Полный текст (401 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إن ما ذهب إليه الأئمة الأربعة من وجوب الصوم على المنفرد هو الصواب، وهو ما يتعين القول به فصوم يوم من آخر شعبان جائز شرعاً، وما رُوي من أحاديث تنهى عن التقدُّمِ قبل شهر رمضان فإنها تُحمل كلها على الكراهة كما سيأتي لاحقاً، في حين أن صيام من شاهد هلال رمضان واجب عليه لا شك فيه، والواجب مقدَّم على ترك المكروه، فوجب على من رأى هلال رمضان – وقد قال رسول الله ﷺ : صوموا لرؤيته – أن يصوم، لأن الرؤية قد حصلت لديه، وقد روى عبد الله بن أبي موسى قال ﴿وسألتها – أي عائشة ﵂ – عن اليوم الذي يُختَلَف فيه من رمضان، فقالت: لأَنْ أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان قال: فخرجت فسألت ابن عمر وأبا هريرة فكل واحد منهما قال: أزواج النبي ﷺ أعلم بذاك منا﴾ رواه أحمد (٢٥٤٥٨) وسعيد بن منصور والبيهقي. قال الهيثمي [رجال أحمد رجال الصحيح] .
стр. 37
أما إفطار المنفرد برؤية هلال شوال فلا يجوز، وهو ما ذلك إليه أبو حنيفة ومالك وأحمد، لأن الإفطار يعني بدء شوال، وبدء شوال يعني يوم عيد الفطر، وهذا التحديد هو من عمل دولة الخلافةِ، وليس من حق الأفراد، وذلك أن كل شعيرة من شعائر الدين تتعلق بالجماعة كجماعة يجب على الخلافة وحدها أن تأمر بها وتنظِّمها، وتحدِّد وقتها، ولا حق لفرد ولا لمجموعة أفراد أن يتولَّوْا ذلك بأنفسهم، وإلا اضطرب أمر الجماعة، وهو حرام لا يجوز. فالفرد لا يحق له أن يعيِّد إلا في العيد الذي تعلنه دولة الخلافة، ومن ثم لا يحق له منفرداً أن يعلن الإفطار، ولا أن يحدِّد متى يوم العيد، فوجب عليه الإمساك عن الإفطار والاستمرار بالصوم مع جماعة المسلمين. وقد جاء في الحديث المار قبل قليل والذي رواه ربعي (فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله، وأنهما أهلاَّه بالأمس، فأمرهم فأفطروا) كما جاء في الحديث المار قبل قليل، والذي رواه أبو عمير بن أنس (فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا) ومثلهما حديث أنس الذي تلاهما. فالأعرابيان رغم أنهما رأيا هلال شوال – أي هلال العيد – بالأمس، إلا أنهما صاما ذلك اليوم حتى أتاهما أمرُ الرسول ﷺ بالإفطار، والركبُ في الحديث الثاني بقُوا صائمين، رغم أنهم رأوا هلال شوال – أي هلال العيد – إلى آخر النهار حتى أمرهم الرسول ﵊ بالإفطار، وقل مثل ذلك بخصوص حديث أنس، وهذا يدل على أن إعلان وقت الإفطار هو من عمل الدولة وأنه لا يحق لأحد أن يفطر قبل ذلك الإعلان. وعلى هذا فإن رأي الأئمة الثلاثة هو الصواب، ورأي الإمام الشافعي خطأ. والنتيجة هي أن المنفرد يصوم بشهادة نفسه ولكنه لا يفطر إلا بأمر الدولة فحسب.
هل يصح العمل بالحساب الفلكي ؟
стр. 38
ذهب الجمهور إلى عدم جواز الأخذ بالحساب الفلكي، قائلين: إن الناس لو كُلِّفوا به لضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرِّف الناس بما يعرفه جماهيرهم. ونُقل عن ابن سُرَيج القول بجواز العمل بالحساب لمن خصَّه الله بهذا العلم، معلِّلاً ذلك بأن قول الحديث (فاقدروا له) هو خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقول الحديث (فأكملوا العدة) هو خطاب للعامة. وقد نُسِبَ هذا القول أيضاً إلى مطرف بن عبد الله وابن قتيبة.
...وبالنظر في النصوص نجد أن كلمة (فاقدروا له) وردت في الحديث على غير المعنى الذي ادَّعاه ابن سُرَيج، فعن ابن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له﴾ رواه البخاري (١٩٠٦) ومسلم والدارمي وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. فالحديث كله جاء خطاباً للأمة الإسلامية كلها لأن الصيام هو للجميع والرؤية هي للجميع والإفطار هو للجميع، وجاءت كلمة فاقدروا له للجميع أيضاً، وليس لمن خصَّه الله بهذا العلم، وهذا واضح وضوح المس، فتخصيص هذه الكلمة بمن خصه الله بهذا العلم هو خطأٌ محضٌ.
стр. 39
ثم إن الأحاديث يفسِّر بعضُها بعضاً، وقد جاءت أحاديث تفسر هذه الكلمة بغير ما فسَّرها به ابن سُريج، منها ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ – أو قال أبو القاسم ﷺ – ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأَكْمِلوا عدة شعبان ثلاثين﴾ رواه البخاري (١٩٠٩) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان. ووقع عند مسلم أيضاً (٢٥١٤) لفظ ﴿إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأَفطروا فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً﴾ فتفسير كلمة (اقدروا له) جاء في الحديث هكذا (أكملوا عدة شعبان ثلاثين) (صوموا ثلاثين يوماً) وهذا التفسير يقطع بخطأ تفسير ابن سُرَيْج، لأن إكمال عدة شعبان ثلاثين لا يحتاج لعلم الحساب والفلك حتى تُحصَر الكلمة بأربابه، وإنما هو خطاب لعموم المسلمين كما لا يخفى.
بل إن ما هو أقطعُ في الحجة وأَبينُ في الاستدلال هو ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (١٩٠٦) من طريق ابن عمر المار قبل عدة أسطر بلفظ ﴿لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه ... ﴾ فهو لم يكتف بالأمر بالصوم عند الرؤية وإنما جاء النهي هنا عن الصيام دون الرؤية، والصيام بالحساب الفلكي لا شك في أنه صيام دون رؤية.
...إلا هذا كله لا يعني أن الاستفادة من الحساب الفلكي غير جائزة، ولا يُحتاج إليها، وإنما أردنا أن نبين فقط أن هذا الحساب ليس هو صاحب القرار في تعيين بدء الصوم أو بدء الإفطار، وإنما الرؤية العينية في الصيام وفي الإفطار هي ما أوجبها الشرع ولم يوجِب غيرها، فوجب القول بها وبها وحدها.
стр. 40
...أما وجه الإفادة من الحساب الفلكي، فأَن يأتي علماء الفلك، ويرشدونا إلى الساعات والدقائق المناسبة للخروج لرؤية الأهلَّة ومواقع الأهلة عند رصدها فهذا يسهِّل على النظارة والمشاهدين عملهم، ولا بأس أيضاً بالاستعانة بأدوات هؤلاء العلماء في الرصد والمشاهدة، أي الاستعانة بالعدسات المكبِّرة والمقرِّبة عند الرصد، فمثل هذه المساعدات جائزة ولا شيء فيها، وهي تقدِّم عوناً للمشاهدين والنظارة.
ومن جانب آخر فإن قوله (فاقدروا له) قد فسَّرته الأحاديث تفسيراً كان ينبغي أن يقطع على الناس تفسيرهم له بغير ما ورد، وقد أخذت الحنفية والمالكية والشافعية بهذا التفسير، وكذلك جمهور السلف والخلف، وأن معناه هو تمام العدد ثلاثين يوماً أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام ثلاثين يوماً، وهذا كله هو خطاب لعامة المسلمين. ومع هذا الوضوح في التفسير فقد ذهب آخرون إلى أن معناه: ضيِّقوا له وقدِّروه تحت السحاب. والقول بهذا التفسير يوجب الصيام من الغد، ليلة الثلاثين من شعبان، إذا كان في محل الهلال ما يمنع رؤيةً من غيم وغيره، وهذا مرويٌّ عن ابن عمر ﵁، وبه يقول أحمد بن حنبل في المشهور عنه وطاووس. والذي أوقع هؤلاء في الخطأ هو عدم النظر في كلِّ النصوص والاقتصار في النظر على روايتهم فقط: (فاقدروا له) ، ولو أنهم استحضروا جميع النصوص في هذه المسألة لربما رجعوا عن رأيهم هذا.
стр. 41
نعم إن من معاني (اقدروا) لغةً ضيِّقوا، وقد جاء ذلك في قوله تعالى ﴿لِيُنْفِقْ ذو سَعَةٍ من سَعَتِه ومَنْ قُدِرَ عليه رزقُهُ فلْيُنفِقْ مما آتاهُ اللهُ لا يكلِّفُ الله نفساً إلا ما آتاها سيجعلُ اللهُ بعد عُسْرٍ يُسْراً﴾ الآية ٧ من سورة الطلاق. وفي قوله سبحانه ﴿وأَمَّا إِذا ما ابتلاه فَقَدَرَ عليه رزقَه فيقول ربِّي أَهانَنِ﴾ الآية ١٦ من سورة الفجر. ولكن هذا المعنى ليس هو وحده ما قالت به اللغة ولا ما قال به كتاب الله سبحانه، فالله سبحانه يقول: ﴿وما قَدَروا الله حقَّ قَدْرِهِ ... ﴾ من الآية ٩١ من سورة الأنعام. ويقول تعالى ﴿ضربَ اللهُ مَثَلاً عبداً مملوكاً لا يَقْدِر على شيءٍ ... ﴾ من الآية ٧٥ من سورة النحل ويقول سبحانه ﴿ ... لا يقْدِرون على شيءٍ مما كَسَبوا ... ﴾ من الآية ٢٦٤ من سورة البقرة. وكلها لا تفسَّر بالتضييق. فتفسير هذه الكلمة الواردة في الحديث بالتضييق هو أخذٌ بأحد معانيها، مقطوعٌ عن القرائن والبيان الواردة في النصوص الأخرى، فكان تفسيرهم لها بالتضييق خطأً محضاً.
دعوى اختلاف المطالع:
стр. 42
اختلف الفقهاء قديماً وقلًّ اختلافُهم حديثاً بخصوص المطالع، فذهب عكرمة والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وإسحق بن راهُويه إلى عدم وجوب صيام أهل بلد برؤية أهل بلد آخر للهلال. وقد حكاه الترمذي عن أهل العلم، ولم يحكِ سواه، وحكاه الماوَرْدي وجهاً في مذهب الشافعي. وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والليث بن سعد إلى أن الهلال إذا رُؤي ببلد لزم أهل جميع البلاد الصومُ، وحكاه ابن المنذر عن أكثر الفقهاء، وبه قال بعض الشافعية. واختلف الشافعية فيما ذهبوا إليه: فإنهم قالوا: إذا تقارب البَلَدان فحكمُهما حكمُ البلدِ الواحد، وإن تباعدا فوجهان: أصحُّهما عند الشيخ أبي حامد والشيخ أبي إسحق والغزالي والأكثرين: أنه لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر والثاني الوجوب وإليه ذهب القاضي أبو الطيب والروياني - قال محمد بن المنذر: إنه ظاهر المذهب، واختاره جميع أصحابنا، وحكاه البغوي عن الشافعي نفسه –. وهؤلاء اختلفوا في التقارب، والتباعد على آراء: فمنهم من فرض التباعد أن تختلف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان، والتقارب أن لا تختلف المطالع كبغداد والكوفة والري وقزوين، ومنهم من قال: اعتباره باتحاد الأقاليم واختلافها. وقال آخرون أقوالاً أخرى لا حاجة لإيرادها.
стр. 43
...أما الفريق القائلون إن الهلال إذا رُؤي ببلد لزم أهل جميع البلاد الصوم، فقد استدلوا على قولهم هذا بالأحاديث الكثيرة الآمرة بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته وحجة هؤلاء أن رؤية الهلال هي سبب إيجاد الصوم، وأن رؤية الهلال هي سبب إيجاد الفطر، وأنه إذا وجد السبب وُجد المسبَّب، وهو الصوم والفطر، فقول الرسول ﷺ (لرؤيته) هو اسم جنس مضاف، فهو إذن من ألفاظ العموم، وقوله ﵊ (حتى تروا) (إذا رأيتم) فيه ضميرٌ لجماعة يعود على اسم، وهذا الاسم جمعٌ، فهو يعود على جميع، والجمع من ألفاظ العموم، فضمير (تروا) وضمير (رأيتم) من ألفاظ العموم، فتكون رؤية الهلال عامة أي يكون السبب عاماً فأية رؤية من أي مسلم تعمُّ جميع المسلمين، فيجب عليهم الصوم عندئذٍ. وهذا القول من هؤلاء، على تعقيدٍ في استنباطه مألوفٍ، هو القول الصحيح.
وأما الآخَرون القائلون باختلاف المطالع، وبعدم صيام أهل بلد برؤية أهل بلد آخر للهلال فإنهم استدلوا على ذلك بما رُوي عن كُريب ﴿أن أمَّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمتُ الشام فقضيت حاجتها، واستُهِلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشام فرأيت الهلالَ ليلة الجمعة، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله ابن عباس ﵄ ثم ذَكَر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة فقال: أنت رأيتَه؟ فقلت: نعم ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنَّا رأيناه ليلةَ السبت فلا نزال نصوم حتى نكمِّل ثلاثين أو نراه فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ﴾ رواه مسلم (٢٥٢٨) وأبو داود والترمذي وأحمد.
стр. 44
فهؤلاء قالوا: إنَّ التزام ابن عباس ﵄ بعدم الاكتفاء برؤية أهل الشام هو التزامٌ آتٍ من الأمر النبوي الكريم، وبمعنى آخر فإنهم فهموا من قول ابن عباس رداً على القول (أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟) ، (لا، هكذا أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ أن ذلك يعني أن الرسول ﷺ هو الذي أمر المسلمين بأن لا يأخذوا برؤية من كانوا في غير بلدهم ولم يفهموا القول هذا على أنه فهمٌ من ابن عباس للأمر النبوي الكريم، فالتبس عليهم الأمر النبوي بفهم ابن عباس وحيث أن فهم ابن عباس نراه خطأً فإِنَّا نرى أنَّ الآخذين بهذا الفهم قد أخطأوا هم أيضاً.
إن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قد سمع قول رسول الله ﷺ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) ففهم منه أن كل جماعة من المسلمين ينبغي أن ترى الهلال فتصوم وتراه فتفطر وأن رؤية غيرها من الجماعات لا تغني عن رؤيتها هي فقال ما قال، كما ورد في حديث كُريب، أي أنه لم يعمِّم هذا النص على جميع المسلمين، وإنما جعله يتناول كل جماعة من المسلمين على حدة، وهذا فهم خاطئ. وعليه فإن من قالوا باختلاف المطالع إنما أخذوا حجتهم من فهم ابن عباس للحديث، وليس من الحديث النبوي نفسه. ولست أريد أن أناقش هذا الخطأ بأكثر مما أوردْتُه من حجة القائلين بوحدة المطالع.
...وقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة عام ١٩٦٦م ما يلي [لا عِبْرة باختلاف المطالع ولو تباعدت الأقاليم بشرط أن تكون مشتركة في ليلة واحدة، وهذا ينطبق على البلاد العربية كلها] كما أصدر مجلس الفتوى الأعلى في الديار الفلسطينية قراراً يؤكد فيه على تبني رأي وحدة المطالع. وهنا أقف وقفة، فأقول ما يلي:
стр. 45
أولاً: لقد بدأتُ هذا البحث بقولي [اختلف الفقهاء قديماً، وقلَّ اختلافُهم حديثاً بخصوص اختلاف المطالع] وهذا القول فيه إشارة واضحة إلى أن جمهرة العلماء في عصرنا الراهن قد تركوا القول باختلاف المطالع، وأنهم قد التزموا، أو كادوا بما أصدرته مجامع البحوث في القاهرة وغيرها من بلدان المسلمين فلم نعدْ نسمع عالماً يقول باختلاف المطالع إلا نادراً. ومع هذا الاتحاد في الرأي عند العلماء، فإننا لا زلنا نرى حال دول المسلمين، وكأن العلماء لم يتفقوا على رأي، ولم تُصْدِر مجامعُ البحوث ومجالسُ الفتاوى قراراتهم بوحدة المطالع. فصار العلماء – وهم في الأصل أصحاب الشأن في هذه المسألة – معزولين عن القرارات الصادرة عن الحكام، ولا يخفى على أي مسلم واعٍ أن السبب في ذلك هو فصل الدين عن الدولة لدى جميع دول المسلمين، فصارت الدول تتخذ قراراتها بعيداً عن الاحتكام لأحكام الشرع وفتاوى العلماء، وإذا رأينا هذه الدول تُصدر أحكاماً تبدو شرعية أو متوافقة مع الشرع، أو رأيناها تأخذ بفتاوى صادرةٍ عن العلماء، فإن المدقق فيها يجد أن هذه الدول هي التي بادرت إلى تشريع هذه الأحكام لمصالحها ولغاياتها الخاصة، ثم هي أمرت العلماء المتعاملين معها باستحضار النصوص التي تجيز هذه التشريعات، وليس العكس. فالحكام يأمرون ويشرِّعون، والعلماء يوافقون ويفتون بما يرضي هؤلاء الحكام، وإذا تعارض الموقفان فالنافذ هو رأي الحكام.
стр. 46
ثانياً: إن المشكلة في العالم الإسلامي اليوم هي أن كل دولة من دول المسلمين تعتبر نفسها كلاً وليس جزءاً من الأُمة الإسلامية، وإن نصت بعض الدساتير فيها على غير ذلك، فصارت كل دولة تتخذ قراراتها السياسية وحتى الدينية دون مراعاةٍ لسائر المسلمين، لأنها تعتبر نفسها كياناً مستقلاً عن سائر المسلمين لا حق للمسلمين خارج كيانها بالتدخل فيه، ومن ذلك إعلان الصيام وإعلان الإفطار، فترى كلَّ دولة تعلن الصيام وتعلن الإفطار، وكأنه لا يوجد مسلمون في غيرها، وهذا هو السبب في بقاء الاختلاف بين الدول في العالم الإسلامي بخصوص بدء الصوم وبدء الإفطار ولو أن هذه الدول تعتبر نفسها أجزاءً من كلٍّ لربما توحَّدت المواقف في كثير من المسائل والقضايا.
ثالثاً: فإذا أضيف إلى ما سبق أن دولاً في شمالي إفريقيا تأخذ بالحساب الفلكي وأن هذا الحساب قد يتطابق مع الرؤية وقد لا يتطابق، أدركنا السبب في بقاء اختلاف المسلمين في ديارهم حول بدء الصيام وبدء الإفطار، وهذه الدول في شمالي إفريقيا مستمرة في الأخذ بالحساب الفلكي لا تلتفت إلى آراء العلماء الذين يعارضون العمل بهذا الحساب.
رابعاً: وبناء عليه أقول: إن المسلم في أي مكان من بلاد المسلمين – وهي مشتركة كلها في الليلة الواحدة – يجب أن يصوم إن هو سمع إعلان أية دولة من دول المسلمين عن بدء الصوم، ويجب أن يفطر إن هو سمع إعلان أية دولة من دول المسلمين عن بدء الإفطار، باستثناء الدول التي تأخذ بالحساب الفلكي، فلا يصح له أن يَلْتَزِم بما تعلنه هذه الدول من حيث الصوم والإفطار.
стр. 47
خامساً: إن المسلمين عبر تاريخهم الطويل لم تكن تُعرَف فيهم مجالسُ إفتاء، ولا مجامعُ بحوثٍ إسلاميةٍ إلا في وقت متأخر، يوم أن ضعف فهمهم للإسلام، وقلَّ أو تلاشى وجود المجتهدين عقب إغلاق باب الاجتهاد، فصار من يطلقون على أنفسهم أنهم علماء، يتجمَّعون في مجلس أو مجمع، أو تقوم الدول بجمعهم، ويصدرون فتاوى جماعية دون أن يعرف المسلمون أن صاحب هذه الفتوى هو فلان، أو علاَّن من هؤلاء العلماء، فيَحمل المسلمُ هذه الفتوى، ويعمل بها تقليداً أو اتباعاً، دون أن يعرف من صدرت عنه وهذا مخالف لطريقة الإسلام في التقليد والاتباع، فالمسلم يصح له أن يقلِّد فلاناً من الفقهاء، أو يتَّبع علاَّناً من العلماء، أما أن يتبع مجلسَ إفتاءٍ، أو يقلِّد مَجْمَعَ بحوثٍ فهذا لا يصح شرعاً ولا قيمة لما تصدره هذه المجالس والمجامع من فتاوى شرعية.
ومثل هؤلاء، أن يقوم عدد من المؤلفين في عصرنا الراهن بتأليف كتاب في الأحكام الشرعية يصدر باسمهم مجتمعين، فهذا الكتاب لا يصح تقليد ما جاء فيه ولا اتِّباعه مطلقاً، وهو لا يعدو كونه مجرد معلوماتٍ يتعلمها القاريء لا أكثر، وهذا من المصائب الكبرى التي طغت وفشت في العالم الإسلامي كله، فصار القراء وتلاميذ الجامعات والمعاهد والمدارس يحملون أحكاماً في الشرع غير مَعزوَّةٍ لأصحابها، ويَدْعُون الناس إليها ويعملون بموجبها، وهذا لا يحلُّ شرعاً. فليتنبه المسلمون إلى هذه البدعة التي فشت في الناس، وخفيت حتى على كثير من العلماء والمتعلمين.
مسألة:
стр. 48
...إننا نعيش في عصر العلمانية، وتعني هذه اللفظة الأخذ بالقوانين والقواعد العلمية والعقلية دون نظرٍ في الأحكام والقواعد الدينية، وبعبارة أخرى فإن العلمانية تعني إقصاء الدين عن حياة الناس والعملَ في الحياة بمقتضى القوانين والقواعد العلمية والعقلية التي توصلت إليها أبحاثهم وعقولهم. وقد أُخِذَ الناسُ بسحر هذه الكلمة، واتخذوا منها المقياس العصري للنهضة والتقدم، فقدَّسوا العلم وقدَّسوا العقل البشري، ورفضوا أي فكر أو رأي أو حكم أو تشريع لا يصدر عن العقل البشري ولا يقبل به.
...والذي يعنينا من كل هذا هو علوم الفلك و الحساب الفلكي ، فهذا الحساب لكونه علماً من العلوم فإن الناس قد فُتنوا به، حتى إن المسلمين راحوا يطالبون بالعمل به في عباداتهم، من حج وصوم وأعياد، ناسين أو متناسين أن الشريعة إنما تُؤْخَذ من مصادرها، وهي الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس، ولا تُؤخذ من غير هذه المصادر الأربعة مهما كانت الدواعي والأسباب.
...إن الشرع قد أمر بصيام شهر رمضان، وشرع لهذا الصيام طريقةً لتحديد بدايته ونهايته، هي رؤية العين لهلال رمضان ولهلال شوال، ولم يكتف الشرع بذلك وإنما استبعد الحساب من التدخل في هذه الطريقة، فعن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال ﴿إِنَّا أمةٌ أُميةٌ لا نكتب ولا نحسِب الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين﴾ رواه البخاري (١٩١٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. وسيمرُّ بعد قليل. فها هو رسول الله ﷺ يعلن أن المسلمين لا يكتبون ولا يحسبون وأنه قال ذلك في معرض الحديث عن الصيام وما يتعلق به من تحديدٍ للأشهر، مما يجعل إدخال الحساب الفلكي في تحديد بدايات الأشهر ونهاياتها غير مشروع وغير مطلوب.
стр. 49
...إن ديننا كامل منذ أن نزل قوله تعالى ﴿اليومَ أكملتُ لكم دينَكم ... ﴾ من الآية ٣ من سورة المائدة. فهو غير محتاج لأي علم من العلوم، ولا إلى نِتاج أي عقل من العقول فيما يتعلق بتشريع الأحكام وطرائقها، وإن كان يجوز الاستعانة بها فيما سوى ذلك من مثل الوسائل والأساليب والأدوات، ما دامت هذه كلها لا تحِلُّ محل الأحكام الشرعية وطرائقها، بل ولا تغير من هذه الأحكام والطرائق قليلاً أو كثيراً....
...وحيث أن الله سبحانه قد شرع صيام شهر رمضان كحكمٍ شرعي، وحيث أنه قد شَرع لتعيين بدء الصيام وبدء الإفطار طريقةً، هي الرؤية بالعين، فإنه لا يجوز مطلقاً أن يُتَّخَذَ الحسابُ الفلكي طريقةً بديلةً لطريقة الشرع في تحديد بداية الصوم وانتهائه، بل إنه لا يجوز مطلقاً أن يكون لهذا الحساب أي تأثير في هذه الطريقة. ولتوضيح ذلك بشكل مفصَّل أقول ما يلي:
أولاً: إن الحساب الفلكي لم يأت به نص من كتاب ولا سنة ولا يُستدل عليه بقياس ولا بإجماع صحابة، مما يجعله خارج الشرع، فإدخاله في الشرع مخالفة صريحة للحكم الشرعي.
стр. 50
ثانياً: إن العلم بالحساب الفلكي القائم على تولُّد الهلال عند الاقتران قد يجعل المسلمين في غربيِّ العالم الإسلامي المترامي الأطراف، يصومون قبل المسلمين في شرقيِّه بيومٍ، فيصوم الغربيون الثلاثاء مثلاً ويصوم الشرقيون الأربعاء، وهذه الحالة قد تحصل عندما يتولد الهلال بعد منتصف النهار في يوم الاثنين مثلاً، فبالحساب الفلكي يُعتبر يومُ الثلاثاء بداية شهر عند الغربيين فيصومونه إن كان رمضانَ، ولا يُعتبر يومُ الثلاثاء بدايةَ شهرِ رمضان عند الشرقيين، لأن الهلال عند الغروب لا يكون متولداً عندهم بعد فيصومون يوم الأربعاء. وإذن فإن العمل بهذا الحساب الفلكي قد يؤدي إلى أن ينقسم المسلمون في الصيام إلى قسمين، أو قل إلى مطلعين، يسبق أحدُهما الأخر بيوم في حين أن العمل بالطريقة الشرعية يوحِّد المسلمين في العالم الإسلامي في الصيام وفي الإفطار وفي الأعياد، لأن رؤية شاهدٍ عدلٍ واحد في أي قطر أو بقعة من بلاد المسلمين تكفي لقيام المسلمين جميعاً بالصيام والإفطار.
...وقد يقال إن الحساب الفلكي دقيق جداً، يستطيع تحديد بدايات الأشهر ونهاياتها بدقة تامة تصل إلى الدقائق والثواني، وإنه قادر على تحديد البدايات والنهايات لسنين قادمة، مما يجعل الخطأ في الصوم منتفياً تماماً. فنقول لهؤلاء: إن الله سبحانه لا يأمرنا بأن نتعبَّده بالصواب المقطوع به، وإلا هلك المسلمون جميعاً، وإنما يأمرنا بأن نتعبَّده بما نراه صواباً، فإن أصبنا الصواب القطعيَّ فذاك، وإن نحن أخطأناه قُبِل منا وأُثِبْنا، ولا حساب علينا. فالعبادات في الإسلام ليست مسائل حسابية يجب التوصل إليها بالنظريات الحسابية والعلمية وإنما هي شرائعُ وأحكام أُمرنا باتِّباعها حسب فهمنا واجتهادنا، والله سبحانه يتقبل منا ما نفعله عندئذٍ، أصبنا الصواب أو أخطأناه.
стр. 51
...بقيت نقطة مهمة يستند إليها الذين ينادون بالعمل بالحساب الفلكي، هي أن المسلمين قد اعتمدوا الحساب الفلكي في تحديد مواعيد الصلاة، فلماذا لا يعتمدون الحساب هذا في تحديد مواعيد الصيام والحج والأعياد؟ وللإجابة عن هذا السؤال، أو قل للإجابة عن هذه الشبهة، أقول ما يلي:
...إن الشرع الحنيف لم يحدِّد للصلاة طريقةَ الرؤيةِ العينيةِ لتعيين أوقاتها ولو حدَّد لنا ذلك لوجب علينا التمسك بها ورفض الحساب الفلكي، وهذا مغاير للحج والصيام فالشرع الحنيف قد حدَّد للصيام طريقة الرؤية العينية، كما هو ظاهر في كثير من النصوص (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) ، كما أنه حدَّد للحج أيضاً طريقةَ الرؤية العينية، وقد مرَّ الحديث قبل قليل، وهو: عن حسين بن الحارث الجدلي، من جديلة قيس، أن أمير مكة خطب، ثم قال ﴿عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نَنْسُك للرؤية، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدلٍ نسكنا بشهادتهما ... ﴾ رواه أبو داود (٢٣٣٨) . ورواه البيهقي والدارَقُطني وصححه. فقد جاء في هذا الحديث (أن ننسك للرؤية) فقوله نَنْسُك: يعني أن نقوم بأداء الحج. والرؤية هنا رؤية هلال ذي الحجة.
...وإذن فإن الشرع قد عين الطريقة لتحديد بدايات الصوم والحج، هي الرؤية العينية ولم يعين هذه الطريقة ولا غيرها لتحديد مواقيت الصلاة وكلُّ ما فعله بخصوصها هو إعلامُنا بالأَمارات الدالة على هذه المواقيت، ولنا بعد ذلك أن نجتهد في استخدام هذه الأَمارات لتحديد المواقيت. فالشرع قد فرَّق بين الصلاة، وبين الصوم والحج، فوجب الأخذ بهذا التفريق وعدم خلط الأوراق بعضها ببعض. هذا إضافةً إلى أنه لا يصح القياس في العبادات إلا أن تأتي معلَّلة، وهنا لم ترد علَّةٌ في النصوص.
стр. 52
...وعلى ذلك نقول: إنه لا يجوز اتخاذ الحساب الفلكي طريقةً بديلة للطريقة الشرعية، وهي الرؤية العينية، وإن الله سبحانه يحاسبنا على ما نعلم، لا على ما يخفى علينا، فنصوم ونفطر بالرؤية العينية سواء أصبنا أم أخطأنا، لأن الله سبحانه قد أمرنا بهذا، ويبقى بعد كل ذلك جواز أن نستعين بعلماء الفلك وعلومهم كما أسلفت قبل قليل في بحث [هل يصح العمل بالحساب الفلكي؟] .
كم الشهر الهجري ؟
إنه لمما لا شك فيه، وما هو معلوم بداهة أن الشهر الهجري القمري يكون تسعةً وعشرين يوماً ويكون ثلاثين يوماً، ولا يكون أقل من ذلك، كما أنه لا يكون أكثر من ذلك. وقد جاء هذا التحديد في عدد من الأحاديث، أذكر منها ما يلي:
١- عن عروة عن عائشة ﵂ قالت ﴿لما مضت تسع وعشرون ليلة أَعُدُّهنَّ دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، قالت: بدأَ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمتَ أن لا تدخل علينا شهراً، وإنك دخلت من تسعٍ وعشرين أَعُدُّهنَّ؟ فقال: إن الشهر تسع وعشرون﴾ رواه مسلم (٢٥٢٠) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد.
٢- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال ﴿إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين﴾ رواه البخاري (١٩١٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
٣- عن ابن مسعود ﵁ قال ﴿ما صُمنا مع النبي ﷺ تسعاً وعشرين أكثر مما صُمنا ثلاثين﴾ رواه الترمذي (٦٨٤) وأبو داود وأحمد والبيهقي والدارَقُطني. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط (٥٢٤٥) من طريق عائشة ﵂. ومن طريق جابر (٥٤٤١) ﵁.
٤- عن الوليد قال ﴿صُمنا على عهد عليٍّ ﵁ ثمانية وعشرين يوماً، فأَمَرَنا بقضاء يوم﴾ رواه البيهقي (٤ /٢٥١) ودلالة هذه الأحاديث واضحة.
стр. 53
ولقد أشكل على الفقهاء الحديث الذي رُوي من طريق أبي بَكْرة ﵁ عن النبي ﷺ قال ﴿شهران لا ينقصان، شهرا عيد، رمضان وذو الحجة﴾ رواه البخاري (١٩١٢) ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد. قال الترمذي [قال أحمد: معنى هذا الحديث – شهرا عيد لا ينقصان – يقول: لا ينقصان معاً في سنة واحدة، شهر رمضان وذو الحجة، إن نقص أحدُهما تمَّ الآخر. وقال إسحق: معناه لا ينقصان، يقول وإن كان تسعاً وعشرين فهو تمام غير نقصان وعلى مذهب إسحق يكون ينقص الشهران معاً في سنة واحدة] وقد نُقل عن إسحق قوله: لا ينقصان في الفضيلة، إن كان تسعة وعشرين أو ثلاثين. وذكر ابن حِبَّان لهذا الحديث معنيين، أحدهما ما قال إسحق والآخر أنهما في الفضل سواء، لقوله في الحديث الآخر (ما من أيامٍ العملُ فيها أفضلُ من عشر ذي الحجة) وقيل لا ينقصان في عامٍ بعينه، وهو العام الذي قال فيه الرسول ﷺ تلك المقالة. وقيل لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي والطحاوي. وقيل لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان لأن فيه المناسك، حكاه الخطَّابي. وقال النووي: الأصح أن معناه لا ينقص أجرُهما والثوابُ المترتب عليهما وإن نقص عددهما.
...والذي أراه وأُرجِّحه، هو أن الله سبحانه قدَّر لكل شهر من هذين الشهرين على مدى الأعوام والدهور ثواباً ثابتاً، لا يزيد ولا ينقص، سواء جاء هذان الشهران ثلاثين يوماً، أو جاءا تسعة وعشرين، بمعنى أن من صام رمضان ذي التسعة والعشرين ثلاثين يوماً وقام ليله فإنه يحصل على ثوابٍ مماثل للأجر الذي يحصل عليه إن هو صام رمضان ذي الثلاثين يوماً وقام ليله. فالأجر والثواب في الشهرين واحد وإن نقص أحدهما يوماً عن الآخر، وقل مثل ذلك بخصوص شهر ذي الحجة. والله يؤتي فضله من يشاء، ويُنعم على من أدَّى ركني الإسلام، الصيام والحج، وافِرَ الإِنعام وأتمَّه.
стр. 54
...ولا بأس بأن أذكر هنا أن علم الفلك يقول إن الشهر القمري يأتي دائماً ثابتاً لا يزيد ولا ينقص، وأنه ٢٩ يوماً ونصف اليوم تقريباً، وإن شئت التحديد أكثر قلت إنه ٢٩ يوماً و ٥٣ % من اليوم، أو ٢٩ يوماً و ١٢ ساعة و٤٤ دقيقة. وأنَّ السنة القمرية هي ٣٥٤ يوماً و٣٦ % من اليوم، فهي تنقص عن السنة الشمسية بحوالي أحد عشر يوماً.
صوم الحائض والنُّفَساء:
إن الله سبحانه قد وضع الصلاةَ عن الحائض وعن النُّفَساء، ورفع تكليفهما بها فلا صلاة عليهما في فترتي الحيض والنفاس، كما أنه لا قضاء عليهما للصلاة، عَقِبَ انقضاء الفترتين، وليس كذلك الصيام، فالصيام لم يُرفع تكليفُهما به، وإنما أخَّر الله سبحانه أداءَ هما إياه إلى ما بعد انقضاء الفترتين، فكون الحائض والنُّفَساء تقضيان الصوم عقب الفترتين فهو دليل على أن الصيام لم يسقط عنهما كما سقطت الصلاة، ولم يُرفع عنهما هذا التكليف وإنما جرى تأخير أدائه فحسب. ولذا فإن الذين يقولون إن الله سبحانه قد وضع الصلاة والصيام عن الحائض والنُّفَساء، هكذا دون أن يفرقوا بينهما، يكونون قد جانبوا الدِّقةَ، وكان الواجب عليهم أن يقولوا إن الله سبحانه قد أوجب الصوم على الحائض وعلى النُّفَساء، وجعل أداء هذا الواجب عقب انتهاء فترتي الحيض والنفاس.
стр. 55
...أما لماذا لم يساو ربُّ العالمين بين الصلاة والصيام بخصوص الحائض والنُّفَساء؟ فالجواب عليه هو أن الصلاة عبادة وكذلك الصيام، والعبادات لا تعلَّل ولا تُلتمس لها عللٌ إلا إن وردت في النصوص فتُؤخذ عندئذٍ، وفي مسألتنا هذه لا توجد علَّةٌ لهذا التفريق، فنقول بالتفريق دون تعليل، ودون أن نأتي بعلَّة من عند أنفسنا، كمن يقول إن الصلاة عمل دائم في الليل والنهار وعلى مدى الحياة، فلو سقط التكليف بها بضعة أيام فإن ذلك لا يؤثر فيها، بخلاف الصوم الذي لا يأتي في العام إلا في رمضان، فإن نُفِست امرأة في أول الشهر فإنها لا تصوم سنتها كلَّها، وربما تكرر ذلك معها في أعوام قادمة فتُحْرَم من الصوم أعواماً عدة، ولذا أُمرت بقضاء الصيام ولم تؤمر بقضاء الصلاة لأجل ذلك، فهذا القول وهذا التعليل خطأ لا يجوز لفقيه ولا لغيره أن يقوله.
...والتفريق بين الصلاة والصيام، بخصوص الحائض والنُّفَساء، مُجمَعٌ عليه بين المسلمين،لم يخالفه إلا فرقة الخوارج الحَرُوريَّة، الذين يقولون بالتساوي في الحكم بين الصلاة والصيام، فيأمرون الحائض والنُّفَساء بقضاء الصلاة،كقضاء الصيام. وقد وردت في هذه المسألة الأحاديثُ التالية:
١- عن مُعاذة قالت ﴿سألتُ عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أَحَروريةٌ أنتِ؟ قلت: لست بحَروريَّة ولكني أسأل؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم ولا نُؤْمَرُ بقضاء الصلاة﴾ رواه مسلم (٧٦٣) والبخاري وأبو داود والنَّسائي والترمذي. والحَروريَّةُ اسم يطلق على فرقة من الخوارج كانت قد ظهرت في قرية حَروراء قرب الكوفة بالعراق فنُسِبوا إليها.
٢- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ ﴿أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟ فذلك من نقصان دينها﴾ رواه البخاري (١٩٥١) وابن خُزيمة.
стр. 56
٣- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كنا نحيض عند النبي ﷺ ، فيأمرنا بقضاء الصوم﴾ رواه ابن ماجة (١٦٧٠) ورواه النَّسائي (٢٣١٨) بلفظ ﴿ ... كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ثم نطهُر، فيأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة﴾ .
والحائض والنُّفَساء تقعدان عن الصوم ما دام الدم يسيل في الفترتين فإذا انقطع الدم قبل حلول الفجر ثم طلع الفجر دون أن تغتسلا، فمذهب العلماء صحةُ صومها، إلا ما حُكي عن الحسن بن صالح والأوزاعي وأحدِ الرأيين في مذهب مالك فإنهم قالوا بفساد صومهما إلا أن تغتسلا قبل حلول الفجر.
والصحيح هو القول الأول، وذلك أن الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، أو انتهت فترتا الحيض والنفاس لديهما، بطل اعتبارُهما حائضاً ونُفَساء، فوجب عليهما أداء الصوم عندئذٍ وليس صحيحاً أن الاغتسال هو الذي يُؤْذِن بانتهاء الحيض والنفاس وأنه لا بد من وجوده لصحة الصيام، وإنما الصحيح هو أن الله سبحانه قد أمرهما بالغسل عند انتهاء الحيض والنفاس، فالغسل ليس هو العلامة على نهاية الفترتين، ولا هو المُؤْذِنُ بانتهاء الفترتين، فقد تغتسل الحائض أو النفساء عقب انقطاع الدم فوراً، وقد تغتسلان بعد مرور الساعات على انقطاع الدم فانقطاع الدم المُؤْذِن بنهاية الفترتين شيء، والغسل شيء أخر، وعليه فإن المرأة إذا انقطع حيضها، أو نفاسها فقد وجب عليها أن تصوم، دون أن يكون للصوم ارتباط بالغسل.
صيام من أصبح جُنُباً:
стр. 57
ذهب الجمهور إلى أن من أصبح جنباً فصومه صحيح ولا قضاء عليه من غير فرق بين أن تكون الجنابة من جماعٍ أو من احتلامٍ أو من فورة شهوة. وجزم النووي بأن الإجماع من العلماء قد استقر على ذلك. وقال ابن دقيق العيد إنه صار إجماعاً أو كالإجماع. ونقل ابن عبد البر عن الحسن بن صالح وإبراهيم النخعي إيجابَ القضاء في الفرض دون التطوُّع. ونقل الماوَرْدي أن الاختلاف إنما هو في حق الجُنُب من جماع، وأَما من احتلام فأجمعوا على أنه يُجْزِؤُه. وقال الترمذي [وقد قال قوم من التابعين: إذا أصبح جُنُباً يقضي ذلك اليوم] هذه هي خلاصة الأقوال في هذه المسألة. وحتى نستطيعَ الوقوف على الصواب فيها لا بدَّ من استعراض الأحاديث التي تتناولها:
١- عن عائشة ﵂ قالت ﴿أشهد على رسول الله ﷺ أنه كان لَيصبحُ جنباً من جماعٍ غير احتلامٍ ثم يصومه﴾ رواه البخاري (١٩٣١) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان. وروى مسلم أيضاً (٢٥٩١) من طريقها ﵂ ﴿كان رسول الله ﷺ يُصبح جنباً من جماع لا من حُلُم، ثم لا يفطر ولا يقضي﴾ وروى البخاري أيضاً (١٩٣٠) ومسلم من طريق عائشة ﵂ ﴿كان النبي ﷺ يدركه الفجر جنباً في رمضان من غير حلم فيغتسل ويصوم﴾ كما رويا مثل هذا اللفظ من طريق أم سلمة ﵂.
٢- عن أبي يونس مولى عائشة رضي الله تعالى عنها ﴿أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ فأصومُ؟ فقال رسول الله ﷺ : وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ فأصوم ...﴾ رواه مسلم (٢٥٩٣) وأبو داود والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة.
стр. 58
٣- عن عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما ﴿أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جُنُبٌ من أهله، ثم يغتسل ويصوم ... ﴾ رواه الإمام البخاري (١٩٢٥-١٩٢٦) ومسلم والترمذي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي باختلاف في الألفاظ.
فهذه أربع روايات صحيحة، تذكر أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جُنُب من جِماع أهله غير احتلام، ورواية خامسة، تذكر أنه كان يدركه الفجر وهو جنب دون تحديدٍ فيصوم، وهي روايات واضحة الدلالة على ما ذهب إليه الجمهور، وما كاد يُجمِع عليه العلماء والفقهاء، وهي في المقابل ردٌّ على المخالفين.
стр. 59
وأما ما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ﴿إذا نودي للصلاةِ، صلاةِ الصبح، وأحدُكم جُنُبٌ فلا يصمْ يومئذٍ﴾ رواه أحمد (٨١٣٠) فإن أبا هريرة ﵁ قد رجع عن هذه الفتوى، فعن عامر بن أبي أمية أخي أم سلمة ﵂ أن أم سلمة حدَّثته ﴿أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنباً ثم يصوم فردَّ أبو هريرة فتياه﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥٠٠) وأحمد والطبراني والطحاوي وأبو داود الطيالسي بسند صحيح. وعن أبي بكر بن عبد الرحمن قال ﴿سمعت أبا هريرة ﵁ يقصُّ، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصوم فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث – لأبيه – فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ﵄، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي ﷺ يصبح جنباً من غير حُلُم، ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمتُ عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددتَ عليه ما يقول قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله قال: فذكر له عبد الرحمن فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم قال: هما أعلم، ثم ردَّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ ، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك الحديث، قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنباً من غير حُلُم، ثم يصوم﴾ رواه مسلم (٢٥٨٩) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان. أبو بكر هنا هو أبو بكر بن عبد الرحمن راوي الحديث. وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول ﴿من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم، قال: ثم سمعته نزع
стр. 60
عن ذلك﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٩٤٠) كما روى ابن أبي شيبة (٢/٤٩٤) عن سعيد بن المسيِّب [أن أبا هريرة رجع عن فتياه: من أصبح جنباً فلا صوم له] . وبثبوت رجوع أبي هريرة عن فتياه لا تبقى أيةُ حجةٍ، بل ولا أيةُ شبهةٍ، لمن خالف قول الجمهور.
إثم من أفطر في رمضان بغير عذر:
إن صيام رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة، فهو أحد أعمدة الإسلام الرئيسية الخمسة، ولذا فإن التارك لهذا الركن، أو حتى المقصِّر فيه ليستحق العذاب الأليم في الآخرة فضلاً عن إيقاع دولة الخلافة العقوبة عليه في الدنيا. وهذه طائفة من الأحاديث والآثار تحذِّر من الإفطار في رمضان:
١- عن أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضَبْعَيَّ ... وساق الحديث، وفيه – قال: ثم انطلقا بي فإذا قوم معلَّقون بعراقيبهم، مشققةٌ أشداقُهم تسيل أشداقُهم دماً، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تَحِلَّةِ صومهم ...﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٣٢٧٣) ورواه ابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي والحاكم والطبراني في المعجم الكبير. وصححه الحاكم والذهبي والهيثمي. والضَّبْع: هو وسط العضد. والعُرْقُوب: هو العصب الغليظ الموتَّر فوق العَقِب. والأشداق: هي جوانب الفم.
٢- عن ابن مسعود ﵁ قال ﴿من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصةٍ لقي الله به، وإن صام الدهر كله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه﴾ رواه الطبراني في كتاب المعجم الكبير (٩/٩٥٧٥) . قال الهيثمي [رجاله ثقات] ورواه ابن حزم باختلاف في اللفظ. ورواه الترمذي (٧١٩) وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدارَقُطني والبيهقي والدارمي من طريق أبي هريرة ﵁.
стр. 61
٣- عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن رجلاً أفطر في رمضان، فقال أبو هريرة: لا يُقبَل منه صومُ سنة﴾ رواه ابن حزم في المُحلَّى (٦/١٨٤) وفي رواية أخرى عند ابن حزم فيه (٦/١٨٤) قوله ﴿من أفطر يوماً من أيام رمضان لم يقضه يومٌ من أيام الدنيا﴾ وروى ابن أبي شيبة (٢/٥١٦) عن عليٍّ ﵁ قوله ﴿من أفطر يوماً من رمضان متعمِّداً لم يقضه أبداً طولَ الدهر﴾ .
٤- عن أبي مروان ﴿أن علي بن أبي طالب أُتِيَ بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين، ثم ضربه من الغد عشرين، وقال: ضربناك العشرين لجرأتك على الله، وإفطارِك في رمضان﴾ رواه ابن حزم في المحلى (٦/١٨٤) والطحاوي وسنده صحيح والنجاشي هذا هو شاعر اسمه قيس بن عمرو الحارثي، وقد لازم علياً إلى أن جلده، ففر إلى معاوية.
فالحديث والآثار الثلاثة، أو قل الخمسة، واضحة الدلالة على الإثم الكبير لمن أفطر ولو يوماً واحداً في رمضان، فكيف بمن لا يصوم الشهر كله بل الشهور كلها؟ إن المدقق في الآثار هذه يجد أن ألفاظها بعيدة الاحتمال عن أن تكون أفهاماً للصحابة أو اجتهادات منهم فمثل هذه الأقوال يبعد جداً أن تكون من عندهم، ومع ذلك فإنني لا أعتبرها أدلة وإنما اعتبرها أَماراتٍ وأحكاماً شرعية يصح قبولها وتقليدُ أصحابها بها.
صوم الصبيان:
ذهب الجمهور إلى أن صوم الصبيان، أي غير البالغين، غير واجب واستحبَّه جماعة من التابعين منهم ابن سيرين وابن شهاب الزُّهري. وقال الشافعي: إن الصبيان يُؤْمَرون بالصيام للتمرين عليه إذا أطاقوه. وحدَّه أصحابُه بالسبعِ، والعشرِ كالصلاة. وحدَّه إسحق باثنتي عشرة سنة. وأحمد في رواية عنه بعشرِ سنين. وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعاً لا يضعفُ فيهن حُمِلَ على الصوم. والمشهور في مذهب مالك أن صوم الصبيان لا يُشرع في حقهم. فأقول ما يلي:
стр. 62
إن هذه المسألة ما كان ينبغي أن تختلف فيها أفهام الفقهاء والعلماء، إذ المعلوم في الشريعة أن التكاليف كلها شرطُها البلوغُ، فمن بَلَغ كُلِّف ومن لم يبلغ لم يُكلَّف، فإن جاء الشرع وأمر من هو دون البلوغ بالقيام بفعل، أو جاء يأمر وليَّ الصبي بحمل الصبي على القيام بفعل، فإنما هو من باب التمرين عليه فحسب كما يقول الشافعي، ولا يجب على الصبي القيام به قطعاً، وإن كان يُثاب على فعله هو ووليُّ أمره، ومن ذلك الصيام. فولي أمر الصبي يأمر صبيَّه بالصيام ويحثُّه عليه دون أن يصل الأمر والحث إلى حد الإكراه والإجبار، فإن امتثل الصبي للأمر فبها ونعمت، وإن رفض فلا شيء عليه ولا على وليِّه.
...أما متى يبدأ الطلب من الصبي أن يصوم؟ فإن الشرع لم يحدِّد سناً معينة لذلك كما فعل بخصوص الصلاة، ولا يصح القياس في العبادات، فلا يقاس الصيام على الصلاة، وتبقى السنُّ عامة غير مخصَّصة ومطلقة غير مقيَّدة، والأمر كله راجع لتقدير أولياء الأمور وصحَّة الصبيان وقُدُراتهم البدنية.
...وقد مرَّ حديث الرُّبيِّع بنت معوِّذ ﵂ قالت ﴿أرسل النبي ﷺ غداةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فلْيتمَّ يومه، ومن أصبح صائماً فلْيصم، قالت: فكنا نصومه بعد ونُصوِّم صبيانَنا، ونجعل لهم اللعبةَ من العِهْنِ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك، حتى يكون عند الإفطار﴾ رواه البخاري (١٩٦٠) ومسلم وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي والطحاوي.
стр. 63
...فهذا في صيام التطوع كما أثبتناه سابقاً، وصيام التطوع ليس واجباً على الكبار فلا يكون قطعاً واجباً على الصبيان. وكون هؤلاء الصبيان يُلَهَّوْن باللُّعب من الصوف في أثناء صومهم، فإن ذلك يعني أن السنَّ التي كان صحابة رسول الله ﷺ يمرِّنون صبيانهم على الصيام فيها هي بلا شك فيما بين الخامسة والسابعة على أبعد تقدير، فهذه هي السنُّ التي يُتصوَّر فيها إلهاء الصبيان عن الجوع بالُّلَعب من الصوف وغيرها، ومع ذلك فإن هذه السن ليست للالتزام. وقد ذكر البخاري تعليقاً – أي بدون سند – هذا الأثر ﴿وقال عمر ﵁ لِنَشْوانَ في رمضان: ويلك وصبيانُنا صيامٌ؟ فضربه﴾ . ومعناه أن شخصاً قُبض عليه في رمضان وهو نشوان، أي سكران، فوبَّخه عمر وضربه قائلاً له: وصبياننا صيام؟ أي تفطر وتشرب الخمر أيضاً في رمضان في حين أن الصبيان يصومون؟ فالأصل عند المسلمين أن يُعوِّدوا أولادهم الصغار على أداء بعض التكاليف التي سيقومون بها كباراً مما يطيقون القيام به.
صوم الحامل والمرضع:
ورد في صوم الحامل والمرضع الحديثان التاليان:
١- عن أنس بن مالك – رجل من بني عبد الله بن كعب إخوةِ بني قُشَير – قال ﴿ ... قال رسول الله ﷺ : اجلس أحدِّثْكَ عن الصلاة، وعن الصيام: إن الله تعالى وضع شطر الصلاة، أو نصف الصلاة، والصومَ عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى، واللهِ لقد قالهما جميعاً أو أحدَهما ... ﴾ رواه أبو داود (٢٤٠٨) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وهذا لفظ النَّسائي (٢٢٧٤) ﴿إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم، وعن الحبلى والمرضع﴾ ورواه الترمذي وحسَّنه.
٢- عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿رخَّص رسول الله ﷺ للحُبلى التي تخاف على نفسها أن تفطر، وللمرضع التي تخاف على ولدها﴾ رواه ابن ماجة (١٦٦٨) وابن عَدِي.
стр. 64
قال الترمذي [قال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران، ويقضيان، ويُطعمان وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. وقال بعضهم: يفطران ويطعمان، ولا قضاء عليها، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام عليهما. وبه يقول إسحق] . وقد ذهب الحسن البصري وعطاء والضحاك وإبراهيم النخعي والأوزاعي وعكرمة وأصحاب الرأي وربيعة إلى أن الحامل إذا خافت على نفسها، والمرضع إذا خافت على ولدها، أن تفطرا ولا إطعام عليهما، فهما بمنزلة المريض يفطر ويقضي، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر. وهو قول مالك في الحبلى إذا أفطرت، وأما المرضع فإنها إن أفطرت فقد وجب عليها القضاء والإطعام. وقال الشافعي وأحمد: تفطران وتقضيان إن خافتا على نفسيهما فقط، أو على نفسيهما وولديهما، وأما إن خافتا على ولديهما فقط فعليهما القضاء والفدية، عن كل يومٍ مُدٌّ. فأقول، ومِن الله التوفيق، ما يلي:
أما أن الحامل والمرضع تفطران فهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء وهو الصواب وإن الحديث الأول دليل عليه (إن الله تعالى وضع ... الصوم عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى) (إن الله وضع عن المسافر ... الصوم، وعن الحبلى والمرضع) فكما أن المسافر يصح له الإفطار لأن السفر رخصة وعذر، فكذلك الحبلى والمرضع يصح لهما الإفطار، لأن الحَبَل والرضاعة رخصةٌ وعذرٌ. وقد جاء النص الأول عاماً في الحُبْلى والمرضع، وأَما النص الثاني، فقد جاء خاصاً بالحَبَل الذي يُخشى معه على النفس، وبالإِرضاع الذي يُخشى معه على الولد، فوجب الأخذُ بهذا التخصيص. فأقول ما يلي:
стр. 65
إن الحبلى إذا خشيت بسبب الحَبَل على نفسها فإن لها أن تفطر، وإن المرضع إذا خشيت بسبب الإِرضاع على ولدها فإن لها أن تفطر، وأما إن عدمت الخشيةُ من الحبلى والمرضع فلا يصح لهما الإفطار، فالعام يُحمل دائماً على الخاص. وأما القضاء فإنه لا بد منه، وليس صحيحاً قول إسحق [إن شاءتا قضتا] كما أنه ليس صحيحاً ما رُوي عن ابن عباس ﵁ من القول إِنَّ الحامل والمرضع ليس عليهما قضاء، كما جاء في الرواية عند الدارَقُطني (٢/٢٠٦) في سننه من طريق سعيد بن جُبير ﴿أن ابن عباس قال لأم ولدٍ له حُبلى أو مُرضع: أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليكِ الجزاء، وليس عليكِ القضاء﴾ ورواه أبو داود والبزَّار بمعناه. وكذلك ليس صحيحاً ما رُوي عن قتادة، وعن ابن عمر ﵄ من القول نفسه المنسوب لابن عباس ﵄، كما جاء في مصنَّف عبد الرزاق عن قتادة (٧٥٥٦) وعن ابن عمر (٧٥٥٨) من أنهما قالا عن الحامل والمرضع: تفطران وتطعمان عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليهما. وكما روى الدارَقُطني (٢ /٢٠٧) مثله عن ابن عمر ﵁. وذلك لما يلي:
...إنَّ الرواية الأولى عن ابن عباس عند الدارَقُطني القائلةَ بالجزاء، وعدم القضاء تعارضها الرواية عنه عند عبد الرزاق (٧٥٦٤) القائلة بالقضاء وعدم الإِطعام. ولذا فإن الرواية عن ابن عباس مشكوك فيها، فتترك. هذا إِضافةً إلى أنها قول صحابي وأقوال الصحابة ليست أدلة، كما ذكرنا ذلك عدة مرات. وقل مثل ذلك بخصوص القول المنسوب لابن عمر ﵁.
стр. 66
أما الدليل الشرعي فهو الحديث الأول بروايتيه فقد أعطى هذا الحديث حكماً واحداً لكلٍّ من المسافر والحبلى والمرضع هو أن الله سبحانه قد وضع عنهم الصوم، ولم يفرق بينهم بخصوصه، ولذا فإن القائلين بالتفريق قد أخطأوا فيما ذهبوا إليه. وحيث أن المسافر يقضي صومه فإن كلاً من الحبلى والمرضع تقضي صومها كذلك ولا يُلتفت إلى رأي من قال إن الحبلى والمرضع لا تقضيان الصوم.
...أما القول إن الحامل والمرضع تفطران وتطعمان فإنه لا دليل عليه من الشرع، لا من كتاب الله سبحانه، ولا من سنة رسول الله ﷺ ، وهو لا يعدو كونه من اجتهادات الصحابة والفقهاء، ونحن لا نلتزم في عباداتنا إلا بما شرعه الله ورسوله ﷺ . وممن قال بعدم الإِطعام الأحناف، وقد أصابوا فيما ذهبوا إليه.
لا صوم على المجنون وعلى المغمَى عليه:
стр. 67
قال الإمام أبو حنيفة: يصح صوم المغمَى عليه لأن النية قد صحَّت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم. وقال الشافعي: إذا وُجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم، لأنه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجودُه في بعضه كالحيض. وقال الشافعي وأحمد: متى أُغمي عليه جميعَ النهار فلم يُفِقْ في شيء منه لم يصحَّ صومُه. وجاء في كتاب الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة [لا نعلم خلافاً في وجوب القضاء على المغمَى عليه، لأن مدته لا تتطاول غالباً ولا تثبت الولاية على صاحبه، فلم يلزم به التكليف كالنوم، فأما المجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى، وبه قال أبو ثور والشافعي في الجديد. وقال مالك: يقضي وإن مضى عليه سنون. وعن أحمد مثله، وهو قول الشافعي في القديم، لأنه معنى يزيل العقل، فلم يمنع وجوب الصوم كالإغماء. وقال أبو حنيفة: إن جُنَّ جميع الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى لأن الجنون لا ينافي الصوم، بدليل أنه لو جُنَّ في أثناء الصوم لم يفسد، فإذا وجد في بعض الشهر وجب القضاء كالإغماء، ولأنه أدرك جزءاً من رمضان وهو عاقل فلزمه صيامه كما لو أفاق في جزء من اليوم] فأقول ومن الله التوفيق والسَّداد ما يلي:
стр. 68
إن القلم، أي التكليف، قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يُفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود (٤٤٠٣) والترمذي وأحمد من طريق علي ﵁ بلفظ ﴿عن النبي ﷺ قال: رُفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يَعقِل﴾ وذكره البخاري في باب الطلاق موقوفاً. ورواه ابن ماجة والدارمي والنَّسائي من طريق عائشة ﵂. ومن ضمن التكليف الصيام، فالصيام مرفوع عن النائم حتى يستيقظ وهو مرفوع عن الصبي حتى يبلغ مبلغ الرجال والصبيَّة مبلغ النساء، كما هو مرفوع عن المجنون حتى يعقل أو يُفيق. فلا صيام على نائم، ولا صيام على صبي، ولا صيام على مجنون، ما دام هؤلاء الثلاثة على حالهم لم يخرجوا منه، فإذا خرجوا منه صاروا مكلَّفين. وعليه فإن المجنون، إذا مضى عليه يوم كامل أو أكثر من يوم دون أن يعود إليه عقله فلا تكليف عليه ولا صوم عليه في الحال وبالتالي فلا قضاء عليه لذلك اليوم، ولا للأيام التي أمضاها مجنوناً. وقل مثل ذلك بخصوص المغمَى عليه إذا مضى عليه يوم كامل وهو في إغماء متواصل، أي مضى عليه ليلٌ ونهارٌ دون إِفاقة، فإنه لا صوم عليه في الحال وبالتالي فلا قضاء عليه، لأن المجنون والمغمى عليه غير مكلَّفَين وعلى من كلَّفهما بالصوم وقضاء الصوم أن يأتينا بدليل من الشرع.
...وإنَّ صيام رمضان عبادةٌ تتكرر كل نهار، والصيام هو الامتناع عن المفَطِّرات وعليه فإنه ليس صحيحاً أن صيام شهر رمضان كله عبادة واحدة تلزمها نية واحدة، وإنما الصحيح هو أن صيام كل يوم من أيام رمضان عبادة مستقلة عما قبلها، وعما بعدها وهذه العبادة تحتاج إلى نية، وهذه النية يجب عقدها كلَّ ليلة قبل حلول الفجر.
стр. 69
...ثم إن العبادات توقيفية تحتاج كل واحدة منها إلى نص من قرآن أو حديث أو إجماع صحابة، ولا تصح أية عبادة بالقياس، لأن العبادات لا تعلَّل إلا أن توجد العلة في النص فتؤخذ وهي نادرة جداً في العبادات فإنْ جاء نصٌّ بعبادة قلنا بها وإلا رفضناها مهما كان عدد القائلين بها أو نوعيتهم.
...وبناء على ما سبق أقول: إن المجنون والمغمى عليه لا تكليف عليهما ولا صوم عليهما، وبالتالي فإنه لا يتوجَّب عليهما قضاءُ ما فاتهما من صيام، سواء فاتهما صيام يوم أو عدة أيام أو شهر رمضان بكامله، وهذا واضح. وأما إن نوى شخص في الليل الصيام، ثم بعد النية أصابه جنون أو إغماء في جزء من النهار ثم أفاق احتُسِب له صيامُ يوم، وأيضاً لا قضاء عليه، فهو كالنائم سواء بسواء. فالنائم إن نوى الصيام من الليل ثم نام جزءاً من النهار، سواء كان الجزء طويلاً أو قصيراً، أولَ النهار، أو وسَطَه، أو آخِرَه احتُسب له صيام ذلك اليوم، ولا يضيره أن يفقد الاستشعار بالصوم، لأن زوال الاستشعار لا يمنع صحة الصوم كما يقول أبو حنيفة.
стр. 70
وقد يقول قائل: ما دام أن الإغماء كالنوم فلماذا يُطلب من النائم عن الصلاة أن يأتي بها عند إفاقته ويقظته، ولا يطلب من المغمَى عليه الإتيانُ بالصوم عند إفاقته؟ والجواب عليه هو أن العبادات كما قلنا لا تعلَّل وأنها توقيفية، وبالتالي لا تقاس واحدة على الأخرى فلا يقاس الصوم على الصلاة، ولا يقاس قضاء الصوم على قضاء الصلاة فالحائض مثلاً تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة وهنا جاء الأمر للنائم أن يقضي الصلاة فوجب عليه أن يأتي بها عندما يستيقظ، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فلْيُصَلِّها إذا ذكرها، فإن الله يقول: أقم الصلاة لذِكْري﴾ رواه مسلم (١٥٦٩) وأحمد والبيهقي وأبو نعيم. فهو نصٌّ في الصلاة لا نجد مثله في الصوم، والشرع لا يغفل عن تشريع ما يجب، فلو كان الصوم يُقضَى من قبل النائم أو المغمى عليه أو المجنون، لقال لنا الشرع ذلك، فلما لم يقله فإنه لا يُقبَل من أيِّ مسلم فضلاً عن أي فقيه أن يقوله. وإذن فإن الرجل إذا جُن أو أُغميَ عليه يوماً كاملاً أو أياماً كاملة فلا صوم عليه، ولا قضاء، ومثله إن جُن أو أُغميَ عليه جزءاً من نهار، وكان في الليل قد عقد النية للصوم فإن صومه مقبول، ولا قضاء عليه. ونستأنس هنا بما رُوي عن نافع قال ﴿كان ابن عمر يصوم تطوُّعاً فيُغْشَى عليه فلا يفطر﴾ رواه البيهقي (٤ /٢٣٥) وقال [هذا يدل على أن الإغماء خلال الصوم لا يفسده] .
стр. 71
فتبقى حالة ما إذا كان الجنون، أو الإغماء، قد حصل في الليل، فلم يتمكن الشخص من أن يعقد نية الصوم، ثم زال عارض الجنون أو الإغماء في جزء من النهار ففي هذه الحالة يتوجب على هذا الشخص أن يمسك فوراً عن المفَطِّرات، ويصوم بقية اليوم ثم يقضيه في يوم آخر لأن النية ركن وشرط في الصيام لا يصح بدونها، فلا يصح منه الصيام في هذه الحالة، ولذا وجب عليه القضاء. وحيث أنه أدرك جزءاً من النهار وهو مفيق فإنه يكون قد أدرك جزءاً من عبادةٍ واجبةٍ، فوجب أن يمسك عن المفطرات ومثل هذه الحالة ما رواه عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه ﴿أن أَسلمَ أتت النبي ﷺ ، فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: فأَتمُّوا بقيةَ يومِكم، واقضوه﴾ قال أبو داود: يعني يوم عاشوراء. رواه أبو داود (٢٤٤٧) والبيهقي. قوله أَسلم: أي قبيلة أسلم. فقد جاء في هذا الحديث (أتمُّوا بقية يومكم واقضوه) وأما كون هذا النص في يوم عاشوراء فلا يغير من الأمر شيئاً.
ومن ذلك يظهر أن قول مالك وأحمد: يقضي وإن مضى عليه سنون هو خطأ وأن قول أبي حنيفة: إن جُن جميع الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى، هو أيضاً خطأ، وخطؤُه آت من اعتباره رمضان كله عبادةً واحدة، ولو كان يعتبر صيام كل يوم عبادة منفصلة تحتاج إلى نية، لما قال ما قال. وإن قول أبي ثور والشافعي في الجديد: فأما المجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى هو قول سديد صائب.
حِلُّ الجماع في ليالي الصيام:
كان الجماع في ليل رمضان محظوراً في البداية وقيل كان محظوراً في الليل عقب النوم، أما قبل النوم فكان جائزاً، وقد وردت النصوص في كلا الأمرين. وقد شق الامتناعُ عن الجماع على ناس من الصحابة فقارفوه، فوقعوا في الإثم، فنزل قوله تعالى يذكر ذلك، ويرفع الحظر عن الجماع في ليالي رمضان. وهذه طائفة من النصوص تذكر ذلك:
стр. 72
١- قال تعالى ﴿أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم هُنَّ لباسٌ لكم وأَنتم لباسٌ لهنَّ عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَخْتَانون أَنْفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآن باشِروهنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لكم ... ﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة. قوله الرَّفَث: هو هنا الجماعُ وغَشَيانُ النساء. وقوله تختانون: أي ترتكبون الخيانة.
٢- عن البراء ﵁ قال ﴿كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلتَه ولا يومَه حتى يمسي، وإنَّ قيس بن صِرْمَةَ الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال لها: أعندكِ طعام؟ قالت: لا، ولكن أَنطلقُ فأَطلب لك، وكان يومَه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غُشِي عليه، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية (أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيامٍ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم) ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسود) ﴾ رواه البخاري (١٩١٥) وأبو داود والنَّسائي وأحمد والبيهقي والطبري.
٣- عن أبي إِسحق قال: سمعت البراء رضي الله تعالى عنه قال ﴿لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساءَ رمضانَ كلَّه وكان رجالٌ يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى – عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَخْتَانونَ أَنفُسَكم فتابَ عليكم – الآية﴾ رواه البخاري (٤٥٠٨) والدارمي والنَّسائي.
стр. 73
٤- عن ابن عباس ﵄ ﴿في قول الله تعالى ذِكْرُهُ – أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم – وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساءُ والطعامُ إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب فشَكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله – عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تخْتانون أنْفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآنَ باشروهُنَّ – يعني: انكحوهن –، وكلوا واشربوا حتى يتبينَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجر﴾ رواه الطبري (٢/١٦٥) وابن المنذر.
٥- عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال ﴿كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حَرُم عليه الطعامُ والشرابُ والنساءُ حتى يُفطر من الغد، فرجع عمر ابن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سهر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت: إني قد نمت قال: ما نمتِ ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله ﵎ (عَلِم اللهُ أنكم كنتم تختانون أنفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم) ﴾ رواه الإمام أحمد (١٥٨٨٨) والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم، وسنده حسن. والنصوص واضحة لا تحتاج إلى تفسير.
ا لفصل الثاني: الفِطْر والسُّحُور
الفصل الثاني
الفِطرُ والسُّحور
أولاً: الفِطر
متى يفطر الصائم ؟
وردت في إفطار الصائم الأحاديثُ التالية:
стр. 74
١- عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال ﴿كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: يا فلان انزلْ فاجْدَحْ لنا، قال: يا رسول الله إنَّ عليك نهاراً، قال: انزلْ فاجْدَحْ لنا، قال: فنزل فجَدَحَ، فأتاه به فشرب النبي ﷺ ثم قال بيده: إذا غابت الشمس من ههنا، وجاء الليل من ههنا، فقد أفطر الصائم﴾ رواه مسلم (٢٥٥٩) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وأحمد. قوله اجدح: الجَدْحُ هو خلطُ الشيء بغيره لتهيئته للأكل أو للشرب ويطلق على خلط السَّوِيق – وهو المتخذ من القمح أو الشعير – واللبن ونحوهما بالماء. والمِجدَح: خشبة ذات رأسين أو ثلاثة يُحرَّك الخليطُ بها.
٢- عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم﴾ رواه البخاري (١٩٥٤) وأبو داود والنَّسائي وأحمد والترمذي والدارمي ورواه مسلم (٢٥٥٨) بلفظ ﴿قال رسول الله ﷺ : إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم﴾ .
٣- عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال ﴿لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفِطر﴾ رواه البخاري (١٩٥٧) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي والشافعي.
٤- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا يزال الدين ظاهراً ما عجَّل الناسُ الفِطر، إن اليهود والنصارى يؤخِّرون﴾ رواه أحمد (٩٨٠٩) وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان بسند حسن. وصحح الحاكم والذهبي إِسناده.
стр. 75
٥- عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا تزال أمتي على سُنَّتي ما لم تنتظر بفِطْرِها النجومَ﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥١٠) وأحمد وابن خُزيمة والدارمي والحاكم بسند صحيح.
٦- عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿إِنَّا معاشرَ الأنبياء أُمرنا أن نُعجِّل فِطرنا وأن نؤخر سحورنا، وأن نضع أَيماننا على شمائلنا في الصلاة﴾ رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٩٠٥) وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] ورواه الطبراني في المعجم الأوسط أيضاً (٣٠٥٣) من طريق ابن عمر ﵄.
٧- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿إنَّ جزءاً من سبعين جزءاً من النبوة تأخيرُ السُّحور وتبكيرُ الفِطر، وإِشارةُ الرجلِ بإصبعه في الصلاة﴾ رواه عبد الرزاق في مصنَّفِه (٧٦١٠) .
٨- عن عمرو بن ميمون الأزدي، قال ﴿كان أصحاب محمد ﷺ أعجلَ الناس إفطاراً، وأبطأَهم سُحوراً﴾ رواه البيهقي (٤/٢٣٨) ورواه الطبراني في كتاب المعجم الكبير، ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنَّفيهما. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
٩- عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال ﴿يقول الله : إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلُهم فِطراً﴾ رواه أحمد (٧٢٤٠) وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي. ورواه الترمذي وقال [حسن غريب] .
следующие страницы →