← Каваид фикха

Каваид фикха · id 204

المجالس الفقهية

هيثم بن فهد الرومي

Полный текст (260 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهذه الحال التي كان عليها الناس في بعض الأوقات والبلدان من قلة الخصومات وطرح التكلف وضعف الداعي إليه، شارحة للكثير من أحوال التبسط المحكية عن طوائف من القضاة، أو تسامحهم فيما يتشدد فيه من تأخر عنهم (١). والذي ينبغي أن يعلم على كل حال أن مجلس القضاء مجلس جليل مهيب، والمقسطون من القضاة ثوابهم عظيم عند الله ﷻ ، كما أن الظلمة منهم والجهلة الذين يجترئون على القضاء بغير علم يتوجه في حقهم من الوعيد ما فرَّ لأجله الأئمة الكبار من القضاء خوفًا وجزعًا، وأخبارهم في ذلك مشهورة مستفيضة (٢). ومن ذلك ما حكاه الحافظ أبو بكر الباغندي (ت ٣١٢ هـ) قال: كنت بسرَّ من رأي، وكان عبد الله بن أيوب المخرّمي (ت ٢٦٥ هـ) يقرب إليَّ فخرج توقيع الخليفة بتقليده القضاء، فانحدرت في الحال من سرّ من رأي إلى بغداد، حتى دققت على عبد الله بن أيوب بابه فخرج إليَّ، فقلت: لك البشرى. فقال: بشَّرك الله بخير، وما هي؟ قال: قلت: خرج توقيع السلطان بتقليدك القضاء لأحد البلدين: إما سرّ من رأى أو بغداد-شك أحد الرواة-، قال: فأطبق الباب، وقال: بشَّرك الله بالنار. وجاء أصحاب السلطان إليه فلم يظهر لهم فانصرفوا (٣). وكان قاضي القيروان عيسى بن مسكين (ت ٢٩٥ هـ) إذا تحدث عن أيام قضائه قال: (كنت في بليَّتي) و (كنت أيام تلك المحنة) (٤). وقال بعض من وصف جلوس أبي العباس بن طالب (ت ٢٧٥ هـ) للقضاء: (كنت أنظر إلى أبي العباس بن طالب، إذا تفرَّغ من القضاء بين الناس قدم فوقف وحوَّل وجهه إلى القبلة ثم بسط كفيه، فنظرت إلى دموعه وهي تجري

стр. 107

على خديه وعلى لحيته، وهو يقول: اللَّهُمَّ إن كان مني زلة أو هفوة أو أصغيت بأذني إلى خصم دون خصم، أو مالت نفسي أو قلبي إلى خصم دون خصم، فأسألك أن تغفر لي ذلك ولا تؤاخذني ولا تنتقم مني، إنك على كل شيء قدير. ثم يصلي على محمد ﷺ وينصرف. هكذا يعمل في كل مجلس. وكان يكتب على أحكامه: حكمت بقول ابن القاسم. حكمت بقول أشهب. ويقول: في البلد علماء وفقهاء، اذهب إليهم، فما أنكروا عليك، فارجع إلي. وكان يكتب القضية ويقول لصاحبها: أرها لكل من عنده علم بالقيروان، ثم ارجع إلي بما يقولون لك) (١). وقريب من هذا ما ذكر من حال قاضي سبتة محمد بن محمد اللخمي القرطبي (ت ٧٢٣ هـ) الذي كان من شأنه إذا أتى المسجد للحكم فيه بين الناس أن يتركَّع ويتضرع إلى الله تعالى ويلح في الدعاء، ويسأله أن يحمله على الحق ويعينه عليه ويرشده للصواب، وإذا فرغ من الحكم يتركَّع ويستقبل الله تعالى يسأله العفو والمغفرة عما عسى أن يكون صدر عنه مما تلحقه تبعة في الآخرة (٢). وكان القاضي أبو القاسم الطرزي (ت ٣١٧ هـ) كثيرًا ما يتمثل في مجلس القضاء بهذين البيتين (٣). إذا خان الأمير وكاتباه... وقاضي الأرض داهن في القضاء فويل للأمير وكاتبيه... وقاضي الأرض من قاضي السماء ولأجل هذه الهيبة كان مجلس القضاء حقيقًا أن يحاط بأسباب التفخيم والإجلال، وروي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى ﵁ وهو بالبصرة: (بلغني أنك تأذن للناس جمًّا غفيرًا، فإذا جاءك كتابي هذا، فأذن لأهل الشرف وأهل القرآن والتقوى والدين، فإذا أخذوا مجالسهم فأذن للعامة) (٤). وإذا حضر الخصوم المجلس سوَّى بينهم القاضي، وتكلم كلٌّ منهم بحجته على بيان

стр. 108

واحد دون أن يستأثر أحدهم بمجلس أو خطاب دون صاحبه، فلا يقدَّم شريف لشرفه ولا رئيس لرئاسته، وفي كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁: (وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك) (١)، وكان أبو هريرة ﵁ في مجلسه يقضي، فجاء الحارث بن الحكم فجلس على وسادته التي يتكئ عليها، فظن أبو هريرة أنه لحاجة غير الحُكم، فجاءه رجل فجلس بين يدي أبي هريرة فقال له: مالك؟ قال: استأْدِني على الحارث، فقال أبو هريرة: قم فاجلس مع خصمك فإنها سنة أبي القاسم ﷺ (٢). وجاء الأشعث بن قيس إلى شريح في مجلس القضاء، فقال: مرحبا بشيخنا وسيدنا ههنا ههنا، فأجلسه معه، فإذا رجل جالس بين يدي شريح، فقال: مالك يا عبد الله؟ قال: جئت أخاصم الأشعث بن قيس، قال: قم مع خصمك، قال: وما عليك أن تقضي وأنا ههنا؟ قال: قم قبل أن تقام. فقام وهو مغضب (٣). ومن ذلك استحباب الفقهاء للقاضي أن يحضر مجلسه أهل العلم المشاورون من كل مذهب ليستعين بهم، وهذه المشاورة فائدتها استخراج الأدلة ومعرفة الأقوال والأقضية، وكذا ليذكِّروه وينبِّهوه ويناظروه إذا أخطأ في الرأي أو اشتبه عليه الأمر، أما الفصل في الحكم فإنما يكون باجتهاد القاضي (٤). قال سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ): (كانت القضاة لا تستغني أن يجلس إليهم بعض العلماء؛ يقوِّمهم إذا أخطأوا) (٥). وسئل قاضي مالقة أبو المطرِّف الشعبي (ت ٤٩٩ هـ) عن حاكم حكم على رجل بأشياء جرت على غير الحقيقة،

стр. 109

وذكر أنه استبد فيها برأيه وأبى أن يشاور أحدًا من الفقهاء. فقال: (ق كان ينبغي لهذا الحاكم أن لا يستبد برأيه في أحكامه ويتبع سنن من مضى من حكام العدل، فقد مضت السُّنَّة قديمًا من لدن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يشاورون في أحكامهم، وكانوا من الدين والفضل بحيث لا يجاريهم غيرهم) (١). وقال الشعبي (ت ١٠٤ هـ): (من سرَّه أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر ﵁ فإنه كان يستشير) (٢). وقد كان عثمان ﵁ إذا جاءه الخصمان قال لأحدهما: اذهب فادع عليًّا ﵁، وللآخر: فادع طلحة بن عبيد الله والزبير وبعد الرحمن ﵃ فجاءوا فجلسوا، فقال لهما: تكلما، ثم يقبل عليهم فيقول: أشيروا علي، فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه عليهما وإلا نظر، فيقومون مسلِّمين (٣). وكان شريح (ت ٧٨ هـ) يقضي بحضرة أشياخ يجالسونه على القضاء (٤). وكان قاضي البصرة عبد الرحمن بن محمد المخزومي ينظر في قضية لامرأة فاستبطأته، فقال لها: إن أمرك قد أشكل علي، ولم أقف منه على ما يحقُّ عندي حقًّا ولا يبطل عندي باطلًا، فاصبري فإن أحببت أن أذكر ذلك للأمير، فيجتمع لك فقهاء أهل البصرة فعلت، وإن أحببت كتبت إلى أمير المؤمنين فأسأل عن أمرك من عنده من فقهاء المسلمين (٥). وكان أمير المرابطين علي بن يوسف بن تاشفين (ت ٥٣٧ هـ) إذا ولَّى أحدًا من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمرًا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء (٦). وجاء في عهد المسترشد

стр. 110

العباسي (ت ٥٢٩ هـ) إلى قاضي القضاة أبي القاسم علي بن الحسين الزينبي (ت ٥٤٣): (وأمره بمجالسة العلماء ومباحثة الفقهاء، ومناقشة ذوي البصيرة والفهم والفطنة والحزم، ومشاورتهم في عوارض الأمور المشكلة، وسوانح الأحكام المستبهمة المعضلة، حتى يصرِّح محض رأيه وآرائهم عن زبدة الصواب، وتنتج أفكارهم باستجمامها نظرًا شافيًا بالجواب، رافعًا عنه منسدل الحجاب، وإن في ذلك ثَلَجًا للصدور، واستظهارًا في الأمور، واحترازًا من دواعي الزلل واستمرار الخلل، وأمنًا من غوائل الانفراد، وحطًّا للتعويل على الاستبداد، فلربَّ ثقة أدت إلى خجل، وأمن أفضى إلى وجل، وما زالت الشورى مقرونة بالإصابة، محكمة عرى الحق وأسبابه، حارسة من عواقب الندم، داعية إلى السلامة من زلة القدم) (١). وقد تحرَّز بعض الفقهاء من حضور المشاورين في مجلس القاضي؛ لئلا يدخل عليه الحصر أو يشتغل قلبه بهم ويحذر منهم فيكون من ذلك نقصان في فهمه وحكمه، قالوا: ويشاورهم إذا خرج من مجلس القضاء (٢). قال علي حيدر (ت ١٣٥٣ هـ) في شرحه لمجلة ((الأحكام)): (ومع أن المحاكمة تجري علنًا، إلا أن المشاورة والمذاكرة في القضية تجرى خفية، فعليه إذا كانت الدعوى التي تجري فيها المحاكمة محتاجة للمشاورة ويحتاج القاضي إلى أن يتذاكر فيها مع أهل العلم، فيذاكرهم خفية ولا يذاكرهم علنًا؛ لأن المذاكرة العلنية تزيل مهابة المجلس وتوجب اتهام الناس القاضي بالجهل، وتجري المذاكرة في ذلك إما في غرفة أخرى أو بإخراج الناس من غرفة المحاكمة) (٣). واستشارة القضاة للفقهاء خارج مجلس القضاء باللقاء أو الكتابة كثيرة مشهورة، ولما تولى هشام بن هبيرة قضاء البصرة كتب إلى شريح (ت ٧٨ هـ):

стр. 111

(إني استعملت على القضاء على حداثة سني وقلة علم مني به، ولا غناء بي عن مؤامرة مثلك فيه)، وكان شريح يشاور مسروقًا (ت ٦٢ هـ) وعبيدة السلماني (ت ٧٢ هـ) (١)، وكان محمد بن بشير (ت ١٩٨ هـ) إذا اختلف عليه العلماء وأشكل عليه الأمر كتب إلى مصر، إلى عبد الرحمن بن القاسم (ت ١٩١ هـ) وعبد الله بن وهب (ت ١٩٧ هـ) (٢). وقد أفاض الفقهاء في شرح أدب القاضي وما ينبغي أن يكون عليه مجلسه من الوقار والاحتشام، وما يجب أن يكون عليه القاضي نفسه من استقرار الحال وطمأنينة النفس الداعية إلى حسن النظر في القضايا التي يحكم فيها، فيجلس وعليه السكينة بحيث لا تغلب عليه حال تشوِّش عليه في حكمه من غضب أو همٍّ أو جوع أو شبع أو وجع أو نعاس وما شابه ذلك، ولا يُتضاحك في مجلسه، ولا يُرفع الصوت بحضرته، ويمنع فيه كلُّ ما يُخلُّ بهيبة المجلس (٣). وجرى الخلاف بين الفقهاء في مسائل كثيرة بين اعتبار مقام هيبة المجلس المانعة من اجتراء الخصوم على أحكام القضاء، وبين طرح الأسباب التي تحول بين عامة الناس والوصول إلى القاضي وخطابه بما يكون به أداء الحقوق إلى أهلها. وجماع ذلك في عامة أحوال القاضي مما هو عائد إلى حسن سياسة الناس ومراعاة أحوالهم، والتصرف فيها بما هو أكثر إقامة للقسط والعدل فيهم، وربما استحدث كلُّ قاضٍ من أسباب الرفق أو الشدة ما هو أليق بالمحل الذي هو فيه. ولما قيل لشريح (ت ٧٨ هـ): يا أبا أمية أحدثت! عندما سأل في السير، قال: أحدثتم فأحدثنا (٤). وقال إياس بن معاوية

стр. 112

(ت ١٢٢ هـ): (قيسوا القضاء ما صلح الناس، فإذا فسدوا فاستحسنوا) (١). ومن أمثلة ذلك كراهة بعض الأئمة للقاضي أن يتخذ حاجبًا يكون وصول المتنازعين إليه موقوفًا على إذنه. قال الماوردي (ت ٤٥٠ هـ): (وكان بعض أصحابنا يقول: إنما يكره للقاضي اتخاذ الحاجب في زمان الاستقامة وسداد أهله، فأما في زمان الاختلاط والتهارج واستطالة السفهاء والغاغة فالمستحب له أن يتخذ حاجبًا يحفظ هيبة نظره ويمنع من استطالة الخصوم) (٢). ومثل هذا يقال في اتخاذ القاضي للأعوان الذين يستعين بهم في مجلس القضاء لضبط المجلس وإحضار الخصوم ونحو ذلك. قال علاء الدين الطرابلسي (ت ٨٤٤ هـ): (فلا بد للقاضي من أعوان يكونون حوله؛ ليزجروا من ينبغي زجره من المتخاصمين، وينبغي أن يخفف منهم ما استطاع. وقد كان الحسن ﵁ ينكر على القضاة اتخاذ الأعوان، فلما ولي القضاء وشوَّش عليه ما يقع من الناس عنده قال: لا بد للسلطان من وزعة) (٣). ومن ذلك أن طوائف من القضاة كانوا يمنعون الخصوم أن يختلوا بهم في مجالس الحكم؛ لئلا تلحقهم التهمة بهم أو الميل إليهم، فكان القاضي محمد بن بشير المعافري (ت ١٩٨ هـ) لا يخاليه أحد في مجلس نظره ولا في داره، ولا يقرأ كتابًا لأحد في سبب من أسباب الخصومة (٤). وكذلك كان القاضي أحمد بن زياد اللخمي فكان شديد التهيب في قضائه، ولا يخاطب في شيء من أمر الخصوم إلا في مجلس نظره، ولا يأذن لأحد يلقاه في طريق في مواكبته ولا أن ينصرف معه، ومن ألحَّ فيما لا ينبغي من ذلك أمر بحبسه (٥). ومثله القاضي عمرو بن عبد الله (ت ٢٧٣ هـ) الذي كان إذا قعد لا يتقرب منه خصم ولا يدنو منه أحد، وكذلك إذا ركب لايصحبه صاحب، ولا يصير إلى

стр. 113

جانبه راكب، وكان يخرج من مجلس القضاء إلى المسجد، فإذا همَّ رجل أن يدنو منه دفعه عنه وقال: اذهب حتى يجلس القاضي في مجلس القضاء (١). ومن التفخيم الذي ينبغي لمجلس القضاء أن يكون للقاضي اعتناء بحسن زيه ومظهره؛ لأنه أهيب لقضائه وحكمه في نفوس الخصوم والشهود. قال ابن المناصف (ت ٦٢٠ هـ): (وليجتهد أن يكون جميل الهيئة ظاهر الأبَّهة وقور المشية والجلسة حسن النطق والصمت، محترزًا في كلامه من الفضول وما لا حاجة به، كأنما يعد حروفه على نفسه عدًّا، فإن كلامه محفوظ وزللَه في ذلك ملحوظ، وليقلل عند كلامه الإشارة بيده والالتفات بوجهه، فإن ذلك من عمل المتكلفين وصنع غير المتأدبين، وليكن ضحكه تبسمًا ونظره فراسة وتوسمًا وإطراقه تفهمًا، ويكون أبدًا متردِّيًا بردائه حسن الزي وليلبس ما يليق به؛ فإن ذلك أهيب في حقه وأجمل في شكله وأدل على فضله وعقله، وفي مخالفة ذلك نزول وتبذل، وليلزم من السمت الحسن والسكينة والوقار ما يحفظ به مروءته فتميل الهمم إليه، ويكبر في نفوس الخصوم الجراءة عليه، من غير تكبر يظهره ولا إعجاب يستشعره، فكلاهما شين في الدين وعيب في أخلاق المؤمنين) (٢).

стр. 114

لمجلس القضاء فوائد وثمرات عظيمة عامة النفع، على من شهد المجلس وعلى الناس بعامة، فمن ذلك ما يأتي بيانه: ١ - مجلس القضاء دار لإقامة العدل وبسط هيبة الشرع، قال مسروق (ت ٦٢ هـ): (لأن أقضي يومًا فأقول فيه الحق أحب إليَّ من أن أرابط سنة في سبيل الله) (١)، وقال الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ): (لا بدَّ للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟) (٢)، والناس تستقيم أحوالهم بالعدل وتضطرب بالظلم. ولم يزل في ملوك المسلمين عقلاء يعلمون أن عدل القاضي في الحكم مضاف إليهم، كما أن ظلمه مما تلحقهم معرَّته في الدنيا والآخرة، وقد روي أن أبا جعفر (ت ١٥٨ هـ) كتب إلى سوَّار بن عبد الله القاضي (ت ١٥٦ هـ) في شيء كان عنده خلاف الحق فلم ينفِّذ سوار كتابه وأمضى الحكم عليه، فاغتاظ المنصور عليه وتوعده، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما عدل سوار مضاف إليك وتزيين خلافتك، فأمْسّك (٣). ولذا حرص من حرص من الخلفاء والأمراء على حسن اختيار القاضي والسؤال عن فقهه وديانته (٤). ومن ذلك أن عبد الملك بن مروان (ت ٨٦ هـ).

стр. 115

كتب إلى أخيه أمير مصر عبد العزيز بن مروان (ت ٨٥ هـ) يعلمه أن أهل الشام اختلفوا عليه في نفقة المبتوتة، فاكتب إليَّ بما عند أهل مصر فيه، فجُمع الأشياخ إلى عبد العزيز فسألهم، وكان يونس بن عطية الحضرمي (ت ٨٦ هـ) في أخرياتهم، فقال له عبد العزيز: تكلم. فتكلم، فأعجب عبد العزيز به فسألهم عنه، فقالوا له: هذا من سادات حضرموت، فولاه القضاء (١). وكان الحسن بن عبد الله العنبري (ت ٢٢٣ هـ) على مظالم فارس زمن المأمون (ت ٢١٨ هـ)، وكان على خراجها يومئذٍ محمد بن الجهم، فظلم الناس فشكوه إلى المأمون، فأمر بأشخاص الحسن إليه ليشافهه فيه، فلقي المعتصم (ت ٢٢٧ هـ) الحسن وهو داخل إلى المأمون فشفع لابن الجهم، فقال الحسن: ليس عندي في أمره إلا الصدق، فعُزل ابن الجهم. ثم إنه توفي المأمون واستخلف المعتصم، فلما مات قاضي البصرة استدعى المعتصم الحسن من فارس وولاه قضاءها، ثم جرت قضية تصلَّب فيها الحسن على الحق، فكان المعتصم يقول لقاضي قضاته: كيف قد رأيت فراستي فيه؟ والله لوددت أن مكان كل شعرة منه قاضٍ على بلد من البلدان (٢). واستعدى والي إفريقية يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب (ت ١٧٠ هـ) أبا كريب جميل بن كريب المعافري (ت ١٣٩ هـ) ليوليه القضاء، فتمارض أبو كريب حتى حمل إليه فدخل عليه، فقال له يزيد: والله يا أبا كريب ما أردت إلا الله ، وأنا أجعلك حسنة بيني وبين الله للمسلمين، وتكون لي عونًا على هذا الأمر وتحكم بالحق عليَّ وعلى من هو لي، فاتق الله فيما دعوتك إليه من القيام بالحق في المسلمين وفيَّ. فقال له أبو كريب: الله الله أردت بذلك؟ فقال: نعم، فكررها ثلاثًا فقال: نعم، فقال: قبلت. ثم إنه لم تمض أيام يسيرة حتى أتاه متظلم من الأمير فحكم القاضي على الأمير، فانصرف وهو يقول: الحمد لله الذي لم أمت حتى جعلت بيني وبين الله من

стр. 116

يحكم بين عباده بالحق، فقال أبو كريب: وأنا أقول الحمد لله الذي لم أمت حتى رأيت أميرًا يشكر الله على القضاء بالحق عليه (١). ولما أراد الأمير زيادة الله الأغلبي (ت ٢٢٣ هـ) اختيار قاض لإفريقية، كان كلما عرض على أحد امتنع منه، فجمع القضاة في مقصورة وطلب منهم اختيار قاضٍ، فلما حضرت الصلاة قال لرجل عنده: انظر إليهم وقت الصلاة من يقدمونه يصلي بهم. فقدَّموا أحمد بن أبي محرز (ت ٢٢١ هـ)، فقال الأمير: رضوه لدينهم رضيته أنا للدنيا. ثم أجبره على القضاء، فكان زيادة الله يقول بعد ذلك: من تنقَّص قاضيَّ فإنما تنقَّصني وحلَّ من أمري، وقال مرة لمن حضره: ما أبالي إن شاء الله ما قدمت عليه يوم القيامة، وقد قدَّمت أربعة قبل وفاتي، قيل: وما هي؟ قال: بنائي المسجد الجامع بالقيروان، أنفقت فيه ستة وثمانين ألف دينار، وبنائي القنطرة بباب أبي الربيع، وبنائي الحصن بسوسة، وتوليتي أحمد بن أبي محرز قضاء إفريقية (٢). ولما حضر الموت قاضي قرطبة محمد بن بشير (ت ١٩٨ هـ) قلق أمير الأندلس الحكم بن هشام (ت ٢٠٦ هـ) واغتمَّ لذلك، فرأته إحدى نسائه في بعض الأماكن يصلي ويدعو ويبتهل إلى الله تعالى أن يوفقه لرجل يكون عوضًا منه فيوليه القضاء بعده (٣). وكان الأمير إبراهيم بن أحمد الأغلبي (ت ٢٨٩ هـ) يباهي ويبتهم بقاضي القيروان عيسى بن مسكين (ت ٢٩٥ هـ)، وقال له مرة بعض عماله: نصحتك نصحًا ما نصحك بمثله القضاة، فقال له إبراهيم: ولا عيسى بن مسكين؟ (٤). ولما مات قاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف (ت ٣٢٨ هـ) وجد عليه الخليفة الراضي (ت ٣٢٩ هـ) وجدًا شديدًا حتى كان يبكي

стр. 117

ويقول: كنت أضيق بالشيء ذرعًا حتى أراه فيوسعه علي برأيه، ولما عُزِّي فيه قال: والله لا بقيت بعده (١). فالمراد أن الحكم بين الناس بالعدل أعزُّ ما يطلب في مجلس القضاء، وإنما يذكر الفقهاء ما يذكرونه من شرط القاضي وأدب المجلس لأجل صيانة هذا الغرض وتحصيله، ولما قيل لإسماعيل بن إسحاق القاضي (ت ٢٨٢ هـ): ألا تؤلف كتابًا في أدب القضاة؟ قال: اعدل ومُدَّ رجليك في مجلس القضاء (٢). ٢ - في مجلس القضاء وما يقام فيه من الحقوق إصلاح لأحوال الناس في دينهم ودنياهم وتصحيح لمعاملاتهم، وقد روي عن الحكم بن هشام (ت ٢٠٦ هـ) أنه قضى عليه محمد بن بشير (ت ١٩٨ هـ) في بعض أقضيته، وكان ابن بشير-فيما وُصف-شديد الشكيمة ماضي العزيمة، صلبًا في الحق لا هوادة عنده ولا مداهنة في أحكام السلطان، ولا يعبأ على جميع أهل الخدمة، ولا على من لاذ بالخليفة من جميع الطبقات، فكان الحكم يقول بعد ذلك: رحم الله محمد بن بشير، فقد أحسن فيما فعل بنا، كان في أيدينا شيء مشتبه فصحَّحه لنا وصار حلالًا طيِّبًا فطاب لنا ملكه (٣). وقال له كذلك بعض الخصوم في قضية حكم عليه فيها: يأبي أنت، أردنا أن نأكل الحرام فأبيت إلا أن تجعله حلالًا (٤). ٣ - في مجلس القضاء تطبيق عملي لما يدرسه الفقيه دراسة نظرية، وفي ذلك تصفح لأحوال الجزئيات وما تكون عليه في واقع الأمر، فإذا انضمَّ إلى ذلك ملاحظة ما يجري في مجلس القضاء من المناظرة والمشاورة مما تكلم فيه الفقهاء وسبقت الإشارة إلى طرف منه، عُلم مدى الثراء الفقهي الذي تشهده مجالس القضاء، وقد قال مكحول (ت ١١٣ هـ): (قدمت الكوفة فاختلفت

стр. 118

إلى شريح ستة أشهر ما أسأله عن شيء، أكتفي بما يقضي) (١). والعلم بالقضاء أخص من العلم بالفقه، ولذا كان القرب من القاضي كالقرب من المفتي، كلاهما مؤثر في استفادة فقه العمليات والنوازل والأقضية، قال ابن عبد السلام الهواري (ت ٧٤٩ هـ): (قال مالك في المدونة: وليس علم القضاء كغيره من العلم، ولم يكن بهذا البلد أحد أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن، وقد كان أخذ شيئًا من علم القضاء من أبان بن عثمان، وأخذ ذلك أبان من أبيه عثمان ﵁، هكذا وقع هذا الكلام في المدونة. وفي مجالس ابن وهب: ولم يكن عند أحد بالمدينة من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن حزم، قال: كان يتعلم القضاء من أبان بن عثمان بن عفان، وكان أبان قد علم أشياء من القضاء من أبيه. وكان أبو بكر هذا قاضيًا لعمر بن عبد العزيز) (٢). ولهذا فإن من الملاحظ في تاريخ القضاء في الإسلام اشتهار بعض الأسر بالقضاء حتى ليكاد يغلب على قضاء بلدة فقهاء أسرة بعينها أو أبناء رجل واحد، ككثرة القضاة في بغداد وغيرها من آل حماد بن زيد (ت ١٧٩ هـ)، حتى قال فيهم بعض المؤرخين: لا نعلم أحدًا من أهل الدنيا بلغ مبلغ آل حماد (٣). وقال القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ): (كانت هذه البيتة على كثرة رجالها وشهرة أعلامها من أجلِّ بيوت العلم بالعراق، وأرفع مراتب السؤدد في الدين والدنيا، وهم نشروا هذا المذهب-يعني: مذهب مالك-هناك ومنهم اقتبس) إلى أن قال: (ولم يبلغ أحد ممن تقدم من القضاة ما بلغوه من اتخاذ المنازل والضياع والكسوة والآلة ونفاذ الأمر في جميع الآفاق، فكان لا يبقى أمير في أقطار الأرض شرقًا وغربًا إلا كاتبوهم ونفذت أمورهم على أيديهم، وكذلك كل من كان بالحضرة من أرباب الخراج والأعمال لا يجد بدًّا من أن

стр. 119

يصير إلى ما يأمرون به، لا يقدر واحد على أن يدفع أمرهم أو يقصر في حوائجهم) (١). ومن أسر القضاء المشهورة بيت الصاعدية في نيسابور ومنهم القاضي ابن القاضي ابن القاضي أبو الفضل الحسين بن الحسن بن إسماعيل بن صاعد (ت ٥١١ هـ)، وبيت الصاعدية بيت علم وفضل ورئاسة (٢). وسوى هذين المثالين أمثلة كثيرة مشهورة وهي واقعة في سائر المذاهب، حيث يخرج الجماعة من القضاة من بيت واحد بل من دار واحدة، وفي هذا إلماح لأثر اشتغال بالقاضي بالقضاء واشتهاره به، ثم اشتغال ذويه من بعده به في اكتساب صناعة القضاء والدربة عليها والتمرس فيها (٣). بل إن قرب المتفقه من القاضي وكثرة ملابسته لمجالس القضاء أمر من شأنه اقتباس ملكة القاضي ومهارته، متى صادف ذلك محلًا قابلًا له. وقد حرص الفقهاء على حفظ هذه الثروة الفقهية العالية التي تضمنتها مجالس القضاء فكانت بمثابة السوابق القضائية، وقد جرى العمل في الكثير من الأمصار والبلدان بهذه الأحكام؛ لئلا تضطرب بكثرة تبديلها أحوال الناس. حتى إن قاضي قرطبة المنذر بن سعيد (ت ٣٥٥ هـ) كان ظاهريًّا يحتج بمقالة داود (ت ٢٧٠ هـ) ويجمع كتبه ويؤثر مذهبه، فإذا جلس مجلس الحكومة قضى بمذهب مالك (ت ١٧٩ هـ) وأصحابه الذي عليه العمل ببلده ولم يعدل عنه (٤).

стр. 120

٤ - بالإضافة إلى ما يتضمنه مجلس القضاء من الفقه والعلم، فلا يخفى ما فيه من السمت والأدب، ولئن كان الفقهاء أطالوا الكلام في بيان أدب القاضي وما ينبغي أن يكون عليه مجلسه من الوقار، فإن على حضور المجلس أدبًا يلزمهم كذلك، بل إنهم يكتسبون من خيار القضاة أدبًا وفضلًا ينتفعون به في سائر زمانهم، فلقد كان في القضاة من خيار الأمة دينًا وعلمًا وأدبًا وأمانة وورعًا من هم بالمكان الأرفع من الأسوة والقدوة، وكان بهم من الحرص على إقامة العدل والانتصاف للمظلوم من الظالم والانتصاب لخدمة الناس ما لا يخفى على من عرف سيرهم وطالع أخبارهم، لا سيما في الأزمنة الأولى التي هي خير القرون، ومع ذلك فالكثير منهم لا يتقاضون على القضاء أجرًا من أحد (١)، وطوائف منهم كانوا إذا عاقهم شغل في يوم من الأيام عن حضور مجلس القضاء لم يقبضوا رزق ذلك اليوم (٢)، وقال قاضي البصرة معاذ بن معاذ العنبري (ت ١٩٦ هـ) لابنه في يوم مطير: أي: بني، امض بنا نجلس للناس، فقال له ابنه: يا أبت هذا يوم مطير لا يجيء فيه الناس، فقال: يا بني امض بنا فبم نستحل أن نأخذ كلَّ يوم كذا وكذا درهمًا؟ وخرج فجلس (٣). فكان هؤلاء وأمثالهم في الناس بمحل القدوة، وكان لحسن قضائهم وتأديبهم ووعظهم الخصوم والشهود وإصلاحهم بين الناس أثر صالح (٤)، حتى إذا ابتغى القاضي بعمله الدنيا، واستبدل بأجر الآخرة الذي هو خير وأبقى لعاعة من الدنيا وتزلُّفًا عند سلطان أو أمير أو رئيس، انقلبت الحال وانحطت تلك المكانة الرفيعة وآذنت أحوال الناس بفساد عريض (٥).

стр. 121

المجلس الثالث مجلس الإفتاء (من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم). أحمد بن حنبل. (تعظيم الفتيا، ابن الجوزي/ ٤٠) (التسليم للفقهاء سلامة في الدين). سفيان بن عيينة. (نشوار المحاضرة، التنوخي/ ٦/ ٤٤) (العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق). مالك بن أنس. (المدخل إلى السنن الكبرى، البيهقي/ ٢/ ٢٧٥) (فمن أقدم على ما ليس له أهلًا من فتيا أو قضاء أو تدريس أَثِمَ، فإن كان أكثر منه وأصرَّ واستمرَّ فَسَقَ، ولم يحلَّ قبول قوله ولا فتياه ولا قضاؤه. هذا حكم دين الإسلام، والسلام). (صفة المفتي والمستفتي، ابن حمدان/ ١٤٢) (لا بدَّ لكلِّ من المفتي والحاكم من نظر سديد واشتغال مديد). (رسائل ابن عابدين/ ٢/ ١٢٨) (ولو كانت العامة يتبصَّرون فيمن يستفتون لكان الناس بخير). (رسائل اليوسي/ ١/ ٢٠٦) (صحِّح المسألة حتى يصحَّ الجواب). خلف الأحمر. (معجم الأدباء، ياقوت/ ٥/ ٢٢٤٦)

стр. 122

مجلس الإفتاء مجلس عظيم تهيَّبه الراسخون في العلم من الأبرار والصالحين، وأخبارهم في تدافع الفتوى بينهم معلومة (١)؛ لأن مقام المفتي في الناس كمقام النبي الذي يبلغ شريعة رب العالمين إليهم. قال محمد بن المنكدر (ت ١٣٠ هـ): (إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده، فليطلب لنفسه المخرج) (٢)، وقال مالك بن دينار (ت ١٣٠ هـ) لقتادة (ت ١١٧ هـ): (أتدري أي علم رفعت؟ قمت بين الله وبين عباده، فقلت هذا يصلح وهذا لا يصلح) (٣)، ولذا كانت حال المفتي متردِّدة بين رهبتين ورغبتين، فأما الرهبتان فرهبة كتمان العلم، ورهبة القول على الله بغير علم، وأما الرغبتان فرغبة التقدم في الدين وإمامة المتقين، ورغبة السلامة والعافية. وإنما تكون نجاة المفتي بشهوده لتلك الأحوال واستحضاره لمقامه بينها حال فتواه. ولوظيفة الإفتاء شروط أفاض العلماء في بيانها، وحذَّروا من تقحُّم درجة الإفتاء دون اعتبار تحقُّقها، وذكروا أن التساهل في شرط المفتي يجرُّ إلى العاقبة الوخيمة. قال مالك (ت ١٧٩ هـ): أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن (ت ١٣٦ هـ) فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع

стр. 123

لبكائه، فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم، قال ربيعة: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق (١). فمن أهمل الشروط التي ذكرها الفقهاء ونصب نفسه للفتيا دون أن يكون أهلًا لها فقد ارتكب عظيمة من الخطايا. قال شهاب الدين القرافي (ت ٦٨٤ هـ) في شأن من أهمل شرطًا واحدًا من شروط المفتي وهو العلم بأصول الفقه: (فالناس مهملون له إهمالًا شديدًا، ويقتحمون على الفتيا في دين الله تعالى والتخريج على قواعد الأئمة من غير شروط التخريج والإحاطة بها، فصار يفتي من لم يحط بالتقييدات ولا بالتخصيصات من منقولات إمامه، وذلك لعب في دين الله تعالى وفسوق ممن يتعمده. أَوَ ما علموا أن المفتي مخبر عن الله تعالى؟! وأن من كذب على الله تعالى أو أخبر عنه مع عدم ضبط ذلك الخبر فهو عند الله تعالى بمنزلة الكاذب على الله؟! فليتق الله تعالى امرؤ في نفسه ولا يقدم على قول أو فعل بغير شرطه) (٢). فيعلم من هذا أن مقام الفتيا مقام صعب زائد عن مجرد العلم بالمسألة أو الحكم، بل هو زائد عن درجة الفقيه الذي يحسن فهم المسألة وتكون به القدرة على أن يشرحها في مجالس الدرس، قال ابن عبد السلام (ت ٧٤٩ هـ): (فتجد من يحفظ أصولًا كثيرة من الفقه ويفهمها ويعلمها غيره، وإذا سئل عن واقعة جزئية من مسائل الصلاة أو من مسائل الأيمان لا يحسن الجواب، بل لا يفهم مراد السائل عنها إلا بعد عسر) (٣). ولذا فرَّق طوائف من الفقهاء بين فقه الفتيا وعلم الفتيا، كما فرَّقوا بين فقه القضاء وعلم القضاء، فقالوا: الفقه معرفة الأحكام الكلية، أما علم الفتيا والقضاء فهو العلم بتلك الأحكام الكلية مع العلم بكيفية تنزيلها على

стр. 124

النوازل والواقعات (١). فالفتيا وما أشبهها من فقه العمليات المفتقرة إلى التجربة والممارسة صناعةٌ يتخرج بها المتفقه تحت نظر شيخه حتى يجيزه بها، قال عيسى بن سهل (ت ٤٨٦ هـ): (وكثيرًا ما سمعت شيخنا أبا عبد الله بن عتاب ﵁ يقول: الفتيا صنعة. وقد قاله قبله أبو صالح أيوب بن سليمان بن صالح ﵀ قال: الفتيا دربة، وحضور الشورى في مجلس الحكام منفعة وتجربة. وقد ابتليت بالفتيا فما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه سليمان بن أسود، وأنا أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن. ومن تفقد هذا المعنى من نفسه ممن جعله الله إمامًا يلجأ إليه ويعول الناس في مسائلهم عليه، وجد ذلك حقًّا، وألفاه ظاهرًا وصدقًا، ووقف عليه عيانًا وعلمه خبرًا، والتجربة أصل في كل فن ومعنى مفتقر إليه) (٢). والمفتي يستصلح بالفتيا أحوال الناس إلى ما هو خير مما هم عليه، وربما أفتى بالمرجوح فقهًا (٣)، أو رخَّص في المحظور خشية مما هو أشدُّ منه، أو اعتبر عموم البلوى به (٤)، وغير ذلك مما لا تتهيَّأ الفتيا فيه بمجرد العلم بأصل المسألة، إلا أن يكون معه حسن معرفة بأحوال الناس ليحسن تنزيل الأحكام الكلية عليها. قال ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ): (وليس هذا المقام ينال بالهوينا، أو يتسوَّر سوره الرفيع من حفظه وتلقَّف فروعًا لا يهتدي لفهمها ولا يدري مأخذها ولا يعلم ما قيل فيها، وإنما يجوز تسوُّر ذلك السور المنيع من خاض غمرات الفقه حتى اختلاط بلحمه ودمه، وصار فقيه النفس بحيث لو قضى برأيه في مسألة لم يطلع فيها على نقل لوجد ما قاله سبقه إليه

стр. 125

أحد من العلماء، فإذا تمكن الفقه فيه حتى وصل لهذه المرتبة ساغ له الآن أن يفتي، وأما قبل وصوله لهذه المرتبة فلا يسوغ له إفتاء، وإنما وظيفته السكوت عما لا يعنيه وتسليم القوس إلى باريها، إذ هي مائدة لا تقبل التطفل، ولا يصل إلى حومة حماها الرحب الوسيع إلا من أنعم عليه مولاه بغايات التوفيق والتفضل) (١). ومع ذلك فهو مأمور بحسن البيان للناس، وألا يستعمل معهم الإلغاز والمجاز كما قد يجري في مجالس التعليم امتحانًا للطلبة، وذلك أن المفتي يخاطب عامة الناس، والناس فيهم الكبير والصغير والعالم والجاهل والذكي والبليد. قال تقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ): (والفقيه المصنف قد يستعمل من الألفاظ ما فيه مجاز لمعرفته أن الفقهاء يعرفون مراده ومخاطبته للفقهاء. وأما المفتي فغالب مخاطبته للعوام فلا يعذر في ذلك وعليه أن لا يتكلم بالمجاز ولا بما يفهم منه غير ظاهره) (٢). وهذا المجلس الذي هو مجلس الإفتاء مجلس إخبار عن الحكم الشرعي خاصة، وما يتضمنه هذا المجلس من حديث في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والطب وعلوم الطبيعة والحياة فإنما يُنظر فيها باعتبار ما يراد معرفة الحكم الشرعي بشأنه منها، والرجوع إلى أهل الخبرة في ذلك واجب للتعرف على صورة المسائل ومعرفة الأوصاف الطردية والمؤثرة في محل الحكم. وكان الحسن (ت ١١٠ هـ) إذا سئل عن فريضة أخبر بها، فإن قيل له: احسبها، قال: اذهب إلى البقالين يحسبونها (٣). وينبغي التمييز في هذا المقام بين حال المستفتي الذي يسأل عن حكم

стр. 126

نازلة أو أمر عرض له مما هو بحاجة إلى معرفة الحكم الشرعي فيه ليعمل به، وبين مطلق السائل الذي قد يسأل عن معنى لفظة أو مسألة اشتبهت عليه أو عزب عنه فهمها في قراءة له أو درس حضره، أو الذي يسأل في مباحثة ولو مع شيخه عن وجه قول أو جواب حجة وما في معنى ذلك، ولكلٍّ من هؤلاء أدب مختلف للسؤال، سواء منهما السائل والمسؤول، قال البرزلي (ت ٨٤١ هـ): (لا يخلو السائل للعالم من أربعة أوجه: مسترشد واجب على العالم دلالته، وعلامة ذلك في السائل قبوله وتسليمه. ومستفهم واجب على العالم هدايته، وعلامة ذلك في السائل بحثه بالرفق وطلب الدليل بالوقار. ومستخبر واجب على الإمام الإعراض عنه والتنزه عن الجدال والخصومة والتعريض بالله وبرسوله وبأئمة الدين للرد عليهم والتكذيب لهم. ومفتون بالدعوى مستدرج بالرؤية لحاله، واجب على العالم الصمت عنه) (١).

стр. 127

مجلس الإفتاء مجلس إعمال للشرع، يفتي فيه العالم ويستفتي الجاهل، ولكلِّ منهما صفته وأدبه الذي يحصل بالتزامه الغرض من المجلس على أكمل وجه وأتمِّه. وجماع الحديث ههنا عن أغراض أربعة، وهي حال المفتي والمستفتي والفتيا ومجلس الفتيا، على نحو ما يأتي بيانه: ١ - فأما المفتي فليعلم أنه في مجلس حقيق أن يهاب وأن يستعدَّ له الجالس فيه، وقد قال الإمام أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ): (لولا الفرق من الله أن يضيع العلم ما أفتيت أحدًا، يكون لهم المهنأ وعلي الوزر) (١)، وقال الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): (ربما وردت علي المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم)، وقال: (إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن)، وقال: (ربما وردت على المسألة فأسهر فيها عامة ليلتي) (٢). وقال سحنون (ت ٢٤٠ هـ) يومًا: (إنا لله، ما أشقى المفتي والحاكم!) ثم قال: (هنذا يُتعلم مني ما تضرب به الرقاب، وتوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق، أما كنت عن هذا غنيًّا) (٣). فإذا علم ذلك لم يجلس للفتيا إلا من علم أنه يقدم على أمر عظيم له

стр. 128

شرط جليل يعلم أنه أهل له، أو يشهد له الناس بذلك (١)، وأخذ الإذن بالإفتاء من الشيوخ من العمل القديم الذي درج عليه أهل العلم. قال الإمام مالك: (ليس كلُّ من أحبَّ أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلًا جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك) (٢). وقال: (ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل يراني موضعًا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك) فقال له رجل: يا أبا عبد الله، لو نهوك؟ قال: (كنت أنتهي. لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه) (٣). وقال ابن وهب (ت ١٩٧ هـ): جاء رجل يسأل مالكًا عن مسألة، فبادر ابن القاسم (ت ١٩١ هـ) فأفتاه، فأقبل عليه مالك كالمغضب وقال له: جسرت على أن تفتي يا عبد الرحمن؟ يكررها عليه، ما أفتيت حتى سألت: هل أنا للفتيا موضع؟ فلما سكن غضبه قيل له: من سألت؟ قال: الزهري وربيعة الرأي (٤). وكان مالك يكتب إلى ابن وهب في المسائل: إلى عبد الله بن وهب المفتي، ولم يكن يفعل هذا مع غيره (٥). وجرت مرةً حادثة استفتاء في مجلس مالك (ت ١٧٩ هـ)، وكان الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) حاضرًا وهو فتى يومها، فأفتى الشافعي السائل وناقشه مالك في ذلك في قصة يطول ذكرها، فضرب مسلم بن خالد الزنجي (ت ١٨٠ هـ) بين كتفي الشافعي وقال: أفتِ فقد والله آن لك أن تفتي (٦). وقيل لسحنون (ت ٢٤٠ هـ) في موسى بن معاوية الصمادحي (ت ٢٢٥ هـ): إن موسى جلس في الجامع يفتي الناس، فقال سحنون: ما جلس

стр. 129

في الجامع منذ ثلاثين سنة أحق من موسى بالفتوى (١). وعلى ذلك جرت سنة العلماء في إجازة المتأهلين من طلبتهم للإفتاء والإذن لهم فيه (٢). قال القلقشندي (ت ٨٢١ هـ): (جرت العادة أنه إذا تأهل بعض أهل العلم للفتيا والتدريس أن يأذن له شيخه في أن يفتي ويدرس ويكتب له بذلك) (٣). وكان خلق من الفقهاء مع كمال أهليتهم للفتيا يتهيبونها عندما يُكفون بغيرهم، لا سيما بحضرة من يرونه فوقهم في العلم والفقه. قال البراء بن عازب ﵁: (رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم رجل إلا وهو يحب الكفاية في الفتوى) (٤). وسأل رجل الشعبي (ت ١٠٤ هـ): كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال: على الخبير وقعت، كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه: أفتهم، فلا يزال حتى يرجع إلى الأو (٥) ل. وسئل ابن المبارك (ت ١٨١ هـ) بحضور سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) عن مسألة، فقال: إنا نهينا أن نتكلم عند أكابرنا (٦). وكان أبو إسحاق المروزي (ت ٣٤٠ هـ) لا يفتي بحضرة الإصطخري (ت ٣٢٨ هـ) إلا بإذنه (٧). وقد كان لأهل العلم حلقات للإفتاء، ينتصبون فيها لخدمة الناس ويتحرون الصواب في فتاويهم، فيستقبلون الأسئلة والرقاع ويجيبون عليها، ولم

стр. 130

يعب الواحد منهم أن يقول فيما لا يدريه إنه لا يدريه، ولما سئل الشعبي (ت ١٠٤ هـ) عن مسألة فقال: لا أدري، قيل له: فبأي شيء تأخذون رزق السلطان؟ فقال: لأقول فيما لا أدري لا أدري (١). قال أبو علي اليوسي (ت ١١٠٢ هـ): (وليس يزيل اسم العلم عن العالم تقصيره في الجواب عن مسألة يُسأل عنها أو أكثر، بل ولا جهله بذلك رأسًا) (٢). وربما سئل المفتي عن مسألة فأرجأ الجواب عنها حتى يتأملها. قال ابن عبد الحكم: كان مالك (ت ١٧٩ هـ) إذا سئل عن المسألة قال للسائل: انصرف حتى أنظر فيها. فينصرف ويتردد فيها، فقلنا له في ذلك، فبكى وقال: إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم (٣). ولما كان إلحاح المستفتين على المفتين كثيرًا تواطأت الوصية من أهل العلم بوجوب التريث، وأن ينظر المفتي في خلاص نفسه قبل خلاص غيره. قال ابن عمر ﵁: (إنكم تستفتوننا استفتاء قوم كأنا لا نُسأل عما نفتيكم به) (٤). وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن (ت ١٣٦ هـ): قال لي ابن خلدة-وكان نعم القاضي-: (يا ربيعة، أراك تفتي الناس، فإذا جاءك رجل يسألك فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه، وليكن همتك أن تتخلص مما سألك عنه) (٥). وقال ابن هرمز (ت ١٤٨ هـ): (ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري، حتى يكون ذلك أصلًا في أيديهم يفزعون إليه، إذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري) (٦). وقال ابن عون (ت ١٥١ هـ): كنت عند القاسم بن محمد (ت ١٠٧ هـ) إذ جاءه رجل فسأله عن شيء، فقال القاسم: لا أحسنه. فجعل الرجل يقول:

стр. 131

إني دفعت إليك لا أعرف غيرك. فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: (والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به) (١). وسأل رجل عمرو بن دينار (ت ١٢٦ هـ) عن شيء فلم يجبه، فقال: إن في نفسي منها شيئًا فأجبني. فقال عمرو: (والله لأن يكون في نفسك مثل أبي قبيس أحب إلي من أن يكون في نفسي منها مثل الشعرة) (٢). وقال عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ): جاء رجل إلى مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) يسأله عن شيء أيامًا ما يجيبه، فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الخروج، وقد طال التردد إليك. قال: فأطرق طويلًا ثم رفع رأسه فقال: (ما شاء الله، يا هذا، إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه) (٣). وقال ابن وهب (ت ١٩٧ هـ): وسمعته-يعني: مالكًا-عندما يُكثر عليه بالسؤال يكف ويقول: حسبكم، من أكثر أخطأ (٤). والآثار في هذا المعنى كثيرة جدًّا (٥). ولأن من المفتين من قد يضطره إلحاف المستفتين إلى سرعة الجواب كان المفتي على خطر من صنيعه ذلك. قال أبو عثمان بن الحداد (ت ٣٠٢ هـ): (القاضي أيسر مأثمًا وأقرب إلى السلامة من الفقيه؛ لأن الفقيه من شأنه إصدار ما يرد عليه من ساعته بما حضره من القول، والقاضي شأنه الأناة والتثبت، ومن تأنَّى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة) (٦).

стр. 132

٢ - وأما حال المستفتي فعليه أن يحفظ الأدب مع المفتي وأن يُجلَّه في سؤاله وخطابه (١)، وأن يكون عارفًا بما يقول، سائلًا عما به حاجة إليه، مريدًا للجواب ليعمل به، وأن تكون لديه الأهلية لفهم الفتوى، فإن نقص شيئًا من ذلك كان للمفتي أن يُصحِّح سؤاله، أو أن يتلطف معه لصرفه إلى ما هو أصلح له، وله أن يؤدبه الأدب اللائق بمثله إذا احتاج إلى شيء من الأدب. قال عكرمة (ت ١٠٥ هـ): قال لي ابن عباس ﵁: (انطلق فأفت الناس، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس) (٢). وقال حماد بن زيد (ت ١٧٩ هـ): (كان إذا سأل السائل أيوب (ت ١٣١ هـ) عن شيء، قال له: أعده. فإن جاء به كما سأل أجابه، وإلا لم يجبه) (٣). وقال ابن شبرمة (ت ١٤٤ هـ): (من المسائل مسائل لا يجوز للرجل أن يسأل عنها، ولا للمسؤول أن يجيب فيها) (٤). وقال له رجل: أسألك؟ فقال: (إن كانت مسألتك لا تُضحك الجليس ولا تُزري بالمسؤول فسل) (٥). وسأل رجل الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) عن مسألة مستعدة فلم يجبه مالك، فقال الرجل: لم لا تجيبني يا أبا عبد الله؟ فقال مالك: لو سألت عما تنتفع به لأجبتك (٦). وسأله رجل عمن قال لآخر: يا حمار؟ قال: يُجلد. قال: فإن قال له: يا فرس؟ قال: تجلد أنت! ثم قال: يا ضعيف، وهل سمعت أحدًا يقول لآخر يا فرس؟ (٧). وسأل المروزي (ت ٢٧٤ هـ) الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) عن شيء من أمر العدل، فقال: لا تسأل عن هذا فإنك لا تدركه (٨).

стр. 133

قال ابن بطة (ت ٣٨٧ هـ) معلِّقًا على قصة عمر ﵁ مع صبيغ: (وذلك أن الناس كانوا يهاجرون إلى النبي ﷺ في حياته، ويفدون إلى خلفائه من بعد وفاته رحمة الله عليهم؛ ليتفقهوا في دينهم ويزدادوا بصيرة في إيمانهم، ويتعلموا علم الفرائض التي فرضها الله عليهم، فلما بلغ عمر ﵁ قدوم هذا الرجل المدينة، وعرف أنه سأل عن متشابه القرآن وعن غير ما يلزمه طلبه مما لا يضره جهله ولا يعود عليه نفعه، وإنما كان الواجب عليه حين وفد إلى إمامه أن يشتغل بعلم الفرائض والواجبات والتفقه في الدين من الحلال والحرام، فلما بلغ عمر ﵁ أن مسائله غير هذا، علم من قبل أن يلقاه أنه رجل بطال القلب خالي الهمة عما افترضه الله عليه، مصروف العناية إلى ما لا ينفعه، فلم يأمن عليه أن يشتغل بمتشابه القرآن والتنقير عما لا يهتدي عقله إلى فهمه فيزيغ قلبه فيهلك، فأراد عمر ﵁ أن يكسره عن ذلك) (١). والمفتي يقابل كلَّ مستفت بما يلائم غرضه، ويعلم أن من الناس من يريد الاحتيال بالفتوى إلى ما يريد فلا يجعل المفتي نفسه سبيلًا له إلى مقاصد السوء، ويكون فيه من حسن البديهة والفطنة في النظر إلى حال السائل ما يحمله على ترك الاسترسال وراءه إلى سوء مراده. قال ابن عابدين (ت ١٢٥٢ هـ): (فإنا نرى الرجل يأتي مستفتيًا عن حكم شرعي، ويكون مراده التوصل بذلك إلى إضرار غيره، فلو أخرجنا له فتوى عما سأل عنه نكون قد شاركناه في الإثم؛ لأنه لم يتوصل إلى مراده الذي قصده إلا بسببنا) (٢). ويحكى أن أعرابيًّا أتى ابن أبي ذئب (ت ١٥٩ هـ) فسأله عن مسألة طلاق، فأفتاه بطلاق زوجته، فقال: انظر حسنًا. قال: نظرت وقد بانت منك. فولى الأعرابي وهو يقول (٣): أتيت ابن ذئب أبتغي الفقه عنده... فطلق حتى البتِّ بُتَّت أنامله

стр. 134

أطلِّق في فتوى ابن ذئب حليلتي... وعند ابن ذئب أهله وحلائله ويروى أن امرأة جاءت إلى فقيه فقالت: إن زوجي تزوج امرأة أخرى، فهل يجوز لي أن أتزوج زوجًا آخر؟ قال: لا. قالت: فإني قد تزوجت وجاز لي. قال: فلم تسألينني حين جاز عندك؟! (١). ٣ - وأما الفتيا فلا بدَّ أن تكون دقيقة ملاقية للسؤال حقًّا بعد التثبت من فهمه، واستعلام السائل عن مراده، واستعادة السؤال منه إن لزم، دون إيغال في استفصال يكون من شأنه تعطيل مصالح المستفتين وتأخير فتاوى الناس، بل متى غلب على ظنه حسن إدراك مراد السائل أجابه. قال ابن القيم (ت ٧٥١ هـ): (ومن تأمل أجوبة النبي ﷺ رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة إلى الاستفصال، ويتركه حيث لا يحتاج إليه، ويحيل فيه مرة على ما عُلم من شرعه ودينه من شروط الحكم وتوابعه) (٢)، وقال البهوتي (ت ١٠٥١ هـ): (ولم تزل العلماء يجيبون بحسب ما يظهر لهم من المتبادر إلى الفهم) (٣). ثم تأتي الفتيا بعد هذا مزيلة للإشكال، على وجه يناسب فهم السائل واستعداده (٤). وهل تكون الفتيا موجزة أو مطوَّلة؟ قال بكلٍّ من أهل الفقه طائفة، فمنهم من قال: يختصر في جوابه لتفهمه العامة، ويكتفي فيه بأن يقول: يجوز أو لا يجوز، أو حق أو باطل، ولا يعدل إلى الإطالة والاحتجاج. قال أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ): (ولو ساغ التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير، ولصار المفتي مدرِّسًا، ولكل مقام مقال). وقد كان من الفقهاء من يوجز غاية الإيجاز، كسلامة بن صدقة الحراني (ت ٦٢٧ هـ) الذي كانت أجوبته في الفتاوى غالبًا (نعم) أو (لا) (٥)، والحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث قال فيه

стр. 135

السخاوي (ت ٩٠٢ هـ): (وأما فتاويه فإليها النهاية في الإيجاز مع حصول الغرض، لا سيما المسائل التي لا نقل فيها) (١). ومن الفقهاء من قال: يجيبه بأكثر من السؤال (٢)، وجاء وصف بعض المفتين بأنه يفتي الفتيا الواسعة (٣). وعلى أية حال فإن المستفتي ربما احتاج إلى البيان فكان الإيجاز مانعًا له من حسن التفهم، فيكون الأليق بمثل حال العامة الإيجاز المبين، فأما إن كان مخِّلًا فالشرح في حقه أولى. قال ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ): (الاقتصار على (لا) أو (نعم) لا يليق بعيِّ العامة، وإنما يحسن بالمفتي الاختصار الذي لا يخل بالبيان المشترط عليه دون ما يخل به، فلا يدع إطالة لا يحصل البيان بدونها) (٤). وعلى المستفتي أن يتثبت من جواب الشيخ، وأن يستفهم منه إن التبس عليه أمر الفتيا، كما أن على المفتي أن يتثبت في جوابه تثبت من يعلم أنه مسؤول عن علمه، فإذا أفتى بشيء ثم تبين له خلافه أعلم أصحابه برجوعه عنه (٥). فقد روي أن رجلًا تزوج امرأة من بني شمخ، فرأى بعدُ أمها فأعجبته، فذهب إلى ابن مسعود ﵁ فقال: إني تزوجت امرأة لم أدخل بها ثم أعجبتني أمها، فأطلق المرأة وأتزوج أمَّها؟ قال: نعم فطلقها وتزوج أمَّها. فأتى عبد الله ﵁ المدينة، فسأل أصحاب النبي ﷺ فقالوا: لا يصلح. ثم قدم فأتى بني شمخ، فقال: أين الرجل الذي تزوج أم المرأة التي كانت تحته؟ قالوا: ههنا. قال: فليفارقها. قالوا: وقد نثرت له بطنها؟ قال: فليفارقها؛ فإنها حرام من الله (٦).

стр. 136

وقال الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): كان ابن هرمز (ت ١٤٨ هـ) رجلًا كنت أحب أن أقتدي به، وكان قليل الكلام قليل الفتيا شديد التحفظ، وكان كثيرًا ما يفتي الرجل، ثم يبعث في أثره من يرده إليه، حتى يخبره بغير ما أفتاه (١). ويُذكر أن إسحاق بن منصور الكوسج (ت ٢٥١ هـ) بلغه أن أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) رجع عن تلك المسائل التي علَّقها عنه، فجمع إسحاق تلك المسائل في جراب وحملها على ظهره وخرج راجلًا إلى بغداد وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقرَّ له بها ثانيًا، وأعجب أحمد بذلك من شأنه (٢). واستُفتي الحسن بن زياد اللؤلؤي (ت ٢٠٤ هـ) في مسألة فأخطأ، فلم يعرف الذي أفتاه، فاكتري مناديًا فنادى: إن الحسن بن زياد استُفتي يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ، فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه، فمكث أيامًا لا يفتي حتى وجد صاحب الفتوى فأعلمه أنه قد أخطأ، وأن الصواب كذا وكذا (٣). وحكى بعض مشايخ بلخ قال: دخلت بغداد وإذا على الجسر رجل ينادى ثلاثة أيام يقول: ألا إن القاضي أحمد بن عمرو الخصاف (ت ٢٦١ هـ) استُفتي في مسألة كذا، فأجاب بكذا وكذا، وهو خطأ، والجواب كذا وكذا، رحم الله من بلَّغها صاحبها (٤). وهذا التحفظ في الفتيا والتثبت فيها صنيع من يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه فسائله عما علم وعلَّم وأفتى، فمن كان كذلك كان حريًّا بالتوفيق، وأن يلهمه الله ويسدِّده. لا كمن يفتي بالجهل ويتقحم في دين الله العظائم، وقد حكى أبو محمد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ) فقال: (ولقد أذكرنا هذ مفتيًا كان عندنا بالأندلس وكان جاهلًا، فكانت عادته أن يتقدمه رجلان كان مدار الفتيا عليهما

стр. 137

في ذلك الوقت، فكان يكتب تحت فتياهما: أقول بما قاله الشيخان، فقضي أن ذينك الشيخين اختلفا، فلما كتب تحت فتياهما ما ذكرنا، قال له بعض من حضر: إن الشيخين اختلفا! فقال: وأنا أختلف باختلافهما) (١). ٤ - وأما حال مجلس الفتيا فأكثر مجالس الفتيا للفقهاء إنما كانت في المساجد (٢)، لمكان اجتماع عامة الناس فيها في الصلوات وغيرها، لا سيما في الأمكنة التي تزداد فيها حاجتهم إليها كالبلدان الكبيرة، أو الحرمين الشريفين أيام المناسك (٣)، أو الأزمنة التي يزداد فيها حضورهم واجتماعهم كالجمعة، حيث يجتمع الفقهاء وتتعدد حلقاتهم للإفتاء والوعظ والمناظرة وغيرها، قبل الصلاة وبعدها (٤). وكان وفود الفقهاء من خارج البلد فرصة لتعليم الناس وإفتائهم، وربما طلب منه أهل البلد ذلك أو تنازل له بعض الفقهاء عن مجلسه. قال عبد ربه بن أبي راشد: قمت بمكة على حلقة عبد الله بن عمر ﵁ وهو يُسأل عن الفتاوى ويجيبهم، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من أهل البصرة، قال: أهل البصرة خير من أهل الكوفة (٥). وقد كانت الحلقة في الفتيا بمكة في المسجد الحرام لابن عباس ﵁، وكان يفتي في المسجد الحرام مسندًا ظهره إلى الكعبة، وهو أول من أفتى فيها بهذه الهيئة (٦)، وبعد ابن عباس كانت حلقة الفتيا

стр. 138

لعطاء بن أبي رباح (ت ١١٤ هـ) (١). ولما دخل أبو محمد عبدان بن محمد المروزي (ت ٢٩٣ هـ) نيسابور في طريقه إلى الحج أخذ ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ) ينفذ إليه برقاع الفتاوى، ويقول: أنا لا أفتي ببلدة أستاذي فيها (٢). وكذلك لما دخل العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) القاهرة ترك الحافظ المنذري (ت ٦٥٦ هـ) الفتيا وقال: حيث دخل الشيخ عز الدين لا حاجة بالناس إليَّ (٣). وهكذا يكون في كل بلد مُفتون، وربما دارت الفتيا في البلد على فقيه فاق أقرانه فيها (٤). وربما كان للمفتي أكثر من حلقة للإفتاء في البلد، كابن البناء البغدادي الحنبلي (ت ٤٧١ هـ) الذي كان له حلقتان ببغداد، حلقة بجامع المنصور والأخرى بجامع القصر (٥). وقد بيَّن أهل العلم أن المفتي عليه أن يكون على حالة مستقرة مناسبة للجلوس للفتيا، فلا يفتي في كل حالة تُغيِّر خلقه وتشغل قلبه وتمنعه من التثبت والتأمل، من غضب أو جوع أو عطش أو حزن أو فرح غالب أو نعاس أو ملالة أو مرض، فإذا أحس باشتغال قلبه بشيء من ذلك وشبهه أمسك عن الفتوى، وللفقهاء تفصيل في صحة الفتيا منه في مثل هذه الأحوال (٦). وقد سُئل الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) يوم مات بشرٌ (ت ٢٢٧ هـ) عن مسألة، فقال: ليس هذا يوم جواب، هذا يوم حزن (٧). كما تكلم العلماء في الآداب التي يلتزمها المفتي والمستفتي في مجلس الفتيا وأسهبوا في شرحها وتوضيح أحوالها، كتقديم الأول فالأول من

стр. 139

المستفتين إلا أن يأذنوا لغريب ونحوه، وألا يخاطب عامة الناس في الفتوى بأصول العلم وغوامضه، وإذا سأله السائل عما يطول جوابه أن يأمره بالجلوس، وأن يسارَّ المستفتي إذا كان السؤال أو الجواب مما يستوجب ذلك أو مما تختلف فيه الفتيا، وقد روي عن أبي حنيفة (ت ١٥٠ هـ) أنه أتاه رجل في مسألة طلاق فأجابه، ثم استوى فقال: أكان هذا بعدُ؟ فقالوا: نعم، فطلب من السائل أن يأتيه حتى يفتيه (١). ومجلس الإفتاء مجلس فخم يتوجب فيه تفخيم الشريعة وتعظيمها (٢)، ولذا قال الفقهاء إن على المفتي أن يعتني بمظهره ولباسه، فقال الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): (حسن السمت وحسن الزي جزء من كذا كذا جزءًا من النبوة) (٣)، وقال شهاب الدين القرافي (ت ٦٨٤ هـ): (ينبغي للمفتي أن يكون حسن الزي على الوضع الشرعي؛ فإن الخلق مجبولون على تعظيم الصور الظاهرة، ومتى لم يعظم في نفوس الناس لا يُقبلون على الاهتداء به والاقتداء بقوله) (٤). وعلى المفتي عند تلقِّي الفتوى أن يكثر اللجأ والاستعانة بالله ﷻ ويستمد الصواب منه سبحانه، وأن يتواضع بعلمه ويعلم أنه قليل الحيلة إن لم يتداركه الله بلطفه، وروي عن مكحول (ت ١١٣ هـ) أنه كان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله (٥)، ومن الكلمات التي كان يلزمها الإمام مالك في فتواه أن يقول: ما شاء الله ولا قوة إلا بالله (٦). وقال ابن القيم (ت ٧٥١ هـ): (وشهدت شيخ الإسلام قدس الله روحه، إذا أعيته المسائل واستعصت عليه فرَّ

стр. 140

منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجأ إليه واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلَّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وُفِّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا وسار قلبه في ميادينه حقيقة وقصدًا فقد أعطي حظه من التوفيق، ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (١).

стр. 141

لمجلس الإفتاء ثمرات وفوائد جليلة، يمكن إيجاز أهمها فيما يأتي بيانه: ١ - مجالس الفتيا سبيل إلى تجديد الشريعة ودوامها ورسوخها بتجديد الاجتهاد فيها، وإدمان البحث والنظر في مسائلها، فالفقه ينمو بنموِّ الحياة ويخمد حيث تخمد، ولهذا كانت مجالس الفتيا في المدن والأمصار الكبيرة أعظم منها في غيرها، بل كان الفقهاء يضيقون ذرعًا في المدن التي لا يجدون فيها سائلًا للعلم أو مستفتيًا. ومن ذلك أن سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) قدم عسقلان فمكث ثلاثًا لا يسأله أحد في شيء، فقال: (اكتر لي أخرج من هذا البلد، هذا بلد يموت فيه العلم) (١). ومن الفقهاء (من كان يستحب أن يُسأل ويقول: سلوني)، كما بوَّب بذلك ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ)، وقال علي ﵁: (ألا رجل يسألني فينتفع وينتفع جلساؤه؟) (٢)، وكان عكرمة (ت ١٠٥ هـ) يقول: (ما لكم لا تسألوننا؟ أفْلَستُم؟!) (٣). وكان عروة (ت ٩٤ هـ) يقول: (ائتوني فتلقَّوا مني) (٤). وقد قال الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ): (سبيل العلم مثل

стр. 142

سبيل المال، إن المال إذا زاد زادت زكاته) (١). وقال ابن المعتز (ت ٢٩٦ هـ): (وإنما عمر الإنسان كالبضاعة التي لا ينبغي أن ينفقها إلا في علم يزداد بالإنفاق) (٢). فالمفتي مبلِّغ لأحكام الشريعة، ومرجع الناس في معرفة الحلال والحرام إليه، ولذا عظم شأن المفتين في بلدان المسلمين متى عرف منهم الناس العلم الراسخ والصدق والأمانة والنصيحة في الدين للقريب والبعيد والعام والخاص، والوقوف مع الناس في السراء والضراء، ولو مسَّهم من تبعات ذلك من الضُّرِّ ما مسَّهم، ونالهم من الأذى ما نالهم (٣). ٢ - مجالس الفتيا سبب لاستقرار أحوال الناس، متى كانت تلك الأحوال على وجه صالح مستقيم لا تأباه الشريعة، ولذا تواطأت وصية الفقهاء بترك أهل كلِّ بلد وما سبق إليهم من وجوه الفتيا في عباداتهم ومعاملاتهم، وقد جرت بذلك سنة الفقهاء في عامة الأمصار. قال أبو مسهر (ت ٢١٨ هـ): (ينبغي للرجل أن يقتصر على علم بلده وعلى علم عالمه، فلقد رأيتني أقتصر على سعيد بن عبد العزيز (ت ١٦٧ هـ) فما أفتقر معه إلى أحد) (٤). وكان زيد بن بشر (ت ٢٤٢ هـ) من كبار أصحاب ابن وهب (ت ١٩٧ هـ) في تونس، وكان أهل المغرب يسألونه في بعض مسائلهم فيأبى أن يجيب، ويقول لهم: عليكم بأئمة

стр. 143

بلدكم (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (ومن الناس من يكون نشأ على مذهب إمام معين أو استفتى فقيهًا معينًا أو سمع حكاية عن بعض الشيوخ، فيريد أن يحمل المسلمين كلهم على ذلك، وهذا غلط) (٢). وقال تاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ): (الرأي السديد لمن رأى قواعد البلاد مستمرة على شيء غير باطل أن يجري الناس على ما يعهدون) (٣). ٣ - مجالس الفتيا مجالس تدريب للمتفقهين، بما تشتمل عليه من جوانب تطبيقية لما درسوه في مجالس العلم، بل هي مجالس دربة للفقيه المتأهل الذي لم يمارس الفتوى بعد. قال الأعمش (ت ١٤٨ هـ): (لما سمعت الحديث قلت: لو جلست إلى سارية أفتي الناس، قال: فجلست إلى سارية، فكان أول ما سألوني عنه لم أدر ما هو) (٤). وقد كان طلبة الفقه يشهدون هذه المجالس، ويسألون الشيوخ في المسائل حتى يتلقوا عنهم طريقتهم في الفتيا. فمن ذلك ما روي عن أبي العالية (ت ٩٣ هـ) قال: سألت ابن عباس ﵁ عن شيء، فقال: يا أبا العالية، أتريد أن تكون مفتيًا؟ فقلت: لا، ولكن لا آمن أن تذهبوا ونبقى، فقال: صدق أبو العالية (٥). بل كان الشيوخ يتعاهدونهم فيتخرج هؤلاء المفتون بهم. قال عكرمة (ت ١٠٥ هـ): قال لي ابن عباس ﵁: (انطلق فأفت الناس وأنا لك عون) (٦). فمجرد معرفة طلبة الفقه بالمسائل لا يخولهم بالجلوس في مجلس الفتيا حتى يتدربوا ويتمرسوا عليها في مثل هذه المجالس التطبيقية. وقد سئل أبو

стр. 144

الحسن القابسي (ت ٤٠٣ هـ) عمن يحفظ المدونة هل تسوغ له الفتيا؟ فقال: إن ذاكر الشيوخ فيها وتفقَّه جاز، وإن لم يذاكر فيها فلا يفعل (١). ولذلك كانت هذه الفتاوى ثروة تشريعية يحرص الفقهاء على تدوينها، فالكثير من مدونات الفتيا كانت أجوبة في مجالس الإفتاء بعد كتابتها وتحريرها، فتجمع تحت اسم (الفتاوى) أو (الأجوبة) أو (النوازل) أو (المسائل) أو (الأحكام)، سواء كانت للمفتي نفسه أو كانت لغيره (٢). ومن ذلك على سبيل المثال (الفتاوى الأسعدية) حيث كانت جمعًا للفتاوى التي أجاب عنها مفتي المدينة أسعد الأسكداري (ت ١١١٦ هـ) في حلقته في مسجد النبي ﷺ ، وكان عليها التعويل في الحجاز عند الحنفية (٣). وهذه الفتاوى والأجوبة تشتمل على الجوانب التطبيقية، وتضج بشرح أحوال المستفتين ومعايشهم وأعرافهم وظروف حياتهم ومعاملاتهم، ولذا كانت مصدرًا خصبًا لتاريخ الحقبة التي دوِّنت فيها (٤). ومطالعة مثل هذه الكتب وطول التأمل فيها مما يعين على اكتساب الملكة والدربة على الإفتاء. قال محمد بن الحسن الحجوي (ت ١٣٧٦ هـ): (وكذلك على المفتي الإكثار من مطالعة كتب الفتاوى والنوازل الواقعية؛ ليعرف منها كيفية تطبيق الأحكام الكلية على القضايا الجزئية) (٥). ٤ - في مجالس الفتيا تربية للناس واستصلاح لهم وتزكية لأخلاقهم، والواجب على أهل الفتيا ملاحظة أحوال الناس واعتبارها في تنزيل الأحكام الكلية عليها، وأن يرتقوا بالناس إلى ما يطيقونه من أحوال الصلاح الخير واجتناب أسباب الفساد، ومن الإشارات ذات المغزى العميق في هذا المعنى

стр. 145

قول الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ): (إنما ينبغي أن يؤمر الناس بالأمر البين الذي لا شك فيه، وليت الناس إذا أُمروا بالشيء الصحيح أن لا يجاوزوه) (١). فالمفتي ليس مدرِّسًا يعلم تلامذته وجوه الفقه وأدلته، بل هو ناظر في الجزئيات مستصلح لأحوال الخلق بمقتضى النظر فيها بحسب ما يطيقونه من مراتب الصلاح، وهو قريب من المستفتين كالطبيب الذي يعالج أدواءهم. ولما سئل الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) في شأن دفع الوسواس في الطهارة كتب جوابًا جاء فيه: (وصلني كتابكم فيما به الوسواس، فهذا أمر عظيم في نفسه، وأنفع شيء فيه المشافهة، وأقرب ما أجد الآن أن تنظروا من إخوانكم من تدلون عليه وترضون دينه، ويعمل بصلب الفقه ولا يكون فيه وسوسة فتجعلونه إمامكم، على شرط أن لا تخالفوه، وإن اعتقدتم أن الفقه عندكم بخلافه، فإذا فعلتموه رجوت لكم النفع) (٢). ولأجل هذا قال بعض الفقهاء إن المفتي يجوز له أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له منه، وهذا من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه (٣)، فيكون في تلقيه السؤال وجوابه عنه مستصلحًا للسائل ومرشدًا له، وقد روي أن الحسن (ت ١١٠ هـ) سئل عن أضحية مسروقة، فقال: لا تذبح ولا تسرق (٤).
следующие страницы →