Полный текст (1 205 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
١- يُسن للمسلم إذا أراد الدخول إلى المرحاض أن يقدِّم رجله اليسرى، ويؤخِّر اليمنى تكريماً لها، ويقول [بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث] لما روى أنس بن مالك «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» رواه البخاري وأحمد ومسلم والتِّرمذي والنَّسائي. وفي رواية للبيهقي بلفظ «إذا أراد أن يدخل» . ورواه ابن أبي شيبة بلفظ «كان إذا دخل الكنيف قال: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» بزيادة «بسم الله» . يشهد لهذه الزيادة ما رُوي عن علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله» رواه ابن ماجة بسند صحيح. قوله الخُبُث: أي ذُكْران الجن. وقوله الخبائث: أي إناثُهم. وإذا خرج الشخص قدَّم الرِّجل اليمنى إكراماً لها وأخَّر اليسرى وقال [غُفْرانَك] لما روى يوسف بن أبي بُردة قال: سمعت أبي يقول: دخلت على عائشة فسمعتها تقول «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الغائط قال: غُفرانَك» رواه ابن ماجة والترمذي وأحمد وأبو داود وابن خُزَيمة.
٢- الأصل في المراحيض والحمَّامات أن يكون فيها ماء، أو أن يكون الماء قريباً منها، والمستحبُّ أن يستنجي بالماء لأنه أبلغ في الإنقاء، ولكن إن استجمر بالأحجار في البيت جاز له ذلك، وإنْ جمع بين الأحجار والماء جاز له ذلك أيضاً، لأن الأحاديث ورد فيها الأمران.
стр. 177
٣- يكره له أن يبول في مُسْتَحَمِّه، وهو المكان الذي يستحم فيه عادة، لأن البول ربما بقي على أرض الحمَّام، فإذا استحمَّ فيه أصابه منه رشاشٌ فتنجَّس، وقد نهى الرسول ﵊ عنه، فعن عبد الله بن مغفَّل قال: قال رسول الله ﷺ «لا يبولَنَّ أحدُكم في مُستَحَمِّه، فإنَّ عامَّة الوسواس منه» رواه ابن ماجة والنَّسائي وأبو داود وأحمد والترمذي. وهذا إن لم يكن للمُسْتَحَمِّ بالوعةٌ أو لم تكن أرضه ليِّنة تشرب البول فإن كان هذا أو ذاك فلا كراهة.
٤- يجوز التبول في الأواني للحاجة خاصةً لمن به مرض، للحديث الذي روته أُميمة بنت رُقَيْقة قالت «كان للنبي ﷺ قدح من عَيْدانٍ تحت سريره يبول فيه بالليل» رواه البيهقي وأبو داود والنَّسائي. قوله العَيْدان: أي خشب النخل. ولما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «يقولون: إن النبي ﷺ أوصى إلى علي لقد دعا بالطَّسْت ليبول فيها فانْخَنَثَتْ نفسُه وما أشعر، فإلى مَن أوصى؟» رواه النَّسائي والبيهقي. ورواه مسلم والبخاري من طريق الأسود بن يزيد قال «ذكروا عند عائشة أن علياً كان وصيَّاً فقالت: متى أَوْصَى إليه؟ فقد كنت مُسْنِدَتَه إلى صدري، أو قالت: حَجْري، فدعا بالطَّست، فلقد انخنثَ في حَجْري وما شعرت أنه مات، فمتى أَوْصَى إليه؟» .
стр. 178
٥- يجوز للمسلم البول جالساً وقائماً أيَّهما فعل جاز ولكن إن كانت الأرض التي يبول عليها صلبة، وخشي من رشاش البول بال جالساً، فقد رُوى عنه ﷺ أنه بال واقفاً في مكان رخو، فعن أبي وائل قال «كان أبو موسى يُشدِّد في البول ويبول في قارورة ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جِلدَ أحدهم بولٌ قرضه بالمقاريض، فقال حذيفة: لَوَدِدْتُ أن صاحبكم لا يُشدد هذا التَّشديد، فلقد رأيتُني أنا ورسول الله ﷺ نتماشى، فأتى سُباطةً خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم، فبال فانتبذت منه، فأشار إليَّ، فجئت فقمت عند عَقِبِه حتى فرغ» رواه مسلم والبخاري وأحمد. قوله سُباطة: أي كُناسة ومزبلة. ورُوي أنه ﷺ بال جالساً، فعن عبد الرحمن بن حَسَنة قال «خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كهيئة الدَّرَقة فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة ... » رواه النَّسائي والبيهقي. قوله الدَّرَقة: أي التُّرس إذا كان من الجلد.
стр. 179
أما حديث جابر بن عبد الله قال «نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل قائماً» رواه البيهقي وابن ماجة. فهو ضعيف جداً، في سنده عدي بن الفضل وهو متروك متفق على تضعيفه. وأما ما رُوي أن عائشة ﵂ قالت «مَن حدَّثكم أن رسول الله ﷺ بال قائماً فلا تُصدِّقوه، ما كان يبول إلا جالساً» رواه النَّسائي وأحمد وابن ماجة والترمذي. فلا يقوى على معارضة حديث حذيفة، لأن حديث حذيفة أصح من حديث عائشة الذي فيه شَرِيك، وشريك صدوق يخطيء كثيراً، على أن حديث عائشة يدل على مبلغ علمها فحسب، وهي تحدَّثت عن بول الرسول ﵊ جالساً ولم تره يبول واقفاً، والمعلوم أن الرجل يبول جالساً في الكنيف، ويبعُد جداً أن يبول فيه قائماً لصلابة أرضه عادة، ولذا فإنه ﵊ لم يكن يبول في الكنيف إلا جالساً، وهذا ما علمت به عائشة ورأته وتحدثت عنه، فلا ينفي بولَه ﵊ في العراء واقفاً لرخاوة الأرض هناك، وبذلك فلا تعارض بين الحديثين. قال ابن حجر (لم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عن البول قائماً شيء) .
والخلاصة هي أن البول قائماً يجوز كجواز البول جالساً، ويتحرَّى في الحالتين ألا يصيبه رَشاش البول.
الفصل الخامس
سُنَنُ الفِطرة
стр. 180
اختلف العلماء في معنى لفظة الفِطْرة، فقال الخطَّابي: ذهب أكثر العلماء إلى أنها السُّنَّة، أي سنن الأنبياء. وقال أبو هريرة والزُّهري وأحمد: هي الإسلام. قال ابن عبد البرِّ: وهو المعروف عند عامَّة السلف. وقال ابن حجر: هي الدين، وعزاه إلى طائفة من العلماء. وجزم به أبو نُعيم. وقد استدل الفريقان من جملة ما استدلا به بقوله تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدِّيْنِ حَنِيْفاً فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيْلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّيْنُ القَيِّمُ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُوْنَ﴾ الآية ٣٠ من سورة الروم. وبما روى مسلم عن عياض بن حمار المُجاشِعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خُطبته «ألا إنَّ ربي أمرني أن أُعلِّمكم ما جهلتم مما علَّمني يومي هذا، كل مال نَحلتُه عبداً حلال، وإني خلقتُ عبادي حُنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ... » . وذكر ابن عطيَّة في تفسيره أن جماعة من العلماء قالوا: إن الفطرة هي الملَّة، دون أن يُسمِّيهم، ويظهر أنهم استدلُّوا على رأيهم بما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «ما من مولود يولد إلا وهو على الملَّة» . وفي رواية ثانية له «إلا على هذه الملَّة حتى يبين عنه لسانُه» . وقال أبو شامة: أصل الفطرة الخِلقة المبتدأة، ومنه قوله ﴿فاطِرَ السمواتِ والأرضِ﴾ أي المبتديء خلقهن.
стр. 181
والناظر في هذه الأقوال يجد أنها غير متعارضة، فالخلقة المبتدأة هي أصل الفطرة، والسُّنة والدين والإسلام والملَّة هي المقصودة من هذه اللفظة في الأحاديث كقوله ﵊ «كل مولود يولد على الفطرة ... » وقوله عليه الصلاة والسلم «عشْرٌ من الفطرة ... » ذلك أنَّ السُّنة والدين والإسلام والملة قد جاءت متوافقة مع فطرة الإنسان وخَلْقِهِ، وإن شئتَ قلتَ إن معناها في الأحاديث النبوية الإيمان الفطري.
أما السُّنن فالمقصود بها مجموعة الأفعال التي اتفقت عليها الشرائع كلها. وهذه السنن كثيرة نصَّت الأحاديث على إحدى عشرة سُنة منها، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «عشرٌ من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاءُ اللحية، و السواكُ ، واستنشاقُ الماء، وقصُّ الأظفار، وغسلُ البراجم، ونتفُ الإبط، وحلقُ العانة، وانتقاصُ الماء، قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة والنَّسائي. قوله البراجم: أي عُقَد الأصابع. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «الفِطرة خمسٌ: الاختتان والاستحداد وقصُّ الشارب وتقليمُ الأظفار ونتفُ الإبط» رواه مسلم والبخاري وأحمد. قوله الاستحداد: أي حلق العانة.
وهذه السنن في الأحاديث بلغت إحدى عشرة سُنَّة، وقد سبق أن بحثنا الاستنجاء، وسنبحث بإذن الله الاستنشاق والمضمضة في بحث الوضو، فيتبقى منها ثمانٍ هي: السواك وقص الشارب وإعفاء اللحية ونتف الإبط وقصُّ الأظفار وغسل البراجم وحلق العانة والختان. ونبدأ بالسواك.
السواك
стр. 182
السِّواك - بكسر السين - يطلق على الفعل، ويطلق على العود أو الشيء الذي يُتسوَّك به فيقال ساك فمه يسُوكُه سَوْكاً إذا نظَّفه بالسواك، والجمع سُوُكٌ ككُتُب، هذا في اللغة. ولا يختلف تعريفه في اللغة عنه في اصطلاح الفقهاء، فقد عرفوه بأنه استعمال عود ونحوه في الأسنان لإزالة ما يعلق بها من فضلات الطعام، وما يعلوها من صُفرة. وقد وردت في السواك الأحاديث التالية:
١- عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال «السِّواك مَطْهرةٌ للفم مرضاةٌ للرَّبِّ» رواه أحمد والنَّسائي وابن حِبَّان وابن خُزَيمة. وصحَّحه النووي.
٢- عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» رواه مسلم والبخاري وابن خُزَيمة وأبو داود والترمذي. وفي روايةٍ لأحمد « ... لأمرتهم بالسواك مع الوضوء» . وفي رواية للبيهقي « ... لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» .
٣- عن المِقْدام بن شريح عن أبيه قال «سألت عائشة قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسِّواك» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والنَّسائي والبيهقي.
٤- عن حذيفة قال «كان رسول الله ﷺ إذا قام ليتهجَّد يشُوصُ فاهُ بالسواك» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
٥- عن علي بن أبي طالب ﵁ « ... فقال ائتني بكوز من ماء، فغسل كفَّيه ووجهه ثلاثاً، وتمضمض ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح رأسه واحدة ... فقال: أين السائل عن وضوء رسول الله ﷺ ؟ كذا كان وضوء نبي الله ﷺ » رواه أحمد وحسَّنه ابن حجر.
٦- عن عامر بن ربيعة ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ ما لا أعُدُّ وما لا أُحصي يستاك وهو صائم» رواه أحمد وأبو داود. ورواه الترمذي وحسَّنه هو وابن حجر.
стр. 183
٧- عن أبي سعيد ﵁ قال «أشهد على رسول الله ﷺ قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يَستنَّ، وأن يمَسَّ طيباً إن وجد» رواه البخاري ومسلم وأحمد.
ووردت أحاديث أخرى، إلا أننا نكتفي بهذه الأحاديث السبعة لأن فيها الغُنية.
هذه الأحاديث كلها تفيد مشروعية السواك، وتحثُّ عليه وتندب إليه حتى عدَّه الفقهاء من السُّنن المؤكَّدة. قال النووي (بإجماعِ مَن يُعتدُّ به في الإجماع) وتشدَّد داود وإسحق بن راهُويه في السواك، فرُوي عن داود أنه قال بوجوبه في الصلاة، إلا أن الصلاة لا تبطل بتركه، وقال إسحق بن راهُويه إنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمداً.
والسواك مسنون في كل وقت لهذه الأحاديث، ولقد أحسن النووي في بحثه لهذا الموضوع بقوله (السواك مستحبٌّ في جميع الأوقات، ولكن في خمسة أوقات أشد استحباباً: أحدها عند الصلاة سواء كان متطهِّراً بماء أو تراب أو غير متطهِّر، كمن لم يجد ماء ولا تراباً، الثاني عند الوضوء، الثالث عند قراءة القرآن، الرابع عند الاستيقاظ من النوم، الخامس عند تغيُّر الفم، وتغيُّره يكون بأشياء منها ترك الأكل والشرب، ومنها أكل ما له رائحة كريهة، ومنها طول السكوت، ومنها كثرة الكلام) .
стр. 184
أما أن السواك مندوب وليس فرضاً، فلأن الحديث الأول يقول «مرضاة للرب» ولا تكون مرضاة الله سبحانه إلا بالقيام بواجب أو بمندوب، فجاء قوله ﵊ في الحديث الثاني «لولا أن أشقَّ على أمتي» قرينة تصرف الأمر إلى الندب، وعلى ذلك يُحمل الحديث السابع على إفادة الندب، والحديث الخامس يدل على أن التسوك لا يجب له عود الأراك ولا حتى فرشاة بل يكفي فيه إمرار الأصابع على الأسنان «فأدخل بعض أصابعه في فيه» وروى أنس أن رسول الله ﷺ قال «تُجْزِيء من السواك الأصابع» رواه البيهقي من عدة طرق. ورواه ابن عدي والدارقطني. وقال فيه ابن حجر (لا أرى بسنده بأساً) فإذا كانت الأصابع تكفي لنيل الثواب، فإن ما هو أفضل منها في التنظيف كالفرشاة أو وضع معاجين خاصة على الأصابع لدلك الأسنان بها هو أولى وأحق، لأن النظافة هي المطلوبة وهي بالعود أو بفرشاة الأسنان تتحقق بشكل أفضل. ولسنا نريد أن نذكر فوائد المسواك الطِّبِّيَّة التي توصل إليها الطب الحديث، فهذا ليس عملنا، ويمكن تصنيفه في باب دلائل النبوَّة.
والسواك مسنون في الليل والنهار، وفي الإفطار والصوم على السواء، وإن ما ذهب إليه الشافعي والحنابلة وإسحق وأبو ثور ونُسب إلى عطاء ومجاهد، من كراهية السواك بعد الزوال للصائم مستدلين عليه بحديث رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال « ... والذي نفسي بيده لَخُلوفُ فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك ... » رواه البخاري ومسلم. هو رأي غير صحيح خالف الشافعيَّ فيه حتى أتباعه، أذكر منهم أبا شامة والعِزَّ بن عبد السلام والنووي والمُزَني وابن حجر.
стр. 185
قال العِزُّ: وقد فضَّل الشافعي تحمُّل الصائم مشقة رائحة الخُلوف على إزالته بالسواك، مستدلاً بأن ثوابه أطيب من ريح المسك، ولا يُوافَق الشافعيُّ على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرُّجحان بالأفضلية، ألا ترى أن الوِتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ركعتي الفجر، مع قوله ﵊ «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» وكم من عبادة قد أثنى الشارع عليها وذكر فضيلتها وغيرُها أفضلُ منها، وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما، فإن السواك نوع من التَّطهُّر المشروع لأجل الرَّبِّ سبحانه، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه، ولأجله شُرع السواك، وليس في الخُلُوف تعظيم ولا إجلال فكيف يقال إن فضيلة الخُلُوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه؟ . وخلص العزُّ إلى القول: والذي ذكره الشافعي ﵀ تخصيصٌ للعام بمجرد الاستدلال المذكور المعارَض بما ذكرنا. وقال ابن حجر العسقلاني (استدلال أصحابنا بحديث خُلُوف فم الصائم على كراهة الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائماً فيه نظر) .
والصحيح هو أن استدلال هؤلاء على كراهة الاستياك بعد الزوال للصائم بحديث الخُلُوف هو استدلال لا يصلح لتخصيص الأحاديث الحاثَّة على استحباب السواك على العموم لأن حديث الخُلُوف هو في موضوع مغاير لموضوع أحاديث الاستياك، فلا يصلح مخصِّصاً. وممن ذهب إلى عدم كراهة الاستياك بعد الزوال إبراهيم النخعي وابن سيرين وعروة ومالك بن أنس وأصحاب الرأي، ورُوي عن عمر وابن عباس وعائشة ﵃ أجمعين.
قصُّ الشَّارب
وردت في قص الشَّارب الأحاديث التالية:
стр. 186
١- عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «خالفوا المشركين، وَفِّروا اللحى وأَحفُوا الشَّوارب» رواه البخاري. ورواه مسلم بلفظ «خالفوا المشركين، أَحفوا الشوارب وأَوفُوا اللحى» .
٢- عن زيد بن أرقم عن النبي ﷺ قال «مَن لم يأخذ من شاربه فليس منا» رواه أحمد والنَّسائي. ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
٣- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «جُزُّوا الشَّوارب وأَرْخوا اللحى، خالفوا المجوس» رواه مسلم وأحمد.
٤- عن أنس ﵁ قال «وُقِّتَ لنا في قصِّ الشَّارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة» رواه مسلم وابن ماجة والترمذي وأحمد.
٥- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «أَعْفُوا اللحى، وخُذوا الشَّوارب، وغيِّروا شيبكم ولا تشبَّهوا باليهود والنصارى» رواه أحمد وسنده حسن.
стр. 187
وقد ذهب الفقهاء في تفسير ألفاظ الأحاديث هذه ودلالاتها مذاهب شتى، فقال النووي (المختار أنه يقُص حتى يبدو طرف الشَّفة ولا يُحفيه من أصله) وفسَّر رواية «أَحفُوا الشوارب» بأنها تعني أَحفُوا ما طال عن الشَّفتين. وتعقَّبه الشَّوكاني فقال (الإحفاء ليس كما ذكره النووي من أن معناه أَحفوا ما طال عن الشفتين، بل الإحفاء الاستئصال كما في الصِّحاح والقاموس والكشَّاف وسائر كتب اللغة) . وقال مالك (يُؤخذ من الشَّارب حتى تبدو أطراف الشَّفة) وذهب إلى منع الحلق والاستئصال، بل كان يرى تأديب من حلق الشارب، ورُوي عنه أنه قال: إحفاء الشارب مُثْلَة. وذهب أبو حنيفة وتلاميذه زُفَر وأبو يوسف ومحمد إلى أن الإحفاء أفضل من التقصير. وإلى قولهم ذهب المُزَني والربيع من الشافعيين، ورُوي عن أحمد أنه كان يُحفي شاربه إحفاءً شديداً، ويُفتي بجواز الإحفاء والقص، وبالتخيير بينهما. وممن ذهب إلى الإحفاء من الصحابة عبد الله بن عمر وأبو هريرة وجابر وأبو سعيد ورافع بن خديج.
стр. 188
وبالرجوع إلى ألفاظ الأحاديث والتدقيق فيها يتبين أنها في مجملها تفيد التَّقصير الذي يتحقق فيه قطع ما يصل إلى الشَّفة والفم، وأن هذه الألفاظ لا تخرج عن هذا المعنى، فالقصُّ والأخذ من الشارب والإحفاء والجزُّ كلها تؤدِّي معاً هذا المعنى، ولا يخرج عنه إلا الحلق، وإلا التطويل بحيث يتهدَّل الشارب على الشَّفة والفم. والدليل على هذا الاستثناء الحديث الرابع «وُقِّت لنا في قصِّ الشارب ... ألاَّ نترك أكثر من أربعين ليلة» فهذا التوقيت للقصِّ بأربعين ليلة يدل على عدم الحلق وعدم التطويل، أما كيف؟ فذلك أن من يترك شاربه أربعين ليلة دون قصٍّ لا شك سيطول بحيث يتنافى مع القول بحلق الشارب، إذ لو كان الحلق هو المطلوب لكان التوقيت لا يتعدَّى الأسبوع، ثم إن التوقيت بأربعين ليلة يتنافى أيضاً مع القول بالتطويل إلى درجة التَّهدُّل على الشَّفة والفم، فالحكم المستنبط من مجمل النصوص هو التقصير وليس الحلق ولا التطويل الكثير.
стр. 189
أما حكم التقصير وقصِّ للشارب فهو الندب، وهو سُنَّة مؤكدة، لا أعلم فقيهاً خالف هذا. أما ما جاء في الأحاديث من ألفاظ مثل «ولا تَشَبَّهوا باليهود والنصارى» و «خالفوا المشركين» و «خالفوا المجوس» و «مَن لم يأخذ من شاربه فليس منا» فهي لا تدل على الوجوب، وهي لا تخرج عن كونها تفيد تشديداً في طلب هذا المندوب ليس غير، فهذه مثلها مثل ما جاء في الحديث المروي عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. فهذا الحديث طلب مخالفة اليهود والنصارى في صبغ الشعر الأشيب، ولم يقل فقيه إن صبغ الشيب فرض، ولا نُقل القول بالوجوب عن أحد من الصحابة. ومثل ما جاء في الحديث المروي عن شدَّاد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ «خالفوا اليهود فإنهم لا يُصلُّون في نعالهم ولا خِفافهم» رواه أبو داود. ولم يقل فقيه إن الصلاة في النعال والخفاف واجبة. وقد روى أحمد حديثاً - قال عنه الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا القاسم وهو ثقة - يجمع ما سبق ويزيد عليه أنقله بتمامه، عن أبي أُمامة ﵁ قال «خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لِحاهم فقال: يا معشر الأنصار حمِّروا وصفِّروا وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأْتزرون، فقال رسول الله ﷺ : تسرولوا واتَّزِروا، وخالفوا أهل الكتاب، قال، فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخفَّفون ولا ينتعلون، قال: فقال النبي ﷺ : فتخفَّفوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب، قال فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصُّون عثانينهم ويُوفِّرون سِبالَهم، قال فقال النبي ﷺ : قُصُّوا سِبالَكم ووفِّروا عثانينَكم، وخالفوا أهل الكتاب» . ولا يجهل أحد أن صبغ الشعر بالأحمر
стр. 190
كالحنَّاء أو بالأصفر كالكَتَم، ولبس السراويل والأُزُر، والصلاة في النعال والخفاف كل ذلك غير واجب، فكذلك قصُّ السِّبال أي الشوارب وتوفير العثانين أي اللحى غير واجبين، وإن جاء النص بأن يُفعل كله من باب مخالفة أهل الكتاب.
والخلاصة، هي أن قص الشارب وتقصيره، بحيث لا يطول كثيراً، أو لا يتهدل على الشفتين هو سُنَّة مؤكدة، وأنَّ كلا الحلقِ والتطويلِ مخالف لهذه السُّنَّة.
إعفاءُ اللحية
وردت في إعفاء اللحية الأحاديث التالية:
١- حديث عائشة المار، وفيه «عشْرٌ من الفطرة: قصًّ الشارب، وإعفاء اللحية ... » رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة والنَّسائي.
٢- حديث ابن عمر المار، وفيه «خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى ... » رواه البخاري. ورواه مسلم بلفظ «خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوْفُوا اللحى» .
٣- حديث أبي هريرة المار وفيه «جُزُّوا الشوارب وأَرخوا اللحى، خالفوا المجوس» رواه مسلم وأحمد.
هذه الروايات تتضمن الألفاظ التالية: إعفاء، وفِّروا، أَوفوا، أرخوا، وكلها تعني معنى واحداً هو تركها تطول دون حلق أو قصٍّ أو إحفاء، أي افعلوا فيها عكس ما تفعلون في الشوارب، وقد كان من عادة الكفار قصُّ اللحية فنهى الشارع عن ذلك، وأمر بإعفائها وتوفيرها مخالفة لهم.
وإعفاء اللحية من سُنن الفطرة، وهو سُنَّة مؤكَّدة كقص الشارب، قال القاضي عياض: يُكْره حلق اللحية وقصها وتحليقها. وقال الشوكاني عند كلامه على حديث عشر من الفطرة ما يلي (الكلمات العشر ليست واجبة) . وقال شمس الدين بن قُدامة في الشرح الكبير (ويُسْتحب إعفاء اللحية) . وما قلته في قص الشارب أقوله في إعفاء اللحية، فحكمهما واحد وقرائنهما واحدة وإن كان التشديد على قصِّ الشارب أكثر منه على إعفاء اللحية لوجود «مَن لم يأخذ من شاربه فليس منا» فهذا التشديد لا يوجد ما يضارعه في إعفاء اللحية.
стр. 191
والسُّنَّة أن تُترك اللحية حتى تظهر وتبرز على الوجه. ولا حدَّ لطولها، وإنَّ ما كان ابن عمر يفعله من قص لحيته بحيث لا تزيد على قبضة اليد يمكن الأخذ به، قال البخاري (كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه) وهذا الفعل من ابن عمر ليس دليلاً، ولكنه يُعتبر حكماً شرعياً يجوز اتِّباعه. وفي المقابل لا يتحقق المطلوب بتقصيرها تقصيراً يؤدي إلى ظهور لون الجلد تحتها، ولذلك فالأصل الاعتدال، وحدُّه أن يتوارى لون بشرة الوجه خلف شعر اللحية، وله بعدئذ أن يقص أو يدع ما يزيد على ذلك.
وإعفاء اللحية اهتم به المتصوِّفة والمشايخ اهتماماً جاوز حد الاعتدال إلى الغلو، حتى عدُّوا الحليق فاسقاً لا تُقبل شهادته ولا يُصلى خلفه وكأنه أتى معصية من أكبر المعاصي، رغم أن الأحاديث ذكرت إعفاء اللحية ضمن العشر من الفطرة، ولم تحُثَّ عليه بأكثر من مخالفة المشركين كحال الحث على قصِّ الشارب، ومع ذلك لم يُولِ المشايخ اهتماماً بأي من السنن العشر اهتمامهم بإعفاء اللحية، والأصل أن لا تصل هذه المسألة إلى حجم أكبر من حجمها، وأن ما يقوله بعضهم من أنها علامة على الرجولة والفحولة هو قول ساقط متهافت. وكمثال على هذا التَّشدُّد أُورد رأياً للشيخ محمد ناصر الدين الألباني في هذه المسألة أنقله بكامله من كتابه [آداب الزفاف] وأناقشه بالتفصيل:
حلق اللحى. الخامس: ومثلها في القُبح ـ إن لم تكن أقبح منها عند ذوي الفِطَر السليمة ـ ما ابتُلي به أكثر الرجال من التَّزين بحلق اللحية بحكم تقليدهم للأوروبيين الكفار، حتى صار من العار عندهم أن يدخل العروس على عروسه وهو غير حليق وفي ذلك عدة مخالفات:
стр. 192
أ- تغيير خلق الله، قال تعالى في حق الشيطان ﴿لعَنَهُ الله وقال لأتَّخِذَنَّ مِنْ عبادِك نصيباً مفروضاً ولأُضِلَّنَّهم ولأُمنِّينَّهم ولآمُرنَّهم فَلَيبتِّكُنَّ آذانَ الأنعام ولآمُرنَّهم فلَيُغيِّرُنَّ خلقَ الله ومَنْ يتَّخِذ الشيطانَ وليَّاً من دونِ الله فقد خَسِرَ خُسراناً مُبيناً﴾ فهذا نص صريح في أن تغيير خلق الله بدون إذن منه تعالى إطاعة لأمر الشيطان وعصيان للرحمن ﷻ ، فلا جَرَم أنْ لعنَ رسول الله ﷺ المغيِّرات خلقَ الله للحُسن كما سبق قريباً، ولا شك في دخول حلق اللحية للحسن في اللَّعن المذكور بجامع الاشتراك في العلة كما لا يخفى، وإنما قلت: بدون إذن من الله تعالى، لكي لا يُتوهم أنه يدخل في التَّغيير المذكور مثل حلق العانة ونحوها مما أذن فيه الشارع بل استحبه وأوجبه.
ب- مخالفة أمره ﷺ وهو قوله «أَنهِكوا الشوارب وأَعْفوا عن اللحى» ومن المعلوم أن الأمر يفيد الوجوب إلا لقرينة، والقرينة هنا مُؤكِّدة للوجوب وهو:
ج - التَّشبُّه بالكفار، قال ﷺ «جُزُّوا الشوارب وأَرخوا اللحى خالفوا المجوس» ويؤيد الوجوب أيضاً:
د - التَّشبُّه بالنساء، فقد «لعن رسول الله ﷺ المتشبِّهين من الرجال بالنساء، والمتشبِّهات من النساء بالرجال» ولا يخفى أن في حلق الرجل لحيته التي ميَّزه الله بها على المرأة أكبر تشبُّه بها، فلعل فيما أوردنا من الأدلة ما يقنع المُبتَلَيْن بهذه المخالفة، عافانا الله وإياهم من كل ما لا يحبه ولا يرضاه.
وقال في هامش الكتاب ما يلي (ومما لا ريب فيه ـ عند من سلمت فطرته وحسُنت
طويته - أنَّ كل دليل من هذه الأدلة الأربعة كاف لإثبات وجوب إعفاء اللحية وحُرمة حلقها فكيف بها مجتمعة؟!) .
والجواب عليه من وجوه:
стр. 193
أـ أقف عند قوله (من التَّزيُّن بحلق اللحية بحكم تقليدهم للأوروبيين الكفار) فهو قد جعل حلق اللحية زينة ولم يذكر أن إعفاء اللحية زينة هو الآخر، إذ ربما كان إعفاء اللحية أجمل من حلقها، ثم إنه اعتبر التَّزيُّن بحلق اللحية داخلاً تحت تقليد الكفار، وهذا يضطرنا إلى تبيين معنى تقليد الكفار وحكمه.
تقليد الكفار تقليدان:تقليد في شؤون الدين، وتقليد في شؤون الحياة، فما كان من تقليدٍ لأفعالهم وأُمورهم المتصلة بدينهم فهو تقليد في شؤون الدين، وما كان من تقليدٍ لأفعالهم وأُمورهم غيرِ المتصلة بالدين عندهم فهو تقليد في شؤون الحياة. أما ما كان من تقليدٍ في شؤون دينهم فهو حرام، ومخالفته واجبة، وأما ما كان من تقليدٍ لهم في شؤون الحياة فليس بحرام ولا إثم فيه، وإن كان الأَوْلى تركه، إلا أن يكون ذاتُه محرَّماً في ديننا نحن فيحرم. فتقليدهم بلبس البدلات وربطات العنق، وتقليدهم بإلباس جنودنا ما يلبسه جنودهم من غطاء الرأس، وتقليدهم باستقبال رؤساء الدول الأجنبية بإطلاق إحدى وعشرين طلقة واصطفاف حرس الشرف لهم، وتقليدهم بافتتاح المشاريع الحيوية بقص الشريط، وأمثال ذلك كله تقليد لا إثم فيه وليس بحرام، لأن هذه الأفعال والأمور ليست من دينهم هم، وهم لا يفعلونها ولا يتخذونها امتثالاً لعقيدتهم، ثم هي ليست مما ورد في شرعنا تحريم له، وما دام ذلك كذلك فتقليدهم فيها لا حرمة فيه، وإن كان الأولى تركه، بينما تقليدهم بجعل التعليم مختلطاً في الجامعات وتقليدهم بتبرُّج النساء حرام لا يجوز، وإن كان ذلك ليس من شؤون الدين عندهم ولكنه حرام عندنا فيظل حراماً.
стр. 194
أما تقليدهم بلبس المسوح التي يلبسها كهنتهم واتِّخاذ رجال دين عندنا، وتقليدهم باتخاذ شجرة عيد الميلاد، وتقليدهم باتخاذ التوابيت الخشبية للموتى، وأمثال ذلك فهو حرام لا يجوز، ومخالفتهم فيه واجبة، لأن هذه الأفعال والأمور هي من شؤون الدين عندهم، فتقليد الكفار في كفرهم أو تقليدهم بوصفهم كفاراً حرام. أما تقليدهم فيما سواه فلا حرمة فيه إلا ما كان حراماً عندنا، وإن كان الأولى تركُه. فالمسلم حين يحلق لحيته تقليداً للأوروبيين لا يقلدهم فيه بوصفهم كفاراً، ولا يقلدهم في شأن من شؤون دينهم، وإنما هو مظهر دنيوي بحت مقطوع الصلة بالدين، فتقليدهم فيه ليس حراماً، وهكذا سائر الأفعال والأمور التي لا علاقة لها بشؤون دينهم، ومن ذلك يظهر أن تقليد الأوروبيين في حلق اللحية لا يفيد تحريماً.
وأما قوله (حتى صار من العار عندهم أن يدخل العروس على عروسه وهو غير حليق) هذه العبارة فيها غلو، فالعارُ هو الشيء أو الفعل الذي يشين صاحبه ويجلب عليه الخزي والهوان، وهذا المعنى غير موجود هنا.
стр. 195
ب ـ نأتي الآن لمناقشة الأدلة الأربعة التي يقول عنها (إن كل دليل من هذه الأدلة الأربعة كاف لإثبات وجوب إعفاء اللحية) إن الآية التي استشهد بها الشيخ الألباني على أنها دليل صالح على تحريم حلق اللحية وردت في سورة النساء، وحتى نتبين إن كانت هذه الآية تدل على دعواه أو لا، لا بد من وضعها في موضعها من السورة، ثم نستدل بها على ما تدل عليه ﴿إن اللهَ لا يَغفرُ أن يُشْرَكَ به ويَغفرُ ما دون ذلك لِمَنْ يَشاء ومَنْ يُشْرِكْ باللهِ فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً. إنْ يَدْعونَ مِن دونِهِ إلا إناثاً وإنْ يَدْعُونَ إلا شيطاناً مَريداً. لعَنَهُ الله وقال لأتَّخِذَنَّ مِن عِبَادِك نَصِيباً مَفْرُوضاً. ولأُضِلَّنَّهم ولأُمنِّينَّهم ولآمُرَنَّهم فلَيُبتِّكُنَّ آذانَ الأَنعامِ ولآمُرنَّهم فلَيُغيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ومَن يتَّخذ الشيطانَ ولياً مِن دون اللهِ فقد خسرَ خُسراناً مُبيناً. يعِدُهم ويُمنِّيهم وما يعِدُهُمُ الشَّيطان إلا غُرُوراً. أولئكَ مَأْواهُمْ جهَنَّمُ ولا يجدونَ عنها مَحِيْصاً﴾ بالتدقيق في هذه الآيات يظهر أنها وردت في موضوع العقيدة وليس في موضوع الأحكام الشرعية، انظر في أيَّة آية منها تجد ذلك واضحاً، فالآية الأولى هي في موضوع الشِّرك وهو من العقيدة، والآية الثانية هي في موضوع الأصنام والشيطان وهو من العقيدة، والآية الثالثة هي في موضوع إخراج قسمٍ من المؤمنين إلى جماعة الكفار وهو من العقيدة، والآية الرابعة هي في موضوع تبتيك آذان الأنعام للتقرب إلى الأصنام وهو من العقيدة، والآية الخامسة هي في موضوع أماني الشيطان وغروره وهو من العقيدة، والآية السادسة هي في موضوع العقيدة لأنها تحدثت عن دخول جهنَّم والاستقرار فيها، فالآيات كلها سِيقت في موضوع واحد هو العقيدة، وليس منها آية واحدة في موضوع الأحكام الشرعية الفرعية.
стр. 196
وثانياً: الآيات هذه تحدثت صراحة عن الضَّلال في بدء الآية الرابعة ﴿ولأُضِلَّنَّهم﴾ ، والضلال عكس الهُدى، وهو من أفكار العقيدة، فالضَّالُّ هو من خالف العقيدة في مجملها أو أصولها أو فروعها، أما من خالف الحكم الشرعي فهو الفاسق أو العاصي أو الفاجر أو الآثم، وهذا التفريق لا بد من إدراكه، ولست أُريد أن أسوق الآيات الدالة على هذا الأمر، فلْيرجع إليها من يشاء.
وإذن فالآية التي استشهد بها هي في موضوع العقيدة وليست في موضوع الأحكام، ولا تقاس العقائد على الأحكام ولا الأحكام على العقائد، فكلٌّ منهما موضوع غير موضوع الأخرى، ولذلك فإن قوله تعالى ﴿فَلَيُغيِّرُنَّ خَلْق الله﴾ يُقْصر على العقيدة والأعمال التي في معناها، وليس على الأعمال التي تفيد حراماً وحلالاً، لأن الآية والحديث إن جاءا في موضوع معين وجب قصرهما عليه. ولا يقال العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأن الموضوع غير السبب، فهذه الآيات ليست العقيدة سبباً في نزولها، وإنما العقيدة هي الموضوع الذي نزلت الآيات فيه، وبين السبب والموضوع فارق كبير. وإلى هذا المعنى الدقيق أشار عدد من المفسِّرين لهذه الآيات، فقد فسرها عدد منهم بقولهم: إن المراد بهذا التغيير هو أن الله سبحانه خلق الشمس والقمر والأحجار والنار ونحوها من المخلوقات لما خلقها له، فغيَّرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة، وبمثل هذا القول قال الزَّجَّاج. ويدعم هذا القول الآية الثانية ﴿إنْ يدْعُون مِن دونه إلا إناثاً﴾ وفسرها أبو مالك فيما رواه عنه ابن جرير الطبري وابن المنذر وغيرهما بقوله: اللات والعُزَّى ومَناة كلها مؤنثة. وفسرها أُبيُّ بن كعب فيما رواه عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل وابن المنذر وغيرهما بقوله (قال مع كل صنم جِنِّيَّة) وفسرها الحسن بقوله (كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها أُنثى بني فلان، فأنزل الله إن يدعون من دونه إلا إناثاً) ذكره سعيد بن منصور
стр. 197
وابن جرير وابن المنذر. وقال الضحَّاك (قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زُلفى) ذكره ابن أبي حاتم. ونقل ابن جرير الطبري عن قتادة قوله في تفسير ﴿فليُبتِّكُنَّ آذانَ الأَنعامِ﴾ (التبتيك في البَحِيرة والسَّائبة يُبتِّكون آذانها لطواغيتهم) وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ولآمُرنَّهم فلَيُغيِّرنَّ خَلْق الله﴾ قال (دين الله) وروي مثل ذلك عن الضحَّاك وسعيد بن جبير. هذا هو معنى التغيير، وهذا هو الموضوع الذي جاءت فيه الآية، ولذا فان تفسيرها بغير هذا خطأ، فقولهم إنها تعني الخصاء أو الوشم أو غير ذلك مثل حلق اللحية هو خروج على موضوع الآية وسياقها وإطارها.
نخلص من ذلك إلى أن هذه الآية لا تصلح مطلقاً للاستدلال بها على تحريم اللحية، فالآية في موضوع، وحلق اللحية في موضوع آخر، وما دام حلق اللحية أو إعفاؤها من غير العقائد فإن الاستدلال بها هنا استدلال غير صحيح.
ج- قوله: (ومن المعلوم أن الأمر يفيد الوجوب إلاّ لقرينة) غير مُسلَّم به وفيه لَبس، فالقارئ العادي حين يقرأ هذا القول (ومن المعلوم) يظن أنها قاعدة مُجمَعٌ عليها لدى عامة الفقهاء والأصوليين، لأنه جعلها قاعدة معلومة علماً مطلقاً دون تقييد، في حين أنه من المعلوم أن هذه القاعدة لا يقول بها جميع الفقهاء والأصوليين، ولذلك كان الأَوْلى أن يُقال (ومن المعلوم عندنا) أو (ومن المعلوم أن عدداً من الفقهاء يقولون) أو (الأمر يفيد الوجوب عند فلان وفلان) أو ما يشبه ذلك حتى لا يقع القارئ في لبس.
стр. 198
د- قوله (والقرينة هنا مؤكِّدة للوجوب وهو التَّشبُّه بالكفار) يعني أن الأمر إن اقترن بالتَّشبُّه بالكفار كان واجباً، فقد جعل التَّشبُّه بالكفار قرينة على الوجوب أو قل قرينة على التأكيد على الوجوب. فماذا يقول في الحديث التالي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود؟ فالحديث يطلب منا أن نصبغ شعرنا الأبيض وأن نخالفهم في ذلك، فهل مخالفة الكفار هنا تصلح قرينة على وجوب الصَّبغ؟ لا أظن أن أحداً قال بوجوب صبغ الشعر الأشيب. وماذا يقول في الحديث الذي رواه شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ «خالفوا اليهود فإنهم لا يُصلُّون في نعالهم ولا خِفافهم» رواه أبو داود. ولم يقل فقيه إن الصلاة في النعال والخفاف واجبة؟ فكذلك التَّشبُّه بالكفار هو من هذا القبيل.
وأُذكِّر بما سبق من التفريق في التقليد أو التَّشبُّه بالكفار بين التَّشبُّه بهم في شؤون الدين عندهم وبين التَّشبُّه بهم في شؤون الحياة. وهذا يعني أن الكفار لو كانوا يتركون الشعر الأشيب تعبُّداً وجئنا نتشبَّهُ بهم في هذا الأمر لكان ذلك حراماً ولصلُح ذلك قرينة على الوجوب ولو أن الكفار يحلقون لحاهم تعبداً، وجئنا بحلق اللحى تشبُّهاً بهم في عبادتهم ودينهم لكان ذلك حراماً، ولصلُح قرينةً على الوجوب، ولكن لم يقل أحد إن الكفار يحلقون لحاهم تعبداً، فلا يصلح ذلك إذن قرينة على الوجوب. وبذلك ينتفي صلاح الدليلين الثاني والثالث على وجوب إعفاء اللحية.
هـ ـ قوله (ويؤيد الوجوب التَّشبُّه بالنساء) وساق حديث التَّشبُّه، وعقَّب بقوله (ولا يخفى ... أكبر تشبُّه بها) فهو يرى ويقرر أن حلق اللحية هو تشبُّه بالنساء وبالغ بقوله (أكبر تشبُّه بها) .
والرد عليه من عدة وجوه:
стр. 199
١ - إن التَّشبُّه بالنساء يعني التَّشبُّه بمطلق النساء وليس بنساء مخصوصات، ويعني الخروج من أوصاف الرجال جنس الرجال، وليس من أوصاف الرجال المسلمين أو من أوصاف رجالٍ مخصوصين، لأن الحديث يقول «المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» فعمَّم ولم يخصِّص، أي أن الحديث يقول إن الرجل الذي يتشبَّه بالأنثى ملعون، ويحصل هذا إن خرج الرجل فيما فعل من صفة الرجال مطلق الرجال، وتشبَّه بعموم الإناث. هذا هو معنى الحديث، ولا تخصيص فيه ولا تقييد، فهل من حلق لحيته فقد خرج مما يوصف به مطلق الرجال؟ الجواب بالنفي من الواقع، ومن نصوص الأحاديث.
أما الواقع فإن معظم الرجال في العالم يحلقون لحاهم، وإذن فحلق اللحى صفة شائعة في الرجال، ولم يدَّعِ أحدٌ أن هؤلاء الملايين الملايين من الرجال خلعوا صفة الرجولة في هذا الأمر وتشبَّهوا بالنساء.
أما الحديث فيقول: خالِفوا المجوس، أي خالِفوا رجال المجوس بإطلاق اللحى، ومفهوم هذا الحديث أن رجال المجوس كانوا يحلقون لحاهم، ومفهومه أيضاً أن من يحلق لحيته فإنما يتشبَّه برجال المجوس، وهذا يدل على أن حلق اللحية ليس فيه تشبُّه بالنساء بقدر ما فيه تشبُّه بالرجال من المجوس، بل إن الحديث يحصره في التَّشبه بالرجال من المجوس، ولا يتطرق إلى التَّشبُّه بالنساء لا من قريب ولا من بعيد. فهل يصح له بعدئذٍ أن يقول إن حالق اللحية متشبِّه بالنساء؟ وكيف يُجيز لنفسه أن يقول هذا القول المغاير لما يفيده الحديث والواقع؟.
стр. 200
٢ - إن التَّشبُّه بالنساء لا يكون تشبُّهاً إلا إذا انتفت به عن الرجل صفة من صفاته ودخل به في صفةٍ من صفات النساء، فمثلاً النساء يلبسن العقود والأساور والرجال لا يلبسونها، وهذا عام في كل زمن وكل قوم وكل شعب إلا ما كان من الأقوام البدائية التي لا يُؤبه بما تفعله، بحيث أن من يلبس العقود والأساور من الرجال فإنما يتخلى بلبسها عن صفة من صفات الرجال ويدخل في صفة ملازمة للنساء، فيكون لبس الأساور والعقود تشبُّهاً، في حين أن الاكتحال صفة مشتركة بين الرجال والنساء، فمن اكتحل لا يكون قد تشبَّه بالنساء، لأنه لم يترك صفة من صفات الرجال، وقُل مثل ذلك في حلق اللحية، فإنها صفة شائعة في الرجال، فمن حلق لا يكون قد تخلى عن صفة الرجال واتصف بصفة النساء، أي لا يكون متشبِّهاً بالنساء، ومَن تضمخ بالطيب فإنه يفعل فعلاً مشتركاً بين الرجال والنساء، فلا يكون المتطيِّب قد تشبَّه بالنساء، هكذا يجب أن يُفهم التَّشبُّه بالنساء. إن حلق اللحية صفة ملازمة من صفات الرجال قديماً وحديثاً، ولا يقول أحد إن الملايين من الرجال في العالم الذين يحلقون لحاهم يتشبَّهون بالنساء، بل إن قول رسول الله ﵊ «خالفوهم» فيه دلالة على أنهم لم يكونوا قبل هذا الأمر يخالفونهم، بل كانوا يوافقونهم بحلق لحاهم، وكانوا رجالاً لا يتصفون أو يتشبَّهون بالنساء.
٣ - وحيث أنه قد بان تماماً أن من يحلق لحيته لا يكون قد فارق صفة الرجال إلى صفة النساء، فقد بطل الدليل الأخير الذي استدل به الشيخ الألباني على حُرْمة حلق اللحية.
стр. 201
و بقيت نقطة تتعلق بتغيير خلق الله أود أن أبحثها من زاوية أخرى. استدل الشيخ الألباني بما رُوي عن ابن مسعود «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمِّصات والمتفلِّجات للحسن المغيِّرات خلق الله، ما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله» رواه البخاري. على أن تغيير خلق الله علة لتحريم ما جاء في الحديث، وقاس عليها حلق اللحية لأنها حُسنٌ يُغير خلق الله فيدخل في اللعن، وأكد ذلك بقوله (ولا شك) وبقوله (كما لا يخفى) وكأن أحداً لا يخالفه فيما يقول. لقد قال هو نفسه إن تغيير خلق الله ليس حراماً كله، فقوله (لكي لا يتوهم أنه يدخل في التغيير المذكور مثل حلق العانة ونحوها مما أذن فيه الشارع) يدل على أن هناك تغييراً لخلق الله محرَّماً، وأن هناك تغييراً غير محرَّم. فلْننطلق من هذه القاعدة التي وضعها هو، فنقول:
إن هذه القاعدة تنقض القول بأن تغيير خلق الله هو علة للتحريم، وذلك أن العلة في علم الأصول تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، وهذا يقضي بأن تحرِّم هذه العلة - وهي تغيير خلق الله -كلَّ فعل فيه تغيير، ولا تحرم أي فعل لا تغيير لخلق الله فيه، هذا هو معنى العلة وهذا هو مقتضاها. وحيث أن هناك أفعالاً فيها تغييرٌ لخلق الله ومع ذلك أجازها الشرع، فهذا دليل على أن التغيير ليس علة، لأن العلة مطَّردة دائماً، فإذا تخلَّفت مرة واحدة بطل كونها علة، وحيث أن الشرع نفسه أبطلها في حلق العانة ونتف الإبط وقص الأظافر وحلق شعر الرأس فقد دل ذلك على أن التغيير ليس علة لتحريم حلق اللحية. أما القول إن النصوص استثنت هذه الأحكام فهو ليس رداً على موضوع العلة، ومن هذه المقدمة ننطلق إلى شرح حديث «لعن الله الواشمات ... المغيرات خلق الله» .
стр. 202
الحديث الشريف يذكر أن الواشمات والمستوشمات والمتنمِّصات والمتفلِّجات للحُسن المغيرات خلق الله ملعونات، وما دام أن التغيير قد ثبت أنه قد تخلف مرات فقد ثبت أنه ليس علة، وأن هذه القاعدة تنسحب إذن على كل موضوع ومنها هذا الحديث، فتغيير خلق الله ليس علة للتحريم في هذا الحديث، بمعنى أن التحريم منصبٌّ على ما ذُكِر وليس لعلة التغيير، وعلى هذا فإن التغيير هنا لم يُذكر إلا على أنه وصفٌ ملازم لهذه الأفعال ليس غير، كما ذكر ذلك ابن حجر. والسؤال هنا: لماذا ذُكر هذا الوصف في الحديث؟ والجواب عليه هو أنَّ ذِكْرَ هذا الوصف في هذا الحديث إنما جاء قيداً وتحديداً للقدر الذي تصبح معه هذه الأفعال محرمة، بمعنى أن الوشم والنمص والتفلج لا تكون حراماً إلا إذا وصلت حد التغيير لخلق الله، فإن لم تصل إلى هذه الحد وهذا القدر فإنها لا تكون حراماً وتكون مباحة، فلو أخذت المرأة من حاجبيها عدة شعرات، ولو وضعت المرأة على وجهها أو يدها نقطة أو نقطتين من الوشم، ولو بردت المرأة إحدى أسنانها مقداراً يسيراً فإنها لا تكون قد فعلت حراماً لأنها لا تكون قد فعلت ما يصل إلى حد تغيير خلق الله، فهذا هو القصد من ذكر هذا الوصف، وهو أنه لتحديد المقدار الذي تصبح معه هذه الأفعال محرمة، وليس ليكون علة للتحريم.
стр. 203
ثم إن هذا الحديث يخاطب النساء ولا يخاطب الرجال، والقاعدة اللغوية والشرعية هي أن خطاب المذكَّر خطاب للرجال وللنساء، ولكن خطاب المؤنَّث لا يدخل فيه الرجال، فالقرآن حين يقول بصيغة المذكَّر ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتبَ عليكُمُ الصِّيامُ﴾ فإن هذا الأمر بالصيام يشمل الرجال كما يشمل النساء، وحين يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا اتَّقُوا اللهَ وقولوا قَوْلاً سَديداً﴾ فإن هذا الأمر بالتقوى والقول السَّديد يشمل الرجال والنساء، ولكن القرآن حين يقول بصيغة المؤنث ﴿وقَرْن في بيوتِكُنَّ﴾ فإن هذا الأمر لا يشمل الرجال، بمعنى أنه لا يطلب من الرجال البقاء في البيوت، وحين يقول ﴿ولا يُبدين زينَتَهُنَّ﴾ فإن هذا الأمر لا يعني مطالبة الرجال بذلك، ولا يدل على منع الرجال من إبداء زينتهم، وحين يقول ﴿والمُطلَّقات يتربَّصن بأنفسهنَّ﴾ فإن هذا الطلب لا يعني الرجال، ولا يطالبهم بالتربُّص عند الطلاق. والحديث النبوي حين يقول «عليكُنَّ بحافَّات الطريق» رواه أبو داود. فهو خاص بالنساء ولا يشمل الرجال وهكذا مما هو معلوم ومعروف. وهذا الحديث «لعن الله الواشمات» هو من هذا القبيل، فهو خاص بالنساء، ولا يعني أن الله يلعن الواشمين، فمن أين القول إن (المُغيِّرات خلق الله) يشمل الرجال؟ الصحيح والصواب أن هذا الحديث خاص بالنساء وأنه لا يصح سحبه على الرجال لهذا السبب أيضاً. ولهذين السببين سببِ عدم علِّيِّة التغيير، وسببِ اختصاص النص بالنساء، فإنه لا يجوز القياس، ولا يصح إدخال الرجال ولحاهم في هذا الحديث مطلقاً.
وهكذا تتساقط الأدلة الأربعة على وجوب حلق اللحية، ويبقى الحكم الصحيح المذكور آنفاً، وهو أن الإعفاء سُنَّة وليس واجباً.
نتفُ الإبط
стр. 204
نتف الإبط مندوب باتفاق العلماء، لما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «عشْرٌ من الفِطرة: قصُّ الشارب ونتفُ الإبط ... » رواه مسلم وغيره. ولما روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال «الفِطرة خمسٌ: ... ونتفُ الإبط» رواه مسلم وغيره. وقد مرَّ هذان الحديثان بتمامهما. ورغم أن الوارد في الأحاديث هو النَّتف إلا أنَّ كون القصد من ذلك النظافة، وهي تحصل بالحلق وتحصل بالقصِّ، يجعلنا نقول بجواز الحلق والقص، وإنَّ توقيت نتف الإبط بأربعين يوماً هو قرينة على جواز ذلك، لأن من ترك شعر إبطيه أربعين يوماً طال ووصل إلى حالة التقصير والقص وربما زاد. قال يونس ابن عبد الأعلى: دخلت على الشافعي وعنده المزيِّن يحلق إبطه فقال الشافعي: علمتُ أن السُّنَّة النتف ولكن لا أقوى على الوجع. وقال النووي (الأفضل فيه النتف إن قَوِي عليه ويحصل أيضاً بالحلق والنُّورة) ووافقه ابن قدامة. وقد سُئل إسحق: نتف الإبط أحبُّ إليك أو بنُورة؟ قال: نتفه إن قدر. فهؤلاء استحبوا النتف على الحلق أو النُّورة. والنُّورة هي ما يُستخلص من الجِير ويُطلَى به موضع الشعر فيسقط. وكلُّهم مع ذلك أجازوا الحلق والحفَّ لأن القصد هو النظافة، وهي تتحقق بكل ذلك.
ويستحب في النتف أو الحلق أن لا يتأخر عن أربعين يوماً للحديث السابق المروي عن أنس المذكور في المسألة الثانية الخاصة بقص الشارب، وإن نَتَف في أقلَّ من ذلك جاز وربما كان أفضل، كما يُستحبُّ أن ينتف إبطه الأيمن أولاً ثم الأيسر، لما روت عائشة ﵂ قالت «كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تنعلُّه وترجُّله وطُهوره وفي شأنه كلِّه» رواه البخاري ومسلم.
قصُّ الأظفار
стр. 205
قص الأظفار مندوب لما رُوي أن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «عشر من الفِطرة ... وقص الأظفار ... » رواه مسلم وغيره. ولما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال «الفِطرة خمس ... وتقليم الأظفار ... » رواه مسلم وغيره. وقد مرَّ هذان الحديثان بتمامهما. وقص الأظفار أوتقليمها إنما حُدَّ لنا بأربعين يوماً كحدٍّ أقصى، فإن قصَّها في أقل من ذلك كان أبلغ في التنظيف المقصود من القص، لأن الأظفار إن طالت تجمَّع الوسخ تحتها، فربما خالط الطعام والشراب، فعن أبي أيوب العتكي قال: قال رسول الله ﷺ «يَسأل أحدُكم عن خبر السماء وهو يدع أظفاره كأظافير الطير يجتمع فيها الجنابة والخَبَث والتَّفَث» رواه أحمد والطبراني. قال الهيثمي (رجاله رجال الصحيح خلا أبا واصل وهو ثقة) . قوله الخَبَث والتَّفَث: أي الوسخ. ثم إن طالت الأظفار ربما سبَّبت أذى وأحدثت جِراحاتٍ فجاء الأمر بقصها، فعن سوادة بن الربيع قال «أتيت النبي ﷺ فسألته، فأمر لي بذَوْدٍ، ثم قال لي: إذا رجعتَ إلى بيتك فمُرهم فلْيُحْسِنوا غِذاء رِباعهم، ومُرْهم فلْيقلِّموا أظفارهم، ولا يعبطوا بها ضُروع مواشيهم إذا حلبوا» رواه أحمد. قوله الذَّوْد: هو من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع. وقوله الرِّباع جمع رُبَع: هو ما وُلد من الإبل في الربيع. وقوله يعبطوا: أي يجرحوا. فهذان الحديثان يبيِّنان القصد من قص الأظفار ويدلاَّن من ثم على أن القص سُنَّة، إضافةً إلى كون قص الأظفار من الفطرة. ويُسنُّ تقليم أظافر أصابع اليد اليمنى أولاً ثم أصابع اليد اليسرى، ثم أصابع الرِّجل اليمنى أولاً ثم أصابع الرِّجل اليسرى، وذلك لحديث التَّيامن المار في البحث السَّابق.
стр. 206
وبهذه المناسبة فإنه لا بد من التنبيه إلى نقطة مهمة خاصة بالنساء هي طلاء الأظفار بما يُسمَّى المناكير، فهذا الطلاء يشكِّل طبقة سميكة تحول دون وصول ماء الوضوء والأَغسال إلى الأظفار مما يؤدي إلى فساد الوضوء والأَغسال، فلْتنتبه النساء إلى هذا وليَدَعْن هذه الزينة، ويمكنهنَّ استعمال الحنَّاء بدلاً منه، إلاَّ أن يمسحن هذا الطِّلاء عند كل وضوء وغُسل، وهذا يشق عليهنَّ. ولمعرفة المزيد يُراجع فصل [الوضوء] بحث [صفة الوضوء] .
غسل البراجم
البراجم: هي العُقَد التي في ظهور الأصابع، تقابلها الرَّواجب: وهي مفاصل الأصابع من الداخل، واحدتها راجبة. والبراجم غسلها مندوب لحديث عائشة المتقدم «عشر من الفِطرة ... وغسل البراجم ... » رواه مسلم وغيره. وغسل الرَّواجب مندوب هو الآخر لما رُوي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قيل له «يا رسول الله لقد أبطأ عنك جبريل ﵇. فقال: ولِمَ لا يُبطيء عني، وأنتم حولي ولا تستنُّون ولا تُقلِّمون أظفاركم، ولا تقصُّون شواربكم، ولا تُنَقُّون رواجبكم» رواه أحمد بسند حسن. ورواه الطبراني.
ويكفي لتنظيف البراجم والرواجب تنظيف اليد، إذ ما دام المسلم يتوضأ عدة مرات في اليوم والليلة، ويغتسل الأغسال الواجبة والمسنونة، ويغسل يديه عقب الأكل، فإن غسل البراجم والرواجب يتحقق بذلك، فلا يعود في حاجة لإفرادها بالغسل.
حلقُ العانة
ويسمَّى أيضاً الاستحداد، وهو سُنَّة لحديث عائشة المتقدم «عشر من الفِطرة ... وحلق العانة ... » رواه مسلم وغيره. ولحديث أبي هريرة المتقدِّم «الفطرة خمس ... والاستحداد ... » رواه مسلم والبخاري وأحمد. ولما رُوي عن رجل من بني غِفار أن رسول الله ﷺ قال «من لم يحلق عانته ويقلِّم أظفاره ويجزَّ شاربه فليس منا» رواه أحمد بسند حسَّنه السيوطي. والرجل المبهم صحابي، وجهالة الصحابي لا تضرُّ فكلُّهم عدول.
стр. 207
وحلق العانة ونتفها وحفُّها بالنُّورة أو الزرنيخ كل ذلك جائز ما دام يحقِّق الغاية وهي إزالة الشعر وتنظيف الموضع. قيل لأحمد بن حنبل: ترى أن يأخذ الرجل سافِلتَه بالمقراض - أي بالمقصِّ - وإن لم يستقص؟ قال: أرجو أن يُجزئه إن شاء الله، قيل: يا أبا عبد الله: ما تقول في الرَّجل إذا نتف عانته؟ فقال: وهل يقوى على هذا أحد؟ وهذا صحيح، فإن نتف العانة يسبب وجعاً لا يقوى عليه عامة الناس. فالعبرة بإزالة الشعر، فما يزيل الشعر يجوز استعماله ويحقِّق المندوب. ولسنا في حاجة هنا للاستدلال بما روى ابن ماجة وغيره من أن الرسول ﷺ كان يطَّلِي بالنُّورة، فهذا الحديث ضعيف، وهو غير لازم.
الخِتان
الخِتان بكسر الخاء: مصدر ختن بمعنى قطع. والخَتْن بفتح وسكون: قطعُ بعضٍ مخصوصٍ من عضوٍ مخصوصٍ. قال الماوَرْدي: ختان الذَّكَر قطعُ الجلدة التي تغطي الحَشَفَة. وقال: ختان الأنثى قطع جلدة تكون في أعلى فرجها كالنَّواة أو كعرف الديك. ويسمى ختان الرجل والمرأة إعذاراً، وختان الأنثى خاصة خَفْضاً. والمُجْزِيء في ختان الذكر قطع جميع القُلْفة بحيث لا يبقى منها شيء وتنكشف الحَشَفَة كلها. وقد وردت في الختان الأحاديث التالية:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقَدُوم» رواه أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي. والقَدُوم: هي الأداةُ المعروفة.
٢ - رُوي عن سعيد بن جبير أنه قال «سُئل ابن عباس: مِثل مَن أنت حين قُبض النبي ﷺ ؟ قال: أنا يومئذٍ مختون، قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك» رواه البخاري.
стр. 208
٣ - عن عُثَيم بن كليب عن أبيه عن جده «أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: قد أسلمتُ، قال: ألقِ عنك شعَر الكفر، يقول: احلق، قال: وأخبرني آخر معه أن النبي ﷺ قال لآخر: ألق عنك شعر الكفر واختتن» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي.
٤ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «إذا جلس بين شُعَبها الأربع ومسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. ورواه الترمذي ولفظه «إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغُسل» وقال حديث حسن صحيح.
٥ - عن جابر ﵁ قال «عَقَّ رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين، وختنهما لسبعة أيام» رواه البيهقي.
٦ - عن أم عطية الأنصارية «أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ لا تُنْهِكي، فإنَّ ذلك أحظى للمرأة وأحبُّ إلى البعل» رواه أبو داود والبيهقي.
٧ - عن ابن عمر قال «دخل على النبي ﷺ نسوة من الأنصار فقال: يا نساء الأنصار اختضبْنَ غَمْساً واخفِضْنَ ولا تُنْهِكْن، فإنه أحظى عند أزواجكن، وإياكم وكُفرَ المُنعَمين» رواه البزَّار. قوله لا تنهكن: أي لا تبالغن في القص.
٨ - عن أبي المليح بن أُسامة عن أبيه أن النبي ﵌ قال «الختان سُنَّة للرجال مَكْرُمةٌ للنساء» رواه أحمد والبيهقي وأبو داود.
وقد افترق الأئمة والفقهاء في حكم الختان للرجال والنساء على النحو التالي: فقال الشافعي إنه واجب في حق الرجال والنساء، ورُوي عن ابن عباس التشديد في ذلك وأنَّ مَن لم يختتن لا حجَّ له ولا صلاة. وقال أبو حنيفة ومالك إنه سُنَّةٌ لهما. وقال أحمد إنه واجب على الرجال دون النساء. ورُوي عن الحسن أنه رخَّص في تركه، وقال: قد أسلم الناس الأسود والأبيض ولم يُفتَّش أحدٌ منهم ولم يختتنوا.
стр. 209
وقد احتج الأوَّلون - الشافعي ومن قال بقوله - بحديث أبي هريرة الأوَّل وبحديث عُثَيم الثالث، وبحديث أم عطية السادس على وجوب ختان الأنثى، قائلين إنه لولا أن الختان كان واجباً في حق إبراهيم الخليل لما اختتن وهو في سن الثمانين، وكون القرآن الكريم يقول ﴿أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيمَ حنيفاً﴾ فهو دليل على وجوب الاختتان. وهذه الأدلة هي أدلة الفريق الثالث نفسها في حق الرجال دون النساء باستثناء الحديث السادس.
واحتج الفريق الثاني بحديث أبي المليح الثامن، لأن الحديث عندهم وصف ختان الرجال بأنه سُنَّة، ووصف ختان النساء بأنه مَكرُمة، وهو بمعنى السُّنَّة أيضاً. وبهذا الحديث استدل الفريق الثالث على رأيهم في ختان النساء بأنه سُنَّة، وزاد الفريق الأول والفريق الثالث على ما سبق القول إن كشف العورة حرام ولا يجوز ذلك إلا لأمرٍ واجب، ولولا أن الختان واجب لما جاز ختان البالغ وكشف عورته، والحديث الثاني دليل على ختان البالغين. هذا مجمل آرائهم واستدلالاتهم.
ونحن قبل النظر في هذه النصوص من حيث الاستدلال لا بد لنا من النظر فيها من حيث صحة الإسناد وعدمها فنقول: حديث عُثيم الثالث فيه انقطاع، وعُثيم وأبوه مجهولان، قاله ابن حجر وابن القطان، فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. وحديث أم عطية اختُلِف فيه على عبد الملك بن عمير، فقيل عنه عن الضحاك، وقيل عنه عن عطية القُرَظي، وقيل غير ذلك، ثم هو معلول بمحمد بن حسَّان، قال أبو داود (ومحمد بن حسان مجهول وهذا الحديث ضعيف) فهو إذن غير صالح للاحتجاج. وحديث عبد الله بن عمر السابع أيضاً ضعيف ضعَّفه ابن حجر والبخاري، وقال الهيثمي (فيه مندل ابن علي وهو ضعيف) وحديث أبي المليح الثامن، قال البيهقي (هو ضعيف) وأعلَّه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم فلا يصلح للاحتجاج. فتبقى الأحاديث التالية: الأول والثاني والرابع والخامس.
стр. 210
أما الحديث الأول فليست فيه دلالة على وجوب الاختتان، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يفعلون الواجبات كما يفعلون المندوبات، فإن قال قائل إن اختتان إبراهيم ﵊ وهو في سن الثمانين يدلُّ على الوجوب قلنا: إن اختتانه ﵊ وهو في سن الثمانين يدل على عدم الوجوب، إذ لو كان واجباً عليه لما أخَّره إلى هذا الوقت. وثانياً إنَّ شَرْع مَن قبلنا ليس شرعاً لنا، واختتان إبراهيم لو صح فهمه على أنه واجب فإن المسلمين غير مخاطبين بالاقتداء به فيه. فإن قال قائل إن القرآن طالبنا بالاقتداء به أجبناه بأن الآية التي استشهد بها لا تدل على دعواه، لأن اتباع ملَّة إبراهيم غير اتباع شريعته فنحن مأمورون باتباع ملَّةِ إبراهيم وملَّةِ عيسى وملَّةِ موسى وملَّةِ نوح، وهي كلها ملة واحدة، ومعنى الملة أصل الدين والتوحيد، وهذا هو المقصود بالآية الكريمة ﴿إنَّ الدِّين عند الله الإسلام﴾ فالدين والملَّة والتوحيد شيء واحد عند جميع الأنبياء، ولكننا لسنا مأمورين باتِّباع شرائعهم، لأنَّ لكلِّ نبي شريعةً تغاير شريعة الآخر. فنحن المسلمين لسنا مخاطبين باتباع الشرائع سوى شريعة الإسلام. قال تعالى ﴿لكلٍّ جعلنا مِنْكُمْ شِرْعةً ومِنْهاجاً﴾ . والختان من الشريعة وليس من العقائد فلا يدخل في طلب الآية. فالآية والحديث لا يدلان على ما ذهبوا إليه، ولا يدل الحديث إلا على العلم فقط بأن سيدنا إبراهيم ﵇ قد اختتن وهو ابن ثمانين سنة دون أية إضافة أُخرى.
стр. 211
أما الحديث الرابع فهو تقريرٌ لواقعٍ موجود عند المسلمين، وهو أنهم كانوا يختتنون، وهذا أمرٌ لا نشك فيه، ولا يشك فيه أحد من المسلمين، فقول الحديث «ومسَّ الختانُ الختانَ» يدل على أن المسلمين يختتنون رجالاً ونساء، ولا يدل على وجوب ولا ندب، بل هو لا يبحث حكم هذه المسألة أصلاً. وكذلك الحديث الخامس هو من القبيل نفسه يدل على أن المسلمين يختتنون، وقد أضاف إضافة جديدة هي أن اختتان الحسن والحسين حصل في سن مبكرة هي اليوم السابع، وهو خلاف ما جاء في الحديث الثاني، وهذه واقعة عين، وواقعة العين لا عموم لها، ولا يؤخذ منها تعميمٌ للحكم على غيرها، بمعنى أن الحسن والحسين خُتنا في اليوم السابع، وهذا الفعل من الرسول ﵊ لا يفيد أمراً منه للمسلمين أن يختنوا أبناءهم وهم في سنِّ اليوم السابع.
أما ما استشهد به القائلون بوجوب الاختتان من أن كشف العورة لا يكون إلا
стр. 212
لواجب - وهم يعنون به ختان البالغين - فنجيبهم بأن ذلك غير لازم، فالشرع قد حرَّم النظر إلى بدن المرأة والكشف عنه، ومع ذلك فقد أجاز للشاب الباحث عن خطيبة له أن ينظر إلى أي عضو من أعضاء الفتاة التي يرغب في الزواج منها، بل وأن يكشف عن العضو الذي يرغب في رؤيته من بدن فتاته. فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فلْيفعل، قال: فخطبتُ جارية من بني سلمة، فكنت أختبئ لها تحت الكَرَب حتى رأيت منها بعضَ ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها» رواه أحمد وأبو داود. فهذا نصٌّ صريح في جواز نظر الخاطب إلى أي عضو من المرأة التي يرغب في خطبتها، فقول الحديث «ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها» عام لم يخصِّصه نصٌّ في هذا الباب، فله أن ينظر إلى شعرها وصدرها ورقبتها وساقها وساعدها إن كان يرغب في معرفة ذلك من زوجته المقبلة، وكل ذلك مباح رغم أن الخطبة غير واجبة، فضلاً عن خطبة فلانة بالذات، فهنا أجاز الشرع النظر إلى عورة المرأة لأمرٍ غير واجب هو الخطبة والزواج.
стр. 213
أما ما يقوله بعض الفقهاء من أن المطلوب في هذا الحديث هو النظر إلى الوجه فحسب فهو قول متهافت، وهو قولٌ يُلغي العمل بالحديث ويبطله، ويجعله من لغو القول، لأن النظر إلى الوجه جائز دونما حاجة إلى هذا النص. ثم إن راوي الحديث يقول إنه كان يختبئ للفتاة حتى رأى منها ما دعاه لنكاحها، ولا يُتصوَّر أن جابراً كان يختبيء لهذه الفتاة بين النخيل حتى يرى وجهها فحسب. ثم قد ذكر أبو جعفر قال «خطب عمر إلى علي ابنته فقال إنها صغيرة، فقيل لعمر: إنما يريد بذلك منعها، قال ـ أي أبو جعفر ـ فكلَّمه فقال عليٌّ: أَبعثُ بها إليك فإن رضيتَ فهي امرأتُك، قال فبعث بها إليه، قال: فذهب عمر فكشف عن ساقها فقالت: أَرسِل، فلولا أنك أميرُ المؤمنين لصككتُ عنقَك» رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور. وبذلك يسقط قولهم إن كشف العورة لا يكون إلا لواجب، وبسقوط هذه الشبهة تسقط جميع شُبُهاتِهم وحُججِهم في وجوب الختان، فلا يبقى إلا أن الختان من سنن الفِطرة، وأنه يُقام به لأجل النظافة والحدِّ من قوة الشهوة، وهذه طبعاً ليست واجبة.
الفصل السادس
السُّننُ المُلحقة بالفِطرة
وهذا الفصل يشمل مسألتين: الأولى أحكام الشَعَر ، الثانية الاكتحال والتَّطيُّب.
أحكامُ الشَّعَر
وفيه سبعة أبحاث:
١. إكرام الشعر .
٢. نتف الشعر الأبيض.
٣. صبغ الشعر الأبيض.
٤. وصل الشعر.
٥. نفش الشعر.
٦. فَرق الشعر.
٧- حكم الاكتحال والتطيب.
١. إكرام الشعر:
معنى إكرام الشعر: الاعتناء به من حيث نظافته وترجيله، أي تمشيطه وإصلاحه. وقد وردت في إكرامه وإصلاحه الأحاديث التالية:
عن عائشة ﵂ قالت «كان شعر رسول الله ﷺ دون الجُمَّة وفوق الوَفْرة» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. ورواه التِّرمذي وصحَّحه. والوفْرة هي الشعر المجمَّع على الرَّأس وتدلَّى على الأُذنين، فإن جاوز شحمة الأذنين فهو اللِّمَّة، فإن طال حتى بلغ المنكبين فهو الجُمَّة.
стр. 214
٢ـ عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ كان يضرب شعرُه منكبيه» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي. ولأحمد ومسلم والنَّسائي عنه أنَّه قال «كان شعر النبي ﷺ إلى أنصاف أُذنيه» وفي لفظ «لا يجاوز أُذنيه» .
٣ـ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من كان له شعر فلْيُكْرمه» رواه أبو داود بسند حسن. قاله ابن حجر.
٤ ـ عن عطاء بن يسار قال «كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل ثم رجع، فقال رسول الله ﷺ : أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟» رواه مالك.
٥ ـ عن عبد الله بن مغفَّل المزني «أن النبي ﷺ نهى عن الترجُّل إلا غِبَّا» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي. ورواه الترمذي وابن حِبَّان وصحَّحاه. قوله الترجُّل: أي تسريح الشعر وتمشيطه. وقوله الغِبُّ: أي عدم التوالي.
٦ـ عن أحد الصَّحابة ﵃ أجمعين قال «نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدُنا كلَّ يوم ... » رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي.
٧ـ عن أبي قتادة قال - كانت له جُمَّةٌ ضخمة - «فسأل النبي ﷺ ، فأمره أن يُحسن إليها وأن يترجَّل كل يوم» رواه النَّسائي ورجاله رجال الصحيح. وفي رواية لمالك «قال لرسول الله ﷺ : إن لي جُمَّة أفأُرَجِّلها؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم وأكرمها» .
стр. 215
٨ ـ عن نافع عن ابن عمر «أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن القزع، قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يُحلَقُ بعضُ رأسِ الصبي ويُترك بعضٌ» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود. ولأبي داود وأحمد والنَّسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر «أن النبي ﷺ رأى صبياً قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك وقال: احلقوه كله أو اتركوه كله» .
٩ ـ عن عبد الله بن جعفر «أن رسول الله ﷺ أمهل أل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم أو غداً، إليَّ ابنَيْ أخي، قال فجيء بنا كأنَّا أَفْرُخ، فقال: ادعُوا إليَّ الحلاق، فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي. ورجال أحمد رجال الصحيح.
مجمل القول في الشعر أنه يُسن غسله وتمشيطه وتهذيبه بين الفينة والفينة دون مبالغة، وأنه يجوز تطويله ليضرب المنكبين، ويجوز أن يصل إلى منتصف الأذنين، ويجوز أن يكون أقصر من ذلك، ويجوز حلقه بالكامل، وفي كل ذلك وردت أحاديث أشرت إليها أعلاه. فالحديثان الأول والثاني يفيدان جواز تطويله ليصل إلى الأذنين أو المنكبين، والحديث الثامن - الرواية الثانية - يفيد جواز حلقه، إلا أن الشرع نهى في الحلق عن حالة وحيدة هي حالة القزع، وهي حلق جزء من الرأس وترك جزء، وهو ما يفعله بعض البدو من حلق رأس الصبي سوى قصة أو جزء في أعلى الرأس، وما يفعله الشباب الذين يقلدون الشباب الغربيين في هذه الأيام، يدل عليه الحديث الثامن بروايتيه الاثنتين. فالرأس يجوز حلقه كله ويجوز تقصيره كله، ويجوز تطويله كله، إلا أنه لا يجوز ذلك في جزء منه فقط.
следующие страницы →