← Каваид фикха

Каваид фикха · id 204

المجالس الفقهية

هيثم بن فهد الرومي

Полный текст (260 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يعرفون أن يفتوا، وأن خاصية المفتي تنزيل الفقه الكلي على الموضع الجزئي، وذلك يحتاج إلى تبصر زائد على حفظ الفقه وأدلته، ولهذا نجد في فتاوى بعض المتقدمين ما ينبغي التوقف في التمسك به في الفقه، ليس لقصور ذلك المفتي معاذ الله، بل لأنه قد يكون في الواقعة التي سئل عنها ما يقتضي ذلك الجواب الخاص فلا يطَّرد في جميع صورها، وهذا قد يأتي في بعض المسائل، ووجدناه بالامتحان والتجربة في بعضها ليس بالكثير، والكثير أنه مما يتمسك به، فليتنبه لذلك فإنه قد تدعو الحاجة إليه في بعض المواضع، فلا نلحق تلك الفتوى بالمذهب إلا بعد هذا التبصر) (١). ٢ - فهم كلام أهل العلم على وجهه، والنظر إلى سياقه واختلاف مقام العالم فيه؛ فإن اختلاف السياقات مؤثر في نسبة الأقوال إلى أصحابها، ولا تنبغي العجلة في شيء من ذلك قبل الاطلاع على غرض الكلام الذي صدر عنه. ولما قال محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) للشافعي (ت ٢٠٤ هـ): بلغني أنك تخالفنا في الغصب. قال له الشافعي: أصلحك الله، إنما هو شيء أتكلم به على المناظرة (٢). فكان مقررًا عندهم أن ما يناظر عليه المناظر لا يكون بالضرورة قولًا له، بل ربما كان يناظر عن قول لم يتحرر له بعد على سبيل الاختيار، أو يناظر عن مذهب إمامه وله اختيار يخالفه، أو تكون المناظرة على جهة التعليم، أو غير ذلك. قال البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) معلِّقًا على تكذيب الربيع (ت ٢٧٠ هـ) لمن حكى قولًا للشافعي في بعض المسائل يخالف المشهور من مذهبه: (يحتمل أن يكون صادقًا في هذه الحكاية، وهذا مختصر من حكاية ابن عبد الحكم عن الشافعي في مناظرة جرت بينه وبين محمد بن الحسن في عيبه أهل المدينة بذلك، وذبّ الشافعي عنهم على طريق الجدل، فأما المذهب فما وضعه في كتبه المصنَّفة من تحريمه) (٣). وقد روى حماد بن

стр. 37

سلمة (ت ١٦٧ هـ) عن إياس بن معاوية (ت ١٢٢ هـ) أنه قال: (لا تنظر إلى ما يعمل الفقيه؛ فإنه يصنع الأشياء يكرهها، ولكن سله يخبرك بالحق) (١). ولأجل هذا المعنى وغيره كان أهل العلم يؤكدون على ضرورة تلقي العلم من الشيوخ، وعدم الاكتفاء عنهم بمطالعة الكتب؛ لأن من العلم ما لا ينقل في الكتب. والتأليف صناعة يمهر فيها خلق ولا يحسنها آخرون، وربما كان الفقيه حسن التعليم غير أنه لا يحسن نقل ذلك إلى الكتاب. ومن ثمَّ تواترت نصيحة العلماء بملازمة الشيوخ والقراءة عليهم. بل إن من الناس من يفسِّر صعوبة بعض الكتب بتعمد أصحابها ذلك حرصًا منهم على أن يؤخذ العلم من أهله، وأن يفيد الطالب من أخلاق الشيخ وخبرته ومهارته التي يتعذر نقلها (٢). يقول الخليل بن أحمد (ت ١٧٠ هـ): (من الأبواب ما لو نشاء أن نشرحه حتى يستوي في علمه القوي والضعيف لفعلنا، ولكنا نحب أن يكون للعالم مزية) (٣). ولما كتب أبو سعيد السيرافي (ت ٣٦٨ هـ) كتابه ((الإقناع)) في النحو قال عنه ابنه يوسف (ت ٣٨٥ هـ): (وضع أبي النحو في المزابل بالإقناع)، يريد أنه سهّله حتى لا يحتاج إلى مفسّر (٤). فمجالسة الشيوخ ومشافهتهم والأخذ عنهم لها أثرها الكبير في العلم والتربية والترقي بالمتفقه من صغار العلم إلى كباره في المسائل والسلوك. قال أبو إسحاق الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ): (فكم من مسألة يقرئها المتعلم في كتاب ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضرة، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال، وإيضاح موضع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم، ظاهر الفقر بادي الحاجة إلى ما يلقي إليه. وهذا ليس ينكر؛ فقد نبه عليه الحديث الذي

стр. 38

جاء أن الصحابة أنكروا أنفسهم عندما مات رسول الله ﷺ (١)، وحديث حنظلة الأسيدي ﵁ حين شكا إلى رسول الله ﷺ أنهم إذا كانوا عنده وفي مجلسه كانوا على حالة يرضونها، فإذا فارقوا مجلسه زال ذلك عنهم، فقال رسول الله ﷺ : ((لو أنكم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها)) (٢). وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: ((وافقت ربي في ثلاث)) (٣)، وهي من فوائد مجالسة العلماء؛ إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم، ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم، وتأدبهم معه واقتدائهم به، فهذا الطريق نافع على كل تقدير) (٤). فإذا تقرر هذا فإن الجلوس إلى العلماء ليس على مرتبة واحدة بل هو مراتب شتى، فما يلقيه العالم في مجلس درسه على الملأ ليس كالذي ينهيه للخاصة من تلامذته، وليس كالذي يستجمع له ذهنه عند التصنيف من التحرير والتحقيق والتدقيق، بل لقد ذكر الشهاب الخفاجي ونقل (ت ١٠٦٩ هـ) أن من الألفاظ المولدة المشهورة في كلام المصنفين استعمال كلمة (تدريس) في الكلام الظاهري الذي يقال في مجالس التدريس من غير تحقيق، فهو بخلاف الكلام التحقيقي الذي يثبت في الكتب والصحائف، وربما قال فيه بعضهم: (كلام مسجدي)؛ لأن حلق التدريس في المساجد (٥). وليس في هذا انتقاص لمقام التدريس ومكانته، بل فيه تنبيه لاختلاف مقام التدريس عن مقام التحقيق، فالتدريس أخذ لجادة العلم وبيان لمشهوره، أما التحقيق والتدقيق فله

стр. 39

مقام آخر، وقد كان للخاصة من المتفقهين مع أساتذتهم مجالس خاصة ينهضون فيها لمقام التحقيق والتدقيق، وربما قرأ الواحد منهم الكتاب على شيخه قراءتين أو أكثر فتكون إحداهما قراءة درس، والأخرى قراءة بحث وتدقيق، وهذا كثير في أخبارهم (١). ٣ - معرفة أقدار أهل العلم وما يفتحه الله للواحد فالواحد منهم من المواهب والملكات، فالعلم حظوظ كحظوظ المال، فرُبَّ عالم فتح عليه في التعليم ما لم يفتح عليه في القضاء والمناظرة (٢)، ورُبَّ فقيه مقدَّم في الفتيا لا يحسن التأليف ولا يشتغل به، ومن اجتمعت همته على ما وافق طبعه فأتقنه وأحسن فيه لم يجمل الاستدراك عليه بما لا يوافق طبعه من المذاهب ولا عيبه بترك الاشتغال بها. قال حبيب بن الشهيد (ت ١٤٥ هـ): قال لي إياس بن معاوية (ت ١٢٢ هـ): (إن أردت الفقه فعليك بمعلمي ومعلم أبي الحسن بن أبي الحسن، فإن أردت الفتيا فعليك بعبد الملك بن يعلى، وإن أردت القضاء فعليك بعباد بن منصور، وإن أردت الصلاح فعليك بحميد الطويل، وإن أردت الشغب فعليك بصالح السدوسي) (٣). ومع هذا الثناء من إياس على الحسن (ت ١١٠ هـ) في الفقه فقد قال مرة لمن نقل له اعتراض الحسن على قضية له: (إذا جاء الحسن فقل له

стр. 40

يلزم سارية من السواري، فنحن أعلم بالحكم منك) (١). وحكى ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) عن عبد الغافر الفارسي (ت ٥٢٩ هـ) أنه قال في أبي حامد البيهقي الشافعي: (ورأيته كان يحضر مجالس المناظرة، وحظُّه في حفظ المذهب أوفر منه في الخلاف، وكان محترمًا معظَّمًا عند الصدور والأئمة لفضله ولفتواه) (٢). وقال ابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) في ترجمة أبي المظفر الخوافي (ت ٥٠٠ هـ): (كان في المناظرة أسدًا لا يصطلي له بنار، قادرًا على قهر الخصوم وإرهاقهم إلى الانقطاع. قال معاصروه: رزق من السعد في المناظرة كما رزق الغزالي من السعد في المصنفات) (٣). وقال ناصح الدين بن الحنبلي (ت ٦٣٤ هـ) في وصف ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): (وكانت مجالسه أكثر فائدة من مجالسته) (٤). فالناس طبائع شتى، وأحوال القيام بين الناس متفاوتة، وليس من شرط العالم أن يكون رابط الجأش مستجمع الفؤاد، وربما حَصِر العالم في المحفل الكبير فأسعفه من هو أقل منه علمًا، أو عزبت عنه مسألة فذكره بها من هو في طبقة تلامذته، فحفظ المسألة وفهمها شيء واستحضارها عند دعاء الحاجة إليها شيء آخر. قال أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ): (ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتابًا جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا بعلمه، حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل، لم أعرف لشيء منها جوابًا، فأطرقت مفكِّرًا وبحالي وحالهما معتبرًا، فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا: إيهًا لك. وانصرفا. ثم أتيا من قد يتقدمه في العلم كثير من أصحابي،

стр. 41

فسألاه فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما، وانصرفا عنه راضيين بجوابه مادحين لعلمه، فبقيت مرتبكًا وبحالهما وحالي معتبرًا، وإني لعلى ما كنت عليه في تلك المسائل إلى وقتي) (١). فربما عرض للراسخ في العلم من الدهشة والذهول حتى ليظن به الجهل وإنما هو العيُّ والحَصَر الذي يعرض للخطيب المفوَّه والعالم المقدَّم، وقد قال الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) في خطبة كتابه ((البيان والتبيين)): (اللَّهُمَّ إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العيِّ والحصر. وقديمًا ما تعوذوا بالله من شرهما وتضرعوا إلى الله في السلامة منهما) (٢). وفي هذا المعنى يقول أبو بكر الرازي (ت ٣١١ هـ): (وربما أشكل على العالم النحرير المسألة التي يجيب عنها أقل تلامذته علمًا وأحلُّهم فهمًا، لا أنه ليس يحفظها أو لم يقرأها ولم يسمعها، لكن لعوز الكمال في الإنسان) (٣). وفي المناظرة المشهور بين أبي سعيد السيرافي (ت ٣٦٨ هـ) ومتَّى بن يونس (ت ٣٢٨ هـ) التي انعقدت سنة ٣٢٦ هـ في مجلس الوزير ابن الفرات (ت ٣٢٧ هـ) بمشهد جماعة من العلماء، تكلم متَّى بمراده فأحجم القوم وأطرقوا، فقال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ومناظرته وكسر ما يذهب إليه، وإني لأعُدُّكم في العلم بحارًا، وللدين وأهله أنصارًا، وللحق وطلابه منارًا، فما هذا الترامز والتغامز اللذان تَجِلُّون عنهما؟ فرفع أبو سعيد السيرافي رأسه فقال: اعذر أيها الوزير، فإن العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس، على الأسماع المصيخة والعيون المحدقة والعقول الحادة والألباب الناقدة؛ لأن هذا يستصحب الهيبة والهيبة مَكسَرة، ويجتلب الحياء والحياء مَغلبَة، وليس البِراز في معركة غاصة كالمِصاع في بقعة خاصة (٤).

стр. 42

المجلس الأول مجلس التعليم قال الله ﷻ : ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] قال ابن عباس ﵁: (هم الفقهاء المعلِّمون). (تفسير ابن أبي حاتم/٢/ ٦٩١) (ذهب العلماء فلم يبق إلا المتعلمون، ما المجتهد فيكم اليوم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم). مجاهد. (تاريخ ابن أبي خيثمة/١/ ٢٩٣) (لا ينبغي لأحد عنده علم أن يترك التعليم). الإمام مالك. (ترتيب المدارك، القاضي عياض/١/ ١٥٣) (المدار على حصول غاية التعليم، وهي الوصول للمقصود من الهداية إلى ما الإنسان بصدده، لا كثرة الطلبة من غير وصول أحد منهم لذلك). (ثبت الإمام ابن حجر الهيتمي/٤٠٩) (والإنسان بالتعلم والتكلف وبطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكماء يجود لفظه ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم). (البيان والتبيين، الجاحظ/١/ ٨٦) (والعرب كانوا إذا ما استولوا على مدينة صرفوا همَّهم إلى إنشاء مسجد وإقامة مدرسة فيها). (حضارة العرب، غوستاف لوبون/٤٣٤) (إذا ما سبَّ البحَّارة قبطانهم، وسبًّ المرضى طبيبهم، فإلى من عساهم يُصغون؟). (التأملات، ماركوس أوريليوس/١٣٢)

стр. 43

مجلس التعليم رأس مجالس الفقه وتاجها، وزينتها وسراجها، وهو مجلس النبي الأعظم والرسول الأكرم والمعلم الأقدم ﷺ ، قال الله ﷻ : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال النبي ﷺ : ((إن الله لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا)) (١)، وروى ابن ماجه والدارمي من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((وإنما بُعثت معلِّمًا)) (٢)، وقال قائل لسلمان الفارسي ﵁: (علمكم نبيِّكم ﷺ كل شيء) (٣). فرسول الله ﷺ خير المعلمين ومقدَّمهم، وأكثرهم علمًا وأحسنهم تعليمًا وتفهيمًا، وكان من كرامة الله ﷻ له أن هيَّأ له من الأصحاب ثُلَّةً هم سادة الفقهاء من أمته، وآتاهم من الفهم والنجابة والذكاء والتقوى ما مكنهم به من أن يكونوا خير حملة لدينه الخاتم، فنهضوا يعلمون الأمة ويؤدبونها بآداب الشريعة ويفقهونها في دين الله تعالى. وكان رسول الله ﷺ يتعاهدهم بالعلم والفقه، ويعلمهم كيف يجتهدون ويستنبطون، وكيف يعلمون الناس من بعده،

стр. 44

فكان ﷺ خير المعلِّمين وكانوا خير المتعلمين ﵃. قال أبو إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ): (اعلم أن أكثر أصحاب رسول الله ﷺ الذين صحبوه ولازموه كانوا فقهاء) (١). وقال أبو شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ): (والفقه كان شعار أكثر أصحاب رسول الله ﷺ الذين صحبوه ولازموه، ورُزقوا فهم ما تلقوه عنه وسمعوه) (٢). فكان رسول الله ﷺ يجلس في مسجده ويلتف حوله أصحابه ﵁ على هيئة الحلقة التي هي كالهضبة الشماء، والذروة التي تفاخر بها الأرض السماء، وقد سبق من حديث أبي واقد الليثي ﵁ في حديث النفر الثلاثة: (فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا) (٣). وكان الصحابة ﵁ يتنافسون في مجلسه ﷺ ، حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١]، قال قتادة (ت ١١٧ هـ): (كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلًا ضنُّوا بمجلسهم عند رسول الله ﷺ فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض) (٤). وقد كان له ﷺ في نفوس أصحابه ﵁ من الجلالة والهيبة وعظم الشأن ونفوذ الأمر ما أغناه الله به عن تكلف هيئة سوى هيئة المتخشع (٥)،

стр. 45

فكان على أكمل هيئة يكون عليها معلِّم، كما كان أصحابه على أكمل هيئة يكون عليها متعلم. ومع ذلك فقد آتاه الله من حسن التعليم وأساليبه ووسائله، ومن حسن تربية أصحابه وتزكية نفوسهم وإصلاح أخلاقهم ما هو معلوم مشهور، وقد قال فيه معاوية بن الحكم ﵁: (فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه) (١). فهذه الحال التي كان عليها أمر النبي ﷺ وصحابته في التعليم كانت أكمل الأحوال، فإن من الناس من يكون غزير العلم تام المعرفة جليل الحكمة، غير أنه ليس له من أدوات البيان ما يتمكن به من توريث علمه، أو لا يتهيأ له من طلبة العلم من يكونون بإزاء تعليمه وتفهيمه، وقد روي من كلام الليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ): (ما هلك عالم قط إلا ذهب ثلثا علمه ولو حرص الناس) (٢). ومتى اجتمع في المعلِّم العلم الراسخ مع البيان التام، وتوافر في أصحابه الفهم والحرص والنجابة وحسن النية أفلح التعليم ورشد، ولم تجتمع هذه الهيئة قط كما اجتمعت في رسول الله ﷺ وصحابته ﵁. فكان رسول الله ﷺ كالغيث الذي أغاث الله ﷻ به الأرض، وكان أصحابه ﵁ كالأودية التي تجري في الأرض فتحيا بها البلاد والعباد. قال شهاب الدين القرافي (ت ٦٨٤ هـ) واصفًا أصحاب النبي ﷺ : (كانوا بحارًا في العلوم على اختلاف أنواعها من الشرعيات والعقليات والحسابيات والسياسات والعلوم الباطنة والظاهرة... مع أنهم لم يدرسوا ورقة ولا قرأوا كتابًا، ولا تفرغوا من الجهاد وقتل الأعداء، ومع ذلك فإنهم كانوا على هذه الحالة

стр. 46

ببركته ﷺ ، حتى قال بعض الأصوليين: لو لم يكن لرسول الله ﷺ معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته) (١). ثم إن لرسول الله ﷺ بعد مجلس التعليم من مجالس الكمال في الإفتاء والقضاء والإصلاح والنصيحة والتأديب وسائر مراتب الرسالة ما هو فيه أسوة لأمته وقدوة لهم (٢). والعلماء والفقهاء بعده تبع له ﷺ وورثة في تبليغ الدين وحمله والجلوس في مجالس الفقه المختلفة في أغراضها ومقاصدها. ثم إن الصحابة ﵃ ساروا في الأرض بعد النبي ﷺ مسار الرياح اللواقح المبشِّرات، فكانوا يلقون حيث حلوا من البلاد من حملة العلم والفقه من يتلقى عنهم ما تحملوه عن النبي ﷺ من العلم والإيمان، فظل يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له، وقامت سوق العلم وعمرت مجالس الفقه أمصار المسلمين في كل أرض بلغتها خيولهم. وكان طالب الفقه يجالس الفقيه ويلزمه، ويصبر على ما يلقاه من التعب والنصب، ويحتمل الخوض في دقائق العلم وعويص المسائل، ولا يترك ملازمة الفقهاء حتى يفقه مثلهم. فقد روي أنه اجتمع إبراهيم الحربي (ت ٢٨٥ هـ) وأحمد بن يحيي ثعلب (ت ٢٩١ هـ) فقال ثعلب لإبراهيم: متى يستغنى الرجل عن ملاقاة العلماء؟ فقال له إبراهيم: إذا علم ما قالوا، وإلى أي شيء ذهبوا فيما قالوا (٣). وقيل لأبي حنيفة (ت ١٥٠ هـ): في المسجد حلقة ينظرون في القه. فقال: لهم رأس؟ قالوا: لا. قال: لا يفقه هؤلاء أبدًا (٤). فملازمة المتفقه للفقيه ضرورة تعليمية لا يمكن أن يتفقه طالب الفقه بدونها، فإن العلماء ورثة النبي ﷺ ، والصحابة بملازمتهم للنبي ﷺ أخذوا عنه العلم والإيمان والعمل والتقوى فكان أسوة لهم في شأنهم كله، وهم في تفقههم وتعلمهم من النبي ﷺ كانوا يتعلمون من كلامه وسكوته وقوله وفعله

стр. 47

ومدخله ومخرجه وسمته وهديه وتصريحه وتلميحه وإشارته ومن شأنه كله، وكذلك العلماء الذين هم ورثته ﷺ ليس الأخذ عنهم يقتصر على حفظ المسائل ونقلها، بل في مجالس الفقه إلحاق للأواخر بالأوائل، ووصل لخلف الأمة بسلفها في العلم والعمل والفقه والأدب واليقين. ولا يضير المعلم في ذلك أن يكون المتعلم أعلم منه، فإن المتعلم ربما كان كذلك، قال أبو عثمان بن الحداد (ت ٣٠٢ هـ): (المتعلم قد يكون أعلم من المعلم وأفقه وأفضل) (١)، ومع ذلك فإن الشيخ ربما كان معه من الحكمة ومعرفة وجوه العلم ما هو مفتقر إلى طول الاشتغال وامتداد الزمان وكثرة التجارب، فيكون أقعد بالعلم وإن كان بعض طلبته أكثر منه علمًا. وقد سمع الأحنف (ت ٦٧ هـ) رجلًا يقول: (التعلم في الصغر كالنقش في الحجر) فقال الأحنف: (الكبير أكبر عقلًا، ولكنه أشغل قلبًا) (٢). ومعاودة العلم ومراجعته مما يتجدد به الفهم مع تطاول الزمان، ويبدو لصاحبه منه بالتفكر فيه وبانضمام غيره إليه، والتفطن لشواهده وأمثاله ونظائره ما كان عازبًا عن ذهنه أول أمره، فيكون للكبير بذلك فضل على الصغير وإن فاقه معرفة. قال ابن سينا (ت ٤٢٨ هـ) واصفًا دراسته للعلم: (فلما بلغت ثمانية عشر عامًا من العمر فرغت من هذه العلوم كلها، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنه معي اليوم أنضج، وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء) (٣). وقد جرت لأبي يوسف (ت ١٨٢ هـ) مع شيخه أبي حنيفة (ت ١٥٠ هـ) حكاية مشهورة، حيث مرض أبو يوسف مرضًا شديدًا، فعاده أبو حنيفة مرارًا فلما رآه ثقيلًا استرجع وقال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتن معك علم كثير. ثم إن أبا يوسف رزق العافية وخرج من العلة، وأُخبر بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسه وانصرفت وجوه الناس إليه،

стр. 48

فعقد لنفسه مجلسًا في الفقه وقصَّر عن لزوم مجلس أبي حنيفة، فسأل عنه فأُخبر أنه قد عقد لنفسه مجلسًا وأنه بلغه كلامك فيه، فبعث إليه أبو حنيفة رجلًا كأنه سائل يسأله عن مسألة، فقصَّر أبو يوسف فيها وراح إلى أبي حنيفة يسأله عنها، فعاتبه أبو حنيفة وقال له: (من ظنَّ أنه يستغني عن التعليم فليبك على نفسه) (١). فكان من هدي المتفقه ملازمة الشيخ حتى يتفقه به وينتفع بطول صحبته، قال أبو الدرداء ﵁: (من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه ومجلسه مع أهل العلم) (٢)، وسئل أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ): من أين لك هذا الفقه؟ فقال: (كنت في معدن العلم والفقه، فجالست أهله، ولزمت فقيهًا من فقهائهم يقال له حماد فانتفعت به) (٣)، وقال: (لقد لزمت حمادًا لزومًا ما أعلم أن أحدًا لزم أحدًا مثل ما لزمته) (٤)، وقال: (قدمت البصرة فظننت أني لا أُسأل عن شيء إلا أجبت عنه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي أن لا أفارق حمادًا حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة) (٥)، وقال الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): (كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه) (٦). وقال: (انقطعت إلى ابن هرمز (ت ١٤٨ هـ) سبع سنين- وفي رواية: ثماني سنين-لم أخلطه بغيره، وكنت أجعل في كمِّي تمرًا وأناوله صبيانه، وأقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ، فقولوا: مشغول) (٧)، وسئل مالك:

стр. 49

أيؤخذ العلم عمن ليس له طلب ولا مجالسة؟ فقال: لا (١). وقال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ): (ولا بد للمتفقه من أستاذ يدرس عليه، ويرجع في تفسير ما أشكل إليه، ويتعرف منه طرق الاجتهاد، وما يفرق به بين الصحة والفساد) (٢). وهكذا كان الفقهاء يتلقون علم الفقه في سلسة كريمة تصل المتفقِّه بأسلافه في العلم، ومن أمثلة ذلك تلك السلسة الكريمة التي ساق فيها النووي (ت ٦٧٦ هـ) أسلافه في الفقه فقال: (فصلٌ في سلسلة التفقه لأصحاب الشافعي رحمة الله عليه، منهم إلى الشافعي ﵀ ثم إلى رسول الله ﷺ ، وهذا من المطلوبات المهمات والنفائس الجليلات التي ينبغي للمتفقه والفقيه معرفتها وتقبح به جهالتها؛ فإن شيوخه في العلم آباء في الدين، وصلة بينه وبين رب العالمين، وكيف لا يقبح جهل الإنسان والوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب، مع أنه مأمور بالدعاء لهم وبرهم وذكر مآثرهم والثناء عليهم وشكرهم، فأذكرهم مني إلى رسول الله ﷺ ، وحينئذ يعرف من كان في عصرنا وبعده طريقه باجتماعها هي وطريقتي قريبًا. فأما أنا فأخذت الفقه قراءة وتصحيحًا وسماعًا وشرحًا وتعليقًا عن جماعات، أولهم شيخي الإمام المتفق على علمه وزهده وورعه وكثرة عبادته وعظم فضله وتميزه في ذلك على أشكاله، أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثم المقدسي (ت ٦٥٠ هـ) ﵁ وأرضاه، وجمع بيني وبينه وبين سائر أحبابنا في دار كرامته مع من اصطفاه، ثم شيخنا أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي ثم الدمشقي (ت ٦٥٤ هـ)، الإمام العارف الزاهد العابد الورع المتقن مفتي دمشق في وقته ﵀، ثم شيخنا أبو حفص عمر بن أسعد بن أبي غالب الرَّبِعي بفتح الباء الأربلي (ت ٦٨٩ هـ)، الإمام المتقن ﵁، ثم شيخنا أبو الحسن سلار بن الحسن الأربلي ثم الحلبي ثم الدمشقي (ت ٦٧٠ هـ)،

стр. 50

المجمع على إمامته وجلالته وتقدمه في علم المذهب على أهل عصره بهذه النواحي ﵁. وتفقَّه شيوخنا الثلاثة الأولون على شيخهم الإمام أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ)، وتفقه هو على والده (ت ٦١٨ هـ)، وتفقه والده في طريقة العراقيين على أبي سعيد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن أبي عصرون الموصلي (ت ٥٨٥ هـ)، وتفقه أبو سعيد على القاضي أبي علي الفارقي (ت ٥٢٨ هـ)، وتفقه الفارقي على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ)، وتفقه الشيخ أبو إسحاق على القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري (ت ٤٥٠ هـ)، وتفقه أبو الطيب على أبي الحسن محمد بن على بن سهل بن مصلح الماسرجسي (ت ٣٨٤ هـ)، وتفقه الماسرجسي على أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي (ت ٣٤٠ هـ)، وتفقه أبو إسحاق على أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج (ت ٣٠٦ هـ)، وتفقه ابن سريج على أبي القاسم عثمان بن بشار الأنماطي (ت ٢٨٨ هـ)، وتفقه الأنماطي على أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيي المزني (ت ٢٦٤ هـ)، وتفقه المزني على أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁ (ت ٢٠٤ هـ)، وتفقه الشافعي على جماعات، منهم أبو عبد الله مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) إمام المدينة، ومالك على ربيعة (ت ١٣٦ هـ) عن أنس ﵁، وعلى نافع (ت ١١٧ هـ) عن ابن عمر ﵁، كلاهما عن النبي ﷺ . والشيخ الثاني للشافعي ﵀ سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) عن عمرو بن دينار (ت ١٢٦ هـ) عن ابن عمر وابن عباس ﵁. والشيخ الثالث للشافعي ﵁ أبو خالد مسلم بن خالد (ت ١٨٠ هـ) مفتي مكة وإمام أهلها، وتفقه مسلم على أبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت ١٥٠ هـ)، وتفقه ابن جريج على أبي محمد عطاء بن أسلم أبي رباح (ت ١١٤ هـ)، وتفقه عطاء على أبي العباس عبد الله بن عباس ﵁، وأخذ ابن عباس عن رسول الله ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب وعلى وزيد بن ثابت وجماعات من الصحابة ﵁ عن رسول الله ﷺ . وأما طريقة أصحابنا الخراسانيين، فأخذتها عن شيوخنا المذكورين، وأخذها شيوخنا الثلاثة عن أبي عمرو (ت ٦٤٣ هـ) عن والده (ت ٦١٨ هـ) عن أبي القاسم بن البزري

стр. 51

الجزري (ت ٥٦٠ هـ) عن أبي الحسن علي بن محمد بن على الكيا الهراسي (ت ٥٠٤ هـ) عن أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) عن والده أبي محمد (ت ٤٣٨ هـ) عن أبي بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد القفال المروزي الصغير (ت ٤١٧ هـ)، وهو إمام طريقة خراسان، عن أبي زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي (ت ٣٧١ هـ) عن أبي إسحاق المروزي (ت ٣٤٠ هـ) عن ابن سريج (ت ٣٠٦ هـ) كما سبق. وتفقه شيخنا الإمام أبو الحسن سلار على جماعات، منهم الإمام أبو بكر الماهاني، وتفقه الماهاني على ابن البزري بطريقه السابق، فهذا مختصر السلسلة. ومعلوم أن كل واحد من هؤلاء أخذ عن جماعة بل جماعات، لكن أردت الاختصار وبيان واحد من شيوخ كل واحد، وذكرت أجلهم وأشهرهم له) (١). ومن البرِّ الجميل في سيرة السادة الفقهاء والأئمة العلماء إكبارهم لشيوخهم الذين تلقَّوا عنهم العلم ممن وقعوا بينهم وبين النبي ﷺ في تلقي علم الشريعة، فمن ذلك أن النووي (ت ٦٧٦ هـ) عندما يرد ذكر بعض شيوخه المذكورين في سلسة التفقه يصفهم بأنهم (أجداده)، كما في قوله: (وقال الشيخ أبو إسحاق (ت ٤٧٦ هـ) في ((الطبقات)): كان مسلم بن خالد مفتي مكة بعد ابن جريج، وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة، وقيل: سنة ثمانين ومائة. قال: وأخذ عنه الشافعي ﵁ الفقه. قلت: ومسلم ﵁ أحد أجدادنا في سلسلة الفقه المتصلة منا إلى رسول الله ﷺ (٢). وقوله: (ومن أجلِّ من تفقَّه عليه الماسرجسي أبو إسحاق المروزي، ومن أجلِّ من تفقه على الماسرجسي القاضي أبو الطيب الطبري، وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه المتصلة برسول الله ﷺ (٣). وقريب منه قول ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) بعد ذكره لسلسلته في الفقه من طرق عدَّة: (فبيننا وبين الشافعي ﵁ من

стр. 52

الطريقة الأولى خمسة عشر أبًا) (١). وقال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) عندما ذكر جماعة من الأئمة المتقدمين الذين تتصل بهم أسانيده العلمية: (لأنهم رأس مالي، وإلى علمهم مآلي) (٢). فكانوا يجلونهم ويوقرونهم ويعرفون لهم فضلهم ويحفظون لهم حقهم، وروي أن أبا حنيفة (ت ١٥٠ هـ) قال: (ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد؛ إجلالًا له)، وكان بين داره وداره سبع سكك (٣). وقال: (ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والديّ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علمًا أو علمته علمًا) (٤). وقال القاضي أبو يوسف (ت ١٨٢ هـ: (إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبويّ، ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: إني لأدعو لحماد مع أبويّ) (٥). وقال الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) لأبي عثمان محمد بن محمد بن إدريس الشافعي (ت: بعد ٢٤٠ هـ): (أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم في السحر) (٦)، وسأله سائل يومًا فكان يجيبه ويلتفت إلى ابن الشافعي ويقول: (هذا مما علمنا أبو عبد الله)؛ يعني: أباه (٧). فكانوا يعلمون أن هؤلاء الأئمة الذين سبقوهم بالعلم والإيمان لهم فضل عليهم، وهم الذين قاموا بالكفاية قبلهم، وصمدوا إلى علم الشريعة نقلًا وضبطًا وفقهًا وتحريرًا، فحُرست بهم الملة، وحُفظت بهم أصول الديانة وفروعها وآدابها، ولولا أن قيَّض الله أولئك الأئمة لحفظ دينه لانمحت رسومه وعفت آثاره، فهم يُقرُّون لهم بالفضل والسابقة والنصيحة في الدين، ويدعون لهم بدعوة الصالحين قبلهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 53

وكذلك أهل العلم والفقه في كل عصر ومصر، بهم يقيم الله ﷻ دينه ويحفظ شريعته، فيعلِّمون الناس كيف يتعبدون الله تعالى في شأنهم كله، ويبصِّرونهم في إصلاح عامة شؤونهم في الدين والدنيا على ما يحبه الله ويرضاه. ويتحملون في ذات الله ما ينالهم في سبيل ذلك من التعب والنصب، ويحتسبون الأجر والثواب عنده يوم يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب. ويتصدَّون لتعليم العامة والخاصة، فأما العامة فيعلمونهم العلم ليعبدوا الله على بصيرة، ويعلم كل إنسان ما له وما عليه من الأحكام والحقوق والآداب والمكارم، وأما الخاصة فعليهم من ذلك ما على غيرهم، ثم إنهم حملة للعلم لسواهم ولمن جاء بعدهم. وبهذه المجالس التي هي في الأرض كالضياء يتخرج المفتي والقاضي والواعظ والمحتسب والمرابط في الثغور، ولولا مجالس العلماء ما عرف المفتي كيف يفتي، ولا القاضي كيف يقضي، ولا المصلح كيف يصلح، ولا الواعظ بم يعظ، ولا الآمر بم يأمر، ولا الناهي عمَّ ينهي، ولا المرابط علام يرابط، ولاختلَّت أمور الناس ودهمهم في الدين اختلاف كبير. ولذا كان تعليم العلم خير أعمال الناس وأسدَّها وأرشدها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ليس هذا مما يخفي على أحد ممن نشأ بديار الإسلام) (١). ومن أجل ذلك صبر علماء المسلمين على تعلم العلم وتعليمه ذلك الصبر الذي راح مضرب المثل، ونظموا شرق البلاد بغربها في رواية حديث أو سماع مسألة أو تحصيل حكمة أو تبليغ شيء من ذلك، ولسان الواحد منهم ينطق بنحو قول أبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): (ما كنت أُجوِّز في ديني أن أقف عن الدعوة، ومنفعة الطالبين بالإفادة) (٢).

стр. 54

فكانوا يحتسبون ذلك دينًا عند الله تعالى، ولا يألون نفع الناس ما استطاعوا، وينتصبون لتعليم الناس في كل وقت، ويكون ذلك همهم الدائم وشغلهم الشاغل، ويتألفون الطلبة للعلم وربما أنفقوا عليهم من أموالهم، وأخذوهم بالرحمة والشفقة والتعاهد لهم ولأهليهم، وشأنهم في ذلك أكبر من أن ينبَّه على مثله أو تذكر شواهد له، وكتب التراجم والسير حافلة من ذلك بما لا يمكن أن يخفى على أحد. ثم إذا علم ذلك فإن مجلس المعلِّم مجلسُ الشارح للعلم بحيث تتضح مسائله للمتعلم فلا يصعب عليه شيء منها، ويترقى به في مراتب العلم من مقدِّماته وواضحاته إلى دقائقه وغوامضه، ومن صغاره إلى كباره، وقد قال الله ﷻ : ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، قال الإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ): (ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) (١)، قال الشُرَّاح: أي: الذي يربي الناس بجزئيات العلم قبل كلياته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بمقدماته قبل مقاصده، أو ما وضح من مسائله قبل ما دق منها (٢). فالمعلم في مجلسه يترقى بطلبته من المقدمات إلى الغايات، آخذًا بهم من العلم إلى العمل والتزكية وحسن التخلق بالعلم مع الله تعالى ومع الناس، وقد كانت العرب تقول للعالم العامل المعلِّم: الشارع الرباني (٣). وهو في مجلسه هذا ليس بالقاضي الذي يحكم بين الناس، وقد روي أنه لما وجَّه عمر ﵁ ابن مسعود ﵁ إلى الكوفة قال له: (إني وجَّهتك معلِّمًا ليس لك سوط ولا عصا) (٤). وليس مقامه مقام المفتي الذي يفتي في الواقعات؛ فإن نظر هذين متوجِّه إلى الجزئيات وفيه ملاحظة لأحوال الخصوم

стр. 55

والمستفتين، بخلاف المعلم الذي يشرح صور المسائل والاختلاف والحجج فيها. وليس مقام المعلِّم بالمناظر الذي ينتصر لقول دون قول في حلق المناظرة، إلا أن يجري شيء مما تقدم على جهة التعليم والتدريب للطلبة في حلقات العلم والدرس، وسيأتي مزيد بيان وتمثيل لذلك في الحديث عن كل مجلس من هذه المجالس الشريفة.

стр. 56

لم يزل من شأن الفقهاء التفاضل في صناعة التعليم، ولم يزل منهم من هو أقعد بها من غيره، حتى لربما جاء في ترجمة الفقيه الإشارة إلى مهارته في التعليم، أو كثرة تلامذته وعموم الانتفاع به، كما قيل في ترجمة أبي محمد الجويني (ت ٤٣٨ هـ) والد إمام الحرمين: (وكان ماهرًا في إلقاء الدروس) (١)، وقال العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) واصفًا الآمدي (ت ٦٣١ هـ): (ما سمعت أحدًا يلقي الدرس احسن منه) (٢). وقال الموفق (ت ٦٢٠ هـ) لما سئل عن شيخه أبي الفتح بن المنِّي (ت ٥٨٣ هـ): (شيخنا أبو الفتح كان رجلًا صالحًا حسن النية والتعليم، وكانت له بركة في التعليم؛ قلَّ من قرأ عليه إلا انتفع، وخرج من أصحابه فقهاء كثيرون منهم من ساد. وكان يقنع بالقليل وربما يكتفي ببعض قرصه، ولم يتزوج، وقرأت عليه القرآن، وكان يُحبُّنا ويجبر قلوبنا، ويظهر منه البشر إذا سمع كلامنا في المسائل) (٣). وقال ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) في ترجمة الشريف أبي جعفر (ت ٤٧٠ هـ): (وكان مختصر الكلام مليح التدريس) (٤). وقال القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) في سيرة سحنون (ت ٢٤٠ هـ): (قال ابن عجلان الأندلسي: ما بورك لأحد بعد أصحاب

стр. 57

رسول الله ﷺ ما بورك لسحنون في أصحابه، إنهم في كل بلد أئمة) (١). وقال ابن خلكان (ت ٦٨١ هـ) في سيرة أبي القاسم الفوراني (ت ٤٦١ هـ): (وانتهت إليه رئاسة الطائفة الشافعية، طبَّق الأرض بالتلامذة) (٢). وقال أبو إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ): (خرجت إلى خراسان، فما دخلت بلدة ولا قرية إلا وكان قاضيها أو مفتيها أو خطيبها تلميذي أو من أصحابي) (٣). وصناعة التعليم صناعة كسائر الصناعات التي تتجدد ويزداد إحكامها بمرِّ الزمان بما يبقى مع الأيام من تجارب المهرة ووصايا الحكماء. قال أبو بكر الرازي (ت ٣١١ هـ): (الصناعات لا تزال تزداد وتقرب من الكمال على الأيام، وتجعل ما استخرجه الرجل القديم في الزمان الطويل للذي جاء من بعده في الزمان القصير، حتى يُحكمه ويصير سببًا يُسهِّل له استخراج غيره به، فيكون مثل القدماء في هذا الموضع مثل المكتسبين، ومثل من يجيء من بعد مثل المورَّثين المسهَّل لهم ما ورثوا اكتسابًا أكثر وأكثر) (٤). وليس يلزم من ذلك أن يكون من تأخر أحسن تعليمًا ممن تقدم، فقد استقرَّ في الأفهام أن سادة علماء الشريعة وخير معلِّميها إنما كانوا في الزمان الأول، بل يجتهد المتأخرون في التعرف على طرائقهم والاقتداء برسومهم وأخلاقهم، وتدارك ما فات من الجد والحرص والبيئة المساعدة بما تسعف به أحوال الزمان من هيئات التعليم ووسائل الترغيب والترهيب، كما يستنبط المتأخرون قواعد الفقه وأصول الاستنباط ممن مضوا وإن كانوا أقعد بالفقه وأعلم به ممن تأخر. قال حماد بن زيد (ت ١٧٩ هـ): قيل لأيوب (ت ١٣١ هـ): العلم اليوم أكثر أم قلَّ اليوم؟ قال: (الكلام اليوم أكثر، والعلم كان قبل اليوم أكثر) (٥).

стр. 58

والحديث عن مجالس التعليم مما يطول شأنه جدًّا؛ لأن الحديث عنه حديث عن مجموعة من العوامل المؤثرة في مقام التعليم برمَّته، حيث يستدعي الكلام عن المعلِّم والمتعلِّم والمادة التعليمية وبيئة التعليم ونظامه (١)، وقد عني المتقدمون والمحدثون عناية بالغة بالدراسات الوصفية التي تصف الحالة العلمية في مدينة أو بلد ما، فمن المصنفات التي هي مظنة لذلك عند المتقدمين: ١ - كتب التواريخ العام، كـ ((تاريخ الطبري)) (ت ٣١٠ هـ)، وابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، وابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ)، وسبط ابن الجوزي (ت ٦٥٤ هـ)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وغيرهم. ٢ - تواريخ المدن والبلدان، كـ ((أخبار مكة)) للأزرقي والفاكهي، و ((التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة)) للسخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، و ((أخبار أصبهان)) لأبي نعيم (ت ٤٣٠ هـ)، و ((تاريخ مدينة السلام)) للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، و ((السياق في تاريخ نيسابور)) لعبد الغافر الفارسي (ت ٥٢٩ هـ)، و ((تاريخ بيهق)) لعلي بن زيد البيهقي (ت ٥٦٥ هـ)، و ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، و ((التدوين في أخبار قزوين)) للرافعي (ت ٦٢٣ هـ)، و ((بغية الطلب في تاريخ حلب)) لابن العديم (ت ٦٦٠ هـ)، و ((الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل)) للعليمي (ت ٩٢٧ هـ)، وغيرها. ٢ - كتب التراجم بعامة، وطبقات الفقهاء والقضاة والمفتين بخاصة، وفي كل مذهب من ذلك جملة وافرة. ٣ - كتب الرحلات، كـ ((رحلة ابن جبير الأندلسي)) (ت ٦١٤ هـ)، وابن بطوطة الطنجي (ت ٧٧٩ هـ)، والحسن بن محمد الوزَّان الفاسي المعروف بـ (ليون الإفريقي) (ت: بعد ٩٥٧ هـ)، وغيرهم من الرحالة الذين طوَّفوا الأمصار ودخلوا عواصم العلم، فوصفوا مشاهداتهم في الحرمين الشريفين، وجوامع

стр. 59

المسلمين الكبرى، والمدارس المشهورة ومجالس العلم المختلفة، مما تأتي الإشارة إلى بعضه. ٤ - كتب البرامج والفهارس والأثبات، وهي فوق الحصر. ٥ - كتب تاريخ المدارس، ومما أُلِّف في ذلك أو تضمنه: كتاب ((الدارس في تاريخ المدارس)) للنعيمي الدمشقي (ت ٩٧٨ هـ)، و ((المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار)) للمقريزي (ت ٨٤٥ هـ)، وغير ذلك. أما المعاصرون فكتاباتهم في تاريخ الحركة العلمية في الإسلام ووصف مجالس العلماء كثيرة وذات أغراض مختلفة، ومن ذلك ما يأتي: ١ - الكتب التي تصف الحركة العلمية وتاريخ التعليم في مكان وزمان محددين، وهي في مجملها رسائل علمية في الجامعات، وهي كثيرة جدًّا حتى تكاد تستوعب الحركة العلمية في سائر البلدان الإسلامية وفي كافة الأزمنة. ٢ - الكتب التي تتناول تاريخ الجوامع والمساجد، ويكون في ضمن ذلك حديث عن الحركة العلمية فيها، لا سيما في الجوامع الكبرى التي كانت أشبه بالجامعات العلمية، ومن ذلك ما يأتي: أ- الحرمان الشريفان، والمؤلفات فيهما كثير جدًّا. ب- الجامع الأموي، وفيه من المؤلفات: ((الجامع الأموي في دمشق)) لعلي الطنطاوي، و ((الجامع الأموي درة دمشق)) لحسن الصواف، وغير ذلك. ج- جامع الأزهر، وفيه مؤلفات كثيرة جدًّا، ككتاب ((الأزهر في ألف عام)) لعبد المنعم خفاجي، و ((الأزهر وأفريقيا)) لمحمود عباس، و ((تاريخ الجامع الأزهر)) لمحمد عنان، و ((الأزهر جامعًا وجامعة)) لعبد العزيز الشناوي، و ((الأزهر الشريف والسودانيون)) لمحمد الخولي، و ((دور الأزهر السياسي في مصر إبان الحكم العثماني)) لعبد الجواد إسماعيل، وغير ذلك. د- جامع الزيتونة، وفيه من المؤلفات: ((تاريخ جامع الزيتونة)) لمحمد الحشائشي، و ((التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة)) للطاهر الحداد، و ((الزيتونة والزيتونيون في تاريخ تونس المعاصر)) لمختار العياشي،

стр. 60

و ((الزيتونيون دورهم في الحركة الوطنية التونسية)) لعلي الزيدي، وغيرها. هـ- جامع القرويين بفاس، وفيه من المؤلفات: ((جامع القرويين)) لعبد الهادي التازي، و ((جامع القرويين والفكر السلفي)) لمحمد العلوي، وغيرها. و- ((تاريخ جامع الإمام الأعظم ومساجد الأعظمية)) لهاشم الأعظمي. بالإضافة إلى مؤلفات عديدة تتناول جوامع ومساجد بلد أو مدينة، ويأتي الحديث فيها ضمنًا عن حركة العلم فيها وما قد يلحق بها من المدارس ونحوها، ومن ذلك: ((مساجد مصر وأولياؤها الصالحون)) لسعاد ماهر، و ((جوامع الموصل)) لأبيّ الديوه جي، و ((مساجد ودول)) لسنية قراعة، وغير ذلك. ٣ - الكتب التي تتناول تاريخ المدارس، وعناية المحدثين والمعاصرين بهذا فاقت عناية السابقين، ومن المؤلفات في ذلك: ((منادمة الأطلال)) لابن بدران الدومي الحنبلي، و ((مدارس بغداد في العصر العباسي)) لعماد رؤوف، و ((تاريخ علماء المستنصرية)) لناجي معروف، و ((المدرسة المستنصرية)) لكوركيس عواد ومصطفى جواد، و ((مدرسة القاضي المخرمي في بغداد)) لعبد الستار علي، و ((الجواهر اللؤلؤية في تاريخ الظاهرية)) لخلدون زين الدين، و ((مدرسة الإمام أبي حنيفة)) لوليد الأعظمي، و ((المدارس في مكة خلال العصرين الأيوبي والمملوكي)) لفوز الدهاس، و ((المدرسة المرجانية في بغداد)) لخالد حمودي، و ((المدرسة الصادقية)) لأحمد عبد السلام، و ((تاريخ المدرسة النصرية بغرناطة)) لرشيد العفاقي، و ((دور العلم في الموصل)) لسعيد الديوه جي، و ((مدارس سوس العتيقة)) لمحمد المختار السوسي، و ((المدارس في بيت المقدس في العصرين الأيوبي والمملوكي)) لعبد الجليل حسن، و ((المدارس الأيوبية في حلب والقاهرة)) لوليد الأخرس، و ((المدارس العتيقة وإشعاعها الأدبي والعلمي بالمغرب)) للمهدي السعيدي، و ((المدارس الإسلامية في اليمن)) للقاضي إسماعيل الأكوع، و ((معاهد العلم في بيت المقدس)) لكامل العسلي، و ((مدارس دمشق في العصر الأيوبي)) لحسن شميساني، و ((المدرسة النظامية)) لعامر السامرائي، وغيرها.

стр. 61

٤ - المصادر التي تتناول تاريخ المؤسسات المساندة للعملية التعليمية، وربما اشتملت على جانب من الجوانب التعليمية ذاتها، كتاريخ المكتبات والأربطة والتكايا والزوايا والخوانق وغيرها. ٥ - المصادر التي تتحدث عن النظم التعليمية في الجوامع والمدارس في مكان محدد أو حقبة تاريخية محددة، ومن ذلك: أليس الصبح بقريب للطاهر بن عاشور، ونظام الدراسة بالجامع الأزهر في عصر السيوطي لمجاهد الجندي، وغير ذلك. فهذه المراجع وغيرها كثير جدًّا مما لم يذكر نوعًا ولا اسمًا، يفيد الرجوع إليها في تصور طبيعة الحركة العلمية وما كانت عليه مجالس التعليم هيئة ونظامًا في الأمصار والأعصار المختلفة، والواقع أننا بأدنى مطالعة لهذه المصادر ندرك مدى التنوع الحافل والاختلاف الكبير الذي كانت عليه مجالس الفقه التعليمية في سائر البلدان، وأن بينها تفاوتًا كبيرًا لا يخفي في أنظمتها وتراتيبها، ومع ذلك فللعلم والتعليم مناهج وقوانين لا يمكن تخطيها بحال، وليجر الحديث ههنا عن خمسة أغراض يتضح بمجموع الكلام عنها بعض هذا المعنى، وهي: أماكن التعليم، والمعلم، والمتعلم، والمادة التعليمية، وهيئة مجلس التعليم. أولًا: أماكن التعليم: أ- الجوامع والمساجد: أكثر وأعظم مجالس تدريس الفقه كانت في الجوامع والمساجد، لا سيما قبل نشأة المدارس في أواخر القرن الرابع الهجري وما بعده، فقد كانت الجوامع تضم حلق العلم حيث يلتف الطلبة حول شيخهم، فيلقي عليهم المسائل والتعليقات أو يقرأ الطلبة عليه كتابًا له أو لغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد؛ فإن النبي ﷺ أسَّس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والقراءة والذكر

стр. 62

وتعليم العلم والخطب) (١). وقال ابن الحاج (ت ٧٣٧ هـ) مبيِّنًا مواضع التدريس ومفاضلًا بينها: (فلا يخلو موضع التدريس من ثلاثة أحوال: إما أن يكون بيتًا أو مدرسة أو مسجدًا، وأفضل مواضع التدريس المسجد؛ لأن الجلوس للتدريس إنما فائدته أن تظهر به سنة أو تخمد به بدعة أو يتعلم به حكم من أحكام الله تعالى علينا، والمسجد يحصل فيه هذا الغرض متوفرًا؛ لأنه موضع مجتمع الناس رفيعهم ووضيعهم وعالمهم وجاهلهم، بخلاف البيت فإنه محجور على الناس إلا من أبيح له وذلك لأناس مخصوصين وإن كان العالم قد أباح بيته لكل من أتى، لكن جرت العادة أن البيوت تحترم وتهاب، وليس كل الناس يحصل له الإدلال على ذلك، فكان المسجد أولى؛ لأنه أعلم في توصيل الأحكام وتبليغها للأمة، وكذلك أيضًا بالنظر إلى هذا المعنى يكون المسجد أفضل من المدرسة لوجهين: أحدهما: أن السلف رضوان الله عليهم لم تكن لهم مدارس وإنما كانوا يدرسون في المساجد، وإن كان ذلك في المدرسة فيه المنفعة والخير والبركة، لكن لما أن لم يقع ذلك للسلف ﵃ كان أخذه في المساجد فيه صورة الاقتداء بهم في الظاهر وإن كان غيره يجوز وكفى لنا أسوة بهم. الوجه الثاني: أن المدرسة لا يدخلها في الغالب إلا آحاد الناس بالنسبة إلى المسجد؛ لأنه ليس كل الناس يقصد المدرسة وإنما يقصد أعمهم المساجد، وليس كل الناس أيضًا له رغبة في طلب العلم، وإذا كان التدريس أيضًا في المدرسة امتنع توصيل العلم على من لا رغبة له فيه والمقصود بالتدريس كما تقدم إنما هو التبيين للأمة وإرشاد الضال وتعليمه ودلالة الخيرات، وذلك موجود في المسجد أكثر من المدرسة ضرورة) (٢). والواقع التاريخي للحركة العلمية في الإسلام يشهد أن العصور التي كانت العلوم الشرعية فيها تدرَّس في المساجد كانت أفضل عصور العلم. قال

стр. 63

د. بشار معروف: (والحق أنني قلَّما وجدت عالمًا كبيرًا تعاني هذه العلوم من غير أن يكون له مسجد) (١). ويمكن إحالة ذلك إلى سببين رئيسين: الأول منهما عموم الانتفاع بمجالس التعليم في الجوامع، وقد مضت الإشارة لهذا في كلام ابن الحاج، والثاني أن التعليم في الجوامع والمساجد أقل تعرُّضًا للشروط والعوائق التي تمنع أو تقيِّد حرية التعليم فيها، فلا يخضع لشروط الواقفين في المدارس ونحوها، ولا تختص بمذهب دون غيره، واختصاصها بمذهب بعينه طارئ على تاريخ التعليم، فأما القرون الأولى فلم يكن فيها شيء من ذلك. قال الوزير ابن هبيرة (ت ٥٦٠ هـ): (فأما ما حدث في زماننا هذا من كون المساجد قد اقتسمها أهل المذاهب، فيقول هؤلاء: هذه مساجد أصحاب أحمد فيُمنع منها أصحاب الشافعي، وكذلك يقول أصحاب الشافعي: هذه مساجد أصحاب الشافعي فيمنع منها أصحاب أحمد، وكذلك يقول أصحاب أبي حنيفة، فإن هذا من البدع) (٢). وبالإضافة إلى شروط الواقفين فإن الجرايات والأرزاق التي تجري على الفقهاء في المدارس من السلاطين والأمراء لها أثرها في تقييد حرية المعلم في أن يتحدث بما يعتقده ولو خالف مراد صاحب الجراية من سلطان أو واقف أو غيره. قال السخاوي (ت ٩٠٢ هـ): (ومما بلغنا أن بعض ندماء الأشرف برسباي مدحه بكون أغنى الفقهاء بما انفرد به عن كثيرين ممن قبله؛ يعني: بأنه بني مدرسة بالقاهرة وبالصحراء وبالخانقاه وغير ذلك، فقال: إن من سبقنا كان فقهاؤهم غير موافقين لهم، فقصروا في جانبهم لذلك، وفقهاؤنا لا يخالفونا، فلا أقل من أن نسمح لهم بحطام الدنيا. قلت: وهذا قد كان، وأما الآن فالموافقه حاصلة، والانقياد بالحطام دون الحطام، بل هم مزاحمون

стр. 64

في أرزاقهم المرصدة لهم ممن قبلهم غفر الله لنا ولهم) (١). وبعد هذا فإنه لا ينبغي أن يقال بأن الأمر ما دام كان كذلك في القرون الأولى فليكن التدريس مقصورًا على الجوامع والمساجد كما كان في تلك الأزمنة العلمية الزاهرة، فإنه قد علم أن الحركة العلمية ليست مختصة بمكان التعليم، بل هي حالة شاملة تتدخل فيها مؤثرات علمية واجتماعية واقتصادية وسياسية، وكل ذلك كان في الزمان الأول مسعفًا ومساعدًان بخلاف الأزمنة المتأخرة التي راح الناس فيها يتداركون ما يطرأ من نقص في العلم والهمة وإسعاف الزمان بالتزام رسوم وآداب واتخاذ تدابير تسدُّ مسدًّا وتغني غناءً وإن لم يكن الخير فيها محضًا أو لم تكن المفسدة فيها مدفوعة بالكلية (٢)، فإنشاء المدارس وتسبيل الأوقاف عليها وبناء المساكن الملحقة بها لإيواء الطلبة كان فيه تلاف لنقص الهمة وقلة المساعد، وقد كان من أخبار السلف المتقدمين في الصبر على طلب العلم وتحمل المشاق والجوع والفقر والغربة والأذى ما هو مشهور معلوم، فكان في المدارس وأحباسها تشجيع وتحفيز يتلافى ما طرأ من فساد الحال مما كان الأوائل في غنية عنه (٣). وقد نقل شهاب الدين المقَّري (ت ١٠٤١ هـ) عن جده الشيخ أبي عبد الله (ت ٧٥٩ هـ) في كلام مهم يصف شيئًا من ذلك فقال: (وقال أيضًا رحمه الله تعالى: سمعت شيخنا الآبلي (ت ٧٥٧ هـ) يقول: إنما أفسد العلم كثرة التواليف، وإنما أذهبه بنيان المدارس. وكان ينتصف له من المؤلفين والبانين. وإنه لكما قال، غير أن في شرح ذلك طولًا، وذلك أن التأليف نسخ الرحلة

стр. 65

التي هي أصل جمع العلم، فكان الرجل ينفق فيها المال الكثير، وقد لا يحصل له من العلم إلا النزر اليسير؛ لأن عنايته عل قدر مشقته في طلبه، ثم صار يشتري أكبر ديوان بأبخس ثمن، فلا يقع منه أكثر من موقع ما عوض عنه، فلم يزل الأمر كذلك حتى نسي الأول بالآخر، وأفضى الأمر إلى ما يسخر منه الساخر، وأما البناء فلأنه يجذب الطلبة إلى ما يرتب فيه الجرايات، فيقبل بها على من يعيِّنه أهل الرياسة للأجراء والإقراء منهم، أو ممن يرضى لنفسه الدخول في حكمهم، ويصرفونها عن أهل العلم حقيقة الذين لا يُدعون إلى ذلك، وإن دعوا لم يجيبوا، وإن أجابوا لم يوفوا لهم بما يطلبون من غيرهم) (١). وقال حاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ): (ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا الأمر ونطقوا به. لما بلغهم بناء المدارس ببغداد أقاموا مأتم العلم، وقالوا: كان يشتغل به أرباب الهمم العلية والأنفس الزكية، الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به، فيأتون علماءَ يُنتفع بهم وبعلمهم، وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل فيكون سببًا لارتفاعه) (٢). ومع ذلك فقد ظلت مجالس التعليم باقية وكثيرة في الجوامع ولم تنتقل عنها ببناء المدارس (٣)، بل ربما نقل بعض المدرسين دروسهم من المدارس إلى المساجد لا سيما في الحرمين الشريفين (٤)، والذي يؤهل العلماء للجلوس

стр. 66

في مجالس التعليم في المساجد في الجملة إنما هو علمهم وتأهلهم للانتصاب للتعليم هذه المدة الطويلة واستقبال أسئلة الطلبة والسائلين والمباحثة معهم والصبر على ذلك، مما لا يحتمله ضعيف العلم والأهلية والإرادة، ومع ذلك فالعريُّ من العلم والضعيف فيه لا يقبل إليه الناس والطلبة بوجوههم، ولا يحظى بالقبول ولا النصيحة عند العامة والخاصة. ولذا كانت الجوامع محلًا لجلوس العلماء الكبار، لا سيما الجوامع المشهورة في الأزمنة العلمية الزاهرة، كالحرمين الشريفين (١)، وجامع الكوفة، وجامع المنصور ببغداد، والجامع الأزهر، وغيرها من الجوامع التي تكون قبلة للعلم في زمانها حتى يكون من أمنية العالم أن يقعد للتعليم فيها، وربما اختصت جهة منها بأكابر العلماء في وقتهم، كقبة النسر في جامع بني أمية بالشام، حيث كان التدريس تحتها منوطًا بأكابر العلماء (٢)، وقال ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) واصفًا الجامع الأزهر في زمانه: (كل ذلك بالجامع الأزهر الذي ليس على وجه الأرض بقعة جمعت من علماء الأمة وصلحائهم، والجهد في طلب العلم وتعلمه وتعليمه والدأب في ذلك الليل والنهار مثلُه، بحيث أجمعوا على أنه لم يقع منذ أزمان وإلى الآن أنه خلي عن علم أو ذكر ساعة من ليل أو نهار، وفيه من عدة الدروس والمصنفين والمفتين والعلماء العاملين ما يعجز الوصف عن الإحاطة بهم، ومن تأمل (الضوء اللامع) للسخاوي (ت ٩٠٢ هـ) أحاط ببعض ما ذكرته) (٣). وللدراسة في الجوامع أحكام تختص بها أفاض الفقهاء في بيانها وذكر الخلاف الجاري في شيء منها، كرفع الصوت في التعليم وجريان المناظرة والمجادلة فيها، ودخول الصبيان وتعليمهم فيها، ونحو ذلك من الأحكام التي

стр. 67

ربما افترقت فيها الجوامع عن غيرها (١). ب- المدارس: يرجع تاريخ نشأة المدارس إلى أواسم وأواخر القرن الرابع الهجري، غير أن المدارس تطورت في طبيعتها وأنظمتها في القرن الخامس على يد نظام الملك (ت ٤٨٥ هـ)، ثم فشت وانتشرت انتشارًا عظيمًا بعد ذلك زمن الزنكيين والأيوبيين والمماليك ومن بعدهم، حتى قال ابن بطوطة (ت ٧٧٩ هـ) في وصفه لمصر: (وأما المدارس بمصر فلا يحيط أحد بحصرها لكثرتها) (٢). والمدارس في جملة أمرها خاضعة لشرط الواقف ويقوم الناظر على رعاية هذا الشرط، وإن كان العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) أفتى بأن متولي تدريس المدرسة هو الذي يقرر مقدار الجامكية (الرواتب والأرزاق) للفقهاء وينزلهم، وليس للناظر في الوقف إلا تحصيل الريع وقسمته على المنزلين (٣). وغالب أحوال المدارس أن تختص بمذهب من المذاهب الأربعة، وربما اجتمع في المدرسة الواحدة مذهبان أو أكثر، وربما اشتملت على المذاهب الأربعة معًا، بحيث يكون لكل مذهب إيوان للتدريس، ويكون في شرط الواقف وعمل المتولي تنظيم لطبيعة سير العملية التعليمية واختصاصات فقهاء وطلبة كل مذهب، وتعقد في هذه المدارس مجالس التعليم والمناظرة والمذاكرة والمباحثة والوعظ، ويجري كل ذلك بترتيب يجمع بين النظام والمرونة، وبين المدارس اختلاف وتفاوت لا يخفى في ذلك (٤).

стр. 68

ج- منازل العلماء: كانت منازل العلماء من أماكن عقد المجالس التعليمية، وإن كانت أخص كمًّا وكيفًا من غيرها، فالمنازل مكان مناسب في الغالب للدروس التي ينتخب فيها الأستاذ الخاصة من تلامذته والمبرِّزين منهم. قال ابن هرمز (ت ١٤٨ هـ) يومًا لجاريته: من الباب؟ فلم تر إلا مالكًا (ت ١٧٩ هـ) فرجعت فقالت له: ما ثم إلا ذاك الأشقر، فقال لها: دعيه، فذلك عالم الناس (١). ومع أن المنازل ربما كانت مفتوحة للناس غير أن هيبة المنازل ربما حجبت الكثيرين عن الانتفاع العام كما هو الشأن في المساجد، وقد مضى آنفًا من كلام ابن الحاج (ت ٧٣٧ هـ) ما يفيد ذلك. ومن مزايا التدريس في المنازل ما يكون فيها من حرية واختيار واسع في تحديد الزمان والكتاب المدروس والمناقشة والمباحثة (٢). د- أماكن أخرى: جرى الكثير من الباحثين في تاريخ الحركة العلمية في الإسلام أن يذكروا أماكن أخرى للمجالس العلمية كالمكتبات والأربطة والخوانق والزوايا ومجالس الخلفاء والأمراء في القصور وحوانيت الورَّاقين وغيرها، غير أن تأثير هذه الأماكن لا يقاس بالجوامع والمدارس في تكوين الفقهاء وبنائهم العلمي، وتبقى مشاركة هذه الأماكن ضئيلة عند موازنتها بها، وعامة ما كان يجري في هذه الأماكن ونحوها إنما هو من قبيل المذاكرة أو المباحثة أو المناظرة، لا من قبيل مجالس التدريس التي يتخرج فيها الفقهاء والعلماء، وهذه الأماكن ما

стр. 69

بنيت لتكون مجالس للتدريس، وما يجري فيها من ذلك فهو أمر عارض ومختص في الغالب بفئة دون غيرها (١). ثانيًا: المعلِّم: المعلِّم هو العنصر الرئيس في العملية التعليمية؛ فهو معدن العلم والأدب الذي يراد بالتعليم اقتداء الطالب به، ولذا جاءت الوصية بحسن اختيار المعلِّم وأن يشاور في ذلك ولا يعجل، وأن يختار الأعلم والأورع من الشيوخ، وأن يستخير الله تعالى في ذلك (٢). وقد روي أن أبا حنيفة (ت ١٥٠ هـ) اختار شيخه حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ) بعد التأمل والتفكر، وقال: (وجدته شيخًا وقورًا حليمًا صبورًا) (٣)، وقال أبو بكر بن عياش (ت ١٩٣ هـ) في مغيرة بن مقسم (ت ١٣٣ هـ): (كان مغيرة من أفقههم، ما رأيت أحدًا أفقه منه، فلزمته) (٤)، وقال إبراهيم النخعي (ت ٩٦ هـ): (كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وإلى صلاته وإلى حاله، ثم يأخذون عنه) (٥). ويتوخى فيمن يختاره تمام الانتفاع به بألا يكون الأستاذ فوق طاقته في التعلم ولا دون استعداده، مع تحري العلم والتحقيق بحيث ينتفع بصحبته

стр. 70

وطول ملازمته، وأن يجتهد في النصيحة لنفسه في ذلك. قال عمرو بن الوليد الأغضف: (رحلت إلى أبي حنيفة فلم يكن لي من القوة على العلم ما أقدر على مجالسته، فكنت أختلف إلى أبي يوسف أتعلم منه) (١). وحكي أن بعض جلساء أبي عثمان بن الحداد (ت ٣٠٢ هـ) ويعرف بابن المكي قال له يومًا: يا أبا عثمان، ما أشِّبه نفسي إذا كنت بين يديك إلا مثل الحمار. فقال له: لا تفعل يا أبا محمد، فإنك تحس حسًّا لطيفًا، وأنت كما قال الشاعر: (وفوقك أقوام وأنت شريف) (٢). ومن نصيحة الأستاذ أن يقصد بطلبته إلى أقصى ما في مكنته من التعليم والتزكية، وأن يجتهد في ذلك دون غشِّ لهم وتضييع لأوقاتهم فيما لا فائدة منه ولا طائل من ورائه مما قد يستملحه الطلبة لكنه بمعزل عن النصيحة وحسن الاختيار لهم (٣). قال السرخسي (ت ٤٩٠ هـ): (رأيت في زماني بعض الإعراض عن الفقه من الطالبين لأسباب، فمنها قصور الهمم لبعضهم حتى اكتفوا بالخلافيات من المسائل الطوال، ومنها ترك النصيحة من بعض المدرسين بالتطويل عليهم بالنكات الطردية التي لا فقه تحتها، ومنها تطويل بعض المتكلمين بذكر ألفاظ الفلاسفة في شرح معاني الفقه وخلط حدود كلامهم بها) (٤). وقال ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ): (واعلم أنه ما تخلَّف بقوم عن الاستفادة إلا غش مشايخهم لهم عند الإفادة، وقد أطبقوا على أن من سعادة

стр. 71

الطالب المؤذنة برفعه إلى أعلى المراتب، أن يرزقه الله معلِّمًا ناصحًا وقريحة قابلة وفهمًا صقيلًا وكفاية مؤنة وصدق رغبته في طلبه) (١). ومن نصيحة الأستاذ لطلبته أن يترفق بهم كأنهم أولاده، قال أبو حامد الغزالي (٥٠٥ هـ): (فأول وظائف المعلم أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه) (٢)، فيستوثق من فهمهم ويسر بنجابتهم وتقدمهم في العلم ويجتهد في ذلك اجتهاد الحريص، ويجعل تعليمه إياهم قربة يتقرب إلى الله تعالى بها لا مهنة يسترزق منها، ويبذل لهم من سماحة نفسه وكرم أخلاقه ما يحبب إليهم العلم ويزينه في قلوبهم، وقد روي عن عمر ﵁: (تعلَّموا العلم وعلِّموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم) (٣). وقال ابن مسعود ﵁ لأصحابه: (أنتم جلاء قلبي) (٤). وقال ابن عباس ﵁: (أعز الناس عليَّ جليسي الذي يتخطى الناس إليَّ، أما والله إن الذباب يقع عليه فيشقُّ ذلك عليَّ) (٥). وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يقبل على الشباب فيقول: (يا ابن أخي، إذا شككت في الشيء فلسني حتى نستيقن؛ فإنك إن تقم على اليقين أحب إلي من أن تقوم على الشك) (٦). وقال حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ): (كنت أسائل إبراهيم (ت ٩٦ هـ) عن الشيء فيعرف في وجهي أني لم أفهم فيعيده حتى أفهم) (٧). وجاء عيسى بن دينار (ت ٢١٢ هـ) فلازم ابن القاسم (ت ١٩١ هـ) سنين، فلما ارتحل عنه قافلًا إلى الأندلس شيَّعه ابن القاسم فراسخ، فعوتب في ذلك

стр. 72

فقال: تلومونني أن شيَّعت رجلًا لم يخلف بعده أفقه منه؟! (١). وقال الضياء المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) في الموفق بن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): (وما علمت أنه أوجع قلب طالب) (٢). وقال تاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ): (وكنت أنا كثير الملازمة للذهبي، أمضي إليه في كل يوم مرتين بكرة والعصر، وأما المزي فما كنت أمضي إليه غير مرتين في الأسبوع، وكان سبب ذلك أن الذهبي كان كثير الملاطفة لي والمحبة فيَّ، بحيث يعرف من عرف حالي معه أنه لم يكن يحب أحدًا كمحبته فيَّ، وكنت أنا شابًّا فيقع ذلك مني موقعًا عظيمًا) (٣). وقد أطال العلماء القول في آداب المعلِّم وما ينبغي في حقه من الإخلاص والنصيحة لله تعالى ولمن يتولى تعليمهم، وفصَّلوا القول في طرائق التعليم ورسومه وآدابه، وسبيل الإذن والإجازة به، مما هو مشهور في كتب أدب الطلب وقوانين التعليم (٤). ثالثًا: المتعلِّم: مثلما جاءت الوصية من العلماء بحسن اختيار المعلِّم فقد جاءت الوصية منهم كذلك بحسن اختيار التلميذ، وأن يكون للعالم فراسة يتوسَّم بها المتعلِّم؛ إذ الطلبة متفاوتون بينهم تفاوتًا عظيمًا في قابليتهم واستعدادهم (٥). قال

стр. 73

الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ): (وإن كان في جملة المتفقهة حدث أو صبي له حرص على التعلم، أو آنس الفقيه منه ذكاء أو فطنة، فليقبل عليه، ويصرف اهتمامه إليه) (١). وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان في هذا المكان خلف الكعبة حلقة، فمر عمرو بن العاص ﵁ يطوف، فلما قضى طوافه جاء إلى الحلقة فقال: (مالي أراكم نحَّيتم هؤلاء الغمان عن مجلسكم؟ لا تفعلوا، أوسعوا لهم وأدنوهم وأفهموهم الحديث؛ فإنهم اليوم صغار قوم، ويوشكوا أن يكونوا كبار آخرين، قد كنا صغار قوم ثم أصبحنا كبار آخرين) (٢). وقال أشهب (ت ٢٠٤ هـ) في سحنون (ت ٢٤٠ هـ): (ما قدم إلينا من المغرب مثله، ولقد حثه ابن القاسم (ت ١٩١ هـ) على أن يقيم عنده يطلب العلم، ويدع الخروج إلى الغزو، لما استفرس فيه) (٣). ويكون همُّ العالم منصرفًا لاختيار من يأنس منه حسن الفهم والفطنة؛ لأن ذلك جوهر الفقه وحقيقته، وهو أيسر وأسرع في تعليمه، وقد قال محب الدين بن نصر الله البغدادي الحنبلي (ت ٨٤٤ هـ): (قليل من الفهم خير من كثير من الحفظ) (٤). وقال أبو الفتح الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ): (لا تَعِب إنسانًا بما لا يمكن أن يعلم) (٥). فإن انضم إلى ذلك صلاح البيت الذي هو منه واستقامة أحوال ذويه كان التعليم أكثر ملاقاة لغرضه. قال ابن المعتز (ت ٢٩٦ هـ) في كلام شريف جدًّا: (ما ينفع ولد الملك من تأديب المؤدبين إياه، وهو يغدو ويروح فيراه على خلاف ما يأمره به المؤدبون؟ ولم يزل الباطل على نفوس الرجال أخف محملًا وأحلى طعمًا فكيف الصبيان؟ المؤدب يأمر الغلام بألا يشتم أحدًا ويتجنب

стр. 74

المحارم ويحسِّن خلائقه، ويعلمه من الفقه الأبواب التي لا غنى بمسلم عن معرفتها، ومن الشعر الشاهد والمثل، ومن الإعراب ما يصلح به لفظه، ومن الغزل أعفَّه، وهو يرى أباه في كل ساعة بخلاف ما يؤمر به، وتاركًا لما خُصَّ عليه، حتى إنه ليستثقل اللفظة تجري في مجلسه بإعراب، ويصدُّ عن منشد لبيت شعر، ولا يخاطب غلامه ولا يمازح جليسه إلا بالشتم واللعنة، ولا يحتشم من ورود محرم، ولا يتقي كبيرة، ثم يراه مع ذلك وقد بلغ غاية آماله من الدنيا! فيوشك أن يحدِّث نفسه بأن أباه لا يخلو من أن يكون علم ما يُسام فاطَّرحه ورأى أنه لا خير فيه، أو لم يعلم شيئًا من ذلك فلم يضره جهله إياه، ولا صرف عنه حظًّا من دنياه، وكلا المعنيين مزهِّد له في قبول الأدب، ومزيِّن له ترك عنائه وربح تعبه فيه) (١). ويكون مع هذا للمتعلم همة وحافز من نفسه على التعلم، وإقبال على مجالسه ولزوم لشيوخه، فـ (إنما يرجو العلم من انبعثت جمرة في قلبه تذكِّره ضياع أيامه، وتنسيه جميع أولاده وأمواله) (٢). وللمتعلم مع شيوخه وأقرانه وفي نفسه أثناء دراسته وتعلمه آداب أفاض العلماء في شرحها وبيان أحوالها وما يستعمله المتعلم منها في كافة شؤونه، مما يرجى بملاحظتها ودوام التخلُّق بها نيل بركة التعليم وحصول كمال الغرض منه (٣). رابعًا: المادة التعليمية: هناك عوامل عدة تؤثر في اختيار المادة التعليمية التي تشتمل عليها مجالس التدريس، غير أن هناك حرية كبيرة وتنوعًا ثريًّا واختلافًا واسعًا تختلف

стр. 75

به الأقاليم والمدن، بل والمدارس في المدينة الواحدة في اختيار الكتاب الذي يدرس أو يقرأ، وفي طريقة الدراسة والقراءة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (وأما ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم، فهذا باب واسع وهو أيضًا يختلف باختلاف نشء الإنسان في البلاد، فقد يتيسر له في بعض البلاد من العلم أو من طريقه ومذهبه فيه ما لا يتيسر له في بلد آخر) (١). غير أن من رسوم التدريس التي يعاب من لم يلتزم بها بعد حسن اختيار الكتاب، ألا ينتقل المعلم ولا المتعلم عن الكتاب إلا بعد إتمامه؛ لأن التنقل من كتاب إلى كتاب (علامة على الضجر واللعب وعدم الفلاح) (٢)، كما قاله ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ). والواجب التأني والمشاورة في اختيار الكتاب؛ لئلا تذهب الأيام فيما فائدته قليلة أو فيما غيره أنفع منه، والكتب متفاوتة في نفسها وليست على وزان واحد في اكتساب الملكة. قال تاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ) بعد ذكره لبعض الكتب: (والكتاب المذكور أعجوبة في بابه، بالغ في الحسن أقصى الغايات، إلا أن المرء لا يصير به فقيهًا ولو بلغ عنان السماء. وهذه الطائفة تضيع في تفكيك ألفاظه وفهم معانيه زمانًا لو صرفته إلى حفظ نصوص الشافعي وكلام الأصحاب لحصلت على جانب عظيم من الفقه، ولكن التوفيق بيد الله تعالى) (٣). وربما كان الكتاب المشروح في مجالس التعليم مصنَّفًا مشهورًا لبعض الفقهاء، أو يكون تعليقة يمليها الفقيه على تلامذته (٤). قال أبو علي الفارقي (ت ٥٢٨ هـ) حاكيًا رحلته إلى أبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ) للدراسة عليه: (فنزلت في خانٍ حذاء مسجد أبي إسحاق بباب المراتب، وكان يسكنه أصحاب الشيخ ومن يتفقه عليه، فإذا كثرنا كنا حوالي العشرين، وإذا قل عددنا
следующие страницы →