← Каваид фикха

Каваид фикха · id 204

المجالس الفقهية

هيثم بن فهد الرومي

Полный текст (260 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الطالب المؤذنة برفعه إلى أعلى المراتب، أن يرزقه الله معلِّمًا ناصحًا وقريحة قابلة وفهمًا صقيلًا وكفاية مؤنة وصدق رغبته في طلبه) (١). ومن نصيحة الأستاذ لطلبته أن يترفق بهم كأنهم أولاده، قال أبو حامد الغزالي (٥٠٥ هـ): (فأول وظائف المعلم أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه) (٢)، فيستوثق من فهمهم ويسر بنجابتهم وتقدمهم في العلم ويجتهد في ذلك اجتهاد الحريص، ويجعل تعليمه إياهم قربة يتقرب إلى الله تعالى بها لا مهنة يسترزق منها، ويبذل لهم من سماحة نفسه وكرم أخلاقه ما يحبب إليهم العلم ويزينه في قلوبهم، وقد روي عن عمر ﵁: (تعلَّموا العلم وعلِّموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم) (٣). وقال ابن مسعود ﵁ لأصحابه: (أنتم جلاء قلبي) (٤). وقال ابن عباس ﵁: (أعز الناس عليَّ جليسي الذي يتخطى الناس إليَّ، أما والله إن الذباب يقع عليه فيشقُّ ذلك عليَّ) (٥). وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يقبل على الشباب فيقول: (يا ابن أخي، إذا شككت في الشيء فلسني حتى نستيقن؛ فإنك إن تقم على اليقين أحب إلي من أن تقوم على الشك) (٦). وقال حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ): (كنت أسائل إبراهيم (ت ٩٦ هـ) عن الشيء فيعرف في وجهي أني لم أفهم فيعيده حتى أفهم) (٧). وجاء عيسى بن دينار (ت ٢١٢ هـ) فلازم ابن القاسم (ت ١٩١ هـ) سنين، فلما ارتحل عنه قافلًا إلى الأندلس شيَّعه ابن القاسم فراسخ، فعوتب في ذلك

стр. 72

فقال: تلومونني أن شيَّعت رجلًا لم يخلف بعده أفقه منه؟! (١). وقال الضياء المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) في الموفق بن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): (وما علمت أنه أوجع قلب طالب) (٢). وقال تاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ): (وكنت أنا كثير الملازمة للذهبي، أمضي إليه في كل يوم مرتين بكرة والعصر، وأما المزي فما كنت أمضي إليه غير مرتين في الأسبوع، وكان سبب ذلك أن الذهبي كان كثير الملاطفة لي والمحبة فيَّ، بحيث يعرف من عرف حالي معه أنه لم يكن يحب أحدًا كمحبته فيَّ، وكنت أنا شابًّا فيقع ذلك مني موقعًا عظيمًا) (٣). وقد أطال العلماء القول في آداب المعلِّم وما ينبغي في حقه من الإخلاص والنصيحة لله تعالى ولمن يتولى تعليمهم، وفصَّلوا القول في طرائق التعليم ورسومه وآدابه، وسبيل الإذن والإجازة به، مما هو مشهور في كتب أدب الطلب وقوانين التعليم (٤). ثالثًا: المتعلِّم: مثلما جاءت الوصية من العلماء بحسن اختيار المعلِّم فقد جاءت الوصية منهم كذلك بحسن اختيار التلميذ، وأن يكون للعالم فراسة يتوسَّم بها المتعلِّم؛ إذ الطلبة متفاوتون بينهم تفاوتًا عظيمًا في قابليتهم واستعدادهم (٥). قال

стр. 73

الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ): (وإن كان في جملة المتفقهة حدث أو صبي له حرص على التعلم، أو آنس الفقيه منه ذكاء أو فطنة، فليقبل عليه، ويصرف اهتمامه إليه) (١). وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان في هذا المكان خلف الكعبة حلقة، فمر عمرو بن العاص ﵁ يطوف، فلما قضى طوافه جاء إلى الحلقة فقال: (مالي أراكم نحَّيتم هؤلاء الغمان عن مجلسكم؟ لا تفعلوا، أوسعوا لهم وأدنوهم وأفهموهم الحديث؛ فإنهم اليوم صغار قوم، ويوشكوا أن يكونوا كبار آخرين، قد كنا صغار قوم ثم أصبحنا كبار آخرين) (٢). وقال أشهب (ت ٢٠٤ هـ) في سحنون (ت ٢٤٠ هـ): (ما قدم إلينا من المغرب مثله، ولقد حثه ابن القاسم (ت ١٩١ هـ) على أن يقيم عنده يطلب العلم، ويدع الخروج إلى الغزو، لما استفرس فيه) (٣). ويكون همُّ العالم منصرفًا لاختيار من يأنس منه حسن الفهم والفطنة؛ لأن ذلك جوهر الفقه وحقيقته، وهو أيسر وأسرع في تعليمه، وقد قال محب الدين بن نصر الله البغدادي الحنبلي (ت ٨٤٤ هـ): (قليل من الفهم خير من كثير من الحفظ) (٤). وقال أبو الفتح الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ): (لا تَعِب إنسانًا بما لا يمكن أن يعلم) (٥). فإن انضم إلى ذلك صلاح البيت الذي هو منه واستقامة أحوال ذويه كان التعليم أكثر ملاقاة لغرضه. قال ابن المعتز (ت ٢٩٦ هـ) في كلام شريف جدًّا: (ما ينفع ولد الملك من تأديب المؤدبين إياه، وهو يغدو ويروح فيراه على خلاف ما يأمره به المؤدبون؟ ولم يزل الباطل على نفوس الرجال أخف محملًا وأحلى طعمًا فكيف الصبيان؟ المؤدب يأمر الغلام بألا يشتم أحدًا ويتجنب

стр. 74

المحارم ويحسِّن خلائقه، ويعلمه من الفقه الأبواب التي لا غنى بمسلم عن معرفتها، ومن الشعر الشاهد والمثل، ومن الإعراب ما يصلح به لفظه، ومن الغزل أعفَّه، وهو يرى أباه في كل ساعة بخلاف ما يؤمر به، وتاركًا لما خُصَّ عليه، حتى إنه ليستثقل اللفظة تجري في مجلسه بإعراب، ويصدُّ عن منشد لبيت شعر، ولا يخاطب غلامه ولا يمازح جليسه إلا بالشتم واللعنة، ولا يحتشم من ورود محرم، ولا يتقي كبيرة، ثم يراه مع ذلك وقد بلغ غاية آماله من الدنيا! فيوشك أن يحدِّث نفسه بأن أباه لا يخلو من أن يكون علم ما يُسام فاطَّرحه ورأى أنه لا خير فيه، أو لم يعلم شيئًا من ذلك فلم يضره جهله إياه، ولا صرف عنه حظًّا من دنياه، وكلا المعنيين مزهِّد له في قبول الأدب، ومزيِّن له ترك عنائه وربح تعبه فيه) (١). ويكون مع هذا للمتعلم همة وحافز من نفسه على التعلم، وإقبال على مجالسه ولزوم لشيوخه، فـ (إنما يرجو العلم من انبعثت جمرة في قلبه تذكِّره ضياع أيامه، وتنسيه جميع أولاده وأمواله) (٢). وللمتعلم مع شيوخه وأقرانه وفي نفسه أثناء دراسته وتعلمه آداب أفاض العلماء في شرحها وبيان أحوالها وما يستعمله المتعلم منها في كافة شؤونه، مما يرجى بملاحظتها ودوام التخلُّق بها نيل بركة التعليم وحصول كمال الغرض منه (٣). رابعًا: المادة التعليمية: هناك عوامل عدة تؤثر في اختيار المادة التعليمية التي تشتمل عليها مجالس التدريس، غير أن هناك حرية كبيرة وتنوعًا ثريًّا واختلافًا واسعًا تختلف

стр. 75

به الأقاليم والمدن، بل والمدارس في المدينة الواحدة في اختيار الكتاب الذي يدرس أو يقرأ، وفي طريقة الدراسة والقراءة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (وأما ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم، فهذا باب واسع وهو أيضًا يختلف باختلاف نشء الإنسان في البلاد، فقد يتيسر له في بعض البلاد من العلم أو من طريقه ومذهبه فيه ما لا يتيسر له في بلد آخر) (١). غير أن من رسوم التدريس التي يعاب من لم يلتزم بها بعد حسن اختيار الكتاب، ألا ينتقل المعلم ولا المتعلم عن الكتاب إلا بعد إتمامه؛ لأن التنقل من كتاب إلى كتاب (علامة على الضجر واللعب وعدم الفلاح) (٢)، كما قاله ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ). والواجب التأني والمشاورة في اختيار الكتاب؛ لئلا تذهب الأيام فيما فائدته قليلة أو فيما غيره أنفع منه، والكتب متفاوتة في نفسها وليست على وزان واحد في اكتساب الملكة. قال تاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ) بعد ذكره لبعض الكتب: (والكتاب المذكور أعجوبة في بابه، بالغ في الحسن أقصى الغايات، إلا أن المرء لا يصير به فقيهًا ولو بلغ عنان السماء. وهذه الطائفة تضيع في تفكيك ألفاظه وفهم معانيه زمانًا لو صرفته إلى حفظ نصوص الشافعي وكلام الأصحاب لحصلت على جانب عظيم من الفقه، ولكن التوفيق بيد الله تعالى) (٣). وربما كان الكتاب المشروح في مجالس التعليم مصنَّفًا مشهورًا لبعض الفقهاء، أو يكون تعليقة يمليها الفقيه على تلامذته (٤). قال أبو علي الفارقي (ت ٥٢٨ هـ) حاكيًا رحلته إلى أبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ) للدراسة عليه: (فنزلت في خانٍ حذاء مسجد أبي إسحاق بباب المراتب، وكان يسكنه أصحاب الشيخ ومن يتفقه عليه، فإذا كثرنا كنا حوالي العشرين، وإذا قل عددنا

стр. 76

كنا حوالي العشرة، وكان الشيخ أبو إسحاق يذكر التعليقة في أربع سنين فيصير المتفقه في هذه الأربع سنين فيها مستغنيًا عن الجلوس بين يدي أحد، وكان يذكر درسًا بالغداء ودرسًا بالعشي) (١). و (التعليقة) هي المادة الفقهية التي يلقيها الفقيه على تلامذته في مجلس الدرس ويتحملها عنه الطلبة. قال حاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) في بيان معنى ((الأمالي)): (هو جمع الإملاء، وهو أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم ويكتبه التلامذة فيصير كتابًا، ويسمونه: ((الإملاء)) و ((الأمالي))، وكذلك كان السلف من الفقهاء والمحدثين وأهل العربية وغيرها في علومهم، فاندرست لذهاب العلم والعلماء وإلى الله المصير. وعلماء الشافعية يسمون مثله التعليق) (٢). وهذه التعليقات ربما اشتهرت من جهة الفقيه العالم، كتعليقة أبي الفتح الأسمندي الحنفي (ت ٥٥٢ هـ) (٣)، وأبي بكر الطرطوشي المالكي (ت ٥٢٠ هـ) (٤)، وتعليقة القاضي حسين الشافعي (ت ٤٦٢ هـ) (٥)، وتعليقة القاضي أبي يعلى الحنبلي (ت ٤٥٨ هـ) (٦). أو من جهة تلامذته الذين يكتبونها عنه منسوبة إليه، فتعليقة أبي حامد الإسفراييني (ت ٤٠٦ هـ) كان علَّقها عنه جماعة من تلامذته، منهم ابن المَحَاملي (ت ٤١٥ هـ) وأبو نصر الثابتي (ت ٤٤٧ هـ) والقاضي أبو علي البندنيجي (ت ٤٢٥ هـ) (٧). والتعليقات متفاوتة في حجمها وفي طريقتها، فمنها الكبير جدًّا والمتوسط والصغير، وبعضها يكون في مسائل الفقه في المذهب الواحد للطلبة

стр. 77

الذين يتفقهون فيه كالتعليقات المذكورة، وبعضها يكون تعليقًا في مسائل الخلاف للتلامذة المتقدمين الذين فرغوا من معرفة المذهب (١). وهي متفاوتة كذلك في تحريرها واعتمادها وفرح الفقهاء بها، فمنها ما يعوزه التحرير، ومنها ما يقبل عليه الفقهاء تعلُّمًا وتعليمًا، كتعليقة القاضي الأصبهاني (ت ٥٨٥ هـ) التي (شهدت بفضله وتحقيقه وتبريره على أكثر نظرائه، وجمع فيها بين الفقه والتحقيق، وكان عمدةُ المدرسين في إلقاء الدروس عليها، ومن لم يذكرها فإنما كان لقصور فهمه عن إدراك دقائقها) (٢)، كما يقول ابن خلكان (ت ٦٨١ هـ). ومن شواهد العناية البالغة من الفقهاء بتعليقاتهم ما روي من أن ابن المحاملي (ت ٤١٥ هـ) لما صنف كتبه ((المقنع)) و ((المجرد)) وغيرهما من تعليق أستاذه أبي حامد (ت ٤٠٦ هـ) ووقف عليها، قال: بتر كتبي بتر الله عمره (٣). وعند التأمل في التعليقات الفقهية نلاحظ أن هذا النمط من التصنيف فشا في أواخر القرن الرابع وفي القرن الخامس والسادس (٤)، وهي عصور ازدهار تدوين المذاهب الفقهية، ثم إن التعليقات قلَّت بعد ذلك إلا أن تكون بمعنى التحشية على مصنَّف آخر، كأن يقال: تعليقة على التنبيه، أو تعليقة على المقنع (٥). وبعد هذه القرون فالغالب قراءة مصنف فقهي من المصنفات المعتمدة في كل مذهب من المذاهب الأربعة، فيدرِّسه الشيخ أو يُقرأ عليه. وكان الشيخ ربما درَّس كتابه أو قُرئ عليه، كما كان الجويني (ت ٤٧٨ هـ) يُدرِّس ((نهاية المطلب)) للخواص من تلامذته (٦)، وكما قرأ جماعة كتاب

стр. 78

((المغني)) على الموفق بن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) (١). وقراءة الكتاب على الشيخ قد تكون قراءة عرض وإجازة بالكتاب بحيث يستوثق من ضبطه ويأمن التصحيف فيه (٢)، أو تكون قراءة تصور لمسائله وشرح لغوامضه، أو تكون قراءة مباحثة وتحرير ومناقشة (٣)، وكل نوع من هذه القراءات له رسومه. وقد كانت رواية كتب الفقه سبيلًا إلى الثقة بنقلها، حتى إن من الكتب ما أسقط الفقهاء الثقة به بسبب انقطاع السلسلة فيه. قال المقَّري (ت ٧٥٩ هـ): (ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف وانقطعت سلسلة الاتصال، فصارت الفتاوى تنقل من كتب من لا يدري ما زيد فيها مما نقص منها لعدم تصحيحها وقلة الكشف عنها، ولقد كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوِّغون الفتوى من تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي (ت ٤٧٨ هـ)؛ لكونه لم يصحَّح على مؤلفه ولم يؤخذ عنه، وأكثر ما يعتمد اليوم ما كان من هذا النمط. ثم انضاف إلى ذلك عدم الاعتبار بالناقلين، فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كما يؤخذ من كتب المرضيين، بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين، ولم يكن هذا فيمن قبلنا، فلقد تركوا كتب البراذعي على نبلها ولم يُستعمل منها-على كره من كثير منهم-غير ((التهذيب)) الذي هو ((المدونة)) اليوم لشهرة مسائله وموافقته في أكثر ما خالف فيه المدونة أبي محمد) (٤). وبالرجوع إلى أثبات الشيوخ وبرامجهم يمكننا الاطلاع على جملة من الكتب التي كان الفقهاء يحرصون على قراءتها على شيوخهم في كل زمن من الأزمان وجهة من الجهات. ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في ثبت مفتي الحنابلة بدمشق الشيخ عبد القادر التغلبي (ت ١١٣٥ هـ) من قراءته لـ ((زاد

стр. 79

المستقنع)) و ((الإقناع)) و ((المنتهى)) و ((غاية المنتهى)) و ((شرح الإقناع)) وغير ذلك، ومن هذه الكتب ما أكمله قراءةً بطرفيه، ومنها ما قرأ بعضه، ومنها ما حضر قراءته (١). وقراءة الكتاب على الشيخ أمر تتفاوت فيه الكتب، ويتفاوت فيه الطلبة كذلك من جهة استعداداتهم الغريزية وما وهبهم الله تعالى من الفطنة والذكاء وسرعة الهجوم على المعاني والظفر بها، فمنهم من لا يكاد يستقل في قراءة كتاب عمن يقرأه عليه، ومنهم من يستغني في بعضها عن الشيخ إلا على وجه المباحثة. ومن أمثلة ذلك ما ذكر عن أبي القاسم القشيري (ت ٤٦٥ هـ) من أنه لما درس عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (ت ٤١٨ هـ) قال له: (ما تحتاج إلى درس، بل يكفيك أن تطالع مصنَّفاتي) (٢). وقال القاضي أبو الوليد بن رشد (ت ٥٢٠ هـ) في فاتحة كتابه ((البيان والتحصيل)): (وعلمت أنه إن كمل شرح جميع الديوان على هذا الترتيب والنظام، لم يحتج الطالب النبيه فيه إلى شيخ يفتح عليه معنى من معانيه؛ لأني اعتمدت في كل ما تكلمت عليه بيان كل ما تفتقر المسألة إليه، بكلام مبسوط واضح موجز يسبق إلى الفهم بأيسر تأمل وأدنى تدبر) (٣). وقال العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ): (ما احتجت في شيء من العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرؤه عليه، وما توسطته، حتى أختمه عليه) (٤). خامسًا: هيئة مجلس التعليم: والمراد بها ما يكون عليه مجلس التعليم أثناء إلقاء الدرس من الهيئة

стр. 80

الزمانية والمكانية، وطبيعة سير إلقاء الدرس وعمل الفقيه والمتفقه في ذلك، وما أشبه ذلك من التراتيب العلمية والإدارية التي جرى عليها الحال في أماكن التعليم من جوامع ومدارس وغيرها. وهذه النظم مكتسبة من الأعراف العلمية المتبعة في التدريس، ويصوغها طريقة الشيخ وشرط الواقف، وبينها تفاوت وتنوع فليست على شاكلة واحدة، ومع ذلك فثمَّ رسوم وآداب تواطأ الفقهاء على استعمالها في مجلس التدريس لحصول النفع بها. فإذا جلس الناس مجالسهم شرع الشيخ في الدرس فيلقي المسائل، أو يقرأ بعض الطلبة مصنَّفًا في الفقه له أو لغيره. وربما اشترك الطلبة في درس واحد، أو كان لكل طائفة منهم درس، فيقدم من كان له السبق أولًا. فإن كان الدرس واحدًا لجميعهم جلس الفقيه والتفَّ به الطلبة كالحلقة أو الحلقات المتداخلة فيما بينها (١). وجلوس العالم في حلقة كثير في الأحاديث عن النبي ﷺ ، وعليه عمل العلماء والفقهاء (٢). فإذا جلس العالم تحلَّقوا وأوسعوا الحلقة، وجلس الشيخ مستقبل القبلة إن أمكن، ويجلس المتعلم حيث انتهى به المجلس، ويسلم على الحاضرين (٣)، ولا يتخطى الرقاب إلا إن صرَّح له الشيخ والحاضرون بالتقدم أو كان يعلم إيثارهم لذلك (٤). والقرب من الشيخ في المكان كان له دلالة على تقدم التلميذ في الفقه، وبذلك جرت العادة في مجالس التدريس (٥).

стр. 81

ومن أمثلة ذلك ما حكاه أبو بكر الدينوري (ت ٥٣٢ هـ) فقال: (كنا نتفقه على شيخنا أبي لخطاب (ت ٥١٠ هـ)، فكنت في بدايتي أجلس في آخر الحلقة والناس منها على مراتبهم، فجرى بيني وبين رجل كان يجلس قريبًا من الشيخ بيني وبينه رجلان أو ثلاثة كلام، فلما كان اليوم الثاني جلست في مجلسي كعادتي في آخر الحلقة، فجاء ذلك الرجل فجلس إلى جانبي، فقال له الشيخ: لم تركت مكانك؟ فقال: أنا مثل هذا فأجلس معه، يزري علي، فو الله ما مضى إلا قليل حتى تقدمت في الفقه وقويت معرفتي به، وصرت أجلس إلى جانب الشيخ وبيني وبين ذلك الرجل رجلان) (١). كما جرت العادة أن يكون للمدرس معيد أو أكثر يجلسون بقربه، والمعيد طالب من طلبة الشيخ المتقدمين، يعيد دروس الشيخ على الطلبة بعد فراغه منها، ويُفهِّم من لم يفهم منهم، ولا يمنع مستفيدًا عما يطلبه من زيادة تكرار أو تفهُّم معنى (٢). والفقهاء متفاوتون في استعدادهم وقرب المسائل من أذهانهم ونجابة طلابهم، فمن الفقهاء من كان يستعد للدرس قبل موعده فيقرأ ويراجع مسائل الدرس، ومنهم من لا يكون بحاجة إلى ذلك لسبب منه أو من طلبته (٣). ولما ليم ابن عرفة (ت ٨٠٣ هـ) على كثرة الاجتهاد وإتعابه نفسه في النظر، قال: (كيف أنام وأنا بين أسدين: الأبي (ت ٨٢٧ هـ) بفهمه وعقله، والبرزلي (ت ٨٤١ هـ) بحفظه ونقله؟) (٤).

стр. 82

ويستعمل الشيخ والطلبة في درسهم الأدب والسمت والوقار، فإن أساء طالب نبهه الشيخ برفق، وله أن يعنفه إن استدعى الأمر ذلك. قال معاذ بن سعد الأعور: كنا عند عطاء بن أبي رباح (ت ١١٤ هـ)، فحدَّث رجل، فاعترض له رجل من القوم في حديثه، فقال عطاء: (سبحان الله! ما هذه الأخلاق؟ ما هذه الطباع؟ إني لأسمع الحديث من الرجل أنا أعلم به منه، فأريه من نفسي كأني لا أحسن منه شيئًا) (١). أما مواعيد الدروس وعددها ومُدَّتها وأوقات العطل فهو أمر تختلف به عادات الشيوخ وشروط الواقفين (٢). وإن كان وقت الصباح بين الفجر والظهر وقتًا مستحبًّا للتعليم في أغلب الأحوال، وربما ازدحمت الدروس في الجامع أو المدرسة حتى تكاد تستوعب عامة الأوقات (٣).

стр. 83

لما كانت مجالس التعليم أسَّ المجالس ورأسها كانت ثمرات مجالس الفقه كلها عائدة عليها، وموصولة بسبب إليها، ومن أبرز هذه الثمرات والفوائد ما يأتي بيانه: ١ - اتصال سند الفقهاء من هذه الأمة الشريفة في ضبط العلم وتحقيقه وتلقيه عن أهله الراسخين فيه والاستيثاق من ذلك، حتى يتصل سندهم بسيدهم الذي هو منبع العلوم والفضائل كلها ﷺ . وفي هذا العز الأطول والشرف الأكبر. قال ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): (أيها العالم الفقير، أيسرُّك ملك سلطان من السلاطين، وأن ما تعلمه من العلم لا تعلمه؟!) (١). والعالم إذا لم يجلس للتعليم ويتهيَّأ له الطلبة النجبة الذين يتحملون عنه أوشك علمه أن يضيع، وقد روى الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) في مقدمة صحيحه عن أبي إسحاق السبيعي (ت ١٢٧ هـ) أنه قال: (لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي ﵁ قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله؛ أي: علم أفسدوا؟!) (٢). وقال الزهري (ت ١٢٤ هـ): (وأما سعيد بن المسيب (ت ٩٤ هـ) فنصب نفسه للناس فذهب ذكره كل مذهب) (٣). وقال الشافعي (ت ٢٠٤ هـ):

стр. 84

(الليث (ت ١٧٥ هـ) أفقه من مالك (ت ١٧٩ هـ)، إلا أن أصحابه لم يقوموا به) (١)، قال ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ): (أي: بتفريطهم في تحرير منقول مذهبه على ما ينبغي تفصيلُ كلِّ مطلب عن مشابهه مدركًا ونقلًا وتحريرًا، حتى لم يبق فيه أدنى ريب ولا دخل ولا عيب) (٢). والطلبة النجباء نعمة من الله تعالى على الفقيه الذي يريد لعلمه أن يبقى في الناس، فينتفعون به من بعده ويصله أجره وثوابه بعد انقطاع عمله، وهم مثار غبطة بين الشيوخ المعلِّمين، وقد ذُكر في ترجمة ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) صاحب المؤلفات المشهورة الذائعة أنه لم يرزق طلبة كثيرين، بل كان أهل درسه قليلين جدًّا، حتى إن بعض التلامذة قال لأحد المشايخ المعاصرين له: من منة الله عليك أن جعل طلبتك الذين يحضرون درسك فوق السبعين، وجعل طلبة نظيرك ابن الحاجب أربعة. فقال له الشيخ: اسكت، وددت أن واحدًا من أولئك الأربعة يأتي إليَّ، ويذهب عني إليه السبعون الذين ذكرت أنهم يحضرون درسي (٣). ٢ - في مجالس التعليم سداد الخطط الشرعية التي يحصل بها إقامة الدين، وتعليم فرائضه وسننه وآدابه، والترهيب من المحارم والأمر بتوقيها والحذر من سوء عاقبتها، فلولا مجالس التفقيه ما عرف الناس الحلال والحرام، والواجبات والمنهيات. فالعمل بعلم الشريعة هو المقصود الأعظم من تحمل العلم وبثِّه، وحسن التعبد لله تعالى أجلُّ غايات العلم ومقاصده. وروي عن أبي حنيفة (ت ١٥٠ هـ) أنه قال: (ثم قلبت الفقه فكلما قلبته أو أدرته لم يزدد إلا جلالة، ولم أجد فيه عيبًا، ورأيت أولًا أن الجلوس يكون مع العلماء والفقهاء والمشايخ والبصراء والتخلق بأخلاقهم، ورأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفته، وطلب الدنيا والآخرة

стр. 85

إلا به) (١). وإنما جهد العلماء وطوَّفوا البلاد في نشر العلم حرصًا منهم على أن يعبد الله تعالى على بصيرة، وكانوا يدخلون المدن والقرى فيعمرون مساجدها ومجامعها وأنديتها بالعلم حتى فشا العلم وذاع، ومن مظاهر ذلك ما هو ملاحظ من انتساب الفقهاء إلى كافة الفئات والطبقات الاجتماعية، وإلى الحرف والمهن المختلفة، وإلى المدن والقرى والبلدات الصغيرة والقصبات، كما هو ظاهر في أسمائهم وألقابهم، فنجد فيهم الحداد والقفال والبواب والبناء والجصاص والخصاف والنعال والإسكاف والوراق والخياط والعطار والبزار والنجار والقصار واللحام والقصاب والسماك والخلال والزيات والقدوري والأنماطي والبابي والسبكي والطوسي والجويني والغزالي والآمدي والجماعيلي والبهوتي وغير ذلك، مما يدل على مدى انتشار العلم وذيوعه، وقدرة الكبير والصغير والغني والفقير والبعيد والقريب على تحصيله والنبوغ فيه (٢)؛ لأن شأن الفقه شأن الأمة كلها، لا تختص به طائفة دون طائفة، حتى لا يكاد مسلم يخلو من العلم بجملة من أحكامه ومسائله التي تصح بها فرائضه ويستقيم بها تعبده. قال غوستاف لوبون (ت ١٩٣١ م): (فالمسلم أينما مرَّ ترك خلفه دينه) (٣). ٣ - في مجالس التعليم ارتقاء بالحالة العلمية، وفيها تحرير العلم وتحقيقه وتثويره وتنميته. وأكمل أحواله أن يلتئم بالأستاذ البارع طلبة نابهون، فيكون بينهم مساعدة ومشاركة في الغوص في دقائق العلم والفحص عن مشكلاته وغوامضه، إذ الغرض من الدرس ليس السرد المجرد. قال الخطيب ابن مرزوق (ت ٧٨٠ هـ): (ولولا النظر في ترجيح الأقوال والتنبيه على مسالك التعليل ومدارك الأدلة، وبيان بناء الفروع على الأصول وإيضاح المشكل وتقييد المهمل وبيان المجمل، ومقابلة بعض الأقوال ببعض والنظر في تقوية

стр. 86

قويها وتضعيف ضعيفها، لتعطلت الدروس وغُلِّقت المدارس، أفللمدرِّس فائدة غير هذا وتعليمه وإيضاحه للطلبة وتفهيمه؟ ولو لم يكن له وظيف إلا سرد الأحكام ونقل الأقوال لما افتقر إلى المدرس مفتقر) (١). وقال ابن مرزوق الحفيد (ت ٨٤٢ هـ) في أبي الفضل المشدالي (ت ٨٦٤ هـ): ما عرفت العلم حتى قدم عليَّ هذا الشاب! فقيل: كيف؟ قال: لأني كنت أقول فيسلَّم كلامي، فلما جاء هذا شَرَع ينازعني، فشرعت أتحرز وانفتحت لي أبواب من المعارف (٢). وكان طلبة أبي الفضل يقولون له: تنزَّلْ لنا في العبارة؛ فإنا لا نفهم جميع ما تقول. فيقول لهم: لا تنزلوني إليكم ودعوني أرقيكم إلي (٣). والواقعات الكثيرة في الماضي والحاضر تشهد بصدق هذه الكلمة الشريفة، وربما نزل الأساتذة بمستوى التعليم إلى أفهام الطلبة فلم ينهض بعدهم فيهم أبدًا (٤). وقد قال عبد الملك بن عمير (ت ١٣٦ هـ): (من إضاعة العلم أن تحدِّثه غير أهله) (٥). فالمبالغة في تسهيل العلم ليكون في مستوى عامة الناس وضعاف الطلبة مضر بالحركة العلمية؛ لأن من العلم ما هو متين في نفسه ومفتقر بطبيعته إلى مقدِّمات لا يطيقها كلُّ أحد، وينبغي ألا يخلص إلى متين العلم إلا من هو متين الفهم، وربما اطلع الضعيف في فهمه وإرادته وديانته من مسائل الترخص والخلاف ونحوها، على ما يكون فتنة له في دينه وسبيلًا له إلى مماراة العلماء ومجادلة الجهلاء، فلم يكن فيه بالفقيه الراسخ العالم بحسن مواقع التنزيل، ولا بالعامي حسن القصد الساعي في براءة ذمته من عهدة التكليف، بل تحمل علمًا لم يبلغه عقله كان سببًا في سوء سعيه وضلال عمله. ومن أجل هذا المعنى وشبهه وصى العلماء بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، وألا يُحدِّث

стр. 87

العالم الناس بما لا يحتملونه من العلم، وقد مضت الإشارة إلى بعض هذا المعنى. وفي مقدمة صحيح مسلم من حديث ابن مسعود ﵁: (ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة) (١)، وقال أبو الوفاء بن عقيل (ت ٥١٣ هـ): (حرامٌ على عالم قويِّ الجوهر أدرك بجوهريته وصفاء نحيزته علمًا أطاقه، فحمله أن يرشح به إلى ضعيف لا يحمله ولا يحتمله؛ فإنه يفسده) (٢). وإنما يقرَّب إلى العوام ما يحتملونه وتمس حاجتهم إليه من مسائل العلم والعمل، كالذي جرت به عادة الفقهاء، ومن ذلك أن بعض الفقهاء من أصحاب القاضي أبي يعلى (ت ٤٥٨ هـ) كان لهم حِلَق بجامع الرصافة ببغداد، فيقصون الفقه شرحًا للمذهب على وجه ينتفع به العوام (٣). فالمراد أن مجالس التعليم مما ترتقي به أحوال المدن والقرى في العلم، وربما دخل العالم قرية خاملة فاشتعلت به حتى تصير عامرة بأهله، وآثار آحاد العلماء في نشر العلم كثير معلوم، وقد قيل في أبي القاسم الأنماطي (ت ٢٨٨ هـ) إنه كان سبب نشاط الناس ببغداد في حفظ كتب الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) (٤)، ولما دخل أبو الفضل بن النحوي (ت ٥١٣ هـ) سجلماسة أخذ يقرأ في أصول الفقه، فقال بعض شيوخ البلد: ما يُقرئ هذا الإنسان؟ فقالوا: الأصول، فقال: هذا يريد أن يدخل علينا علومًا لا نعرفها. وأمر بإخراجه. فقال له ابن النحوي: أمتَّ العلم أماتك الله (٥). ٤ - في مجالس التعليم يتمايز المنتسبون إلى العلم، ويُعرف منهم المحقق المتلقي للعلم من أهله والمنتظم في سلكهم، والمتابع الجامع للعلم من الكتب دون تحقيق ولا تدقيق، وقد كان طوائف من العلماء يتوقَّون أن يكتبوا العلم خشية أن يكون في الناس من يكتفي به عن ملاقاة الرجال

стр. 88

والتحمل عنهم. قال الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ): (ما زال هذا العلم عزيزًا يتلقاه الرجال، حتى وقع في الصحف فحمله-أو دخل فيه-غير أهله) (١). ودعا عبيدة (ت ٧٢ هـ) بكتبه فمحاها عند الموت، وقال: (إني أخاف أن يليها قوم فلا يضعونها مواضعها) (٢). وما فتئ العلماء ينبِّهون إلى وجوب تلقي العلم عن أهله المتحققين به، ويعيبون من لم يحكم أخذ العلم من طريقهم بضعف التحقيق. قال أبو الزناد (ت ١٣٠ هـ): (لا تأخذوا القرآن من مُصحفيِّ، ولا العلم من صحفيِّ)، قال أبو زرعة (ت ٢٦٤ هـ): (يعني: من لم يقرأ القرآن على القراء، ويتعلم من ألفاظهم، ويجالس أهل العلم نقلًا وسماعًا وفهمًا) (٣)، وقال النووي (ت ٦٧٦ هـ): (ولا يحفظ ابتداءً من الكتب استقلالًا، بل يصحِّح على الشيخ كما ذكرنا؛ فالاستقلال بذلك من أضر المفاسد، وإلى هذا أشار الشافعي ﵀ بقوله: من تفقه من الكتب ضيع الأحكام) (٤). وبهذا انتقد جماعة من العلماء تأليف أبي الفرج بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، فقال ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ): (ونظر في جميع الفنون وألَّف فيها، وكانت أكثر علومه يستفيدها من الكتب، ولم يحكم ممارسة أهلها فيها) (٥). وقال فيه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ): (هكذا هو له أوهام وألوان من ترك المراجعة وأخذ العلم من صحف، وصنَّف شيئًا لو عاش عمرًا ثانيًا لما لحق أن يحرِّره ويتقنه) (٦). وقال ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) أيضًا في كلامه عن كتاب ((نهاية المطلب في

стр. 89

علم المذهب)) ليحيى بن يحيى الأزجي (ت: بعد ٦٠٠ هـ): (ذكر في فروع الآجر المجبول بالنجاسة كلامًا ساقطًا يدل على أنه لم يتصور هذه الفروع ولم يفهمها بالكلية؛ وأظن هذا الرجل كان استمداده من مجرد المطالعة، ولا يرجع إلى تحقيق) (١). ومن أجل هذا المعنى أيضًا جاءت الوصية من السادة العلماء بكثرة مجالسة الأئمة، وألا يقتصر المتفقه على الشيخ الواحد لا يعدوه إلى غيره. قال أيوب (ت ١٣١ هـ): (إنك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره، جالس الناس) (٢). ٥ - مجالس التعليم سبيل إلى حفظ العلم ورسوخه في قلب المعلِّم؛ إذ هو بتكرار المسألة يزداد إتقانًا واستظهارًا لها، وبكثرة تقليبها على وجوه مختلفة لتقريبها إلى أذهان الطلبة تزداد بيانًا في ذهنه، وربما اطلع على منها على إشكال كان خافيًا عليه، أو بدا له جواب سؤال لم يظهر له إلا بمعاناة الشرح ومكابدة التعليم. قال الخليل بن أحمد (ت ١٧٠ هـ): (إن لم تعلِّم الناس ثوابًا، فعلمهم لتدرس بتعليمهم علمك) (٣). وقال ابن المعتز (ت ٢٩٦ هـ): (النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن ينقصها أن لا تجد حطبًا، وكذلك العلم لا يفنيه الاقتباس

стр. 90

منه، وفقد الحاملين له سبب عدمه) (١). وقال الوزير ابن هبيرة (ت ٥٦٠ هـ): (يحصل العلم بثلاثة أشياء: أحدها: العمل به، فإن من كلف نفسه التكلم بالعربية، دعاه ذلك إلى حفظ النحو، ومن سأل عن المشكلات ليعمل فيها بمقتضى الشرع تعلم. والثاني: التعليم، فإنه إذا علم الناس كان أدعى إلى تعليمه. الثالث: التصنيف، فإنه يخرجه إلى البحث، ولا يتمكن من التصنيف من لم يدرك غور ذلك العلم الذي نصف فيه) (٢). وقال ابن القيم (ت ٧٥١ هـ): (العالم كلما بذل علمه للناس وأنفق منه، تفجَّرت ينابيعه وازداد كثرة وقوة وظهورًا، فيكتسب بتعليمه حفظ ما علمه، ويحصل له به علم ما لم يكن عنده، وربما تكون المسألة في نفسه غير مكشوفة ولا خارجة من حيِّز الإشكال فإذا تكلم بها وعلَّمها اتضحت له وأضاءت وانفتح له منها علوم أخر. وأيضًا فإن الجزاء من جنس العمل، فكما علَّم الخلق من جهالتهم، جزاه الله بان علَّمه من جهالته، كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في حديث طويل: ((وإن الله قال لي: أنفق أنفق عليك)) (٣)، وهذا يتناول نفقة العلم، إما بلفظه وإما بتنبيهه وإشارته وفحواه، ولزكاء العلم ونموِّه طريقان: أحدهما تعليمه، والثاني العمل به) (٤). ٦ - مجالس التعليم مجالس سمت وأدب، وقد كان من هدي الأئمة أن ينتفع الناس بهديهم وخلقهم كما ينتفعون بعلمهم. قال إبراهيم (ت ٩٦ هـ): (كنا نأتي مسروقًا فنتعلم من هديه ودلِّه) (٥)، وقال ابن وهب (ت ١٩٧ هـ): (ما

стр. 91

تعلمت من أدب مالك أفضل من علمه) (١). وقال بعض العلماء في سحنون (ت ٢٤٠ هـ) إنه كان أعقل صاحبًا، وأفضل الناس صاحبًا، وأفقه الناس صاحبًا، وقد كانت هذه الصفات صفات سحنون، فتخلَّق بها أصحابه (٢). وهذه الثمرة من ثمرات العلم الضرورية في علوم الشريعة، فإن خير العلم ما نفع وبدت آثاره وخلائقه على من تحمَّله وتأدب به، وإذا لم يكن الفقيه متخلِّقًا بالعلم الذي يحمله قلَّ انتفاع غيره به، ولذا عدَّ بعض العلماء في الكبائر مجالسة الفسقة من القراء والفقهاء؛ لأن النفس بتكرار الجلوس معهم تألفهم وتميل إلى أفعالهم وتتأسى بهم (٣). وما أجمل قول أبي القاسم الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ): (نعم يا أبا القاسم، إن سمعتهم يقولون: ما أكثر فضلك! فقل: إن فضولي أكثر. وما أغزر أدبك! فقل: إن قلة أدبي أغزر. فلعمر الله ليس بأديب ولا أريب كلُّ مُغربٍ وحافظ غريب. الأديب من أخذ نفسه بآداب الله فهذَّبها، ونقَّح أخلاقه من العقد الشائنة فشذَّبها، والأريب الفاضل من لم يكن له أرب ولا وطر، إلا أن يكون له عند الله فضل وخطر) (٤).

стр. 92

المجلس الثاني مجلس القضاء (مجلس القضاء مجلس هيبة). (شرح أدب القاضي للخصاف، الصدر الشهيد/١/ ٢٤٤) (كان فقهاء أهل المدينة الذين كانوا يصدرون عن رأيهم سبعة: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد بن ثابت. قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا جميعًا فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى ترفع إليهم فينطرون فيها فيصدرون). عبد الله بن المبارك. (المعرفة والتاريخ، الفسوي/١/ ٤٧١) (المفتي أسير المستفتي، والحاكم أسير الحجج الشرعية والظواهر). (قواعد الأحكام، العز بن عبد السلام/٢/ ١٦٤) (مذهب الحق الذي لا يمتري فيه بشر-وآن الصدق في ذلك-أن أفضل الناس دينًا وعلمًا وأدبًا ومروءة لو ادَّعى على أحد فلسًا لم يُعط بدعواه ذلك الفلس). (قضاة قرطبة، محمد بن الحارث الخشني/١٠٥) (إذا رأيت الهدية دخلت دار القاضي من باب الدار فاعلم أن الأمانة قد خرت من كوه داره). قاضي إفريقية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم. (رياض النفوس، المالكي/١/ ١٥٨)

стр. 93

مقام القاضي مقام الذي يفصل بين الناس في خصوماتهم وفيما يشتجرون فيه من دمائهم وأعراضهم وأموالهم، والناس لا بُدَّ لهم من قضاة يحكمون بينهم بالعدل؛ فإن العدل إذا لم يتداع الناس لإقامته لم يبق بعد العدل إلا الظلم الذي به خراب الأحوال وفساد العمران. ولإقامة هذا الغرض الشريف فإن القاضي لا بُدَّ له أن يطاع وينفذ أمره، فمقامه ليس كمقام المفتي الذي يخبر عن الحكم، بل مقام الذي يأمر بالحكم ويُلزم به. وله في الناس خصمان: ظالم يسطو على حق غيره، وتقي تشتبه عليه الأمور حتى يحسب الحق له وهو لخصمه، أو يكون الحق له غير أن البينات لا تُسعفه، وغاية القاضي أن يحكم بالظواهر فلا يطلع على البواطن. والقاضي من هذين في بلاء عريض، وكان شريح القاضي (ت ٧٨ هـ) إذا قيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت ونصف الناس عليَّ غضاب (١). فكان لا بُدَّ للقاضي في ذلك من احتمال الناس والصبر على أذاهم، وقد انتهى إلينا من أخبار القضاة في جميل حلمهم وصفحهم وإغضائهم عما ينالهم في أنفسهم من الأذية ما راح بعضه مجرى الأمثال، حتى قيل في ترجمة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف الأزدي (ت ٣٢٠ هـ) إن الإنسان (إذا بالغ في وصف رجل قال: كأنه أبو عمر القاضي، وإذا امتلأ الإنسان غيظًا قال: لو أني أبو عمر

стр. 94

القاضي ما صبرت) (١). ولئن كان في القضاة من يصبر ويحلم عما يناله في نفسه من الأذى، فإن ذلك غير مستحب عند الغضِّ من هيبة الشريعة وجلالة مجلس الحكم، ولذا كان أمر القاضي من أمر السلطان، ولم يزل (بين القضاة والعلماء والملوك والأمراء وأهل الرئاسة وأرباب السياسة الارتباط الشرعي الذي هو في سياسة الملك مرعي) (٢)، فالقضاء بطبيعته مفتقر إلى القوة التي تأطر الناس على الأخذ بالحق وتحملهم على الانقياد له، ومع ذلك فالقاضي قبلة الناس لإقامة العدل ونصرة المظلوم وتأدية الحقوق إلى أهلها، فلم يجمل به أن يحتجب عنهم كفعل السلاطين، فكان في منزلة بين هيبة الاحتشام وبسطة المخالطة على هيئة لا يستقيم غرضها إلا بارتسام قانون الشريعة. والقاضي ليس له بدٌّ من استعمال السياسة في مخالطة الناس والفصل في خصوماتهم؛ لأن (الشريعة متى خلت من السياسة كانت ناقصة، والسياسة متى عريت من الشريعة كانت ناقصة) (٣). وذلك أن القاضي وجه الناس في خصوماتهم، فليس هو كالفقيه الذي يعلم الناس الخير. والناس يحتالون في انتزاع ما لَهُم وما ليس لهم ويتوسلون إلى كل ذلك بالحق وبالباطل، فإن لم يكن للقاضي بصرٌ بالناس وخبرة بهم وحسن سياسة لهم ضاع وأضاع، و (سياسة الناس أشد من سياسة الدواب) كما قال الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) (٤). والمقصود أن مقام القاضي مقام هيبة وحشمة وانقباض عما يكون من شأنه اجتراء الخصوم على مكانته وحكمه، أو التصرف في حضرته بما لا يليق بمجلسه. وروي عن عمر ﵁ أنه لما أراد أن يعين قاضيًا في البصرة قال: (لأستعملن على القضاء رجلًا إذا رآه الفاجر فرقه) (٥). وكان على رأس شريح

стр. 95

(ت ٧٨ هـ) شرطي بيده سوط (١)، وكان إبراهيم النخعي (ت ٩٦ هـ) جلوازًا له (٢). ولما ولي الحسن (ت ١١٠ هـ) قضاء البصرة كان الناس يدنون منه حتى يضعوا أيديهم على كتفيه، فقال: ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة! (٣). وقال كافور الإخشيدي (ت ٣٥٧ هـ) لبعض قضاته: (بلغني أنك تنبسط مع جلسائك، وهذا الانبساط يذهب هيبة الحكم) (٤). وقال الجصاص (ت ٣٧٠ هـ): (والقاضي ينبغي أن يكون له هيبة في نفس الخصوم، فلا ينبغي له أن يفعل ما ينافي هيبته) (٥). وجاء وصف جماعة لا يحصون من القضاة بالهيبة والجلالة عند الخصوم وغيرهم، كقاضي المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (ت ١٢٧ هـ) الذي كان شريفًا صليبًا في الحكم يُهاب ويُتقى (٦). وعمر بن خلدة الزرقي الذي كان عفيفًا مهيبًا صارمًا، حتى قال فيه ابن أبي ذئب (ت ١٥٩ هـ): حضرت عمر بن خلدة-وكان على القضاء بالمدينة-يقول لرجل رفع إليه: اذهب يا خبيث فاسجن نفسك، فذهب الرجل وليس معه حرسي، وتبعناه ونحن صبيان حتى أتى السجَّان فسجن نفسه (٧). وقاضي بغداد إسماعيل بن إسحاق شيخ المالكية (ت ٢٨٢ هـ) الذي كان فقيهًا فهمًا عفيفًا صليبًا، تولى القضاء مرتين (٨). وقاضي مالقة محمد بن الحسن الجذامي (ت ٤٦٣ هـ) الذي كان في قضائه ماضيًا مهيبًا صليب القناة قليل المداراة في الحق لا يغضي على

стр. 96

هناة ولا يخاف لومة لائم (١). وأبي بكر بن أبي زمنين (ت ٦٠٢ هـ) الذي وُصف بأنه كان في قضائه عدلًا مهيبًا جزلًا، فإذا انفصل من مجلس الحكم صار من ألين الناس جانبًا وأحسنهم خلقًا وأكثرهم تواضعًا (٢). وقاضي الديار المصرية عمر بن عبد الوهاب بن خلف العلامي (ت ٦٨٠ هـ) الذي كان فقيهًا عظيم الهيبة وافر الجلالة، حتى قال السخاوي (ت ٩٠٢ هـ): (ما سمعنا بأحد من قضاة مصر كان أكثر هيبة منه) (٣). وقاضي سبتة أبي عبد الله بن عبد المهيمن الحضرمي (ت ٧١٢ هـ) الذي كان مجلسه يغصُّ بعمائم العلماء وهم كأنما على رؤوسهم الطير هيبة له وتأدُّبًا معه (٤). وقاضي القيروان محمد بن أبي يحيى الفاسي (ت ٧٧ هـ) الذي سار سيرة العدل التام وكانت له صولة بحيث إذا وصل أحد بقرب زقاق داره هابه (٥). وقاضي مصر برهان الدين الإخنائي (ت ٧٧٧ هـ) الذي كان مهيبًا صارمًا نزهًا عفيفًا نافذ الكلمة عظيم الحرمة مفضالًا مصممًا، لا يقبل رسالة ولا شفاعة، بل يصدع بالحق ولا يغضي على باطل، ولا يولي إلا مستحقًّا، وكان مع ذلك كثير الحلم والستر على من لم يجاهر، فمن جاهر تصدى له وقمعه، واشتهر صيته بذلك حتى كان له في كل قلب رهبة، ولكل أحد إليه رغبة (٦). وبرهان الدين بن جماعة (ت ٧٩٠ هـ) الذي كان مهيبًا عظيم القدر عند الملوك، محببًا للناس، على غاية من العفة والصيانة، والوقوف مع الحق، والجليل والوضيع عند سواء (٧). واستقصاء مثل ذلك يطول جدًّا. والقاضي في مجلسه منتصب للحكم بين الناس، والناس فيهم الصادق والكاذب، والتقي والفاجر، والكريم واللئيم، والعفيف والمتقحم للحرمات،

стр. 97

ويقاسي في مقامه هذا ما يقاسيه من تصدى لشأن عامة الناس، ولكنه حاكم بالشرع فلا يحابي أحدًا من ذي سلطان أو قرابة، أو كبير في الناس أو صغير، ولكنه يداريهم ويتقي شرهم ويستنقذ نفسه وعرضه منهم، ويحتمل في ذات الله ﷻ ما يناله من الأذى ابتغاء موعود الله وحسن جزائه، فالدنيا لم تقم على المصلحة المحضة، والصابرون يوفَّون أجرهم بغير حساب يوم القيامة. كان سوار بن عبد الله العنبري (ت ١٥٦ هـ) قاضي البصرة للمنصور (ت ١٥٨ هـ)، فكان في مجلسه ذات يوم فعطس أبو جعفر فلم يحمد الله فلم يشمته سوار، ثم عطس فحمد الله فشمته، ثم نهض سوار فأتبعه أبو جعفر بصره فقال: أتزعمون أن هذا يحابي؟ والله ما حابى في عطسة! (١). وكان سوار يقول: ما تركت في نفسي شيئًا إلا قد كلمت به أبا جعفر (٢). وأمر عبد الرحمن الداخل (ت ١٧٢ هـ) قاضيه نصر بن ظريف اليحصبي أن يتأنى في قضية عرضت عليه، فخرج ابن ظريف من يومه وعمل بضد ما أراد الأمير وأنفذ الحكم، فغضب الأمير على القاضي واستحضره فقال له: من أمرك عل أن تنفذ حكمًا، وقد أمرتك بتأخيره والإناءة به؟ فقال له: قدَّمني عليه رسول الله ﷺ ؛ فإنما بعثه الله بالحق ليقضي به على القريب والبعيد والشريف والدنيء. وأنت أيها الأمير، ما الذي حملك على أن تتحامل لبعض رعيتك على بعض، وأنت تجد مندوحة بأن ترضي من مالك من تعني به، وتمد الحق لأجله؟ فقال له عبد الرحمن: جزاك الله يا ابن ظريف خيرًا (٣). وردَّ قاضي بغداد أبو بكر محمد بن المظفر الشامي (ت ٤٨٨ هـ) شهادة شاهد لأنه يلبس الحرير، فقال له الشاهد: السلطان ملكشاه (ت ٤٨٥ هـ) ووزيره نظام الملك (ت ٤٨٥ هـ) يلبسانه، فقال القاضي: ولو شهدا عندي ما قبلت شهادتهما أيضًا (٤). ولما قيل لقاضي دمشق أبي القاسم جمال الدين بن الحرستاني

стр. 98

(ت ٦١٤ هـ): السلطان يسلم عليك ويوصي بفلان فإن له محاكمة، غضب القاضي وقال: الشرع ما يكون فيه وصية، لا فرق بين السلطان وغيره في الحق (١). وتركُ محاباة الكبير والصغير أمر لا يستقيم الغرض من القضاء إلا به، ومحاباة القاضي مفسدة لدينه ودنيا غيره، وهو بالمحاباة داعية إلى التهوين من أمر الشريعة في نفس من ولَّاه؛ (فإنما يتلف السلاطين فسقةُ الفقهاء؛ فإن الفقهاء ما بين صالح وطالح، فالصالح غالبًا لا يتردد إلى أبواب الملوك، والطالح غالبًا يترامى عليهم، ثم لا يسعه إلا أن يجري معهم على أهوائهم ويهون عليهم العظائم، ولهو على الناس شرٌّ من ألف شيطان، كما أن صالح الفقهاء خير من ألف عابد) (٢). وإذا فسدت الخطط والوظائف الشرعية-التي إنما وجدت لصلاح العالم-فسد العالم، وصحَّ فيها ما حكاه البُرزلي (ت ٨٤١ هـ): (وأكثر الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات خسيسة) (٣). ومع هذا فليس على القاضي بأس أن يستعمل مع الناس المداراة وأن يتخلص من شرهم بالحيلة وحضور البديهة وحسن الجواب، ومن الحيل اللطيفة في ذلك ما روي عن إياس بن معاوية (ت ١٢٢ هـ) لما أتاه والي خراسان وكيع بن أبي سود ليشهد عنده في قضية، فقال له: ما حاجتك؟ قال: جئت لأشهد، قال إياس: مالك وللشهادة؟ إنما يشهد الموالي والتجار والسفلة. قال: صدقت، وانصرف. فقالوا لوكيع: خدعك؛ إنه لا يقبل شهادتك وردك، فقال وكيع: لو علمت لعلوته بالقضيب (٤). وتقدَّم عنده الفرزدق (ت ١١٠ هـ) يومًا في شهادة، فقال إياس: أما أبو فراس فقد عرفناه ولكن زدنا شهودًا. فقال الفرزدق: ما أحسن ما سللت عمك

стр. 99

منها (١). وجاء رجل إلى قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري (ت ١٦٨ هـ) فقال له: هلكت هلكت! قال: وما أهلكك؟ قال: بلغني أن خصمي كان عندك ولست حاضرًا، فقال القاضي: فهو ذا أنت عندي وليس خصمك حاضرًا. فكأنما صبَّ عليه ذنوبًا (٢). ثم إذا علم هذا فإن مجلس القاضي في الحكم بين الناس ليس مجلس علم ولا فتيا، بل مجلس إلزام للخصوم وإنفاذ للحقوق، ولما قال رجل لشريح (ت ٧٨ هـ) في مجلس القضاء: أوصني ههنا، قال شريح: إني لم أجلس ههنا للحديث (٣). وليس مقامه أيضًا مقام الأمير أو الوجيه الذي يصلح بين الناس من مال نفسه، وقد روي عن عمر ﵁ أنه عزل قاضي البصرة أبا مريم الحنفي لما أصلح بين متخاصمين من ماله، وقال له: (إني لم أوجِّهك لتحكم بين الناس بمالك، إنما وجهتك لتحكم بينهم بالحق) (٤). وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ) حيث عزل قاضي المدينة عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة النصارى، وذلك أنه كان إذا اختصم إليه اثنان في الشيء التافه أخرجه القاضي من ماله، فكلمه عمر فقال: لا أستطيع غير ذلك، فعزله عمر (٥). وليس مجلس القاضي أيضًا بمجلس الواعظ الذي يذكِّر الناس ويخوِّفهم، بل يحكم بالبينات ويفصل بينهم فيما اشتجروا فيه من الخصومات، غير أن القاضي إنما يحكم بالبينات والظواهر، وربما تجرَّد صاحب الحق عن بينة تشهد بصدقه، وليس للقاضي آنذاك إلا يحكم بما يسعف من البينات والحجج الظاهرة، ومن ثمَّ كان وعظ القاضي قبل الحكم وبعده نافعًا لهم في تحري الأمانة والصدق، وربما عاد غافل بالذكرى إلى رشده، وانتهى كاذب عن غيِّه، وكان شريح إذا اجتمع الخصوم قال لهم: (سيعلم الظالم حظَّ من

стр. 100

نقص، إن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النصر) (١). وكان يقول للشاهدين: (إني لم أدْعُكما، ولا أنا مانعكما إن قمتما، وإنما يقضي أنتما، وإني متحرز بكما فتحرزا لأنفسكما) (٢). وكان ربما قال لمن يحكم له: (إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالمًا، ولكن لا أقضي بالظن وإنما أقضي بما يحضرني من البينة، وإن قضائي لا يحل لك شيئًا حرم الله عليك) (٣). وكان يحيى بن زيد التجيبي قاضي عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ) بالأندلس، وكان من رسمه إذا اجتمع الناس عنده للحكومة بدأ بوعظهم وتذكيرهم، فلا يزال يخوفهم الله ﷻ ويحذرهم وبال الجدال بالباطل، وما يلحق المبطل من سخط الله ﷻ وعقوبته، ويمثل لهم مواقفهم بين يديه في القيامة، ثم يذكر ما يلزم القاضي من الحساب، وما يجب عليه من التحري لإصابة الحق والاجتهاد لتخليص نفسه، ثم يأخذ في النوح والبكاء على نفسه، فيكون ذلك دأبه، حتى لربما انصرف عنه أكثر المختصمين باكين وجلين، قد تعاطوا الحق بينهم (٤). ومع هذا التقرير ههنا فإنه ربما وجد في القضاة من يفتي أو يحدِّث أو يُناظر في مجلس القضاء، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي تقل فيها الخصومات، ويتهيَّأ للقاضي في مجلسه من اتساع الزمان ما يسمح له بالفتيا أو المناظرة أو المباحثة مع المتفقهة أو عامة الناس، حتى إن قاضي البصرة في الزمان الأول كان يدعى المفتي، وكان ابن عباس ﵁ يفتي الناس ويحكم بينهم (٥). وكذلك كان شريح (ت ٧٨ هـ) في الكوفة يقضي ويفتي (٦)، وكان أشياخ الكوفة يأتونه فيناظرونه في (الذي بيده عقدة النكاح) حتى يجثو على

стр. 101

ركبتيه، وكان شريح يقول إنه الزوج (١). وعلى أية حال فإن هذا مما تختلف فيه أحوال القضاة والناس والأزمنة والأمكنة، ولكن الواجب أن يعرف تحقيق الفصل بين كل مقام من هذه المقامات، فالفقيه المعلِّم والمصنِّف دأبه النظر في المسائل من حيث هي كلية دون نظر في جزئية بعينها ليفتي فيها أو يقضي فيها وهذه المرتبة هي الأصل، بخلاف المفتي والقاضي الذين ينظران في واقعة بعينها فهما مشتركان في هذا المعنى، قال البرزلي (ت ٨٤١ هـ) حاكيًا عن شيخه ابن عرفة (ت ٨٠٣ هـ): (قال شيخنا الإمام: القضاء أخص من العلم بفقهه؛ لأن متعلق فقهه كلي من حيث هو كلي، ومتعلق علمه كلي من حيث صدق كليته على جزئياته. وكذا فقه الفقيه من حيث كونه فقيهًا هو أعم من فقه الفقيه من حيث كونه مفتيًا. ولذا أخبرنا بعض شيوخنا في تدريسه عن الشيخ أبي عبد الله بن شعيب أنه كان ولي القضاء بالقيروان، ومحل تحصيله في الفقه وأصوله شهير ببلدنا، فلما جلس الخصوم إليه وفصل بينهم ودخل منزله مقبوضًا قالت زوجته: ما شأنك؟ فقال: عسر على حكم القضاء، فقالت له: قد شاهدتك بسهولة أمر الفتوى عليك، فاجعل الخصمين كمستفتيين سألاك. فاعتبرت ذلك فسهل عليَّ. قال: وإذا تأملت ذلك علمت أن حال الفقيه من حيث هو فقيه كحال عالم بكبرى قياس الشكل الأول فقط، وحال القاضي والمفتي كحال عالم بها مع علمه بصغراه، ولا خفاء أن العلم بهما أشقُّ وأخصُّ من العلم بالكبرى فقط. وأيضًا فقه القضاء والفتيا مبنيان على إعمال النظر في الصور الجزئية وإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف الكائنة فيها، فيلغى طردها ويعمل معتبرها) (٢). أما بعد اعتبار هذا القدر المشترك بين المفتي والقاضي فإن القاضي بين هذين الاثنين أخصُّ نظرًا؛ (لأنه ينظر فيما ينظر فيه المفتي من الأمور الجزئية

стр. 102

وزيادة ثبوت أسبابها ونفي معارضتها وما أشبه ذلك، وتظهر للقاضي أمور لا تظهر للمفتي، فنظر القاضي أوسع من نظر المفتي ونظر المفتي أوسع من نظر الفقيه، وإن كان نظر الفقيه أشرف وأعم نفعًا) (١). ومن الطرائف التي تُلمح إلى أثر الاشتغال بالفتيا أو بالقضاء في طبيعة وسجية من تولى شيئًا من ذلك ما يحكى عن قاضي القيروان محمد بن أبي يحيى الفاسي (ت ٧٧٧ هـ) أنه دخل عليه البرزلي (ت ٨٤١ هـ) والزعبي (ت ٨٣٣ هـ) للسلام عليه، فلما خرجا قال لمن حضره: الأول مفتي بلده والثاني قاضيها. وقد كانا كالذي قال (٢). وهذا القدر الزائد من العلم بالجزئيات عند القاضي لا يستوجب اشتراط الكمالات العلمية فيه من حيث فقيه، بل ربما أمكنه التسلط بعقله وفراسته على ما لا يتوصل إليه من هو أفقه منه (٣)، ومن هذا الباب قول أبي العيناء (ت ٢٨٣ هـ) في قاضي البصرة عبد الله بن سوار (ت ٢٢٨ هـ): ليس أحد ولي القضاء قليل الفقه، قد تمَّ القضاء بعقله إلا عبد الله بن سوار (٤). وقال الدباغ (ت ٦٩٦ هـ) في وصف القاضيين أسد بن الفرات (ت ٢١٣ هـ) وأبي محرز الكناني (ت ٢١٤ هـ): (وكان أسد أوسع من أبي محرز علمًا وأغزر فقهًا، وكان أبو محرز أقل فقهًا وأكثر صوابًا في كثير من الأوقات (٥). وقال ابن أبي الوفاء (ت ٧٧٥ هـ) في قاضي القضاة أبي الحسن إسماعيل بن صاعد (ت ٤٤٣ هـ): (وكان رجلًا من الرجال الدهاة، ولم يشتهر بشيء من العلوم، إلا أنه كان دقيق النظر عارفًا برسوم القضاء، مزاحمًا للصدور؛ بما له من تقدم حشمة أبيه وبما فيه من الرجولية، ومع ذلك كان قصير اليد عن الأموال) (٦).

стр. 103

ولا يعني ذلك الترخص في اشتراط العلم والفقه في القاضي بحالٍ فكلام الفقهاء في ذلك مشهور (١)، ولكن الشأن في المفاضلة غير الشأن في الاختيار، والفقهاء يؤكدون على ضرورة تعاهد القاضي لعلمه، فقد قال قاضي إشبيلية أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): (إن القاضي إذا ولي القضاء عامين نسي أكثر ما كان يحفظ، فينبغي له أن يعزل وأن يتدارك نفسه) (٢)، وقال حسام الدين السغناقي الحنفي (ت ٧١٤ هـ): (ومن حق السلطان أن ينظر إلى هذا القاضي إذا مضى عليه حول فيقول: لا فساد فيك، ولكن أخشى عليك أن تنسى العلم فعد وادرس العلم، ثم عد إلينا حتى نقلدك ثانيًا) (٣).

стр. 104

حال مجلس القضاء ملائم لأحوال أهل الزمان الذي هو فيه من حيث البساطة والتكلف، وتطلُّب ما هو زائد على حاجة أهل الزمان ترفٌ يخرج بالقضاء عن أصل معناه، فإن غرض القضاء إقامة القسط والحكم بين الناس بالعدل، فمتى تهيَّأ ذلك لم يُستقص في مكان التقاضي أو هيئة القاضي. وقد روي أن أبا بكر ﵁ استعمل عمر ﵁ على قضاء المدينة، فمكث سنة لا يتقدم إليه أحد (١). واستقضى عمر ﵁ على الكوفة سلمان بن ربيعة الباهلي فجلس أربعين يومًا ما تقدم إليه فيها اثنان (٢). ويروى عن شريح (ت ٧٨ هـ) أنه قال: لما ولاني عمر ﵁ توجهت إلى الكوفة، فاستقبلني القاضي الذي كان قبلي بالقادسية، فقلت له: ما عندك؟ فقال: أنا جالس منذ شهرين ما تقدم إلي أحد (٣). وكان قاضي القيروان يزيد بن الطفيل ربما جلس للقضاء فلا يأتيه أحد لقلة الخصومات في ذلك الزمان، فينعس القاضي فإذا كان الوقت الذي يعلمون أن القاضي ينصرف فيه سرَّحوا الحمار فيذهب حتى يأتي باب الجامع، فيخرج القاضي فيركبه (٤). بل كان القاضي في أول الأمر ربما استقل بالكفاية على جهة من الجهات أو إقليم من الأقاليم، كقاضي مرو

стр. 105

عبد الله بن بريدة بن الحصيب (ت ١١٥ هـ) الذي كان يطوف القرى على حمار يقضي بين الناس (١). فمتى عُلم ما كانت عليه الأحوال في تلك الأزمنة وأشباهها من قلة الخصومات في بلدة أو ناحية، علمنا مدى التكلف الذي يضطر بعض الباحثين المعاصرين إليه أنفسهم من تكلف السوابق الإدارية والقضائية في بيئات لم تكن لأهلها حاجة بمثلها. فأيُّ حاجة تدعو أهل بلدة يمر على قاضيها الأيام والأسابيع لا يترافع إليه فيها أحد إلى اتخاذ دار للقضاء، أو اتخاذ حجَّاب وأعوان؟ (٢). والمتصفح لأحوال القضاة مثلًا في الزمان الأول يرى أن القاضي ربما قضى في المسجد (٣)، أو في رحبته (٤)، وربما قضى في داره (٥)، أو على باب داره (٦)، بل ربما قضى في السوق (٧)، أو في الطريق (٨)، وبذلك بوَّب البخاري في ((كتاب الأحكام)) من صحيحه فقال: (باب القضاء والفتيا في الطريق) (٩).

стр. 106

وهذه الحال التي كان عليها الناس في بعض الأوقات والبلدان من قلة الخصومات وطرح التكلف وضعف الداعي إليه، شارحة للكثير من أحوال التبسط المحكية عن طوائف من القضاة، أو تسامحهم فيما يتشدد فيه من تأخر عنهم (١). والذي ينبغي أن يعلم على كل حال أن مجلس القضاء مجلس جليل مهيب، والمقسطون من القضاة ثوابهم عظيم عند الله ﷻ ، كما أن الظلمة منهم والجهلة الذين يجترئون على القضاء بغير علم يتوجه في حقهم من الوعيد ما فرَّ لأجله الأئمة الكبار من القضاء خوفًا وجزعًا، وأخبارهم في ذلك مشهورة مستفيضة (٢). ومن ذلك ما حكاه الحافظ أبو بكر الباغندي (ت ٣١٢ هـ) قال: كنت بسرَّ من رأي، وكان عبد الله بن أيوب المخرّمي (ت ٢٦٥ هـ) يقرب إليَّ فخرج توقيع الخليفة بتقليده القضاء، فانحدرت في الحال من سرّ من رأي إلى بغداد، حتى دققت على عبد الله بن أيوب بابه فخرج إليَّ، فقلت: لك البشرى. فقال: بشَّرك الله بخير، وما هي؟ قال: قلت: خرج توقيع السلطان بتقليدك القضاء لأحد البلدين: إما سرّ من رأى أو بغداد-شك أحد الرواة-، قال: فأطبق الباب، وقال: بشَّرك الله بالنار. وجاء أصحاب السلطان إليه فلم يظهر لهم فانصرفوا (٣). وكان قاضي القيروان عيسى بن مسكين (ت ٢٩٥ هـ) إذا تحدث عن أيام قضائه قال: (كنت في بليَّتي) و (كنت أيام تلك المحنة) (٤). وقال بعض من وصف جلوس أبي العباس بن طالب (ت ٢٧٥ هـ) للقضاء: (كنت أنظر إلى أبي العباس بن طالب، إذا تفرَّغ من القضاء بين الناس قدم فوقف وحوَّل وجهه إلى القبلة ثم بسط كفيه، فنظرت إلى دموعه وهي تجري

стр. 107

على خديه وعلى لحيته، وهو يقول: اللَّهُمَّ إن كان مني زلة أو هفوة أو أصغيت بأذني إلى خصم دون خصم، أو مالت نفسي أو قلبي إلى خصم دون خصم، فأسألك أن تغفر لي ذلك ولا تؤاخذني ولا تنتقم مني، إنك على كل شيء قدير. ثم يصلي على محمد ﷺ وينصرف. هكذا يعمل في كل مجلس. وكان يكتب على أحكامه: حكمت بقول ابن القاسم. حكمت بقول أشهب. ويقول: في البلد علماء وفقهاء، اذهب إليهم، فما أنكروا عليك، فارجع إلي. وكان يكتب القضية ويقول لصاحبها: أرها لكل من عنده علم بالقيروان، ثم ارجع إلي بما يقولون لك) (١). وقريب من هذا ما ذكر من حال قاضي سبتة محمد بن محمد اللخمي القرطبي (ت ٧٢٣ هـ) الذي كان من شأنه إذا أتى المسجد للحكم فيه بين الناس أن يتركَّع ويتضرع إلى الله تعالى ويلح في الدعاء، ويسأله أن يحمله على الحق ويعينه عليه ويرشده للصواب، وإذا فرغ من الحكم يتركَّع ويستقبل الله تعالى يسأله العفو والمغفرة عما عسى أن يكون صدر عنه مما تلحقه تبعة في الآخرة (٢). وكان القاضي أبو القاسم الطرزي (ت ٣١٧ هـ) كثيرًا ما يتمثل في مجلس القضاء بهذين البيتين (٣). إذا خان الأمير وكاتباه... وقاضي الأرض داهن في القضاء فويل للأمير وكاتبيه... وقاضي الأرض من قاضي السماء ولأجل هذه الهيبة كان مجلس القضاء حقيقًا أن يحاط بأسباب التفخيم والإجلال، وروي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى ﵁ وهو بالبصرة: (بلغني أنك تأذن للناس جمًّا غفيرًا، فإذا جاءك كتابي هذا، فأذن لأهل الشرف وأهل القرآن والتقوى والدين، فإذا أخذوا مجالسهم فأذن للعامة) (٤). وإذا حضر الخصوم المجلس سوَّى بينهم القاضي، وتكلم كلٌّ منهم بحجته على بيان

стр. 108

واحد دون أن يستأثر أحدهم بمجلس أو خطاب دون صاحبه، فلا يقدَّم شريف لشرفه ولا رئيس لرئاسته، وفي كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁: (وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك) (١)، وكان أبو هريرة ﵁ في مجلسه يقضي، فجاء الحارث بن الحكم فجلس على وسادته التي يتكئ عليها، فظن أبو هريرة أنه لحاجة غير الحُكم، فجاءه رجل فجلس بين يدي أبي هريرة فقال له: مالك؟ قال: استأْدِني على الحارث، فقال أبو هريرة: قم فاجلس مع خصمك فإنها سنة أبي القاسم ﷺ (٢). وجاء الأشعث بن قيس إلى شريح في مجلس القضاء، فقال: مرحبا بشيخنا وسيدنا ههنا ههنا، فأجلسه معه، فإذا رجل جالس بين يدي شريح، فقال: مالك يا عبد الله؟ قال: جئت أخاصم الأشعث بن قيس، قال: قم مع خصمك، قال: وما عليك أن تقضي وأنا ههنا؟ قال: قم قبل أن تقام. فقام وهو مغضب (٣). ومن ذلك استحباب الفقهاء للقاضي أن يحضر مجلسه أهل العلم المشاورون من كل مذهب ليستعين بهم، وهذه المشاورة فائدتها استخراج الأدلة ومعرفة الأقوال والأقضية، وكذا ليذكِّروه وينبِّهوه ويناظروه إذا أخطأ في الرأي أو اشتبه عليه الأمر، أما الفصل في الحكم فإنما يكون باجتهاد القاضي (٤). قال سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ): (كانت القضاة لا تستغني أن يجلس إليهم بعض العلماء؛ يقوِّمهم إذا أخطأوا) (٥). وسئل قاضي مالقة أبو المطرِّف الشعبي (ت ٤٩٩ هـ) عن حاكم حكم على رجل بأشياء جرت على غير الحقيقة،

стр. 109

وذكر أنه استبد فيها برأيه وأبى أن يشاور أحدًا من الفقهاء. فقال: (ق كان ينبغي لهذا الحاكم أن لا يستبد برأيه في أحكامه ويتبع سنن من مضى من حكام العدل، فقد مضت السُّنَّة قديمًا من لدن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يشاورون في أحكامهم، وكانوا من الدين والفضل بحيث لا يجاريهم غيرهم) (١). وقال الشعبي (ت ١٠٤ هـ): (من سرَّه أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر ﵁ فإنه كان يستشير) (٢). وقد كان عثمان ﵁ إذا جاءه الخصمان قال لأحدهما: اذهب فادع عليًّا ﵁، وللآخر: فادع طلحة بن عبيد الله والزبير وبعد الرحمن ﵃ فجاءوا فجلسوا، فقال لهما: تكلما، ثم يقبل عليهم فيقول: أشيروا علي، فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه عليهما وإلا نظر، فيقومون مسلِّمين (٣). وكان شريح (ت ٧٨ هـ) يقضي بحضرة أشياخ يجالسونه على القضاء (٤). وكان قاضي البصرة عبد الرحمن بن محمد المخزومي ينظر في قضية لامرأة فاستبطأته، فقال لها: إن أمرك قد أشكل علي، ولم أقف منه على ما يحقُّ عندي حقًّا ولا يبطل عندي باطلًا، فاصبري فإن أحببت أن أذكر ذلك للأمير، فيجتمع لك فقهاء أهل البصرة فعلت، وإن أحببت كتبت إلى أمير المؤمنين فأسأل عن أمرك من عنده من فقهاء المسلمين (٥). وكان أمير المرابطين علي بن يوسف بن تاشفين (ت ٥٣٧ هـ) إذا ولَّى أحدًا من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمرًا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء (٦). وجاء في عهد المسترشد

стр. 110

العباسي (ت ٥٢٩ هـ) إلى قاضي القضاة أبي القاسم علي بن الحسين الزينبي (ت ٥٤٣): (وأمره بمجالسة العلماء ومباحثة الفقهاء، ومناقشة ذوي البصيرة والفهم والفطنة والحزم، ومشاورتهم في عوارض الأمور المشكلة، وسوانح الأحكام المستبهمة المعضلة، حتى يصرِّح محض رأيه وآرائهم عن زبدة الصواب، وتنتج أفكارهم باستجمامها نظرًا شافيًا بالجواب، رافعًا عنه منسدل الحجاب، وإن في ذلك ثَلَجًا للصدور، واستظهارًا في الأمور، واحترازًا من دواعي الزلل واستمرار الخلل، وأمنًا من غوائل الانفراد، وحطًّا للتعويل على الاستبداد، فلربَّ ثقة أدت إلى خجل، وأمن أفضى إلى وجل، وما زالت الشورى مقرونة بالإصابة، محكمة عرى الحق وأسبابه، حارسة من عواقب الندم، داعية إلى السلامة من زلة القدم) (١). وقد تحرَّز بعض الفقهاء من حضور المشاورين في مجلس القاضي؛ لئلا يدخل عليه الحصر أو يشتغل قلبه بهم ويحذر منهم فيكون من ذلك نقصان في فهمه وحكمه، قالوا: ويشاورهم إذا خرج من مجلس القضاء (٢). قال علي حيدر (ت ١٣٥٣ هـ) في شرحه لمجلة ((الأحكام)): (ومع أن المحاكمة تجري علنًا، إلا أن المشاورة والمذاكرة في القضية تجرى خفية، فعليه إذا كانت الدعوى التي تجري فيها المحاكمة محتاجة للمشاورة ويحتاج القاضي إلى أن يتذاكر فيها مع أهل العلم، فيذاكرهم خفية ولا يذاكرهم علنًا؛ لأن المذاكرة العلنية تزيل مهابة المجلس وتوجب اتهام الناس القاضي بالجهل، وتجري المذاكرة في ذلك إما في غرفة أخرى أو بإخراج الناس من غرفة المحاكمة) (٣). واستشارة القضاة للفقهاء خارج مجلس القضاء باللقاء أو الكتابة كثيرة مشهورة، ولما تولى هشام بن هبيرة قضاء البصرة كتب إلى شريح (ت ٧٨ هـ):
следующие страницы →