← Каваид фикха

Каваид фикха · id 204

المجالس الفقهية

هيثم بن فهد الرومي

Полный текст (260 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

موضعًا، منها المحمود وأكثرها المذموم (١). والجدال من شأن الإنسان وطبيعته، ولم يزل الناس يتجادلون في عامة شؤونهم بالحق وبالباطل، وقد حكى لنا القرآن مجادلة الأنبياء لأقوامهم، ووصف الله تعالى الإنسان فقال: ﴿كَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، وقال الله ﷻ : ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، قال ابن جرير (ت ٣١٠ هـ): (يبين عن خصومته بمنطقه ويجادل بلسانه، فذلك إبانته) (٢). فالناس يتوسلون إلى الدفاع عن آرائهم وإقناع الآخرين بها بالجدال والمناظرة، ولكن عامة الناس يتكلمون بذلك على ما تقتضيه السجية من إرسال الكلام على ما يسمح به الخاطر دون استحضار قواعد وآداب للمناظرة، إلا ما تحمل عليه الملكة الفطرية واللغوية أو ما يلتزم به المرء مع غيره من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات. غير أن العلماء وضعوا للمناظرة رسومًا وآدابًا يلتزم بها المتناظران، فمنها ما يعود إلى قواعد العلم وأصوله، ومنها ما يعود إلى أخلاقيات المناظرة وما يُسمح به في مجلس المناظرة وما لا يسمح. فارتقت بذلك المناظرة من كونها طبعًا غريزيًّا إلى أن غدت علمًا له أصول وقواعد ورسوم وآداب يتعلمها الإنسان ويتدرب بها حتى تصير كالملكة المستحكمة. قال محيي الدين بن الجوزي (ت ٦٥٦ هـ): (المراسم الجدلية تفصل بين الحق والباطل، وتميز المستقيم من السقيم، فمن لم يحط بها علمًا كان في مناظرته كحاطب ليل) (٣). وقد كانت المناظرات في أول الإسلام زمن الصحابة ﵁ فمن بعدهم على ما كانت عليه أحوالهم من البداهة واطراح التكلف، ثم أصبحت مما تتضمنه المجالس العلمية المختلفة كحلقات العلم ومجالس القضاء وغيرها، ثم

стр. 177

انتقل الحال بعد ذلك حتى استقلت المناظرة بمجالس خصصت لها، وبات لها شروط ورسوم وفقهاء معنيون بها وطلبة يحرصون على حضورها وجمهور يشهد وقائعها، وحفلت مدائن العلم الكبرى في تاريخ المسلمين بمجالس مشهورة مشهودة يقصدها القُصَّاد من خارجها، ويلتقي المختلفون فيها فيتطارحون المسائل في أصول الفقه وفروعه. ولما كانت هذه المناظرات تجري على ملأ من الناس مما يتطلب سرعة الرد فيها (١)، فقد كان هذا المقام دافعًا إلى ظهور بعض أخلاق المنافسة والمغالبة بين المتناظرين. والمنافسة متى صحَّت معها النية فإنها أمر فاضل يحفظ على نفوق سوق العلم ورواجه، وقد نقل الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) أن (التحاسد على العلم داعية التعلم، ومطارحة الأقران في المسائل ذريعة إلى الدراية، والتناظر فيها ينقح الخواطر والأفهام، والخجل الذي يحل بالمرء من غلطه يبعثه على الاعتناء بشأن العلم ليعلم ويتصفح الكتب، فيتسبب بذلك إلى بسط المعاني ويحفظ الكتب) (٢). ومع هذا فإن قيام المرء في مثل هذا المشهد مع كثرة الاعتراض والمراجعة والمناقشة ربما استخرج منه الحدة والخشونة، وقد قال الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) لمحمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) في بعض مناظراتهما: أشترط ألا تحتدَّ علي ولا تقلق، فقال محمد: أما أن لا أحتد فلا أشترط ذلك، ولكن لا يضرك ذاك عندي (٣). وهذه الحدة التي قد تعرض لبعض المتناظرين وإن كان لا تعلق لها بصحة القول وفساده غير أن عامة الناس تضيق أنفسهم ممن يحتد في المناظرة وربما حكموا لخصمه عليه مهما عزبت أفهامهم عن إدراك دقة مجال المناظرة ومسارها. قال الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): (كنت أرى إذا تناظر اثنان في مسألة وكان أحدهما يناظر ويضحك، ظنت العامة أنه هو المصيب، فقضوا له على

стр. 178

صاحبه!) (١)، وقال أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ) في بيان أخلاق جمهور المناظرة: (إذا ناظرتم فأظهروا الضحك يقضي عليكم الجمهور بالغلبة!) (٢). فهذه المجالس يتم غرضها بالسكينة من الطرفين وحضورها بنفس راضية مطمئنة، فلا يتلبس المناظر بأخلاق الغضب ولا الكبر ولا التردد والخوف والوجل من المناظر أو غيره، بل يجلس منه مجلس الند للند والنظير للنظير، حتى يتداولا الحديث في المسائل على ما تقتضيه قواعد العلم والنظر، ولذا قيل: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتنناظرين حتى يكونا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والفهم والعقل والإنصاف (٣). وجاء في بعض وصايا أبي حنيفة (ت ١٥٠ هـ): (وإياك أن تتكلم في مجلس النظر على خوف أو وجل؛ فإن ذلك مما يورث الخلل في الخاطر والكلال في اللسان) (٤). وقال أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ): (وإياك والكلام في مجالس الخوف والهيبة؛ فإنك عند ذلك في حراسة الروح على شغل من حراسة المذهب ونصرة الدين) (٥)، وقال: (وتوقَّ في الكلام مجلس صدر هيبته تقطع خاطرك وتكدر قريحتك، فلن تجتمع الهيبة وصحة القريحة في قلب) (٦). وقال أبو الوفاء بن عقيل (ت ٥١٣ هـ): (وإذا كان المجلس مجلس عصبية على أحد الخصمين بالتخليط عليه، وقلَّ فيه التمكن من الإنصاف، فينبغي أن يحذر من الكلام فيه؛ فإنما ذلك إثارة للطباع وجلب للإفحاش، ويفضي إلى انقطاع

стр. 179

القوي المنصف بما يتداخله من الغضب والغم المانعين له من صحة النظر والصادين له من طريق العلم) (١). وإنما أكَّد أهل العلم على هذه المعاني لأن غرض المناظرة في أصل معناها شريف فاضل متى اجتنبت أخلاق السوء في المناظرة، فالمناظرة إنما يراد بها تداول الرأي بين الأكفاء ليظهر الحق ما بين ذلك فيصير إليه المتناظران، وينتقل المخالف بها من الخطأ إلى الصواب (٢). فهي بهذا المعنى مما يحمد ويطلب، وقد كان هذا الغرض غرض الأئمة الكبار في مناظراتهم، كأصحاب النبي ﷺ ومن اقتفى أثرهم. قال شيخ الإسلام بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (وقد كان العلماء من الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين) (٣). ولأجل أن تداول الآراء والحجج ونقدها ليظهر الحق من بينها هو الغرض في مجالس المناظرة فقد وُصفت هذه المجالس بأنها كانت (مؤسسة فحص علمي) (٤)، فكان مفهومًا في ضوء ذلك أن يتبنى الفقيه المناظر في مجلس المناظرة قول غيره فيستدل له ويدافع عنه ما دام غرضه نقد الآراء والحجج الفاسدة. قال الطوفي (ت ٧١٦ هـ): (الخصم قد يناظر عن مذهب غيره إعانة لذلك الغير، كالحنبلي ينصر مذهب بعض الطوائف الثلاثة، وقد

стр. 180

يكون مقصوده إفساد مذهب الخصم لا تصحيح مذهبه هو، فلا جرم يرجح أي مذهب كان ويقابل به مذهب خصمه، وبه يحصل مقصوده) (١). ولذلك فالعلماء ينصون على أن آراء الفقهاء لا تتلقى عنهم من سياق المناظرة لأجل اعتبار هذا المعنى. قال ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ): (وقد سلكت في هذا الجواب مسالك الجدليين فيما يلزم الخصم على أصوله، ولم أتعرض في بعضه لبيان المختار عندي، وذلك لأجل التقية من ذوي الجهل والعصبية، فليتنبه الواقف عليه على ذلك، فلا يجعل ما أجبت به الخصم مذهبًا لي) (٢). ولأجل اعتبار هذا المعنى كذلك فقد كان أهل العلم ينهون عن الاحتجاج بالرجال عند المناظرة؛ لأن هذا عائق عن التوجه بالنظر والنقد إلى الحجج والأدلة بالوقوف بالتهويل عند أسماء من قال بها. قال ابن المبارك (ت ١٨١ هـ): (لا تسموا الرجال عند الحِجَاج) (٣)، وقال ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): (ولقد كان جماعة من المحققين لا يبالون بمعظم في النفوس إذا حاد عن الشريعة بل يوسعونه لومًا، فنقل عن أحمد أنه قال له المروذي: ما تقول في النكاح؟ فقال: سنة النبي ﷺ . فقال: فقد قال إبراهيم. قال: فصاح بي وقال: جئتنا ببُنَيَّات الطريق؟ ... واعلم أن المحقق لا يهوله اسم معظم، كما قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: أتظن أن طلحة ﵁ والزبير ﵁ كانا على الباطل؟ فقال له: إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. ولعمري إنه قد وقر في النفوس تعظيم أقوام، فإذا نقل عنهم شيء فسمعه جاهل بالشرع قبله لتعظيمهم في نفسه) (٤). ولأجل ذلك أيضًا فقد ألفينا جماعة من أهل العلم يحكون مناظرات جرت لهم فلا يذكرون أسماء من ناظروهم؛ لئلا يكون في ذلك انتقاص من شأنهم في حكاية المناظرة، مع أن ذكر الأسماء لا تعلق له بالضرورة بغرض

стр. 181

المناظرة التي انعقدت لأجله. قال المعلمي (ت ١٣٨٦ هـ): (من مكارم أخلاق الشافعي وكمال عقله وصدق إخلاصه أن غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمي من ناظره؛ لأن مقصوده إنما هو تقرير الحق ودفع الشبهات وتعليم طرق النظر، وتسمية المناظر يتوهم فيها حظ النفس، كأنه يقول: ناظرت فلانا المشهور فقطعته، وفيها غض من المناظر بما يبين من خطئه) (١). وعلى ذلك حمل صنيع الإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ) إذا قال في صحيحه عند نقد بعض الأقوال: (وقال بعض الناس) ثم لا يسميهم، مع أن من الناس من انتقد ذلك وحمله على التنقص إلا أن ترك البخاري لذكر المخالف فيه تلطف به وانصراف إلى المقصود بالحديث من ذكر الأقوال والحجج (٢). فإذا استبان أن ظهور الحق هو الغرض من المناظرة، فإن الكُمَّل من الرجال لا يضيرهم ظهر الحق على يديهم أو يد من يناظرون، بل ربما نالهم من كمال الخُلُق والرأفة بالخَلق ما يكون معه ظهور الحق مع خصمهم أحبَّ إليهم، وهذا مشهور من سيرة الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) الذي قال فيه محمد بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الحكم (ت ٢٦٨ هـ): (لو رأيت الشافعي يناظرك لظننت أنه سبع يأكلك)، وقال فيه أيضًا: (كنت إذا رأيت من يناظر الشافعي ﵁ رحمته) (٣)، ومع هذا فقد قال الشافعي: (ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة)، وقال: (ما ناظرت أحدًا قط إلا على النصيحة)، وقال: (ما ناظرت أحدًا فأحببت أن يخطئ) (٤)، وقال: (ما كلمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما كلمت أحدًا قط إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه) (٥). ومع مثل هذه النية

стр. 182

الصالحة فإن الله ﷻ يوفق المرء ويسدده ويهديه لما اختلف فيه من الأمر بإذنه، وقد قال القاضي أبو يوسف (ت ١٨٩ هـ): (يا قوم أريدوا بعلمكم الله ، فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح) (١). أما إذا عقدت مجالس المناظرة ثم اختل فيها هذا المعنى، وكان الغرض منها إرادة العلو والغلبة على الخصم والظهور عليه لمجرد ذلك دون تطلّب حق يكشف أو شبهة تُحل ولا انقياد لحجة تلوح، فإن هذا من البغي المذموم، وقد قال الله ﷻ : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. قال أبو الوفاء بن عقيل (ت ٥١٣ هـ): (قال بعض مشايخنا المحققين: إذا كانت مجالس النظر التي تدَّعون أنكم عقدتموها لاستخراج الحقائق والاطلاع على عوار الشبه وإيضاح الحجج لصحة المعتقد مشحونةً بالمحاباة لأرباب المناصب تقربًا وللعوام تخونًا وللنظراء تعملًا وتجملًا، فهذا في النظر الظاهر. ثم إذا عولتم بالإنكار فلاح دليل يردكم عن معتقد الأسلاف والإلف والعرف ومذهب المحلة والمنشأ، خونتم اللائح وأطفأتم مصباح الحق الواضح إخلادًا إلى ما ألفتم، فمتى تستجيبون إلى داعية الحق؟ ومتى يرجى الفلاح في درك البغية من متابعة الأمر ومخالفة الهوى والنفس والخلاص من الغش؟ هذا والله هو الإياس من الخير، والإفلاس من إصابة الحق) (٢). فمما مضى ذكره يعلم حكم المناظرة بين الفقهاء في مسائل الشريعة، وأنها مما يختلف حكمه بحسب ما يقوم بأصحابها من حضور داعي الإخلاص للحق أو غيابه، ومشروعيتها بالجملة أمر متفق عليه، قال ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ): (وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يحتاج

стр. 183

فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك) (١). فإن كانت جارية على وجه الإنصاف وتحري الحق فعبادة مأمور بها، وقربة يتقرب الفقيه إلى الله ﷻ بها؛ لما يحصل بها من بيان الحق وظهوره وتعلم الفقه وتعليمه (٢)، ومن العلماء من ينص أنها بهذا المعنى من فروض الكفايات على المسلمين (٣). وقد جرت المناظرات بهذا المعنى بين الجِلَّة من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان حتى ليعجز العاد عن إحصائها (٤). قال القرطبي في تفسير قول الله ﷻ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]: (هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكًا إذا آتاه الملك والعز والرفعة في الدنيا، وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة. وفي القرآن والسُّنَّة من هذا كثير لمن تأمله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يونس: ٦٨]؛ أي: من حجة. وقد وصف خصومة إبراهيم ﵇ قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة الأنبياء وغيرها. وقال في قصة نوح ﵇: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ الآيات، إلى قوله: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣١ - ٣٥]. وكذلك مجادلة موسى ﵇ مع فرعون إلى غير ذلك من الآي. فهو كله تعليم من الله السؤال والجواب والمجادلة في الدين؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل. وجادل رسول الله ﷺ أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة، على ما يأتي بيانه في (آل عمران). وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم

стр. 184

بالحجة، وتجادل أصحاب رسول الله ﷺ يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده. وفي قول الله : ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح سائغ لمن تدبر) (١). وأما المناظرة التي لا يراد بها ابتغاء الحق ولا الانقياد له عند ظهور حجته، بل يعمد فيه كل واحد من المتناظرين إلى دفع قول الخصم وإبطال أدلته وإسقاط كلامه كيفما كان، لأجل مقصد فاسد من طلب جاه أو تقدم في المجالس أو غرض من أغراض الدنيا فهذا من الجدل المذموم المحرم (٢). وذلك أن المناظرة يقصد بها-كما تقدم-الرغبة في ظهور الحق والانقياد إليه، فإذا انتفى منها هذا المعنى بقيت صورة المنازعة والمخالفة بلا طائل، وقد قال الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): (إن العلم ليس كالتحرش بين البهائم والديكة) (٣). قال عز الدين بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ): (إن قيل: هل يثاب المتناظران على المناظرة أم لا؟ قلنا: إن قصد كل واحد منهما بمناظرته إرشاد خصمه إل ما ظهر له من الحق، فهما مأجوران على قصدهما ومناظرتهما؛ لأنهما متسببان إلى إظهار الحق. وإن قصد كل واحد منهما أن يظهر على خصمه ويغلبه، سواء أكان الحق معه أم مع خصمه فهما آثمان. وإن قصد أحدهما الإرشاد وقصد الآخر العناد، أُجِر قاصد الإرشاد، وأثم قاصد العناد) (٤). ولأن جنوح المتصدر في مجالس المناظرة إلى ما تميل إليه النفوس من

стр. 185

حب الجاه والشهرة كثير حصوله، فقد أفاض الفقهاء في ذم ما يجري من ذلك، وربما أطلق بعضهم ذم مجالس النظر لما عاينه من استيلاء حب التصدر على جملة من المتناظرين، وقد جاء في بعض وصايا سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ): (وإياك وحب الرياسة فإن من الناس من تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة) (١). ولهذا فقد انتقد جماعة من أهل العلم المتناظرين بأنهم يشتغلون بمفضول العلم عن فاضله؛ لأجل التفنن والتزين به في مجالس النظر، فانتقد أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) من يشتهرون بالمناظرة اشتهار المتبحرين حتى إذا سئلوا عن واضح المذهب ضلت أفهامهم، فيقصدون من العلم ما يشتهرون به من مسائل الجدل، ويتعاطون علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه! (٢). كما انتقد أبو الفرج بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) اشتغال المتناظرين بالمسائل الكبار التي يتسع فيها مجال الكلام، وربما لم يعرفوا الحكم فيما تعم به البلوى من المسائل. وانتقد أيضًا إيثار المتناظرين للجدال حول الأقيسة دون الأحاديث ليتسع لهم مجال النظر فيها، مع أن الأدب حاكم بتقديم الاستدلال بالأحاديث (٣). أما أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) فقد تكلم عن آفات المناظرات فأفاض في ذلك، وانتقد آفات مجالس المناظرة في زمانه، وقد كان مشتغلًا بها حتى كفَّ عنها لمكان الآفات التي ذكرها (٤)، ونصح تلميذه بذلك في نصيحته المشهورة (أيها الولد) (٥). فمن كلامه في ذلك قوله: (والمشتغلون بالمناظرة

стр. 186

مهملون لأمور هي فرض عين بالاتفاق) (١)، وقوله: (فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسودُّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به، وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه طول عمره، ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة ﵁ في تعاونهم على النظر في الحق) (٢)، وقال في موضع آخر: (والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول والاكابر؛ خوفًا من ظهور الحق على ألسنتهم، فيرغبون فيمن دونهم؛ طمعًا في ترويج الباطل عليهم) (٣). فأما إذا ابتغى الفقيه المناظر بقوله وعمله وجه الله ﷻ والدار الآخرة، ورجا موعود الله وما عنده من الكرامة السابغة والأجر العظيم لمن نهج طريقة الأنبياء في نشر الحق والدعوة إليه والجدال عنه، مع الإخلاص لله تعالى في ذلك فهو من ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد روى الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) وغيره عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض) (٤).

стр. 187

كانت مجالس المناظرة تعقد في الأماكن العامة والخاصة، وكان منها ما يتفق عفوًا في الأماكن المختلفة، ومنها ما يعقد في مجالس مخصصة للمناظرة، وقد أُجريت المناظرات في عامة مسائل الشريعة، وفي أبواب الفقه كلها، وبين المذاهب جميعها (١)، فكان ثمَّ مجالس خاصة تدعى (مجالس النظر) أو (حلق المناظرين)، ونحو ذلك (٢). ومن الفقهاء من يكون له مجلس دائم للمناظرة، ومنهم من تعقد له المجالس في البلدان التي يرتحل إليها فيشهده فقهاؤها ويناظرونه في مسائل الفقه في الأصول والفروع (٣). وكانت هذه المناظرات ربما جرت في المساجد وساحاتها ورحباتها، قال أبو الوفاء بن عقيل (ت ٥١٣ هـ): (ولا بأس بالمناظرة في مسائل الفقه والاجتهاد في المساجد إذا كان القصد طلب الحق، فإن كان مغالبة ومنافرة دخل في حيِّز الملاحاة والجدال فيما لا يعني ولم يجز في المساجد) (٤). وقد

стр. 188

كان الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) يجتمع مع بعض فقهاء مكة في المسجد الحرام للمذاكرة، فيأتيهم محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) ويناظرهم (١). ومن الجوامع التي اشتهرت بعقد مجالس المناظرة فيها جامع القصر ببغداد (٢)، حيث يجتمع فيه الفقهاء من سائر المذاهب للمناظرة، وممن كانت لهم حلقة مناظرة هناك الفقيه الشافعي أبو منصور البروي (ت ٥٦٧ هـ) وكان يحضر عنده المدرسون والأعيان (٣). ومنهم أبو الفرج بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) الذي كان يجلس في دكة الحنابلة في الجامع، فربما ناظر الفقهاء حتى تمتلئ الرحبة بالحاضرين (٤). ومنهم غلام ابن المنِّيِّ (ت ٦١٠ هـ) الذي كانت له حلقة بالجامع يحضرها الفقهاء، وكان جيد الكلام في المناظرة، حتى أجمعت الطوائف على فضله وعلمه (٥). وربما جرت المناظرة في المدارس، وقد وصف لنا ابن بدران (ت ١٣٤٦ هـ) مشهدًا من مشاهد المناظرة في المدارس فقال: (ثم إنه كان لكل مدرسة مدرس خصوصي، ينتخب من الأفاضل الكبار. وكان لهؤلاء المدرسين مواعيد، فإذا كان يوم ميعاد مدرسة جلس المدرس في موضع الميعاد، وأحدق به غالب الفقهاء والعلماء، فيذكر مسألة ويأخذ في تفصيلها وبيان دلائلها، ويشاركه العلماء في البحث على طريقة فن الجدل، ويتكلم الواحد منهم بما عنده وتطول ذيول المناظرة، ويأخذ الحنفي مثلًا في الانتصار لقول إمامه، فيعارضه الشافعي مدليًا بحجته، ويشاركهما المالكي والحنبلي والظاهري

стр. 189

والنحوي والمنطقي والبليغ. وإذا كان ثمَّ أحد من العلماء غريبًا أخذ في المذاكرة معهم، ولم يزالوا كذلك حتى فراغ الميعاد، ثم ينتقلون فيما بعد إلى ميعاد ثان في مدرسة ثانية. وحرصًا على أن لا يغلب المدرس على أمره من أحد غريب؛ كان المتميزون في العلم يجلسون إلى يمينه وشماله ليكونوا عونًا له إذا سئل ولم يستحضر جوابًا) (١). وهذه المناظرات في المدارس كان لها أثرها الكبير على الطلبة المتفقهين داخل المدرسة وخارجها، ويصف القاضي أبو بكر بن العربي (ت ٥٤٣ هـ) أثر أحد هذه المجالس عليه فيقول: (وحين صليت بالمسجد الأقصى فاتحة دخولي له، عمدت إلى مدرسة الشافعية بباب الأسباط (٢)، فألفيت بها جماعة علمائهم في يوم اجتماعهم للمناظرة عند شيخهم القاضي الرشيد يحيى-يعني: ابن الصائغ (ت ٥٣٤ هـ) -الذي كان استخلفه عليهم شيخنا الإمام الزاهد نصر بن إبراهيم النابلسي المقدسي (ت ٤٩٠ هـ)، وهم يتناظرون على عادتهم، فكانت أول كلمة سمعتها من شيخ من علمائهم يقال له مجلي (ت ٥٥٠ هـ): بقعة لو وقع القتل فيها لاستوفى القصاص بها، وكذلك إذا وقع في غيرها أصله الحل. فلم أفهم من كلامه حرفًا، ولا تحققت منه نكرًا ولا عرفًا، وأقمت حتى انتهى المجلس، فكررت راجعًا إلى منزلي وقد تأوَّبني حرصي القديم، وغلبني على جدي في التحصيل والتعليم، فقلت لأبي رحمة الله عليه: إن كانت لك نية في الحج، فامض لعزمك، فإني لست برائم عن هذه البلدة حتى أعلم علم من فيها، وأجعل ذلك دستورًا للعلم وسلمًا إلى مراقيها، فساعدني حين رأى جدي، وكانت صحبته لي من أعظم أسباب جدي. ونظرنا في الإقامة بها وخزلنا أنفسنا عن صحبة كنا نظمنا بهم في المشي إلى الحجاز، إذ كانوا في غاية الانحفاز. ومشيت إلى شيخنا أبي بكر الفهري رحمة الله عليه-يعني:

стр. 190

الطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ) -، وكان ملتزمًا من المسجد الأقصى-طهره الله-بموضع يقال له (الغوير) بين باب الأسباط ومحراب زكريا ﵇ فلم نلقه به، واقتفينا أثره إلى موضع منه يقال له (السكينة) فألفيناه بها، فشاهدت هديه وسمعت كلامه، فامتلأت عيني وأذني منه، وأعلمه أبي بنيتي فأناب، وطالعه بعزيمتي فأجاب، وانفتح لي به إلى العلم كل باب، ونفعني الله به في العلم والعمل، ويسر لي على يديه أعظم أمل، فاتخذت بيت المقدس مباءة، والتزمت فيه القراءة، لا أقبل على دنيا، ولا أكلم إنسيًّا، نواصل الليل بالنهار فيه، وخصوصا بقبة السلسلة، منه تطلع الشمس على الطور وتغرب على محراب داود، فيخلفها البدر طالعًا وغاربًا على الموضعين المكرمين، وأدخل إلى مدارس الحنفية والشافعية في كل يوم لحضور التناظر بين الطوائف، لا تلهينا تجارة، ولا تشغلنا صلة رحم، ولا تقطعنا مواصلة ولي، وتقاة عدو. فلم تمر بنا إلا مدة يسيرة حتى حضر عندنا بالغوير ونحن نتناظر فقيه الشافعية عطاء المقدسي، فسمعني وأنا أستدل على أن مُدَّ عجوة ودرهمًا بمُدَّي عجوة لا يجوز، وقلت: الصفقة إذا جمعت مالَي ربًا ومعهما أو مع أحدهما ما يخالفه في القيمة سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، فإن ذلك لا يجوز؛ لما فيه من التفاضل عند تقدير التقسيط والنظر والتقويم في المقابلة بين الأعواض، وهذا أصل عظيم في تحصيل مسائل الربا. فأعجب الفهري ذلك، والتفت إلى عطاء وقال له: قبضت فراخُنا! فقال له عطاء: بل طارت!. وذلك في الشهر الخامس أو السادس من ابتداء قراءتي) (١). فانظر كيف كان مجلس المناظرة الذي شهده القاضي سببًا لقطعه الرحلة إلى الحجاز وبقائه لتحصيل ما لدى أولئك الشيوخ في بيت المقدس، حتى أتقن ذلك في بضعة أشهر وأعجب به شيوخه. كما قد تجري المناظرة أيضًا في بيوت الفقهاء أنفسهم (٢)، وفي الأربطة

стр. 191

والزوايا والخوانق، حيث يجتمع الفقهاء والمتفقهون المقيمون فيها والواردون عليها من شتى الأمصار، فيتناظرون ويتناقشون ويحمل كلٌّ عن الآخر علم بلده (١). ومن الأماكن التي تعقد المناظرات فيها كذلك مجالس الخلفاء والأمراء. وفي خلفاء المسلمين وملوكهم جمٌّ غفير لهم اهتمام بالعلم وإدمان للبحث والمطالعة والمجالسة مع العلماء والفقهاء، في مسائل العلم عامة، وفيما تمس حاجتهم إليهم لتدبير الناس وسياستهم خاصة، وكثيرًا ما تحتوي قصورهم على مكتبات خاصة تكون عونًا ومرجعًا لمثل تلك المجالس (٢)، وربما حضروا مجالس المناظرة بين الفقهاء أو عقدوها في الأماكن العامة كالجوامع والمدارس، وقد مضى ذكر المناظرات بين الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) وتلاميذه مع القاضي أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ) بحضرة هارون الرشيد (ت ١٩٣ هـ) في مدينة الرسول ﷺ (٣)، ويصف المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) مجلسًا للمناظرة عقده السلطان المؤيد (ت ٨٢٤ هـ) في جامعه بالقاهرة بمناسبة إجلاس قاضي القضاة شمس الدين الديري الحنفي (ت ٨٥٥ هـ) على سجادة مشيخة الصوفية وتدريس الحنفية، فيقول: (ثم استدعي الديري وألبس خلعة واستقر في المشيخة وتدريس الحنفية، وجلس بالمحراب، والسلطان وولده عن يساره، والقضاة عن يمينه، ويليهم مشايخ العلم وأمراء الدولة، فألقى درسًا تجاذب فيه أهل العلم أذيال المناظرة حتى قرب وقت الصلاة ثم انفضوا) (٤).

стр. 192

وبالجملة فقد كانت هذه المناظرات تجري حيث يلتقي الفقهاء من الأماكن العامة والخاصة، حتى كانت تعقد في المكتبات العامة ودور الورَّاقين (١)، بل من الطريف الذي يذكر أن هذه المناظرات ربما جرت في مجالس العزاء، فتكون مداولة مسائل الفقه من خير ما تقضي به الأوقات ويغتنم اجتماع الفقهاء فيها، ويحكي أبو الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ) مناظرة حضرها لما توفيت زوجة أبي الطيب الطبري (ت ٤٥٠ هـ) فيقول: (العادة ببغداد أن من أصيب بوفاة أحد ممن يكرم عليه قعد أيامًا في مسجد رَبَضِه يجالسه فيها جيرانه وإخوانه، فإذا مضت أيام عزوه وعزموا عليه في التسلي والعودة إلى عادته من تصرُّفه. فتلك الأيام التي يقعد فيها في مسجده للعزاء مع إخوانه وجيرانه لا تقطع في الأغلب إلا بقراءة القرآن، أو بمناظرة الفقهاء في المسائل، فتوفيت زوجة القاضي أبي الطيب الطبري وهو شيخ الفقهاء ذلك الوقت ببغداد وكبيرهم، فاحتفل الناس بمجالسته، ولم يكد يبقى أحد منتم إلى علم إلا حضر ذلك المجلس، وكان ممن حضر ذلك المجلس القاضي أبو عبد الله الصيمري (ت ٤٣٦ هـ)، وكان زعيم الحنفية وشيخهم، وهو الذي كان يوازي أبا الطيب في العلم والشيخوخة والتقدم، فرغب جماعة من الطلبة إلى القاضيين أن يتكلما في مسألة من الفقه يسمعها الجماعة منهما وتنقلها عنهما، وقلنا لهما: إن أكثر من في المجلس غريب قصد إلى التبرك بهما والأخذ عنهما، ولم يتفق لمن ورد منذ أعوام جمة أن يسمع تناظرهما إذ كانا قد تركا ذلك منذ أعوام، وفوَّضا الأمر في ذلك إلى تلاميذهما، ونحن نرغب أن يتصدقا على الجمع بكلامهما في مسألة يُتجمل بنقلها وحفظها وروايتها. فأما القاضي أبو الطيب فأظهر الإسعاف بالإجابة، وأما القاضي أبو عبد الله فامتنع من ذلك، وقال: من كان له تلميذ مثل أبي عبد الله يريد الدامغاني (ت ٤٧٨ هـ) لا يخرج إلى الكلام، وها هو حاضر من أراد أن يكلمه فليفعل، فقال القاضي

стр. 193

أبو الطيب عند ذلك: وهذا أبو إسحاق (ت ٤٧٦ هـ) من تلامذتي ينوب عني) ثم شرع في حكاية المناظرة، وأبو إسحاق هو الشيرازي (١). ومن الملاحظ لمن تتبع مجالس المناظرات أن العناية بها في المشرق أعظم وأكثر من العناية بها المغرب، والكثير مما هنالك نقله أمثال أبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ) والقاضي أبي بكر بن العربي (ت ٥٤٣ هـ) بعد رحلتهما إلى المشرق (٢)، والمعوَّل عند المالكية قبلهما في الحجاج والمناظرة والجدال عن مذهبهم على مالكية العراق، كالقاضي إسماعيل (ت ٢٨٢ هـ) وأبي بكر الأبهري (ت ٣٧٥ هـ) والقاضي أبي بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ) والقاضي عبد الوهاب بن نصر (ت ٤٢٢ هـ)، وسبب ذلك أن المدافعة بين الفقهاء في المشرق أكثر، فالمذاهب موفورة في مختلف الأقاليم، والفقهاء هناك يلتقون فيتناظرون ويتناقشون (٣)، بخلاف المغرب الذي ظهر عليه مذهب الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) حتى غلب على فقهائه، فانمحى مذهب الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ) الذي حمله جند الشام إلى الأندلس منها بدخول زياد بن عبد الرحمن الملقب بشبطون (ت ٢٠٤ هـ) ويحيى بن يحيى الليثي (ت ٢٣٤ هـ) وعيسى بن دينار (ت ٢١٢ هـ) وأضرابهم، ولم يبق فيها كبير مزاحم إلا ما كان من أمر الظاهرية، لا سيما زمن أبي محمد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ) الذي اشتهرت مناظراته مع أبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ) في جزيرة ميورقة شرقيَّ الأندلس بدعوة من والي الجزيرة (٤). وأما إفريقية فكان أكثر الفقهاء أول الأمر فيها على مذهب

стр. 194

الكوفيين (١)، حتى دخلها تلامذة مالك كعلي بن زياد (ت ١٨٣ هـ) والبهلول بن راشد (ت ١٨٣ هـ) وعبد الله بن غانم (ت ١٩٠ هـ) وأسد بن الفرات (ت ٢١٣ هـ) ثم جاء بعدهم سحنون (ت ٢٤٠ هـ) وتولى قضاءها ونشر علم مالك فيما هنالك. ومع ذلك فقد ظل مذهب أبي حنيفة (ت ١٥٠ هـ) ظاهرًا ثَمَّ حتى جاء المعز بن باديس (ت ٤٥٤ هـ) فحمل أهل المغرب على التمسك بمذهب الإمام مالك، وحسم مادة الخلاف في المذاهب واستمر الحال على ذلك الشأن (٢). والمقصود من ذكر مثل ذلك أن الحافز على انبعاث مجالس المناظرة في هذه الأقاليم التي غلب عليها مذهب واحد، أقل منه في أقاليم المشرق التي تزاحمت فيها المذاهب، فكان من أثر ذلك انصراف فقهاء المالكية هناك إلى جانب التفريع والتطبيق كالعمليات والماجريات والوثائق والأقضية والنوازل (٣)، وظلَّت المناظرة في أحوال كثيرة باقية عندهم في مذهب مالك نفسه، وتعقد لأجل ذلك المجالس ويجتمع لها الفقهاء، كما جرى من إقامة المنصور بن أبي عامر (ت ٣٩٢ هـ) لمجلس يجتمع له الفقهاء في قرطبة للمناظرة في الموطأ، فكان يحضره ابن العطار (ت ٣٩٩ هـ) فيقصِّر أكثرهم عن شأوه في تدقيق معانيه وغريبه (٤). ومن ذلك مجالس القاضي أبي الوليد بن رشد (ت ٥٢٠ هـ) مع أصحابه للمناظرة في المدونة، حيث قال في فاتحة كتابه ((المقدمات

стр. 195

الممهدات)): (فإن بعض أصحابنا المجتمعين إلى المذاكرة والمناظرة في مسائل كتب المدونة، سألني أن أجمع له ما أمكن مما كنت أورده عليهم عند استفتاح كتبها وفي أثناء بعضها، مما يحسن المدخل به إلى الكتاب) (١). فمما تقدم ذكره يعلم أن الداعي إلى المناظرة مما تختلف به الأمصار، وربما اشتهر قطر من الأقطار أو ناحية من النواحي بكثرة النظار فيها؛ لمحلهم من الاشتغال بالمناظرة وإدمانهم الحضور في مجالسها ومجامعها، فبزُّوا غيرهم من الفقهاء الذين ربما كانوا أمكن في العلم منهم. وقد اشتهر طوائف من الفقهاء بالمناظرة حتى بات الناس يتعلمون منهم رسومها وشروطها وآدابها، ومن هؤلاء الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) كما مضت الإشارة إلى ذلك، وقد حكى الربيع بن سليمان (ت ٢٧٠ هـ) فقال: (كنا جلوسًا في حلقة الشافعي بعد موته بيسير، فوقف علينا أعرابي فسلم ثم قال لنا: أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا: توفي ﵀، فبكى بكاء شديدًا، وقال: توفي ﵀ وغفر له، فلقد كان يفتح ببيانه منغلق الحجة، ويسد على خصمه واضح المحجة، ويغسل من العار وجوهًا مسودَّة، ويوسع الرأي أبوابًا منسدة. ثم انصرف) (٢). وقال النووي (ت ٦٧٦ هـ) واصفًا براعة الشافعي: (ومن ذلك أن الشافعي ﵀ مكنه الله تعالى من أنواع العلوم، حتى عجز لديه المناظرون من الطوائف وأصحاب الفنون، واعترف بتبريزه وأذعن الموافقون والمخالفون في المحافل الكثيرة المشهورة المشتملة على أئمة عصره في البلدان، وهذه المناظرات موجودة في كتبه وكتب العلماء معروفة عند المتقدمين والمتأخرين. وفي كتاب الأم للشافعي ﵀ من هذه المناظرات جمل من العجائب والنفائس الجليلات والقواعد المستفادات، وكم من مناظرة واقعة فيه يقطع كل من وقف عليها وأنصف وصدق أنه لم يُسبق إليها) (٣). ومنهم أشهب بن عبد العزيز

стр. 196

(ت ٢٠٤ هـ) الذي قال فيه سحنون (ت ٢٤٠ هـ): (ما كان أحد يناظر أشهب إلا اضطره بالحجة حتى يرجع إلى قوله، ولقد كان يأتينا في حلقة ابن القاسم (ت ١٩١ هـ) فيتكلم في أثول العلم ويفسر ويحتج، وابن القاسم ساكت ما يرد عليه حرفًا) (١). ومن الفقهاء الذين اشتهروا بالمناظرة كذلك أبو العباس بن سريج (ت ٣٠٦ هـ) الذي كان يناظر أبا بكر محمد بن داود بن علي الظاهري (ت ٢٩٧ هـ) فلا يكادان ينقطعان عن المناظرة، وتناظرا ذات مرة فقال أبو بكر لأبي العباس، وقد أكثر عليه في السؤال: أبلعني ريقي، فقال ابن سريج: قد أبلعتك دجلة والفرات. فلما مات أبو بكر حزن له أبو العباس وجلس للتعزية وقال: ما آسى إلا على تراب أكل لسان محمد بن داود (٢). ومن الفقهاء المناظرين شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٩٠ هـ) الذي وصف بأنه كان أنظر أهل زمانه، وناظر أقرانه حتى ظهر اسمه وشاع خبره (٣). وأبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ) الذي وُصف بأنه كان (عظيم الجدل)، وله مناظرات مشهورة، ومجالس محفوظة (٤). وأبو حامد الإسفراييني (ت ٤٠٦ هـ) الذي روي عنه أنه كان يقول: ما قمت من مجلس النظر قط فندمت على معنى ينبغي أن يذكر فلم أذكره! (٥). ومن المشهورين بالمناظرة سيف الدين الآمدي (٦٣١ هـ) الذي دخل مصر والشام وعقدت له المناظرات وحضرها الأكابر من كل مذهب، وقال فيه عز الدين بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ): ما عرفنا قواعد البحث إلا من الشيخ سيف الدين (٦). وممن اشتهر بالمناظرة كذلك فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ) الذي كان يُطوِّف الآفاق وتعقد له فيها مجالس المناظرة، وحكى عن نفسه أنه لما انتهى إلى بلاد ما وراء النهر دخل بخاري وسمر قند وغزنة

стр. 197

وغيرها من البلاد، فعقدت له فيها المناظرات والمجادلات مع من كان فيها من الأفاضل والأعيان، فناظر الفقهاء في بخاري في مسائل كثيرة، فمنها مناظرته حول كتاب ((شفاء العليل)) لأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ)، ومناظرته في خيار المجلس، والتكليف بما لا يطاق، كما ناظر في صومعة الغزالي في طوس حول كتاب ((المستصفى)) لأبي حامد، وغير ذلك (١). وكذلك علاء الدين الباجي (ت ٧١٤ هـ) كان له في المناظرة الباع الواسع، و (كان إليه مرجع المشكلات ومجالس المناظرات)، وبه تخرَّج تقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ)، وكان تقي الدين بن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) وشيخ الإسلام بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) يعظمانه ويجلانه، وذُكر أنه كان يقول لابن تيمية: تكلم نبحث معك، فيقول له: مثلي لا يتكلم بين يديك، أنا وظيفتي الاستفادة منك (٢). ومن المناظرين أبو بكر الدينوري البغدادي (ت ٥٣٢ هـ) الذي برع وتقدم في المناظرة على أبناء جنسه، حتى قال فيه شيخ الشافعية أسعد الميهني (٥٢٧ هـ): (ما اعترض أبو بكر الدينوري على دليل أحد إلا ثلم فيه ثلمة) (٣). وقيل مثل ذلك في ترجمة سيف الدين المقدسي (ت ٥٨٦ هـ) الذي وصفه الموفق (ت ٦٢٠ هـ) بأنه كان (حسن الكلام في المناظرة) مع صغر سنه ووفاته في شبيبته (٤). والأمثلة على هذا من فقهاء المذاهب لا تحصى كثرة، ومن الملاحظ الذي لا تخطئه عين المستقريء لأخبار الفقهاء وتراجمهم أن وصف الفقيه بأنه من أهل المناظرة يرتبط في أحوال كثير جدًا مع وصفه بالبراعة والتقدم في الفقه، وما ذاك إلا لما مضت الإشارة إليه من أن المناظرة من شأن المتقدمين في الفقه والنظر (٥).

стр. 198

وكان هؤلاء المناظرون تتفاوت بهم الحال فيما يستعملونه في المناظرة، فإذا عرف بعض الفقهاء ببراعتهم في النظر العقلي واستعمال الأقيسة، فإن منهم من كان يبزُّ أقرانه في معرفة الحديث والاستشهاد به. فذكر مثلًا في ترجمة الكيا الهراسي (ت ٥٠٤ هـ) أنه كان يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه، وكان يقول: (إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرياح) (١). فالمقصود أن الفقهاء كان لهم بالمناظرات عناية بالغة واشتغال بيِّن لا يخفى على عامة الناس فضلًا عن خاصتهم، وكانت ميدانًا له فرسانه ورجاله، حتى كان الفقيه إذا قعد مقعد شيخه في المناظرة فربما أصابته الهيبة وغشيته الرهبة، ومن أولئك أبو الحسن القابسي القروي المالكي (ت ٤٠٣ هـ) الذي تمثَّل في أول مجلس له للمناظرة: لعمر أبيك ما نُسب المعَّلى... إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرت... وصوَّح نبتها رعي الهشيم ثم بكى حتى بكى الناس، وقال: أنا الهشيم أنا الهشيم، والله لو أن في الأرض خضراء ما رُعيت أنا (٢). وهذه البراعة في المناظرات لم تكن لتتهيأ لهؤلاء السادة وتتطور في أدواتها ومعارفها، لو لم يكن لها طرائق علمية ومنهجية معلومة يتعلمها المناظر عن شيوخه ويتخرج بها عليهم (٣). فكانوا يتعلمون الجدل والمناظرة وآداب البحث عن شيوخهم، ثم يشهدون حلق المناظرة ومجالسها فيتدربون فيها، وكانوا يسألون شيوخهم عقد المجالس لها ويتطلبونها من المقدَّمين فيها. قال ابن السني (ت ٣٦٤ هـ): (ولا بأس أن يتحاوروا بحضرة العالم في

стр. 199

أصناف العلم، ويناظر بعضهم بعضًا) (١). وقال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ): (أستحبُّ أن يخص يوم الجمعة بالمذاكرة لأصحابه في المسجد الجامع وإلقاء المسائل عليهم، ويأمرهم بالكلام فيها والمناظرة عليها) (٢)، ثم أسهب في ذكر آداب الترقي بالمتفقه في درجات المناظرة. وكان هذا الترقي يجري بإشراف ومتابعة من الأساتذة وتعاهد منهم لطلبتهم. قال أبو الحسن البيهقي (ت ٥٦٥ هـ) متحدثًا عن نفسه: (ثم مات والدي في سلخ جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وخمسمائة، فانتقلت في ذي الحجة سنة ثمان عشرة إلى مرو، فقرأت على تاج القضاة أبي سعد يحيى بن عبد الملك بن عبيد الله بن صاعد، وكان ملكًا في صورة إنسان، وعلّقت من لفظه كتاب الزكاة والمسائل الخلافية ثم سائر المسائل على غير الترتيب، وخضت في المناظرة والمجادلة سنة جرداء، حتى رضيت عن نفسي فيه ورضي عني أستاذي) (٣). وجاء في ترجمة القاضي أبي بكر بن زرب القرطبي (ت ٣٨١ هـ) أنه كان عليه مدار طلبته في المناظرة (٤). ومثل ذلك قيل في أبي جعفر بن رزق الأموي القرطبي (ت ٤٧٧ هـ) (٥). ووُصف قطب الدين النيسابوري (ت ٥٧٨ هـ) بأنه كان معروفًا بالفصاحة والبلاغة وتعليم المناظرة (٦). وهذا التعليم كان له جانبان: علمي وأخلاقي، ولكل منهما جانبان: تنظيري وتطبيقي، فيتعلم المتفقه آداب البحث والمناظرة، ثم يكتسب الدربة في مجالس شيوخه ونظرائهم ويتخلق بأخلاقهم. وقد أفاض العلماء في بيان آداب المناظرة وأخلاق مجالسها، وإن كان ارتسام قانونها على الوجه الأكمل مما يعز وجوده. قال نجم الدين الطوفي (ت ٧١٦ هـ): (ولا يقدر اليوم أحد على

стр. 200

تقرير الأسئلة والجواب عنها في مسألة على قواعد الجدل واصطلاح أهله، ولم أر ذلك إلا في الكتب الجدلية والطرائق الخلافية، وسبب ذلك ضعف مواد الأكثر عن تحقيقه، وحرصهم على ترجيح قولهم بغير طريقة) (١). بل قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): (والمشاغب المناظر في أكثر الأمر إذا أفحم استمر على اعتقاده وأحال بالقصور على نفسه، وقال: لو كان صاحب مذهبي حيًّا وحاضرًا لقدر على الانفصال عنه، وأكثر ما ذكره المتكلمون في مناظراتهم مع الفرق جدليات، وهكذا ما يجري في مناظرات الفقه. ولذلك لا تنكشف مناظرة عن تنبُّهٍ برجوعه عن مذهبه إلى غيره) (٢). ومع هذا فقد انتهى إلينا من أخبار الفقهاء المناظرين من أخلاق الكمال في مجالس المناظرة ما يشرح الصدر ويبهج الخاطر، مما يحفز المتفقهين للاقتداء بهم والاهتداء بجميل آدابهم. وقد تقدم غير مرة ذكر سبق الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) وعنايته البالغة في مجال المناظرة، حتى كان يعلم أصحابه ويدربهم عليها، بل قال فيه محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم (ت ٢٦٨ هـ): (ما علَّم الناس الحجاج إلا الشافعي) (٣)، وقال فيه يونس بن عبد الأعلى (ت ٢٦٤ هـ): (كان يناظر الرجل فلا يزال يناظره حتى يقطعه، ثم يقول لمناظره: تقلَّد أنت الآن قولي وأتقلد قولك. فيتقلد المناظر قوله ويتقلد الشافعي قول المناظر، فلا يزال يناظره حتى يقطعه)، ولما ناظر محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) بمكة قال له محمد: (يا أبا عبد الله، إن ناظرتني بقولك خصمتني، وإن ناظرتني بقولي خصمتني) (٤). واشتهر الشافعي بذلك حتى قال له الفضل بن الربيع (ت ٢٠٨ هـ) وزير الرشيد مرة: أحب أن أسمع مناظرتك للحسن بن زياد اللؤلؤي (ت ٢٠٤ هـ)، فقال الشافعي: ليس اللؤلؤي في هذه الجهة، ولكن أحضر بعض أصحابي يكلمه

стр. 201

بحضرتك، فقال: أو ذاك (١). وكذلك أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ) من قبل كان يدرب أصحابه على المناظرة ويعلمهم إياها، وهذا أمر مشهور في سيرته وتعليمه، ومن أمثلة ذلك ما رواه محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) قال: كان أبو حنيفة قد حمل إلى بغداد، فاجتمع أصحابه جميعًا وفيهم أبو يوسف (ت ١٨٢ هـ) وزفر (ت ١٥٨ هـ) وأسد بن عمرو (ت ١٩٠ هـ) وعامة الفقهاء المتقدمين من أصحابه، فعملوا مسألة أيدوها بالحجاج وتنوَّقوا في تقويمها وقالوا: نسأل أبا حنيفة أول ما يقدم، فلما قدم أبو حنيفة كان أول مسألة سئل عنها تلك المسألة، فأجابهم بغير ما عندهم، فصاحوا به من نواحي الحلقة: يا أبا حنيفة، بلدتك الغربة! فقال لهم: رفقًا رفقًا، ماذا تقولون؟ قالوا: ليس هكذا القول، قال: بحجة أم بغير حجة؟ قالوا: بل بحجة، قال: هاتوا، فناظرهم فغلبهم بالحجاج حتى ردهم إلى قوله، وأذعنوا أن الخطأ منهم، فقال لهم: أعرفتم الآن؟ قالوا: نعم، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن قولكم هو الصواب وأن هذا القول خطأ؟ قالوا: لا يكون ذلك، قد صح هذا القول، فناظرهم حتى ردهم عن القول، فقالوا: يا أبا حنيفة، ظلمتنا والصواب كان معنا، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن هذا القول خطأ والأول خطأ والصواب في قول ثالث؟ فقالوا: هذا ما لا يكون، قال: فاستمعوا واخترع قولًا ثالثًا، وناظرهم عليه حتى ردهم إليه، فأذعنوا وقالوا: يا أبا حنيفة، علمنا، قال: الصواب هو القول الأول الذي أجبتكم به لعله كذا وكذا، وهذه المسألة لا تخرج من هذه الثلاثة الأنحاء، ولكل منها وجه في الفقه ومذهب، وهذا الصواب فخذوه وارفضوا ما سواه (٢). ومن الحكايات التي تصف مجلسًا من مجالس تعليم المناظرة ما حكاه تاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ) من أن بعض الفقهاء اجتمعوا إليه وسألوه أن يطلب من أبيه الشيخ تقي الدين (ت ٧٥٦ هـ) أن يسمعهم المناظرة على طريق

стр. 202

الجدل، حيث قال: (واجتمعنا ليلة أنا والحافظ تقي الدين أبو الفتح والأخ المرحوم جمال الدين الحسين والشيخ فخر الدين الأقفهسي وغيرهم، فقال لي بعض الحاضرين: نشتهي أن نسمع مناظرته، وليس فينا من يدل عليه غيرك. فقلت له: الجماعة يريدون سماع مناظرتك على طريق الجدل. فقال: بسم الله. وفهمت أنه إنما وافق على ذلك لمحبته فيَّ وفي تعليمي. فقال: أبصروا مسألة فيها أقوال بقدر عددكم، وينصر كل منكم مقالة يختارها من تلك الأقوال، ويجلس يبحث معي. فقلت أنا: مسألة الحرام. فقال: بسم الله، انصرفوا فليطالع كل منكم ويحرر ما ينصره. فقمنا وأعمل كل واحد جهده، ثم عدنا وقد كاد الليل ينتصف، وهو جالس يتلو هو وشيخنا المسند أحمد بن علي الجزري الحنبلي ﵀، فقال: عبد الوهاب هات، حسين هات. هكذا يخصني أنا وأخي بالنداء، فابتدأ واحد من الجماعة، فقال له: إن شئت كن مستدلًا وأنا مانع، وإن شئت بالعكس. فحاصل القضية أن كلًا منا صار يستدل على مقالته، وهو يمنعه ويبين فساد كلامه إلى أن ينقطع، ويأخذ في الكلام مع الآخر، حتى انقطع الجميع. فقال له بعضنا: فأين الحق؟ فقال: أنا أختار المذهب الفلاني الذي كنت يا فلان تنصره. ونصره إلى أن قلنا: هو الحق، ثم قال: بل أختار المذهب الذي كنت يا فلان تنصره. وهكذا أخذ ينصر الجميع، إلى أن قال له بعضنا: فأين الباطل؟ فقال: الآن حصحص الحق، المختار مذهب الشافعي، وطريق الرد على المذهب الفلاني كذا، والمذهب الفلاني كذا، والمذهب الفلاني كذا، وقرر ذلك كله إلى أن قضينا العجب، وكل منا يعرف أن أقل ما يكون للشيخ الإمام عن النظر في مسألة الحرام سنين كثيرة) (١). ولئن كان السادة الفقهاء يدربون المتفقهين في مجالسهم هذه على علم النظر، فلقد حكي عنهم من أخلاقهم ما جمعوا به مع حسن القول حسن العمل. فمن ذلك الرجوع إلى الصواب متى استبان لهم، ومن شواهد هذا ما

стр. 203

يرويه عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) من أن عبد الواحد بن زياد (ت ١٧٧ هـ) قال لزفر (ت ١٥٨ هـ): صرتم حديثًا في الناس وضحكة. قال: وما ذاك؟ قال: تقولون في الأشياء كلها: ادرؤوا الحدود بالشبهات، ادرؤوا الحدود بالشبهات. فصرتم إلى أعظم الحدود، فقلتم: يقام بالشبهات! قال: وما ذاك؟ قال عبد الواحد: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقتل مؤمن بكافر))، وقلتم: يقتل به. قال: إني أشهدك أني قد رجعت عنه الساعة. قال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) معلِّقًا على ذلك: (كان زفر بن الهذيل من أفاضل أصحاب أبي حنيفة، فلما حاجه عبد الواحد في مناظرته، وفتَّ في عضده بحجته، أشهده على رجعته؛ خيفةً من مدع يدعي ثباته على قوله الذي سبق منه بعد أن تبين له انه زلة وخطأ، وكذلك يجب على كل من احتُجَّ عليه بالحق أن يقبله ويسلم له، ولا يحمله اللجاج والجدل على التقحم في الباطل مع علمه به، قال الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] (١). ومن الأخلاق الجميلة المحكية عن أئمة الهدى في مناظراتهم ما رواه العباس بن عبد العظيم العنبري (ت ٢٤٦ هـ) قال: كنت عند أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) وجاءه علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ) راكبًا على دابة، قال: فتناظرا في الشهادة وارتفعت أصواتهما، حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة، وعليٌّ يأبى ويدفع، فلما أراد علي الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه (٢). ومن أخلاق الكمال في المناظرة ما حكاه أبو محمد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ) فقال: (ناظرت رجلًا من أصحابنا في مسألة فعلوته فيها لبكوء كان في لسانه، وانفصل المجلس على أني ظاهر، فلما أتيت منزلي حاك في نفسي منها شيء،

стр. 204

فتطلبتها في بعض الكتب فوجدت برهانًا صحيحًا يبين بطلان قولي وصحة قول خصمي، وكان معي أحد أصحابنا ممن شهد ذلك المجلس فعرَّفته بذلك، ثم رآني قد علمت على المكان من الكتاب، فقال لي: ما تريد؟ فقلت: أريد حمل هذا الكتاب وعرضه على فلان وإعلامه بأنه المحق وأني كنت المبطل وأني راجع إلى قوله. فهجم عليه من ذلك أمر مبهت، وقال لي: وتسمح نفسك بهذا! فقلت له: نعم، ولو أمكنني ذلك في وقتي هذا لما أخرته إلى غد. واعلم أن مثل هذا الفعل يكسبك أجمل الذكر مع تحليك بالإنصاف الذي لا شيء يعدله. ولا يكن غرضك أن توهم نفسك أنك غالب، أو توهم من حضرك ممن يغتر بك ويثق بحكمك أنك غالب، وأنت بالحقيقة مغلوب، فتكون خسيسًا وضيعًا جدًّا وسخيفًا البتة وساقط الهمة) (١). وبالرغم مما ذكر من كثرة توكيد العلماء على ضرورة التزام الآداب في مجالس النظر إلا أن انكفاف النفس عن بعض حدتها وانتصارها في مشاهد المغالبة عزيز، ولذا كره المناظرة من كرهها، ونأى بنفسه أو بغيره عنها من نأى؛ لأنه يتباعد بفضله عن المضايق التي ربما اضطرته إلى ما لا يرضاه لنفسه أو لغيره من الاستطالة. ومن الأمثلة على هذا ما روي من سؤال بعض الشافعية لأبي عمران الفاسي (ت ٤٣٠ هـ) عن الحجة فيما يقوله في مجلس ضمه مع القاضي أبي بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ) ببغداد، فأطرق الشيخ أبو عمران، فرفع رأسه شاب من أهل بغداد من المالكية فقال للسائل: أصلحك الله، هذا شيخ من كبار شيوخنا، ومن الجفاء أن تكلفه المناظرة من أول وهلة، ولكن أنا أخدمه في نصرة هذه المسألة وأنوب عنه فيها (٢). وقال الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) لمحمد بن الحسين (ت ١٨٩ هـ) أوَّل ما سأله المناظرة: إني أجلك عن المناظرة (٣). وألح عليه في المناظرة يومًا في مسجد الخيف من

стр. 205

مني، فقال له الشافعي: لا نريد ذلك؛ فإن المناظرة تنكت في القلب، ولك صداقة (١). وقال عبد الله بن حسن (ت ١٤٥ هـ) في هذا المعنى: (المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه أن تكون المغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة) (٢). ولذا فإنه كثيرًا ما يعرض للمتصفح لأخبار الفقهاء أن يجد فقيهين من الفقهاء الكبار يُذكر (بينهما من المنافرة في المناظرة ما يكون بين الأقران) (٣). وهذا مما يفسر سبب اعتزال جماعة من كبار الفقهاء لمجالس المناظرة بعدما كانوا واسطة العقد منها، وانصرافهم إلى التنسك والتعبد لله تعالى، كأبي يعقوب يوسف بن وهرة الهمذاني (ت ٥٣٥ هـ) الذي تفقه بأبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ) حتى برع وفاق أقرانه خصوصًا في علم النظر (ثم ترك كل ما كان فيه من المناظرة وخلا بنفسه، واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى ودعوة الخلق إليها وإرشاد الأصحاب إلى الطريق المستقيم) (٤). وأبي الفتح الأسمندي (ت ٥٥٢ هـ) الذي كان مناظرًا بارعًا من فحول فقهاء الحنفية، ثم إنه (تنسك وترك المناظرة واشتغل بالخير إلى أن توفي إلى رحمة الله) (٥). وتقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ) الذي تقدم وبرع وناظر، ثم (أعرض عن كثرة البحث والمناظرة، وأقبل على التلاوة والتأله والمراقبة) (٦). وإنما انصرف هؤلاء وأمثالهم عن مجالس المناظرة للآفات التي عاينوها وتفطنوا لها، فإن هذه الآفات إن لم يتداركها علم وورع فإن صاحبها على خطر مما قد تفضي به إلى مآل السوء. ولهذا نبّه أهل العلم إلى التعامل بحذر مع المناظرات التي يحكيها أهل كل مذهب عن علمائهم، فإن الراوي ربما

стр. 206

تزيَّد في حكاية المناظرة ليظهر قدوته بمظهر الغالب، وربما كان مغلوبًا في نفس الأمر، ولذا فإن المناظرة الواحدة ربما حكاها أصحاب كل واحد من المتناظرَين، فنسب كل منهم صاحبه إلى الغلبة، وهذا كثير في المناظرات، مما يوجب الحيطة والتأني في نسبة الأقوال أو الأدلة كما قد تقدم ذكره (١).

стр. 207

تقدم في بيان معنى المناظرة أنها لاستخراج الصواب وإظهار الحق، وهذا بلا ريب غرض شريف من أغراضها، غير أن فائدة مجالس البحث والنظر غير مختصة بهذا المعنى، بل لها فوائد وثمرات كثيرة تكلم الفقهاء فيها وحثوا على الاعتناء بها، فمن ذلك ما يأتي بيانه: ١ - استخرج ملكة التفقه: فالتفقه لا يكون بالمطالعة ولا بالسماع المجردين، بل بالمناظرة والمناقشة والمخاوضة والمدافعة، فبذلك يستنبط الفقه من القلوب كما يستنبط الماء من أغواره، ولم تزل تلك جادة الفقهاء في تعليم الفقه وتفهيمه. وقد كان أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ) يتفقه بذلك، وكان كثيرًا ما يراجع شيخه حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ) ويناظره (١). بل قال الزرنوجي (ت ٥٩١ هـ): (وإنما تفقه أبو حنيفة رحمه الله تعالى بكثرة المطارحة والمذاكرة في دكانه حين كان بزازًا) (٢). كما كان يُفقِّه أصحابه بذلك، حيث روى سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) فقال: مررت بأبي حنيفة في المسجد، وإذا أصحابه حوله قد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة، ألا تنهاهم عن رفع الصوت في

стр. 208

المسجد؟ فقال: دعهم فإنهم لا يتفقهون إلا هكذا (١). وكان قاضي القيروان أبو العباس بن طالب (ت ٢٧٥ هـ) مشغوفًا بالمناظرة متطلعًا إليها، وكان يجمع في مجلسه بين المختلفين ويغري بينهما في المناظرة ويصل أهلها بالصلات الجزلة (٢). فالمناظِر مع خصمه لا يكاد يرى الواحد منهما في حجة الآخر وهنًا إلا انقضَّ عليه من جهته، فيستفز خصمه إلى إحكام قوله وضبطه أو الرجوع عنه، وهذا مما تستحكم به مريرة المتفقه، ويتدرب عليه في مجالس المناظرة والمطارحة حتى يشتدَّ عوده، ومن لم يكن من أهل التحقيق والغوص في أصول المسائل ومبانيها دخل عليه الوهن ولم يثبت في المناظرة إلا باللجاج والمكابرة. فكان للمناظرة بذلك فضل التفهم والتأمل الذي يخرج بصاحبه عن جدِّ الاكتفاء بظاهر الخلاف، والاكتفاء بظاهر الخلاف دون فقه لمبانيه ومتعلقاته ضعف وعجز. قال أبو القاسم بن محرز القروي المالكي: (من لم يبلغ فكره إلى معرفة المعنى يفزع إلى الاستراحة من إتعاب فكره إلى التعلق بظاهر الاختلاف) (٣). والمتفقه لا يزال في جهدٍ من ذلك وعناء يتطلب منه كثرة المباحثة والمراجعة، حتى يعود ذلك له كالسجية والملكة التي استخرجها طول التعاهد والتدرب. قال أبو سليمان المنطقي (ت ٣٧١ هـ): (المناظرات دُربةٌ وتجربة) (٤). ٢ - تنظيم فكر المتفقه وتدريبه على الانضباط الفقهي والأصولي: وذلك أن المناظرة لها أصولها وقواعدها التي من خرج عنها خرج من الضبط العلمي المنهجي إلى العبث والشغب، ولذا قال الفخر الرازي (ت ٦٠٦ هـ) لإنسان ناظره فأخذه اللجاج: (إنك الآن خرجت عن قانون البحث

стр. 209

والنظر وشرعت في تشغيب العوام والجهال) (١). فلابد للمتناظرين أن يفقه كلٌّ منهما حقيقة قوله وحجته ووجوه الدلالة منها ويدرك مبناها ومآلها وما يرد من الاعتراض عليها، ثم يلتزم مع ذلك بآداب البحث والنظر العلمية والأخلاقية، فإذا اختلَّ ذلك لم تُعرف مزية العالم على الجاهل. قال المزني (ت ٢٦٤ هـ) لبعض مخالفيه في الفقه: من أين قلتم كذا وكذا؟ ولم قلتم كذا وكذا؟ فقال له الرجل: قد علمت يا أبا إبراهيم أنا لسنا لمِّية، فقال المزني: إن لم تكونوا لمية فأنتم إذن في عمِّية (٢). ولهذا كان الفقهاء يعلِّمون طلبتهم ومناظريهم ضرورة الانضباط للخروج من المناظرة بنتيجة تعود على المتناظرين بالفائدة. ومثال ذلك نصيحة الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) للمغيرة (ت ١٨٦ هـ) بعد مناظرته لأبي يوسف (ت ١٨٢ هـ) حيث سأله المغيرة: كيف رأيت مناظرتي للرجل؟ فقال: رأيتك مستعليًا عليه، غير أنك كنت تترك شيئًا. قال: وما هو؟ قال: كنت إذا ظهرت عليه في مسألة فضاقت به، أخرجك إلى غيرها وتخلص منك بذلك، وكان ينبغي لك ألا تفارقه فيها حتى تفرغ منها (٣). وكان الشافعي إذا ناظره إنسان في مسألة عدا منها إلى غيرها قال له: نفرغ من هذه المسألة ثم نصير إلى ما تريد (٤). وقال أبو محمد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ): (واعلم أن من ترك ما هو فيه مع خصمه من المناظرة وخرج إلى مسألة أخرى، فجاهل مشغب منقطع، كمثل ما شاهدنا كثيرًا ممن ترك ما هما بسبيله، وجعل يتعقب لحن خصمه في كلامه، ولسنا نقول هذا نصرًا للحن ولكن نصرًا للحق وتركًا للاشتغال بغير ما شرعا فيه) (٥). والفقيه أثناء المناظرة ربما نبَّهه خصمه إلى أمر لم يكن منه بحسبان، فأدرك من سياق الجدل مواضع الوهاء فيما يحتج به وله، فاستدرك الضعف

стр. 210

وأحكم القول، وبذلك تتمحص الآراء ويمتاز القوي من الضعيف، وفي هذا المعنى يقول محيي الدين بن الجوزي (ت ٦٥٦ هـ) في فائدة الجدل: (ولولاه لاشتبه التحقيق في المناظرة بالمكابرة، ولو خُلِّي كل مدَّعٍ ودعوى ما يرومه على الوجه الذي يختاره، ولو مُكِّن كل مانع من ممانعة ما يسمعه متى شاء، لأدَّى ذلك إلى الخبط وعدم الضبط) (١). ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أبو بكر قاضي القضاة الشامي الشافعي (ت ٤٨٨ هـ) لما عقد له مجلس ببغداد، وناظره الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) واحتج عليه بأن الإجماع منعقد على خلاف ما عملت به، فقال الشامي: إذا كنت أنا الشيخ في هذا الوقت أخالفكم على ما تقولون، فبمن ينعقد الإجماع؟ بك وبأصحابك؟ (٢). ٣ - تصور الحقائق والتعريف بمآلات الأقوال: فالمناظرة لها غرض لا بد من المحافظة عليه، ولا سبيل إلى المحافظة إلا بمعرفة ما هو الأصل، ومعرفة كيفية البناء على ذلك الأصل (٣). فإن اعترضت شبهة في المعنى تمنع من تصوره (فينبغي أن يزيل تلك الشبه عن نفسه بالسؤال والنظر؛ ليصل إلى تصور المعنى وإدراك حقيقته. ولذلك قال بعض العلماء: لا تخل قلبك من المذاكرة فيعود عقيمًا، ولا تعف طبعك من المناظرة فيصير سقيمًا) (٤). ويروى عن زفر (ت ١٥٨ هـ) أنه قال: إني لست أناظر أحدًا حتى يقول: لقد أخطأت، ولكن أناظره حتى يجن. قيل: فكيف يجن؟ قال: يقول بما لم يقله أحد (٥).

стр. 211

فالمناظرة تبصِّر أطرافها بحقيقة قولهم، كما تُعرِّفهم بمآلات قولهم ولوازم مذهبهم وتبعات استرسالهم في معناه، فربما اضطرتهم المكابرة إلى التزام ذلك حتى يقولوا بما هو خارج عن كلام العقلاء، إلا أن يكون لهم من ذلك مخرج صحيح أو رجوع عن مذهبهم الذي بصرتهم المناظرة بمآلاته. ٤ - معرفة أقدار الفقهاء ومراتبهم والتفاضل بينهم: ومن ذلك أن مناظرة الفقهاء الواردين على البلد من قبل فقهائه كانت سبيلًا إلى معرفة فضلهم ورتبتهم في العلم والفقه، وهذا كثير في الأخبار والسير، كأبي سعيد البوشنجي (ت ٥٣٦ هـ) الذي دخل نيسابور وحضر مجالس النظر فارتضاه الأئمة الفقهاء (١). وربما تولى بذلك خطة من خطط البلد من قضاء أو إفتاء ونحوه، كأبي معمر الروياني (ت ٥٣١ هـ) الذي دخل مرو وناظر فيها حتى فوَّض إليه وزيرها قضاءها (٢). والتصرف في مضايق النظر في المجالس بحضرة الفقهاء بمقال سديد وجواب حاضر لا يكون إلا من ذوي الفهم الراسخ والمكابدة الطويلة للعلم ومسائله، قال ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ): (ليس كل عالم تتأتى له الحجة ويحضره الجواب ويسرع إليه الفهم بمقطع الحجة، ومن كانت هذه خصاله فهو أرفع العلماء وأنفعهم مجالسة ومذاكرة، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (وليس كل من وجد العلم قدر على التعبير عنه والاحتجاج له، فالعلم شيء، وبيانه شيء آخر، والمناظرة عنه وإقامة دليله شيء ثالث، والجواب عن حجة مخالفه شيء رابع) (٤). وحسبك لتعلم فضل مثل هذا أن ترى في الناس مثل ذلك الذي حكى

стр. 212

عنه أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) فقال: (ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلًا يناظر في مجلس حفل وقد استدل الخصم عليه بدلالة صحيحة، فكان جوابه عنها أن قال: هذه دلالة فاسدة، ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها، وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه! فأمسك عنه المستدل تعجبًا؛ لأن شيخه كان محتشمًا. وقد حضرت طائفة يرون فيه مثل رأي هذا الجاهل، ثم أقبل المستدل عليَّ وقال لي: والله لقد أفحمني بجهله. وصار سائر الناس المبرَّئين من هذه الجهالة ما بين مستهزئ ومتعجب، ومستعيذ بالله من جهل مُغرب) (١). فمثل هؤلاء يصدق عليهم قول العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ): (فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ولم أهتد إليه! ولا يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله، ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح. فسبحان الله! ما أكثر من أعمى التقليد بصره حتى حمله على مثل ما ذكرته. وفقنا الله لاتباع الحق أينما كان وعلى لسان من ظهر، وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر على لسان الخصم) (٢). ٥ - التكامل العلمي: فالمناظرة داعية إلى الاشتغال بعلوم لا تستقيم المناظرة بدونها، وربما دخل النقص في المناظرة من جهة فقدانها أو نقصانها، والمتفنن في العلوم أقدر على التخوض في المعاني المشتركة وكثرة الإيراد على الخصوم من العري من ذلك. بلى ربما كان الخصم راسخًا في فنه رسوخ المتمكن الذي يتسلط بعلمه ووفور عقله على إيرادات خصمه، غير أن الجامع بين الأمرين أكمل وأمكن من غيره. قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): (ما ناظرت قط رجلًا مفنَّنًا في العلوم إلا غلبته، ولا ناظرني رجل ذو فن واحد من العلم

стр. 213

إلا غلبني فيه) (١). وكان ابن فارس اللغوي (ت ٣٩٥ هـ) إذا وجد فقيهًا أو متكلمًا أو نحويًّا أمر أصحابه بسؤاله، وناظره في مسائل من جنس العلم الذي يتعاطاه، فإن وجده برعًا جدلًا جرَّه في المجادلة إلى اللغة فيغلبه عليها، وكان يحث الفقهاء دائمًا على اللغة ويلقي عليهم مسائل ذكرها في كتاب سماه (فتيا فقيه العرب) ويخجلهم بذلك؛ ليكون الخجل دعاية لهم إلى حفظ اللغة (٢). ٦ - نضج الآراء واستحكامها وظهور الصواب: وقد مضى ذكر ذلك وأنه الغرض من المناظرة. قال ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): (المجادلة إنما وضعت ليستبين الصواب، وقد كان مقصود السلف المناصحة بإظهار الحق، وقد كانوا ينتقلون من دليل إلى دليل وإذا خفي على أحدهم شيء نبهه الآخر؛ لأن المقصود كان إظهار الحق) (٣). وقال الزرنوجي (٥٩١ هـ): (ولا بد لطالب العلم من المذاكرة والمناظرة والمطارحة، فينبغي أن يكون بالإنصاف والتأني من المباحثة والإنصاف، ولا يحصل ذلك بالشغب والغضب) (٤). وقد تجادل أصحاب رسول الله ﷺ يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صار الحق في أهله (٥). ولا يلزم لظهور الحق إذعان الخصم له، بل يكفي انقطاعه وذهاب حجته، فأما التسليم والانتقال إلى قول الآخر فهو حاصل كثيرًا في مناظرات الفقهاء، غير أنه ليس بلازم في ظهور الصواب، فالمشتغلون بالعلم فضلًا عن

стр. 214

العلماء يميزون بين المناظرة والمكابرة، وقد قال الملك الناصر صلاح الدين (ت ٥٨٩ هـ) واصفًا بعض مجالس النظر: (كان المجير الفقيه يتكلم مع الجمال الحنفي، فكان الجمال يبقبق، والمجير يحقق) (١). وقال القاضي أبو يوسف (ت ١٨٩ هـ): (إثبات الحجة على الجاهل سهل، ولكن إقراره بها صعب) (٢). وقال الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): (لا يمكن أحدًا من الخلق يكلم أحدًا وإن كان نبيًّا مرسلًا حتى يذهب لسان الآخر، ولكن بحسبك أن يستبين عند ذوي الأقدار أنه قد قام بالحجة) (٣). وقال ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ): (واقنع من خصمك بالعجز عن أن ينصر قوله، ولا تطالبه بالإقرار بالغلبة، فليس ذلك من فعال أهل القوة. وهذا باب لا ينتج شيئًا إلا العداوة وأن توصف بلؤم الظفر) (٤). ٧ - رسوخ العلم وبقاؤه وثباته: فإن المناظرة فيها مزيد بحث ونظر وتدقيق من شأنه أن يثبت العلم ويوثقه، وفائدتها أقوى من فائدة مجرد التكرار لأن فيها تكرارًا وزيادة (٥). والذي ينهض للجدال في مسألة منتصرًا لها وذابًا عن حجتها أثبت فيها ممن قنع من ذلك بالدرس المجرد، وإدمان المناظرة مع الأقران على جهة التعلم أمكن للعلم في قلوب المتناظرين، وكان هذا من دأب الفقهاء في تحصيلهم للفقه ومذاكرتهم له، حتى ذكر عن الإسبيجابي (ت ٥٣٥ هـ) أنه لم يترك وشريكه في المناظرة الجلوس لها كل يوم حتى تمَّ لهما اثنتا عشرة سنة على ذلك (٦). قال الوزير ابن هبيرة (ت ٥٦٠ هـ): (فأما هذا الجدل الذي يقع بين أهل المذاهب فإنه أرفق ما يحمل الأمر فيه بأن يخرج مخرج الإعادة والدرس؛

стр. 215

ليكون الفقيه به متعبدًا محفوظه ودارسًا ما يعلمه) (١). ٨ - التعليم بالمناظرة وبعث الهمة على التعلم: قال الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): (إنما يناظر العالم ليتعلم الناس فيما بينهم، أو عالم يتعلم الناس منه) (٢). وذلك أن المناظرة فيها شرح للخلاف على صورة المحاورة بين المختلفين، فيذكران الأقوال والأدلة ويحتج كل منهما لمذهبه، وهذه الصورة داعية إلى حسن الفهم إن جرت على مقتضى أفهام الحضور، وما يتفق فيها من براعة الاحتجاج والاعتراض والتمكن من قواعد الشرع وفروعه والغوص في معانيه مما يستفز المتعلم إلى الاقتداء بأهل البحث والنظر. قال تاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ): (ما يقع في المغالطات والمغالبات في مجالس النظر يحصل به من تعليم إقامة الحجة ونشر العلم وبعث الهمم على طلبه ما يعظم في نظر أهل الحق) (٣). وقال الخليل بن أحمد (ت ١٧٠ هـ): (واجعل مناظرة المتعلم تنبيهًا على ما ليس عندك) (٤). وكان هذا من سبيل أهل العلم في مناظراتهم، فكما يقصدون بها تحري الصواب والرد على المخالف فيه، فكذلك كان من همتهم فيها تعليم من حضرها وجوه الاحتجاج والاستدلال والرد والاعتراض. ومن ذلك ما روى الحارث بن سريج النقال (ت ٢٣٦ هـ) فقال: دخلت على الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) يومًا وعنده أحد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)، والحسين القلَّاس، وكان الحسين أحد تلاميذ الشافعي المقدَّمين في حفظ الحديث، وعنده جماعة من أهل الحديث، والبيت غاص بالناس، وبين يديه إبراهيم بن إسماعيل بن علية (ت ٢١٨ هـ)، وهو يكلمه في خبر الواحد، فقلت: يا أبا عبد الله، عندك وجوه
следующие страницы →