← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2048

المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (253 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

القياس تعريف القياس: أ- لغة: القياس لغة (١): التقدير والمساواة. القياس في اللغة مصدرا لفعل قاس يقيس قيسا وقياسا، وله في اللغة معنيان: أولهما التقدير، تقول: قاس الفلاح الأرض بالقصبة أي قدرها بها، وتقول: قاس التاجر الثوب بالذراع أي قدره به. وثانيهما: المساواة، تقول: أسامة لا يقاس بخالد، أي: لا يساويه (٢). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥): ("القياس لغة: التقدير والمساواة" فالقياس في اللغة يدل على معنى التسوية على العموم؛ لأنه نسبة وإضافة بين شيئين، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا يقاس بفلان، أي يساوي فلانا، ولا يساوي فلانا). قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٢١٨): (قَوْلُهُ: «الْقِيَاسُ»، أَيِ: الْقَوْلُ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ «لُغَةً»، أَيْ: فِي اللُّغَةِ «التَّقْدِيرُ، نَحْوُ: قِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ»، أَيْ: قَدَّرْتُهُ بِهِ، «وَالْجِرَاحَةَ بِالْمِسْبَارِ»، وَهُوَ مَا يُسْبَرُ بِهِ الْجُرْحُ، أَيْ: يُرَازُ بِهِ لِيُعْلَمَ عُمْقُهُ، وَهُوَ مَعَ الْجِرَاحِيَّةِ شِبْهُ الْمِيلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قِسْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، أَيْ: قَدَّرْتُهُ عَلَى مِثَالِهِ، يُقَالُ: قِسْتُ «أَقِيسُ وَأَقُوسُ»، فَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَنَظَائِرُهُ فِي اللُّغَةِ كَثِيرَةٌ، وَالْمَصْدَرُ قَيْسًا وَقَوْسًا بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ مِنْ بِنَاءٍ أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ «قَوْسًا». قَوْلُهُ: «وَقِيَاسًا فِيهِمَا»، أَيْ: فِي اللُّغَتَيْنِ تَقُولُ: قِيَاسًا، فَتَقُولُ: أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ قِيَاسًا، وَقِيَاسُهُ: قِوَاسًا، لَكِنْ لَمَّا انْكَسَرَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ، انْقَلَبَتْ يَاءً، كَمَا قَالُوا: قَامَ قِيَامًا، وَصَامَ صِيَامًا، وِصَالَ صِيَالًا، وَأَصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ الْوَاوُ).

стр. 212

ب- اصطلاحا: القياس هو: (تسوية فرع بأصل في حكم بوصف جامع بينهما). المراد بالمساواة هو ما كان صحيحا في نفس الأمر وفي الواقع، وإيضاحه أن المساواة إما أن تكون بحسب نظر القائس، وقد تكون بحسب الواقع وفي نفس الأمر، فيكون لها فردان أحدهما كامل، وهو ما كانت المساواة فيه في الواقع ونفس الأمر، وثانيهما غير كامل وهو ما كانت المساواة فيه بحسب نظر القائس، والمقرر أن اللفظ عند إطلاقه لا ينصرف إلا إلى فرده الكامل (١). فعندنا أربعة أشياء وهي تسوية الفرع بالأصل في حكمه من أجل أنهما متفقان في وصف جامع. مثال ذلك إذا قلنا: إن العلة في جريان الربا في البُرِّ أنه مكيل، فنلحق به على هذا كلَّ ما كان مَكيلاً؛ لأن العَلةَ التي أوجَبَتَ الحكَمَ وهو جريان الربا في البُرِّ هي الكيل، فإذا وجدت هذه العلة في أي شيء جرى فيه الربا قياسًا على البُرِّ. وهكذا ... وقولنا: (وصف جامع) أولى من قول: (علة جامعة)؛ ليشمل التعريف قياس الدلالة (٢) وقياس الشبه (٣).

стр. 213

قال الشيخ السلمي في "أصوله" (ص/١٥٤): (أكثر الأصوليين يعبرون عن الوصف الجامع بالعلة، ثم يذكرون من شروط العلة أن تكون وصفا مناسبا، وهذا لا يستقيم على قول من يرى جواز الاستدلال بقياس الشبه وقياس الدلالة؛ لأن الوصف الجامع في هذين القياسين هو الشبه في الأول ودليل العلة في الثاني، ولا يشترط لهما ظهور المناسبة، فالوصف الجامع الذي هو ركن من أركان القياس قد يكون علة، وقد يكون دليل العلة، وقد يكون وصفا شبهيا). أسماء العلة: البعض يطلق عليها اسم الأمارة والعلامة والمعرف والباعث والموجب والسبب والداعي والمناط والمؤثر ... قال الشيخ العروسي في "المسائل المشتركة" (ص/٢٨٩): (والقول المحقق أن إطلاق اسم الأمارة والعلامة والمعرف والباعث والموجب صحيح كما أن من سماها السبب والداعي والمستدعي والحامل والمناط والدليل والمقتضي والموجب والمؤثر كذلك صحيح، ولكن من سماها أمارة وعلامة، ولم يجعلها إلا مجرد ذلك، وسلبها التأثير فقوله باطل ... وقد يكون من أطلق على العلة اسماً من هذه الأسماء فقد راعى بعض أوصافها الشهيرة أو المميزة، كمن سماها المناط، لأن الحكم ناط بها أي تعلق، ومن سماها المقتضى لاقتضائها الحكم، ولكن بعضاً من هذه التسميات مراعى فيها مخالفة المعتزلة الذين يقولون أن العلة تؤثر في الحكم بذاتها، وقد بالغوا أحياناً في رد بعض هذه التسميات كما تعسفوا في تأويل بعضها مما ورد استعماله من قبل الذين استعملوها من علماء هذا الفن). تعريف العلة: العلة هي: (وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم). قال الشيخ عياض في "أصوله" (ص/١٤٦) بعد أن ذكر التعريف السابق: (ومعنى قولهم: (وصف) أي: معنى من المعاني، ولهذا كثر في كلام الأصوليين والفقهاء إطلاق المعنى على العلة، بل إن المتقدمين لا يكادون يذكرون (العلة) بل (المعنى). وقولهم: (ظاهر): قيد يخرج الوصف الخفي الذي لا يطلع عليه إلا من قام به، مثل الرضى في البيع، فإنه لا يعلل به وإنما يعلل انعقاد البيع بقول الشخص بعت أو

стр. 214

قبلت، فالنطق بالصيغة وصف ظاهر، ولهذا جعل هو العلة في انعقاد البيع. قولهم: (منضبط)، الوصف المنضبط هو الذي لا يختلف باختلاف الأفراد ولا باختلاف الأزمنة والأمكنة. ومثلوا لغير المنضبط بالمشقة إذا قيل: علة الفطر في السفر المشقة، فإن المشقة تختلف باختلاف الأفراد والأزمان والأمكنة. ومثلوا للمنضبط بالسفر إذا عللنا جواز الفطر به. وقولهم: (دل الدليل على كونه مناطا للحكم)، أي: قام دليل معتبر من الأدلة الدالة على العلة على أن هذا الوصف علة الحكم. ومعنى قولهم: (مناطا للحكم) أي: متعلَّقا للحكم، بمعنى أن الحكم يعلق على هذا الوصف فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه). حجية القياس: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٢١٥): ("وهو" أي القياس "حجة" عند الأكثر من أصحابنا وغيرهم. وقد احتج القاضي وغيره على العمل بالقياس بقول أحمد ﵀: لا يستغني أحد عن القياس، وقوله في رواية الميموني: سألت الشافعي عنه، فقال: ضرورة، وأعجبه ذلك). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٦٨): (وقد دل على اعتباره دليلاً شرعيًّا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فمن أدلة الكتاب: ١ - قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان) [الشورى: ١٧] والميزان ما توزن به الأمور ويقايس به بينها. ٢ - قوله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه) [الانبياء: ١٠٤] (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر:٩] فشبّه الله تعالى إعادة الخلق بابتدائه، وشبه إحياء الأموات بإحياء الأرض، وهذا هو القياس. على أمك دين فقضيته؛ أكان يؤدي ذلك عنها"؟ قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمك".

стр. 215

٢ - أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ولد لي غلام أسود! فقال: "هل لك من إبل"؟ قال: نعم، قال: "ما ألوانها"؟ قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق"؟ قال: نعم، قال: "فأنى ذلك"؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق". وهكذا جميع الأمثال الواردة في الكتاب والسنة دليل على القياس لما فيها من اعتبار الشيء بنظيره. ومن أقوال الصحابة: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء قال: ثم الفهم الفهم فيما أدلى عليك، مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عندك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق. قال ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول. وحكى المزني أن الفقهاء من عصر الصحابة إلى يومه أجمعوا على أن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، واستعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام). شروط القياس: الشرط الأول - ألا يكون فاسد الاعتبار: أولا - معنى فساد الاعتبار لغة (١): هو مركب من فساد واعتبار، والفساد خروج الشيء عن الاعتدال، وهو ضد الصلاح. وأما (الاعتبار) فهو مصدر على وزن (افتعال) من لفظ: عبر يعبر عبورا، أي: انتقل، يقال: عبرت النهر أعبره عبرا وعبورا، إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر. وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها ومعناه أن القياس فاسد.

стр. 216

ثانيا - تعريفه اصطلاحا: فساد الاعتبار هو: (مخالفة القياس نصا، أو إجماعا) (١). الأمثلة: قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٦٧): (مثال ما خالف نص الكتاب: قولنا: يشترط تبييت النية لرمضان، لأنه صوم مفروض، فلا يصح تبييته من النهار كالقضاء، فيقال: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته نص الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، فإنه يدل على أن كل من صام يحصل له الأجر العظيم، وذلك مستلزم للصحة، وهذا قد صام، فيكون صومه صحيحا. ومثال ما خالف السنة قولنا: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه عقد يشتمل على الغرر، فلا يصح، كالسلم في المختلطات، فيقال: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفة ما روي عن النبي ﷺ أنه رخص في السلم (٢). ومثال ما خالف الإجماع أن يقول الحنفي: لا يجوز أن يغسل الرجل زوجته؛ لأنه يحرم النظر إليها، فحرم غسلها كالأجنبية فيقال له: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أن عليا غسل فاطمة، ولم ينكر عليه، والقضية في مظنة الشهرة، فكان ذلك إجماعا كما سبق في بابه). الشرط الثاني - أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه . قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٥٢٣): (إن كان حكم

стр. 217

الأصل- ثابتا بقياس لم يصح القياس عليه ... فهذه ثلاثة علل لاشتراط أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتًا بنصٍّ أو إجماع - وهي: أولاَ: يجب القياس على الأصل الأول، فهو أولى. ثانيًا: قد يكون الفرع المقيس عليه غير صحيح أصلاً. ثالثًا: أن القياس على الفرع تطويل بلا فائدة. مثال ذلك: أن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز ويجري في الرز قياسًا علي البُر، فالقياس هكذا غير صحيح، ولكن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على البُر، ليقاس على أصل ثابت بنص ... ثم قال: على كلِّ حالٍ نقول: إن قياس الفرع على الفرع ثم الفرع على أصل: غير صحيح شكلاً وحكمًا؛ لأنا ذكرنا في إحدى العلل أن قياس الفرع الذي جعل أصلاً في القياس الثاني قد يكون غير صحيح، وحينئذٍ لا يصح الحكم؟ فالقياس إذًا غير صحيح شكلاً وحكمًا، فنحن نبطله ونقول: لا تقس هذا القياس، بل ارجع إلى الأصل الأول وقس عليه وينتهي الإِشكال. ثم قال: ثم لاحظ أنه في باب المناظرة قد نقول: يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز، وفي الرز قياسًا على البر، فيمنَعُ الخصمُ قياسَ الرز على البر وحينئذٍ يبطل قياسك. فهذه المسألة نافعة حتى في باب المناظرة وهي أن ترجع إلى الأصل الأول). وهذا الذي اختاره الشيخ هو ظاهر كلام أحمد، وأحد قولي المذهب، والقول الأخر بالجواز (١). قال ابن قدامة في الروضة (ص/٣١٥): (أركان القياس وهي أربعة أصل وفرع وعلة وحكم فالركن الأول له شرطان: أحدهما أن يكون ثابتا بنص أو اتفاق من الخصمين فإن كان مختلفا فيه أو لا نص فيه لم يصح التمسك به ... وقال بعض أصحابنا يجوز القياس على ما ثبت بالقياس لأنه لما ثبت صار أصلا في نفسه فجاز القياس عليه كالمنصوص ولعله أراد ما ثبت بالقياس واتفق عليه الخصمان ... ).

стр. 218

قال الطوفي في "البلبل" (ص/١٥١): (ولا يصح إثباته - أي الأصل - بالقياس على أصل آخر؛ لأنه إن كان بينه وبين محل النزاع جامع، فقياسه عليه أولى، إذ توسيط الأصل الأول تطويل بلا فائدة، وإلا لم يصح القياس لانتفاء الجامع بين محل النزاع وأصل أصله). الشرط الثالث - أن يكون لحكم الأصل علة معلومة: قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١٤٦): (من شرط حكم الأصل المقيس عليه أن لا يكون معدولاً به عن سنن القياس، أي عن طريقه المعتبر فيه لتعذر التعدية حينئذ وذلك على ضربين: أحدهما: لكونه لم يعقل معناه، إما لكونه استثني من قاعدة عامة كالعمل بشهادة خزيمة وحده فيما لا يقبل شهادة الواحد فيه، أو لم يستثن كتقدير نصب الزكوات، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفارات. والضرب الثاني: ما عقل معناه ولكن لا نظير له ... ). الشرط الرابع - أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٥٣١): (الأصل أن تكون - أي علة الحكم - مشتملة على معنى مناسب للحكم مثل: أكرم اليتيم ليتمه، أطعِم المسكين لمسكنته، أعِنِ المجاهد لجهاده؛ يعني لا بد أن تكون علةُ الحكم مشتملة على معنى مناسب للحكم. ثم ضرب المؤلف مثلاً بالإسكار بالخمر- والخمر حرام لأنها مسكرة ... والإِسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب). وقال في "الأصول" (ص/٧١): (فإن كان المعنى وصفاً طرديًّا لا مناسبة فيه لم يصح التعليل به، كالسواد والبياض مثلا. مثال ذلك: حديث ابن عباس ﵄ أن بريرة خيرت على زوجها حين عتقت قال: وكان زوجها عبداً أسود، فقوله: "أسود"؛ وصف طردي لا مناسبة فيه للحكم، ولذلك يثبت الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد وإن كان أبيض، ولا يثبت لها إذا عتقت تحت حر، وإن كان أسود). الشرط الخامس - أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل: قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣٢٩٨): (من شروطه - أي الفرع - أن يشتمل على علة حكم الأصل بتمامها حتى لو كانت ذات أجزاء، فلا بد من اجتماع الكل في

стр. 219

الفرع، وهذه العبارة أحسن من عبارة ابن الحاجب ومن تبعه: ' أن يساوي الفرع في العلة علة الأصل '، لأن لفظ المساواة قد يفهم منع الزيادة، فيخرج قياس الأولى، بخلاف هذه العبارة فإن الزيادة لا تنافيه، وهي شاملة لقياس الأولى، والمساوي، والأدون. إذا علم ذلك فإن كان وجودها بتمامها فيه قطعيا كقياس الضرب للوالدين على قول 'أف' بجامع أنه إيذاء، وكالنبيذ يقاس على الخمر بجامع الإسكار، ويسمى الأول قياس الأولى، والثاني قياس المساواة، وكل منهما قطعي. وإن كان وجود العلة بتمامها ظنيا فالقياس ظني، ويسمى قياس الأدون كقياس التفاح على البر في أنه لا يباع إلا يدا بيد ونحو ذلك بجامع الطعم، فالمعنى المعتبر وهو الطعم موجود في الفرع بتمامه، وإنما سمي قياس أدون؛ لأنه ليس ملحقا بالأصل إلا على تقدير أن العلة فيه الطعم، فإن كانت فيه تركب من الطعم مع التقدير بالكيل، أو كانت العلة القوت أو غير ذلك لم يلحق بالتفاح. وظهر بذلك أنه ليس المراد بالأدون أن لا يوجد فيه المعنى بتمامه، بل أن تكون العلة في الأصل ظنية. قال ابن مفلح تبعا لابن الحاجب: ' من شروط الفرع مساواة علة الأصل فيما يقصد من عين العلة أو جنسها، كالشدة المطربة في النبيذ، وكالجناية في قياس قصاص طرف على النفس '. أما العين: فكقياس النبيذ على الخمر بجامع الشدة المطربة، وهي بعينها موجودة في النبيذ. وأما الجنس: فكقياس الأطراف على القتل في القصاص بجامع الجناية المشتركة بينهما، فإن جنس الجناية هو جنس لإتلاف النفس والأطراف، وهو الذي قصد الاتحاد فيه ... ) (١). أقسام القياس القياس الجلي: ينقسم القياس من حيث قوته وضعفه إلى: جلي وخفي. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٢٢٣ (: (اعلم أن للقياس أقساما باعتبارات: أحدها: إما جلي وهو ما كانت العلة الجامعة فيه بين الأصل والفرع

стр. 220

منصوصة، أو مجمعا عليها، أو ما قطع فيه بنفي الفارق، كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم النصيب. وإما خفي: وهو ما كانت العلة فيه مستنبطة). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٧٢): (مثال ما ثبتت علته بالنص: قياس المنع من الاستجمار بالدم النجس الجاف على المنع من الاستجمار بالروثة، فإن علة حكم الأصل ثابتة بالنص حيث أتى ابن مسعود ﵁ إلى النبي ﷺ بحجرين وروثة؛ ليستنجي بهن، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذا ركس" والركس النجس. ومثال ما ثبتت علته بالإجماع: نهي النبي ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان، فقياس منع الحاقن من القضاء على منع الغضبان منه من القياس الجلي، لثبوت علة الأصل بالإجماع وهي تشويش الفكر وانشغال القلب. ومثال ما كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع: قياس تحريم إتلاف مال اليتيم باللبس على تحريم إتلافه بالأكل للقطع بنفي الفارق بينهما. والخفي: ما ثبتت علته باستنباط، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع. مثاله: قياس الأشنان على البر في تحريم الربا بجامع الكيل، فإن التعليل بالكيل لم يثبت بنص ولا إجماع، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، إذ من الجائز أن يفرق بينهما بأن البر مطعوم بخلاف الأشنان). قياس الشبه: قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٢٤): (اختلف في تعريف قياس الشبه، فقيل: هو «إلحاق الفرع المتردد بين أصلين بما هو أشبه به منهما» أي: من ذينك الأصلين. وهذا قول القاضي يعقوب من أصحابنا وغيره. ومن أمثلته تردد العبد بين الحر والبهيمة، في التمليك، فمن قال: يملك بالتمليك; قال: هو إنسان يثاب ويعاقب وينكح ويطلق، ويكلف بأنواع من العبادات، ويفهم ويعقل، وهو ذو نفس ناطقة، فأشبه الحر. ومن قال: لا يملك ; قال: هو حيوان يجوز بيعه ورهنه وهبته وإجارته وإرثه أشبه الدابة. وعلى هذا خرج الخلاف في ضمانه إذا تَلِفَ بقيمته، وإن جاوزت دية الحر إلحاقا له بالبهيمة والمتاع في ذلك، وبما دون دية الحر بعشرة دراهم تشبيها له به، وتقاعدا

стр. 221

به عن درجة الحر. وكذا المذي تردد بين البول والمني، فمن حكم بنجاسته، قال: هو خارج من الفرج لا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، أشبه البول، ومن حكم بطهارته، قال: هو خارج تحلله الشهوة، ويخرج أمامها، فأشبه المني، وزعم بعضهم أن الخلاف في طهارة المذي مبني على أنه جزء من المني، أو رطوبة ترخيها المثانة ... ). قياس العكس: قياس العكس هو: (إثبات نقيض حكم الأصل للفرع لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه) (١). قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١٢٨ (: (قال البرماوي: في حجية قياس العكس، خلاف وكلام الشيخ أبي حامد يقتضي المنع، لكن الجمهور على خلافه ... قال البرماوي: (ويدل عليه أن الاستدلال به وقع في القرآن والسنة وفعل الصحابة: فأما القرآن: فنحو قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: ٢٢]. فدل على أنه ليس إله إلا الله لعدم فساد السموات والأرض. وكذلك قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢]. ولا اختلاف فيه فدل على أن القرآن من عند الله بمقتضى قياس العكس. وأما السنة: فكحديث: (يأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام؟ - يعني: أكان يعاقب؟ - قالوا: نعم، قال: فمه!). فقاس وضعها في حلال فيؤجر على وضعها في حرام فيؤزر بنقيض العلة ... فظهر بذلك كله أنه حجة ... ) (٢).

стр. 222

التعارض لما أنهينا الكلام على الأدلة الشرعية بدأنا الكلام على هذا الباب الذي يدفع التعارض بين الأدلة ويبين كيفية الترتيب بينها. ولما كان هذا الباب موضوع نظر المجتهد وضروراته؛ لأن الأدلة الشرعية متفاوتة في مراتب القوة، فيحتاج المجتهد إلى معرفة ما يقدم منها وما يؤخر؛ لئلا يأخذ بالأضعف منها مع وجود الأقوى. ولما كان المجتهد هو من يقوم بالترجيح بين الأدلة ويبين ترتيبها، ويزيل التعارض الظاهري بينها قدم الموفق، وابن مفلح، وغيرهما باب الاجتهاد على هذا الباب، لكن الرازي في ' المحصول ' وأتباعه قدموا التعارض والتراجيح على الاجتهاد؛ لأنه المقصود، وذلك ما يتوقف عليه المقصود (١). تعريف التعارض: لغة: التعارض لغة: الظهور، والتقابل، والتمانع. مادة عَرَضَ في اللغة لها معان كثيرة منها (٢): - الظهور، يقال: عَرَضَ له كذا، أي ظهر، وعرضت عليه أمر كذا وعرضت له الشيء أي: أظهرته له وأبرزته، ومنه قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) [الكهف: ١٠٠]. والشيء معروض لك: موجود ظاهر لا يمنع، وأظهره عليه: أراه إياه. ولعل هذا المعنى - الظهور - معنى متأصل في جميع المعاني التي تدل عليها مادة عَرَضَ. - ومنها: المقابلة، يقال: عارض الشيء بالشيء معارضة: قابله، وعارضت كتابي بكتابه أي قابلته. وفلان يعارضني أي يباريني، ويقال: عارض فلان فلانا إذا أخذ في طريق وأخذ الآخر في طريق فالتقيا وتقابلا، ومنه الحديث إن جبريل عليه

стр. 223

السلام كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه العام مرتين أي كان يدارسه جميع ما نزل من القرآن من المعارضة المقابلة ٠ والتقابل بين شيئين لا يتحقق إلا بظهورهما وبروزهما في مواجهة بعضهما. - ومن معانيها أيضا المنع، يقال: اعترض الشيء إذا صار عارضا ومانعا، والأصل فيه أن الطريق إذا أعترض فيه بناء أو غيره منع السابلة من سلوكه. ومنه قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) [البقرة: ٢٢٤] أي لا يمنعه يمينه من أن يتقي الله ويصل رحمه ويصلح بين الاثنين. ويقال: اعترض الشيء دون الشيء، أي حال دونه، ومنى سمي السحاب عارضا؛ لأنه يحول دون أشعة الشمس، ومنه قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) [الأحقاف: ٢٤]. ومنه اعتراضات الفقهاء؛ لأنها تمنع التمسك بالدليل، وتعارض البينات لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها. ولعل سبيل التمانع بين الشيئين هو ظهورهما وبروزهما لبعضهما. اصطلاحا: التعارض هو: (تقابل الدليلين على سبيل الممانعة الصورية). قولنا: (تقابل) جنس في التعريف يدخل فيه كل تقابل لأي شيئين أو كثر. قولنا: (الدليلين) قيد يبين أن التقابل إنما يكون بين الدليلين ويخرج به التعارض بين غير الأدلة. وعمومه يشمل القطعي والظني من الأدلة. قولنا: (على سبيل الممانعة) أي أن التقابل بين الأدلة إنما يكون على وجه مخالفة أحدهما للآخر. قولنا: (الصورية) أي من وجهة نظر المجتهد، فلا يوجد تعارض حقيقي بين الأدلة. تنبيه - لا يقع تعارض بين الأدلة الظنية (١) قال المرداوي في " التحبير" (٨/ ٤١٢٦): (التعادل بين قطعيين ممتنع قطعا

стр. 224

سواء كانا عقليين أو نقليين، أو أحدهما عقليا والآخر نقليا؛ إذ لو فرض ذلك لزم اجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما، وترجيح أحدهما على الآخر محال فلا مدخل للترجيح في الأدلة القطعية؛ لأن الترجيح فرع التعارض ولا تعارض فيها فلا ترجيح ... ومثل ذلك القطعي والظني، أعني أنه لا تعادل بينهما ولا تعارض لانتفاء الظن؛ لأنه يستحيل وجود ظن في مقابلة يقين خلافه، فالقاطع هو المعمول به والظن لغو، وكذلك لا يتعارض حكم مجمع عليه مع حكم آخر ليس مجمعا عليه. قوله: ﴿وكذا ظنيان عند أحمد، وأكثر أصحابه، والكرخي، وبعض الشافعية ... ، وقال القاضي وابن عقيل والأكثر: يجوز تعادلهما كما في نظر المجتهد اتفاقا وحكي عن أحمد﴾). والراجح أنه لا فرق بين الأدلة الظنية والقطعية (١) في امتناع وقوع التعارض بينهما بمعنى أنه يمتنع حدوث تعارض حقيقي بين الأدلة، وأنه إذا حدث تعارض بين الأدلة فإنه يكون صوريا أي من وجهة نظر المجتهد فقط (٢)، وذلك (٣) لأن كتاب الله سالم من الاختلاف والاضطراب والتناقض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] ولهذا مدح الله تعالى الراسخين في العلم حيث قالوا: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران: ٧]؛ أي: محكمه ومتشابهه حق (٤). وقال ﷺ : (إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) (٥).

стр. 225

كما أحاديث النبي ﷺ الصحيحة مبرأة من التناقض والاختلاف؛ لأن النبي ﷺ معصوم من التناقض والاختلاف بإجماع الأمة، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣، ٤]. وكل هذه الأدلة تشمل الظني والقطعي منهما. قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوي" (٨/ ٢٩): (الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا). وقال في "المسودة" (ص/٢٧٤): (لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه وليست مع أحدهما ترجيح يقدم به ذكره أبو بكر الخلال). وقال في "مجموع الفتاوي" (٧/ ٤٠): (إذا قلنا الكتاب والسنة والإجماع فمدلول الثلاثة واحد فان كل ما في الكتاب فالرسول موافق له والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة فليس في المؤمنين الا من يوجب اتباع الكتاب وكذلك كل ما سنه الرسول فالقرآن يأمر باتباعه فيه والمؤمنون مجمعون على ذلك وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فانه لا يكون الا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول وأما الرسول فينزل عليه وحى القرآن ووحى آخر هو الحكمة كما قال: (ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه (١) (). أقسام التعارض: أقسام التعارض أربعة (٢): القسم الأول والثاني - أن يكون التعارض بين دليلين عامين أو خاصين وله أربع حالات:

стр. 226

١ - أن يمكن الجمع بينهما بحيث يحمل كل منهما على حال لا يناقض الآخر فيها فيجب الجمع. ٢ - فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول. ٣ - فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح. ٤ - فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف). تتمات: أيهما يقدم النسخ أم الجمع: ما ذهب إليه الشيخ هو مذهب الجمهور، وخالف الأحناف فقدموا النسخ على الجمع. قال ابن قدامة في "الروضة" (ص/٢٥١): (إذا تعارض عمومان فأمكن الجمع بينهما بأن يكون أحدهما أخص من الآخر فيقدم الخاص أو يكون أحدهما يمكن حمله على تأويل الصحيح والآخر غير ممكن تأويله فيجب التأويل في المؤول ويكون الآخر دليلا على المراد منه جمعا بين الحديثين إذ هو أولى من إلغائهما وإن تعذر الجمع بينهما لتساويهما ولكونهما متناقضين كما لو قال من بدل دينه فاقتلوه من بدل دينه فلا تقتلوه فلا بد أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فإن أشكل التاريخ طلب الحكم من دليل غيرهما). قال ابن أمير الحاج في "التقرير والتحبير" (٣/ ٤): (حكمه أي التعارض صورة النسخ إن علم المتأخر فيكون ناسخا للمتقدم وإلا إذا لم يعلم المتأخر فالحكم الترجيح لأحدهما على الآخر بطريقه إن أمكن ثم الجمع بينهما إن أمكن إذا لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر لأن إعمال كليهما في الجملة حينئذ أولى من إلغاء كليهما بالكلية وإلا إذا لم يعلم المتقدم ولم يمكن ترجيح أحدهما ولا الجمع بينهما تركا أي المتعارضان إلى ما دونهما من الأدلة). والأولى أن يقدم الجمع على الترجيح؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، وأما الخلاف في تقديم النسخ على الجمع أو العكس فهو من وجهة نظري خلاف

стр. 227

لفظي، فإنه إن صحت شروط النسخ لم يمكن الجمع، وإن أمكن الجمع فلا يتحقق النسخ. ماذا يفعل المجتهد إن لم يمكنه الجمع أو الترجيح، ولم يعلم الناسخ: إذا وجد المجتهد دليلان متعارضان فإنه يجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع والتوفيق بين الأدلة، فإن تعذر عليه ذلك - ولم يكن أحدهما منسوخا، فإنه يتوقف عن الاستدلال بأيهما لحين ظهور وجه الجمع بينهما، أو الترجيح لأحدهما على الآخر، وإنما قلنا بالتوقف لأن الحق واحد لا يتعدد، ولم نقل بالتخيير بين أيهما لأن هذا يستلزم تعدد الحق، وأنه ليس محصورا في واحد منهما. قال الشيخ الجيزاني في "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة " (ص / ٢٧٢): (ولعل الصواب هو التوقف في هذين الدليلين، والبحث عن دليل جديد. وهذا يوافق منهج السلف فإنهم كانوا يطلبون الدليل في القرآن، فإن لم يجدوه في القرآن طلبوه في السنة، فإن لم يجدوه في السنة طلبوه في الإجماع، وهكذا .... ). القسم الثالث - أن يكون التعارض بين عام وخاص فيخصص العام بالخاص . ومثال ذلك: قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر) وقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) فيخصص الأول بالثاني، ولا تجب الزكاة إلا فيما بلغ خمسة أوسق. وقد سبق الكلام على التخصيص. القسم الرابع - العموم والخصوص الوجهي . وذبك بأن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه فله ثلاث حالات: ١ - أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به. ٢ - وإن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر عمل بالراجح. ٣ - وإن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها.

стр. 228

وضابطُ الأعمِّ والأخصِّ من وجهٍ: وضابطه أن يوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه. قال المرداوي في " التحبير": (١/ ٤٢): (شأن العموم والخصوص من وجه أن يجتمعا في صورة، وينفرد كل واحد منهما في صورة، فيجتمع الحمد والشكر في الثناء باللسان، وينفرد الحمد بالثناء على الصفات الحميدة من غيره، وينفرد الشكر بالثناء بالجنان والأركان). موقف المجتهد لإزالة هذا التعارض: ومحصل ما ذكر في المذهب أنه يصار عن تعارضهما إلى الترجيح بينهما أو إلى دليل آخر كما قال المجد في "المسودة" (ص/١٢٥) (١). مثال: قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٤/ ٤١٣): (القاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإنهما يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح بينهما. كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله: وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتما معتبر وإيضاح كون حديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار»، بينه وبين أحاديث النهي - كحديث أبي ذر مرفوعا: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس» - عموم وخصوص من وجه، كما ذكره الشوكاني ﵀: هو أن أحاديث النهي عامة في مكة وغيرها، خاصة في أوقات النهي. وحديث جبير بن مطعم عام في أوقات النهي وغيرها، خاص بمكة حرسها الله، فتختص أحاديث النهي بأوقات النهي في غير مكة، ويختص حديث جبير بالأوقات التي لا ينهى عن الصلاة فيها بمكة، ويجتمعان في أوقات النهي في مكة، فعموم أحاديث النهي يشمل مكة وغيرها، وعموم إباحة

стр. 229

الصلاة في جميع الزمن في حديث جبير، يشمل أوقات النهي وغيرها في مكة فيظهر التعارض في أوقات النهي في مكة، فيجب الترجيح. وأحاديث النهي أرجح من حديث جبير من وجهين: أحدهما: أنها أصح منه لثبوتها في الصحيح. والثاني: هو ما تقرر في الأصول، أن النص الدال على النهي يقدم على النص الدال على الإباحة ; لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما قدمناه مرارا. والعلم عند الله تعالى). الترتيب بين الأدلة: إذا تعارضت الأدلة وأمكن الجمع بينها وجب الجمع وإن لم يمكن الجمع عمل بالنسخ إن تمت شروطه، وإلا وجب الترجيح. وهذه جملة من القواعد العامة في الترجيح: ١ - يرجح النص على الظاهر . اعلم أن الكلام إما أن يحتمل معنى واحداً فقط فهذا هو النص نحو قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]. وإما أن يحتمل معنيين فأكثر، فان كان أظهر في أحدهما فهو الظاهر ومقابله المحتمل المرجوح. فمثال الظاهر باللغة: الأمر يحتمل الإيجاب ويحتمل الندب والاستحباب إلا أنه في الإيجاب أظهر، ومثل النهي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، إلا أنه في التحريم أظهر. ومثال الظاهر بالعرف: لفظ الغائط، فإنه إن أطلق يراد به عرفا الخارج المخصوص من الإنسان لا المطمئن من الأرض. ومثال الظاهر بالشرع: الصلاة والصيام فإن الصيام إمساك مخصوص في زمن مخصوص. قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٦٩٨ (: (الترجيح اللفظي من جهة المتن - " فمبناه "، أي: هو مبني على " تفاوت دلالات العبارات في أنفسها، فيرجح الأدل منها فالأدل "، أي: إن العبارات تتفاوت في الدلالة على المعاني بالقوة

стр. 230

والضعف، والبيان والإجمال، والإيضاح والإشكال، فما كان منها أقوى دلالة، قدم على غيره. وهذه قاعدة هذا القسم، " فالنص مقدم على الظاهر "، لأن النص أدل، لعدم احتماله غير المراد، والظاهر محتمل غيره وإن كان احتمالا مرجوحا، لكنه يصلح أن يكون مرادا بدليل). وعليه فدلالة النص أقوى من دلالة الظاهر على المعنى المراد فيقدم عليه. ٢ - يرجح الظاهر على المؤول . سبق وأن ذكرنا أن تعرف المؤول الصحيح (ما حمل على المعنى المرجوح بدليل يصيره راجحا). كتأويل قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] إلى معنى واسأل أهل القرية لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها. وكما تأولنا قوله ﷺ (الجار أحق بصقبه) والصقب: القرب والمجاورة بالجار المخالط لحديث: (إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة). وعليه فيقدم الظاهر على المؤول؛ لأن الظاهر دلالته على المعنى جلية بخلاف المؤول فدلالته على المعنى خفية. ٣ - (يقدم المنطوق على مفهوم المخالفة) . تمهيد: المفهوم ينقسم إلى مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، ومفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم من المنطوق أو مساو فلا يتقدم عليه، وكلامنا على مفهوم المخالفة. قال الشنقيطي في " المذكرة" (ص / ٨٩): (وضابط مفهوم الموافقة هو ما دل اللفظ لا في محل النطق على أن حكمه وحكم المنطوق به سواء وكان ذلك المدلول المسكوت عنه أولى من المنطوق به بالحكم أو مساوياً له). فمثال الأولوي: ما يفهم من اللفظ بطريق القطع؛ كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب؛ لأنه أشد. ومثال المساوي: تحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) [النساء: ١٠] فالإحراق مساو للأكل بواسطة الإتلاف في الصورتين.

стр. 231

مثال على القاعدة: وقد مثل لقاعدة الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٥٩٠) بترجيح منطوق حديث أبي سعيد ﵁: (الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسْه شيءٌ) على مفهوم حديث القُلَّتين ولفظه عن ابن عمر ﵄ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع فقال ﷺ : (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) فإنه يُؤخذُ منه - بطريق مفهوم المخالَفة - أن ما نقص عن القُلَّتين يتنجّسُ بملاقاة النجاسة، وإنْ لم يتغيّرْ، ومنطوقُ الأول يدلُّ على عدم تنجُّسِه إذا لم يتغيّر لونُه أو طعمُه أو ريحُه. ٤ - يرجح المثبت على النافي (١). يقدم المثبت على النافي؛ لأن مع المثبت زيادة علم مع إفادته للتأسيس، والتأسيس أولى من التأكيد. إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم، فيستويان ويطلب الترجيح بينهما أو يتوقف في الاستدلال بهما. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٧٠٠): (قوله: " والمثبت "، أي: ويقدم الخبر المثبت " على النافي "، يعني الدال على ثبوت الحكم على الخبر الدال على نفيه، كإثبات بلال ﵁ صلاة النبي ﷺ في الكعبة على رواية ابن عباس في نفيها؛ لأن عند المثبت زيادة علم ممكنة وهو عدل جازم بها. قوله: " إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم، لا عدم العلم، فيستويان " يعني أن نفي النافي إن استند إلى عدم العلم، كقوله: لم أعلم أن رسول الله ﷺ صلى بالبيت، ولم أعلم أن فلانا قتل فلانا، لم يلتفت إليه، وكان إثبات المثبت للصلاة، وقتل فلان مقدما لما سبق. وإن استند نفي النافي إلى علم بالعدم، كقول الراوي: اعلم أن رسول الله ﷺ لم يصل بالبيت، لأني كنت معه فيه، ولم يغب عن نظري طرفة عين فيه، ولم أره صلى فيه، أو قال

стр. 232

أخبرني رسول الله ﷺ أنه لم يصل فيه، أو قال: اعلم أن فلانا لم يقتل زيدا، لأني رأيت زيدا حيا بعد موت فلان، أو بعد الزمن الذي أخبر الجارح أنه قتله فيه. فهذا يقبل، لاستناده إلى مدرك علمي، ويستوي هو وإثبات المثبت، فيتعارضان، ويطلب المرجح من خارج. وكذلك كل شهادة نافية استندت إلى علم بالنفي، لا إلى نفي العلم، فإنها تعارض المثبتة، لأنها تساويها، إذ هما في الحقيقة مثبتتان، لأن إحداهما تثبت المشهود به، والأخرى تثبت العلم بعدمه). بعض الاستثناءات ومناقشتها: أولا- إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم: فهنا يتعادلان، وقد سبق الكلام عنه. ثانيا - إلا أن يكونا في حد (١): قال المرداوي في "التحبير" (٨/ ٤١٩٨): (قوله: ﴿وداريء حد، وفي ' الكفاية ' و ' الواضح '، وابن البناء وقال: هو المذهب: المثبت، وفي ' العدة ': سواء كالغزالي، والموفق﴾. الصحيح أن داريء الحد مقدم على مثبته. قال الشريف أبو جعفر، والحلواني من أصحابنا يقدم نافي الحد على مثبته، ورجحه أبو الخطاب في ' التمهيد '، وغيره، وعليه الأكثر؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، روي عن الصحابة، وفيه أخبار ضعيفة ... قال الآمدي: ولأن الخطأ في نفي العقوبة أولى من الخطأ في تحقيقها، على ما قاله ﵊: ' لأن تخطيء في العفو خير من أن تخطيء في العقوبة ' ... ) ٥ - يرجح الناقل عن الأصل على المبقي عليه (٢). قال المرداوي في "التحبير" (٤/ ٤١٩٤): (قوله: ﴿وناقل عن الأصل ... ﴾. إذا تعارض حكمان أحدهما مقرر للحكم الأصلي، والآخر ناقل عن حكم الأصل.

стр. 233

فالناقل مقدم عند الجمهور؛ لأنه يفيد حكما شرعيا ليس موجودا في الآخر ... ). وما ذهب إليه الجمهور أولى لأن الناقل فيه زيادة على المبقى على البراءة الأصلية بإثباته حكما شرعيا ليس موجودا في الأصل. مثل: ترجيحُ أحاديثِ تحريمِ الحُمُرِ الأهليةِ على الأحاديث التي فيها إباحتُها؛ لأن التحريمَ ناقلٌ عن حكم الأصل. ٦ - يرجح العام المحفوظ على غير المحفوظ . قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٧٠٦): («فيرجح المجرى على عمومه على المخصوص». أي: إذا تعارض عامان أحدهما باق على عمومه، والآخر قد خص بصورة فأكثر ; رجح الباقي على عمومه على المخصوص، لأنه مختلف في بقائه حقيقة أو مجازا، وحجة، أو غير حجة، والباقي على عمومه لا خلاف في بقائه حقيقة وحجة، فكان راجحا. قلت: وكذلك يقدم ما كان أقل تخصيصا على الأكثر تخصيصا، مثل أن يخص أحدهما بصورة، والآخر بصورتين، فالأول أرجح، لأنه أقرب إلى الأصل، وهو البقاء على العموم ومخالفة الأصل فيه أقل). ٧ - يرجح ما كانت صفات القبول فيه أكثر على ما دونه . هذه القاعدة والتالية لها من المرجحات من ناحية السند. قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٥٩٦): (هذا في الحديث الشاذ والمحفوظ، ومرَّ علينا في المصطلح: "الشاذ" ما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه: عددًا أو حفظًا، فإذا كان عندنا راويان رويا حديثًا متعارضًا لكنَّ أحدَهما أقوى من الآخر حفظًا وأمسَّ بالشيخ الذي رويا عنه الحديث - فتقدِّم الثاني- لدينا رجلان رويا عن شيخ حديثًا، كل واحد منهما رواه على وجه يخالف الآخر، وكل منهما ثقة، لكن أحدهما أقوى في الأوثقية وأشد وثوقًا في الشيخ مثل أن يكون صهره أو ابن عمه أو ابن أخيه أو خادمه- مثل نافع عن ابن عمر- فهنا نقدِّم الثاني؛ لأن صفات القبول فيه أقوى وأكثر من الآخر).

стр. 234

٨ - يرجح صاحب القصة على غيره (١). قال القاضي أبو يعلى في "العدة" (٣/ ١٠١٩) وهو يتكلم عن وجوه الترجيح من ناحية الإسناد: (الثالث: أن يكون أحد الراويين مباشرا لما رواه؛ لأن المباشر أعرف بالحال، ومثاله ما قلناه في رواية أبي رافع أن النبي ﷺ : (نكح ميمونة وهو حلال) أنه أولى من رواية ابن عباس: (أنه نكحها وهو حرام)؛ لأن أبا رافع كان السفير بينهما، والقابل لنكاحها لرسول الله ﷺ . الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب القصة، كميمونة، قدمنا قولها: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان، على قول ابن عباس؛ لأنها المعقود عليها، فهي أعرف بوقت عقدها من غيرها لاهتمامها به ومراعاتها لوقته). ٩ - يقدم من الإجماع: القطعي على الظني . سبق بيان أن الإجماع نوعان قطعي وظني، فإن تعارضا فيقدم الإجماع القطعي؛ لأنه أقوى منه. ١٠ - يقدم من القياس: الجلي على الخفي . وقد سبق بيان أن القياس له مراتب من حيث القوة والضعف والجلاء والخفاء، فالقياس الذي في معنى الأصل أقوى من القياس الجلي، والجلي أقوى من الخفي، وقياس العلة أقوى من قياس الدلالة.

стр. 235

المفتى والمستفتي تعريف المفتى: المفتى هو: (المخبر بحكم شرعي عملي مكتسب من أدلته التفصيلية لمن سأل عنه في أمر نازل) (١). قولنا: (عملي) ليخرج ما تعلق بالاعتقاد والسلوك ونحو ذلك كما سبق في تعريف الفقه. من المقرر أن المفتي لا يكون إلا مجتهدا (٢)، وغير المجتهد لا يكون مفتيا حقيقة، ولذلك أضفنا للحد قولنا: (مكتسب من أدلته) فالمقلد لم يكتسب الحكم من أدلته. قولنا: (لمن سأل) للتفريق بين المفتى والمرشد؛ وذلك لأن الإخبار بحكم الله تعالى من غير سؤال هو إرشاد. قولنا: (أمر نازل) للتفريق بين المفتى والمعلِّم؛ وذلك لأن الإخبار بحكم الله تعالى في غير أمر نازل هو تعليم. تعريف المستفتي: المستفتي هو: (السائل عن حكم شرعي عملي في نازلة ما). شروط جواز الفتوى: الشرط الأول - أن يكون المفتي عارفاً بالحكم يقيناً أو ظنّاً راجحاً وإلا وجب عليه التوقف) . هذا الشرط فيه إشارة إلى ما سبق تقريره من أن من شروط المفتى أن يكون مجتهدا ليكون عنده القدرة على التوصل إلى معرفة الأحكام الشرعية. قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٦٠٠): (هذا أهم الشروط، أن يكون المفتي عارفًا بالحكم "يقينًا": مثل أن يعرف أن الميتة حرام، "أو ظنًا" بحيث تكون الأدلة مشتبهة: إما في ثبوتها، وإما في دلالتها، وإما في احتمال معارض، وما أشبه ذلك. المهم أن يكون في الدليل اشتباه، فهنا قد لا يصل الإنسان

стр. 236

إلى العلم الذي لا يقبل الاحتمال، فيكون عنده ظن. والظن ظنان: "ظن ليس مبنيًا على اجتهاد وإنما هو تخرُّص مطلق! فهذا هو المذموم، ومنه قول بعض العوام أو المتحذلقين من الذين يدعون العلم- إذا سئل عن شيء قال: والله "أظن " أن هذا حرام، أما الذي يبحث في الأدلة ويراجع ولكنه لم يصل إلى حدِّ اليقين، فإنه إذا حكم بذلك فقد حكم بما يستطيع، وقد قال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]، وقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦] وأيضًا فإن الإنسان قد لا يصل إلى العلم القطعي، ولو أنَّا ألزمنا المفتين بألا يفتوا إلا بما اقتضى العلم لتعطلت كثير من الأحكام الشرعية .. فإن كثيرًا من الأحكام الشرعية مبني على الظن- بعد الاجتهاد-. وقوله: (وإلا وجب عليه التوقف): "وإلا": أي: وإلا يكن عارفًا يقينًا أو ظنًا يجب عليه التوقف. ويقال إن مالك بن أنس- ﵀ إمام دار الهجرة وهو أحد الأئمة الأربعة جاءه رجل من بلاد خراسان أرسله أهل البلد يسألونه عن مسألة، فسأله، فقال: "لا أدري "! قال: "فماذا أقول لأهل خراسان؟! " قال: "قل لهم إن الإمام مالكًا يقول: لا أدري). الشرط الثاني - أن يتصور السؤال تصوّرا ًتاماً . قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٨٣): (فإذا أشكل عليه معنى كلام المستفتي سأله عنه، وإن كان يحتاج إلى تفصيل استفصله، أو ذكر التفصيل في الجواب، فإذا سئل عن امرئ هلك عن بنت وأخ وعم شقيق، فليسأل عن الأخ هل هو لأم أو لا؟ أو يُفَصِّلُ في الجواب، فإن كان لأم فلا شيء له، والباقي بعد فرض البنت للعم، وإن كان لغير أم فالباقي بعد فرض البنت له، ولا شيء للعم). الشرط الثالث - أن يكون هادئ البال فلا يفتي حال انشغال فكره بغضب أو هم أو ملل أو غيرها . قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥٤٧): ((وهي) أي: الفتيا (في حالة غضب ونحوه) كشدة جوع، وشدة عطش، وهم، ووجع، وبرد مؤلم، وحر مزعج، ومع كونه حاقنا، أو حاقبا، أو نحو ذلك (كقضاء) فتحرم على الصحيح،

стр. 237

كالصحيح في قضاء القاضي في تلك الحالة ويعمل بفتياه إن أصاب الحق، كما ينفذ قضاؤه في تلك الحالة إن أصاب الحق) (١). وقد فصل الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٦٠٨) في حالات الغضب فقال: (العلماء يقولون: إن الغضب له ثلاث مراحل: (أول، ونهاية، ووسط) أما (النهاية): فإنها تلحق صاحبه بالمجانين، فلا حكم لقوله أبدًا، فكل أقواله لا تُعتبر؛ لأنه مثل المجنون حتى وإن كان ذلك في طلاق امرأته، فلا تطلق. وأما (الابتداء وهو أول الغضب): فهذا لا أثر له- يعني: أن وجوده كعدمه، فَتُعتبر أقول أصحابه، ويؤاخذ بها. (الحال الثالثة للغضب): حال وسط: لا في أوله ولا في نهايته، فهذا موضع نزاع بين أهل العلم: هل يعفى عنه؟ بمعنى: هل تُعتبر أقوال صاحبه أو لا تعتبر، فلو طلق زوجته في هذه الحالة فهل تطلق أو لا تطلق؟ قال بعض العلماء: "تطلق " وقال آخرون: "لا تطلق "؛ لأن هذا الرجل مغلوب على أمره كأنه أكره على ذلك من غضبه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله). الشرط الرابع - ألا يترتب على الفتوى ما هو أكثر ضررا منها . قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٦١٨): (فإن ترتب عليها ما هو أكثر وجب الإمساك؛ وعلى هذا فينبغي أن يكون هذا الشرط شرطًا لجواز الفتوى لا لوجوبها، فيشترط ألا يترتب على الفتوى ما هو أعظم ضررًا، فإن ترتب عليها ما هو أعظم فإنه يجب الإمساك). وهذه الشروط الأربعة إذا أختل شرط منها حرمت الفتوى. شروط وجوب الفتوى: الأول - وقوع الحادثة المسئول عنها: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٦١١): (فلا بد أن تكون الفتوى واقعة فإن لم تكن واقعة لم تجب عليه الفتوى، وقد كان بعض السلف يفعل

стр. 238

ذلك، إذا سئل عن مسألة قال: "هل وقعت؟ " إن قال السائل: "نعم" أجاب، وإن قال: "لا" قال: "نحن في عافية منه، فلا نجيبك حتى تقع ". وقوله: (إلا أن يكون قصد السائل التعلم) فحينئذ يجب عليه أن يفتيه). وينبغي تقييد ذلك بأن يكون السائل أهلا للجواب، وإلا لم يكن كتما للعلم. الثاني - ألا يكون في البلد غيره من أهل الفتيا: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥٨٣): (لمفت ردها) أي: رد الفتيا (و) محله إذا كان (في البلد غيره) أي: الراد. وهو (أهل لها) أي: للفتيا (شرعا) وهذا الذي عليه جماهير العلماء؛ لأن الفتيا - والحالة هذه - في حقه سنة. وقال الحليمي الشافعي: ليس له ردها، ولو كان في البلد غيره؛ لأنه بالسؤال تعين عليه الجواب (وإلا) أي: وإن لم يكن في البلد غيره (لزمه الجواب) قطعا، ذكره أبو الخطاب وابن عقيل وغيرهما ... ). الثالث - ألا يكون للسائل مقصد سيئ من السؤال: قال العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٦١٣): (فإن علم أن قصده التعنت- يعني: الإشقاق على المسئول وإظهار عجزه- فإنه لا يجب عليه أن يجيب، فلو علمتَ أن هذا السائل لم يأت ليسأل إرادة للعلم، إنما أراد أن يسأل لإِظهار عجزك أمام الناس، فلك أن تقول: "لا أدري " أو: "لا أجيبك ". وكذلك إذا علمت أنه لما أخبرته بالحكم قال: "أين الدليل؟ " فأتيت بالدليل، فجعل يجادل: هذا الدليل يحتمل كذا وكذا، ويأتي له بألف احتمال، فهذا يُعرف منه أنه أراد التعنت، فلك أن تقول: "لا، ما عندي غير هذا"، ولا حرج عليك في هذا. ولهذا خيَّر اللهُ النبي ﷺ بين الحكم وعدمه إذا سأله أهل الكتاب قال: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) [المائدة: ٤٢]، لأنهم لن يأتوا لرسول الله ﷺ لمعرفة الحق، بل يريدون إعناته، وأحيانًا يريدون مصلحة لهم كما تحاكموا إليه في الزنى (١) ... أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض وهذا كثير الآن، يجيء المستفتي يسأل العالم ليرى ماذا عنده وليس قصده

стр. 239

الحق، وإذا علم ما عنده ذهب إلى العالم الثاني وسأل وقال: ماذا تقول في كذا وكذا؟ قال: أقول كذا وكذا. قال: لكن فلان يقول: كذا وكذا، فما قصده؟! أي أنه يضرب رأي العالم الثاني برأي العالم الأول. وقد يريد أن يتبجح في المجالس يقول: أنا سألت فلانًا وقال: هذا حرام، وسألت فلانًا وقال: هذا حلال. ثم يضرب آراء العلماء بعضها ببعض). ما يلزم المستفتي: عند اختلاف المفتين، وتعارض الفتاوى فللعلماء أقوال فيما يلزم المستفتي: أحدها: يأخذ بأغلظهما، والثاني: بأخفهما، والثالث: يجتهد في الأولى فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع، والرابع: يسأل مفتياً آخر فيأخذ بفتوى من وافقه، والخامس: يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء (١). وقال الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/٤٨٦): (يجوزُ للعاميّ أنْ يسألَ مَن شاء من المفتين، وله أنْ يسألَ المفضولَ مع وجود الفاضل، عند أكثر العلماء. واستدلُّوا على ذلك: بالإجماع؛ أخذاً مما عليه الحالُ وقتَ الصحابة والتابعين، فإن العوامَّ كانوا يسألون المفضولَ فيُفتيهم، ولا يأمرُهم بسؤال الفاضل. ولم يُعهدْ عن أحدٍ من الصحابة أنه كان لا يُفتي مع وجود الأفضل منه في البلدة، وقد أفتى ابنُ عباسٍ وابنُ عمر في حياة الخلفاء الأربعة، ﵃ أجمعين. الواجب على المستفتي إذا تعارضت الفتاوى: أنْ يأخذَ بفتوى الأعلم من المفتين، فإنْ تساووا أخذَ بقول الأتقى والأورع، فإنْ جهل الأعلمَ أو الأورعَ سأل العارفين بهم عن ذلك، ثم أخذ بمَن يغلب على ظنه أنه الأعلمُ أو الأتقى. والدليل على صحّته: أن فتوى العالم عند العاميّ كالدليل عند المجتهد، وإذا تعارضت الأدلّةُ عند المجتهد وجب عليه طلبُ الترجيح، فكذلك العاميّ إذا تعارضتْ عنده الفتاوى).

стр. 240

الاجتهاد تعريف الاجتهاد: لغة: الاجتهاد لغة: بذل الجَهد في فعل شاق. قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/١٧٣): (الاجتهاد لغة: بذل الجهد في فعل شاق، فيقال: اجتهد في حمل الرحى لا في حمل خردلة) (١). الاجتهاد: افتعال من جهد يجهد: إذا تعب، والجهد بضم الجيم وفتحها: الطاقة، وبفتحها فقط: المشقة. قال الزبيدي في "تاج العروس" (الجَهْدُ)، بالفتح: (الطَّاقَةُ) والوُسْع، (ويُضَمّ. و) الجَهْد، بالفتح فقط: (المَشَقَّة). قال ابن الأَثير: قد تكرَّرَ لفْظ الجَهْد والجُهْد في الحديث، وهو بالفتح المَشقَّة، وقيل المُبالغةُ والغاية. وبالضّمّ: الوُسْعُ والطّاقَةُ، وقيل: هما لغتانِ في الوُسْع والطّاقَة، فأَمّا في المَشقّة والغايةِ فالفتحُ لا غَيرُ، ويريدُ به في حديث أُمّ مَعْبد في الشَّاةِ الهُزالَ. ومن المضموم حديثُ الصَّدَقة: (أَيُّ الصَّدَقة أَفضل؟ قال: جُهْدُ المُقِلّ) أَي قَدْرُ ما يَحتمله حالُ القليلِ المالِ. (و) في التنزيلِ: (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) [التوبة: ٧٩] قال الفراءُ: الجُهْد في هذه الآيةِ الطاقَةُ، تقولُ: هذَا جُهْدِي، أَي طَاقَتي. وقُرِىء (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) و (جُهْدَهُمْ)، بالضّمّ والفتح، الجُهْد، بالضّمّ: الطَّاقَة، والجَهْد، بالفتح، من قولك (اجَهَدْ جَهْدَك) في هذا الأَمْرِ، أَي (ابلغْ غايَتَك). (وجَهَدَ، كمنَعَ)، يَجْهَد جَهْداً: (جَدَّ، كاجْتَهَدَ. و) جَهَدَ (دَابَّتَه) جَهْداً (: بَلَغَ جَهْدَهَا)، وحَمَل عليها في السَّيْر فوقَ طاقتِها، (كأَجْهَدَهَا). وفي (الصّحاح): جَهَدْته وأَجْهَدْته بمعنًى. قال الأَعشى: فجَالَتْ وَجَالَ لَهَا أَرْبَعٌ ... جَهَدْنَ لها مَعَ إِجْهَادِهَا) (٢).

стр. 241

اصطلاحا: الاجتهاد هو: (بذل الفقيه وسعه لاكتساب حكم شرعي ظني عملي من أدلته التفصيلية) (١). فقولنا: (بذل وسعه) إخراج للتقصير في النظر والاكتفاء من ذلك ببعض الوسع الذي يمكنه أن يزيد عليه. وقولنا: (الفقيه) المراد به هنا المتهيئ لمعرفة الأحكام. وقولنا: (لاكتساب) بمعنى لاستنباط، وإنما قيدنا التعريف بهذا القيد؛ ليخرجَ بذلُ الوُسع لإدراك الحكم الشرعيِّ بحفظ متون الفقه، أو بحفظ النصوص الشرعية الدالّة صراحةً على الحكم، فهذا العملُ - وإنْ كان اجتهاداً في اللُّغة - لكنه ليس اجتهاداً في الاصطلاح. قولنا: (شرعي) أخرج الأحكام العقلية والحسية واللغوية، فإن اجتهاد الفقيه في شيء من ذلك لا يسمى اجتهادا شرعيا. وقولنا: (ظني) أي أن مجال الاجتهاد إنما هو في الأحكام الشرعية العملية ظنية الثبوت أو الدلالة أو كلاهما، أو النوازل التي لا نص فيها أصلا دون المسائل قطعية الثبوت والدلالة. قال الشيخ بكر أبو زيد في " المدخل المفصل" (١/ ٨٢) مبينا مجالات الاجتهاد: (الأَحكام تدور في قالبين: الأول: ما كان من كتاب أو سنة أو إِجماع قطعي الثبوت والدلالة، أو معلوماً من الدِّين بالضرورة، كمسائل الاعتقاد وأَركان الإسلام، والحدود، والفضائل، والمقدرات كالمواريث، والكفارات ... ونحو ذلك. فهذه لا مسرح للاجتهاد فيها بإِجماع، وطالما

стр. 242

أَنَّها ليست محلاً للاجتهاد فلا يُقال فيها: كل مجتهد مصيب، بل المجتهد فيها مقطوع بخطئه وإثمِه، بل وكفره في مواضع. الثاني: ما سوى ذلك؛ وهو ما كان بنص قطعي الثبوت ظني الدلالة، أو عكسِهِ، أو طرفاه ظنيان، أو لا نص فيه مطلقاً من الواقعات والمسائل، والاقضيات المستجدة، فهذه محل الاجتهاد في أُطرِ الشريعة، وعلى هذا معظم أَحكام الشريعة؛ فهذا محل الاجتهاد ومجاله). وباقي قيود التعريف سبق شرحها في حد الفقه. تعريف المجتهد: المجتهد هو: (الفقيه الذي يبذل وسعه لاكتساب حكم شرعي ظني عملي من أدلته التفصيلية). شروط الاجتهاد الشرط الأول - أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده كآيات الأحكام وأحاديثها (١). لم يختلف العلماء في اشتراط معرفة أدلة الأحكام في الجملة، ولكن وقع الخلاف في عدد هذه الأدلة. وسبب اختلافهم هل يكتفي بمعرفةُ الآيات والأحاديث الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر، دون ما دل على الأحكام بطريق الإشارة أو مفهومِ المخالفة، ونحوِهما من طرق الدلالة الخفيّة. فمن قال بالأول قال بحصر الأدلة، فقالوا من الآيات يكتفى بخمسمائة آية (٢) وقيل تسعمائة (٣)

стр. 243

، وقيل غير ذلك (١). ومن قال بالثاني لم يحصر الآيات في آيات الأحكام وحسب بل زاد ما يتعلق بالوعد والإخبار عن أمور الآخرة أو القرون السالفة والأقاصيص والمواعظ ونحوهم، فقل أن يوجد في القرآن الكريم آية إلا ويستنبط منها شيء (٢). قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٥٧٧): (أما الكتاب: فالواجب عليه أن يعرف منه ما يتعلق بالأحكام، وهو قدر خمسمائة آية، كما قال الغزالي وغيره، والصحيح أن هذا التقدير غير معتبر، وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصر، فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر والنواهي؛ كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، فقل أن يوجد في القرآن آية إلا ويستنبط منها شيء من الأحكام. وكأن هؤلاء الذين حصروها في خمسمائة آية إنما نظروا إلى ما قصد منه بيان الأحكام دون ما استفيدت منه، ولم يقصد به بيانها. قوله: «وكذلك من السنة»، أي: ويشترط أن يعرف من السنة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، كما يشترط أن يعرف الآيات التي تتعلق بها من القرآن قلت: فالكلام هنا في التقدير، كالكلام هناك، أعني أن استنباط الأحكام لا يتعين له بعض السنة دون بعض، بل قل حديث يخلو عن الدلالة على حكم شرعي).

стр. 244

والأليق بحال المجتهد عدم الاكتفاء بمعرفة الأدلة الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر دون ما كانت دلالته خفية. وحصر الأدلة في عدد معين لا دليل عيه، وأحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر والنواهي؛ كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، فقل أن يوجد في القرآن آية إلا ويستنبط منها شيء من الأحكام. وليس معنى ذلك أن المجتهد يستحضر جميع ما ورد في المسالة من أدلة بل يجتهد قدر طاقته وهو دائر بين الأجر والأجرين. والصحابة هم أعلم الناس بالأدلة ووجوه دلالتها على الأحكام، إلا أنه قد يخفى على بعضهم بعض الأدلة سواء أكانت دلالتها على الحكم ظاهرة أم خفية، وليس معنى هذا الاكتفاء ببعض الأدلة دون بعض بل المقصود وجود ملكة الاستنباط وبذل الوسع في معرفة الحكم الشرعي. وأما القول بأن الإحاطةَ بكلِّ ما في القرآن من المعاني ليس ممكناً، فلو اشترطنا ذلك لما تمكن أحدٌ من الاجتهاد، فليس بصحيح فمن عرف دلالات الألفاظ، وأصول الفقه سهل عليه استنباط الأحكام من الأدلة بالقوة القريبة، وإنما يكفيه أن يستقرئ الأدلة للوصول للحكم الشرعي، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد جمعت السنة في دواوين وسهل الوقوف على الأدلة أكثر من ذي قبل. الشرط الثاني - أن يعرف ما يتعلق بصحة الحديث وضعفه . قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص / ١٧٤) وهو يتكلم عن شرط المجتهد: (معرفة صحة الحديث اجتهادا كعلمه بصحة مخرجه وعدالة رواته، أو تقليدا كنقله من كتاب صحيح ارتضى الأئمة رواته) (١). قال ابن النجار في " شرح الكوكب " (٤/ ٤٦١): ("و" يشترط في المجتهد أيضا: أن يكون عالما ب "صحة الحديث وضعفه" سندا ومتنا، ليطرح الضعيف حيث لا يكون في فضائل الأعمال، ويطرح الموضوع مطلقا، وأن يكون عالما بحال الرواة في القوة والضعف، ليعلم ما ينجبر من الضعف بطريق آخر "ولو" كان علمه بذلك "تقليدا كنقله"

стр. 245

ذلك "من كتاب صحيح" من كتب الحديث المنسوبة لأئمته كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والدارقطني والترمذي والحاكم وغيرهم؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم، كما يؤخذ بقول المقومين في القيم) (١). الشرط الثالث - أن يعرف الناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع . قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٥٨٠): (قوله: «والناسخ والمنسوخ منهما»، أي: من الكتاب والسنة، لأن المنسوخ بطل حكمه، وصار العمل على الناسخ، فإن لم يعرف الناسخ من المنسوخ، أفضى إلى إثبات المنفي، ونفي المثبت ... «ويكفيه» من معرفة الناسخ والمنسوخ أن يعرف «أن دليل هذا الحكم غير منسوخ»، يعني ولا يشترط أن يعرف جميع الأحاديث المنسوخة من الناسخة، والإحاطة بمعرفة ذلك أيسر من غيره، لقلة المنسوخ بالنسبة إلى المحكم من الكتاب والسنة ... قوله: «ويكفيه معرفة أن هذه المسألة مجمع عليها أم لا». هذا كما سبق في القدر الكافي من الناسخ والمنسوخ، وهو أن يعلم أن هذه المسألة مما أجمع عليه، أو مما اختلف فيه، ولا يشترط أن يعلم الإجماع والخلاف في جميع المسائل، ولعل هذا ينزع إلى تجزؤ الاجتهاد) (٢). الشرط الرابع - أن يعرف من اللغة وأصول الفقه ما يتعلق بدلالات الألفاظ كالعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين ونحو ذلك . تضمن كلام الشيخ اشتراط العلم بأصول الفقه، وبعض ما يحتاج إليه المجتهد من اللغة. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٥٨١): (يشترط للمجتهد أن يعرف «من النحو واللغة ما يكفيه في معرفة ما يتعلق بالكتاب والسنة من نص وظاهر،

стр. 246

ومجمل، وحقيقة ومجاز، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ودليل خطاب ونحوه»، كفحوى الخطاب ولحنه ومفهومه، لأن بعض الأحكام يتعلق بذلك ويتوقف عليه توقفا ضروريا ... كقوله ﵇: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) رواه الشيعة بالنصب أبا بكر وعمر على النداء، أي: يا أبا بكر، فعلى رواية الجر هما مقتدى بهما، وعلى رواية النصب هما مقتديان بغيرهما، وكذلك قوله ﵇ في حديث محاجة آدم وموسى: فحج آدم موسى برفع آدم على أنه فاعل وموسى مفعول، وعكس القدرية ذلك، فنصبوا آدم تصحيحا لمذهب القدر (١)) (٢). وقال أيضا في (٣/ ٥٧٧): (" وشرط المجتهد إحاطته بمدارك الأحكام "، أي: طرقها التي تدرك منها، ويتوصل بها إليها، " وهي الأصول " المتقدم ذكرها، وهي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، والأصول المختلف فيها، " وما يعتبر للحكم في الجملة " من حيث الكمية والمقدار حيث يعتبر ذلك للحكم، أو من حيث الكيفية كتقديم ما يجب تأخيره، وتأخير ما يجب تقديمه، لأن ذلك كله آلة للمجتهد في استخراج الحكم، فوجب اشتراطه، كالقلم للكاتب، والقدوم ونحوه للنجار) (٣). خاتمة: هناك بعض الشروط الأخرى ومنها: كإسلام المجتهد فالاجتهاد عبادة والإسلام شرط في كل عباده (٤)، وغير المسلم مهما بلغ من العلم بعلوم الشريعة لا يُقبلُ

стр. 247

اجتهادُه (١)، وأن يكون عاقلا؛ لأن من لا عقل له لا يدرك علما، لا فقها ولا غيره (٢) وأن يكون بالغا أو مميزا على الخلاف الوارد في اشتراط ذلك. ومن تحققت فيه الشروط السابقة تكونت عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها، ومن لم تتوفر فيه هذه الشروط فهو قاصر غير كامل الأهلية لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. تجزؤ الاجتهاد: الشروط العامة السابقة يلزم اجتماعها في المجتهد المستقل، ولكن المجتهد في مسألة واحدة أو باب واحد لا يشترط فيه اجتماع كل هذه الشروط، بل يشترط أن يعرف منها ما يتعلق بالباب الذي سوف يجتهد فيه أو المسألة. إلا أن بعض الشروط كلية لا تقبل التجزؤ كمعرفته للغة العرب، وأصول الفقه، وكذا معرفته لما يتعلق بصحة الحديث إن قلنا أنه لا يكتفى بالتقليد فيه. فعلى سبيل المثال من أراد أن يحصل آلة الاجتهاد في باب البيوع، فلابد وأن يتعرف على الأدلة الخاصة بهذا الباب، وما نسخ منها، ومواقع الإجماع فيه، ويكون على بصيرة في فهم اللغة، وما يحتاج إليه في المسألة من أصول الفقه فهذا تتكون له ملكة الاستنباط في هذا الباب أو هذه المسألة. ما يلزم المجتهد: يلزم المجتهد أن يبذل جهده في معرفة الحق ثم يحكم بما ظهر له فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور له. - هل يقلد المجتهد ؟ المجتهد المستقل ليس له تقليد مجتهد آخر مع ضيق الوقت ولا سعته لا فيما يخصه ولا فيما يفتي به لكن يجوز له إذا تعارضت عنده الأدلة، ولم يظهر له وجه الترجيح بينها أن ينقل للمستفتي مذهب الأئمة كأحمد والشافعي ولا يفتي من عند نفسه بتقليد غيره ، وأما المجتهد في مسألة أو في باب له أن يقلد في غير ما هو مؤهل للاجتهاد فيه.

стр. 248

التقليد تعريف التقليد لغة: التقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطاً به كالقلادة. قال ابن أبي الفتح في "المطلع" (ص/٢٠٦): (التقليد مصدر قلد قال الجوهري وتقليد البدنة أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي). قال المردوي في " التحبير" (٨/ ٤٠١١): (التقليد في اللغة: جعل الشيء في العنق من دابة وغيرها محيطا به، وهذا احتراز مما لم يكن محيطا بالعنق، فلا يسمى قلادة في عرف اللغة ولا غيرها، والشيء المحيط بشيء يسمى قلادة وجمعها قلائد، ومنه قوله تعالى: (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ) [المائدة: ٢]، يعني: ما يقلده الهدي في عنقه من النعال وآذان القرب) (١). وجاء في المعجم الوسيط مادة قلد: ((قلد) الشيء قلدا لواه يقال قلد الحديدة رققها ولواها على شيء والحبل فتله والماء في الحوض ونحوه جمعه فيه والحمى فلانا أخذته كل يوم والزرع سقاه. (أقلد) البحر عليهم غرقهم وأطبق عليهم (قلده) القلادة جعلها في عنقه والبدنة علق في عنقها شيئا ليعلم أنها هدي وفلانا السيف ألقى حمالته في عنقه ويقال قلد فلانا نعمة أعطاه عطية أو أسدي إليه معروفا وقلده قلادة سوء هجاه هجاء يلازمه أثره وفلانا الأمر أو العمل فوضه إليه وألزمه إياه ويقال قلد الشيخ حبله خرف فلا يلتفت لرأيه وفلانا اتبعه فيما يقول أو يفعل من غير حجة ولا دليل وحاكاه يقال قلد القرد الإنسان (تقلد) القلادة لبسها والسيف علقه عليه والأمر احتمله. (القلادة) ما يجعل في العنق من حلي ونحوه ووسام يجعل في العنق تمنحه الدولة لمن تشاء تقديرا له (محدثة) (ج) قلائد وقلائد الشعر البواقي على الدهر منه ... ) (٢).

стр. 249

تعريف التقليد اصطلاحا: التقليد هو: (التزام المكلف في حكم شرعي مذهب من ليس قوله حجة في ذاته من غير معرفة رجحان دليله) (١). قولنا: (التزام): جنس في التعريف. والالتزام فيه معنى الثبوت والدوام والوجوب، قال الفيومي في "المصباح" مادة (ل ز م): (لَزِمَ الشَّيْءُ يَلْزَمُ لُزُومًا ثَبَتَ وَدَامَ، وَلَزِمَهُ الْمَالُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَجَبَ حُكْمُهُ ... ). قولنا: (المكلف) ليشمل الرجال والنساء، وغير المكلف لا عبرة به في الأحكام التكليفية. قولنا: (مذهب) ليشمل القول والعمل والاعتقاد، ويخرج عمل القاضي بقول الشهود. قولنا: (في ذاته) لإدخال إتباع قول المجتهد في حق العامي؛ لأنه حجة لا في ذاته، ولكن بالنصوص من الكتاب والسنة الآمرة بإتباعه، ولإخراج إتباع الإجماع؛ لأنه حجة بذاته. قولنا: (من غير معرفة رجحان دليله) أضفت هذا القيد ليدخل في التعريف مع العامي: المتبع (٢) الذي قد يفهم الحجة ويعرف الدليل ولكنه في نفس الوقت ليس عنده القدرة على الاستقلال بفهم الأدلة واستنباط الأحكام منها وقد لا يكون قادراً على دفع الشُّبَه عن الدليل والجواب عن أدلة القول الآخر. فلابد من تخصيص المكلف بما يفيد ذلك. حكم التقليد في أصول الدين: المشهور من المذهب أنه لا يجوز التقليد في أصول الدين، وذهب بعض الحنابلة والشافعية وهو اختيار تقي الدين ابن تيمية إلى أنه يجوز التقليد في مسائل أصول

стр. 250

الدين (١). والقول بالجواز هو الراجح، وقد استدل له الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح السفارينية" (ص/٣١١) بما يلي: ١ - أن الله أحال على سؤال أهل العلم في مسألة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] ونسألهم لنأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بأن الرسل رجال من العقيدة ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم. ٢ - وقال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس: ٩٤]، ويسألهم ليرجع إليهم، وإذا كان الخطاب هذا للرسول ولم يشك فنحن إذا شككنا في شيء من أمور الدين نرجع إلى الذين يقرؤون الكتاب إلى أهل العلم لنأخذ بما يقولون، إذن هذا عام يشمل مسائل العقيدة. ٣ - أننا لو ألزمنا العامي بمنع التقليد والتزام الأخذ بالاجتهاد لألزمناه بما لا يطيق، وقد قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]. فالصواب المجزوم به القول الثاني: أن ما يطلب فيه الجزم يكتفي فيه بالجزم سواء عن طريق الدليل، أو عن طريق التقليد).
следующие страницы →