Полный текст (1 205 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أما الحديث الرابع فهو تقريرٌ لواقعٍ موجود عند المسلمين، وهو أنهم كانوا يختتنون، وهذا أمرٌ لا نشك فيه، ولا يشك فيه أحد من المسلمين، فقول الحديث «ومسَّ الختانُ الختانَ» يدل على أن المسلمين يختتنون رجالاً ونساء، ولا يدل على وجوب ولا ندب، بل هو لا يبحث حكم هذه المسألة أصلاً. وكذلك الحديث الخامس هو من القبيل نفسه يدل على أن المسلمين يختتنون، وقد أضاف إضافة جديدة هي أن اختتان الحسن والحسين حصل في سن مبكرة هي اليوم السابع، وهو خلاف ما جاء في الحديث الثاني، وهذه واقعة عين، وواقعة العين لا عموم لها، ولا يؤخذ منها تعميمٌ للحكم على غيرها، بمعنى أن الحسن والحسين خُتنا في اليوم السابع، وهذا الفعل من الرسول ﵊ لا يفيد أمراً منه للمسلمين أن يختنوا أبناءهم وهم في سنِّ اليوم السابع.
أما ما استشهد به القائلون بوجوب الاختتان من أن كشف العورة لا يكون إلا
стр. 212
لواجب - وهم يعنون به ختان البالغين - فنجيبهم بأن ذلك غير لازم، فالشرع قد حرَّم النظر إلى بدن المرأة والكشف عنه، ومع ذلك فقد أجاز للشاب الباحث عن خطيبة له أن ينظر إلى أي عضو من أعضاء الفتاة التي يرغب في الزواج منها، بل وأن يكشف عن العضو الذي يرغب في رؤيته من بدن فتاته. فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فلْيفعل، قال: فخطبتُ جارية من بني سلمة، فكنت أختبئ لها تحت الكَرَب حتى رأيت منها بعضَ ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها» رواه أحمد وأبو داود. فهذا نصٌّ صريح في جواز نظر الخاطب إلى أي عضو من المرأة التي يرغب في خطبتها، فقول الحديث «ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها» عام لم يخصِّصه نصٌّ في هذا الباب، فله أن ينظر إلى شعرها وصدرها ورقبتها وساقها وساعدها إن كان يرغب في معرفة ذلك من زوجته المقبلة، وكل ذلك مباح رغم أن الخطبة غير واجبة، فضلاً عن خطبة فلانة بالذات، فهنا أجاز الشرع النظر إلى عورة المرأة لأمرٍ غير واجب هو الخطبة والزواج.
стр. 213
أما ما يقوله بعض الفقهاء من أن المطلوب في هذا الحديث هو النظر إلى الوجه فحسب فهو قول متهافت، وهو قولٌ يُلغي العمل بالحديث ويبطله، ويجعله من لغو القول، لأن النظر إلى الوجه جائز دونما حاجة إلى هذا النص. ثم إن راوي الحديث يقول إنه كان يختبئ للفتاة حتى رأى منها ما دعاه لنكاحها، ولا يُتصوَّر أن جابراً كان يختبيء لهذه الفتاة بين النخيل حتى يرى وجهها فحسب. ثم قد ذكر أبو جعفر قال «خطب عمر إلى علي ابنته فقال إنها صغيرة، فقيل لعمر: إنما يريد بذلك منعها، قال ـ أي أبو جعفر ـ فكلَّمه فقال عليٌّ: أَبعثُ بها إليك فإن رضيتَ فهي امرأتُك، قال فبعث بها إليه، قال: فذهب عمر فكشف عن ساقها فقالت: أَرسِل، فلولا أنك أميرُ المؤمنين لصككتُ عنقَك» رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور. وبذلك يسقط قولهم إن كشف العورة لا يكون إلا لواجب، وبسقوط هذه الشبهة تسقط جميع شُبُهاتِهم وحُججِهم في وجوب الختان، فلا يبقى إلا أن الختان من سنن الفِطرة، وأنه يُقام به لأجل النظافة والحدِّ من قوة الشهوة، وهذه طبعاً ليست واجبة.
الفصل السادس
السُّننُ المُلحقة بالفِطرة
وهذا الفصل يشمل مسألتين: الأولى أحكام الشَعَر ، الثانية الاكتحال والتَّطيُّب.
أحكامُ الشَّعَر
وفيه سبعة أبحاث:
١. إكرام الشعر .
٢. نتف الشعر الأبيض.
٣. صبغ الشعر الأبيض.
٤. وصل الشعر.
٥. نفش الشعر.
٦. فَرق الشعر.
٧- حكم الاكتحال والتطيب.
١. إكرام الشعر:
معنى إكرام الشعر: الاعتناء به من حيث نظافته وترجيله، أي تمشيطه وإصلاحه. وقد وردت في إكرامه وإصلاحه الأحاديث التالية:
عن عائشة ﵂ قالت «كان شعر رسول الله ﷺ دون الجُمَّة وفوق الوَفْرة» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. ورواه التِّرمذي وصحَّحه. والوفْرة هي الشعر المجمَّع على الرَّأس وتدلَّى على الأُذنين، فإن جاوز شحمة الأذنين فهو اللِّمَّة، فإن طال حتى بلغ المنكبين فهو الجُمَّة.
стр. 214
٢ـ عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ كان يضرب شعرُه منكبيه» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي. ولأحمد ومسلم والنَّسائي عنه أنَّه قال «كان شعر النبي ﷺ إلى أنصاف أُذنيه» وفي لفظ «لا يجاوز أُذنيه» .
٣ـ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من كان له شعر فلْيُكْرمه» رواه أبو داود بسند حسن. قاله ابن حجر.
٤ ـ عن عطاء بن يسار قال «كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل ثم رجع، فقال رسول الله ﷺ : أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟» رواه مالك.
٥ ـ عن عبد الله بن مغفَّل المزني «أن النبي ﷺ نهى عن الترجُّل إلا غِبَّا» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي. ورواه الترمذي وابن حِبَّان وصحَّحاه. قوله الترجُّل: أي تسريح الشعر وتمشيطه. وقوله الغِبُّ: أي عدم التوالي.
٦ـ عن أحد الصَّحابة ﵃ أجمعين قال «نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدُنا كلَّ يوم ... » رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي.
٧ـ عن أبي قتادة قال - كانت له جُمَّةٌ ضخمة - «فسأل النبي ﷺ ، فأمره أن يُحسن إليها وأن يترجَّل كل يوم» رواه النَّسائي ورجاله رجال الصحيح. وفي رواية لمالك «قال لرسول الله ﷺ : إن لي جُمَّة أفأُرَجِّلها؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم وأكرمها» .
стр. 215
٨ ـ عن نافع عن ابن عمر «أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن القزع، قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يُحلَقُ بعضُ رأسِ الصبي ويُترك بعضٌ» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود. ولأبي داود وأحمد والنَّسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر «أن النبي ﷺ رأى صبياً قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك وقال: احلقوه كله أو اتركوه كله» .
٩ ـ عن عبد الله بن جعفر «أن رسول الله ﷺ أمهل أل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم أو غداً، إليَّ ابنَيْ أخي، قال فجيء بنا كأنَّا أَفْرُخ، فقال: ادعُوا إليَّ الحلاق، فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي. ورجال أحمد رجال الصحيح.
مجمل القول في الشعر أنه يُسن غسله وتمشيطه وتهذيبه بين الفينة والفينة دون مبالغة، وأنه يجوز تطويله ليضرب المنكبين، ويجوز أن يصل إلى منتصف الأذنين، ويجوز أن يكون أقصر من ذلك، ويجوز حلقه بالكامل، وفي كل ذلك وردت أحاديث أشرت إليها أعلاه. فالحديثان الأول والثاني يفيدان جواز تطويله ليصل إلى الأذنين أو المنكبين، والحديث الثامن - الرواية الثانية - يفيد جواز حلقه، إلا أن الشرع نهى في الحلق عن حالة وحيدة هي حالة القزع، وهي حلق جزء من الرأس وترك جزء، وهو ما يفعله بعض البدو من حلق رأس الصبي سوى قصة أو جزء في أعلى الرأس، وما يفعله الشباب الذين يقلدون الشباب الغربيين في هذه الأيام، يدل عليه الحديث الثامن بروايتيه الاثنتين. فالرأس يجوز حلقه كله ويجوز تقصيره كله، ويجوز تطويله كله، إلا أنه لا يجوز ذلك في جزء منه فقط.
стр. 216
أما ما رُوي عن أبي موسى «أنه أُغمي عليه فبكت أم ولد له، فلما أفاق قال لها: أمَا بلغك ما قال رسول الله ﷺ ؟ فسألناها فقالت، قال: ليس منا من سلق وحلق وخرق» رواه النَّسائي وأحمد ومسلم وأبو داود. فهذا ليس نهياً عن مطلق الحلق بل هو مقيَّد بحالة مصيبة الموت، أي يحرم الحلق حداداً في حالة مصيبة الموت، كما يحرم الصراخ وتمزيق الثياب حداداً وحزناً، ولا يفيد الحديث مطلق النهي عن الحلق. ففي الحديث التاسع أن الرسول ﵊ أخَّر حلق رؤوس أبناء جعفر إلى ما بعد ثلاثة أيام من الوفاة، أي هو انتظر حتى انصرمت مدة الحداد. قال ابن عبد البر: قد أجمع العلماء على إباحة الحلق. والحديثان الثالث والرابع يفيدان استحباب غسل الشعر وتنظيفه وترجيله وعدم تركه وسخاً مهملاً. ويفيد الحديثان الخامس والسادس أن يكون الترجيل والتنظيف دون مبالغة ودون اهتمام زائد، والاكتفاء بالاعتدال، وهذا لا يتنافى مع طلب ترجيل الشعر يومياً إن كانت الحاجة تدعو لذلك كحال من له جُمَّة ضخمة كما جاء في الحديث السابع.
فالغاية من ذلك طلب الاهتمام بالشعر والعناية به حيناً بعد حين دون مبالغة كما يفعله الشبان في هذه الأيام من حمل الأمشاط في جيوبهم لتسريح شعورهم كل ساعة وكلما هبَّت نسمةُ هواء، أو عقب كل حركة تُخلُّ بترتيب شعورهم المصفوفة بعناية، فإن هذا وأمثاله يدخل تحت النهي.
стр. 217
أما ما يفعله الرجال في أيامنا هذه من قص شعورهم وتقصيرها، وحلق أسفل شعر القفا فجائز ولا إثم فيه ولا يدخل تحت النهي، وكذلك لا يدخل تحت النهي ما يفعله الشبان أحياناً من إطالة السالفين، فهذا أيضاً جائز، ولا يدخلان تحت القزع المنهي عنه. فقد روى البخاري عن عبيد الله بن حفص أن عمر بن نافع أخبره عن نافع مولى عبد الله أنه سمع ابن عمر ﵄ يقول «سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن القَزَع، قال عبيد الله قلت: وما القَزَع؟ فأشار لنا عبيد الله قال: إذا حلق الصبي وترك ها هنا شعرة وها هنا وها هنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته وجانبي رأسه، قيل لعبيد الله: فالجارية والغلام؟ قال: لا أدري هكذا قال - الصبي - قال عبيد الله وعاودته فقال: أما القَصَّة والقفا للغلام فلا بأس بهما، ولكن القَزَع أن يُترك بناصيته شعر وليس في رأسه غيره، وكذلك شق رأسه هذا وهذا» فالقَزَع هو أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه الآخر، لا أن يقص شعر رأسه ويقصره ويبقى شعر ناصيته أكثر طولاً، أو شعر عارضيه أكثر طولاً. فالذؤابة جائزة ما دام شعر الرأس لم يُحلق حلقاً، أما إن حُلِق الشعر تماماً فلا يصح أن تبقى الذؤابة على حالها من الطول. أما ما رواه الطبراني عن عمر ابن الخطاب ﵁ أنه قال «نهى رسول الله ﷺ عن حلق القفا إلا للحِجامة» فهو حديث ضعيف لا يصلح للاستدلال.
٢. نتف الشعر الأبيض:
ورد فيه ما يلي:
١ ـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كُتب له بها حسنة، ورُفع بها درجة أو حُط عنه بها خطيئة» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. ورواه الترمذي وحسَّنه.
стр. 218
٢ ـ عن كعب بن مرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة» رواه الترمذي وحسَّنه.
٣ ـ عن فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ قال «من شاب شيبة في سبيل الله كانت نوراً له يوم القيامة، فقال رجل عند ذلك: فإن رجالاً ينتفون الشيب، فقال رسول الله ﷺ : مَن شاء فلْينتف نوره» رواه أحمد والبزَّار والترمذي والنَّسائي.
هذه الأحاديث تدلُّ على كراهة نتف الشيب، وبها قال المالكيون والشافعيون والحنابلة، لا فرق في النتف بين نتف الشارب واللحية والحاجبين والرأس، لأن الأحاديث حثت على عدم النتف، ووصفت الشيب بأنه نور، وبأن كل شيبة يُكتب لصاحبها حسنة أو يُحط عنه بها خطيئة إلى آخر ما جاء، فهذا الحث والترغيب قرينة على أن ترك الشيب فيه ثواب، وعلى كراهة النتف.
٣. صبغ الشعر الأبيض:
وردت فيه أحاديث عديدة نذكر منها ما يلي:
١ ـ عن جابر بن عبد الله قال «جِيءَ بأبي قُحافة يوم الفتح إلى النبي ﷺ وكأنَّ رأسَه ثَغامة، فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به إلى بعض نسائه فلْتغيِّره بشيء، وجنِّبوه السواد» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. والثَّغامة: هي شجرة بيضاء الزهر والثمر تنبت في أعالي الجبال.
٢ ـ عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهب قال «دخلت على أم سلمة، زوج النبي ﷺ ورضي عنها، فأخرجت إلينا شعراً من شعر رسول الله ﷺ مخضوباً بالحِنَّاء والكَتَم» رواه أحمد وابن ماجة. ورواه البخاري دون أن يذكر الحناء والكَتَم. قوله الكتم - بالتحريك: نباتٌ صبغُهُ أسودُ يميل إلى الحمرة يُدق ويُخضب به. والحناء: معروف ولونه أحمر.
стр. 219
٣ ـ عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن أحسن ما غُيِّر به هذا الشيب الحنَّاء والكَتَم» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
٤ ـ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود. وقد مرَّ.
وقد اختلف العلماء من السلف والخلف في حكم الخضاب، أي صبغ الشيب، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، رُوي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وآخرين. وقال آخرون: الخضاب أفضل، رُوي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة، وعليٍّ في رواية عنه، وعثمان وسعد والحسن والحسين وعقبة بن عامر وابن سيرين. وقد علَّل الطبري هذا الخلاف بقوله (الصواب أن الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض، بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة، والنهي لمن له شمطٌ فقط) . والشَّمط هو القليل من الشعر الأبيض. وأضاف الطبري (واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض) وقال أحمد - وقد رأى رجلاً قد خضب لحيته -: إني لأرى رجلاً يُحيي ميْتاً من السُّنَّة. وفرح به، وهذا يدل على أنه يرى الخضاب سُنَّة، أي مندوباً. وقال النووي وهو من الشافعية (مذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصُفْرة أو حُمْرة، ويحرم خِضابه بالسواد على الأصح) .
стр. 220
والذي أذهب إليه هو أن الخِضاب سُنة، وأنه أفضل من تركه، وهذا هو ما تدل عليه الأحاديث، فطلب الرسول ﷺ أن نخالف بالصبغ اليهود والنصارى يكفي قرينة على الندب، وهذا الطلب عام يشمل شعر الرأس وشعر اللحية، ويشمل الشيب الكثير والشيب القليل، وتتحقق السُّنة باستعمال أية مادة صالحة للصّباغ، أمّا ما ذُكر في الأحاديث من أن الصباغ بالحناء والكَتْم حسن، فإنه لا يدل على أن الصباغ بغيرهما غير حسن، فقد ورد في َآثار الصحابة أنهم كانوا يصبغون بالورس، ويصبغون بالزعفران، وما ذكر في الأحاديث من مواد صابغة إنما خرج على الأعم الأغلب لا غير.
стр. 221
أما ما أشار إليه النووي بقوله (ويحرم خضابه بالسواد على الأصح) فقد استنبطه من حديث أبي قُحافة « ... وجنِّبوه السواد» كما استدل عليه هو ومن قال بقوله بما رُوي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسَّواد كحواصل الحمام لا يَريحون رائحة الجنة» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي. فالجواب عليه هو أن حديث أبي قُحافة لا يدل على التحريم، وإنما هو بيان بأن أبا قُحافة - وهو شيخ كبير- لا يناسب شعرَه السوادُ، فطلب أن يُصبغ بغير السواد، أما الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عباس فإنه لا يدل على كراهة الخضاب بالسواد، بل هو إخبارٌ عن قومٍ هذه صفتهم، وذلك لسببين: أحدهما، أنه يشبه الحديث الذي قيل في الخوارج «سيماهم التحليق» فجعله علامة لهم فحسب دون أن يكون التحليق هو سبب الذم. والثاني، أن عدداً كبيراً من الصحابة والتابعين قد صبغوا بالسواد وقد ذكرهم الطبري، وهم: الحسن والحسين وعثمان وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن جعفر وعقبة بن عامر والمغيرة بن شعبة وجرير بن عبد الله وعمرو بن العاص من الصحابة، وعمرو بن عثمان وعلي بن عبد الله بن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن الأسود وموسى بن طلحة والزُّهري وأيوب وإسماعيل بن معد يكرب من التابعين، ولو كان حراماً لما صبغ كل هؤلاء. ثم إنَّا وجدنا حديثاً مروياً عن صهيب الخير قال: قال رسول الله ﷺ «إنَّ أحسن ما اختضبتم به لَهَذا السواد، أرغَبُ لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوِّكم» رواه ابن ماجة. قال الهيثمي (إسناده حسن) فهو الفيصل في محل النزاع.
٤. وصل الشعر:
стр. 222
ذهب الجمهور إلى أنه يحرم على النساء أن يَصِلْن شعورهن بأي شيء، سواء كان شعراً أو صوفاً أو حريراً أو أي شيء آخر، واستدلوا على هذا التحريم بما روى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول «زجر النبي ﷺ أن تصل المرأة برأسها شيئاً» رواه مسلم وأحمد. وبما رُوي أن معاوية قال ذات يوم «إنكم قد أحدثتم زي سَوْءٍ، وإن نبي الله ﷺ نهى عن الزُّور، قال: وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة، قال معاوية: ألا وهذا الزُّور، قال قتادة: يعني ما يُكثِّر به النساء أشعارَهن من الخِرَق» رواه مسلم وأحمد. قال ابن حجر (هذا الحديث حُجة للجمهور في منع وصل الشَّعر بشيء آخر سواء كان شَعراً أم لا) وذهب أحمد بن حنبل والليث وكثير من الفقهاء إلى أن النهي هو فقط عن وصل الشعر بالشعر دون غيره من الأشياء، واستدلوا على هذا الحكم بعموم الأحاديث التي نهت عن الوصل بالشعر، مثل ما رُوي عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حجٍّ وهو على المنبر وهو يقول «- وتناول قُصَّةً من شَعر كانت بيد حَرَسيٍّ - أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤُهم» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي والترمذي. قوله القُصَّة: أي الخصلة. والحَرَسي هو المنسوب إلى الحرس. ووقع في رواية من طريق سعيد بن المسيِّب قال «قدم معاوية المدينة آخر قَدْمة قدمها فخطبنا، فأخرج كُبَّة من شعر قال: ما كنت أرى أحداً يفعل هذا غير اليهود، إن النبي ﷺ سماه الزُّور، يعني الوصلة في الشعر» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي. قوله الكُبَّة: أي الشعر المكفوف بعضُه فوق بعض.
стр. 223
وأصرح من هاتين الروايتين ما رواها النَّسائي عن معاوية بلفظ « ... إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيما امرأةٍ زادت في رأسها شعراً ليس منه فإنه زور تزيد فيه» فهذه الأحاديث تنهى عن وصل الشعر بالشعر وتسمِّيه الزُّور. واستأنسوا بما رُوي عن سعيد بن جبير قوله (لا بأس بالقرامل) ذكره أبو داود. والقرامل: خيوط من حرير أو صوف أو كتان يعمل ضفائر تصل به المرأة شعرها. وقال آخرون: إن الحرام هو وصل الشعر بشعر الآدمي دون غيره من شعور الحيوانات الطاهرة، وذلك أن أجزاء الآدمي حقُّها الإكرام وعدم الامتهان بالاستعمال. وقال غيرهم: إن الوصل جائز إن كان لضرورة أو كان بإذنٍ وموافقةٍ من الزوج.
والمدقق في هذه النصوص وهذه الأقوال يخرج بالرأي القائل بتحريم وصل الشعر بالشعر فحسب دون غيره من الأشياء، بمعنى أن الوصل بالشعر هو فقط المُحرَّم وأمَّا الوصل بالخِرَق والقرامل وما إلى ذلك فإن حكمه الإباحة. ذلك أن النصوص قد بيَّنت العلة من النهي، والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإذا وجدت العلة وجد الحكم وإذا عدمت عدم الحكم، وهذه العلة هي منع التزوير، أي التدليس والكذب، وهذه العلة لا توجد إلا في وصل الشعر بالشعر الذي يماثله، أو بأية مادة صناعية تشبه الشعر كما هو حاصل هذه الأيام، فإذا وصلت المرأة شعرها بشعر آدمي، أو وصلته بشعر صناعي مشابه للشعر الآدمي، أو بشعر حيواني مشابه للشعر الآدمي فإن ذلك حرام، وهو تزوير وتدليس يدخل تحت النهي والتحريم. أما إن كان الموصول به مادة غير ذلك بحيث لا تخفى على الناظر أنها ليست شعراً للمرأة الواصلة، فلا يعدو كونه مجرد زينة مباحة لا نصَّ يُحرِّمها.
стр. 224
ويدخل تحت النهي أن تضع المرأة فرواً أو خِرقة أو أي شيء تخفيه تحت شعرها بحيث يظهر شعرها وقد تنامى وبدا كثيفاً، لأنه أيضاً تزوير وتدليس، كما يدخل تحت النهي أن تضع المرأة فوق شعرها غطاء مصنوعاً من شعر الآدمي أو من شعر مشابه لشعر الآدمي وهو المسمى بالباروكة، بحيث يظن الناظر أن شعر الباروكة هو شعر المرأة، لأنه هو الآخر تزوير وتدليس، أما إن كانت الباروكة مصنوعة من فروٍ أو وَبَرٍ أو خيوط من صوف بحيث لا تخفى على الناظر أنها ليست شعر المرأة فلا شيء فيها، وهي لا تخرج عن كونها مجرد غطاء للرأس كالعمامة والطاقية وشبههما. فالعبرة بتحقق العلة من النهي، فما كان تدليساً وتزويراً فهو حرام، وما لم يكن كذلك فهو زينة مباحة لا إثم فيها.
أما حديث جابر «زجر النبي ﷺ أن تصل المرأة برأسها شيئاً» فإن اللفظ لجابر فلا نلتزم بحرفيته، وهذا الحديث يقابله حديث معاوية عند النَّسائي «أيما امرأةٍ زادت في رأسها شعراً ليس منه فإنه زور تزيد فيه» وهو لفظ للرسول ﷺ ، فيصبح عندنا لفظان يبدو بينهما تعارض أو اختلاف، لفظٌ لجابر ولفظٌ للرسول ﵊، فإن قلنا بوجود اختلاف أو تعارض وجب طرح حديث جابر والعمل بحديث معاوية، وإن قلنا بإمكان التوفيق بينهما عملنا بالإثنين.
стр. 225
وبالنظر في الحديثين نجد أنه يمكننا أن نجمع بينهما ونعمل بالإثنين معاً فنفسر لفظ جابر بأنه يعني شيئاً من الشعر وليس شيئاً من الأشياء، أي شيئاً من الشعر قليلاً كان أو كثيراً، فيستقيم الحال، إذ لو أننا فسرنا اللفظ بأنه يعني شيئاً من الأشياء لوُجد اختلاف بينه وبين حديث معاوية الذي هو لفظ للرسول ﵊، فنُضطر للعمل بلفظ الرسول ﵊ وطرح لفظ جابر، إضافة إلى أن هذا التفسير يتعارض مع العلة من النهي الواردة في حديث معاوية وهي التزوير، إذ أن التزوير منتفٍ بوصل الشعر بالخرق وأشباهها، فلا يكون مندوحة عن التفسير الأول أو طرح الحديث برُمَّته، وتفسيره الأول أولى من طرحه بلا شك، فالقائلون بتحريم الوصل بالخرق لا يستطيعون قبول حديث معاوية المعلَّل إلا بتكلُّف شديد، لأنهم لا يستطيعون التوفيق بين تحريم الوصل بالخرق وتحريم الوصل الموصوف بالتزوير، وهذا ظاهر تماماً. أما استشهادهم بحديث معاوية عند مسلم وأحمد «وجاء رجل بعصا على رأسها خِرقة، قال معاوية: ألا وهذا الزُّور» فمردود من وجهين: أحدهما أنه فهمٌ لمعاوية، وفهم معاوية ليس دليلاً شرعياً، وثانيهما أن هذه الرواية تقابلها رواية أخرى تقول إن الذي استشهد به معاوية هو قُصَّة من شعر، ورواية ثالثة تقول إن معاوية قد استشهد بكُبَّة من شعر، فكيف نأخذ بالرواية المنفردة وندع الروايتين المتعاضدتين؟.
стр. 226
أما قول بعض الفقهاء إن الوصل إذا كان لضرورة كمرضٍ مثلاً فلا بأس به، فهو مردود بحديث أسماء قالت «سألت امرأةٌ النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن ابنتي أصابتها الحصبة فامَّرَقَ شعرُها وإني زوَّجتها أَفأَصِلُ فيه؟ فقال: لعن الله الواصلة والموصولة» رواه البخاري. ورواه بلفظ ثان « ... أفأصل رأسها؟ فسبَّ رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة» فهنا روايتان إحداهما تضمنت اللعن، والأخرى تضمنت السَّبَّ، وهما أبلغ ما يكون في النهي. ثم إن الضرورة هي أن يكون الوصل يعالج مرضاً لا أن يعالج حالة نتجت عن مرض، والفرق بينهما واسع. ثم من أين جاءت إباحة هذا الحرام لضرورة هنا؟. إن هذا القول لا شك يتصادم مع الحديث الشريف ويبطله، وهو قول لا يحل لأحد أن يقوله.
بقي قول من قال إن وصل الشعر جائز إن كان بعلم الزوج وبإذنه، فهذا القول مردود بعموم الأحاديث التي تنهى عن الوصل دون تخصيص أو تقييد برضا الزوج وبعلمه، ومردود بما وقع في رواية عند مسلم « ... إني زوجت ابنتي، فتمرَّق شعر رأسها وزوجُها يستحسنها، أفأصل يا رسول الله؟ فنهاها» قال ابن حجر في فتح الباري (وذهب الليث ونقله أبو عبيدة عن كثير من الفقهاء أن الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر، وأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة وغيرها فلا يدخل في النهي) وأضاف (وفصل بعضهم بين ما إذا كان ما وصل به الشعر من غير الشَّعر مستوراً بعد عقده مع الشَّعر بحيث يظن أنه من الشَّعر، وبين ما إذا كان ظاهراً فمنع الأولَ قومٌ فقط لما فيه من التدليس وهو قوي، ومنهم من أجاز الوصل مطلقاً سواء كان بشَعر أو بغير شَعر إذا كان بعلم الزوج وبإذنه، وأحاديث الباب حُجة عليه) .
стр. 227
والخلاصة هي أن وصل الشعر بما يماثله من شعر الآدمي، أو يشابهه من شعر الحيوان أو الخيوط الصناعية حرام كله، وما سوى ذلك مما لا يخفى ويبدو متمايزاً مغايراً للشعر فجائز لا إثم فيه، وهو من الزينة التي أباحها الله سبحانه للنساء كالقرامل، وغرز الأزهار الصناعية والطبيعية، ولبس الأطواق وتوشيته بأصناف الزخارف التي تبدو أنها ليست شعراً، فكل ذلك جائز.
٥. نفش الشعر:
إن ما تفعله النساء في هذه الأيام من رش شعورهن بمواد تُصلِّب الشعر فيبدو كثيفاً منتصباً، أو تسليطِ هواء ساخن يخرج من أداة كهربية يسمينها السِّشْوار يؤدي إلى نفش الشعر وجعله يبدو أكبر من حجمه، هو جائز ولا يدخل تحت النهي عن الوصل، ولا يقال إنه تغيير في شكل الشعر وحجمه وإنه بالتالي تزوير وتدليس، لا يقال ذلك وإلا لكان دهن الشعر وتلبيده وتضفيره حراماً، لأنه يغير من شكله وحجمه، والتلبيد جائز لما روى البخاري «كان ابن عمر يقول: لقد رأيت رسول الله ﷺ مُلبِّداً» وضغط الشعر لتسكين ثائِرِه جائز لحديث عطاء بن يسار المارِّ في بحث [إكرام الشعر] .
٦. فرق الشَّعَر:
يجوز فرق الشعر لما رُوي أنَّ ابن عباس ﵁ قال «كان النبي ﷺ يحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤْمر فيه، وكان أهل الكتاب يَسْدِلون أشعارهم، وكان المشركون يفرُقون رؤوسهم، فسدل النبي ﷺ ناصيته ثم فرق بعد» رواه البخاري ومسلم والنَّسائي.
حكمُ الاكتحال والتَّطيُّب
وردت في الاكتحال والتًّطيُّب أحاديث كثيرة نذكر منها ما يلي:
١- عن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة، ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه» رواه الترمذي وحسَّنه. ورواه ابن حِبَّان.
стр. 228
٢- عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «خير أكحالكم الإِثْمِد، يجلو البصر ويُنبت الشَّعر» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والدارمي وابن ماجة. والإِثمِد هو حجر الكحل المعروف لونه أسود يضرب إلى الحمرة.
٣- عن أنس أن النبي ﷺ قال «حُبِّبَ إليَّ من الدنيا النساءُ والطِّيبُ، وجُعِل قُرَّةُ عيني في الصلاة» رواه أحمد والنَّسائي والبيهقي. ورواه الحاكم وصحَّحه، وحسنه ابن حجر والسيوطي، وجوَّد العراقي إسناده.
٤- عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال «من عُرض عليه طيبٌ فلا يردَّه، فإنه خفيف المحمل طيِّب الرائحة» رواه النَّسائي وأبو داود. ورواه مسلم بلفظ «من عُرض عليه ريحان فلا يردَّه ... » ورواه الترمذي عن النهدي بلفظ «إذا أُعطي أحدكم الرَّيْحان فلا يردَّه ... » .
٥- عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال «ذُكر المِسك عند رسول الله ﷺ فقال: هو أطيب الطِّيب» رواه أحمد ومسلم والحاكم ومالك والنَّسائي.
٦- عن محمد بن علي قال «سألتُ عائشة: أكان رسول الله ﷺ يتطيَّب؟ قالت: نعم بذِكارة الطِّيب: المسكِ والعنبر» رواه النَّسائي. والذِّكارة: ما يصلُح للذكور.
٧- عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «طِيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه» رواه النَّسائي والبيهقي وأبو داود. ورواه الترمذي وحسنه.
٨- عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال «غُسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطّيب ما قدر عليه ... ولو من طِيب المرأة» رواه مسلم وأحمد. وروى البخاري من طريق سلمان بلفظ «ويدَّهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج» .
٩- عن أنس بن مالك ﵁ قال «نهى رسول الله ﷺ عن التَّزعفر للرجال» رواه الترمذي وأبو داود والبخاري ومسلم.
стр. 229
١٠- عن يعلى بن مرة «أن النبي ﷺ أبصر رجلاً مُتخلِّقاً قال: اذهب فاغسله، ثم اغسله، ثم لا تَعُد» رواه التِّرمذي والنَّسائي وأحمد. قال التِّرمذي: هذا حديث حسن. قوله متخلِّقاً: أي مطليَّاً بالخَلوق، وهو طيب تغلب عليه الحُمرة والصُّفرة.
١١- عن أبي موسى عن النبي ﷺ «كل عينٍ زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرَّت بالمجلس فهي كذا وكذا، يعني زانية» رواه الترمذي والنَّسائي وأحمد والدَّارمي. قال التِّرمذي: حديث حسن صحيح.
والاكتحال هو وضع الكُحل في الجفون لتقويتها وتجميلها، وهو يتحقق باستعمال أية مادة صالحة وليس الإِثْمِد فحسب، فكل مادة سوداء ناعمة تثبت في الأجفان يجوز الاكتحال بها، فيجوز الاكتحال بالكحل السائل الذي يوضع بالفرشاة، ويجوز الاكتحال بالكحل الصلب المصنوع على هيئة الأقلام، كما يجوز الاكتحال بالكحل المسحوق باليد أو بالمِيل. والكحل زينة مشتركة للرجال والنساء فلا يكون أحدهما مُتَشَبِّهاً بالآخر إن هو اكتحل. ويُندب للرجل وللمرأة إن هما اكتحلا أن يُوتِرا، بأن يكتحلا في كل عين ثلاثاً أو خمساً أو أقل أو أكثر، وذلك للحديث الأول، ولأن الرسول ﵊ يحثّ على الوتر « ... إن الله وتر يحب الوتر» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأصحاب السُّنن. وهذا الفعل من قبل الرجال قد أوشك على الانقراض. والاكتحال يجوز للنساء الظهور به على أن لا يكون صارخاً يُلفت نظر الرِّجال، فيكون من التبرُّج المُحرَّم. أما التَّطيُّب فهو أيضاً مشترك بين الرجال والنساء، وحكمه الندب، فالحديث الرابع يقول «مَن عُرض عليه طيبٌ فلا يردَّه» وهو عام يشمل الرجال والنساء، وكذلك الحديث الخامس.
стр. 230
إلا أن هناك فارقاً بين طيب الرجال وطيب النساء ذكره الرسول ﷺ في الحديث السابع، وهو أن طيب الرِّجال له رائحة وليس له لون، كالمسك والعنبر والعود والعطور والبخُّور التي لا لون لها، وأن طيب النساء ما له لون وليست له رائحة، كالزَّعفران والخَلوق وأشباههما، يدل على هذا الحديثان التاسع والعاشر، اللهم إلا أن تستعمل النساء ما له رائحة في بيوتهن وأمام محارمهن والنساء فحسب فإن ذلك جائز، لأن هؤلاء يحل لهم الاطِّلاع على زينة المرأة، فإن فعلت فلا يحل لها الظهور به أمام الرجال الأجانب ولا الخروج به، وإلا وقعت تحت تحذير الحديث الحادي عشر الذي يفيد التَّشديد في التَّحريم، والحديث الذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «أيُّما امرأةٍ أصابت بخُّوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
وفي المقابل فإنه يجوز للرجال التَّطيُّب بما له لون إن عدم ما له رائحة دون لون، ودليل ذلك الحديث الثامن. ولكن ينبغي أن يكون ذلك في أضيق الحدود، كما لو استعمله في أيام عرسه، بدليل ما رُوي عن أنس «أن رسول الله ﷺ رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه رَدْعُ زعفران، فقال النبي ﷺ : مَهْيَم؟ فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، قال: ما أصدقتَها؟ قال: وزن نواةٍ من ذهب، قال: أولِم ولو بشاة» رواه أبوداود. ورواه أحمد ولفظه «لقي عبد الرحمن بن عوف وبه وَضَرٌ من خَلوق ... » والرَّدع هو أثر الطيب. وكلمة مهيم كلمة استفهام معناها ما شأنك؟ والوضَر هوالأثر. فهذا الحديث يذكر مرة الزعفران، وهو نبات يُصبغ به فيعطي صفرة، ومرة الخَلوق، وهو يعطي حمرة وصفرة. والزعفران والخَلوق من طيب النساء إلا أن عبد الرحمن قد استعملهما في أيام عرسه، فلم ينكر عليه الرسول ﷺ .
стр. 231
والاكتحال والتعطر مندوبان للرجال والنساء إلا في حالة الحداد فيَحْرُمان، فلا يصح للمعتدَّة المتوفَّى عنها زوجها أن تكتحل وتتطيب طيلة فترة العدة وهي أربعة أشهر وعشرة
أيام وسائر النساء ثلاثة أيام فحسب، وقد وردت عدة أحاديث تبين هذا الحكم أذكر منها:
١ - عن أم سلمة ﵂ «أن امرأة توفِّي زوجها فخشوا على عينيها، فأتَوْا رسول الله ﷺ فاستأذنوه في الكُحل، فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها
- أو شرِّ بيتها - فإذا كان حولٌ فمرَّ كلبٌ رمت ببعرة، فلا حتى تَمضي أربعةُ أشهر وعشرٌ» رواه البخاري ومسلم وأحمد. والأحلاس: هي الثياب.
٢ - عن زينب بنت أبي سلمة قالت «دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت أم حبيبة بطيبٍ فيه صُفرة خَلوق أو غيره، فدهنت منه جارية ثم مست بعارضَيْها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدُّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ... » رواه مسلم والبخاري وأحمد.
ولكن رُخِّص للمعتدَّة إذا طهرت من الحيض وأرادت الاغتسال أن تمس شيئاً من المواد المُزيلة للروائح لإزالة رائحة دم الحيض، لما روت أم عطية أن رسول الله ﷺ قال « ... ولا تكتحل ولا تمس طيباً إلا إذا طهُرت نُبْذة من قُسْطٍ أو أَظفار» رواه مسلم. والقُسط والأظفار: هما نوعان من البخور.
أما المطلَّقة فإنه لم يرد فيها أي نصٌّ يفيد وجوب امتناعها عن التزيُّن ومنها الاكتحال والتطيُّب، فلا يحرم عليها ذلك، لا فرق بين المدخول بها وغيرها، ولا بين الرجعية والبائنة خلافاً لعدد من الفقهاء الذين يُلحقونها بالمعتدَّة في وجوب الامتناع عن التَّزين. ونحن هنا لسنا بصدد بحث هذه المسألة تفصيلاً، وحسبنا هذه الإشارة فحسب.
стр. 232
بقيت نقطة هي ما عمَّ هذه الأيام وشاع من استعمال العطور التي تدخل الكحولُ المسكرة في صناعتها، فهذه العطور يحرم استعمالها، وقد تقدم بيان ذلك في مسألة الاستحالة، فليحذر المسلمون من استعمالها لأنها نجسة ومحرَّمة، ويمكنهم التَّحرِّي عنها بسؤال الصيدلي الخبير الموثوق عند شرائها، فما دخلت الكحول المسكرة في تركيبها تركوها وما سواها فجائز.
الفصل السابع
الأغسالُ المستحبَّة بالنصوص
وإنما قلنا (بالنصوص) لأجل التفريق بين الأغسال التي وردت نصوص خاصة بها تحث عليها، وبين الأغسال المستحبة التي لم ترد فيها نصوص خاصة بها.
لقد حث الشرع على النظافة، فدخلت عموم الأغسال تحت هذا الحث، فكانت مندوبة لأجل هذا، إلا أن الشرع قد خصَّ مناسباتٍ معينةً بنصوص خاصة، ولم ينصَّ على ما عداها لتبقى داخلة فقط تحت عموم النصوص الحاثة على النظافة. ونحن هنا في هذا الفصل نتناول فقط المناسبات المخصوصة بالنصوص. وهذا الفصل وهذا القول يتناولان المستحبَّ المندوب من الأغسال، دون الواجب منها كغسل الجنابة وغسل الحيض مثلاً، لأن لهذه موضعاً آخر غير هذا الموضع.
باستعراض الأدلة الصالحة نجد أن الشرع قد حدد أربع مناسبات فقط يُغتسل فيها هي:
أ- يوم الجمعة.
ب- عند الإحرام ودخول مكة.
ج- عقب الإفاقة من الإغماء.
د- عقب تغسيل الميت.
стр. 233
هذه هي المناسبات الأربع فحسب التي خصَّها الشرع بنصوص تحث على الاغتسال فيها، أما ما سواها من المناسبات كالعيدين ويوم عرفة والاعتكاف وحلق العانة والحجامة وغيرها فلم ترد فيها نصوص صالحة للاستدلال تحثُّ على الاغتسال فيها. فمثلاً روى أحمد وابن ماجة عن الفاكِهِ بن سعد «أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم الفطر ويوم النحر، قال: وكان الفاكِهُ بن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام» فهذا الحديث في إسناده يوسف بن خالد متَّهم بالكذب والزَّندقة. ومثلاً روى البيهقي عن ابن عباس قال «كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم الاضحى» فهذا الحديث في إسناده حجاج بن تميم قال عنه ابن عدي: روايته ليست بمستقيمة. وفي إسناده أيضاً جُبارة ضعَّفه البخاري والنَّسائي، ورماه ابن معين بالكذب. ومثلاً روى البيهقي وأحمد وأبو داود والدارقطني عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال «يُغتسل من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة ومن غسل الميت والحجامة» قال التِّرمذي (سألت البخاري عنه فقال: إن ابن حنبل وعلي بن عبد الله قالا: لا يصح في هذا الباب شيء وليس بذاك) . ومثلاً روى البيهقي أنَّ عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ «الغسل من خمسة: من الجنابة والحِجامة وغسل يوم الجمعة وغسل الميت والغسل من ماء الحمَّام» قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله - يعني ابن حنبل- يتكلم في مصعب - هو مصعب بن شيبة أحد الرواة - ويقول: أحاديثه مناكير، وسمعته يتكلم في هذا الحديث بعينه. ولكنني أقول: لئن لم يثبت حديثٌ في غسل العيدين ولا في الحجامة ولا في يوم عرفة ولا في غيرها غير ما ذُكر من مناسبات أربع، فإن الغسل في هذه المناسبات إن كانت تحصل منه نظافة وإزالة دَرَن ووسخ فإنه مندوب لعموم الأدلة، دونما حاجة لسوق أدلة ضعيفة أو واهية تدلُّ عليه. ونذكر الآن
стр. 234
هذه المناسبات الأربع بشيء من التفصيل:
غسلُ يوم الجمعة
وردت في غسل يوم الجمعة أحاديث عديدة نذكر منها ما يفي بالغرض ثم نذكر الآراء المتعددة في حكمه، ثم نستخلص الحكم الراجح بحول الله.
١- عن عبد الله بن عمر ﵁، أن رسول الله ﵌ قال «إذا جاء أحدكم الجمعة فلْيغتسل» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. ووقع في رواية أُخرى عند مسلم «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل» .
٢ - عن أبي سعيد قال: أشهد على رسول الله ﷺ قال «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يَسْتنَّ، وأن يمسَّ طيباً إن وجد» رواه البخاري ومسلم وأحمد، وقد مرَّ في بحث السواك.
٣- عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «حقٌّ لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» رواه مسلم والبخاري وأحمد والنَّسائي.
٤- عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «على كل مسلم غُسلٌ في سبعة أيام كلَّ جمعة» رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة.
٥- عن ابن عمر «أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأوَّلين من أصحاب النبي- ﷺ فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضاً؟ وقد علمتَ أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل» رواه البخاري ومسلم وأحمد والتِّرمذي ومالك.
٦- عن سَمُرَة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمة. ورواه التِّرمذي وحسَّنه.
стр. 235
٧- عن عائشة ﵂ قالت «كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العَبَاء ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح، فأتى رسولَ الله ﷺ إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال رسول الله ﷺ : لو أنكم تطهَّرتم ليومكم هذا» رواه مسلم والبخاري. وروى أحمد الحديث مختصراً، وجاء في آخره «فقيل لهم لو اغتسلتم» والعَبَاء: جمع عباءة، وهي معروفة. والعوالي: قرى خارج المدينة على مسافة أربعة أميال.
٨- عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول «من غسَّل يوم الجمعة واغتسل ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوةٍ عملُ سنة أجر صيامها وقيامها» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي. ورواه التِّرمذي وقال: حسن. ورواه الطبراني بإسناد حسَّنه العراقي.
٩- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسَّ الحصى فقد لغا» رواه مسلم وأحمد.
١٠- عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من اغتسل يوم الجمعة وتطهَّر بما استطاع من طُهر، ثم ادَّهن أو مسَّ من طيب، ثم راح فلم يفرِّق بين اثنين، فصلى ما كُتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري. ورواه أحمد وأبو داود من طريق أُخرى.
стр. 236
اختلف الأئمة والفقهاء في حكم غُسل الجمعة، فذهب أهل الظاهر وأحمد في قول له وابن خُزَيمة والشوكاني، ومن التابعين الحسن، ومن الصحابة فيما رُوي عنهم عمر وأبو هريرة وعمَّار إلى وجوب غسل الجمعة، واستدلوا على الوجوب بالحديث الثاني وفيه أن غسل الجمعة واجب، وبالثالث وفيه أن غسل الجمعة حقٌّ لله على كل مسلم، وبالخامس وفيه أن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّب عثمان ﵁ لتركه الغسل، وهو المَعْنِيُّ في الحديث، يشهد له ما وقع في روايةٍ لمسلم عن أبي هريرة قال «بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون ... » وقالوا لولا أن ترك الغسل إثم لما أنَّبه عمر، وعن الحديث التاسع «من توضأ فأحسن الوضوء» قالوا: ليس فيه نفي الغُسل، وردُّوا على بقية الأحاديث التي استدل بها من قالوا بالندب بأنها ليست في مستوى أحاديثهم من حيث القوة والصحة، وأنها لا تصلح لمعارضة الأحاديث القائلة بالوجوب.
قال الشوكاني بعد أن استعرض أقوال القائلين بالندب (وبهذا يتبين لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلة على عدم الوجوب، وعدم إمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب، لأنه وإن أمكن بالنسبة إلى الأوامر لم يمكن بالنسبة إلى لفظ واجب وحق إلا بتعسُّف لا يلجيء طلب الجمع إلى مثله، ولا يشك من له أدنى إلمام بهذا الشأن أن أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه، لأن أوضحها دلالة على ذلك حديث سَمُرة وهو غير سالم من مقال وسنبيِّنه، وأما بقية الأحاديث فليس فيها إلا مجرد استنباطات واهية) .
стр. 237
وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار: الأوزاعي والثوري ومالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى وابن المنذر وابن قُدامة وأصحاب الرأي والتِّرمذي إلى أن غسل الجمعة مندوب وليس بواجب، واستدلوا على رأيهم بالأحاديث: الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر، وحملوا قوله ﵊ «الغُسل يوم الجمعة واجب» وقوله في الحديث الثالث «حقٌّ لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام» حملوهما على تأكيد الاستحباب، وفسروا الحديث الخامس بأن عثمان لو كان يعلم أن غسل الجمعة واجب لما تركه، ولو تركه لما سمح له عمر بالصلاة ولأخرجه من المسجد، وقالوا إن غسل يوم الجمعة معلل بالنظافة للحديث السابع، وهذه العلة تصرف الأمر إلى الندب، وقالوا إن الحديث الثاني فيه ثلاثة أوامر منها السواك والتطيُّب وهما مندوبان، وأن ذلك دليل على أن الغسل مندوب، واستدلوا أيضاً بالحديث السادس وهو صريح في الندب، وبالحديث التاسع الذي لم يأت على ذكر الغسل ولو كان واجباً لذُكر. هذه هي أدلة الفريقين على ما ذهبا إليه.
والذي يترجَّح لديَّ هو أن غسل يوم الجمعة مندوب وليس بواجب، وذلك لما يلي:
стр. 238
١- إن الموضوع ليس موضوع مجموعتين من الأحاديث تعارضتا ولا يمكن الجمع بينهما فلا بد من ترجيح إحداهما على الأخرى، حتى يأتي قول من يقول إن الأحاديث الدالة على الوجوب أصح إسناداً من الأحاديث الدالة على الندب، فتؤخذ هذه وتُترك تلك، وإنَّ قول الشوكاني (عدم إمكان الجمع بينهما) وتعليله ذلك بأن أحاديث الوجوب فيها لفظتا (واجب وحق) وقوله (إن أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه) هو قول غير مسلَّم به، وذلك لأن الأحاديث القاضية بالندب هي أحاديث صحيحة وحسنة لا يجوز طرحها وإسقاطها بهذه السهولة بحجة عدم إمكان الجمع بينها وبين الأحاديث الأخرى، والمعلوم أن الجمع بين الأدلة وإعمالَها كلها خير من إهمال بعضها، وهنا الأحاديث يمكن الجمع بينها، خاصة وأن الفريقين لم يقولا بالنسخ.
٢- إن لفظتي (واجب وحق) لا تفيدان بالضرورة الوجوب الشرعي الذي هو أحد الأحكام الخمسة في الإسلام، فقد تفيدان ذلك وقد لا تفيدان، والقرائن هي التي تعيِّن وتحدِّد أياً من ذلك هو المقصود، وهنا قرائن لا بد من الالتفات إليها وستأتي.
стр. 239
٣- بالنظر في الأحاديث نجد ما يلي: الحديث الأول فيه طلب الاغتسال، وهذا الطلب بحاجة إلى قرينة أو قرائن تعيِّن المراد منه هل هو للوجوب أم للندب أم للإباحة؟ والحديث الثاني يقول: الغسل يوم الجمعة واجب، ثم يقول: وأن يستنَّ ثم يقول: وأن يمسَّ طِيباً. وهذا السِّياق يعني أن الغسل واجب، وأن يستنَّ أي يتسوَّك واجب، وأن يمسَّ طيباً واجب، أي أن الغسل والسواك والتَّطيُّب واجبات. هذا هو ما يدل عليه ظاهر الحديث لو لم توجد قرائن تصرف الحديث عن هذا المعنى الظاهر، غير أن لدينا أحاديث تفيد غير ذلك، وقرينة تصرف الحديث عن ظاهره. أما القرينة فهي أن الثابت من النصوص هو أن السِّواك مندوب، وأن الثابت كذلك هو أن التطيُّب مندوب، وهذا الحديث يفهم منه أن الغسل واجب والسواك واجب والتطيُّب واجب، وكأن معنى الحديث هو أنَّ السواك المندوب واجب، وأنَّ التطيُّب المندوب واجب، وهذا غير ممكن طبعاً، ولذا وجب فهم الحديث بصرف لفظة واجب عن الواجب الشرعي، وحمل هذه اللفظة على مجرد الحث والتشديد فيه دون أن تصل إلى الوجوب الشرعي. وإذا كان ذلك كذلك فقد بطلت حجة من يقول بوجوب الغسل للجمعة من هذا الحديث، وإلا لَلَزمهم القول بوجوب السِّواك وبوجوب التطيُّب، وهم لا يقولون بذلك. أما دليلهم الثاني وهو الحديث الثالث «حقٌّ لله على كل مسلم أن يغتسل» فهو أيضاً لا يصلح للاستدلال به على وجوب غسل الجمعة، وإن غاية ما يفيد هي الحث على الاغتسال، وذلك أن المباح حق، والمندوب حق، كما أن الواجب حق، والحق ضد الباطل أي الحرام. وكلمة حق ليست واحدة من الأحكام الشرعية الخمسة، فالأحكام الخمسة هي المباح والمندوب والفرض أو الواجب والمكروه والحرام، وليس منها الحق، ولذا فإنه يجب عند ورود هذه اللفظة في نص أن يُبحث لها عن قرينة تعيِّن الحكم الذي تدلُّ عليه، ولا يصح صرفها إلى الواجب الشرعي رأساً، لأنها ليست متلازمة معه وإلا خرج المندوب والمباح عن
стр. 240
كونهما حقاً، فلم يبق إلا أن يدخلا في الباطل، وهذا نظر فاسد لا يصح. وقد استعمل العرب هذه اللفظة للدلالة على مطلوبات لازمةٍ أدبياً كقولهم حقُّك عليَّ أن أزورك، أو حقِّي عليك أن تساعدني في محنتي، وأمثال ذلك مما لا يصح أن يفهم منه الوجوب والحتم، وهذا الحديث هو من هذا القبيل.
قال مجد الدين عبد السلام بن تيمية صاحب المنتقى (وهذا يدل على أنه أراد بلفظ الوجوب تأكيد استحبابه، كما تقول حقُّك عليًّ واجب والعِدةُ دَيْن، بدليل أنه قرنه بما ليس بواجب بالإجماع وهو السِّواك والطيب) ومما يشهد لصحة فهمنا حديث أورده ابن حِبَّان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «حقًّ على كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام، وأن يمسَّ طيباً إن وجده» فقد أطلق هذا الحديث لفظة (حق) على الغسل وعلى التطيًّب، والمعلوم عند الجميع أن التطيًّب ليس واجباً في الشرع، فهذا دليل ناصع على أن إطلاق لفظة (حق) على الغسل لا يعني بالضرورة أن الغسل واجب شرعاً.
стр. 241
أما الحديث الخامس فهو محتمل فلا يصلح للاحتجاج به على أيٍّ من الرأيين إلا بنوعٍ من التأويل، فبالتأويل يمكن اعتباره دليلاً على وجوب الاغتسال يوم الجمعة، بالقول إن عمر ما كان له أن يعنِّف رجلاً مثل عثمان أمام المسلمين ويقطع خطبة الجمعة إلا لتركه فرضاً، ولو كان عثمان قد ترك مندوباً لما قطع عمر الخطبة وعنَّفه، خاصة وقد استشهد بأمر الرسول ﵊ بالغسل. وبالتأويل أيضاً يمكن اعتباره دليلاً على عدم الوجوب لأن عثمان لم يغتسل، ومثله يبعد أن يترك واجباً، فكما أنه لم يترك فرض الوضوء كذلك لا ينبغي له أن يترك الغسل لو كان فرضاً. أما تعنيف عمر له على ترك الغسل وقطع الخطبة لذلك، فيُرد عليه بأن عمر لم يقطع الخطبة لأجل ترك عثمان الغسل، وإنما قطعها لأجل تأخر عثمان في الوصول إلى المسجد لصلاة الجمعة، ثم انتقل الحديث إلى الغسل والوضوء، وإن الحديث يدل على أن الصحابة كانوا يحرصون على السنن والنوافل، ويحاسب بعضهم بعضاً عليها، فالحديث إذن محتمل، فلا يصلح دليلاً على أيٍّ من الرأيين.
أما الحديثان السادس والسابع فهُما نصٌّ في محل النزاع لا يحتاجان إلى تأويل، ولا يسهل دفعهما، وهما دليلان صريحان على استحباب غسل الجمعة ونفي الوجوب عنه، كما أنهما قرينة على حمل حديث الحق على الاستحباب. ولم يستطع أصحاب الرأي القائل بالوجوب تأويلهما، ولم يجدوا سوى ردِّهما بحجة أن إسنادهما أضعف من إسناد أحاديث الوجوب، وقد أخطأوا خطأً بيِّناً، لأن إسناد الأول إن كان حسناً فإن إسناد الثاني في غاية الصحة والقوة، ولأن هذه الأحاديث يمكن الجمع بينها عكس ما ذهبوا إليه.
стр. 242
الحديث السادس يقول «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل» وهو نصٌّ فيصلٌ في جواز ترك الغسل، وهو دليلٌ رادٌّ للوجوب ودالٌّ في الوقت نفسه على الندب، لأنه وصف الغسل بأنه أفضل. والحديث السابع فيه قرينتان صارفتان الغسلَ عن الوجوب: الأولى التعليل بأن غسل الجمعة إنما هو لأجل إزالة الأوساخ والروائح، أي لأجل النظافة، وإن إزالة الأوساخ مندوبة وليست واجبة، والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فالمسلم إذا كان نظيفاً لا يحمل وسخاً، ولا تنبعث منه رائحة كريهة لا يلزمه الاغتسال، لأن الغسل معلَّل بإزالة الوسخ، ولا وسخ يزال فيسقط التكليف. والقرينة الثانية هي قوله ﵊ «لو أنكم تطهَّرتم ليومكم هذا» فهو عرض، وهو أخف من الأمر، وهو يدل على التخفيف في الطلب، ولو كان واجباً لما قال ما قال. ومما يدل على عدم وجوب الغسل يوم الجمعة دلالةً أكيدة وأن الغسل معلَّل بإزالة النظافة إضافةً إلى ما سبق، هو ما رُوي عن عكرمة «أن أُناساً من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغُسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدءُ الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مُقارِب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حارٍّ، وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضُهم بعضاً، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكُفُوا العمل ووُسِّع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق» رواه أبو داود وأحمد والبيهقي. ورواه الحاكم وصححه هو والذهبي على شرط البخاري، وحسَّنه النووي وابن حجر.
стр. 243
وبذلك يترجح الرأي القائل بالندب على الرأي القائل بالوجوب، وبذلك لا نحتاج للنظر في الأحاديث: الثامن والتاسع والعاشر، لنستدل بها أيضاً على مطلوبنا كما فعل أصحاب الرأي القائلين بالندب، لأنها ليست من الوضوح في الدلالة بحيث يُستطاع بها إقناع الآخرين بصلاحيتها لإثبات حكم الندب، كما أنه ينبغي أن يُعلم أننا تركنا الاستدلال بها لأن الآخرين لم يستدلوا بها على الوجوب، وإلا لوجب النظر فيها والتوقف عندها، فلما لم يستشهد بها الآخرون استشهاداً يدعم رأيهم، ولما كان استشهاد الفريق الأول بها استشهاداً احتاج إلى نوع من التأويل، فقد تركنا الوقوف عندها والاكتفاء بما سبق من أدلة.
والخلاصة هي أن الشرع حث المسلمين على الاغتسال يوماً في الأسبوع كما جاء في الحديثين الثالث والرابع، وتحدَّد وتعيَّن في الأحاديث الأخرى بأنه يوم الجمعة، فالأصل أن يُصار إلى الاغتسال يوم الجمعة لا غيره، وكون العلَّة هي النظافة، فإن الغسل وإن كان مندوباً في أية ساعة من يوم الجمعة إلا أن الأحاديث خصَّصته وحضَّت على أن يكون قبل الصلاة، فالأصل أن يُصار إلى ذلك، فيغتسل المسلم يوم الجمعة قبل الصلاة دون تحديدٍ بساعةٍ معينة من ساعات ما بين الفجر والزوال.
غُسل الإحرام ودخول مكة
وردت فيه الأحاديث التالية:
١- عن زيد بن ثابت «أنه رأى النبي ﷺ تجرَّد لإهلاله واغتسل» رواه التِّرمذي وحسَّنه. ورواه أيضاً الدارقطني والبيهقي والطبراني.
стр. 244
٢- عن عائشة ﵂ قالت «نُفِسَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن تغتسل فتُهلَّ» رواه أبو داود وابن ماجة ومالك ومسلم. ولمسلم وابن حِبَّان وابن ماجة من طريق جابر بلفظ « ... فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُلَيْفة، فولدت أسماءُ بنتُ عُمَيس محمدَ بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثْفِرِي بثوبٍ وأَحْرِمي ... » قوله استثفري: أي تحفَّظي بخِرقة قماش لمنع نزول الدم.
٣- عن نافع «أن ابن عمر كان لا يَقْدم مكة إلا بات بذي طُوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً، ويَذْكُر عن النبي ﷺ أنه فعله» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. ورواه البخاري ولفظه «كان ابن عمر ﵁ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدِّث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك» وذو طوى: هو موضع في مدخل مكة تُفتَح طاؤُه أو تُضمُّ أو تُكْسر.
قال ابن المنذر (الاغتسال عند دخول مكة مستحبٌّ عند جميع العلماء) وبه أقول. وإنما قلت بالغُسل عند دخول مكة والإحرام معاً، لأن الأصل في المسلم أن يدخل مكة مُحْرِماً وليس دون إحرام، ولكن إن دخلها دون إحرام فالمستحب له أيضاً الاغتسال، لأن الرسول ﷺ اغتسل لدخول مكة عام الفتح وهو حَلالٌ يُصيب الطِّيب، ذكر ذلك الشافعي في الأم. وروى نافع عن ابن عمر ﵄ «أنه كان يغتسل إذا دخل مكة ويأمرهم بذلك» رواه ابن أبي شيبة. وإنَّ أوضحَ دليلٍ على استحباب الغُسل هو الحديث الثاني إذ فيه الطلب من أسماء أن تغتسل رغم أنها نُفَسَاء وهذا وحده كافٍ للاستدلال على استحباب غُسل الإحرام ودخول مكة، وما سواه فدونه في الدلالة.
غُسل مَن أُغمي عليه
стр. 245
ورد فيه الحديث الطويل الآتي: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال «دخلتُ على عائشة فقلت: ألا تُحدِّثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى، ثَقُل النبي ﷺ فقال: أَصلَّى الناسُ؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضَعوا لي ماء في المِخْضَب، قالت: ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوءَ فأُغميَ عليه، ثم أفاق فقال ﷺ : أَصَلَّى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماءً في المِخْضَب قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلَّى الناسُ؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماءً في المِخْضَب، فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلَّى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله - والناس عكوفٌ في المسجد ينتظرون النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة - فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يُصلِّي بالناس ... » رواه البخاري ومسلم. وروى أحمد والنَّسائي والدارمي وابن خُزَيمة هذا الحديث باختلاف في الألفاظ. قوله المِخْضَب: أي الإناء الذي تُغسل فيه الثياب. وقوله ينوء: أي ينهض بجهد ومشقة.
هذا الحديث يفيد مشروعية غسل من أفاق من إغماء، وذلك أن الرسول ﷺ رغم مرضه الشديد قد اغتسل ثلاث مرات عقب إغماءاته الثلاث المتتالية، فدلَّ حرصه على الاغتسال مع وجود المشقة على مشروعيته.
стр. 246
أما أن هذا الاغتسال سُنة وليس فرضاً فلِما روى ابنُ خُزَيمة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه «صُبُّوا عليَّ من سبع قرب لم تُحْلل أَوكِيَتُهُنَّ لَعلِّي أستريح فأعهد إلى الناس، قالت عائشة: فأجلسناه في مِخْضَبٍ لحفصة من نحاس، وسكبنا عليه الماء منهن، حتى طفق يُشير إلينا أن قد فعلتنَّ، ثم خرج» فقوله ﵊ «لعلِّي أستريح» يدل على القصد من اغتساله، وأنه بالتالي لم يكن اغتسالَ فرضٍ واجب.
غُسل من غسَّل ميتاً
وردت فيه الأحاديث التالية:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من غَسَّل مَيْتاً فلْيغتسل، ومن حمله فلْيتوضأ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان والبيهقي.
٢- عن عبد الله بن الزُّبير عن عائشة أنها حدَّثته أن النبي ﷺ قال «يُغتَسَلُ من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة وغُسل الميت والحِجامة» رواه ابن خُزَيمة والبيهقي وأبو داود.
٣- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من غسَّل ميتاً فلْيغتسل» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وابن ماجة. ورواه التِّرمذي وحسنه. وصحَّحه ابن حزم.
٤- عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ليس عليكم في غُسل ميتكم غُسل إذا غسَّلتموه، إنه مسلم مؤمن طاهر، وإن المسلم ليس بنجس، فحسبُكم أن تغسلوا أيديكم» رواه البيهقي.
٥- عن عبد الله بن أبي بكر «أنَّ أسماء بنت عُمَيس غَسَّلت أبا بكر الصِّدِّيق حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إني صائمة وإنَّ هذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ مِن غُسل؟ فقالوا: لا» رواه مالك.
стр. 247
٦- عن أسامة بن زيد ﵁ قال «دخل علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ ، فأخبره بموت أبي طالب، فقال: اذهب فاغسله، ولا تُحْدِثنَّ شيئاً حتى تأتيني، فغسلته وواريته ثم أتيته، فقال: اذهب فاغتسل» رواه البيهقي.
٧- عن ابن عمر ﵁ قال «كنا نغسل الميت فمنَّا مَن يغتسل ومنَّا من لا يغتسل» رواه البيهقي والخطيب. وصححه ابن حجر.
وقد اختلف الأئمة في حكم الاغتسال من غسل الميت، فذهب علي وأبو هريرة في رواية عنهما، وابن حزم إلى وجوب الاغتسال. وذهب مالك وأحمد وأصحاب الشافعي إلى أن الاغتسال مُستحبٌّ، وذهب أبو حنيفة والليث إلى أن الاغتسال لا يجب ولا يُستحب.
وقبل أن نعمد إلى استنباط الحكم، لِننْظُر في هذه النصوص حتى نتبين الصالح منها للاستدلال من غير الصالح. الحديث الأول قال فيه البيهقي (قال البخاري: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا لا يصح في هذا الباب شيء) ، وقال (هو الصحيح موقوفاً على أبي هريرة كما أشار إليه البخاري) . والحديث الثاني ضعَّفه أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داود. والحديث الرابع رواه البيهقي من طريقين، وقال عن إحداهما (لا يصح رفعه) ، وقال عن الأخرى (هذا ضعيف) . والحديث السادس ضعَّفه البيهقي، فقد قال (فيه علي بن أبي علي اللهبي، ضعيفٌ جرَّحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وجرَّحه البخاري وأبو عبد الرحمن النَّسائي) . وإذن فإن الأحاديث: الأول والثاني والرابع والسادس ضعيفة، فتسقط عن مرتبة صلاحها للاستدلال، فيبقى عندنا الحديث الثالث والحديث الخامس والحديث السابع.
стр. 248
أما الحديث الثالث فيقول «من غسَّل ميتاً فلْيغتسل» فهو يأمر بالاغتسال، والأمر يفيد مجرد الطلب، والقرينة هي التي تحدِّد أياً مِن أنواع الطلب هو المقصود، وليس في هذا الحديث قرينة، ولكننا نجد القرينة في الحديث الخامس والحديث السابع. أما الخامس فإن عدداً من الصحابة المهاجرين أفتَوْا زوجة أبي بكر الصدِّيق ﵄ بأنه لا غُسل عليها من تغسيل الميت، وقد أفتَوْها بعد أن قالت «إني صائمة وإن هذا يومٌ شديد البرد» وهذا الجواب من الصحابة ينفي وجوب الغُسل. وأما السابع فهو أن ابن عمر قال «منا من يغتسل ومنا من لا يغتسل» وهذا الفعل من أصحاب رسول الله ﷺ ينفي أيضاً وجوب الغسل، فلا يبقى أمامنا إلا الإباحة وإلا الندب فحسب. وحيث أن الغُسل مندوب لأنه تنظيف، فإن قوله ﵊ «مَن غسَّل ميتاً فلْيغتسل» يجعله يُحمَل على الندب والاستحباب، والمندوب يصح تركه، وهذا ما يفسر ترك ناس من الصحابة لهذا الغسل، وما يفسر فتواهم لامرأة أبي بكر - وكانت صائمة وكان اليوم آنذاك شديد البرد - بأن لا غُسل عليها. ومن ذلك يترجح رأي مالك وأحمد والشافعية القائل بالاستحباب.
الفصل الثامن
الغُسل
الغُسل بالضم اسم للاغتسال، والماء الذي يُغتسل به، وبالفتح المصدر، وحقيقة الغُسل جريان الماء على الأعضاء دون الحاجة إلى الدلك. وقد جاء الأمر به في القرآن الكريم، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنتم سُكَارى حتى تَعلَمُوا ما تَقُولُون ولا جُنُباً إلا عابِري سبيلٍ حتى تَغْتَسِلوا﴾ الآية ٤٣ من سورة النساء. كما جاءت الأحاديث تأمر به وتبيِّن صفته وكيفيته.
صفة الغُسل
وردت في صفة الغسل الأحاديث التالية:
стр. 249
١- عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغ بيمينه على شماله فيغسل فَرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيُدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه» رواه مسلم والبخاري. وفي روايةٍ للبخاري « ... ثم يخلِّل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ... » .
٢- عن ميمونة ﵂ قالت «وضعتُ لرسول الله ﷺ ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيرَه، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، وغسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحَّى من مقامه فغسل قدميه» رواه البخاري ومسلم. وفي روايةٍ للبخاري عن ميمونة ﵂ « ... قالت: فأتيته بخِرقة فلم يُرِدْها، فجعل ينفض بيده» . وفي روايةٍ لمسلم « ... ثم أتيته بالمنديل فردَّه» .
٣- عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل» رواه النَّسائي وأبو داود وأحمد وابن ماجة. ورواه التِّرمذي وقال: حسن صحيح.
٤- عن أم سلمة ﵂ قالت «قلت يا رسول الله إني امرأة أشدُّ ضَفْرَ رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
٥- عن ثوبان أنهم استفتَوْا النبي ﷺ عن ذلك - يعني الغسل من الجنابة - فقال «أما الرجل فلْينشر رأسه فلْيغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضَه، لتغرف على رأسها ثلاث غَرَفات بكفَّيها» رواه أبو داود بسند قوَّاه الشوكاني.
стр. 250
٦- عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ أنها وصفت غسل رسول الله ﷺ من الجنابة، وفيه « ... ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ثم صبَّ على رأسه وجسده الماء، فإذا فرغ غسل قدميه» رواه البيهقي وصححه ابن حجر.
٧- عن أبي سلمة قال «دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة فسألها أخوها عن غسل النبي ﷺ ، فدعت بإناءٍ نحوٍ من صاع فاغتسلتْ وأفاضتْ على رأسها، وبيننا وبينها حجاب» رواه البخاري.
٨- عن ابن عباس ﵁ قال: قالت ميمونة «وضعتُ للنبي ﷺ ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه» رواه البخاري. وفي رواية أخرى له عنها «توضأ رسول الله ﷺ وضوءَه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحَّى رجليه فغسلهما ... » . وفي رواية ثالثة له عنها «أفرغ بيمينه على يساره فغسلهما ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثم تنحَّى فغسل قدميه ... » . وفي رواية رابعة له عنها «فصبَّ على يده فغسلها مرة أو مرتين، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه، ثم دلك يده بالأرض أو بالحائط، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، وغسل رأسه ثم صبَّ على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه..» .
следующие страницы →