← Фикх общий

Фикх общий · id 2050

الجامع لأحكام الصيام

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (401 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجامع لأحكام الصيام لأبي إياس محمود بن عبد اللطيف بن محمود (عويضة) الطبعة الأولى ٢٠٠٢ م الطبعة الثانية ٢٠٠٥م بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمةً للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد، فهذا كتابٌ في أحكام الصيام سميته [الجامع لأحكام الصيام] وقد صدر عقب صدور [الجامع لأحكام الصلاة] ، وقد نهجت فيه المنهاجَ نفسَه الذي سرت عليه في [الجامع لأحكام الصلاة] قاصداً أن أُقدِّم مثالاً آخر لما أراه النموذجَ الأصح لكتابة الفقه، وبذلك يكون بين أيدي القراء الكرام كتابان جامعان يمثِّلان هذا النموذج. هذا هو القصد من إصدار هذين الكتابين وإني لأرى أن إِصدار مثالين كبيرين يكفي لتوضيح النموذج الذي أدعو الفقهاء والمجتهدين إلى أخذه والكتابة بمقتضاه، فأنا لم يخطر ببالي أن أضع بين أيدي القراء الكرام سلسلةً كاملةً للفقه الإسلامي، وإنما أردت فقط وضع المثال والنموذج الأصح فحسب، وإِن كتابين كبيرين يكفيان لتحقيق هذا الغرض المرجوِّ، إلا أن يقضي الله أمراً آخر فأُضيف إليهما كتاباً ثالثاً. إن هذا النموذج لكتابة الفقه يتحقق فيه ما يلي:

стр. 2

١- استعراضُ جميع النصوص من القرآن الكريم والسنة الشريفة ذات العلاقةِ عند كل مسألة تُبحثُ من مسائل الفقه، وعدمُ الاقتصار على قسم من النصوص يراه الفقيه غالباً دليلاً كافياً على رأيه، وداعماً لاجتهاده، وترك ما سواه. ٢- الاستدلالُ بالأحاديث الصحيحة وبالحسنة فقط، وترك ما سواها من أحاديثَ ضعيفةٍ على اختلاف أنواعها، وأعني بالضعيفة ما اتفق المحدِّثون على ضعفها، فهذه الأحاديثُ لا يحلُّ الأخذ بها في الأحكام الشرعية، ولا حتى في فضائل الأعمال. أما الأحاديث التي اختلف المحدِّثون بشأنها من حيث التضعيف والتحسين، فإِنها إن كانت موافِقةً للأحاديث الصحيحة والحسنة، أو انفردَتْ في بابها قُبلت، أما ما خالف منها الأحاديث الصحيحة أو الحسنة، أولم تنفرد في بابها فإِنها تُردُّ وتُترك. ٣- استعراضُ آراء الفقهاء والعلماء والأئمة في كل مسألة من المسائل بقدر المستطاع، فهذا الاستعراض يُثْري البحث، ويَهَبُه قوة، وبه تظهر قوة الأحكام المستنبطة عند مقارنتها بالأحكام الأخرى، حالها كحال حباتِ لؤلؤٍ طبيعية تُعرض إلى جانب حبَّاتٍ صناعية، فتظهر جودتها وجمالها وتفوُّقها. ٤- إِعمالُ جميعِ النصوص المتعلقة بكل مسألة من المسائل، وعدم إهمال أيٍّ منها، لأن واقع النصوص أنها غير متعارضة في الأصل، فرسول الله ﷺ لا تصدر عنه أحاديثُ متعارضة قطعاً، اللهم إلا في حالة النسخ فقط، وهي حالة قليلة نادرة. أما ما نراه من أحاديث متعارضة في كل مسألة من مسائل الفقه تقريباً فهو راجع إلى سند هذه الأحاديث، مما يتوجب علينا الوقوفُ عليه وبيانُه، وإِبعادُ الأحاديث الضعيفة والواهية، ومن باب أولى الأحاديث الموضوعة والتي لا أصل لها، التي شاعت في كتب الفقه، وكتب أصول الفقه، وفصلُها عن الأحاديث الصحيحة والحسنة.

стр. 3

٥- استنطاقُ النصوصِ، واستنباطُ الأحكامِ منها، إِنما يتم بطرقٍ ثلاثٍ: إما بمقابلة نصٍّ بنصٍّ آخر، أي بتفسير نصٍّ بنصٍّ ثان، وهو الأقوى في الاستنباط، وإما بتفسير النص واستنطاقه بموجب المعارف الشرعية، وإما بتفسير النصِّ بموجب المعارف اللغوية الثابتة المشهورة دون الضعيفة منها والشاذة. فالنص يُؤْخذ معناه، إما بمقابلته مع نصٍّ آخر، وإما بتفسيره بحسب المعارف الشرعية، وإما بإخضاعه للمعارف اللغوية الثابتة فحسب. أما التأويلات البعيدة، والتفسيرات المتعسِّفة، وإخضاعُ النصوص ولَيُّها حتى تتوافق مع رأي الإمام أو المذهب، فيجب أن تُستبعَد تماماً من الأبحاث الفقهية إكراماً للفقه وللشرع، وصوناً لهما من الدخيل والتسريبات الغريبة التي طالما رأيناها بكثرةٍ في كتب الفقه، وخاصة تلك المؤلفة في عصرنا الراهن! ٦- إن الأصل في كل مسلم أن يتقيد بالحكم الشرعي، ويلتزم به برضى واطمئنان، لا أن يأخذه ويعمل به وهو شاكٌّ في صحته، فحتى نُعِين المسلم على التقيُّد والالتزام بالحكم الشرعي برضى واطمئنان فإننا أتينا بهذا النموذج الذي يتضمَّن الأحكام وأدلتها مع البراهين على صحتها، والبراهين على خطأ ما سواها.

стр. 4

٧- كان صحابة رسول الله ﷺ يتلقَّون النصوص من القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ تلقِّياً طبيعياً، كما نتلقى نحن الآن كلامَ بعضِنا لبعض، بمعنى أنهم كانوا بمجرد أن يسمعوا آيةً أو حديثاً، يفهمون المعنى المراد ببساطة العربي، وبداهة فطنته، فكانوا قَلَّما يختلفون في فهم النصوص، وقَلَّما يختلفون مِن ثمَّ في استنباط الأحكام منها، وقد جرى التابعون وتابعو التابعين على هذا النهج، ثم عندما جاء الفقهاء من بعد هؤلاء، ووُجدت عندئذ المذاهبُ الفقهية، وما صاحبها من تعصُّبٍ وتحزُّبٍ، بدأ الفقه يأخذ منحىً جديداً، ويبتعد تدريجياً عن طريقة التلقِّي الطبيعي، إلى طرائق يصح وصفها بأنها طرائق صناعية، بمعنى أن الصناعة في التلقِّي والاستنباط قد غلبت على اجتهادات هؤلاء الفقهاء لا سيما وأن كل فقيهٍ تابعٍ لمذهب أو إمام يُجْهِد عقَله وذِهنَه للانتصار لمذهبه وإِمامِه، ثم أخذ قسمٌ منهم بصنوف الجدل وعلم الكلام، أو قُلْ إنهم قد تأثروا قليلاً أو كثيراً بأساليب الجدل والكلام، إضافةً إلى ما وضعوه من قواعدَ أصوليةٍ مختلفةٍ، بالغوا في توسيعها وتفريعها وتعقيدها، فصار الفقه صناعة لا يعرفها بدقائقها إلا أربابُها المتخصِّصون، ومع الزمن وقف التَّلقي الطبيعي تماماً، واقتصر استنباط الأحكام على صُنَّاع الفقه، ثم قلَّ هؤلاء الصُّناع تدريجياً إلى أن أُغلق باب الاجتهاد.

стр. 5

وعلى ذلك أقول إنَّ السبب الرئيسي في غلق باب الاجتهاد، وذهاب المجتهدين هو أن الفقه أصبح صناعةً لها قواعدُ وأصولٌ قلًّما يفهمها ويستوعبها المتعلمون، ناهيك عن سواد الناس وذلك لتعقيداتها وتفريعاتها وتشعُّباتها، إذ راح علماء كلِ مذهبٍ يضعون القواعد الأصولية الخاصة بمذهبهم، ويتفننون في التفريعات والتشعُّبات، حتى غدت القواعدُ الأصوليةُ معقدة جداً، فاختلفت كثيراً الاجتهادات، وما صدر عنها من أحكامٍ، حتى إِنَّ الكثير من هذه الأحكام قد خرجت عن دائرةِ الاعتدال. فحتى يعود الفقه إلى طريقته الطبيعية وينأى عن التعقيدات والتَّشعُّبات، وتقل الخلافات المذهبية وما يصاحبها من تعصُّب، وبالتالي يوجَد المجتهدون الكُثْر، فإنني أتيت بهذا النموذج الذي أراه الأصحَّ لكتابة الفقه، مستلهماً طريقةَ الصحابة في الفقه والتلقِّي، ومبتعداً عن التعقيد والتَّشعُّب في الفهم، ولهذا فإن القارئ الكريم سيجد أن القواعد الأصولية التي تظهر في هذا النموذج تخلو من التعقيد والتشعُّب.

стр. 6

...إن الفارق بين طريقة الصحابة وطريقة أرباب صناعة الفقه، هي أن الصحابة كانوا يضعون النص أمامهم، فما يتبادر إلى أذهانهم من معانيه بمقتضى اللغة العربية، إضافةً إلى درايتهم وخبرتهم بمرامي النصوص التي عاشوا أجواءها ودلالاتها، يأخذونه ببساطة ودون تصنُّع. أما أرباب الصناعة الفقهية، فإنهم يضعون القواعد الأصولية المختلفة أمامهم أولا مع جميع تفريعاتها وتعقيداتها وتفصيلاتها، ثم يُخضعون النص لهذه القواعد، فتخرج منه معان كثيرة متشعبة بقدر هذه التفريعات والتشعُّبات، وهنا يقع الخلاف الكبير بينهم، كلٌّ يتمسَّك بالمعنى الذي فهمه، وبالحكم الذي استنبطه بحسب ما وضعه أمامَه من قواعد تفصيلية خاصةٍ به، ويُجْهِد نفسه في الدفاع عنه والمنافحة عنه انتصاراً لمذهب إِمامِه، حتى غدا الفقه أخيراً معرضاً واسعاً متنوعاً للأحكام المختلطة، الصحيحة والضعيفة والشاذة، ما أن يطَّلع عليها القارئ حتى يُصدَع رأسُه بهذا الكم الهائل من الآراء في كل مسألة فقهية. ومن أحبًّ أن يقف على أمثلةٍ مما أقول، فما عليه إلا أن يراجع الآراء الفقهية في المسائل التالية: ليلة القدر متى هي؟ والنوم هل هو ناقض للوضوء؟ والصلاة الوسطى ما هي؟ وتجدون الخلافات الواسعةَ والهائلةَ في هذه المسائل وفي غيرها في كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني، وشرح صحيح مسلم للنووي.

стр. 7

٨- أما كيف نتخلص من الطريقة الصناعية لاستنباط الأحكام الشرعية والاجتهاد، ونعود إِلى الطريقة الطبيعية التي سادت العصور الثلاثة الأولى، أي طريقة الصحابة والتابعين وتابعيهم في الاستدلال والاجتهاد، فما علينا إِلا الانكبابُ على النصوص من كتاب الله المجيد، والأحاديث النبوية الشريفة: قراءةً وحفظاً وتفسيراً، انكباباً يصحُّ وصفُه بأنه معايشةٌ دائمةٌ للنصوص الشرعية، يستمر السنين والسنين، حتى تتكون لدينا القدرة والدراية، التي كان يملكها صحابةُ رسول الله ﵌ في التعامل مع النصوص الشرعية فهماً واستنباطاً ودلالات، تماماً مثل القدرةِ التي نملكها نحن في التعامل مع كلامِ بعضنا لبعضٍ، فنفهم النصوص كما نفهم تماماً كلامَ بعضنا لبعضٍ، وبدون هذه الطريقة فلن يُفتحُ بابُ الاجتهاد، وإِن فُتح فلن يكون اجتهاداً صحيحاً فيه قابليةُ الدوام والاستمرارية. ولي هنا وقفةٌ مهمةٌ، فأقول ما يلي: إنَّ المجتهد إِما أن يكون مجتهِداً مطلقاً، وإِما أن يكون مجتهدَ مسألة، وإِما أن يكون مجتهد مذهبٍ كما هو معلوم، فأَما المجتهدان الأول والثاني فإن فيهما الخير الكثير للفقه وللمسلمين. أما مجتهد المذهب، وهو من يقوم بالاجتهاد بحسب القواعد الأُصولية التي يتبناها إِمامُه فينظر، فإن كان هذا المجتهدُ يُطلِق لعقلِه ولفهمِه العِنان في استنباط الأحكامِ، ولا يتقيد بما توصل إليه إِمامه من أحكام، فلا بأس، وفيه من الخير ما في المجتهد المطلق ومجتهد المسألةِ، وذلك كابن المنذر من الشافعية. وأما إن كان هذا المجتهدُ لا يخرج في اجتهاده عن اجتهاد إِمامه، ولا يكون له من همٍّ وقصدٍ إلا نصرة مذهبه وإِمامه فإن هذا المجتهد لا بدَّ من أن يُتهمُ بمجانبة النزاهةِ والموضوعيةِ، ويُحجَب في كثير من الأحيان عن الرأي الصائب والحكم الصحيح وذلك كالطحاوي من الحنفية.

стр. 8

ولي هنا وقفةٌ مهمة أخرى هي: أنَّ المسلمين كما أنهم في حاجةٍ لثورةٍ فكريةٍ غير تقليدية لإِنهاضهم وتخليصهم من التخلف، فإِنَّ الفقه الإسلاميَ في حاجةٍ هو الآخر لثورةٍ وإبداعٍ غير تقليديَّين من أجل إعادة الحياةِ إليه، ولا تكون الثورةُ بالتوسُّع في التعليم العالي في الجامعات وكليات الشريعة ولن تكون، ما دامت الجامعاتُ والكلياتُ تسير على المناهج الحالية، إِذ أنَّ هذه الجامعات والكليات، ومنها جامعةُ الأزهر، قد اعتمدت الطريقة الصناعية في الفقه وجمدت عليها، ولم يعد يُرجى منها إحداثُ ثورة فيه، ولذا لا نجد جامعةً ولا كلية شريعة قد خرَّجت مجتهدين ولا حتى فقهاء، وإنما تقوم هذه الجامعات والكلياتُ بتخريج متعلمين ومتفقهين فحسب، والفارق بين الفقيه والمتفقه، هو أن الفقيه يملك رأياً خاصاً به في المسائل الفقهية، أما المتفقه فهو من لا يملك رأياً خاصاً به، وإنما يملك آراءَ غيره من الفقهاء، فتجده إن سُئل عن مسألةٍ فقهية أجاب بقوله: إنَّ المذهب الفلاني يقول في هذه المسألة كذا، وإنَّ العالم أو الإمام العلاني يقول في هذه المسألة كذا وقلما تجده يُرجِّح بين الرأيين، وحتى لو قام بالترجيح فإن الرأي الذي يرجِّحه ليس رأيه هو وإنما هو رأي فقيه من الفقهاء. وإني أرى أنَّ الحل الأوحد هو فعلاً العودةُ إلى طريقة الصحابة في التلقي والاستنباط،وتكون بأن تقوم الجامعاتُ والكلياتُ والمعاهد الشرعيةُ بإِقرار هذه الطريقة وجعل المناهج كلها تقوم عليها، وما لم يحصل هذا، فإنَّ الفقه سيظلَّ في حالة جمودٍ وركود، والله يهدينا إلى الرشاد والسداد.

стр. 9

أحببت أن أذكر لكم هذه النقاط الرئيسية الثماني لشرح النموذج والتعريف به وبيان الغرض منه والدواعي إليه، وكلي أملٌ في أن يخرج في هذه الأمة الكريمة رجالٌ ينهجون هذا النهج، ويُعيدون إلى الفقه الإسلامي أَصالَتَه وجماله وعظمته ويتناولون ما يستجِدُّ من وقائعَ وأعمالٍ ومشاكلَ، ويستنبطون لها الأحكام الشرعية الصحيحة. ...وقد التزمتُ في هذا الكتاب بوضع رقم كل حديث أخذته من مصدره كما هو مثبت فيه، وهو ما لم يحصل في الكتاب السابق رغم دقة النقل وصوابيته التامة فيه وهي إِضافة نافعة وذلك ليسهل الرجوع إلى أي حديث إن وُجِدَت لدى القارئ رغبةٌ وحاجةٌ إلى قراءته في مصدره. وحيث أنني التزمت عند تعدُّد رواة الحديث بوضع اسم صاحب اللفظ المثبت في الكتاب في مقدمة الرواة، وهو ما نوَّهت به في مقدمة كتاب [الجامع لأحكام الصلاة] فقد اكتفيتُ بوضع رقم الحديث المثْبَت فقط إلا في حالات قليلة دعت الدواعي إلى ذكر لفظٍ ثانٍ، فوضعت له رقماً هو الآخر. ...وتجدون في آخر الكتاب ثَبتاً بمصادر النصوص المعتمدة في هذا الكتاب، مع ذِكر معلومات عنها حتى تُحْصَر المراجعةُ بها ويتسنى التثبُّتُ من صحة النصوص الواردة في الكتاب، وهذه المصادر في غالبيتها قد تمَّ ترتيب الأحاديث فيها على طريقة الرقم المتسلسل، والقليل منها تمَّ ترتيبُ الأحاديث فيها على طريقة الموضوعات، ولم تُوضع لها أرقامٌ متسلسلة، فما كان منها بحسب الطريقة الأولى، فإني أَثبتُّ الرقم المتسلسل للحديث، وما كان منها بحسب الطريقة الثانية، فإني أَثبتُّ رقم الجزء أولاً، ثم رقم الصفحة المتضمِّنة للحديث، هكذا (٤/٢٥٠) مثلاً، فرقم ٤ هو رقم الجزء، ورقم ٢٥٠ هو رقم الصفحة، باستثناء المعجم الكبير للطبراني، ومسند أبي يعلى الموصلي، فإن الرقم الأول هو رقم الجزء، والرقم الثاني هو رقم الحديث فيهما.

стр. 10

...وإني لأدعو الله السميع العليم أن يتقبًّل مني ما بذلتُ وما نويتُ وما إليه هدفت وأن يلقى هذا الكتاب من القبول ما لقيه الكتاب الأول، والحمد لله أولاً وآخراً. الخميس: ٢٨ من شهر جمادى الأولى عام ١٤٢٣هـ ... ٨ من آب (أغسطس) عام ٢٠٠٢ م الفصل الأول: صيام رمضان – أحكام عامة الفصل الأول صيامُ رمضان – أحكامٌ عامة: الصوم في اللغة هو الإمساك، والصمت، والركود، وما في معناها. وقد ورد الصوم بهذا المعنى في كتاب الله الكريم، قال تعالى ﴿فكُلي واشربي وقَرِّي عيْناً فإِما تَرَيِنَّ من البَشَرِ أَحَداً فقولي إِني نَذَرتُ للرحمنِ صَوْماً فلن أُكلِّمَ اليومَ إِنْسِيَّاً﴾ الآية ٢٦ من سورة مريم. ...وأما الصوم في الشرع، فهو إِمساكٌ عن المفَطِّرات، وهي: الأكل والشرب والجماع والاستعاط والاستقاء، بنيَّةِ التقرُّبِ إلى الله سبحانه من فجر اليوم إلى مغربه. وقد ورد الصوم بمعناه الشرعي في كثير من آيات الله الكريمات، لا حاجة لذكرها هنا وذلك لشهرتها ومعرفة الناس بها. فضل الصيام: ورد في فضل الصيام كثيرٌ من الأحاديث أذكر منها ما يلي: ١- عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال ﴿قال الله: كلُّ عملِ ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أَجزي به، والصيام جُنَّة، وإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فلْيقلْ: إني امرؤٌ صائم والذي نفسي بيده لَخُلُوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه﴾ رواه البخاري (١٩٠٤) ومسلم والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ﴿قال ربكم ﵎: كلُّ العمل كفارةٌ، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أَجْزي به ... ﴾ رواه أبو داود الطيالسي (٢٤٨٥) وأحمد.

стр. 11

وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ﴿كلُّ عملِ ابن آدم يضاعَف، الحسنةُ عشرُ أمثالها إلى سبعِمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم فإنه لي، وأنا أَجزي به ... ﴾ رواه مسلم (٢٧٠٧) والنَّسائي والدارمي والبيهقي. ورواه أحمد (٩٧١٢) وابن ماجة بلفظ ﴿قال رسول الله ﷺ : كل عمل ابن آدم يُضاعَف، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعِمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله : إلا الصوم فإنه لي وأَنا أَجزي به ... ﴾ بزيادة (إلى ما شاء الله) . ٢ – عن سهل – بن سعد – ﵁، عن النبي ﷺ قال ﴿إِن في الجنة باباً يقال له الرَّيَّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد﴾ رواه البخاري (١٨٩٦) ومسلم والنَّسائي. ورواه ابن ماجة (١٦٤٠) والترمذي بلفظ ﴿ ... فمن كان من الصائمين دخله، ومن دخله لم يظمأ أبداً﴾ . ٣– عن عبد الله – بن مسعود – ﵁ قال: قال النبي ﷺ ﴿من استطاع الباءةَ فلْيتزوجْ فإِنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإِنه له وِجاءٌ﴾ رواه البخاري (١٩٠٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي. والوِجاء: رضُّ الخِصيتين أو رضُّ عروقهما لقطع الشهوة.

стр. 12

٤- عن حذيفة – بن اليمان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول ﴿فتنةُ الرجل في أهله وماله وجارِه تُكفِّرها الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ ... ﴾ رواه البخاري (١٨٩٥) ومسلم. ورواه ابن أبي شيبة (٨/٥٩٥) بلفظ ﴿فتنةُ الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وجاره، يكفِّرها الصيام والصدقة، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر﴾ وعنه رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال ﴿مَن خُتم له بصيام يومٍ دخل الجنة﴾ رواه البزَّار (١٠٣٨) . ورواه أحمد مطوَّلاً. قال الهيثمي [رجاله موثَّقون] . ٥- عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال ﴿الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أَيْ ربِّ منعتُه الطعامَ والشهواتِ بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعتُه النوم بالليل، فشفِّعني فيه، فيُشفَّعان﴾ رواه أحمد (٦٦٢٦) وسنده حسن. ورواه الطبراني في كتاب المعجم الكبير. ورواه الحاكم وصححه. ٦- عن أبي أُمامة ﵁ قال ﴿أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: مُرني بعملٍ يُدخلني الجنة، قال: عليك بالصوم، فإنه لا عِدْل له، ثم أتيته الثانية فقال لي: عليك بالصيام﴾ رواه أحمد (٢٢٥٠١) والنَّسائي وابن حِبَّان وابن خُزيمة وابن أبي شيبة والطبراني في المعجم الكبير. وفي لفظٍ ثانٍ عند ابن حِبَّان (٣٤٢٥) والنَّسائي ﴿ ... عليك بالصوم فإنه لا مِثلَ له ... ﴾ .

стр. 13

٧- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم: الإمامُ العادل، والصائمُ حتى يفطر، ودعوةُ المظلوم، يرفعها الله دون الغَمام يوم القيامة وتُفتح لها أبوابُ السماء، ويقول: بعزَّتي لأنصرنَّكِ ولو بعد حين﴾ رواه ابن ماجة (١٧٥٢) . والغمام هنا هو الغمام المذكور في قوله تعالى ﴿يومَ تَشَقَّقُ السماءُ بالغَمَامِ﴾ وفي قوله سبحانه ﴿هل يَنْظُرون إلا أَن يأتيَهُم اللهُ في ظُلَلٍ من الغَمَامِ﴾ . ٨- عن عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يقول ﴿الصوم جُنَّةٌ من النار كجُنَّةِ أحدِكم من القتال﴾ رواه النَّسائي (٢٢٣١) وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان وابن أبي شَيْبَة. ٩- عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال ﴿قال ربُّنا : الصيام جُنَّةٌ يَستجِنُّ بها العبدُ من النار وهو لي وأنا أَجزي به﴾ رواه أحمد (١٤٧٢٤) بسند جيد. ورواه البيهقي. ١٠ - عن أبي عبيدة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ﴿ ... والصومُ جُنَّة ما لم يَخْرِقْها ... ﴾ رواه أحمد (١٦٩٠/١٧٠٠) . ورواه الدارمي (١٧٣٣) بلفظ ﴿الصومُ جُنة ما لم يخرقها، قال أبو محمد: يعني بالغيبة﴾ ورواه الطبراني في المعجم الأوسط (٤٥٣٣) من طريق أبي هريرة ﵁.

стр. 14

فأكرمْ بالصيامِ من عبادةٍ هذه فضائلُها. فالصوم جُنَّة، أي حفظٌ وعصمة، وهو قامعٌ للشهوة لمن لم يستطع الزواج، وهو مكفِّرٌ للذنوب عند الفتن، وهو شافعٌ مشفَّع لصاحبه يوم القيامة، وللصائمين باب الرَّيَّان، من دخله منهم لم يظمأ أبداً. ويكفي في بيان فضل الصوم ما جاء في الحديث (الحسنةُ عشرُ أمثالها إلى سبعِمائةِ ضِعف، قال الله : إلا الصوم فإنه لي وأنا أَجزي به) . فلو لم يكن للصوم من حديثٍ يذكر فضله إلا هذا الحديث لكفى. فحقاً إن الصوم لا مثلَ له ولا عِدلَ له كما ورد في الحديث السادس، وليس للصيام من نتيجة تبعاً لكل ما سبق، إلا دخول الجنة كما ورد في حديث حذيفة ﵁ عند البزَّار وأحمد، واستحق بصيامه أن يكرمه الله باستجابة دعائِه، كما ورد في الحديث السابع. فضلُ رمضان: قد وردت في فضلِ شهرِ رمضانَ الأحاديثُ التالية: ١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ كان يقول ﴿الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مكفِّراتُ ما بينهنَّ إذا اجتَنَبَ الكبائر﴾ رواه الإمام مسلم (٥٥٢) وأحمد. ورواه البخاري في التاريخ الكبير. ٢- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿رَغِم أنفُ رجلٍ ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ، وَرغِم أنفُ رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يُغفَر له، ورَغِم أنفُ رجل أدرك عنده أبواه الكبرَ، فلم يُدخلاه الجنة – قال ربعي –: ولا أعلمه إلا قد قال: أو أحدُهما﴾ رواه الإمام أحمد (٧٤٤٤) والترمذي وابن خُزيمة والحاكم، وإسناده جيد. ٣- وعنه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا دخل رمضان فُتحت له أبوابُ السماء، وغُلِّقتْ أبوابُ جهنم، وسُلسلت الشياطينُ﴾ رواه البخاري (١٨٩٩) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي، باختلافٍ في الألفاظ.

стр. 15

٤- وعنه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه﴾ رواه البخاري (٣٨) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان. ولأحمد (٨٩٨٩) والنَّسائي في رواية ثانية من طريقه ﴿ ... غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر﴾ بزيادة (وما تأخر) . قال المنذري بإسنادٍ حسن. إلا أن حماداً شكَّ في وصله، أو انفرد بهذه الزيادة قتيبة بن سعيد عن سفيان. ٥- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ ﴿عُمرة في رمضان تعدل حَجَّةً﴾ رواه ابن ماجة (٢٩٩٤) والنَّسائي وأحمد. وروى ابن ماجة (٢٩٩١) الحديث بلفظه، وأحمد والترمذي من طريق وهب بن خَنْبَش. ورواه أحمد (١٤٨٥٥) وابن ماجة من طريق جابر رضي الله تعالى عنه. وروى البخاري (١٨٦٣) من طريقه، ومسلم وأبو داود بلفظ ﴿ ... فإنَّ عُمرةً في رمضان تقضي حجة أو حجة معي﴾ وروى الطبراني في المعجم الكبير (٢٥/٣٦٤) وأبو داود وأحمد عن أم معقل ﵂ قالت ﴿يا رسول الله إني امرأة قد كبرتُ وقد سقمتُ، فهل عملٌ يَجزي عني من حجتي؟ فقال: عمرة في رمضان تُجْزيءُ عنك﴾ . ٦- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال ﴿إذا كان أول ليلة من رمضان، صُفِّدت الشياطين ومَرَدةُ الجن، وغُلِّقت أبوابُ النار، فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبوابُ الجنة، فلم يُغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغيَ الخير أَقْبِل ويا باغي الشَّرِّ أَقْصِر، ولله عُتَقاءُ من النار، وذلك في كل ليلة﴾ رواه ابن ماجة (١٦٤٢) وابن حِبَّان والبيهقي. ورواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. ورواه ابن خُزيمة (١٨٨٣) إلا أنه قال ﴿صُفِّدت الشياطينُ مَرَدةُ الجن﴾ وروى الطبراني في كتاب المعجم الأوسط (١٥٨٦) والنَّسائي قريباً منه من طريق عُتبة بن فرقد ﵁.

стр. 16

ودلالات هذه الأحاديث واضحة لا تحتاج إلى تفسير. فإذا أضيفت الأحاديث الواردة في فضل الصيام بشكل مطلق إلى موضوعنا هذا، هذا ظهر تماماً فضلُ رمضان والصوم فيه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسُه القرآن، فَلَرسولُ الله أجودُ بالخير من الريح المرسَلَة﴾ رواه البخاري (٦) ومسلم والنَّسائي والترمذي وأحمد وابن حِبَّان. متى شُرع الصيام الواجب ؟ ...اختلف الفقهاء والأئمة في تعيين أول صوم مفروض على المسلمين، فذهب الأحناف وابن حجر من الشافعية إلى أن أول ما فُرض هو صيام يوم عاشوراء. وزاد الأحناف: ثلاثة أيام من كل شهر. وقالوا: إن ذلك قد نُسخ بصوم رمضان، بحيث يمسك الصائم من صلاة العشاء إلى غروب الشمس، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم هُنَّ لِباسٌ لكم وأَنتم لِباسٌ لهنَّ عَلِمَ الله أَنكم كُنتم تخْتانُون أَنْفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآن باشِرُوهُنَّ وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشْربوا حتى يتبينَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسْودِ من الفَجْرِ ثم أَتِمُّوا الصيامَ إِلى الليل ... ﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة. كما أنهم استدلوا على ما ذهبوا إليه بالأحاديث التالية:

стр. 17

١- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال ﴿أُحيلت الصلاةُ ثلاثةَ أحوال، وأُحيل الصيامُ ثلاثةَ أحوال – فذكر الحديث إلى أن قال – وأما أحوالُ الصيام، فإن رسول الله ﷺ قدِم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام – وقال يزيد: تسعة عشر شهراً – من ربيع الأول إلى رمضان، من كل شهر ثلاثة أيام وصام يوم عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام فأنزل الله (يا أَيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصِّيامُ كما كُتبَ على الذين من قبلِكم ... ) إلى هذه الآية ( ... وعلى الذين يُطيقونُه فِدْيةٌ طعامُ مسكين ... ) قال: فكان مَن شاء صام، ومن شاء أطعم مسكيناً، فأجزأ ذلك عنه، قال: ثم إن الله أنزل الآية الأخرى (شهرُ رمضانَ الذي أُنزلَ فيه القرآنُ ... ) إلى قوله ( ... فمن شهدَ منكم الشَّهرَ فَلْيصُمْه ... ) قال: فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخَّص فيه للمريض والمسافر، وثبَّت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حَوْلان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون، ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا، قال: ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له صِرْمة، ظل يعمل صائماً حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائماً، قال: فرآه رسول الله ﷺ ، وقد جَهَد جَهْداً شديداً، قال: مالي أراك قد جَهَدْت جَهْداً شديداً؟ قال: يا رسول الله، إني عملتُ أمسِ، فجئت حين جئت، فألقيتُ نفسي فنمت، وأصبحتُ حين أصبحتُ صائماً، قال: وكان عمر قد أصاب النساء من جارية، أو من حرَّة، بعدما نام، وأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فأنزل الله (أُحلَّ لكم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم ...) إلى قوله ( ... ثم أتِمُّوا الصيامَ إِلى الليلِ ... ) – وقال يزيد –

стр. 18

فصام تسعةَ عشر شهراً من ربيع الأول إلى رمضان﴾ رواه الإمام أحمد (٢٢٤٧٥) وأبو داود والبيهقي. وروى مسلم وأحمد مثله عن عبد الله بن مسعود أيضاً. ٢- عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال ﴿صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان تُرِك، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه﴾ رواه البخاري (١٨٩٢) ومسلم وأحمد والبيهقي. وفي لفظٍ ثان للبخاري (٤٥٠١) ومسلم وأبي داود وأحمد من طريقه ﴿كان عاشوراء يصومه أهلُ الجاهلية، فلما نزل رمضان قال: من شاء صامه، ومن لم يشأ لم يصمه﴾ . ٣- عن عائشة ﵂ ﴿أن قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه حتى فُرض رمضان، وقال رسول الله ﷺ من شاء فلْيصُمْ ومن شاء أفطر﴾ رواه البخاري (١٨٩٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وروى البخاري (٤٥٠٤) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي ومالك وأحمد والدارمي من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت ﴿كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي ﷺ يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان رمضانُ الفريضةَ وتُرك عاشوراء، فكان من شاء صامه، ومن شاء لم يصمه﴾ . ٤- عن علقمة عن عبد الله - بن مسعود – رضي الله تعالى عنه قال ﴿دخل عليه الأشعث وهو يَطْعَم فقال: اليوم عاشوراء، فقال: كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرك، فادْنُ فكُل﴾ رواه البخاري (٤٥٠٣) ومسلم وأحمد والبيهقي.

стр. 19

٥- عن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ ﵂ قالت ﴿أرسل النبي ﷺ غداةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فلْيُتمَّ بقيةَ يومه ومن أصبح صائماً فلْيصمْ قالت: فكنا نصومه بعدُ ونُصوِّم صبيانَنا، ونجعل لهم اللعبةَ من العِهْن فإذا بكى أحدُهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار﴾ رواه البخاري (١٩٦٠) ومسلم وابن خُزيمة وابن حِبَّان والبيهقي. ٦- عن سَلَمَة بن الأكوع ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء: إِنَّ مَن أكل فليُتِمَّ أو فلْيصُمْ ومن لم يأكل فلا يأكل﴾ رواه البخاري (١٩٢٤) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي. وذهب الجمهور والشافعية في المشهور عنهم، إلى أنه لم يُفرض قطُّ صومٌ قبل صوم رمضان، واستدلوا على قولهم هذا بما روى حُمَيد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية ابن أبي سفيان ﵄ يوم عاشوراء عام حجٍّ على المنبر يقول ﴿يا أهل المدينة أين علماؤُكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يَكْتُب الله عليكم صيامَه وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر﴾ رواه البخاري (٢٠٠٣) ومسلم والنَّسائي وابن حِبَّان. ورواه أحمد بن حنبل (١٦٩٩٢) بلفظ ﴿هذا يوم عاشوراء، ولم يُفرض علينا صيامُه، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم فإني صائم، فصام الناس﴾ فنقول ما يلي: الحديث رقم ١ الذي رواه أحمد من طريق معاذ ﵁ فيه انقطاع بين عبد الرحمن ابن أبي ليلى ومعاذ، وذلك أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذاً كما ذكر ذلك المحدِّثون، فهو إذن حديث منقطعٌ، فيُردُّ سنداً، وبردِّه يُرَدُّ قول الأحناف بفرض صيام ثلاثة أيام قبل شهر رمضان. ونأتي الآن لمناقشة الأدلة الصحيحة:

стр. 20

الآية ليس فيها ذكرٌ لأي صومٍ فُرض على المسلمين قبل رمضان ولذا فإن هذه الآية لا يصح الاستدلال بها على موضوعنا. أما حديثا ابن عمر وحديثا عائشة عند البخاري، فإن ألفاظها لها دلالة واحدة، هي أن الرسول ﷺ قد أمر بصوم عاشوراء إلى أن فُرض رمضان فلما فُرض رمضان لم يعد الرسول ﷺ يأمر بصوم عاشوراء. وهذا الأمر يشكِّل دليلاً على أن يوم عاشوراء كان صومُه مفروضاً على المسلمين عند من يقولون ويتبنَّون أن الأمر يفيد الوجوب. فنقول لهؤلاء: إننا لا نُقِرُّكم على أن الأمر يفيد الوجوب، وإنما نحن نرى أن الأمر يفيد مجرد الطلب، والقرائن هي التي تحدِّد نوع الطلب إن كان واجباً أو مندوباً أو حتى مباحاً وإذن فإن أمر الرسول ﷺ بصيام يوم عاشوراء، هكذا دون قرينة على الوجوب، لا يدل على أن صوم يوم عاشوراء كان واجباً. ونضيف لهؤلاء القول: إنكم لا تقولون ما تقولون على إطلاقه، وإنما تقولون إن الأمر يفيد الوجوب، إلا إن وُجِدت قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب مثلاً، فهلا بحثتم عن القرينة، وهي موجودة في النصوص بشكل لا يخفى على فقيه؟!

стр. 21

...إن حديث معاوية عند البخاري وأحمد، يصلح قرينةً ظاهرةً تصرف الأمر النبوي الكريم إلى الندب، فقوله ﵊: (لم يَكْتُب اللهُ عليكم صيامه وأنا صائم) ، أو قوله (ولم يُفرض علينا صيامُه فمن شاء منكم أن يصوم فليصم) هو قرينة على أن الأمر النبوي الكريم بصيام يوم عاشوراء كان أمراً على الندب وليس على الوجوب. أما أنه ليس أمراً على الوجوب فواضحٌ بالمنطوق، وأما أنه أمرٌ على الندب فهو أنه ﵊ قال للمسلمين (وأنا صائم) وقال لهم (فمن شاء منكم أن يصوم فليصم) فكونه ﵊ يعلن أنه صائم ويأمر من يشاء أن يصوم بالصوم، وكون الصوم عبادة يُتقرب بها إلى الله سبحانه فإن ذلك يشكل دليلاً وقرينة على أن صيام عاشوراء مندوب. ...أما استدلالهم بحديثي الرُّبيِّع عند البخاري، وحديث سَلَمة بن الأكوع عنده أيضاً، فأقول: إن لفظ الحديثين من حيث الدلالة واحد، الحديث الأول يقول (من أصبح مفطراً فلْيُتمَّ بقيةَ يومه، ومن أصبح صائماً فليصم) والحديث الثاني يقول (إنَّ مَن أكل فليُتمَّ أو فلْيصمْ، ومن لم يأكل فلا يأكل) وهذان الحديثان لم يأتيا في باب فرض الصوم لا بالمنطوق ولا بالمفهوم، أما بخصوص المنطوق فواضح، وأما بخصوص المفهوم، فإن الرسول ﷺ حين يأمر بأمرٍ واجبٍ يُرشدنا إلى كيفيته، وأيضاً عندما يأمرنا بأمر مندوب يرشدنا إلى كيفيته دون أن يكون لذِكر الكيفية دلالةٌ على الوجوب أو على الندب، وإنما هي تابعة في الحكم لأصل الأمر، فإن كان الأمر للوجوب أُلحقت كيفيته به، وإن كان الأمر للندب كانت الكيفية تابعة له في الندب. ولا حاجة بنا لذكر الأمثلة على ما نقول فهي من الشيوع والشهرة بحيث لا تخفى على عالم أو فقيه. وهنا جاء ذكر كيفية العمل عند مرور وقتٍ من نهار يومٍ يُصام ولا تدل هذه الكيفية مطلقاً على وجوب ذلك الصوم.

стр. 22

...وأما حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فإنه لا يضيف شيئاً إلى أحاديث ابن عمر وعائشة ﵄، وهكذا يبقى حديث معاوية بمنطوقه دليلاً ناصعاً على نفي وجوب صيام يوم عاشوراء، فوجب القول به وترك ما سواه. ثم مالنا نبتعد كثيراً في البحث في هذه المسألة، وعندنا الدليل والفيصل الساطع في كتاب الله الكريم، يقول تعالى في الآية ١٨٣ من سورة البقرة ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتبَ عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قبلِكُم لعلَّكم تتَّقون﴾ انظروا في قوله ﴿كُتب عليكم الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم﴾ فقوله كتب عليكم الصيام هنا، جاءت كلمة الصيام عامة ومطلقة، وجاء البيان بأن الصيام قد كتب علينا آنذاك ولو كان الصيام مفروضاً علينا من قبل لما جاء اللفظ الكريم هكذا، فهذه الآية الكريمة جاءت تعلن فرض الصيام، وتدل على أنه لم يكن صيامٌ مفروضٌ قبل ذلك، هذه واحدة. والثانية هي قوله، كما كتب على الذين من قبلكم، ولو كان الصيام مكتوباً علينا من قبل هذه الآية لما جاء القول كما كتب على الذين من قبلكم، فقد قال كما كتب على الذين من قبلكم، ولم يقل كما كتب عليكم في يوم عاشوراء مثلاً، وهذا دليل ناصع على أنه لم يكن على المسلمين صيام واجب قبل صيام شهر رمضان، وغفر الله لمن يقول غير ذلك وإِنما الأخطاء عند الفقهاء والعلماء تأتي من الاقتصار على دليل أو بضعة أدلة وترك ما عداها، وكأنَّ الاجتهاد مسالةُ انتقاءٍ للنصوص، وليس أخذاً بها وإِعمالاً لها كلِّها إلا أن يكون منها ضعيف أو مخالفٌ للأحاديث الصحيحة فيطرح ولا يُلتفت إليه. ...وقد نطقت عدةُ أحاديث بفرض صيام شهر رمضان دون أن نجد حديثاً واحداً ينطق بفرض صيام عاشوراء، أذكر منها على سبيل المثال:

стр. 23

١- عن طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه ﴿أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله ... أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان، إلا أن تَطوَّع شيئاً ... ﴾ رواه البخاري (١٨٩١) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. ٢- عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿بُني الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإِقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحجِ، وصومِ رمضانَ﴾ رواه البخاري (٨) ومسلم والنَّسائي والترمذي وأحمد. ولا يُبنى الإسلام إلا على الفروض الواجبة، بل ولا يُبنى إلا على الأركان. النيَّة في الصيام: ذهب عبد الله بن عمر وجابر بن زيد من الصحابة، ومالك والليث وابن أبي ذئب إلى أنه لا بُدَّ من تبييت نيةِ الصيام وإيقاعِها في الليل في أي جزء منه، لا فرق في الصيام بين الواجب منه والمندوب، أي لا فرق بين صيام رمضان وصيام النذر وصيام الكفارات الواجب، وبين صيام التطوُّع المندوب. وذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى وجوب تبييت النية في الليل لصيام الفرض دون صيام التطوُّع، قائلين إنه لا يجب تبييت النية في صيام التطوُّع.

стр. 24

...وهل تجب النية في رمضان لكل يوم كما يقول الجمهور، أم أن الصائم تُجزِئهُ نيةٌ واحدةٌ لجميع الشهر، كما يقول مالك وأحمد وإسحق؟ وهل يصح الصيام في رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية كما يقول زُفر من الأحناف وعطاء ومجاهد والزُّهري؟ وإذا جازت النية في النهار في صيام التطوُّع، كما يقول ابن عباس وابن مسعود وحذيفة وأبو هريرة وأبو الدرداء وأبو طلحة وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهم، وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، فهل تجب النية قبل الزوال – أي قبل الظهيرة – ولا تجزئ بعدها كما يُروى ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وعن أبي حنيفة وعن الشافعي في قولٍ له؟ أم تصحُّ النية قبل الظهر وبعده، كما يقول ابن عباس وعائشة وحذيفة ﵃، وأحمد والشافعي في القول الآخر؟ وحتى نتبين وجه الحق في هذه المسائل دعونا نستعرض هذه النصوص: ١- عن حفصة ﵂ زوجِ النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال ﴿من لم يُجْمِع الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له﴾ رواه ابن خُزيمة (١٩٣٣) وأضاف [وأخبرني ابن عبد الحكم أن ابن وهب أخبرهم بمثله سواء، وزاد قال: وقال لي مالك والليث بمثله] ورواه أيضاً أحمد وابن حِبَّان والحاكم وابن حزم وصححوه هكذا، أي مرفوعاً. في حين أن النَّسائي والترمذي صحَّحا وقفه على حفصة. وذكر أبو داود بعد أن رواه مرفوعاً أن مَعْمَرَ والزُّبيدي وابن عُيينة ويونس الأَيلي وقفوه على حفصة أيضاً. ورواه ابن ماجة والدارمي مرفوعاً فقط. فهذا الحديث مختلَف فيه، منهم من صحَّح رفعه، ومنهم من صحَّح وقفه على حفصة.

стр. 25

٢- عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت ﴿دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيءٌ؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله أُهدي لنا حَيْسٌ، فقال: أرينيه، فلقد أصبحتُ صائماً، فأكل﴾ رواه مسلم (٢٧١٥) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. والحَيْس: هو طعامٌ من سمن وأَقِط، أي جميد، وتمر، وقد يُجعل الدقيق بدل الأقِطِ. ووقع عند النَّسائي (٢٣٣٠) أيضاً، والبيهقي والدارَقُطني بسند صحَّحه البيهقي، بلفظ ﴿عن عائشة أم المؤمنين قالت: جاء رسول الله ﷺ يوماً فقال: هل عندكم من طعام؟ قلت: لا، قال: إذن أصوم، قالت: ودخل عليَّ مرة أخرى، فقلت: يا رسول الله قد أُهدي لنا حَيْسٌ، فقال: إذن أُفطِر وقد فرضتُ الصوم﴾ . ٣- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال ﴿الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار﴾ رواه البيهقي (٤/٢٧٧) . وروى مثله من طريق أبي أُمامة ﵁. ٤- عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ﴿أنه كان يصبح حتى يُظهر، ثم يقول: والله لقد أصبحتُ وما أريد الصوم، وما أكلتُ من طعامٍ ولا شرابٍ منذ اليوم، ولأصومنَّ يومي هذا﴾ رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢ /٥٦) . ٥- عن أبي الأحوص عن عبد الله – بن مسعود – ﵁ قال ﴿متى أصبحتَ يوماً فأنتَ على أحد النظرين ما لم تَطْعَمْ أو تشربْ إن شئت فصم وإن شئت فأَفطر﴾ رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/٥٦) وروى البيهقي مثله (٤/٢٧٧) . ٦- عن أبي عبد الرحمن ﴿أن حذيفة بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس فصام﴾ رواه الطحاوي في كتاب شرح معاني الآثار (٢/٥٦) وابن أبي شيبة والبيهقي. وروى عبد الرزاق (٧٧٨٠) عن سعد بن عبيدة قال ﴿قال حذيفة: من بدا له الصيام بعد ما تزول الشمس فليصم﴾ .

стр. 26

الحديث الثالث من طريق أنس رضي الله تعالى عنه فيه عون بن عمارة العنبري وكذلك رواية أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه تفرَّد بها عون هذا وهو ضعيف كما ذكر البيهقي نفسه، فيرد الحديث بروايتيه. والحديث الأول رُوي عن أُم المؤمنين حفصة، مرفوعاً وموقوفاً، وقد صحَّح المرفوع ناسٌ وصحَّح الموقوف ناس آخرون فأقول: إن الزيادة من الثقات مقبولة، والزيادة هنا رفعُ الحديث إلى الرسول ﵊ وقد صحَّت عند عدد من المحدِّثين. وهذا الحديث واضح الدلالة على وجوب تبييت النية قبل الفجر، أي في الليل، وقد جاء اللفظ عاماً في الصيام، فيُعمَل به على عمومه إلا أن تَرِدَ أحاديثُ تخصِّصه فيُحمَل عليها وقد جاء الحديثان المرويان عن عائشة ﵂ في البند ٢ يذكران أن الرسول ﷺ قد نوى الصيام في النهار عندما لم يجد طعاماً عندها، وأنه عندما وجد طعاماً مرة أخرى، وكان صائماً، أفطر وأكل من الطعام، ليدل كلُّ ذلك على جواز النية في النهار لصوم التطوُّع، لأن واقع الحديثين أنه في التطوُّع، فكان هذان الحديثان صالحيَن لصرف حديث حفصة إلى صيام الفريضة. وعليه فإِنَّا نقول إِنه لا بد لصيام الفرض من نيَّة مبيَّتة في الليل، ونقول إنه يجوز عقدُ النية في النهار لصيام التطوع. وبهذا يُرَدُّ القول الأول المروي عن عبد الله بن عمر وجابر ومالك والليث وابن أبي ذئب بأن المندوب يحتاج أيضاً إلى تبييت النية من الليل إذ أن حديث عائشة ردٌّ على هؤلاء، ويثبت في المقابل قولُ أبي حنيفة والشافعي وأحمد بوجوب تبييت النية في الليل لصيام الفرض فقط دون صيام التطوُّع.

стр. 27

...بقيت الآثار ذوات الأرقام (٤، ٥، ٦) فأقول ما يلي: إِن هذه أقوالُ صحابة، وأقوال الصحابة وأفعالهم ليست أدلةً وليست حُجةً، وإنما هي أحكام شرعية يصح تبنِّيها وتقليدُها، لا سيما إذا لم يكن قد رُوي ما يعارضها عن صحابة آخرين، وهنا لا أعلم أثراً واحداً رُوي يخالفها. الأثر الأول يقول إنَّ ابن عباس قد قرَّر الصيام في النهار دون أن يكون قد نواه من قبلُ ولكنه لم يكن قد تناول طعاماً في يومه ذاك. والأثر الثاني عن ابن مسعود يقول بقول ابن عباس، وإن اختلفت العبارتان، فهو يبين جواز عقد نية الصيام في النهار إن كان لم يأكل أو لم يشرب بعد. والأثر الثالث يذكر أن حُذَيفة صام بعد زوال الشمس من نهاره أي أنه عقد نية الصيام بعد الظهيرة وأعلن ذلك للناس. فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة يجيزون عقد نية الصيام في النهار، وقيَّده اثنان منهم بأن لا يكون الشخص آنذاك قد أكل أو شرب، وذكر حذيفة جواز عقد النية بعد الظهيرة، وهذه الآثار ردٌّ على من أوجب عقد النية قبل الظهيرة ولم يُجزها بعد الظهيرة. أما فعل حذيفة وقوله فواضحان، وأما أثرا ابن عباس وابن مسعود فقد وردا مطلقَيْن من أي تقييد زمني، ولم يكن فيهما من تقييدٍ سوى عدم الأكل قبل النية والمطلق يُعمل به على إطلاقه ما لم يُقيَّد، وهنا لا يوجد تقييد. ثم إن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قد خلا بروايتيه أيضاً من أي تقييدٍ زمني، فقوله في الرواية الأولى (دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم) وقوله في الرواية الثانية (جاء رسول الله ﷺ يوماً) دون أن يَرِدَ في هاتين الروايتين إن كان ذلك قد وقع في أول النهار أو في وسطه أو في آخره، والمطلق يبقى على إطلاقه هنا.

стр. 28

وعليه فإني أقول إن عقد نية صيام التطوُّع يصح في النهار، في أي جزء منه، ولو كان ذلك قبل الغروب بساعة لأنه لا يصح تقييده إلا بدليل صحيح صالح ولا دليل هنا. وبذلك يظهر خطأ الذين أوجبوا عقد النية قبل الظهيرة فقط ويظهر صواب رأي القائلين بجواز عقد النية قبل الظهيرة وبعدها، وهم عبد الله بن عباس وعائشة وحذيفة وأحمد والشافعي في أحد قوليه. ...أما مسألة: هل تجب النية في رمضان لكل يومٍ أم أن الصائم تُجْزِئه نيةٌ واحدة لجميع الشهر؟ فالصحيح هو أن النية تجب في رمضان لكل يوم وليس صحيحاً أن نيةً واحدةً تُجزئُ لجميع الشهر، وذلك لأن صوم كل يوم هو عبادة مستقلة عما قبلها، وعما بعدها، يفصل بين الصوم والآخر إفطارٌ في الليل، وما دام صوم كل يوم عبادة مستقلة فإنه لا بد له من نية حتى يصحَّ، وهذا الفهم هو من باب تحقيق المناط. ...بقي قول زُفَر وعطاء ومجاهد والزُّهري: إن الصيام يصح في رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نيَّة. وقد قرأت رأي زُفَر في كتاب شرح فتح القدير لابن الهمام الحنفي هكذا [يتأدَّى صومُ رمضان بدون النية في حق الصحيح المقيم، لأن الإمساك مستحق عليه، فعلى أي وجه يؤديه يقع منه] وغفر الله لزُفَر ولمن قال بقوله، وكأنهم لا يعلمون أن العبادات كلها تحتاج إلى نية؟ ألم يسمعوا قوله ﵊ كما رواه عمر رضي الله تعالى عنه ﴿إنما الأعمال بالنيَّة ...﴾ رواه البخاري (٦٦٨٩) ومسلم؟ . وفي رواية أخرى له (١) بلفظ ﴿إنما الأعمال بالنيَّات ... ﴾ ؟ فكيف يقول: على أي وجه يُؤدِّيه يقع منه؟ بمعنى أنه لو أمسك عن الطعام ذلك اليوم بنيَّة تنحيف جسمه مثلاً فإن صيامه يكون عبادة صحيحة؟ إن هذا الرأي ليبلغ من الضعف درجة لا يحتاج معها إلى وقفة أطول. صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته:

стр. 29

قال الترمذي [والعمل على هذا الحديث – حديث ابن عباس وسيأتي – عند أكثر أهل العلم، قالوا: تُقبل شهادة واحد في الصيام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد. وقال إسحق: لا يُصام إلا بشهادة رجلين. ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين] وقال الخطَّابي: لا أعلم اختلافاً في أن شهادة الرجلين العدلين مقبولة في رواية هلال شوال، وإنما اختلفوا في شهادة رجل واحد، فقال أكثر العلماء لا يقبل فيه أقل من شاهدين عدلين. ...وقد ذهب الجمهور إلى القول بشهادة شاهد واحد عدلٍ في رؤية هلال رمضان، أي في بدء الصوم، وعندهم أنه إن شهد مسلم واحد عدل أنه رأى هلال رمضان فقد وجب الصيام على جميع المسلمين، قال أحمد: ولو كان عبداً أو امرأة، وهو قولٌ للشافعية. ومعتمد مذهب الشافعية أنه لا بد من أن يكون الشاهد حراً ذكراً وأجاز الأحناف شهادة العدل ولو كان عبداً أو أنثى إذا كان بالسماء غيم. وخالف الجمهورَ المالكيةُ وإسحقُ بن راهُويه، فأوجبوا لثبوت هلال رمضان شهادةَ شاهدين عدلين ذكرين حرَّين بالغين أو جماعةٍ كثيرةٍ وعندئذ لا يشترط أن يكونوا كلهم ذكوراً أحراراً عدولاً. ...أما بخصوص ثبوت رؤية هلال شوال أي بدء الإفطار فذهب الجمهور والأئمة الأربعة إلى أنه لا بد من شهادة شاهدَيْن في ثبوت رؤية هلال شوال. وقال الأحناف بوجوب أن يكون الشاهدان عدلين حريَّن، أو حراً وحرَّتين بلفظ الشهادة. وخالفهم أبو ثور وابن المنذر من الشافعية، وابن رُشْد من المالكية والشوكاني، فأجازوا شهادة شاهد واحد عدل في إثبات رؤية هلال شوال أي بدء الإفطار. ونحن ننظر في النصوص التالية لنرى الرأي في هذه المسألة بحول الله تعالى: أولاً: النصوص المتعلقة برؤية هلال رمضان:

стр. 30

١- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: أبصرتُ الليلةَ الهلالَ فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؟ قال: نعم قال: قم يا فلان فأذِّن بالناس فلْيصوموا غداً﴾ رواه ابن خُزيمة (١٩٢٣) وابن حِبَّان. ورواه أبو داود (٢٣٤٠) بلفظ ﴿ ... إني رأيت الهلال – قال الحسن في حديثه: يعني رمضان ... ﴾ وروى الحديثَ أيضاً النَّسائي والترمذي وابن أبي شيبة، وصححه الحاكم والذهبي. ٢- عن حسين بن الحارث الجدلي، من جديلةِ قيس، أن أمير مكة خطب، ثم قال ﴿عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نَنْسُك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدلٍ نسكنا بشهادتهما ... ثم قال الأمير: إنَّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني، وشهد هذا من رسول الله ﷺ ، وأومأ بيده إلى رجل، قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق، كان أعلم بالله منه، فقال: بذلك أمَرنا رسول الله ﷺ ﴾ رواه أبو داود (٢٣٣٨) والدارَقُطني وصححه. ورواه البيهقي. قوله ننْسُك: أي نعبد، وهنا معناه نحجُّ. وقوله ننْسُك للرؤية: الرؤية هنا رؤية هلال ذي الحجة. ٣- عن ابن عمر ﵄ قال ﴿تراءى الناسُ الهلال، فأخبرتُ رسول الله ﷺ أَني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه﴾ رواه أبو داود (٢٣٤٢) والدارمي والبيهقي. ورواه ابن حِبَّان والحاكم وابن حزم وصححوه.

стр. 31

الحديث الثاني، حديث أمير مكة، ليس هو في باب الصوم، وإنما هو في باب الحج فيبقى فيه، ونَدَعه هناك. فيبقى حديثا ابن عباس وابن عمر: الأول يذكر أن الرسول ﵊ قد أثبت رؤية هلال رمضان وأمر بالصيام لشهادة أعرابيٍّ واحدٍ. والحديث الثاني يذكر أن الرسول ﷺ قد أثبت رؤية هلال رمضان، وأمر بالصيام لشهادة ابن عمر نفسه. وهذان حديثان صالحان للاحتجاج، ويدلان دلالة لا تقبل التأويل على أن ثبوت هلال رمضان وبدء الصوم يثبتان بشهادة شاهد واحد، وهذا ردٌّ على من أوجب شهادة شاهدَيْن اثنين، وهم المالكية وإسحق ابن راهُويه. والأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى وِقفة أطول. ثانياً: النصوص المتعلقة برؤية هلال شوال: ١- عن ربعي، عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ ﴿أن النبي ﷺ أصبح صائماً لتمام الثلاثين من رمضان، فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله وأنهما أَهَلاَّه بالأمس، فأمرهم فأفطروا﴾ رواه الدارَقُطني (٢/١٦٨) وقال [هذا صحيح] ورواه أبو داود والنَّسائي وأحمد. ٢- عن الحسين بن الحارث قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب يقول ﴿إنَّا صحبنا أصحاب النبي ﷺ ، وتعلمنا منهم، وإِنهم حدثونا أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أُغمي عليكم فعُدُّوا ثلاثين، فإن شهد ذوا عدلٍ فصوموا وأَفطروا وانْسُكوا﴾ رواه الدارَقُطني (٢/١٦٧) وأحمد والنَّسائي. ولفظ أحمد (١٩١٠١) ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وأنْ انسكوا لها فإن غُمَّ عليكم فأتموا ثلاثين وإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا﴾ ٣- عن الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه قال ﴿إذا شهد رجلان ذوا عدلٍ على رؤية الهلال فأفطروا﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٨٢) .

стр. 32

٤- عن أبي عُمَير بن أنس بن مالك قال: حدثني عمومتي من الأنصار، من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا ﴿أُغمي علينا هلالُ شوال فأصبحنا صياماً فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغَد﴾ رواه ابن ماجة (١٦٥٣) وأحمد والنَّسائي وابن حِبَّان والطحاوي. وقال الدارَقُطني [إسناده حسن] وكذا قال البيهقي، وقال [والصحابة كلهم عُدول سُمُّوا، أو لم يُسَمَّوْا] . ٥- عن أنس رضي الله تعالى عنه ﴿أن قوماً شهدوا عند النبي ﷺ على رؤية الهلال، هلالِ شوال، فأمرهم أن يفطروا، وأن يغدوا على عيدهم﴾ رواه البزَّار (٩٧٢) وأبو بكر القُطَيعي على مسند الإمام أحمد. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] . الحديث الثاني عند الدارَقُطني وأحمد رواه الحجَّاج وهو ضعيف، فيُترك سنداً. أما من حيث المتن فإن الزيادة (فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا) غير محفوظة، وذلك أن صدر الحديث رُوي من عدة طرق في الصحاح، ليست فيها هذه الزيادة، فيُرَدُّ متناً. أما رواية النَّسائي فليس فيها الحجاج وإنما فيها إبراهيم بن يعقوب قال عنه الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال [متَّهم بالكذب تالف] فيُرَدُّ هذا الحديث أيضاً من رواية النَّسائي. أما الحديث الثالث فهو من رواية الحارث الأعور، وهو متَّهم بالكذب، فيُرَد الحديث. فتبقى عندنا الأحاديث ذوات الأرقام ١، ٤، ٥.

стр. 33

...الحديث الأول يقول (فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله، وأنهما أهَلاَّه بالأمس، فأمرهم فأفطروا) والرابع يقول (فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا) والخامس يقول (أن قوماً شهدوا عند النبي ﷺ على رؤية الهلال، هلالِ شوال، فأمرهم أن يفطروا) بالنظر في هذه الألفاظ الثلاثة نجدها ذات نسق واحد، هو أن الذي حصل كان وقائع أعيَانٍ، أي وقائع حصلت مصادفةً لم تتضمَّن شرطاً أو شروطاً، فليس في أيٍّ منها ذِكرٌ لأي اشتراط بأن يكون الشهود اثنين أو ركباً أو قوماً، وإنما حصل أن جاء أعرابيان، وحصل أن جاء ركْبٌ، وحصل أن جاء قومٌ، فلا تفيد هذه النصوص لا لغةً ولا شرعاً أن أقل من ذلك لا يُقبل، فمن أدَّعى غير ذلك فليأتنا بالدليل على أن رسول الله ﷺ ردَّ شهادة شخص واحد في رؤية هلال شوال. والمعلوم أن وقائع الأعيان لا مفهوم لها ولا يقاس عليها، ولا تدل على اشتراط أو تقييد، وأَن كون الشهود أكثر من رجل واحد في هذه النصوص لا يعني أن شخصاً واحداً لا تكفي شهادته. فالقائل بكفاية شخص واحد إن جاءه اثنان أو خمسة أو عشرة أو مائة فإنه بلا شك سيقبلهم، وزيادة الخير خير كما يقال، وإنَّ الشخص الواحد الكافي ليدخل في الجموع ويتحقق المطلوب. وعليه فليس في هذه النصوص ما يدل على تقييدٍ أو اشتراطِ اثنين أو أكثر لرؤية هلال شوال.

стр. 34

وأقول لمن يرى في هذه النصوص أنها دالة على تقييدٍ أو اشتراطٍ: إنَّ الأخذَ بالحديث الرابع والحديث الخامس، حسب فهمهم، يعني أنه لا يصح قبول الشاهدَيْن فقط كما ورد في الحديث الأول، فالقائلون بأن هذه النصوص توجب التقيد بالعدد يصبحون في حيرةٍ، مالهم منها من خلاصٍ، فهم إما أن يُعمِلوا النصوصَ الثلاثة، وبذلك ينفون جواز الاثنين لأنهما أقل من الرَّكب ومن القوم، وإما أن يعتبروها متعارضة فيأخذ من شاء منهم بالاثنين ويرُدُّ الرَّكب والقوم، ويأخذ من شاء منهم بالرَّكب والقوم ويرد الاثنين!! ...إن الرسول ﵌ يقول (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فاشترطَ الرؤيةَ عمومَ الرؤيةِ، لرؤية هلال رمضان ولرؤية هلال شوال، ولم يفرِّق هذا النص البالغ الصحة بين الصوم والإفطار، فوجب القول بالتساوي بينهما نصوم للرؤية على عمومها، ونفطر للرؤية على عمومها، دون أن نجد مخصِّصاً واحداً لهذه الرؤية، وإنما وجدنا نصوصاً تذكر قبول الشاهد الواحد على الصيام، فنعمِّمُ القولَ بالشاهد الواحد كإثباتٍ على حصول الرؤية، وحيث أن الرؤية لهلال الصوم كالرؤية لهلال الإفطار فإن شاهداً واحداً قد ثبت قبولُه في أحدهما يجب أن يُقبَل في الآخر إلا أن تأتي نصوصٌ تستثني الآخَر من العموم، ولا نصوصَ مطلقاً. وثمةَ نقطةٌ مهمة أذكرها هنا هي أن القول بقبول رؤية الشاهد الواحد لهلال رمضان يستلزم الإفطارَ عند تمام الشهر استناداً إلى قوله، وهذه الحالة تعني قبولَ رؤيةِ هذا الشاهد الواحد في ثبوت شهر شوال. وبذلك يظهر أنَّ الأئمة الأربعة أخطأوا في اشتراط الشاهدَيْن للإِفطار، ويظهر صواب رأي أبي ثور وابن المنذر وابن رشد والشوكاني القائلين بالمساواة بين رؤية هلال رمضان ورؤية هلال شوال.

стр. 35

...وأما التفريعات المذكورة في ثنايا صدر البحث من حيث الحُرُّ والعبدُ والذكرُ والأنثى والغيومُ فلا محل لها هنا ولا دليل عليها. أما العبد فلم يعد له وجود فلا نُشغِلُ أنفسَنا به، وأما الذَّكَر والأنثى فإن العَدْل منهما تُقبل شهادته، فالعدالة في الإسلام لم تُعطَ للذكر فقط ولا للأنثى فقط، وإنما هما مشتركان فيها، وما جاء في النصوص من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين فإنما يُقصَر على الموضوعات الواردة فيه، ولا يُعمَّم. مسألة: المعلوم أن الدولة، أو الخليفة، أو من يُوكَّل، يستقبلون الذين يرون الأهلَّة، فيعمِّمون الأمر بالصيام أو بالإفطار على الناس، بعد التثبت من أقوالهم ومشاهداتهم، والسؤال هنا هو: إذا رأى هلالَ رمضان أو رأى هلالَ شوال شخصٌ، فشهد أمام الخليفة، أو من وُكِّل أنه رأى هلال رمضان، أو رأى هلال شوال، فلم يُقبَل قولُه، ورُدَّت شهادته، فهل يلزمه هو العملُ بما رآه فيصوم وحده ويفطر وحده، أم يلتزم بقرار الخليفة؟ وثمة حالة ثانية، هي أن يكون الرَّائي بعيداً عن الخليفة، أو عمَّن وُكِّل بالأمر، بحيث لا يتمكن من أداء الشهادة، فهل يلزمه العملُ برؤيته هو أم يلتزم بقرار الخليفة؟ ...فذهب الأئمة الأربعة إلى وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان. واختلفوا في الإفطار برؤية هلال شوال وحده، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى استمرار الصيام وعدم الإفطار برؤية هلال شوال وحده. وقالت الشافعية – وهو قولٌ للمالكية –: يلزمه الفِطرُ عملاً بقول الحديث (ولا تفطروا حتى تروه) ولكن يخفيه لئلا يُتَّهم. فأقول ما يلي، والله هو الموفق للصواب:

стр. 36

إن ما ذهب إليه الأئمة الأربعة من وجوب الصوم على المنفرد هو الصواب، وهو ما يتعين القول به فصوم يوم من آخر شعبان جائز شرعاً، وما رُوي من أحاديث تنهى عن التقدُّمِ قبل شهر رمضان فإنها تُحمل كلها على الكراهة كما سيأتي لاحقاً، في حين أن صيام من شاهد هلال رمضان واجب عليه لا شك فيه، والواجب مقدَّم على ترك المكروه، فوجب على من رأى هلال رمضان – وقد قال رسول الله ﷺ : صوموا لرؤيته – أن يصوم، لأن الرؤية قد حصلت لديه، وقد روى عبد الله بن أبي موسى قال ﴿وسألتها – أي عائشة ﵂ – عن اليوم الذي يُختَلَف فيه من رمضان، فقالت: لأَنْ أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان قال: فخرجت فسألت ابن عمر وأبا هريرة فكل واحد منهما قال: أزواج النبي ﷺ أعلم بذاك منا﴾ رواه أحمد (٢٥٤٥٨) وسعيد بن منصور والبيهقي. قال الهيثمي [رجال أحمد رجال الصحيح] .

стр. 37

أما إفطار المنفرد برؤية هلال شوال فلا يجوز، وهو ما ذلك إليه أبو حنيفة ومالك وأحمد، لأن الإفطار يعني بدء شوال، وبدء شوال يعني يوم عيد الفطر، وهذا التحديد هو من عمل دولة الخلافةِ، وليس من حق الأفراد، وذلك أن كل شعيرة من شعائر الدين تتعلق بالجماعة كجماعة يجب على الخلافة وحدها أن تأمر بها وتنظِّمها، وتحدِّد وقتها، ولا حق لفرد ولا لمجموعة أفراد أن يتولَّوْا ذلك بأنفسهم، وإلا اضطرب أمر الجماعة، وهو حرام لا يجوز. فالفرد لا يحق له أن يعيِّد إلا في العيد الذي تعلنه دولة الخلافة، ومن ثم لا يحق له منفرداً أن يعلن الإفطار، ولا أن يحدِّد متى يوم العيد، فوجب عليه الإمساك عن الإفطار والاستمرار بالصوم مع جماعة المسلمين. وقد جاء في الحديث المار قبل قليل والذي رواه ربعي (فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله، وأنهما أهلاَّه بالأمس، فأمرهم فأفطروا) كما جاء في الحديث المار قبل قليل، والذي رواه أبو عمير بن أنس (فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا) ومثلهما حديث أنس الذي تلاهما. فالأعرابيان رغم أنهما رأيا هلال شوال – أي هلال العيد – بالأمس، إلا أنهما صاما ذلك اليوم حتى أتاهما أمرُ الرسول ﷺ بالإفطار، والركبُ في الحديث الثاني بقُوا صائمين، رغم أنهم رأوا هلال شوال – أي هلال العيد – إلى آخر النهار حتى أمرهم الرسول ﵊ بالإفطار، وقل مثل ذلك بخصوص حديث أنس، وهذا يدل على أن إعلان وقت الإفطار هو من عمل الدولة وأنه لا يحق لأحد أن يفطر قبل ذلك الإعلان. وعلى هذا فإن رأي الأئمة الثلاثة هو الصواب، ورأي الإمام الشافعي خطأ. والنتيجة هي أن المنفرد يصوم بشهادة نفسه ولكنه لا يفطر إلا بأمر الدولة فحسب. هل يصح العمل بالحساب الفلكي ؟

стр. 38

ذهب الجمهور إلى عدم جواز الأخذ بالحساب الفلكي، قائلين: إن الناس لو كُلِّفوا به لضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرِّف الناس بما يعرفه جماهيرهم. ونُقل عن ابن سُرَيج القول بجواز العمل بالحساب لمن خصَّه الله بهذا العلم، معلِّلاً ذلك بأن قول الحديث (فاقدروا له) هو خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقول الحديث (فأكملوا العدة) هو خطاب للعامة. وقد نُسِبَ هذا القول أيضاً إلى مطرف بن عبد الله وابن قتيبة. ...وبالنظر في النصوص نجد أن كلمة (فاقدروا له) وردت في الحديث على غير المعنى الذي ادَّعاه ابن سُرَيج، فعن ابن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له﴾ رواه البخاري (١٩٠٦) ومسلم والدارمي وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. فالحديث كله جاء خطاباً للأمة الإسلامية كلها لأن الصيام هو للجميع والرؤية هي للجميع والإفطار هو للجميع، وجاءت كلمة فاقدروا له للجميع أيضاً، وليس لمن خصَّه الله بهذا العلم، وهذا واضح وضوح المس، فتخصيص هذه الكلمة بمن خصه الله بهذا العلم هو خطأٌ محضٌ.

стр. 39

ثم إن الأحاديث يفسِّر بعضُها بعضاً، وقد جاءت أحاديث تفسر هذه الكلمة بغير ما فسَّرها به ابن سُريج، منها ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ – أو قال أبو القاسم ﷺ – ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأَكْمِلوا عدة شعبان ثلاثين﴾ رواه البخاري (١٩٠٩) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان. ووقع عند مسلم أيضاً (٢٥١٤) لفظ ﴿إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأَفطروا فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً﴾ فتفسير كلمة (اقدروا له) جاء في الحديث هكذا (أكملوا عدة شعبان ثلاثين) (صوموا ثلاثين يوماً) وهذا التفسير يقطع بخطأ تفسير ابن سُرَيْج، لأن إكمال عدة شعبان ثلاثين لا يحتاج لعلم الحساب والفلك حتى تُحصَر الكلمة بأربابه، وإنما هو خطاب لعموم المسلمين كما لا يخفى. بل إن ما هو أقطعُ في الحجة وأَبينُ في الاستدلال هو ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (١٩٠٦) من طريق ابن عمر المار قبل عدة أسطر بلفظ ﴿لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه ... ﴾ فهو لم يكتف بالأمر بالصوم عند الرؤية وإنما جاء النهي هنا عن الصيام دون الرؤية، والصيام بالحساب الفلكي لا شك في أنه صيام دون رؤية. ...إلا هذا كله لا يعني أن الاستفادة من الحساب الفلكي غير جائزة، ولا يُحتاج إليها، وإنما أردنا أن نبين فقط أن هذا الحساب ليس هو صاحب القرار في تعيين بدء الصوم أو بدء الإفطار، وإنما الرؤية العينية في الصيام وفي الإفطار هي ما أوجبها الشرع ولم يوجِب غيرها، فوجب القول بها وبها وحدها.

стр. 40

...أما وجه الإفادة من الحساب الفلكي، فأَن يأتي علماء الفلك، ويرشدونا إلى الساعات والدقائق المناسبة للخروج لرؤية الأهلَّة ومواقع الأهلة عند رصدها فهذا يسهِّل على النظارة والمشاهدين عملهم، ولا بأس أيضاً بالاستعانة بأدوات هؤلاء العلماء في الرصد والمشاهدة، أي الاستعانة بالعدسات المكبِّرة والمقرِّبة عند الرصد، فمثل هذه المساعدات جائزة ولا شيء فيها، وهي تقدِّم عوناً للمشاهدين والنظارة. ومن جانب آخر فإن قوله (فاقدروا له) قد فسَّرته الأحاديث تفسيراً كان ينبغي أن يقطع على الناس تفسيرهم له بغير ما ورد، وقد أخذت الحنفية والمالكية والشافعية بهذا التفسير، وكذلك جمهور السلف والخلف، وأن معناه هو تمام العدد ثلاثين يوماً أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام ثلاثين يوماً، وهذا كله هو خطاب لعامة المسلمين. ومع هذا الوضوح في التفسير فقد ذهب آخرون إلى أن معناه: ضيِّقوا له وقدِّروه تحت السحاب. والقول بهذا التفسير يوجب الصيام من الغد، ليلة الثلاثين من شعبان، إذا كان في محل الهلال ما يمنع رؤيةً من غيم وغيره، وهذا مرويٌّ عن ابن عمر ﵁، وبه يقول أحمد بن حنبل في المشهور عنه وطاووس. والذي أوقع هؤلاء في الخطأ هو عدم النظر في كلِّ النصوص والاقتصار في النظر على روايتهم فقط: (فاقدروا له) ، ولو أنهم استحضروا جميع النصوص في هذه المسألة لربما رجعوا عن رأيهم هذا.
следующие страницы →