ومجمل، وحقيقة ومجاز، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ودليل خطاب ونحوه»، كفحوى الخطاب ولحنه ومفهومه، لأن بعض الأحكام يتعلق بذلك ويتوقف عليه توقفا ضروريا ... كقوله ﵇: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) رواه الشيعة بالنصب أبا بكر وعمر على النداء، أي: يا أبا بكر، فعلى رواية الجر هما مقتدى بهما، وعلى رواية النصب هما مقتديان بغيرهما، وكذلك قوله ﵇ في حديث محاجة آدم وموسى: فحج آدم موسى برفع آدم على أنه فاعل وموسى مفعول، وعكس القدرية ذلك، فنصبوا آدم تصحيحا لمذهب القدر (١)) (٢).
وقال أيضا في (٣/ ٥٧٧): (" وشرط المجتهد إحاطته بمدارك الأحكام "، أي: طرقها التي تدرك منها، ويتوصل بها إليها، " وهي الأصول " المتقدم ذكرها، وهي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، والأصول المختلف فيها، " وما يعتبر للحكم في الجملة " من حيث الكمية والمقدار حيث يعتبر ذلك للحكم، أو من حيث الكيفية كتقديم ما يجب تأخيره، وتأخير ما يجب تقديمه، لأن ذلك كله آلة للمجتهد في استخراج الحكم، فوجب اشتراطه، كالقلم للكاتب، والقدوم ونحوه للنجار) (٣).
خاتمة:
هناك بعض الشروط الأخرى ومنها: كإسلام المجتهد فالاجتهاد عبادة والإسلام
شرط في كل عباده (٤)، وغير المسلم مهما بلغ من العلم بعلوم الشريعة لا يُقبلُ
стр. 247
اجتهادُه (١)، وأن يكون عاقلا؛ لأن من لا عقل له لا يدرك علما، لا فقها ولا غيره (٢) وأن يكون بالغا أو مميزا على الخلاف الوارد في اشتراط ذلك.
ومن تحققت فيه الشروط السابقة تكونت عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها، ومن لم تتوفر فيه هذه الشروط فهو قاصر غير كامل الأهلية لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.
تجزؤ الاجتهاد:
الشروط العامة السابقة يلزم اجتماعها في المجتهد المستقل، ولكن المجتهد في مسألة واحدة أو باب واحد لا يشترط فيه اجتماع كل هذه الشروط، بل يشترط أن يعرف منها ما يتعلق بالباب الذي سوف يجتهد فيه أو المسألة. إلا أن بعض الشروط كلية لا تقبل التجزؤ كمعرفته للغة العرب، وأصول الفقه، وكذا معرفته لما يتعلق بصحة الحديث إن قلنا أنه لا يكتفى بالتقليد فيه.
فعلى سبيل المثال من أراد أن يحصل آلة الاجتهاد في باب البيوع، فلابد وأن يتعرف على الأدلة الخاصة بهذا الباب، وما نسخ منها، ومواقع الإجماع فيه، ويكون على بصيرة في فهم اللغة، وما يحتاج إليه في المسألة من أصول الفقه فهذا تتكون له ملكة الاستنباط في هذا الباب أو هذه المسألة.
ما يلزم المجتهد:
يلزم المجتهد أن يبذل جهده في معرفة الحق ثم يحكم بما ظهر له فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور له.
- هل يقلد المجتهد ؟
المجتهد المستقل ليس له تقليد مجتهد آخر مع ضيق الوقت ولا سعته لا فيما يخصه ولا فيما يفتي به لكن يجوز له إذا تعارضت عنده الأدلة، ولم يظهر له وجه الترجيح بينها أن ينقل للمستفتي مذهب الأئمة كأحمد والشافعي ولا يفتي من عند نفسه بتقليد غيره
، وأما المجتهد في مسألة أو في باب له أن يقلد في غير ما هو مؤهل للاجتهاد فيه.
стр. 248
التقليد
تعريف التقليد لغة:
التقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطاً به كالقلادة.
قال ابن أبي الفتح في "المطلع" (ص/٢٠٦): (التقليد مصدر قلد قال الجوهري وتقليد البدنة أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي).
قال المردوي في " التحبير" (٨/ ٤٠١١): (التقليد في اللغة: جعل الشيء في العنق من دابة وغيرها محيطا به، وهذا احتراز مما لم يكن محيطا بالعنق، فلا يسمى قلادة في عرف اللغة ولا غيرها، والشيء المحيط بشيء يسمى قلادة وجمعها قلائد، ومنه قوله تعالى: (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ) [المائدة: ٢]، يعني: ما يقلده الهدي في عنقه من النعال وآذان القرب) (١).
وجاء في المعجم الوسيط مادة قلد: ((قلد) الشيء قلدا لواه يقال قلد الحديدة رققها ولواها على شيء والحبل فتله والماء في الحوض ونحوه جمعه فيه والحمى فلانا أخذته كل يوم والزرع سقاه.
(أقلد) البحر عليهم غرقهم وأطبق عليهم
(قلده) القلادة جعلها في عنقه والبدنة علق في عنقها شيئا ليعلم أنها هدي وفلانا السيف ألقى حمالته في عنقه ويقال قلد فلانا نعمة أعطاه عطية أو أسدي إليه معروفا وقلده قلادة سوء هجاه هجاء يلازمه أثره وفلانا الأمر أو العمل فوضه إليه وألزمه إياه ويقال قلد الشيخ حبله خرف فلا يلتفت لرأيه وفلانا اتبعه فيما يقول أو يفعل من غير حجة ولا دليل وحاكاه يقال قلد القرد الإنسان
(تقلد) القلادة لبسها والسيف علقه عليه والأمر احتمله.
(القلادة) ما يجعل في العنق من حلي ونحوه ووسام يجعل في العنق تمنحه الدولة لمن تشاء تقديرا له (محدثة) (ج) قلائد وقلائد الشعر البواقي على الدهر منه ... ) (٢).
стр. 249
تعريف التقليد اصطلاحا:
التقليد هو: (التزام المكلف في حكم شرعي مذهب من ليس قوله حجة في ذاته من غير معرفة رجحان دليله) (١).
قولنا: (التزام): جنس في التعريف. والالتزام فيه معنى الثبوت والدوام والوجوب، قال الفيومي في "المصباح" مادة (ل ز م): (لَزِمَ الشَّيْءُ يَلْزَمُ لُزُومًا ثَبَتَ وَدَامَ، وَلَزِمَهُ الْمَالُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَجَبَ حُكْمُهُ ... ).
قولنا: (المكلف) ليشمل الرجال والنساء، وغير المكلف لا عبرة به في الأحكام التكليفية.
قولنا: (مذهب) ليشمل القول والعمل والاعتقاد، ويخرج عمل القاضي بقول الشهود.
قولنا: (في ذاته) لإدخال إتباع قول المجتهد في حق العامي؛ لأنه حجة لا في ذاته، ولكن بالنصوص من الكتاب والسنة الآمرة بإتباعه، ولإخراج إتباع الإجماع؛ لأنه حجة بذاته.
قولنا: (من غير معرفة رجحان دليله) أضفت هذا القيد ليدخل في التعريف مع العامي: المتبع (٢) الذي قد يفهم الحجة ويعرف الدليل ولكنه في نفس الوقت ليس عنده القدرة على الاستقلال بفهم الأدلة واستنباط الأحكام منها وقد لا يكون قادراً على دفع الشُّبَه عن الدليل والجواب عن أدلة القول الآخر. فلابد من تخصيص المكلف بما يفيد ذلك.
حكم التقليد في أصول الدين:
المشهور من المذهب أنه لا يجوز التقليد في أصول الدين، وذهب بعض الحنابلة والشافعية وهو اختيار تقي الدين ابن تيمية إلى أنه يجوز التقليد في مسائل أصول
стр. 250
الدين (١).
والقول بالجواز هو الراجح، وقد استدل له الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح السفارينية" (ص/٣١١) بما يلي:
١ - أن الله أحال على سؤال أهل العلم في مسألة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] ونسألهم لنأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بأن الرسل رجال من العقيدة ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم.
٢ - وقال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس: ٩٤]، ويسألهم ليرجع إليهم، وإذا كان الخطاب هذا للرسول ولم يشك فنحن إذا شككنا في شيء من أمور الدين نرجع إلى الذين يقرؤون الكتاب إلى أهل العلم لنأخذ بما يقولون، إذن هذا عام يشمل مسائل العقيدة.
٣ - أننا لو ألزمنا العامي بمنع التقليد والتزام الأخذ بالاجتهاد لألزمناه بما لا يطيق، وقد قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].
فالصواب المجزوم به القول الثاني: أن ما يطلب فيه الجزم يكتفي فيه بالجزم سواء عن طريق الدليل، أو عن طريق التقليد).
стр. 251
حكم التمذهب والتقليد:
ينبغي أن ننتبه إلى أن المقلدين والمجتهدين على طبقات، وقد اصطلحنا على أن منزلة الإتباع تدخل ضمنا في مرتبة التقليد ما لم يُحَصِّل أصحابها ملكة الاستنباط ويحققوا شروط الاجتهاد.
المجتهد المستقل لا يتقيد بمذهب، ولا يقلد أحدا. وأما من هو دون مرتبته كالعامي والمتبع ففيه التفصيل الآتي:
العامي أو المقلد الذي لا دراية عنده بالأدلة ولا يملك أي نوع من النظر فهذا الأقوى عندي أنه لا يتمذهب بل إن مذهبه هو مذهب مفتيه، وإنما سمى عاميا اشتقاقا من العمى فهو بيد من أخذ بيده.
وأما من ارتقى عن هذه المنزلة، وله نوع نظر في الأدلة، إلا أنه قاصر عن مرتبة الاجتهاد فهذا الراجح في حقه هو جواز التمذهب دون التعصب، وفائدة التمذهب أن يتحصل عند الطالب منهج ومعيار منضبط وغير متناقض في النظر إلى المسائل الفقهية، وأيضا سيحقق له التدرج والترقي في سلم العلم، فكل مذهب من المذاهب تعاقبت أجيال على خدمته على مدار قرون طوال، وصنف العلماء فيه مؤلفات كثيرة منها ما يقتصر على رواية واحدة ثم يتدرج، ويعرض للطالب روايتين، وهكذا، وهذه المزية لا يجدها في غير كتب المذاهب، وإنما أنكر الناس التمذهب حينما خلطوه بالتقليد المذموم الذي يتعصب فيه الطالب للإمام ويعتقد أنه قد أحاط بكل مسائل الدين وأدلتها، وأنه معصوم عن الخطأ.
وعليه فالصواب أن الطالب يجوز له أن يتمذهب، شريطة ألا يتعصب، بل يرجع عما ظهر له خطأ إمامه فيه، وأقوال الأئمة كثيرة في النهي عن تقليدها.
فتوى المقلد:
الراجح أنه لا يفتي إلا مجتهد سواء أكان مستقلا أو مقيدا بمذهب، والمجتهد في باب أو مسألة لا يفتى إلا في الباب أو المسألة التي هو أهل للنظر فيها دون غيرها، وأما من دون هؤلاء وليس على صفة من صفاتهم فلا يحل له الفتوى لا لنفسه ولا لغيره، وغاية الأمر أنه إن عدم العالم المجتهد في بلدة ما، واحتيج إلى فتوى المقلد فهنا يجوز له أن ينقل أقوال العلماء، فيقول قال أحمد، قل الشافعي، وهكذا ويكون
стр. 252
قبول قوله من باب الخبر لا الإفتاء، ولابد أن يكون عالما بما ينقل من أحكام بصيرا بمواردها وشمولها لمحل النزاع، وهذه حالة ضرورة على خلاف الأصل.
قال ابن حمدان في "صفة الفتوى" (ص/٢٤): (فمن أفتى وليس على صفة من الصفات المذكورة من غير ضرورة فهو عاص آثم (١)؛ لأنه لا يعرف الصواب وضده فهو كالأعمى الذي لا يقلد البصير فيما يعتبر له البصر؛ لأنه بفقد البصر لا يعرف الصواب وضده (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) [المطففين: ٤، ٥] قال ابن الجوزي: يلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، ومن تصدى للفتيا ظانا أنه من أهلها فليتهم نفسه وليتق ربه فإن الماهر في علم الأصول، أو الخلاف، أو العربية دون الفقه يحرم عليه الفتيا لنفسه ولغيره؛ لأنه لا يستقل بمعرفة حكم الواقعة من أصول الاجتهاد لقصور آلته ولا من مذهب إمام لعدم حفظه وإطلاعه عليه على الوجه المعتبر فلا يحتج بقوله في ذلك وينعقد الإجماع دونه على أصح المذهبين ... وقيل يجوز لمن حفظ مذهب ذي مذهب ونصوصه أن يفتي به عن ربه وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه وقيل لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوي المفتين أن يفتي بها. وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به والمراد بقول من منع الفتوى به أنه لا يذكره على صورة ما يقوله من عند نفسه بل يضيفه إلى غيره ويحكيه عن إمامة الذي قلده لصحة تقليد الميت، فعلى هذا من عددناه من أصناف المفتين من المقلدين ليس على
стр. 253
الحقيقة من المفتين ولكن قاموا مقامهم وأدوا عنهم فعدوا معهم وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلا مذهب أحمد كذا وكذا ومقتضى مذهبه كذا وكذا أو نحو ذلك ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامة إن كان ذلك منه اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح بالمقال جاز ... ).
وكتبه حامدا ومصليا ...
أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي
غفر الله له، ولوالديه
وكان الفراغ من تلخيصه يوم الأحد ٢ من شهر ذي القعدة لعام ١٤٣١هـ الموافق ١٠ من شهر أكتوبر لعام ٢٠١٠م
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحد فيه شيئا، وأن يدخر لي أجره يوم ألقاه.
وأرجو من الله أن يكتب له ولأصله القبول وأن ينفع بهما المسلمين، أنه ولي ذلك وهو القادر عليه.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.