Полный текст (401 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فتبقى حالة ما إذا كان الجنون، أو الإغماء، قد حصل في الليل، فلم يتمكن الشخص من أن يعقد نية الصوم، ثم زال عارض الجنون أو الإغماء في جزء من النهار ففي هذه الحالة يتوجب على هذا الشخص أن يمسك فوراً عن المفَطِّرات، ويصوم بقية اليوم ثم يقضيه في يوم آخر لأن النية ركن وشرط في الصيام لا يصح بدونها، فلا يصح منه الصيام في هذه الحالة، ولذا وجب عليه القضاء. وحيث أنه أدرك جزءاً من النهار وهو مفيق فإنه يكون قد أدرك جزءاً من عبادةٍ واجبةٍ، فوجب أن يمسك عن المفطرات ومثل هذه الحالة ما رواه عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه ﴿أن أَسلمَ أتت النبي ﷺ ، فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: فأَتمُّوا بقيةَ يومِكم، واقضوه﴾ قال أبو داود: يعني يوم عاشوراء. رواه أبو داود (٢٤٤٧) والبيهقي. قوله أَسلم: أي قبيلة أسلم. فقد جاء في هذا الحديث (أتمُّوا بقية يومكم واقضوه) وأما كون هذا النص في يوم عاشوراء فلا يغير من الأمر شيئاً.
ومن ذلك يظهر أن قول مالك وأحمد: يقضي وإن مضى عليه سنون هو خطأ وأن قول أبي حنيفة: إن جُن جميع الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى، هو أيضاً خطأ، وخطؤُه آت من اعتباره رمضان كله عبادةً واحدة، ولو كان يعتبر صيام كل يوم عبادة منفصلة تحتاج إلى نية، لما قال ما قال. وإن قول أبي ثور والشافعي في الجديد: فأما المجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى هو قول سديد صائب.
حِلُّ الجماع في ليالي الصيام:
كان الجماع في ليل رمضان محظوراً في البداية وقيل كان محظوراً في الليل عقب النوم، أما قبل النوم فكان جائزاً، وقد وردت النصوص في كلا الأمرين. وقد شق الامتناعُ عن الجماع على ناس من الصحابة فقارفوه، فوقعوا في الإثم، فنزل قوله تعالى يذكر ذلك، ويرفع الحظر عن الجماع في ليالي رمضان. وهذه طائفة من النصوص تذكر ذلك:
стр. 72
١- قال تعالى ﴿أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم هُنَّ لباسٌ لكم وأَنتم لباسٌ لهنَّ عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَخْتَانون أَنْفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآن باشِروهنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لكم ... ﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة. قوله الرَّفَث: هو هنا الجماعُ وغَشَيانُ النساء. وقوله تختانون: أي ترتكبون الخيانة.
٢- عن البراء ﵁ قال ﴿كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلتَه ولا يومَه حتى يمسي، وإنَّ قيس بن صِرْمَةَ الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال لها: أعندكِ طعام؟ قالت: لا، ولكن أَنطلقُ فأَطلب لك، وكان يومَه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غُشِي عليه، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية (أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيامٍ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم) ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسود) ﴾ رواه البخاري (١٩١٥) وأبو داود والنَّسائي وأحمد والبيهقي والطبري.
٣- عن أبي إِسحق قال: سمعت البراء رضي الله تعالى عنه قال ﴿لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساءَ رمضانَ كلَّه وكان رجالٌ يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى – عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَخْتَانونَ أَنفُسَكم فتابَ عليكم – الآية﴾ رواه البخاري (٤٥٠٨) والدارمي والنَّسائي.
стр. 73
٤- عن ابن عباس ﵄ ﴿في قول الله تعالى ذِكْرُهُ – أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم – وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساءُ والطعامُ إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب فشَكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله – عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تخْتانون أنْفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآنَ باشروهُنَّ – يعني: انكحوهن –، وكلوا واشربوا حتى يتبينَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجر﴾ رواه الطبري (٢/١٦٥) وابن المنذر.
٥- عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال ﴿كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حَرُم عليه الطعامُ والشرابُ والنساءُ حتى يُفطر من الغد، فرجع عمر ابن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سهر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت: إني قد نمت قال: ما نمتِ ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله ﵎ (عَلِم اللهُ أنكم كنتم تختانون أنفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم) ﴾ رواه الإمام أحمد (١٥٨٨٨) والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم، وسنده حسن. والنصوص واضحة لا تحتاج إلى تفسير.
ا لفصل الثاني: الفِطْر والسُّحُور
الفصل الثاني
الفِطرُ والسُّحور
أولاً: الفِطر
متى يفطر الصائم ؟
وردت في إفطار الصائم الأحاديثُ التالية:
стр. 74
١- عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال ﴿كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: يا فلان انزلْ فاجْدَحْ لنا، قال: يا رسول الله إنَّ عليك نهاراً، قال: انزلْ فاجْدَحْ لنا، قال: فنزل فجَدَحَ، فأتاه به فشرب النبي ﷺ ثم قال بيده: إذا غابت الشمس من ههنا، وجاء الليل من ههنا، فقد أفطر الصائم﴾ رواه مسلم (٢٥٥٩) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وأحمد. قوله اجدح: الجَدْحُ هو خلطُ الشيء بغيره لتهيئته للأكل أو للشرب ويطلق على خلط السَّوِيق – وهو المتخذ من القمح أو الشعير – واللبن ونحوهما بالماء. والمِجدَح: خشبة ذات رأسين أو ثلاثة يُحرَّك الخليطُ بها.
٢- عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم﴾ رواه البخاري (١٩٥٤) وأبو داود والنَّسائي وأحمد والترمذي والدارمي ورواه مسلم (٢٥٥٨) بلفظ ﴿قال رسول الله ﷺ : إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم﴾ .
٣- عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال ﴿لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفِطر﴾ رواه البخاري (١٩٥٧) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي والشافعي.
٤- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا يزال الدين ظاهراً ما عجَّل الناسُ الفِطر، إن اليهود والنصارى يؤخِّرون﴾ رواه أحمد (٩٨٠٩) وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان بسند حسن. وصحح الحاكم والذهبي إِسناده.
стр. 75
٥- عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا تزال أمتي على سُنَّتي ما لم تنتظر بفِطْرِها النجومَ﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥١٠) وأحمد وابن خُزيمة والدارمي والحاكم بسند صحيح.
٦- عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿إِنَّا معاشرَ الأنبياء أُمرنا أن نُعجِّل فِطرنا وأن نؤخر سحورنا، وأن نضع أَيماننا على شمائلنا في الصلاة﴾ رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٩٠٥) وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] ورواه الطبراني في المعجم الأوسط أيضاً (٣٠٥٣) من طريق ابن عمر ﵄.
٧- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿إنَّ جزءاً من سبعين جزءاً من النبوة تأخيرُ السُّحور وتبكيرُ الفِطر، وإِشارةُ الرجلِ بإصبعه في الصلاة﴾ رواه عبد الرزاق في مصنَّفِه (٧٦١٠) .
٨- عن عمرو بن ميمون الأزدي، قال ﴿كان أصحاب محمد ﷺ أعجلَ الناس إفطاراً، وأبطأَهم سُحوراً﴾ رواه البيهقي (٤/٢٣٨) ورواه الطبراني في كتاب المعجم الكبير، ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنَّفيهما. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
٩- عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال ﴿يقول الله : إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلُهم فِطراً﴾ رواه أحمد (٧٢٤٠) وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي. ورواه الترمذي وقال [حسن غريب] .
стр. 76
في الحديث الأول وفي الحديث الثاني بروايتيه جاء اللفظ واحداً: وهو دالٌّ على أن إقبال الليل من المشرق وإدبار النهار من المغرب وغروب الشمس هو موعد الإفطار وهذا يعني أن مجرد الغروب يكفي للإفطار، فلا حاجة للتأخير ولا مبرر لانتظار المزيد من الوقت كي يفطر الصائم كما تفعل الشيعة الإمامية. ولعل ما هو أوضح من هذه النصوص الثلاثة، الحديث الخامس (لا تزال أمتي على سُنتي ما لم تنتظر بفِطْرها النجومَ) وانتظار النجوم يعني تأخير الإفطار حتى تَسْودَّ صفحةُ السماء فتظهر فيها النجوم، وهو يعني التأخُّرَ في الفطر عن غروب الشمس بما يقارب الربع ساعة على الأقل، فهذا كما نصَّ عليه هذا الحديث مخالف للسُنَّة النبوية وموافق لليهود والنصارى، كما نصَّ على ذلك الحديث الرابع فلا ينبغي تأخير الإفطار تحت أية ذريعة من الذرائع. وهذا ما فهمه صحابة رسول الله ﷺ ، فكانوا أعجلَ الناس إِفطاراً كما جاء في البند الثامن. وإذا كان تبكير الإفطار مما أُمر به الأنبياء وأنه جزء من سبعين جزءاً من النبوة وأَنَّ أحبَّ عباد الله إليه أعجلُهم فطراً بان التشدُّدُ في الهَدْيِ النبوي على تعجيل الإفطار وعدم تأخيره.
وأقول كلمة هنا: هي أن العادة قد جرت في عصرنا الراهن بأن نتناول طعام الإفطار إذا أذَّن المؤذن لصلاة المغرب، كما أن العادة قد جرت أيضاً بأن يُؤخَّر رفعُ أذان المغرب قليلاً عقب غياب الشمس، وهذا يجعل الصائمين يؤخرون الإفطار عن موعده فهذا التأخير مخالفٌ للسُنَّة النبوية، فعلى الصائمين أن يتثبتوا من المدة التي يؤخِّر فيها المؤذِّنون أذان المغرب فيتلافَوْها، ولو أدى ذلك بهم إلى أن يفطروا قبل رفع الأذان فالسنة النبوية أحق وأولى بالاتِّباع مما جرت به عادة الناس في أيامنا هذه.
ما يُستحبُّ للصائم أن يفطر عليه:
стр. 77
يستحبُ للصائم أن يفطر على حبَّاتٍ من الرُّطب، فإن لم توجد انتقل الاستحباب إلى حبَّات من التمر، فإن لم توجد الحباتُ من التمر انتقل الاستحباب إلى جرعات من ماء، وله بعد ذلك أن يأكل ما يشاء. ولم يَرِدْ في النصوص تعليلٌ لهذا الترتيب إلا ما جاء في الحديث الأول الآتي بعد قليل بخصوص الماء من أنه طَهور. ولذلك لا يصح أن يخوض الناس في سبب اختيار الرطب أولاً ثم التمر ثانياً ثم الماء ثالثاً، وإنما يفعلون كل ذلك تعبُّداً وطاعةً فحسب، فليس صحيحاً تعليلُهم تقديمَ التمر بأن فيه وَفْرةً من السكر وهو ما يفقده الصائم، فجاء النص يطلب منهم تعويض أبدانهم عن فقده، أو أن التمر سريع الهضم، فيسهِّل على الصائم التغذية التي يحتاج إليها وما إلى ذلك من أبحاث لا تقدِّم شيئاً ولا تؤخِّر في أحكام الشرع، ولو أراد الشرع الحنيف أن يعلِّل لعلَّل، فلما سكت عن التعليل فقد وجب علينا السكوت عنه، اللهم إلا أن تُبحث هذه الأمور في باب دلائل النبوة فلا بأس. وهذه طائفةٌ من الأحاديث تتناول هذه المسألةَ:
١- عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا كان أحدكم صائماً فلْيفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء، فإن الماء طَهُور﴾ رواه أبو داود (٢٣٥٥) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي. وصححه ابن حِبَّان والحاكم وأبو حاتم الرازي، وقال الترمذي [حديث حسن صحيح] .
٢- عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يفطر على رُطَباتٍ قبل أن يصلي، فإن لم تكن رُطَبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حَسَواتٍ من ماء﴾ رواه أبو داود (٢٣٥٦) والترمذي وقال [حديث حسن غريب] ورواه أحمد والدارَقُطني وصحَّحه. ورواه الحاكم وصححه وأقرَّه الذهبي. والحُسْوة بالضم: الجُرعة من الشراب. والحَسْوة بالفتح: المرة الواحدة.
стр. 78
٣- عن أنس ﵁ قال ﴿ما رأيت رسول الله ﷺ قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر ولو على شَربةٍ من ماء﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥٠٤) وابن خُزيمة والبزَّار والحاكم والبيهقي والطبراني في المعجم الأوسط، وإسناده صحيح.
وهذا الحديث الثالث يدل على أن السُّنة في الإفطار تعجيله، وأنه مقدَّم على صلاة المغرب، فلا يصلي الصائم إلا بعد أن يفطر.
ما يقوله الصائم إذا أفطر:
إذا فرغ الصائم من عبادة ربه بالصيام وأفطر، فإن دعاءه عندئذٍ يخرج من فم امتنع طيلة النهار عن الأكل والشرب طاعةً لله وتعبُّداً أي يخرج من فمٍ عابدٍ لربه صابرٍ على الجوع والعطش فاستحق من الله سبحانه أن يستجيب دعاءه. فعلى المسلم عقبَ هذه العبادةِ، بل وعقبَ كلِّ عبادة أن يحمد ربه وأن يدعوه، وأن يُخلصَ في الدعاء، لأن الدعاء آنذاك مقبول مستجاب بإِذن الله. فعن عبد الله بن أبي مُلَيكةَ قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله ﷺ ﴿إن للصائم عند فِطرهِ لدعوةً لا تُردُّ، قال ابن أبي مُلَيكةَ: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي﴾ . رواه ابن ماجة (١٧٥٣) وسنده صحيح. ورواه الحاكم. ورواه أبو داود الطيالسي دون أن يذكر دعاء ابن عمرو. والذِّكْرُ والدعاء مشروعان بأية صيغة من الصيغ ولكنه بالمأثور أفضل. هذا وقد ورد في الذِّكرِ والأدعيةِ المأثورة عقبَ الصيام وبدء الإفطار ما يلي:
١- عن عبد الله بن عمر ﵄ قال ﴿كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: ذهب الظمأُ وابتلَّت العروقُ، وثبت الأجرُ إن شاء الله﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٣٣١٥) وأبو داود والحاكم والبيهقي. ورواه الدارَقُطني وقال [إسناده حسن] .
стр. 79
٢- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ﴿كان النبي ﷺ إذا صام ثم أفطر، قال: اللهم لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ ... ﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢ /٥١١) ورواه أبو داود (٢٣٥٨) والبيهقي من طريق معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال: - فذكر لفظ حديث ابن أبي شيبة -. ومعاذ بن زهرة ويقال معاذ بن أبي زهرة هو من ثقات التابعين.
٣- عن أنس بن مالك ﵁ ﴿أن النبي ﷺ كان إذا أفطر عند الناس قال: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامَكم الأبرارُ، وتنزلَّت عليكم الملائكة﴾ رواه الدارمي (١٧٧٣) وابن أبي شيبة والبيهقي وعبد الرزاق. وفي لفظ ثانٍ عند البيهقي (٤/٢٤٠) ﴿ ... وصلَّت عليكم الملائكة﴾ فيستحبُّ للصائم إذا أفطر أن يقول ما يلي [اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلَّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله] ثم له أن يدعو أيضاً بما شاء. ويعجبني دعاء عبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنه [اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي] فيضمها الصائم إلى دعائه إِن شاء.
ثواب من فطَّر صائماً:
стр. 80
إنَّ مَن فطَّر صائماً فقد نال ثواباً مثل ثوابه، فيكون قد حصَّل ثوابين اثنين في يوم واحد، دون أن يَنقُصَ من أجرِ الصائم شيءٌ، كل ثوابٍ منهما قد يُضاعفُه الله سبعَمائةِ ضعفٍ، كما يدلُّ عليه الحديث الأول الوارد في الفصل الأول [فضل الصوم] ولا شك في أن من وقف على هذا الثواب المضاعَف حرص على دعوةِ صائمٍ ليفطر عنده، فقد رُوي عن زيد بن خالد الجُهَني، عن النبي ﷺ قال ﴿مَن فطَّر صائماً كُتب له مثلُ أجره إلا أنه لا يَنْقُصُ من أجر الصائم شيءٌ ومن جهَّز غازياً في سبيل الله أو خَلَفَه في أهله كُتب له مثلُ أجره إلا أنه لا ينقُصُ من أجر الغازي شيءٌ﴾ رواه أحمد (١٧١٥٨) والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان والطبراني ورواه الترمذي وقال [حديث حسن صحيح] وروى الدارمي (١٧٠٣) القسم الأول منه فقط. ورواه ابن خُزيمة (٢٠٦٤) بلفظ ﴿من جهَّز غازياً أو جهَّز حاجاً أو خَلَفَه في أهله، أو فطَّر صائماً كان له مثلُ أجورِهم من غير أن يُنْتَقَصَ من أُجورهم شيءٌ﴾ وسنده صحيح. وعن أم عمارة ﵂ قالت ﴿أتانا رسول الله ﷺ فقرَّبْنا إليه طعاماً فكان بعضُ من عنده صائماً، فقال رسول الله ﷺ : الصائم إذا أُكِل عنده الطعامُ صلَّت عليه الملائكة﴾ رواه ابن ماجة (١٧٤٨) وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة. ورواه الترمذي (٧٨٢) والنَّسائي والدارمي بلفظ ﴿ ... إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أُكِل عنده حتى يَفْرُغوا وربما قال: حتى يشبعوا﴾ وقال [هذا حديث حسن صحيح] وقد مرَّ قبل قليل حديث أنس ﵁، عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي وفيه (أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامَكم الأبرارُ، وصلَّت عليكم الملائكة) وفي رواية (ونزلت عليكم الملائكة) وفي رواية (وتنزَّلت عليكم الملائكة) فصلاة ملائكة الله سبحانه على من فطَّر صائماً
стр. 81
فضلٌ يضاف إلى الفضل المذكور قبل قليل، فليحرص الصائم على دعوة أحد الصائمين ليفطر عنده، لا سيما إن كان هذا الصائم فقيراً أو مسكيناً لا يجد ما يفطر عليه.
الصائم إذا أفطر ناسياً:
ذهب الأئمةُ أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً لم يفطر ولا شيء عليه، سواء قَلَّ الأكلُ والشربُ أو كثر. وممن ذهب إلى هذا الرأي الحسن البصري ومجاهد وإسحق بن راهُويه وأبو ثور وداود بن علي وعطاء والأوزاعي والليث. وقال ربيعة ومالك: يفسد صوم الآكل والشارب الناسي، وعليه القضاء. والصحيح القول الأول، وهو ما تدل عليه النصوص التالية:
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ ﴿مَن أكل ناسياً وهو صائم فليُتمَّ صومَه، فإِنما أطعمه الله وسقاه﴾ رواه البخاري (٦٦٦٩) ومسلم وأبو داود والترمذي والدارمي. ولفظ مسلم (٢٧١٦) هو ﴿من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتِمَّ صومَه، فإِنما أطعمه الله وسقاه﴾ .
٢- وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال ﴿من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥٢١) وسنده حسن. ورواه ابن خُزيمة والدارَقُطني والبيهقي، والحاكم وصحَّحه. كما روى ابن خُزيمة (١٩٩٠) والطبراني في المعجم الأوسط حديثاً آخرَ بلفظ ﴿من أكل أو شرب في رمضان ناسياً فلا قضاءَ عليه ولا كفَّارة﴾ وسنده حسن.
٣- وعنه رضي الله تعالى عنه قال ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم، فقال: أطعمك الله وسقاك﴾ رواه أبو داود (٢٣٩٨) والنَّسائي والدارَقُطني، والترمذي وقال [حديث حسن صحيح]
стр. 82
٤- عن أم حكيم بنت دينار، عن مولاتها أم إسحق ﵂ ﴿أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، فأُتي بقَصْعَةٍ من ثَريد فأكلتْ معه، ومعه ذو اليدين، فناولها رسول الله ﷺ عَرْقاً، فقال: يا أم إِسحق، أَصيبي من هذا، فذكرتُ أني كنت صائمة، فرددتُ يدي لا أُقدِّمها ولا أُؤخِّرها، فقال النبي ﷺ : مالَكِ؟ قالت: كنت صائمة، فنسيت، فقال ذو اليدين: الآن بعدما شبعتِ؟ فقال النبي ﷺ : أَتمِّي صومَك فإنما هو رزق ساقه الله إليكِ﴾ رواه أحمد (٢٧٦٠٩) والطبراني في كتاب المعجم الكبير. والعَرْق: هو العظم إذا بقي عليه لحمٌ قليل.
فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن من أكل أو شرب ناسياً، فلا قضاء عليه ولا كفارة، وصومه صحيح، سواء منه ما كان فرضاً كصوم رمضان، أو كان تطوُّعاً، وسواء أكان الأكل والشرب وصلا إلى درجة الشبع أم كانا دونه. ولم أجد لمالك دليلاً على قوله الذي يخالف به هذه الأدلة، ولم أجد في المدونة الكبرى إلا فتياه فقط بأن الصائم إذا أكل أو شرب فسد صومه، وغفر الله تعالى لنا وله.
ثانياً: السُّحور
فضل السحور:
وردت في فضل السُّحور الأحاديث التالية:
١- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ ﴿تسحَّروا فإن في السَّحور بركة﴾ رواه البخاري (١٩٢٣) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي.
٢- عن عبد الله بن الحارث، يحدِّث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال ﴿دخلتُ على النبي ﷺ وهو متسحِّر، فقال: إنها بركة أعطاكم الله إياها، فلا تدَعُوه﴾ رواه النَّسائي (٢١٦٢) وأحمد.
стр. 83
٣- عن المقدام بن مَعْدِي كَرِب عن النبي ﷺ قال ﴿عليكم بغداء السُّحور فإنه هو الغداء المبارك﴾ رواه أحمد (١٧٣٢٤) والنَّسائي، وسنده صحيح وجاء في المعجم الأوسط للطبراني (٥٠٥) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال ﴿أرسل لي عمر بن الخطاب يدعوني إلى السَّحور وقال: إن رسول الله ﷺ سمَّاه الغداء المبارك﴾ وسنده جيد.
٤- عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إن الله وملائكته يصلُّون على المتسحِّرين﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٤٦٨) بسند صحيح. ورواه أبو نُعَيم والطبراني في المعجم الأوسط. ورواه أحمد من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.
٥- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال ﴿نِعْمَ سَحورُ المؤمنِ التمرُ﴾ رواه ابن حِبِّان (٣٤٧٥) وأبو داود والبيهقي. ورواه البزَّار (٩٧٨) من طريق جابر ﵁ بلفظ ﴿نعم السَّحور بالتمر﴾ .
٦- عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ ﴿تسحَّروا ولو بجُرْعةٍ من ماء﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٤٧٦) وسنده حسن. وقد رواه عبد الرزاق قولاً لنفرٍ من أصحاب النبي ﵌. ورواه ابن أبي شيبة (٢/٤٢٦) من طريق رجل من الصحابة بلفظ ﴿تسحَّروا ولو حَسوةً من ماء﴾ .
٧- عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال ﴿فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر﴾ رواه مسلم (٢٥٥٠) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي باختلاف في الألفاظ.
стр. 84
فالسحور بركة أعطانا الله إياها، والله وملائكته يصلَّون علينا ونحن نتسحَّر، ويُفضَّل السُّحور بالرُّطبِ وإلا فبالتمر وتحصل بَرَكة السُّحور بجرعة من ماء. والسُّحور هو فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، ولو لم يكن من فضلٍ للسُّحور إلا صلاة اللهِ سبحانه وملائكتِهِ على المتسحرين لكفى. وقد روى أحمد فضائل السُّحور في حديث واحد من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه (١١١٠٢) قال: قال رسول الله ﷺ ﴿السَّحور أكلُهُ بركةٌ فلا تَدَعوه ولو أن يجرع أحدُكم جُرعةً من ماء فإن الله وملائكته يصلُّون على المتسحِّرين﴾ فليحرص الصائم على تناول طعام السحور ليحصِّل هذه الفضائل.
حكم السُّحور:
حكى النووي وابن المنذر الإجماع على استحباب السُّحور وأنه ليس بواجب. وقال البخاري [باب بركة السحور من غير إيجاب: لأن النبي ﷺ وأصحابه واصلوا، ولم يُذكَر السُّحور] وجاء في المغني لابن قُدامة [ (أحدها) في استحبابه ولا نعلم فيه بين العلماء خلافاً] وهذا هو الحق، والأدلة الواردة في فضله أدلةٌ على استحبابه.
وقت السُّحور:
ذهب الأئمة الأربعة وعلماء الأمصار كلهم إلى أن السُّحور يمتد حتى طلوع الفجر الصادق أو قُل حتى يُؤَذِّن المؤذِّن لصلاة الفجر ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ونُقل عن الأعمش وإسحق جوازُ الأكل والشرب إلى طلوع الشمس، إِلا أنَّ النووي قد شكَّك في هذا النقل.
стр. 85
...كما ذهب العلماء إلى أن المتسحِّر يستمر في الأكل والشرب وحتى الجماع ما دام لم يتبين طلوع الفجر، وأن شكَّه في طلوع الفجر لا يمنعه من الأكل والشرب والجماع، فالشاكُّ يجوز له كل ذلك حتى يتحقق من طلوع الفجر، وذلك لقوله تعالى ﴿ ... حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ ... ﴾ وقد ذكر ابن المنذر– في الأشراف – جوازه عن أبي بكر الصِّديق وابن عمر وابن عباس ﵃، وعن عطاء والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور.
...وانفرد مالك بقوله إنه حرام – أي أكل الشاكِّ –، وأوجب القضاء عليه. والصحيح هو ما ذهب إليه الأئمة والعلماء من جواز الأكل والشرب والجماع إلى أن يتم التحقُّق من طلوع الفجر، وأَنَّ رأي الإمام مالك خطأ، وذلك للأدلة التالية:
١- قال تعالى ﴿ ... وكُلوا واشربوا حتى يتبينَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ ثم أتمُّوا الصيامَ إلى الليلِ ... ﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة.
٢- عن سهل بن سعد ﵁ قال ﴿أُنزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ) ، ولم يُنْزَل (من الفجر) ، فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربط أحدُهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعدُ (من الفجر) فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار﴾ رواه البخاري (١٩١٧) ومسلم والنَّسائي والبيهقي وابن المنذر.
стр. 86
٣- عن عدي بن حاتم ﵁ قال ﴿لما أُنزلت (حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ) عمدتُ إلى عِقال أسودَ وإلى عقالٍ أبيضَ فجعلتهما تحت وِسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوتُ على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: إنما ذلك سوادُ الليل وبياضُ النهار﴾ رواه الإمام البخاري (١٩١٦) وأبو داود وابن حِبَّان والطبراني في المعجم الكبير. وللبخاري (٤٥١٠) أيضاً من طريقه بلفظ ﴿قلت: يا رسول الله ما الخيطُ الأبيض من الخيطِ الأسود أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار﴾ وللبخاري (٤٥٠٩) أيضاً من طريقه ﴿... إن وسادك إِذن لعريض أنْ كان الخيطُ الأبيضُ والأسودُ تحت وِسادتك﴾ .
٤- عن أبي عطية قال ﴿قلت لعائشة: فينا رجلان من أصحاب النبي ﷺ ، أحدُهما يعجِّل الإفطار ويؤخر السحور والآخر يؤخر الإفطار ويعجِّل السحور قالت: أيُّهما الذي يعجل الإفطار، ويؤخر السحور؟ قلت: عبد الله بن مسعود، قالت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع﴾ رواه النَّسائي (٢١٥٨) وأحمد.
٥- عن عائشة رضي الله تعالى عنها ﴿أن بلالاً كان يؤذِّن بليل، فقال رسول الله ﷺ : كلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر ... ﴾ رواه البخاري (١٩١٨/١٩١٩) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة. وروى الحديثَ مسلمٌ أيضاً من طريق ابن مسعود وابن عمر. ورواه أحمد أيضاً من طريق ابن عمر. ورواه البزِّار من طريق أنس بن مالك. ورواه الطبراني من طريق سهل بن سعد.
стр. 87
٦- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا سمع أحدُكم النداءَ، والإِناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه﴾ رواه أبو داود (٢٣٥٠) وأحمد والدارَقُطني، والحاكم وصححه، وأقرَّه الذهبي.
٧- عن عمرو بن ميمون قال ﴿كان أصحاب محمد ﷺ أعجلَ الناس إفطاراً، وأبطأَهم سُحوراً﴾ رواه البيهقي (٤/٢٣٨) والطبراني في المعجم الكبير وابن أبي شيبة. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] وقد مرَّ قبل قليل.
٨- عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: ﴿لا يمنعنَّ أحدَكم – أو أحداً منكم – أذانُ بلال من سحوره، فإنه يؤذِّن أو ينادي بليل لِيَرْجِعَ قائِمَكُم ولِيُنَبِّهَ نائِمَكُم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح – وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل – حتى يقول هكذا، وقال زهير بسبَّابتيه إِحداهما فوق الأخرى، ثم مدهما عن يمينه وشماله﴾ رواه البخاري (٦٢١) ومسلم وأحمد. قوله ليَرْجِعَ قائمَكم: أي ليُعطيَ المُتهجِّدَ فترةَ استراحة قبل صلاة الفجر، أو ليتمكن المتهجدُ الصائمُ من تناول طعام السُّحور.
٩- عن ابن عباس ﵄ قال ﴿قال رسول الله ﷺ : إِنَّا معشرَ الأنبياء أُمرنا أن نُعجِّل إِفطارَنا، ونؤخِّر سحورنا، ونضع أَيماننا على شمائلنا في الصلاة﴾ رواه أبو داود الطيالسي (٢٦٥٤) والطبراني في المعجم الأوسط. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] كما صححه ابن حِبَّان. وقد مرَّ في بحث [متى يفطر الصائم؟] بند ٦ برواية الطبراني.
١٠- عن عطاء قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه ﴿أحلَّ الله لك الشراب ما شككتَ حتى لا تشكَّ﴾ رواه عبد الرزاق (٧٣٦٧) والبيهقي بسند صحيح.
стр. 88
١١- عن سالم بن عبيد الله قال ﴿كنت في حِجر أبي بكرٍ الصِّديق، فصلى ذات ليلة ما شاء الله ثم قال: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فخرجت ثم رجعت فقلت: قد ارتفع في السماء أبيضُ، فصلى ما شاء الله ثم قال: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ فخرجت ثم رجعت فقلت: لقد اعترض في السماء أحمرُ، فقال: هَيْتَ الآن، فأَبْلِغْني سَحوري﴾ رواه الدارَقُطني (٢/١٦٦) وقال [وهذا إسناد صحيح] كما روى الدارَقُطني من طريقه (٢/١٦٦) بلفظ ﴿ ... فقلت: قد اعترض في السماء واحمرَّ، فقال: ائتِ الآن بشرابي﴾ .
١٢- عن زر قال ﴿قلنا لحُذيفة: أيَّ ساعة تسحَّرتَ مع رسول الله ﷺ ؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع﴾ رواه النَّسائي (٢١٥٢) وابن ماجة وأحمد والطحاوي وعبد الرزاق. وصححه ابن حجر.
١٣- عن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا يغرَّنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياضُ الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا، وحكاه حمَّاد بيديه قال: يعني معترِضاً﴾ رواه مسلم (٢٥٤٦) وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي.
١٤- عن أنس ﵁ ﴿أن زيد بن ثابت ﵁ حدَّثه أنهم تسحَّروا مع النبي ﷺ ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين، يعني آية﴾ رواه البخاري (٥٧٥) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي.
١٥- عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال لبلال ﴿أنت يا بلال تُؤذِّن إذا كان الصبحُ ساطعاً في السماء، فليس ذلك بالصبح، إنما الصبح هكذا معترِضاً، ثم دعا بسَحوره فتسحَّر، وكان يقول: لا تزال أمتي بخير ما أخَّروا السحور وعجَّلوا الفِطر﴾ رواه أحمد (٢١٨٣٩) .
يؤخذ من هذه النصوص ما يلي:
стр. 89
١- الآية الكريمة في البند ١ تذكر لفظة (حتى يتبين) وهذه اللفظة ردٌّ على مالك الذي يقول إن المتسحِّر يتوقف عن الأكل عند الشك ذلك أن التبيُّن هو خلاف الشك طبعاً وجاء حديث سهل بن سعد في البند ٢، وحديث عدي بن حاتم برواياته المتعددة في البند ٣ مفسِّرين لهذه الآية، وأن المتسحِّر يستمر في تناول سَحوره حتى ينقشع سواد الليل، ويحلَّ محله بياض النهار، وعندها لا يبقى شك، فيتوقف عن الأكل والشرب.
٢- إن السُّنة النبوية تقضي أن يؤخِّر المتسحِّرُ سُحوره إلى قبيل طلوع الفجر، بمعنى أن يؤخِّر السُّحور إلى ما قبل طلوع الفجر، أي إلى ما قبل أذان الفجر بربع ساعة أو قريب منها بحيث يفرغ خلالها من تناول طعامه وشرابه، أي يترك لنفسه الوقت الكافي لتناول سَحوره قبيلَ أذان الفجر، ولا يعجِّل السُّحور الساعةَ والساعاتِ قبل أذان الفجر كما يفعل الكثيرون في أيامنا هذه، فإنهم يسهرون ويسهرون، حتى إذا تعبوا أو نعسوا قُبيل منتصف الليل أو بعده قليلاً عمدوا إلى طعامهم فأكلوه ثم ناموا، فهذا الفعل الشائع في أيامنا هذه هو خلاف السُّنة وإِن لنا في رسول الله ﷺ أُسوةً حسنة، فإنه كان يؤخِّر السُّحور، كما ورد في الحديث في البند ٤ وفي الحديث في البند ٩.
стр. 90
٣- إن بلالاً ﵁ كان يؤذن إذا سطع الضوء في أعلى الأفق، أي عند حلول الفجر الكاذب، أو عند ظهور بياض المستطيل نحو الأعلى، في حين أن ابن أم مكتوم كان يُؤذِّن إذا استطار البياض وملأ جانبي الأفق، أي كان معترِضاً يمنةً ويسرةً وليس ساطعاً إلى الأعلى فقط، وهو الفجر الصادق، وقد جاء الهَدْي النبوي بأن نستمر في الأكل حتى أذان ابن أم مكتوم، أي حتى يؤذِّن لصلاة الفجر وليس قبله. ونحن الآن نؤذِّن أذانين: الأول لا نصلِّي عنده، والثاني هو ما نصلي عنده، أما الأول فهو كأذان بلال، وهذا الأذان الأول لا يمنعنا من تناول سَحورنا، ولا يمنعنا منه إلا الأذان الثاني الذي هو كأذان ابن أم مكتوم، وحيث أن ما بين الأذانين هو عشر دقائق حالياً، فإن المتسحِّر يستطيع أن يتناول طعامه في هذه الدقائق العشر أي بين الأذانين، وهو أفضل الأوقات لتناول السَّحور، وقد دلَّت على ذلك الأحاديث في [٥ و ٨ و ١٣ و ١٥] ولكن لا بأس بأن يفرغ من سَحوره قبل ذلك بدقائق كما يدل عليه الحديث ١٤.
٤- وأقول لخائفٍ من تأخير السُّحور: إِنه إن سمع الأذان الثاني وكانت في يده لقمةٌ من طعام أو شربةٌ من ماء فلْيأكلْها ولْيشربْها، فإِن الأذان لا يعني الحَدِّية في التوقف عن الطعام والشراب، لا سيما وأنهم يُعجِّلون الأذان الثاني احتياطاً، وقد دلَّ على هذا الحديث في البند ٦.
стр. 91
٥- إن صحابة رسول الله ﵌ كانوا يؤخرون السُّحور، تمسُّكاً بالمندوب وطلباً للثواب، ولم يُعرَف عنهم أنهم كانوا يأكلون سَحورهم عند منتصف الليل أو حتى بعده بساعة وساعتين كما يفعل الناس في أيامنا هذه، وقد جاء فعل الصحابة بتأخير السُّحور إلى آخر الليل امتثالاً للهَدْي النبوي الكريم، يدل على ذلك الآثار في البنود [٧ و ١٠ و ١١] بل إن الأثر في البند ١١ فيه قِسطٌ من المبالغة في تأخير السُّحور. أما أَنَّ تأخير السُّحور مندوبٌ، فلعموم الأدلة أولاً، ولقول الرسول الكريم ﷺ في الحديث في البند ١٥ ثانياً (لا تزال أمتي بخير ما أخروا السُّحور وعجَّلوا الفِطر) .
٦- بقي الحديث في البند ١٢. فهذا الحديث كما يبدو لي هو ما يستنَدُ عليه الأعمش وإسحق في قولهما: إِن المتسحِّر يستمر في الأكل والشرب إلى طلوع الشمس. والصحيح هو أن هذا الحديث ليس نصّاً قاطعاً في هذا المعنى، بل إن المدقق فيه يجد أنه منسجمٌ مع سائر الأحاديث وموافقٌ لها وليس معارضاً لها، فالحديث يقول (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع) ونحن قد قلنا عن الأحاديث المارَّة إِنها تدل على مشروعية استمرار الطعام والشرب إلى أن يحِلَّ بياضُ النهار، وأن ذلك هو الوارد في الحديث في البند ٣ (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) فهذا الحديث هذا منسجم تماماً مع الحديث ذاك، ولا يخالف أحدُهما الآخر.
الفصل الثالث: الصيام في السَّفر
الفصل الثالث
الصيامُ في السَّفر
حكمُ الصيام في السَّفر:
стр. 92
ذهب معظم الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ومعهم الأئمة الأربعة، إلى جواز الصوم وجواز الفطر في السفر، ولكنهم اختلفوا في تحديد الأفضل منهما: فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وأبو ثور إلى أن الصوم في السفر أفضل من الفطر لمن قوي عليه ولم تلحقه مشقةٌ منه، ورُوي ذلك عن أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص وحذيفة بن اليمان من الصحابة رضوان الله عليهم، كما رُوي عن عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وعبد الله بن المبارك وإبراهيم النخعي. فيما ذهب الإمام أحمد وإسحق ابن راهُويه والأوزاعي إلى أن الفطر في السفر أفضل من الصوم عملاً بالرخصة، ورُوي ذلك عن ابن عباس وابن عمر من الصحابة ﵄، كما رُوي عن سعيد بن المسيِّب وعامر الشعبي وابن الماجشون. وذهب عمر بن عبد العزيز وابن المنذر إلى أن أفضلَهما أيسرُهما، لقوله تعالى ﴿ ... يريد اللهُ بكم اليُسْرَ ... ﴾ ورُوي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وعن ابن شهاب الزُّهري من التابعين، عدم جواز الصوم في السفر، وأن من صام رمضان في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر. وحتى نتبين وجه الحق والصواب في هذه المسألة دعونا نستعرض النصوص المتعلقة بها:
١- عن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ ﴿أن حمزة بن عمرو الأَسْلمي قال للنبي ﷺ : أأصومُ في السفر؟ - وكان كثيَر الصيام – فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأَفْطِر﴾ رواه البخاري (١٩٤٣) والنَّسائي وأحمد والدارمي.
٢- عن أبي مُراوِح عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال ﴿يا رسول الله أَجدُ بي قوةً على الصيام في السفر، فهل عليَّ جُناحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ : هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناح عليه﴾ رواه مسلم (٢٦٢٩) والنَّسائي وابن حِبَّان.
стр. 93
٣- عن حمزة الأَسلمي ﵁ قال ﴿قلت يا رسول الله: إني صاحب ظَهْرٍ أُعالِجُه: أُسافر عليه وأُكْرِمُه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر – يعني رمضان – وأنا أجد القوةَ وأنا شاب، وأجد بأن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أُؤخِّره فيكون دَيْناً أَفأَصومُ يا رسول الله أعظمُ لأجري أو أُفطر؟ قال: أيَّ ذلك شئتَ يا حمزة﴾ رواه أبو داود (٢٤٠٣) والحاكم.
٤- عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل النبي ﷺ فقال ﴿يا رسول الله، إني رجلٌ أَسْرُدُ الصومَ، أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت، وأفطر إن شئت﴾ رواه مسلم (٢٦٢٦) والنَّسائي وأحمد.
٥- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿غزونا مع رسول الله ﷺ لِسِتَّ عَشْرةَ مضت من رمضان، فمنَّا مَن صام ومنَّا مَن أفطر، فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم﴾ رواه مسلم (٢٦١٥) والنَّسائي والترمذي وأحمد وابن حِبَّان.
٦- عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم﴾ رواه البخاري (١٩٤٧) ومسلم وأبو داود ومالك والبيهقي.
٧- عن أبي الدرداء ﵁ قال ﴿خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابنِ رَوَاحة﴾ رواه الإمام البخاري (١٩٤٥) ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد.
стр. 94
٨ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصومُ في السفر﴾ رواه البخاري (١٩٤٦) ومسلم وأبو داود والدارمي وأحمد. ورواه النَّسائي (٢٢٦٠) بلفظ ﴿عن رسول الله ﷺ قال: ليس من البر الصيام في السفر، عليكم برخصة الله فاقبلوها﴾ ورواه الطبراني في المعجم الكبير. ورُوي القول ﴿ليس من البر الصيامُ في السفر﴾ من طريق ابن عمر ﵁ عند ابن ماجة (١٦٦٥) وابن حِبَّان والطبراني والطحاوي بسند صحيح. ومن طريق كعب بن عاصم الأشعري عند ابن ماجة (١٦٦٤) والطبراني والنَّسائي وأحمد والدارمي والطحاوي. ورواه أحمد (٢٤٠٧٩) والطبراني في المعجم الكبير من طريق كعبٍ بلفظ ﴿ليس من امْبِرِّ امصِيامُ في امْسَفَرِ﴾ بلغة أهل اليمن، لأن كعباً الأشعري هو يمني وأهل اليمن يقولون (أم) للتعريف بدل (أل) ومن طريق عبد الله بن عباس ﵄ عند البزَّار (٩٨٥) والطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي [رجال البزَّار رجال الصحيح] .
٩ - عن ابن عباس ﵄ قال ﴿لا تَعِب على من صام ولا على من أفطر قد صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر﴾ رواه مسلم (٢٦٠٩) وأحمد وابن خُزيمة. وروى أبو داود الطيالسي (٢٦٧٧) عنه قوله ﴿إن النبي ﷺ كان يصوم في السفر ويفطر﴾ .
١٠- عن أبي طُعْمةَ قال ﴿كنت عند ابن عمر إذ جاءه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أقوى على الصيام في السفر، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإِثم مثلُ جبالِ عرفة﴾ . رواه أحمد (٥٣٩٢) والطبراني في المعجم الكبير، بسند حسَّنه الهيثمي.
стр. 95
١١- عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال ﴿كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يَجِدُ الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم، يرون أن من وجد قوةً فصام فإن ذلك حسنٌ، ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر، فإن ذلك حسنٌ﴾ رواه مسلم (٢٦١٨) والترمذي والنَّسائي وأحمد وابن حبَّان وابن خُزيمة. قوله لا يجد: أي لا يغضب.
١٢- عن قَزَعَة عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال ﴿سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صِيام قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله ﷺ : إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطرُ أقوى لكم، فكانت رخصةً، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنكم مُصَبِّحو عدوِّكم والفطرُ أقوى لكم فأَفطروا، وكانت عَزْمةً، فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتُنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر﴾ رواه مسلم (٢٦٢٤) وأبو داود وأحمد والبيهقي والطحاوي.
١٣- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال ﴿كنا مع النبي ﷺ في السفر فمنَّا الصائم ومنَّا المُفْطر، قال: فنزلنا منزلاً في يومٍ حارٍّ، أكثرُنا ظِلاً صاحبُ الكساء ومنَّا مَن يتَّقي الشمس بيده، قال: فَسقط الصُّوَّامُ وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسَقَوْا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : ذهب المفطرون اليوم بالأجر﴾ رواه مسلم (٢٦٢٢) والنَّسائي وابن خُزيمة وابن حِبَّان.
١٤- عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال ﴿إن الله يحب أن تُؤْتَى رُخَصُهُ كما يحب أن تُؤْتَى عزائمُهُ﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥٦٨) والبزَّار والطبراني. ورواه ابن حِبَّان أيضاً (٢٧٤٢) وأحمد بلفظ ﴿إن الله يحبُّ أن تُؤتى رُخَصُهُ كما يكره أن تُؤتى معصيتُه﴾ .
стр. 96
١٥- عن أبي أمية الضَّمْري ﵁ قال ﴿قدمتُ على رسول الله ﷺ من سفرٍ فسلَّمت عليه، فلما ذهبتُ لأَخرج قال: انتظر الغِداء يا أبا أمية قلت: إني صائم يا نبي الله، قال: تعال أُخْبِرْك عن المسافر: إن الله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة﴾ رواه النَّسائي (٢٢٦٩) والبخاري في كتاب التاريخ والدارمي والطحاوي. ومن طريق أنس بن مالك – الكعبي – رضي الله تعالى عنه عند أبي داود (٢٤٠٨) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد والترمذي بلفظ ﴿إن الله تعالى وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة، والصوم عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى، واللهِ لقد قالهما جميعاً، أو أحدَهما ... ﴾ وحسنه الترمذي. واللفظ عند النَّسائي (٢٢٧٤) ﴿إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم وعن الحبلى والمرضع﴾ فأقول ومن الله التوفيق ما يلي:
стр. 97
...إن الناظر في هذه النصوص يتبين أن الصيام في السفر يعادل الإفطار فيه، دون أن يكون لأحدهما أية أفضلية على الآخر، وقد بيَّن الرسول ﷺ هذه المعادلة في كثير من النصوص، رغم اختلاف الأسئلة الموجهة إليه، واختلاف الأحوال لدى السائلين، بمعنى أن المعادلة بين الصوم والفطر بقيت على حالها، رغم اختلاف الأحوال والظروف، مما يؤكِّد التساوي التام بينهما. فالحديث الأول يقول (إن شئت فصم وإن شئت فأَفطر) والحديث الثاني يقول (هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناح عليه) والحديث الثالث يقول (أيَّ ذلك شئتَ يا حمزة) والحديث العاشر يقول (مَن لم يقبل رُخصةَ الله كان عليه من الإثم مثلُ جبال عرفة) والحديث الحادي عشر يقول (يرون أن من وجد قوةً فصام، فإِن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فأَفطر، فإِن ذلك حسن) فحمزة الأسلمي ﵁ وجَّه أسئلته بكيفيات عدة: في الحديث الأول جاء سؤاله عاماً فجاءه الجواب بالمعادلة التامة، وفي الحديث الثاني جاء قوله (أَجِد بي قوةً على الصيام في السفر فهل عليَّ جُناح؟) وكأنه أراد ﵁ أن يُفضَّل الصيامُ على الفطر ومع ذلك جاءه الجواب بالمعادلة التامة،وفي الحديث الثالث جاء قوله (وأنا أجد القوة وأنا شاب، وأجد بأن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أُؤَخِّرَه فيكون دَيْناً) فزاد في بيان حاجته إلى تفضيل الصيام، ومع ذلك كله بقي الجواب هو هو بالمعادلة التامة بين الصوم والفطر، وفي الحديث الرابع أتى حمزة بحجة جديدة راغباً بتفضيل الصوم على الفطر فقال (إني رجل أَسرُدُ الصوم) فلم يتلق من الرسول ﷺ إلا قوله (صُم إن شئت وأَفطر إن شئت) ولا يدلُّ كل ذلك إلا على أن الصوم في السفر مماثل في الأجر والفضل للفطر لا يزيد أحدهما على الآخر درجةً واحدة، وانظر في سائر النصوص تجد المعادلة
стр. 98
بين الاثنين قائمة.
...وبذلك يتبين بشكل جليٍّ وواضح جوازُ الصوم والفطر على السواء، دون أن يكون لأيٍّ منهما أي فضل على الآخر. ومما سبق يتبين خطأ من ذهبوا إلى تفضيل الصوم على الفطر، وخطأ من ذهبوا إلى تفضيل الفطر على الصوم في السفر، ويتبين بشكل أوضح خطأ من ذهبوا إلى عدم جواز الصوم في السفر وأن من صام وجب عليه القضاء.
وإني أرى أن الرأي الصحيح هو الرأي المنسوب إلى عمر بن عبد العزيز وابن المنذر القائل بأن أيسر الاثنين أفضلُهما، دون تعيين أحدهما على أنه الأفضل، وذلك أولاً: لدلالة الآية ﴿ ... يريد الله بكم اليسرَ ... ﴾ وثانياً: لأن الرسول ﵌ ما خُيٍّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فقد روى البخاري (٣٥٦٠) ومسلم وأبو داود ومالك وأحمد عن عائشة ﵂ أنها قالت ﴿ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرَهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه ... ﴾ وهنا قد حصل التخيير بين أمرين دونما إثم، فكان أخذُ الأيسر هو الأخذَ بالهَدْي النبوي الكريم.
...وهنا يثور سؤال لا بد منه هو: كيف نفسِّر قول الرسول ﷺ (ليس من البر الصيام في السفر) ؟ ألا يدل هذا القول على أفضلية الفطر؟ والجواب عليه من وجوه:
أولاً: إن الأمر بالفعل لا يعني بالضرورة النهيَ عن ضده، كما أن النهي عن الفعل لا يعني بالضرورة الأمر بضده، وهنا نقول إن نفي البر عن الصيام في السفر لا يعني أن البر إنما يكون في الفطر.
стр. 99
ثانياً: حتى نستطيع أن نجيب على السؤال، لا بد من معرفة معنى البر لغةً وشرعاً: فقد اختلف أهل اللغة كما اختلف الفقهاء في تحديد معنى البرِّ على أقوالٍ: فقال الشافعي: يحتمل أن يكون المراد ليس من البر المفروض الذي من خالفه أَثِمَ، وإن نفي البر هنا محمولٌ على من أبى قبول الرخصة. وقد روى الحديثَ النَّسائي (٢٢٦٠) بلفظ ﴿عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: ليس من البر الصيام في السفر، عليكم برخصة الله فاقبلوها﴾ وقال الطحاوي: البِرُّ هنا البر الكامل الذي هو أعلى المراتب وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون بِراً. وقال بعضهم هو كل ما تُقُرِّبَ به إلى الله . وفُسِّر البر بالصدق، ومنه البِرُّ في اليمين أي تصديقه وعدم الحنث فيه، كما فُسِّر بالطاعة، ومنه بِرُّ الوالدين أي طاعتهما، وفُسِّر بالصلاح، وبالخير. فهو إذن كلمة جامعة لعدة معانٍ يشملها كلَّها الخير. فالبر خير، والخير حتى يكون شرعياً لا بد من أن يطلبه الشرع ويأمر به، إِما أمراً جازماً فيكون فرضاً، وإِما أمراً غير جازم فيكون مندوباً، ولا يخرج البر أو الخير عن هاتين الحالتين، فلا يكون البر أو الخير في المباحات التي يستوي فيها القيام بالفعل وتركه والتي لا ثواب فيها ولا إثم، ولا يكون البر إلا في الفروض والمندوبات لا غير. هكذا يجب أن يُفهم البر في الحديث هذا، وأن معناه هو أن الصوم في السفر غير مفروض عليكم وغير مندوب، وهذا هو المعنى الذي تكرَّر في الأحاديث التي استعرضناها قبل قليل (صُم إن شئت وأَفطر إن شئت) أي هو من المباحات التي يستوي فيها القيام بالفعل وتركه.
стр. 100
وإذن فإن الصوم في السفر غير مفروض وغير مندوب وإنما هو مباح، فمن شاء صام ومن شاء أفطر وهذا المعنى قد تضافرت عليه الأحاديث، ومنه القول (ليس من البر الصيام في السفر) فإن معناه: ليس من المفروض، ولا من المندوب الصيام في السفر وهو المعنى نفسه الوارد في قوله ﵊ في البند ١٥ (تعال أُخْبِرْكَ عن المسافر: إن الله تعالى وضع عنه الصيام ... ) أي وضع الأمر به، وتركه يدخل في خانة المباحات. وهكذا نكون قد جمعنا بين الأحاديث كلها والجمع بين الأحاديث أولى من إِهمال أحدها أو بعضها كما هو مقرَّر في علم الأصول.
...وثمة سؤالٌ هو: كيف نفسر الحديث رقم ٨ (عليكم برخصة الله ، فاقبلوها) والحديث رقم ١٠ (من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة) ؟ ألا يدل كلاهما على الأمر بالإِفطار وأنه أفضل من الصيام؟
стр. 101
والجواب عليه هو أن ذلك أمرٌ بقبول الرخصة، وليس أمراً بالإفطار، وشتَّان بين الأمرين، والمقصود بقبول الرخصة هنا هو ترك الالتزام بالصيام في السفر سواء منه ما كان فرضاً أو ما كان تطوُّعاً، وقد جاءت الرخصة لتلغي الالتزام هذا وتدع الصيام في دائرة المباحات، وإن الحديث في البند ٨ واضح الدلالة على ما أقول، فهو يقول (ليس من البر الصيام في السفر، عليكم برخصة الله فاقبلوها) ومعناه أن الصيام في السفر ليس فرضاً ولا مندوباً بعد أن لم يكن كذلك، بسبب رخصة الله ، فوجب القولُ بذلك والعملُ به، وتركُ الالتزام الواجب أو المندوب كما كان قبل الرخصة. والحديث في البند ١٠ يدل على المعنى نفسه، فهو تحذيرٌ شديد لمن بقي مُصِرَّاً على القول بوجوب الصيام في السفر أو على مندوبيته ولم يأخذ برخصة الله التي نسخت الوجوب والندب. فهذان الحديثان (٨، ١٠) يعضدان ويتَّسِقان مع الأحاديث المارة، التي خيَّرت المسلم بين الصيام والإفطار في السفر، وهو ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، كما أفاد ذلك الحديث رقم ٥ (فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم) والحديث رقم ٦ (فلم يَعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) والحديث رقم ٩ (لا تَعِبْ على من صام، ولا على من أفطر) والحديث رقم ١١ (فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجدُ الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) أما الحديث رقم ١٤ (إن الله يحبُّ أن تُؤْتى رُخَصُهُ كما يحب أن تُؤْتى عزائمُهُ) فهو يدل على ما تدل عليه الأحاديث السابقة كلها من وجود المعادلة، أو التعادل بين الصيام والإفطار (يحب أن تُؤتَى رُخَصُه كما يحب أن تُؤْتَى عزائمُه) الرخصة تُحَبُّ كحبِّ العزيمة سواء بسواء، لا ميزة لإحداهما على الأخرى فهو عاضد ومساندٌ للأحاديث المارَّة كلها، القائلة بالمعادلة والتعادل والتساوي بين الصوم والفطر في
стр. 102
السفر.
وفي الحديث هذا نكتة لا أراها تخفى على الكثيرين، هي أن الله سبحانه عندما يخيِّر بين أمرين ويُدخلهما في دائرة المباحات فإنَّ ذلك لا يعني أن يختار الرجل أحدَهما بشكل دائم ويترك الأخر بشكلٍ دائم، وإن كان ذلك منه جائزاً، وإنما يحبُّ الله من الرجل أن يتنقل بين الأمرين، فيأخذ بهذا مرة وبذاك مرة أخرى، وعبَّر عنه الحديث بلفظة (يحب) دون أن يصل هذا الحب إلى درجة الفرض والإلزام، بمعنى أن المسلم وقد وُضع عنه فرضُ الصيام في السفر ونفله، لا يعني أن يدع الصيام بالكلية فيه، ويتمسك بالفطر ملتزماً به، وإنما يعني التخيير الذي يحبه الله تعالى وهو: أن يعمد إلى هذا مرة أو مرات، ويعمد إلى ذاك مرة أو مرات، فلا التزام ولا إلزام، ويبقى الأمر على التخيير حكماً وعملاً، وهذا ما يفسر ما جاء في الحديث رقم ٧ (وما فينا صائمٌ إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة) وما جاء في الحديث رقم ٩ (قد صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر) فهو ﵊ الذي نقل إلينا حبَّ الله للتخيير المشار إليه قد سار بموجبه، فكان يصوم ويفطر دون التزام منه أو إلزام بأحدهما دون الآخر. ونقف وقفة مع الحديثين ١٢، ١٣ فنقول:
الحديث رقم ١٢:
стр. 103
كان رسول الله ﷺ صائماً وهو مسافر من المدينة إلى مكة، وكان صحابته صياماً مثله، فعندما اقتربوا من العدو ذكَّرهم رسول الله ﷺ برخصة الله التي تساوي بين الصوم والفطر، فذكر لهم ما يقابل الصوم وهو الفطر، وبيَّن لهم أن الفطر أقوى لهم، وأنَّ حالَهم حالُ استعدادٍ للقتال، وما يحتاجه القتال منهم إلى إعداد القوة ومنها القوة البدنية، دون أن يأمرهم بالفطر، وإنما اكتفى بالتذكير فحسب، وهذا هو الحكم الشرعي في مثل هذه المواقف والأحوال، وهو أن الصائم إن وجد ضعفاً مال إلى الفطر، وإن وجد قوة فله أن يصوم، وبدون ذلك لا يكون قد أخذ بالرخصة التي تعني التعادل بين الأمرين، ولكنه ﵊ قُبيلَ مناجزةِ العدو، وما تحتاجه المناجزة من قوة الأبدان أمرهم بإعداد هذه القوة، بأن أمرهم بالفطر، وهنا أصبح الفطر في حقهم واجباً، وخرج الأمر كله عن موضوع المعادلة أو التعادل، لأن إعداد القوة للقتال واجب، فالفطر عندئذٍ واجب، وبالفعل فقد أفطر الجميع التزاماً بالحكم الشرعي في هذه الحالة، وهذه الحالة لا تكسِر حكم المعادلة أو التعادل بين الصوم والفطر في السفر، وإنما هي موضوع آخر متعلقٌ بالقتال، وما ينبغي للمجاهد أن يفعله عندئذٍ، فليست في هذا الحديث أية دلالة على تفضيل الفطر في السفر على الصيام.
الحديث رقم ١٣:
стр. 104
كان رسول الله ﷺ مسافراً ومعه الصحابة رضوان الله عليهم منهم الصائم ومنهم المفطر، وهذا أمرٌ طبيعي وأخذٌ بالرخصة التي تساوي بين الصوم والفطر، ثم إن الحر اشتد عليهم حتى سقط الصُوَّام من الشدة والضعف، وهنا كان ينبغي عليهم أن يفطروا، لأن التمسك بالصيام في هذه الحالة يعني عدم الأخذ بالمعادلة والتخيير وإنما الأخذ بتفضيل الصيام على الإفطار وهو غير صحيح، فجاء الأمر النبوي الكريم يتدخل في هذه الحالة مبيِّناً ومذكِّراً بحكم التعادل والتخيير، ومقتضاه أن من صام فوصل إلى درجة المشقَّة البالغة والضعف الشديد فاستمرَّ صائماً فإنه لا يكون قد أخذ بالرخصة التي يحبها الله ، فقال قولته البالغة الوضوح (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) أي أن الفطر عندئذٍ هو المتعيِّن، وأن من أفطر نال الأجر لأخذه برخصه الله ، فإذا رأينا المفطرين هم الذين ضربوا الأبنية وهم الذين سَقَوْا الركاب – وهذا وذاك من القربات والطاعات لله – عرفنا دلالة قول الرسول ﷺ إن المفطرين قد ذهبوا بالأجر أي الأجر كله، أجر الأخذ بالرخصة عند الشدة، وأجر ضرب الأبنية وسقي الركاب. وهكذا يتجلى بوضوحٍ تامٍّ تعاضدُ الأحاديث الواردة كلِّها، واتَّساقُها وتضافرُها بالقول إن الصيام في السفر كالفطر، لا يفضُلُ أحدُهما الآخرَ.
أدلة من قالوا بوجوب الإفطار في السفر:
والآن لنستعرض ما رآه القائلون من وجوب الفطر، وعدمِ جوازِ الصومِ في السفر من أدلةٍ وشبهات:
١- قال تعالى ﴿ ... فمنْ كان منكم مريضاً أو على سَفَرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَر ... ﴾ . من الآية ١٨٤ من سورة البقرة.
стр. 105
٢- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال ﴿خرج رسول الله ﷺ عامَ الفتح، فصام وصام الناس، حتى بلغ الكَدِيد، ثم أفطر، فأفطر الناس، فكانوا يأخذون بالأَحدث فالأَحدث من فعلِ رسولِ الله ﷺ ﴾ رواه الدارمي (١٧٠٩) ومسلم وابن خُزيمة وابن أبي شيبة. والكَدِيْد وتقرأ كُدَيْد: هي عين ماء على بعد أربعة بُرُدٍ، أو ٤٨ ميلاً من مكة، وهي ما بين مكة وقُدَيْد.
٣- عن جابر بن عبد الله ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُراعَ الغَمِيمِ، فصام الناس، ثم دعا بقَدَحٍ من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناسِ قد صام، فقال: أولئك العُصاةُ، أولئك العُصاةُ﴾ رواه مسلم (٢٦١٠) والترمذي وابن حِبَّان. ورواه النَّسائي (٢٢٦٣) وأحمد والبزَّار بلفظ ﴿ ... فصام الناس، فبلغه أن الناس قد شقَّ عليهم الصيام، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون ... ﴾ وفي رواية ثانية عند مسلم (٢٦١١) بلفظ ﴿ ... فقيل له: إن الناس قد شقَّ عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدحٍ من ماء بعد العصر﴾ .
٤- عن جابر بن عبد الله ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زِحاماً ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصومُ في السفر﴾ رواه البخاري (١٩٤٦) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والدارمي وأحمد.
٥- عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر﴾ رواه ابن ماجة (١٦٦٦) . ورواه النَّسائي (٢٢٨٤) موقوفاً.
стр. 106
٦- عن أنس بن مالك – الكَعْبي – قال ﴿أتيتُ رسول الله ﷺ في إِبِلٍ كانت لي أُخِذتْ، فوافقتُه وهو يأكل، فدعاني إلى طعامه، فقلت: إني صائم فقال: أُدن أُخْبِرْكَ عن ذلك، إن الله وضع عن المسافر الصومَ وشطرَ الصلاة﴾ رواه النَّسائي (٢٢٧٦) وأبو داود وابن ماجة وأحمد والترمذي وحسَّنه. وانظر رقم ١٥ المار قبل قليل.
عن الآية الكريمة قالوا: معنى عِدَّة: الواجب عليه عدَّة. والآية تدل على أن المسافر يفطر ويعتد من أيام أُخر، ولم يأت فيها ذكرٌ للصيام. فأقول: إن التقدير هو (فأفطر فعدَّة) وقد خرجت الآية الكريمة مخرج الأعمِّ الأغلب، ولم تأت لنفي الصيام والاقتصار على الإفطار، فلا دلالة فيها على ما ذهبوا إليه.
وأما الحديث رقم ٢ فإنه قسمان: القسم الأول من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه (خرج رسول الله ﷺ عامَ الفتح، فصام وصام الناس حتى بلغ الكَديد ثم أفطر فأفطر الناس) فهذا النص لا دلالة فيه على ما ذهبوا إليه، وهو متفقٌ مع ما أوردنا من أدلة كثيرة سابقة، وخاصة ما ورد في البند ٩ المار قبل قليل.
стр. 107
...وأما القسم الثاني (فكانوا يأخذون بالأَحدث فالأَحدث من فعل رسول الله ﷺ فإنه قولٌ مُدْرَجٌ من قول ابن شهاب الزُّهري كما جزم البخاري في الجهاد (قوله وكان ذلك آخر الأمرين) وكذلك وقعت هذه الزيادة عند مسلمٍ مُدْرَجةً. ثم إن النبي ﷺ صام بعد هذه القصة، كما جاء في الحديث رقم ١٢ المار قبل قليل (ثم رأيتُنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر) فهذه الزيادة هي من قول الزُّهري أولاً، وقول الزُّهري ليس دليلاً، وجاء عند ابن خُزيمة (٢٠٣٥) عقب روايته للحديث (قال سفيان: لا أدري هذا من قول ابن عباس، أو من قول عُبيد الله، أو من قول الزُّهري) فهو على الشك، إضافةً إلى أن هذه الزيادة معارَضةٌ بالحديث رقم ١٢ من طريق أبي سعيد الخُدري ﵁ عند مسلم وغيره، فلا يُلتفت إليها.
...وأما الحديث الثالث (أولئك العصاة، أولئك العصاة) فإنه جاء في حالة مشقَّة الصيام عليهم وعند المشقة تؤخذ الرخصة، فلما رفضوا الأخذ بالرخصة وامتنعوا عن التأسي بالرسول ﷺ عندما دعا بقدح من ماء أَمامَهم ثم شرب، فإنهم يكونون بذلك قد عصَوْا بالتمسك بالصيام في هذه الحالة وانطبق عليهم الحديث رقم ١٠ (من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة) .
...وأما الحديث الرابع (ليس من البر الصومُ في السفر) فقد بيَّنَّا قبل قليل دلالته ومعناه، فلا نعيد.
...وأما الحديث الخامس (صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر) سواء منه ما كان مرفوعاً أو موقوفاً، فهو حديث منقطع، فأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً، قاله يحيى بن معين والبخاري. وسند ابن ماجة إضافةً إلى الانقطاع فيه راوٍ اسمه أسامة بن زيد، متَّفَقٌ على تضعيفه. وقال أبو إسحق: هذا الحديث ليس بشيء. فالحديث ضعيف جداً فيترك.
стр. 108
...وأما الحديث السادس (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطَر الصلاة) فقد بيّنَّا قبل قليل دلالته ومعناه، فلا نعيد. وبذلك يتضح أن هذه التي سمَّوها أدلة هي في حقيقتها شبهات لا تدل على ما ذهبوا إليه.
وأما ما ذهب إليه الكثيرون من تفضيل الصيام على الإفطار، وما ذهب إليه الآخَرون من تفضيل الإفطار على الصيام، فإن كل فريق منهما قد أخذ من الأحاديث المارة ما يراه دالاً على رأيه، دون أن يُجهد نفسه بالنظر في الأحاديث كلِّها، فمثلاً: قال قائلون إن الفطر أفضل عملاً بالرخصة الواردة في الأحاديث، وبالقول ليس من البر الصوم في السفر. وقال آخرون إن الصيام أفضل، أخذاً بآخر الحديث رقم ٧ المار قبل قليل (وما فينا صائم، إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رَوَاحة) . وبالحديث رقم ١٢ المار قبل قليل أيضاً (ثم رأيتُنا نصوم مع سول الله ﷺ بعدَ ذلك في السفر) وبالحديث الذي كنا بصدده قبل قليل (فكانوا يأخذون بالأَحدث فالأَحدث من فعل رسول الله ﷺ ولا يصح الاجتهاد، بل ولا يجوز، دون أن ينظر المجتهد في جميع النصوص الواردة ويضعها كلها على صعيد البحث، لا أن يأخذ منها القسم الذي يراه دالاً على رأيه ويدع القسم الآخر.
قدرُ مسيرةِ ما يفطر فيه:
ذهب أصحاب الرأي ومالك والشافعي والأوزاعي ويحيى الأنصاري وإبراهيم النخعي والزُّهري ومكحول إلى أن المقيم إذا نوى الصيام ثم سافر فلا يجوز له أن يفطر بل يستمر صائماً، أما المسافر فإنه، وإن نوى الصيام من الليل ثم أراد أن يفطر، فإن له ذلك، وأجاز ذلك أحمد وإسحق بن راهُويه والحسن البصري والمُزَني وداود بن علي وعامر الشعبي وابن المنذر والشوكاني وعطاء.
стр. 109
وقال أحمد وإسحاق وعطاء والحسن: يجوز له أن يفطر وهو في بيته في بلده قبل أن يخرج منه، ونُقل ذلك عن أنس ﵁. وذهب ابن حزم والظاهرية إلى جواز الفطر لمن سافر ميلاً واحداً. ورُوي عن عبد الله بن عمر وعن عبد الله بن عباس ﵄ جوازُ الإِفطار في أكثر من أربعة بُرُد، أي في أكثر من ثمانية وأربعين ميلاً. ونحن ننظر الآن في النصوص التي تعالج هذه المسألة:
١- عن كُلَيب بن ذُهلٍ الحضرمي، عن عُبيد بن جُبير قال ﴿ركبتُ مع أبي بَصْرةَ الغِفاري سفينةً من الفُسطاط في رمضان، فدفع، فقرَّب غداءه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألست ترى البيوت؟ فقال أبو بَصْرة: أرغبتَ عن سُنَّة رسول الله ﷺ ؟﴾ رواه الدارمي (١٧١٤) وأبو داود وأحمد والبيهقي. ورواه ابن خُزيمة (٢٠٤٠) وقال [لست أعرف كُلَيب بن ذُهلٍ ولا عُبيد بن جُبير، ولا أقبل دِين من لا أعرفه بعدالة] .
٢- عن محمد بن كعب قال ﴿أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رُحِّلتْ له راحلتُه ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سُنَّة؟ فقال: سُنَّة، ثم ركب﴾ رواه الترمذي (٧٩٦) وقال [هذا حديث حسن] وفي إسناده عبد الله بن جعفر ضعَّفه ابن معين، وأبو حاتم وقال: منكر الحديث جداً. كما ضعَّفه ابنه علي بن المَديني. وضعَّفه الجوزجاني وقال: إِنه واهي الحديث. وقال النَّسائي: متروك الحديث. فالحديث ضعيف جداً رغم تحسين الترمذي له.
стр. 110
٣- عن منصور الكلبي قال ﴿إن دِحْية بنَ خليفة خرج من قريته من دمشق إلى قدر قرية عُقْبة من الفسطاط وذلك ثلاثة أميال من رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيتُ اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه، إن قوماً رغبوا عن هَدْي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك﴾ رواه أبو داود (٢٤١٣) وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي والطحاوي. ومنصور الكلبي مجهول قاله علي بن المَديني والخطابي وابن خُزيمة، فالحديث ضعيف الإسناد.
٤- عن اللجلاج قال ﴿كنا نسافر مع عمر ﵁ ثلاثة أميال، فيتجوَّز في الصلاة ويفطر﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٣٦) . وفيه الجريري واسمه سعيد بن إياس اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، ولذا تركه المحدِّثون عندئذٍ.
٥- عن نافع ﴿أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر ولا يَقْصُر﴾ رواه أبو داود (٢٤١٤) والبيهقي. وسكت عنه المنذري. والغابة موضع يبعد عن المدينة من ناحية الشام بريداً واحداً. والبريد أربعة فراسخ، أي حوالي ١٢ ميلاً.
الآثار الأربعة الأولى كلُّها ضعيفة فتترك، وقد حاول بعضهم تصحيح هذه الآثار مدَّعياً أن الواحد منها يشهد له الآخر فيتقوى به، وهذا التصحيح غير صحيح، ذلك أن الضعيف لا يقوِّيه ضعيف آخر وإنما يزيده ضعفاً فلا يُلتفت إلى هذه القاعدة. ويبقى عندنا أثر ابن عمر أنه كان يخرج إلى الغابة وهي تبعد عن المدينة اثني عشر ميلاً فلا يفطر ولا يقصر، فأقول:
أولاً: هذا الفعل من ابن عمر ﵁ ليس دليلاً شرعياً وإنما هو حكم شرعي في حقِّ من قلَّد ابن عمر فيه، ونحن هنا لسنا بصدد تقليد أحد.
следующие страницы →