← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2048

المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (253 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الله عليه وسلم -. وأما الذي يقتدي به في هذا فهو عمر ﵁، ثاني الراشدين، اللذين أمرنا أن نقتدي بسنتهم، وهذا من سنتهم. القسم الثاني: الفعل الذي له علاقة بالعبادة . وهو ما وقع في أثناء العبادة، أو في وسيلتها، أو قبلها قريبا منها، أو بعدها كذلك. فمما وقع في أثناء العبادة نزوله ﷺ بالمحصب ليلة النفر، وقبض الأصابع الثلاث في التشهد، ووضعها على الأرض مضمومة في السجود، وجلسة الاستراحة بعد الركعة الأولى وبعد الثالثة، والتطيب للإحلال من الإحرام، واتكاؤه ﷺ أثناء الخطبة على قوس أو عصا، ولبس النعلين في الصلاة، يحتمل أنه فعله لكونه من سنة الصلاة، ويحتمل أنه فعله على سبيل الجواز فقط، كما يلبس في الصلاة قطنا أو صوفا أو غير ذلك. ومما وقع في وسيلة العبادة دخوله مكة من طريق كُدَيّ، وخروجه من طريق كَدَاء ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة، وطوافه ﷺ بالبيت راكبا على بعير، وكذلك في السعي بين الصفا والمروة، ووقوفه في الموقف بعرفات على بعير، وعودته ﷺ من صلاة العيد من طريق غير طريق الذهاب، وذهابه إلى العيد ورجوعه منه ماشيا، ووقوع صلاته في السفر في مواضع معينة. ومما وقع قبل العبادة قريباً منها: اضطجاعه ﷺ قبل صلاة الفجر بعد أن يصلي النافلة. ومما وقع بعد انتهاء العبادة انصرافه ﷺ من الصلاة عن يمينه أو عن يساره. فهذا القسم الثاني وهو ما له صلة بالعبادة، بأنواعه الأربعة أعلى من القسم الذي قبله، والقول بالندب فيه أظهر من القسم الأول، وهو ما لا صلة له بالعبادة. فإذا انضم إلى صلته بالعبادة عنصر التكرار والمواظبة عليه قوي القول بالندب فيه).

стр. 177

الفعل العادي: قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٣٧) ما ملخصه: (نقصد بالفعل (العادي) في هذا المبحث ما فعله النبي ﷺ جريا على عادة قومه ومألوفهم، مما يدل (١) دليل على ارتباطه بالشرع، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن، أو العوائد الجارية ببن الأقوام في المناسبات الحيوية، كالزواج والولادة والوفاة. ومن أمثلتها أنه ﷺ لبس المِرْط المُرَحّل، والمخَطط، والجبّة، والعمامة، والقباء. وأطال شعره، واستعمل القرب الجلدية في خزن الماء، وكان يكتحل، ويستعمل الطيب والعطور. وحكم هذه الأمور العادية وأمثالها، كنظائرها من الأفعال الجبلية، والأصل فيها جميعا أنها تدل على الإباحة لا غير، إلا في حالين: ا- أن يرد قول يأمر بها أو يرغب فيها، فيظهر أنها حينئذ تكون شرعية. ٢ - أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قولية، كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة، فإن ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء به). الفعل الخاص به ﷺ : المقصود بالخصائص النبوية هنا ما كان حكماً شرعيا لفعل من أفعاله ﷺ ، في هذه الدنيا، مما ينفرد به عن أمته، سواء شاركه فيه غيره من الأنبياء، أو لم يشاركه فيه منهم أحد. قال ابن مفلح في "أصوله" (١/ ٣٢٨): (وما اختص به كتخييره نساءه بينه وبين الدنيا، وزياد ته منهن على أربع، ووصاله الصوم- فمختص به اتفاقًا). الفعل التعبدي: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٤٤٣): (وهذا يشتبه كثيرًا بالثاني والأول، فإن الرسول ﷺ قد يفعل فعلاً فيشتبه على الإنسان، هل فعله تعبدًا أو فعله من أجل العادة أو فعله بمقتضى الجبلة فلا بد من

стр. 178

تمييز فيقال: ما ظهر فيه ملائمته للنفس فهو جِبِلَّة، وما ظهر منه موافقة للعادة بحيث يقدر الذِّهْنُ أن الناس لو كانوا لا يفعلون هذا ما فعله، أو لو كانوا يفعلون شيئًا آخر لفعله حكمنا بأنه عادة، وما ظهر فيه قصد التعبد بحيث لا يكون ملائمًا لمقتضى الجبِلَّة، ولا موافقًا للعادة فالظاهر أنه إنما فعله على سبيلِ التعبد، ولكن لو بقي الأَمر عليك مشكلاً فهل تقول الأصل أن ما فعله فهو عبادة أو تقول: الأصل المنع حتى يقوم دليل على قصد التعبد؛ لأن العبادة لا تشرع إلا بدليل واضح، فإن لم يكن هناك دليل واضح فالواجب ألا تقدم على التعبد بها لله تعالى، وهذا هو الأقرب. وعُلم من قول المؤلف: (حتى يحصل البلاغ) أنه لو حصل البلاغ بغير الفعل لم يكن الفعل واجبًا، لكن إذا قُدِّر أنه لا طريق لعلم الأمة بمشروعية هذا الفعل إلا فعل الرسول ﷺ كان فعلُ الرسول ﷺ واجبًا؛ يعني يجب عليه أن يفعل من أجل إبلاغ الشرع. علمنا الوجوب من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧]، ولقوله تعالى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) [الشورى: ٤٨] والآيات في هذا المعنى متعددة. بعد أن يحصل البلوغ ويعلم الناس به يكون مندوبًا في حقه وحقنا، وهذا هو أصح الأقوال، وهناك قول: أنه يجب علينا وعليه، وهناك قول: أنه يندب لنا وله، فالأقوال إذًا ثلاثة: قول: إنه يجب علينا وعليه. وقول آخر: يندب لنا وله. وقول ثالث: وهو الصحيح يجب عليه ويندب لنا). وقال في "الأصول" (ص/٥٧): (ما فعله تعبداً فواجب عليه حتى يحصل البلاغ لوجوب التبليغ عليه، ثم يكون مندوباً في حقه وحقنا على أصح الأقوال، وذلك لأن فعله تعبداً يدل على مشروعيته، والأصل عدم العقاب على الترك فيكون مشروعاً لا عقاب في تركه، وهذا حقيقة المندوب. مثال ذلك: حديث عائشة أنها سئلت بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: (بالسواك)، فليس في السواك عند دخول البيت إلا مجرد الفعل،

стр. 179

فيكون مندوباً). الفعل البياني: البيان واجب على النبي ﷺ لقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤]، وحكم الفعل البياني يكون بحسب ما هو بيان له، فإن كان الفعل بيانا لآية دالة على الوجوب، دل على الوجوب، وإن كان المبين ندبا كان الفعل البياني ندبا، وإن كان إباحة كان الفعل مباحا. قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١٤٦٢): (قوله: ﴿وما كان بيانا بقوله ﷺ كقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وفعله عند الحاجة كقطع السارق من الكوع﴾، وإدخال المرافق والكعبين في الغسل، ﴿فبيان﴾ لقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، ولقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦]، وهذا متفق عليه عند العلماء، وواجب عليه الإعلام به، لوجوب التبليغ عليه. فإن قلت: لا يتعين التبليغ بالفعل. قلت: لا يخرج ذلك عن كونه واجبا، فإن الواجب المخير توصف كل من خصاله بالوجوب. قال العضد: (ومعرفة كونه بيانا، إما بقول، وإما بقرينة. فالقول نحو: (خذوا عني مناسككم)، و (صلوا كما رأيتموني أصلي). والقرينة مثل: أن يقع الفعل بعد إجمال: كقطع يد السارق من الكوع دون المرفق والعضد، بعدما نزل قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، والغسل إلى المرافق بإدخال المرافق أو إخراجها بعدما نزلت: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:٦] انتهى) (١). قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٩٣): (يمثل كثير من الأصوليين للفعل البياني بصلاة النبي ﷺ ، ويجعلونها بيانا لآيات الأمر بإقام الصلاة، وبحجه ﷺ ، ويجعلونه بيانا لآية: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران: ٩٧] ويقولون: إن دليل كون صلاته ﷺ

стр. 180

- وحجه، بياناً للآيتين هو الطريق القولي، وهو قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي). وقوله: (خذوا عني مناسككم). ففي الصلاة كان ﷺ يقوم فيرفع يديه حذو منكبيه، ويكبِّر، ثم يضع يديه على صدره، ثم يقرأ الفاتحة وسورة سرا في بعض الصلوات، وجهرا في بعضها ... إلى آخر ما يذكر في صفة صلاته ﷺ . ومن المعلوم أن ذلك كله ليس بواجب، بل قد قال ابن قدامة: " إن أكثر أفعال النبي ﷺ في الصلاة مسنونة غير واجبة ". وكذلك صفة أداء المناسك من طوافِ القدوم، والرمل، والاضطباع، وركعتي الطواف، والصلاة داخل الكعبة، والشرب من ماء زمزم، والسعي مع الهرولة، إلى غير ذلك. فما يقوله جمهور الأصوليين، من أن الفعل الواقع بيانا لواجب فهو واجب، مشكل؛ لأنه يقتضي أن جميع ما فعله ﷺ في الصلاة التي صلاها بيانا هو واجب، وكذلك جميع أفعاله في أخذ الزكاة، وفي الحج، وغير ذلك مما فعله بياناً. وهذا ما لا يقول به من الفقهاء أحد. وقد أجاب به أبو شامة: سلمنا أن الحديث يدل على أن صلاته ﷺ بيان، لكنها بيان للصلاة المطلوبة من المسلمين، بواجباتها وسننها وما يجوز فيها، فلماذا يحمل فعله ﷺ على أنه للوجوب خاصة؟. بل الناتج من كون صلاته بياناً أن يكون كله فعل فعله ﷺ في الصلاة دائراً بين هذه الأنواع الثلاثة، والعمدة في تمييز بعضها عن بعض إما القول، وإما الإجماع، وإما القرائن الأخرى، ولا يصلح الفعل وحده دليلاً).

стр. 181

التقرير: تعريف الإقرار (١): هو كف (٢) النبي- ﷺ عن الإنكار على ما علم به من قول، أو فعل. شروط صحة دلالة التقرير (٣): الشرط الأول - أن يعلم النبي ﷺ بالفعل، سواء سمعه، أو رآه مباشرة، وهو الأكثر من الأقارير المحتج بها، أو حصل في غيبته ونقل إليه كما نقل إليه خبر تأخيرهم لصلاة العصر حتى غربت الشمس يوم بني قريظة. ومما يقوم مقام العلم أن يشيع الفعل وينتشر ويكثر وقوعه بين الصحابة فيكون مثل هذا الفعل حجة. الشرط الثاني - أن يكون المقَر منقادا للشرع، بأن يكون مسلما سامعا مطيعا، أما إن كان كافرا، فإن تقريره لا يدل على رفع الحرج، وقد أقر النبي ﷺ اليهود والنصارى على بِيَعهم وكنائسهم وعلى عباداتهم. الشرط الثالث - أن لا يكون قد علم من حاله ﷺ إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه، حتى استقر ذلك شرعا ثابتا، وحكما راسخا لا يحتمل التغيير ولا النسخ. وذلك كعبادة غير الله ونكاح المحارم. الشرط الرابع - أن لا يمنع من الإنكار مانع سوى ما تقدم. فإن وجد مانع صحيح أمكن إحالة الإقرار عليه، فلا يكون حجة. ومن هذه الموانع أن يسكت النبي - صلى

стр. 182

الله عليه وسلم - في انتظار الوحي، ويعلم ذلك من حاله، فلا يكون سكوته قبل البيان حجة على انتفاء الحرج عن الفعل. تقرير الله - تعالى - (١): لابد من تقييد كون إقرار الله حجة أن ينتشر الفعل ويكثر وقوعه بين الصحابة. قال الشيخ عياض السلمي في "شرح الورقات": (إقرار الله -جل وعلا- بمعنى عدم نزول ما يخالف ذلك، وعدم تكلم الرسول ﷺ بما يخالف ما هو موجود، فهذا تكلم عنه بعض الأصوليين على ندرته، وقلة الذين تكلموا فيه، لكن له أصل، وأصله ما ثبت عن جابر ﵁ أنه قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه)، فهذا دليل على أنه يرى أن عدم نزول القرآن بالنهي عن واقعة كثيرة الحصول في المجتمع المسلم في عهد الرسول ﷺ وعدم بيان المنع منها أو النهي عنها دليل على أنها جائزة، استدل على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلون ذلك، وأنه كان أمر مشتهراً؛ ولهذا فيمكن أن نقول: أنه إذا فعل الصحابة - رضوان الله عليهم - شيئًا وكثر ذلك فيهم، ولم يأت قرآن يدل على المنع منه، ولم يمنع منه الرسول ﷺ فيكون هذا من باب التقرير، لكن لابد من شرطه وهو: أن يكون كثير الوقوع، ولا يصح أن نقول أن كل من فعل فعلاً من الصحابة أو ممن كان على عهد الرسول ﷺ حتى من الأعراب الذين لم يَفِدُوا عليه، كل من فعل فعلاً في عهد الرسول ولم يأت القرآن بالمنع منه فيكون جائزاً، هذا ما أعرف أحداً يقول به، وإن وجد من يقول به ففي ظني أنه غير صحيح، لا نقول: إن كل ما كان موجوداً ولو على ندرة أنه إذا لم ينزل قرآن بالنهي عنه ولم يتكلم الرسول في النهي عنه فمعنى هذا أنه جائز، هذا غير صحيح، لكن حينما يكثر ذلك ويشتهر يكون إقراراً إما من الله -جل وعلا- أو من رسوله ﷺ ، فلابد فيه من الكثرة ومن الاشتهار ... ).

стр. 183

أقسام الإسناد باعتبار من أسند إليه: المرفوع: المرفوع هو: (ما أضيف إلى النبي ﷺ حقيقة، أو حكماً فالمرفوع حقيقة: قول النبي ﷺ وفعله (١)). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٤٥٩): (سمي مرفوعا لارتفاع رتبته بنسبته إلى النبي ﷺ ؛ ولأن الصحابي رفعه إلى منتهاه وهو الرسول ﷺ ، فالمرفوع حقيقة قول النبي ﷺ وفعله وإقراره، فمثال قوله: (إنما الأعمال بالنيات)، (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (من غشنا فليس منا)، ومثال فعله ﷺ : (كان إذا سجد فرج بين يديه)، و (كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة)، ومثال إقراره: كإقراره الجارية على قولها إن الله في السماء، وكإقراره الرجل على ختم الصلاة بقل هو الله أحد). المرفوع حكما: قال ابن حجر في "النخبة" (ص/٤٩): (ومثال المرفوع من القول حكما لا تصريحا: أن يقول الصحابي - الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات - ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب؛ كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء ((عليهم الصلاة والسلام))، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة. وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص. وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبرا له، ومالا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقِفا للقائل به، ولا موقِف للصحابة إلا النبي ﵌، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني، وإذا كان كذلك؛ فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﵌؛ فهو مرفوع؛ سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة).

стр. 184

وقد ذكر الشيخ العثيمين ﵀ في شرحه للبيقونية بعض الضوابط للمرفوع حكما فقال (ص/٥١): (والعلماء قالوا في الضابط في المرفوع حكماً، هو الذي ليس للاجتهاد، والرأي فيه مجال، وإنما يؤخذ هذا عن الشرع. مثل: ما إذا حدَّث الصحابي عن أخبار يوم القيامة، أو الأخبار الغيبية، فإننا نقول فيه: هذا مرفوع حكماً؛ لأنه ليس للاجتهاد فيه مجال. وكذلك لو أن الصحابي فعل عبادة لم ترد بها السنة، لقلنا هذا أيضاً مرفوع حكماً. ومثَّلوا لذلك بأن علي بن أبي طالب ﵁ صلى في صلاة الكسوف، في كل ركعة ثلاث ركوعات، مع أن السنة جاءت بركوعين في كل ركعة، وقالوا: هذا لا مجال للرأي فيه، ولا يمكن فيه اجتهادٌ، لأن عدد الركعات أمرٌ توقيفي يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، فلولا أن عند علي بن أبي طالب ﵁ علماً بهذا ما صلى ثلاث ركوعات في ركعة واحدة، فهذا مرفوعٌ حكماً؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه. وكذلك إذا قال الصحابي: من السنة كذا، فإنه مرفوع حكماً؛ لأن الصحابي إذا قال: من السنة، فإنما يعني به سنة الرسول ﷺ ، كقول ابن عباس ﵄ حين قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة وجهر بها، قال: لتعلموا أنها سنة، أو ليعلموا أنها سنة. وكما قال أنس بن مالك ﵁: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعاً، فهذا وأمثاله يكون من المرفوع حكماً؛ لأن الصحابي لا يُضيف السنة إلا إلى سنة الرسول ﷺ (١).

стр. 185

وأيضاً لو أخبر أحدٌ من الصحابة عن الجنة والنار لقلنا: هذا مرفوعٌ حكماً، إلا أنه يُشترط في هذا النوع: ألا يكون الصحابي ممن عُرف بكثرة (١) الأخذ عن بني إسرائيل، فإن كان ممن عُرفوا بذلك، فإنه لا يُعتبر له حكم الرفع؛ لاحتمال أن يكون ما نقله عن بني إسرائيل، وهؤلاء كثيرون أمثال: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فإنه أخذ جملة كبيرة عن كتب أهل الكتاب، في غزوة اليرموك، مما خلَّفه الروم أو غيرهم، لأن في هذا رخصة، فإذا عُرف الصحابي بأنه ينقل عن بني إسرائيل، فإنه لا يكون قوله مرفوعاً حكماً .... كذلك من المرفوع حكماً، إذا نسب الشيء إلى عهد النبي ﷺ فقيل: كانوا يفعلون كذا في عهد النبي ﷺ ، فهذا من المرفوع حكماً. وأمثلته كثيرة: مثل قول أسماء بنت أبي بكر ﵄ نحرنا في عهد النبي ﷺ فرساً في المدينة وأكلناه. فهنا لم تصرح بأن النبي ﷺ علم به، لأنها لو صرحت به لكان مرفوعاً صريحاً، فإذاً هو مرفوع حكماً. ووجه ذلك: أنه لو كان حراماً ما أقره الله تعالى، فإقرار الله له يقتضي أن يكون حجة - وقد علمت فيما سبق - أن من العلماء من يقول: هذا ليس مرفوعاً حكماً، ولكنه حجة، وقال: إنه ليس مرفوعاً لأن النبي ﷺ لم يعلم به، لكنه حجة لأن الله تعالى علم به فأقره (٢). كذلك من المرفوع حكماً ما إذا قال الصحابي: روايةً. مثاله: اتصل السند إلى الصحابي فقال: عن أبي هريرة رواية: من فعل كذا وكذا، أو من قال كذا وكذا، فإن هذا من المرفوع حكماً؛ لأن قول الصحابي رواية، لم يصرح أنها رواية عن النبي ﷺ ، لكن لما كان الغالب أن الصحابة يتلقون عن الرسول ﷺ ، جعله العلماء من المرفوع حكماً.

стр. 186

كذلك من المرفوع حكماً: إذا قال التابعي عن الصحابي: رفعه إلى النبي ﷺ ، مثل ما يقوله بعض التابعين: عن أبي هريرة يرفعه، أو عن أبي هريرة رفعه، أو عن أبي هريرة يبلغ به، كل هذا من المرفوع حكماً وذلك لأنه لم يصرح فيه بنسبته إلى النبي ﷺ . وزاد الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٦١): (ومنه قول الصحابي: أمِرنا أو نهينا، أو نحوهما؛ كقول ابن عباس ﵄: أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض. وقول أم عطية: نهينا عن إتباع الجنائز، ولم يعزم علينا). وقال ابن حجر في "النزهة" (ص/٥١): (ويلتحق بقولي: ((حكما))؛ ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه ﵌؛ كقول التابعي عن الصحابي: يرفع الحديث، أو: يرويه، أو: ينميه، أو: رواية، أو: يبلغ به، أو: رواه. وقد يقتصرون على القول مع حذف القائل، ويريدون به النبي ﵌؛ كقول ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: (تقاتلون قوما) الحديث. وفي كلام الخطيب أنه اصطلاح خاص بأهل البصرة ... ثم قال: (ومن ذلك: أن يحكم الصحابي على فعل من الأفعال بأنه طاعة لله ((تعالى)) أو لرسوله ﵌، أو معصية؛ كقول عمار: ((من صام اليوم الذي يشك فيه؛ فقد عصى أبا القاسم ( ﷺ ) فلهذا حكم الرفع أيضا؛ لأن الظاهر أن ذلك مما تلقاه عن النبي ﵌.

стр. 187

الموقوف: الموقوف هو: (ما يروى (١) عن الصحابة ﵃ من أقوالهم وأفعالهم (٢)، ما لم يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ (٣) -). فائدة: هل تقرير الصحابي حجة: ليس المقصود أن ذلك حجة ملزمة كالكتاب والسنة، وإنما المقصود أنه دلالة على ذهاب الصحابي إلى هذا القول - وسيأتي قريبا الكلام عن حجية قول الصحابي -. قال الشيخ عبدالله الفوزان في "تيسير الوصول إلى قواعد الأصول ومعاقد الفصول": (لا ينسب لساكت قول، ثم إنه لا يجزم بأن هذا الساكت بلغه ذلك القول، أو يكون بلغه وقام مانع من الاعتراض، إمَّا لهيبة القائل، أو لأنه لا يرى الإنكار في مسائل الاجتهاد، أو لكونه يخاف على نفسه، أو أنه أنكر ولم يبلغنا إنكاره، إلى غير ذلك من الاحتمالات الواردة في مثل هذه الحال. وقد جعل المصنف المسألة عامة في مجتهدي الأعصار، وبعض الأصوليين يخص ذلك بالصحابة ﵃ دون من بعدهم؛ لأن منصبهم الشريف لا يقتضي السكوت في موضع المخالفة). وهذا الأخير هو الراجح عندي، فروى الشيخان من عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) ونحن نشهد بالله أنهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئاً منه مخافة سوط ولا عصاً ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم، وعليه فتقرير الصحابي قول له.

стр. 188

حجة قول (١) الصحابي: تحرير محل النزاع: قول الصحابي إما أن يثبت له حكم الرفع أو لا؟ والأول سبق الكلام عنه، وكلامنا فيما لم يثبت له حكم الرفع - وهو لا يخلو من أن يشتهر، أو لا يشتهر، أو لا يعلم اشتهر أم لم يشتهر. - والأول وهو ما اشتهر من أقوالهم: إما أن يوافقه سائر الصحابة على ذلك، أو يخالفوه، أو لا ينقل لنا كلامهم في ذلك. - فإن اشتهر قوله ووافقه الصحابة فهو إجماع وهو حجة باتفاق. - وإن اشتهر فخالفوه، فهنا ثلاث مسائل: الأولى - أن قول بعضهم ليس حجة على بعض: قال الجويني: [واجمعوا أن قول الصحابي لا يكون حجة على الصحابي] (٢). قال الآمدي: [اتفق الكل على أن مذهب الصحابة في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماماً كان أو حاكماً أو مفتياً] (٣). قال الشوكاني: [اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر. وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر والآمدي وابن الحاجب وغيرهم] (٤). قال الشنقيطي: [قول الصحابي الذي ليس له حكم الرفع ليس بحجة على مجتهد آخر من الصحابة إجماعاً] (٥). الثانية - ألا نخرج عن أقوالهم: قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول: (إذا كان في المسألة عن النبي صلى الله عليه

стр. 189

وسلم حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله ﷺ قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم) (١) - وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان - بإذن الله - في باب الإجماع -. الثالثة - أننا نرجح من بين أقوالهم ما ترجحه القرائن. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ١٤): (وان تنازعوا - أي الصحابة - رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء). - وأما أن يشتهر ولا يعلم له مخالف أو موافق فهذا هو الإجماع السكوتي، وهو حجة ظنية على الراجح من أقوال العلماء. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ١٤): (وأما أقوال الصحابة فان انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء). وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا؟. فهذا هو موطن النزاع. الأقوال في المسألة: اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة تزيد على الستة أقوال، ولن استطرد في تتعبها - حتى لا نخرج عن المقصود - وسأكتفي بذكر أقوال المذاهب الأربعة: المشهور عن الأحناف القول بحجية قول الصحابي مطلقا، والقول بحجية قول الصحابي قول مشهور عن مالك وقد نسبه إليه كثير من المالكية، وذكر القاضي عبد الوهاب المالكي أن الأصح الذي يقتضيه مذهب مالك أن قول الصحابي ليس بحجة. للإمام الشافعي ﵀ قولان في المسألة: القول الأول: القديم ولا يختلف أصحابه أنه يرى الاحتجاج بقول الصحابي في قوله القديم. القول الثاني: الجديد وهو القول بعدم حجية قول الصحابي وقد اختلف في نسبة

стр. 190

هذا القول للشافعي ﵀ وأكثر أتباعه ينقلون عنه ذلك. للإمام أحمد ﵀ قولان في المسألة: الأول: أن قوله ليس حجة وقد أومأ إلى هذا في عدة روايات منها: ١ - ونقل المروذي عنه أنه قال في حد قاذف أم الولد: " ابن عمر يقول على قاذف أم الولد الحد (١) وأنا لا أجترئ على ذلك إنما هي أمة أحكامها أحكام الإماء " (٢). ٢ - ونقل عنه الميموني أنه سأله عن المسح على القلنسوة؟ فقال: ليس فيه عن النبي ﷺ شيء وهو قول أبي موسى (٣) وأنا أتوقاه " (٤). القول الثاني: أن قوله حجة: ١ - قال في رواية أبي طالب: في أموال المسلمين إذا أخذها الكفار ثم ظهر عليه المسلمون فأدركه صاحبه فهو أحق به، وإن أدركه وقد قسم فلا حق له كذا قال عمر ولو كان القياس كان له ولكن كذا قال عمر) (٥). ٢ - ونقل عنه أبو الحارث: (ترك الصلاة بين التراويح واحتج بما روي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء فقيل له فعن سعيد والحسن أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح فقال: أقول لك أصحاب النبي وتقول التابعون) (٦). والروايات عن أحمد في هذا القول كثيرة جداً وظاهرة. الأدلة والترجيح: الراجح عندي أن قول الصحابي حجة. وقد ذكر الشيخ ترحيب الدوسري في رسالته: "حجية قول الصحابي عند السلف" أدلة على حجية قول الصحابة. ومن ذلك:

стр. 191

١ - ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من وجوه متعددة أنه قال:- (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقاً. وذلك يقتضي تقديمهم في كل بابٍ من أبواب الخير. وإلا لو كانوا خيراً من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقاً. فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأوا هم لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن. ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولاً ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة. ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء فكيف يكونون خيراً ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما أخطأوا فيه. ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها. ٢ - ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال:- صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ فقلنا لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا. فخرج علينا. فقال:- (ما زلتم ههنا). فقلنا:- يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال:- (أحسنتم وأصبتم) - ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء -. فقال:- (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء. ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم.

стр. 192

- وأيضاً - فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزاً من الشر وأسبابه. فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحرزاً لهم. وهذا من المحال. الآثار السلفية: ١ - ما قاله عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيدالله ﵄ حينما رآه لابساً ثوباً مصبوغاً وهو محرم:- (إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ... ) (١) ٢ - قول إبراهيم النخعي:- لو بلغني أنهم - يعنى الصحابة - لم يجاوزوا بالوضوء ظفراً لما جاوزته به. ٤ - قول الشعبي:- ما حدثوك به عن أصحاب محمد ﷺ فخذه. وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش. - وقد حكى العلائي إجماع التابعين على الاحتجاج بقول الصحابي فقال: (إن التابعين أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم، والفتيا به، من غير نكير من أحد. وكانوا من أهل الاجتهاد أيضاً) (٢). تعريف الصحابي: الصحابي هو: (من اجتمع بالنبي ﷺ ولو جنيا مؤمناً به ومات على ذلك) (٣). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٤٦٩): ((وقوله: (من اجتمع بالنبي ﷺ ): سواء رآه أم لم يره، وسواء سمعه

стр. 193

أم لم يسمعه، فلو قدر أن رجلا أعمى أصم اجتمع بالرسول ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك فهو صحابي وإن لم يره ويسمعه، ولا يشترط أن يراه النبي ﷺ فلو حضر مجلسا فيه رسول الله ﷺ فهو صحابي (١). وقوله: (اجتمع بالنبي): هذا قيد لابد منه، فهو وصف أي أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال كونه نبيا، فإن اجتمع به قبل أن يرسل مؤمنا بأنه سيبعث ثم لم يره بعد أن بعث فليس بصحابي، فلابد أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال نبوته. س: وهل يشمل من اجتمع به بعد موته وقبل دفنه - يعني حضر وصلى على النبي ﷺ ؟ ج: في هذا خلاف: فمنهم من يقول: إنه إذا حضر النبي ﷺ بعد موته وقبل دفنه فهو صحابي؛ لأن نبوته ﷺ لا تنقطع بموته. ومنهم من قال: ليس بصحابي؛ لأنه اجتمع بالنبي ﷺ وهو ميت. وانتفاء الصحبة في هذه الحال واضح جدًا بخلاف ما لو اجتمع به وهو حي وهذا هو الأقرب أنه لا بد أن يكون النبي ﷺ حيًا (٢) ...

стр. 194

ولابد أيضًا أن يكون مؤمنًا به (١) فإن كان مؤمنًا بغيره كما لو اجتمع به نصراني يؤمن بالأديان السابقة. لكن لم يؤمن بالرسول إلا بعد موت الرسول ﷺ فلا يكون صحابيًا. وقوله: (ومات على ذلك): فإن مات على الردة فليس بصحابي؛ لأن الردة تبطلِ جميع الأعمال، قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: ٢٣] والردة تمحو حتى الإسلام فضلاً عن الصحبة، فإن ارتد ثم عاد إلى الإِسلام فإن الأصح من أقوال أهل العلم أن صحبته تعود (٢)؛ لأن الله تعالى اشترط لبطلان العمل بالردة أن يموت الإنسان على ردته فقال الله : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة: ٢١٧]). وقال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٢/ ٤٧١): ((ولو جنيا في الأظهر) أي ولو كان من لقي النبي ﷺ مسلما جنيا في الأظهر من قولي العلماء ليدخل

стр. 195

الجن الذين قدموا على النبي ﷺ من نصيبين وأسلموا، وهم تسعة أو سبعة من اليهود بدليل قوله تعالى: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) [الأحقاف: ٣٠] وذكر في أسمائهم: شاص، وماص، وناشى، ومنشى، والأحقب، وزوبعة، وسرق، وعمر، وجابر. وقد استشكل ابن الأثير في كتابه " أسد الغابة " قول من ذكرهم من الصحابة. فإن بعضهم لم يذكرهم في الصحابة، وبعضهم ذكرهم قال في شرح التحرير قلت: الأولى أنهم من الصحابة. فإنهم لقوا النبي ﷺ وآمنوا به وأسلموا، وذهبوا إلى قومهم منذرين). المقطوع: المقطوع هو: (ما أضيف إلى التابعي فمن بعده). قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (٢/ ٢٢٤): (المقطوع وهو: ما ينتهي إلى التابعي قولا وفعلا ومن دون التابعي كذلك من أتباع التابعين فمن بعدهم فيه - أي التسمية - مثله - أي (مثل) ما ينتهي إلى التابعي). وإقرار التابعي فمن دونه ليس بحجة. تعريف التابعي: التابعي هو: (من اجتمع بالصحابي مميزا مؤمناً بالنبي ﷺ ومات على ذلك) (١). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٤٧١): (وظاهر كلام العلماء أنه لا تشترط طول الصحبة بين التابعي والصحابي، وأنه لو جلس معه ساعةً أو ساعتين ثم فارقه ولم يره بعد ذلك فهو تابعي). فرع - هل يشترط أن يكون من لقى الصحابي مميزا حتى يحكم له بأنه تابعي ؟ اشترط ذلك ابن حبان فقال في كتاب "الثقات" (٦/ ٢٧٠) في ترجمة خلف بن خليفة: (قال خلف بن خليفة: كنت في حجر أبى إذ مر رجل على بغل أو بغلة فقيل هذا عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ قال أبو حاتم ﵁ لم يدخل خلف بن خليفة في التابعين وإن كان له رؤية من الصحابة لأنه رأى عمرو بن

стр. 196

حريث وهو صبي صغير ولم يحفظ عنه شيئا فان قال قائل: فلم أدخلت الأعمش في التابعين وإنما له رؤية دون رواية كما لخلف بن خليفة سواء؟ يقال له: إن الأعمش رأى أنسا بواسط يخطب والأعمش بالغ يعقل وحفظ منه خطبته ورآه بمكة يصلى عند المقام وحفظ عنه أحرفا حكاها فليس حكم البالغ إذا رأى وحفظ كحكم غير البالغ إذا رأى ولم يحفظ). وقد سبق في مبحث تعريف الصحابي إلحاق محمد بن أبي بكر المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام برتبة الصحابة اصطلاحا، وهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه ولكن صدق أن النبي ﷺ رآه ويكون صحابيا من هذه الحيثية خاصة، ومثل هذا الحكم لا يصح تعديته إلى غيره ﷺ لعدم صحة قياس النبي ﷺ على غيره. وعليه فكلام ابن حبان له وجه. والراجح في حديث هذه الطبقة من غير المميزين لرؤية الصحابي أنه من قبيل المعضل على أحسن أحواله سواء ألحقناهم بطبقة التابعين حكما أم بتابعيهم حقيقة. أقسام الخبر باعتبار طرقه: ١ - المتواتر: ينقسم الخبر باعتبار طرقه إلى متواتر وآحاد: فالمتواتر: (ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه وأسندوه إلى شيء محسوس). قال ابن حجر في "النزهة" (ص/١٧): (فإذا جمع هذه الشروط الأربعة - وهي عدد كثير - أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه، فهذا هو المتواتر). اعلم أن حصول العلم هو ثمرة لتحقق الشروط الأربعة وليس هو شرطا زائداً عليها. واعلم أيضا أنهما متلازمان، بمعنى أن حصول العلم تابع ولازم لتحقق الشروط الأربعة، وهو أيضا علامة عليها بمعنى أنه متى حدث هذا العلم اليقيني عند السامع علمنا لزوم تحقق هذه الشروط، لا أنا بتحقق هذه الشروط نستدل على حصول

стр. 197

العلم فتنبه!. ٢ - الآحاد: وخبر الآحاد من حيث الرتبة ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. أولا - الصحيح: الصحيح هو: (ما أتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه بغير شذوذ ولا علة). سوف يأتي شرح هذا التعريف ضمنا عند الكلام على الحديث الحسن - بإذن الله -. ثانيا - الحسن: الحسن هو: (ما اتصل إسناده بنقل العدل الذي خف ضبطه عن مثله أو أضبط منه إلى منتهاه بغير شذوذ ولا علة). شرح موجز للتعريف: العدالة: التعريف المشهور المتداول للعدالة هو تعريف ابن حجر، قال في "شرح النخبة" (ص/٢٥): (والمراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة). واعترض الصنعاني في "ثمرات النظر في علم الأثر" على هذا التعريف بعدة اعتراضات، واختار أن مدار العدالة على مظنة صدق الراوي دون بقية الشروط المذكورة في تعريف العدالة، وقد ذكرت اعتراضاته في شرح الموقظة، وليس هذا مجال الكلام على ذلك. الضبط: تعريفه: قال الصنعاني في "توضيح الأفكار" (١/ ٨): (الضابط عندهم من يكون حافظا متيقظا غير مغفل ولا ساه ولا شاك في حالتي التحمل والأداء وهذا الضبط التام وهو المراد هنا). أي في تعريف الحديث الصحيح، وأما الحديث الحسن فراويه خفيف الضبط.

стр. 198

بمَّ يعرف الضبط؟ قال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص/٦١): (يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر روايته بروايات الثقاة المعروفين بالضبط والإتقان. فإن وجدنا رواياته موافقة - ولو من حيث المعنى - لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا. وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه، والله أعلم). أقسام الضبط: قال الصنعاني في "توضيح الأحكام" (١/ ١٩): (فالذي ذكر المحدثون أربع صور: تام الضبط، خفيفه، كثير الغلط، من غلطه أكثر من حفظه، فالأوليان مقبول من اتصف بهما، والأخريان مردود من اتصف بهما). فائدة: يكفى للحكم على الحديث بأنه حسن لذاته أن يكون روايا واحدا على الأقل من رواته خفيف الضبط. اتصال السند: وقال المليباري في رسالته علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد: (وأما العنصر الثاني - أي اتصال السند - فيعرف بما يلي: تصريح كل من سلسلة الإسناد بما يدل على سماعه للحديث من مصدره الذي روى عنه ذلك الحديث، كقوله ك (سمعت فلاناً) أو (سمعنا فلاناً) أو (حدثني فلان) أو (حدثنا) أو (قرأت عليه) أو (حدثني قراءة عليه) أو (حدثنا قراءة عليه) أو (أخبرني) أو (أخبرنا) أو (أنبأني) أو (أنبأنا) أو (قال لي) أو (قال لنا)، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أن الراوي قد لقي من فوقه، وأنه سمع منه ذلك الحديث. ٢ - عنعنة الراوي، إذا لم يكن مدلساً، أو مرسلاً، فتفيد عنعنته الاتصال، وأما إن كان الراوي المعنعن مدلساً، فعنعنته تحمل على الانقطاع لقوة احتمال تدليسه في الإسناد بإسقاط شيخه الذي سمع منه هذا الحديث. وكذا الأمر إذا اختلف العلماء في سماع الراوي ممن فوقه عموماً، ولم يتبين الراجح في ذلك، فإن الحكم على الإسناد باتصاله حينئذ متوقف على ما يزول به

стр. 199

احتمال الانقطاع، من القرائن ... ). الشاذ: وهو: (ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه عدداً، أو عدالة، أو ضبطاً). العلة: وهي: (سبب خفي يقدح في صحة الحديث). والعلة تكون في الإسناد كالتعليل بالوقف والإرسال، وتكون في المتن مثل حديث نفي البسملة في الصلاة. وتعرف العلة عن طريق تجميع طرق الحديث، والنظر في الرواة، والموازنة بين ضبطهم وإتقانهم، ثم الحكم على الرواية المعلولة. - الصحيح لغيره: قال ابن حجر في "النزهة" (ص/٢٩): (وبكثرة طرقه يصحح؛ وإنما يحكم له بالصحة عند تعدد الطرق؛ لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي قصر الوصفين به ضبط راوي الحسن عن راوي الصحيح، ومن ثم تطلق الصحة على الإسناد الذي يكون حسنا لذاته لو تفرد إذا تعدد). ثالثا - الضعيف: الضعيف هو: (ما خلا من شروط الحسن). - الحسن لغيره: الحسن لغيره هو: (الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي، أو كذبه). حجية هذه الأقسام: القسم المقبول من الحديث على أربع درجات: أعلاها: الصحيح لذاته، يتلوه: الصحيح لغيره، ثم الحسن لذاته، وأخيرا: الحسن لغيره، وهذه الأقسام يحتج بها، ويرجح أعلاها على من دونه في الرتبة عند التعارض وعدم إمكان الجمع. وأما الحديث الضعيف فليس بحجة. وقد أجاز البعض العمل بالضعيف بشروط وهي:

стр. 200

١ - أن لا يكون موضوعاً. ٢ - أن يعرف العامل به كونه ضعيفاً. ٣ - أن لا يُشهر العمل به. ٤ - أن يكون في فضائل الأعمال. ٥ - أن يندرج تحت أصل من أصول الشريعة. وذهب الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٤٨١) إلى عدم جواز العمل بالضعيف مطلقا، وهو مذهب: يحيى بن معين، وأبو بكر بن العربي، وابن حزم، وهو ظاهر صنيع البخاري ومسلم، والشوكاني، ومن المعاصرين: أحمد شاكر، والألباني، وغيرهم إلى عدم جواز العمل بالضعيف مطلقاً، وهذه المسألة نحناج إلى بسط سوف نعرض له - بإذن الله - في دروس المصطلح. صيغ الأداء: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٦٣): (للحديث تحمل وأداء. فالتحمل: أخذ الحديث عن الغير. والأداء: إبلاغ الحديث إلى الغير. وللأداء صيغ منها: ١ - حدثني: لمن قرأ عليه الشيخ. ٢ - أخبرني: لمن قرأ عليه الشيخ أو قرأ هو على الشيخ. ٣ - أخبرني إجازة أو أجاز لي: لمن روى بالإجازة دون القراءة. والإجازة: إذنه للتلميذ أن يروي عنه ما رواه وإن لم يكن بطريق القراءة. ٤ - العنعنة وهي: رواية الحديث بلفظ عن. وحكمها الاتصال إلا من معروف بالتدليس فلا يحكم فيها بالاتصال إلا أن يصرح بالتحديث). قال الذهبي في "الموقظة" (فـ (حدَّثَنا) و (سَمِعتُ) لِمَا سُمِع من لفظ الشيخ. واصطُلِح على أنَّ (حدَّثَني) لِمَا سَمِعتَ منه وحدَك، و (حدَّثَنا) لِمَا سَمِعتَه معَ

стр. 201

غيرك. وبعضُهم سَوَّغ (حدَّثَنا) فيما قراه هو على الشيخ. وأما (أخبَرَنا) فصادِقةٌ على ما سَمِع من لفظ الشيخ، أو قرأه هو، أو قرأه آخَرُ على الشيخِ وهو يَسمع. فلفظُ (الإخبار) أعمُّ من (التحديث). و (أخبرني) للمنفرِد. وسَوَّى المحققون كمالكٍ والبخاريِّ بين (حدَّثنا) و (أخبِرنا) و (سَمِعتُ)، والأمرُ في ذلك واسع. فأمَّا (أنبأنا) و (أنا) فكذلك، لكنها غلَبتْ في عُرف المتأخرين على الإجازة). وباقي الكلام واضح وقد اختصرت الكلام هنا، وسوف يأتي له مزيد بيان في دروس المصطلح - بإذن الله -.

стр. 202

الإجماع تعريف الإجماع لغة: الإجماع لغة: العزم والاتفاق. الإجماع في اللغة يطلق على معنيين وهما: أولا: العزم والتصميم على الشيء، يقال: أجمع فلان على كذا إذا عزم وصمم عليه، وأجمع الأمر إذا عزم عليه، والأمر مُجْمَع وأجمعتُ المسير والأمر، وأجمعت عليه إذا عزمت عليه، يتعدى بنفسه وبالحرف. ومن ذلك قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) [يونس: ٧١] أي: اعزموا أمركم وادعوا شركائكم. ومنه أيضا قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) [يوسف: ١٥] أي: عزموا أن يجعلوه. ومنه حديث: (من لم يجمع الصوم من الليل فلا صيام له) أي من لم يعزم على الصيام فينويه. ثانيا: الاتفاق، يقال أجمعت الجماعة على كذا إذا اتفقوا عليه. تعريف الإجماع اصطلاحا: الإجماع هو: (اتفاق العدول من مجتهدي هذه الأمة في عصر بعد النبي ﷺ على حكم شرعي غير مسبوق بخلاف مستقر (١)). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٦٤): (فخرج بقولنا: " اتفاق " وجود خلاف ولو من واحد فلا ينعقد معه الإجماع. وخرج بقولنا " مجتهدي " العوام والمقلدون فلا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم. وخرج بقولنا: " هذه الأمة " إجماع غيرها فلا يعتبر. وخرج بقولنا: " بعد النبي ﷺ "، اتفاقهم في عهد النبي ﷺ ، فلا يعتبر إجماعاً من حيث كونه دليلاً لأن الدليل حصل بسنة النبي ﷺ ، من قول أو فعل أو تقرير ولذلك إذا قال الصحابي كنا نفعل أو كانوا يفعلون كذا على عهد النبي ﷺ ، كان مرفوعاً حكماً لا نقلاً للإجماع.

стр. 203

وخرج بقولنا: "على حكم شرعي" اتفاقهم على حكم عقلي أو عادي فلا مدخل له هنا إذ البحث في الإجماع كدليل من أدلة الشرع). - قيد عدالة المجتهدين: اختلف العلماء في اشتراط قيد العدالة للمجتهدين على أقوال خمسة (١). وقد سبق في شرحي للموقظة أن حققت أن مبنى العدالة يدور على ظن الصدق دون غيره من الشروط كاجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة. والعدالة ليست شرطا في الاجتهاد، وإنما هي شرط في الفتيا، أو الحكم؛ وذلك لأن الفتيا، أو الحكم إنما هي خبر عن حكم الله الذي وصل إليه المجتهد باجتهاده، ويدخل في ذلك إخبارنا عن اجتهاده. قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٣): (ويجاب عما قاله القاضي: بأن العدالة تعتبر للرواية والشهادة، لا للنظر والاجتهاد، وهو المراد في باب الإجماع، وللقاضي أن يقول: هو مخبر عن نفسه بما أدى إليه نظره واجتهاده، وخبره غير مقبول لفسقه). قال الشنقيطي في "المذكرة": (ص/٢٨٨): (والعدالة ليست شرطاً في أصل الاجتهاد، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد). وعليه فمن غلب على الظن صدقه فهو عدل يقبل اجتهاده وخبره عن اجتهاده، ومن غلب على الظن كذبه، وعدم صدقه فاجتهاده وإن كان صحيحا لتوفر شروط الاجتهاد فيه إلا أن خبره عن اجتهاده يكون غير مقبولا فلا يعتد به في الإجماع. وعليه فلابد من إضافة قيد العدالة للمجتهدين، وهذا جار على أصول المذهب. حجية الإجماع: الخلاف في حجية الإجماع خلاف ضعيف، وجماهير أهل العلم من لدن الصحابة ﵃ والتابعين والأئمة الأربعة ومن بعدهم من أهل العلم على

стр. 204

الاحتجاج به ولزوم حجيته. وخالف في ذلك النظّام والقاشاني من المعتزلة، وأكثر الخوارج. قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٦٤): (الإجماع حجة لأدلة منها: ١ - قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: ١٤٣]، فقوله: (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يشمل الشهادة على أعمالهم وعلى أحكام أعمالهم والشهيد قوله مقبول. ٢ - قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) [النساء: ٥٩] دل على أن ما اتفقوا عليه حق. ٣ - قوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة). ٤ - أن نقول: إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقّاً وإما أن يكون باطلاً، فإن كان حقّاً فهو حجة، وإن كان باطلاً فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟! هذا من أكبر المحال). أنواع الإجماع: الإجماع نوعان: قطعي، وظني. القطعي هو: ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر، كالذي يعلم بالضرورة وقوعه من الأمة، ومنه النطقي المتواتر، والقولي المشاهد في حق من شاهده. والإجماع الظني هو: ما تخلف فيه أحد القيدين (الاتفاق أو تحقق بعض الشروط) بأن يوجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد (النطقي المنقول آحادا)، وكالإجماع الإقراري والإجماع الاستقرائي (وهو ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء الناقص) وكالإجماع السكوتي المتواتر، أو السكوتي المنقول آحادا.

стр. 205

فروع: الأول - حكم مخالف الإجماع القطعي والظني: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٦٦): (ويكفر مخالفه - أي القطعي - إذا كان ممن لا يجهله). وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٦٩): (وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع هل يكفر على قولين والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره). الثاني - يثبت الإجماع بخبر الواحد ويكون حجة ظنية توجب العمل (١): قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ١٢٨): (العلماء اختلفوا في ثبوت الإجماع بخبر الواحد. قال الآمدي: فأجازه الحنابلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وأنكره الباقون. وقال القرافي: الإجماع المروي بأخبار الآحاد حجة، يعني عند مالك، خلافا لأكثر الناس. قلت: احتج المانعون بأنه - يعني خبر الواحد - «ظني» أي: إنما يفيد الظن: «فلا يثبت قاطعا» وهو الإجماع، وحاصله أن الإجماع قاطع، وخبر الواحد ظني، فلا يثبت القاطع بالظني؛ لأن الضعيف لا يكون مستندا للقوي. قوله: «لنا:» أي: على أن الإجماع المروي آحادا حجة وجهان: أحدهما: أن «نقل الخبر الظني» آحادا يوجب العمل «فنقل الإجماع القطعي» آحادا «أولى» أن يوجب العمل؛ لأن الظن واقع في ذات خبر الواحد وطريقه، والإجماع إنما وقع الظن في طريقه لا في ذاته، وإذا وجب العمل بالأول، كان بالثاني أوجب. الوجه الثاني: أن «الظن متبع في الشرع» وهو مناط العمل، كما تقرر في غير موضع «وهو - يعني الظن - حاصل بما ذكرنا» يعني الإجماع المنقول آحادا ...

стр. 206

وأيضا فإن قول النبي ﷺ دليل قاطع في حق من شافهه به، كما أن الإجماع في نفسه قاطع، ثم إن قول النبي ﷺ إذا نقل آحادا، كان حجة ; كذلك الإجماع إذا نقل آحادا، كان حجة، ولا فرق ... ) (١). الثالث - لا يختص انعقاد الإجماع بالصحابة: انعقاد الإجماع لا يختص بالصحابة لشمول الأدلة التي سبق وأن سقتها في بيان حجية الإجماع للصحابة وغيرهم. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٧): (لا يختص الإجماع بالصحابة، بل إجماع كل عصر حجة، خلافا لداود، وعن أحمد مثله». قال الشيخ أبو محمد: وقد أومأ أحمد إلى نحو من قوله، يعني قول داود. قال الآمدي: ذهب أهل الظاهر، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه إلى أن الإجماع المحتج به مختص بالصحابة ﵃، وذهب الباقون إلى أن إجماع أهل كل عصر حجة، وهو المختار. قلت: المشهور من مذهب أحمد ما حكيناه أولا كقول الأكثرين. قوله: «لنا: المؤمنون» إلى آخره، أي: لنا على أن إجماع كل عصر حجة وجهان: أحدهما: أن دليل السمع متناول لأهل كل عصر، وصادق عليهم، فيكون إجماعهم حجة. أما الأول فلأن قوله : (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: ١١٥]، وقوله ﵊: (ما رآه المسلمون حسنا .. ) (٢) و (يد الله على الجماعة) «صادق على أهل كل عصر» إذ تصح تسميتهم مؤمنين ومسلمين، وجماعة تعريفا وتنكيرا.

стр. 207

وأما الثاني: وهو كون إجماعهم حجة؛ فلأنه إذا تناولهم لفظ المؤمنين، وصدق عليهم، حرم خلافهم لقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية، كما سبق. فثبت بهذا أن إجماع كل عصر حجة. الوجه الثاني: أن المعقول من الدليل السمعي، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآية، وأخواتها مما سبق ; هو «إثبات الحجة الإجماعية مدة التكليف». إذ تقدير الكلام: إن سبيل المؤمنين حق، فاتبعوه ما دمتم مكلفين. والخطاب للموجودين، ولمن سيوجد، وإذا كان الأمر كذلك، فالتكليف «ليس مختصا بعصر الصحابة» بل هو دائم مستمر عصرا بعد عصر حتى تقوم الساعة، فيجب العمل بمعقول الدليل السمعي في إثبات الإجماع في كل عصر من أعصار مدة التكليف، وذلك إنما يكون باتفاق أهل ذلك العصر، إذ ما قبله وبعده معدوم ... ) (١). شروط الإجماع (٢): الشرط الأول - أن يثبت بطريق صحيح . وسبق وأن تكلمت على ثبوت الإجماع بخبر الآحاد، وأعلى منه أن يكون مشهورا أو متواترا. الشرط الثاني - ألا يسبقه خلاف مستقر . قال ابن قدامة في "روضة الناظر" (ص/١٤٨): (وإذا اختلف الصحابة على قولين فأجمع التابعون على أحدهما فقال أبو الخطاب (٣) والحنفية يكون إجماعا لقوله ﵇ لا تزال طائفة من أمتي على الحق وغيره من النصوص ولأنه اتفاق من أهل عصر فهو كما لو اختلف الصحابة على قولين ثم اتفقوا على أحدهما.

стр. 208

وقال القاضي (١) وبعض الشافعية لا يكون إجماعا لأنه فتيا بعض الأمة لأن الذين ماتوا على القول الآخر من الأمة لا يبطل مذهبهم بموتهم ولذلك يقال خالف أحمد أو وافق بعد موته فأشبه ما إذا اختلفوا على قولين فانقرض القائل بأحدهما، فإن قيل إن ثبت نعت الكلية للتابعين فيكون خلاف قولهم حراما وإن لم يكونوا كل الأمة فلا يكون قولهم إجماعا أما أن يكونوا كل الأمة في شيء دون شيء فهذا متناقض. قلنا: الكلية تثبت بالإضافة إلى مسألة حدثت في زمنهم أما ما أفتى به الصحابي فقوله لا يسقط بموته ولو مات القائل فأجمع الباقون على خلافه لا يكون إجماعا، ولو حدثت مسألة بعد موته فأجمع عليها الباقون على خلافه كان إجماعا. ومن وجه آخر أن اختلاف الصحابة على قولين اتفاق منهم على تسويغ الأخذ بكل واحد منهما فلا يبطل إجماعهم بقول من سواهم). هذا بخلاف ما إن اختلف أهل عصر ولم يستقر الخلاف ثم اتفقوا على أحد الأقوال فهنا يصح الإجماع لانتفاء الخلاف واتفاق أهل العصر على قول واحد. انقراض العصر: المقصود بانقراض العصر هو موت جميع من هو من أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة بعد اتفاقهم على حكم فيها. وعدم اشتراط انقراض العصر هي الرواية التي أومأ إليها أحمد، وهي اختيار الكلوذاني (٢). وأما اشتراط انقراض العصر فهو ما ذهب إليه أحمد، وهو مذهب أكثر الأصحاب كالقاضي (٣)، وابن عقيل (٤).

стр. 209

وعدم اشتراط انقراض العصر هو الراجح لهذه الأدلة (١): الأول: أن الدليل السمعي الدال على صحة الإجماع وعصمته «عام» في كونه حجة قبل انقراض العصر وبعده «فالتخصيص» بأنه إنما يكون حجة بعد انقراض العصر «تحكم» من غير دليل. الثاني - «لو اشترط» انقراض العصر لصحة الإجماع «لما صح احتجاج التابعين على متأخري الصحابة به» أي: بالإجماع، إذ قد كان للصحابة أن يقولوا للتابعين: كيف تحتجون علينا بالإجماع وهو لم يصح، ولم يستقر بعد، لأن شرط صحته انقراض عصر المجمعين عليه، وهو باق لأننا نحن من المجمعين، وها نحن باقون، لكن التابعون كانوا يحتجون بالإجماع على متأخري الصحابة، كأنس وغيره، ويقرونهم عليه، فدل على أن انقراض العصر لا يشترط لصحة الإجماع. وأيضا: فإن الصحابة كانوا يحتجون بالإجماع بعضهم على بعض، وعلى بعض التابعين. الثالث - أن اشتراط الانقراض إنما كان لاحتمال الرجوع قبل الانقراض عن الخطأ، فإذا كان قولهم صوابا بظاهر النصوص استحال الرجوع عنه؛ فلا معنى لاشتراط الانقراض (٢).

стр. 210

الإجماع السكوتي: وصورته أن يقول المجتهد قولاً أو يفعل فعلا وينتشر ولا يُنكَر. والراجح (١) أنه حجة ظنية بشروط (٢) وهي: ١ - أن يكون ذلك في المسائل التكليفية. ٢ - أن يكون في محل الاجتهاد. ٣ - أن يطلع باقي المجتهدين على ذلك. ٤ - أن لا يكون هناك أمارة سخط، وإن لم يصرحوا به. ٥ - أن لا يكون معه أمارة رضى وإلا كان إجماعاً. ٦ - أن تمضي مدة كافية للنظر والتأمل في حكم الحادثة عادة. ٧ - أن لا ينكر ذلك مع طول الزمان. ٨ - أن لا يطول الزمان مع تكرر الواقعة. ٩ - أن يكون قبل استقرار المذاهب (٣). فإذا اجتمعت هذه الشروط كان الإجماع السكوتي حجة ظنية.

стр. 211

القياس تعريف القياس: أ- لغة: القياس لغة (١): التقدير والمساواة. القياس في اللغة مصدرا لفعل قاس يقيس قيسا وقياسا، وله في اللغة معنيان: أولهما التقدير، تقول: قاس الفلاح الأرض بالقصبة أي قدرها بها، وتقول: قاس التاجر الثوب بالذراع أي قدره به. وثانيهما: المساواة، تقول: أسامة لا يقاس بخالد، أي: لا يساويه (٢). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥): ("القياس لغة: التقدير والمساواة" فالقياس في اللغة يدل على معنى التسوية على العموم؛ لأنه نسبة وإضافة بين شيئين، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا يقاس بفلان، أي يساوي فلانا، ولا يساوي فلانا). قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٢١٨): (قَوْلُهُ: «الْقِيَاسُ»، أَيِ: الْقَوْلُ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ «لُغَةً»، أَيْ: فِي اللُّغَةِ «التَّقْدِيرُ، نَحْوُ: قِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ»، أَيْ: قَدَّرْتُهُ بِهِ، «وَالْجِرَاحَةَ بِالْمِسْبَارِ»، وَهُوَ مَا يُسْبَرُ بِهِ الْجُرْحُ، أَيْ: يُرَازُ بِهِ لِيُعْلَمَ عُمْقُهُ، وَهُوَ مَعَ الْجِرَاحِيَّةِ شِبْهُ الْمِيلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قِسْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، أَيْ: قَدَّرْتُهُ عَلَى مِثَالِهِ، يُقَالُ: قِسْتُ «أَقِيسُ وَأَقُوسُ»، فَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَنَظَائِرُهُ فِي اللُّغَةِ كَثِيرَةٌ، وَالْمَصْدَرُ قَيْسًا وَقَوْسًا بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ مِنْ بِنَاءٍ أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ «قَوْسًا». قَوْلُهُ: «وَقِيَاسًا فِيهِمَا»، أَيْ: فِي اللُّغَتَيْنِ تَقُولُ: قِيَاسًا، فَتَقُولُ: أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ قِيَاسًا، وَقِيَاسُهُ: قِوَاسًا، لَكِنْ لَمَّا انْكَسَرَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ، انْقَلَبَتْ يَاءً، كَمَا قَالُوا: قَامَ قِيَامًا، وَصَامَ صِيَامًا، وِصَالَ صِيَالًا، وَأَصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ الْوَاوُ).

стр. 212

ب- اصطلاحا: القياس هو: (تسوية فرع بأصل في حكم بوصف جامع بينهما). المراد بالمساواة هو ما كان صحيحا في نفس الأمر وفي الواقع، وإيضاحه أن المساواة إما أن تكون بحسب نظر القائس، وقد تكون بحسب الواقع وفي نفس الأمر، فيكون لها فردان أحدهما كامل، وهو ما كانت المساواة فيه في الواقع ونفس الأمر، وثانيهما غير كامل وهو ما كانت المساواة فيه بحسب نظر القائس، والمقرر أن اللفظ عند إطلاقه لا ينصرف إلا إلى فرده الكامل (١). فعندنا أربعة أشياء وهي تسوية الفرع بالأصل في حكمه من أجل أنهما متفقان في وصف جامع. مثال ذلك إذا قلنا: إن العلة في جريان الربا في البُرِّ أنه مكيل، فنلحق به على هذا كلَّ ما كان مَكيلاً؛ لأن العَلةَ التي أوجَبَتَ الحكَمَ وهو جريان الربا في البُرِّ هي الكيل، فإذا وجدت هذه العلة في أي شيء جرى فيه الربا قياسًا على البُرِّ. وهكذا ... وقولنا: (وصف جامع) أولى من قول: (علة جامعة)؛ ليشمل التعريف قياس الدلالة (٢) وقياس الشبه (٣).

стр. 213

قال الشيخ السلمي في "أصوله" (ص/١٥٤): (أكثر الأصوليين يعبرون عن الوصف الجامع بالعلة، ثم يذكرون من شروط العلة أن تكون وصفا مناسبا، وهذا لا يستقيم على قول من يرى جواز الاستدلال بقياس الشبه وقياس الدلالة؛ لأن الوصف الجامع في هذين القياسين هو الشبه في الأول ودليل العلة في الثاني، ولا يشترط لهما ظهور المناسبة، فالوصف الجامع الذي هو ركن من أركان القياس قد يكون علة، وقد يكون دليل العلة، وقد يكون وصفا شبهيا). أسماء العلة: البعض يطلق عليها اسم الأمارة والعلامة والمعرف والباعث والموجب والسبب والداعي والمناط والمؤثر ... قال الشيخ العروسي في "المسائل المشتركة" (ص/٢٨٩): (والقول المحقق أن إطلاق اسم الأمارة والعلامة والمعرف والباعث والموجب صحيح كما أن من سماها السبب والداعي والمستدعي والحامل والمناط والدليل والمقتضي والموجب والمؤثر كذلك صحيح، ولكن من سماها أمارة وعلامة، ولم يجعلها إلا مجرد ذلك، وسلبها التأثير فقوله باطل ... وقد يكون من أطلق على العلة اسماً من هذه الأسماء فقد راعى بعض أوصافها الشهيرة أو المميزة، كمن سماها المناط، لأن الحكم ناط بها أي تعلق، ومن سماها المقتضى لاقتضائها الحكم، ولكن بعضاً من هذه التسميات مراعى فيها مخالفة المعتزلة الذين يقولون أن العلة تؤثر في الحكم بذاتها، وقد بالغوا أحياناً في رد بعض هذه التسميات كما تعسفوا في تأويل بعضها مما ورد استعماله من قبل الذين استعملوها من علماء هذا الفن). تعريف العلة: العلة هي: (وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم). قال الشيخ عياض في "أصوله" (ص/١٤٦) بعد أن ذكر التعريف السابق: (ومعنى قولهم: (وصف) أي: معنى من المعاني، ولهذا كثر في كلام الأصوليين والفقهاء إطلاق المعنى على العلة، بل إن المتقدمين لا يكادون يذكرون (العلة) بل (المعنى). وقولهم: (ظاهر): قيد يخرج الوصف الخفي الذي لا يطلع عليه إلا من قام به، مثل الرضى في البيع، فإنه لا يعلل به وإنما يعلل انعقاد البيع بقول الشخص بعت أو

стр. 214

قبلت، فالنطق بالصيغة وصف ظاهر، ولهذا جعل هو العلة في انعقاد البيع. قولهم: (منضبط)، الوصف المنضبط هو الذي لا يختلف باختلاف الأفراد ولا باختلاف الأزمنة والأمكنة. ومثلوا لغير المنضبط بالمشقة إذا قيل: علة الفطر في السفر المشقة، فإن المشقة تختلف باختلاف الأفراد والأزمان والأمكنة. ومثلوا للمنضبط بالسفر إذا عللنا جواز الفطر به. وقولهم: (دل الدليل على كونه مناطا للحكم)، أي: قام دليل معتبر من الأدلة الدالة على العلة على أن هذا الوصف علة الحكم. ومعنى قولهم: (مناطا للحكم) أي: متعلَّقا للحكم، بمعنى أن الحكم يعلق على هذا الوصف فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه). حجية القياس: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٢١٥): ("وهو" أي القياس "حجة" عند الأكثر من أصحابنا وغيرهم. وقد احتج القاضي وغيره على العمل بالقياس بقول أحمد ﵀: لا يستغني أحد عن القياس، وقوله في رواية الميموني: سألت الشافعي عنه، فقال: ضرورة، وأعجبه ذلك). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٦٨): (وقد دل على اعتباره دليلاً شرعيًّا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فمن أدلة الكتاب: ١ - قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان) [الشورى: ١٧] والميزان ما توزن به الأمور ويقايس به بينها. ٢ - قوله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه) [الانبياء: ١٠٤] (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر:٩] فشبّه الله تعالى إعادة الخلق بابتدائه، وشبه إحياء الأموات بإحياء الأرض، وهذا هو القياس. على أمك دين فقضيته؛ أكان يؤدي ذلك عنها"؟ قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمك".

стр. 215

٢ - أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ولد لي غلام أسود! فقال: "هل لك من إبل"؟ قال: نعم، قال: "ما ألوانها"؟ قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق"؟ قال: نعم، قال: "فأنى ذلك"؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق". وهكذا جميع الأمثال الواردة في الكتاب والسنة دليل على القياس لما فيها من اعتبار الشيء بنظيره. ومن أقوال الصحابة: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء قال: ثم الفهم الفهم فيما أدلى عليك، مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عندك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق. قال ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول. وحكى المزني أن الفقهاء من عصر الصحابة إلى يومه أجمعوا على أن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، واستعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام). شروط القياس: الشرط الأول - ألا يكون فاسد الاعتبار: أولا - معنى فساد الاعتبار لغة (١): هو مركب من فساد واعتبار، والفساد خروج الشيء عن الاعتدال، وهو ضد الصلاح. وأما (الاعتبار) فهو مصدر على وزن (افتعال) من لفظ: عبر يعبر عبورا، أي: انتقل، يقال: عبرت النهر أعبره عبرا وعبورا، إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر. وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها ومعناه أن القياس فاسد.
следующие страницы →