأن تقول: "اليوم يحضر والدي". "يبدأ عملي الساعة"، "البرد شديد الليلة" ... تريد من "اليوم" و"الساعة" و"الليلة"؛ ما يشمل الوقت الحاضر الذي أنت فيه خلال الكلام. ومثل ذلك: أن ترى الصائد يحمل بندقيته فتقول له: الطائر. أي: أصبْ الطائر الحاضر وقت الكلام. وهذا هو"العهد الحضوري". فأنواع العهد ثلاثة: "ذِكْرِيّ"، و"ذهنيّ أو علميّ"، و"حضوري" ... ). قال السيوطي في "الإتقان " (١/ ٤٣٩): (العهدية إما أن يكون مصحوبها معهودا ذكريا نحو: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: ١٥، ١٦]، (فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ) [النور:

стр. 102

٣٥] وضابط هذه أن يسد الضمير مسدها مع مصحوبها أو معهودا ذهنيا نحو (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ) [التوبة: ٤٠] (إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح: ١٨] أو معهودا حضوريا نحو (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: ٣] (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) [المائدة: ٥] قال ابن عصفور وكذا كل واقعة بعد اسم الإشارة، أو أي في النداء وإذا الفجائية، أو في اسم الزمان الحاضر نحو الآن) (١). فائدة: قال ابن بدران في "نزهة الخاطر" (٢/ ٨٢): (ما عرف بلام العهد لا يكون عاما؛ لأنه يدل على ذات معينة نحو لقيت رجلا فقلت للرجل) (٢). وقال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٣/ ١٣٢): (و "لا" يعم " - أي: "اسم جنس معرف تعريف جنس" - مع قرينة عهد" اتفاقا. وذلك كسبق تنكير نحو قوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: ١٥، ١٦]؛ لأنه يصرفه إلى ذلك فلا يعم إذا عرف ونحو قوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) [الفرقان: ٢٧] ... ). وقال (٣/ ١٣٣): ("و"من صيغ العموم أيضا "مفرد محلى بلام غير عهدية لفظا " كالسارق والزاني والمؤمن والفاسق والعبد والحر عندنا وعند أكثر العلماء). وقال الجويني في "البرهان في أصول الفقه" (١/ ٢٣٣): (من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه فهو غير محمول على استغراق الجنس وفاقا). ونحو هذا كثير في كلامهم. أل التي لبيان الجنس: قال عباس حسن في"النحو الوافي" (١/ ٤٢٥): ("أل الجنسية" فهي الداخلة على نكرة تفيد معنى الجنس المحض من غير أن تفيد العهد. ومثالها؛ النجم مضيء بذاته، والكوكب يستمد الضوء من غيره ... فالنجم، والكوكب، والضوء، معارف بسبب دخول "أل" على كل منها، وكانت قبل دخولها نكرات "وشأن النكرات كشأن اسم الجنس لا تدل على واحد معين" وليس في الكلام ما يدل على العهد.

стр. 103

ولدخول "أل" هذه على الأجناس سميت: "أل" "الجنسية". وهى أنواع من ناحية دلالتها المعنوية، ومن ناحية إفادة التعريف. ١ - فمنها التي تدخل على واحد من الجنس فتجعله يفيد الشمول والإحاطة بجميع أفراده إحاطة حقيقة؛ لا مجازًا ولا مبالغة، بحيث يصح أن يحل محلها لفظة "كل" فلا يتغير المعنى، نحو: النهر عذب، النبات حي، الإنسان مفكر، المعدن نافع ... فلو قلنا: كل نهر عذب، كل نبات حي، كل إنسان مفكر، كل معدن نافع ... يحذف "أل" في الأمثلة كلها وضع كلمة: "كل" مكانها - لبقي المعنى على حالته الأولى. وما تدخل عليه "أل" من هذا النوع يكون لفظه معرفة؛ تجري عليه أحكام المعرفة، ويكون معناه معنى النكرة المسبوقة بكلمة: كل؛ فيشمل كل فرد من أفراد مدلولها، مثل كلمة "المَلِك" في قول الشاعر: إذا الملك الجبَّار صَعَّر خَدَّه ... مَشَيْنا إليه بالسيُوف نعاتبهْ (١) ٢ - ومنها التي تدخل على واحد من الجنس، فتجعله يفيد الإحاطة والشمول؛ لا بجميع الأفراد، ولكن بصفة واحدة من الصفات الشائعة بين تلك الأفراد ... نحو: أنت الرجل علمًا، وصالحٌ هو الإنسان لطفًا، وعليّ هو الفتى شجاعة. تريد: أنت كل الرجال من ناحية العلم، أي: بمنزلتهم جميعًا من هذه الناحية، فإنك جمعت من العلم ما تفرق بينهم؛ ويُعَدّ موزعًا عليهم بجانب علمك الأكمل المجتمع فيك؛ فأنت تحيط بهذه الصفة "صفة العلم" إحاطة شاملة لم تتهيأ إلا للرجال كلهم مجتمعين. وكذلك صالح من ناحية الأدب؛ فهو فيه بمنزلة الناس كلهم؛ نال منه ما نالوه مجتمعين. وكذلك علي؛ بمنزلة الفتيان كلهم في الشجاعة؛ أدرك وحده من هذه الصفة ما توزع بينهم، ولم يبلغوا مبلغه إلا مجتمعين. وحكم ما تدخل عليه "أل" من هذا النوع كحكم سابقه لفظًا ومعنى. ٣ - ومنها التي لا تفيد نوعًا من نوعي الإحاطة والشمول السابقين؛ وإنما تفيد أن الجنس يراد منه حقيقته القائمة في الذهن. ومادته التي تكوّن منها في العقل بغير نظر إلى ما ينطبق عليه من أفراد قليلة أو كثيرة، ومن غير اعتبار لعددها. وقد يكون بين

стр. 104

تلك الأفراد ما لا يَصدق عليه الحكم.، نحو: الحديد أصلب من الذهب، الذهب أنفس من النحاس. تريد: أن حقيقة الحديد "أي: مادته وطبيعته" أصلب من حقيقة الذهب "أي: من مادته وعنصره" من غير نظر لشيء معين من هذا أو ذاك؛ كمفتاح من حديد، أو خاتم من ذهب؛ فقد توجد أداة من نوع الذهب هي أصلب من أداة مصنوعة من أحد أنواع الحديد؛ فلا يمنع هذا من صدق الحكم السالف الذي ينص على أن الحديد في حقيقته أصلب من الذهب في حقيقته من غير نظر إلى أفراد كل منهما -كما سبق- إذ إنك لا تريد أن كل قطعة من الأول أصل من نظيرتها في الثاني؛ لأن الواقع يخالفه ومثل هذا أن تقول: الرجل أقوى من المرأة، أي: أن حقيقة الرجل وجنسه من حيث عنصره المتميز -لا من حيث أفراده- أقوى من حقيقة المرأة وجنسها من حيث هي كذلك، من غير أن تريد أن كل واحد من الرجال أقوى من كل واحدة من النساء؛ لأنك لو أردت هذا لخالفك الواقع. وهكذا يقال في: الذهب أنفس من النحاس، وفي: الصوف أغلى من القطن، وفي: الفحم أشد نارًا من الخشب ... وفي الماء، والتراب، والهواء، والجماد، والنبات. تقول: الماء سائل: أي: أن عنصره وطبيعته من حيث هي مادة تجعله في عِداد السوائل، من غير نظر في ذلك إلى أنواعه، أو أفراده، أو شيء آخر منه؛ فتلك حقيقته؛ أي: مادته الأصلية التي قام عليها. وتقول: التراب غذاء النبات، أي: أن عنصره وطبيعته كذلك؛ فهي حقيقته الذاتية، وماهيته التي عرف بها من حيث هي. وتقول: الهواء لازم للأحياء؛ أي: أن عنصره ومادته وحقيقته كذلك ... وهكذا. وتسمى "أل" الداخلة على هذا النوع "أل" التي للحقيقة، أو: للطبيعة، أو للماهية فلا علاقة لها بالإحاطة بالأفراد، أو بصفاتهم، أو بعدم الإحاطة. وتفيد ما دخلت عليه نوعًا من التعريف يجعله في درجة عَلَم كالجنس لفظًا ومعنى. فمعاني "أل الجنسية" إما إفادة الإحاطة والشمول بكل أفراد الجنس حقيقة، لا مجازًا، وإما إفادة الإحاطة والشمول لا بأفراد الجنس؛ وإنما بصفة من صفاته وخصائصه على سبيل المبالغة والادعاء ... وإما بيان الحقيقة الذاتية، دون غيرها.

стр. 105

فائدة - (كان يفعل): قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/١٠٦): (وقوله: (والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق فلا عموم له): الفعل بكل أقسامه يفيد الإطلاق فليس له عموم إلا بقرينة ولهذا إذا قلت: صام زيد يوم الاثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين!! إنما يدل على أنه صام يوم الاثنين فقط ولو مرة واحدة، لكن إن وجد قرينة فتعم، كما لو قيل: كان يصوم يوم الاثنين، فكلمة: "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، ونقول: فإن العموم منها بلفظ "كان " ... ). وقال الشيخ في منظومته في أصول الفقه وقواعده: (وكانَ تَأتي للدَّوَامِ غالباً ... وليس ذا بِلازِمٍ مُصَاحِباً). واعلم أن العلماء اختلفوا في صيغة الفعل المضارع إذا دخلت عليه "كان" ماذا تفيد على خمسة أقوال: الأول - أنها تفيد التكرار، وقد اختلف القائلون بهذا فجزم القاضي أبو بكر بأنها تقتضيه لغة، ونقل أبو الحسين في المعتمد عن عبد الجبار أنها تقتضيه عرفا لا لغة، وقال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٤٣٩): (وهو قوي جدا). الثاني - المواظبة والدوام. الثالث - العموم. الرابع - مطلق الفعل (١). الخامس - أنه لا تقتضي التكرار لا لغة ولا عرفا، واختاره في المحصول وقال النووي في شرح مسلم إنه المختار الذي عليه أكثر المحققين من الأصوليين. وجميعها أقوال في المذهب (٢)

стр. 106

ومن تتبع الأدلة الشرعية الوارد فيها استعمال صيغة (كان يفعل) يجد أن بعضها يدل على عدم التكرار، والبعض يدل على التكرار، وقد رأيت البعض يقول أن الأصل فيها أن تستعمل للمرة الواحدة، والتكرار يحتاج لدليل، والبعض يعكس ويقول أنها تستعمل للتكرار إلا لدليل. قال المرداوي في " التحبير" (٥/ ٢٤٣٩): (قال البرماوي: والتحقيق ما قاله ابن دقيق العيد: إنها تدل على التكرار كثيرا، كما يقال: كان فلان يقري الضيف، ومنه كان النبي أجود الناس. الحديث. ولمجرد الفعل قليلا من غير تكرر، نحو: كان النبي يقف بعرفات عند الصخرات، وقول عائشة: كنت أطيب النبي لحله وحرمه. ولم يقع وقوفه بعرفة وإحرامه وعائشة معه إلا مرة واحدة. ومنه: ما في سنن أبي داود بسند صحيح عن عائشة، وهي تذكر شأن خيبر: كان النبي يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص النخل. فهذا لا يمكن فيه التكرار؛ لأن فتح خيبر كان سنة سبع، وعبد الله بن رواحة قتل في غزوة مؤتة سنة ثمان). الترجيح: الأقوى عندي هو أن كان يفعل تدل على التكرار إلا لقرينة. العمل بالعام: قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (١٩/ ١٦٦): (العام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقى وهذا أيضا لا خلاف فيه. وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وذكروا عن أحمد فيه روايتين وأكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فإذا

стр. 107

غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض). وقد بحث هذه المسألة الشيخ عياض السلمي (١) حيث قال: (الذي يظهر لي بعد استعراض أهم الآراء وأدلتها أن الراجح هو التفريق بين العلماء المجتهدين الذين أحاطوا بغالب نصوص الشريعة، وحصلوا من العلم ما يمكنهم من معرفة مراد الشارع، وسبروا غور النصوص فعرفوا الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، وعرفوا مواطن الإجماع والاختلاف، والعوام ومن يلحق بهم من المنتسبين إلى الفقه الذين أخذوا من العلم ما لا يؤهلهم للفتيا وتولي القضاء. فالقسم الأول لا ينبغي الخلاف في أن أحدهم إذا بلغته آية عامة أو حديث عام ولم يبلغه ما يخصصه، مع تمرسه بالأدلة المنقولة والمعقولة، أنه يجب عليه العمل به إذا حان وقت العمل من غير توقف، ولا يجب عليه البحث عما عساه أن يجده من مخصص أو ناسخ. أما العوام ومن في حكمهم فليس لأحد منهم أن يفتي أو يحكم بالعموم على ظاهره؛ لأنهم ليسوا من أهل الفتيا والحكم، وليسوا مخاطبين بهما ... ويبدو لي أن الذين نقل عنهم المنع من العمل بالعام قبل البحث عن المخصص إنما منعوه لأحد أمرين: الأول: أنهم لا يقصدون بالبحث عن المخصص استقصاء موارد الأدلة جميعها، وإنما يقصدون مجرد التروي واسترجاع المعلومات السابقة لعرض الدليل العام عليها، فإن وجدوا فيها ما يخصصه خصصوه، وإلا عملوا به في عمومه. وهذا ظاهر من قول أبي زيد الدبوسي: (وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه، فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الأشباه، مع كونه حجة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطا حتى لا يحتاج إلى نقض ما أمضاه بتبين الخلاف) (٢).

стр. 108

الثاني: أنهم إنما منعوا ذلك خوفا من أن يقدم كل أحد على العمل بالعموم، والحكم به، وإن كان من غير أهل الاجتهاد، ولا شك أنه لو أذن لغير المجتهدين في أن يعملوا بالعموم من غير بحث عن المخصص لتعطل كثير من نصوص الشريعة الخاصة للجهل بها، وعدم البحث عنها ... ). فرع - هل يكفى غلبة الظن بعدم المخصص: قال ابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية" (ص/١٣): (إذا قلنا على رواية اختارها أبو الخطاب وغيره يمنع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص فهل يشترط حصول اعتقاد جازم بأنه لا مخصص أو يكفى غلبة الظن بعدمه فيه خلاف اختار القاضي أبو بكر الأول وابن سريج وإمام الحرمين والغزالي الثاني) ونص عبارة الغزالي في "المستصفى" (ص/٢٥٧): (والمختار عندنا أن تيقن الانتفاء إلى هذا الحد لا يشترط وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل غاية وسعه فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا وانتفاء الدليل في نفسه مظنون وهو الظن بالصحابة في المخابرة ونظائرها وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر). ولا شك أن من عجز عن تمام اليقين فليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه. العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: قال ابن اللحام في " القواعد والفوائد" (ص/ ٢٤٠): (إذا ورد دليل بلفظ عام مستقبل ولكن على سبب خاص فهل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب في ذلك مذهبان أحدهما العبرة بعموم اللفظ وهو قول أحمد وأصحابه ... والمذهب الثاني العبرة بخصوص السبب وذكره أبو العباس رواية عن أحمد ... وحكاه القاضي في الكفاية عن بعض أصحابنا ... ). والراجح القول الأول.

стр. 109

قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٠٩): (تحرير المقام في هذه المسألة أن العام الوارد على سبب خاص له ثلاث حالات: الأولى: أن يقترن بما يدل على العموم فيعم إجماعا كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨] لأن سبب نزولها المخزومية التي قطع النبي ﷺ يدها والإتيان بلفظ السارق الذكر يدل على التعميم وعلى القول بأنها نزلت في الرجل الذي سرق رداء صفوان بن أمية في المسجد فالإتيان بلفظ السارقة الأنثى دليل على التعميم أيضاً. الثانية: أن يقترن بما يدل على التخصيص فيخص إجماعا كقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب: ٥٠]. الثالثة: ألا يقترن بدليل التعميم ولا التخصيص وهي مسألة المؤلف. والحق فيها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيعم حكم آية اللعان النازلة من عويمر العجلاني وهلال. وآية الظهار النازلة في امرأة أوس بن الصامت وآية الفدية النازلة في كعب بن عجرة. وآية: (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) [النساء: ٧] النازلة في ابنتي سعد بن الربيعة. وهكذا. (تنبيه) فان قيل: ما الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فالجواب: أن ذلك دل عليه الوحي واللغة أما الوحي فان هذه المسألة سئل عنها رسول الله ﷺ فأفتى بذلك , وذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤] الآية. قال للنبي: ألي هذا وحدي يا رسول الله. ومعنى ذلك هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي ﷺ بأن العبرة بعموم لفظ: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لا بخصوص السبب حيث قال له: (بل لأمتي كلهم) وهو نص نبوي في محل النزاع. ومن الأحاديث الدالة على ذلك أنه ﷺ لما أيقظ علياً وأمره وفاطمة بالصلاة من الليل، وقال له على ﵁: إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا ولي ﷺ يضرب فخذه ويقول: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)

стр. 110

[الكهف: ٥٤]، فجعل عليا داخلاً فيها مع أن سبب نزولها الكفار الذين يجالدون في القرآن. وخطابه ﷺ لواحد كخطابه للجميع كما تقدم ما لم يقم دليل على الخصوص. وأما اللغة فان الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه لا يختص الطلاق بالطالبة التي هي السبب ... ).
следующие страницы →