واستغرابهم ببعث بشر مانع عادي، والأمور العادية قد تتخلف؛ ولذا أسلم كثير من الناس ولم يمنعهم كون المبعوث بشرًا.
أما المانع في قوله في سورة الكهف: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٥٥] فهو مانع حقيقي عقلي؛ لأن المعنى على أصح القولين: وما منعهم أن يؤمنوا إلا أن الله أراد بهم في سابق علمه وأزله أن يبقوا على كفرهم حتى يأتيهم أحد أمرين: أن يأتيهم الهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب قبلًا في الآخرة، وهذا الذي سبق في علم الله وإرادته لا يمكن أن يتغير.
فهذا مانع حقيقي لا يتخلف، وذلك مانع عادي قد يتخلف، فانفكت جهة المانعين بكون هذا عاديًّا وهذا عقليًّا، فزال الخلاف لانفكاك جهة المانعية.
[السؤال الرابع عشر: ] ما معنى قوله تعالى في سورة النمل: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [ النمل: ٦٦].
الجواب: في هذه الآية أوجه معلومة للعلماء، من أظهرها: أن الكفار في دار الدنيا تختلف علومهم في الآخرة فمن مكذب ومن مصدق ومن شاك، ويوم القيامة يرون الحق عيانًا ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق: ٢٢] ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] فيتدارك علمهم ويتلاحق ويرون الحق يقينًا بحيث لا يبقى فيه لبس ولا شك، وعند ذلك يقول الواحد منهم: هل من سبيل؟ هل من مرد؟ يا ليتنا نُردّ ولا نكذب بآيات ربنا، والله يقول: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
стр. 142
[السؤال الخامس عشر: ] هل يمكن عندكم الآن تصحيح ما لم يصحح من الأحاديث كما هو مذهب النووي، أم لا يمكن كما هو مذهب ابن الصلاح ؟
الجواب: على كل حال الظاهر أنه في هذه الأوقات ليس للمعاصرين علم جديد بالرواة إلا مأخوذًا عمن قبلهم، فلا يمكنهم التزكية ولا الجرح إلا باستناد ما سطره من قبلهم، هذا هو الذي يظهر.
[السؤال السادس عشر: ] هل ما أسنده الشيخان ترجح فيه قول الأول (١) أم قول الثاني (٢)؟ .
الجواب: أما ما أسنده الشيخان وكل حديث لم يبلغ حد التواتر فله جهتان: جهة هو منها قطعي، وجهة هو منها ظنّي، والواحد في الشخص له جهتان: أما من حيث وجوب العمل فهو قطعي؛ لأن ما ثبت عندنا بعدول الرواة ولو أخبار آحاد فالعمل به قطعي علينا، وأما أن نحكم بأن ذلك الأمر حق في نفس الأمر فيما بيننا وبين الله فهو من هذه الحيثية ظني، ونضرب لهذا الأمثال: هذا نبينا محمد ﷺ يقول في حديث أم سلمة المتفق عليه: "إنما أنا بشر، وإنكم لتختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له فلا يأخذ من حق أخيه شيئًا فكأنما أقطع له قطعة من نار" (٣) قضاء النبي قطعي، إنه حق من قبيل الشرع، وهو في نفس
стр. 143
الأمر لا يدري أيطابق الأمر، أو لا يطابقه؟ ولذا يحذِّر من أخذه ويقول: "فكأنما أقطع له قطعة من نار" والله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فعلينا أن نأخذ بشهادة العدلين قطعًا لنص القرآن العظيم، ولو سئلنا: أأنتم جازمون بأنهما صادقان في نفس الأمر؟ لقلنا: لا؛ لأنهم غير معصومين، فهو من جهة العمل الشرعي قطعي، ومن جهة الواقع في نفس الأمر أمر ظني، ولا بأس أن يُبنى في الشرع قطعي على ظني، بل نجد في كتاب الله أن الظواهر القطعية قد تُبنى على أمور هي باطلة، وهذا جاء في كتاب الله؛ لأنه لما رمى هلال زوجته (١) ورمى عويمر العجلاني زوجته (٢) واجتمع الجميع عند النبي والرجل يقول: هي زانية، وهي تقول: هو قاذف محصنة. لا شك أن أحدهما كاذب بلا شك، والنبي قال في الملاعنة: "الله يعلم أن أحدكما لكاذب" ولو لم يقلها النبي فنحن نجزم بها قطعًا. جاءت آية اللعان فحلف الرجل أيمانه، وخمّس باللعنة وصدقه الشرع، ثم حلفت المرأة
стр. 144
أيمانها وخمست بالغضب فصدقها الشرع، ولم يلزم هذا حد ولم يلزم هذا حد، ولم تقم على واحد منهما حجة بأنه وقع في محذور، والله لمّا بيّن هذا بيَّن أن بناء هذه الأمور الشرائع القطعية على ظواهر زائفة غير حقيقية أنه من حكمته في التشريع؛ ولذا أتبع آية اللعان بقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [النور: ١٠] أي: لولا ذلك لما قبل منكم هذه التشريعات وهذه التسهيلات التي أنتم تعلمون أن بواطنها لا حقيقة لها، فنحن نعلم أنّ أحدهما كاذب، ونعلم أنه لو تعين كذبه لكان عليه جلد القذف، ولو تعين كذبها لكان عليها الرجم؛ لأنها زانية محصنة، وهذا ثابت، وقد سقط عنه الجلد وعنها الرجم، وصُدّقا معًا في ظاهرِ حكم -باطنُهُ نحن نعلم أن أحد الشخصين كاذب- وبهذا نعلم أن للشرع ظواهر وبواطن، وأنه قد تكون ظواهر الشرع قطعية، والبواطن لا يلزم أن تكون مطابقة لما في نفس الأمر.
[السؤال السابع عشر: ] هل الخلع طلاق أو فسخ؟ وما هو رأيكم في تعدد الزوجات ؟
الجواب: أن أنظار العلماء اختلفت في الخلع هل هو فسخ، أو طلاق؟ فكانت جماعة من العلماء منهم: عبد الله بن عباس، والإمام أحمد، والشافعي يقولون: إن الخلع فسخ لا طلاق، واستدلوا بالقرآن؛ لأن الله قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم ذكر الخلع بعد هاتين المرتين فقال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم جاء بالطلقة الثالثة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
стр. 145
وهنالك قوم آخرون قالوا: إن الخلع طلاق، وقالوا: هذه الآية -وإن استدل بها ترجمان القرآن ابن عباس- لا دليل فيها؛ لأنه لما قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ذَكَرَ جواز الخلع لا يقتضي أن الخلع طلقة ثالثة، وقد جاء في حديث مرسل حسن أن الثالثة في قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فتكون الثالثة جاءت قبل ذكر الخلع فلا دليل في الخلع.
وأنا أقول: أقرب الوجهين عندي للمعنى قول من قال: إنه طلاق؛ لأن الخلع معاوضة، وأحد المتعاوضين لا يدفع إلا شيئًا يملكه، والرجل لا يملك نوعًا من الفراق للمرأة إلا الطلاق، فالذي يظهر أن عوض المال من جهة المرأة يقابله عوض مملوك للرجل من جهة الرجل، ولا يملك من ذلك شيئًا إلا الطلاق، ويستأنس لهذا بما ثبت في الصحيح في بعض روايات مخالعة ثابت بن قيس وامرأته أن النبي ﷺ قال له: "خذ الحديقة وطلقها تطليقة" (١). فكأن هذا يستأنس له بأنه جعل الطلقة في مقابلة المال. والله تعالى أعلم.
أما تعدد الزوجات فينظر فيه بنظرين: أما هو من أصله دل القرآن على إباحته، وفيه مصالح عظيمة للرجل وللمرأة وللأمة؛ لأن المرأة الواحدة تمرض وتحيض وتنفس فتكون عاجزة عن أخصّ لوازم الزوجية بتلك الأعذار والعوائق، والغرض الأكبر من أغراض النكاح: التناسل وكثرة الأمم؛ لتقوم الأمة في وجه عدوها لتكون كلمة الله هي العليا؛ ولأن الله أجرى العادة بأن الرجال أقل عددًا في أقطار [الدنيا
стр. 146
من] (١) النساء؛ لأنهم أكثر تعرضًا لأسباب الموت، فلو قُصر واحد على واحدة لبقي عدد ضخم من النساء لا أزواج لهن، فيضطررن لركوب الفاحشة والفاقة، فهو من قبيل الشرع منصوص في كتاب الله، وحِكمُه ظاهرة.
أما هذا العرف الجاري في هذه البلاد من أنه لا يمكن أن يجمع رجل بين اثنتين من بنات القبائل من البيوت التي يشار إليها، فهذا يتكلم فيه من جهتين:
إحداهما: أن بعض الناس يقول: هذا العرف حرام وليس بجائز، وهذه شروط ليست في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط.
ونحن لا نقول بهذا، بل نقول: إن المرأة إذا خطبها الخاطب تقول له: أما إجابتي إياك فهو حقي، والشرع أعطاني الاختيار إن شئت أجبتك وإن شئت لم أُجبك، وأنا أجيبك بشرط أن لا تتزوج علي. واقتصاره على واحدة جائز شرعًا، فهي ما اشترطت عليه إلا أمرًا يجوز له، فإن رضي بهذا الشرط فهذا الشرط في كتاب الله، لأن الله يوجب على المسلمين الوفاء لإخوانهم المسلمين بالشروط، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة -١] والألف واللام للاستغراق، ويقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤] ويقول النبي ﷺ : "آية المنافق ثلاث" إلى أن قال: "وإذا
стр. 147
وعد أخلف" (١). فكل وعد أخذه مسلم على أخيه لم يحرم حلالًا ولم يحل حرامًا فهو في كتاب الله للأمر بالوفاء بالعهود في النصوص العامة في كتاب الله وسنة نبيه، لكنّا نقول: إن هذا الأمر وإن كان قد يتمشى مع الشرع فيجب على عامة الناس المعاونة على محاربته وإزالته بالطريق الاجتماعية، وأن يزيلوا هذه الأغلاط وهذه الأعراف الفاسدة؛ لأن هذا يقلل عددهم، وترك هذه السنة يقلل العدد ويترك عددًا ضخمًا من نسائهم ليس في كفالة أحد، فهو كان أجازه الشرع فالشرع فيه حَسَنٌ وفيه أحسن، فهذا وإن كان حسنًا جائزًا فتركه أحسن منه، وعلى المسلمين أن يحاربوا هذه الفكرة محاربةً اجتماعية لكون غيرها أحسن منها، وأن يتخلصوا من هذا العرف الفاسد؛ لأن الرجل إذا كان قادرًا على اثنتين أو ثلاث كان ذلك فيه نفع من جهات متعددة ككثرة كفالة النساء، وصار عدد ضخم، وقل الطلاق الذي يضطر إليه الرجل إذا زال غرضه من هذه ليستبدل بها هذه؛ لأنه لو فسح في هذا قل الطلاق، وكثر التناسل، وكثرت كفالة النساء، وقل الأيامى في الدنيا، فهي مصالح كثيرة جدًّا، فعلى المسلمين أن يلتفتوا إليها من حيث إنها أفضل وأحسن لا من حيث إنها أمر حرام، هذا الذي يظهر لنا والله تعالى أعلم.
[السؤال الثامن عشر: ] ما تقولون في التزام شخص مذهبًا معينًا من
стр. 148
غير نظر إلى دليل ولا إلى قول قائل؟ وهل يستوي في هذا العوام وغيرهم، أم لا؟
الجواب: أن التزام مذهب معين لم يرد به نص من كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ ولا إجماع، ومتأخروا الأصوليين من جميع المذاهب كلهم مطبقون على وجوبه، ومستندهم في ذلك تحقيق المناط. وإيضاح ذلك أنهم يعلمون أن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣] ويرون أنه لم يبق مجتهد مستحق بأن يُستفتى فيفتي، وإذًا عندهم إذا كان لم يكن في الموجودين من هو أهل للفتوى يجب تقليد بعض الذين ماتوا وهم أهل للفتوى. ثم إنهم اختاروا مذاهب الأربعة وحصروا التقليد فيها دون غيرهم من فقهاء الأمصار، قالوا: لأنه لم يدون مذهب كتدوين المذاهب الأربعة فإن كلام الأئمة فيها دُوِّن ونوقش وسئلوا عن كل شيء حتى صار المتمذهب به على ثقة من أن هذه فتاوي ذلك الإمام الذي هو أهل للفتوى. قالوا: وغير المذاهب الأربعة من مذاهب الصحابة ومذاهب فقهاء الأمصار التي انقطعت أو لم تنتشر لم تكن بمثابة المذاهب الأربعة لما ذكرنا من إيضاحها وتحقيقها وتنقيحها؛ فلأجل هذا النوع من تحقيق المناط أوجبوا تقليد أحد هذه الأئمة الأربعة.
والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه ليس لأحد الحكم بالحصر على أنه لا يوجد من يكون أهلًا لأن يأخذ من كتاب الله وسنة نبيه.
وبالجملة فإن الاستقراء يدل على أن أصول الضلال كلها راجعة إلى أصلين: أحدهما: الإفراط، والثاني: التفريط، وأن الحق دائمًا
стр. 149
واسطة بينهما، فيه التجافي عن طرف الإفراط وطرف التفريط، والعلماء ضربوا لهذا أمثلة: فمن أمثلة هذا قضية عيسى، فإن النصارى هلكوا فيه بالإفراط، واليهود هلكوا فيه بالتفريط. ومن أمثلة هذا: أعمال العبد، فإن الجبرية هلكوا فيها بالإفراط، والقدرية هلكوا فيها بالتفريط، كذلك مذاهب العلماء أفرط فيها قوم وفرط فيها آخرون، فرط فيها قوم كابن حزم وأتباعه حيث حملوا على الأئمة ﵃ وأرضاهم وعابوهم، واعتقدوا أنهم مشرعون من تلقاء أنفسهم يقولون على الله ما لم يرد به دليل من كتاب ولا سنة، فهذا تفريط في الأئمة، وقوم أفرطوا في الأئمة فجعلوا يقدمون كلامهم على كلام الله ورسوله، وهذا إفراط لا يجوز، والمذهب الحق وسط بين الأمرين، أنه إن وُجِد نص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فهو مقدم على قول كل أحد، والأئمة الأربعة صح عن كل واحد منهم ما معناه أنه إن وُجد قوله يخالف كتابًا وسنة ضُرب بقوله الحائط، هان لم يوجد في المسألة نص أو وُجدت فيها نصوص ظاهرها التضارب تحتاج إلى ترجيح فطبعًا تقليد المجتهد الذي فيه أهلية الاجتهاد كمالك ونظرائه أقرب إلى الصواب.
[السؤال التاسع عشر: ] (١) قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... ﴾ [المائدة: ٥] إلى آخر الآية الكريمة، فأباح تزوج الكتابية بنص القرآن العزيز، فكيف ساغ لخليل أن يقول: "إلا الكتابية بِكُرهٍ". مع علمي أن المكروه من قبيل الجائز؟
стр. 150
الجواب: أن كراهة من كره من العلماء تزويج الكتابية مستند الآية في كتاب الله من سورة البقرة، وهو مذهب معروف عن عبد الله بن عمر؛ لأن الله قال في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال في موضع آخر ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ [الممتحنة: ١٠] والمشركات يشمل جميع الكافرات، غلط هنا قوم وقالوا: إن الكتابيين ليسوا من المشركين! ! وغرهم في ذلك ظواهر آيات من كتاب الله جاء فيها عطف الكتابي على المشرك، وظنوا أن ذلك العطف يقتضي المغايرة، كقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة - ١] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ٦] وقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] وقوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [آل عمران: ١٨٦] فعطْف المشركين على أهل الكتاب توهم بعض منهم أن الكتابيات لسن من المشركين. والحق أن الكتابيين من المشركين، وقد نص الله على أنهم من المشركين في سورة براءة في قوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠، ٣١].
فصرح بأنهم مشركون، فعبد الله بن عمر قال: قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] لم ينسخه شيء، ولم يقدم عليه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ
стр. 151
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] واستدل بما يقوله بعض العلماء بأن النص المُحَرِّم يقدم على النص المُجيز؛ لأن ترك مباح أهون على الله من ارتكاب حرام.
ولكن جماهير العلماء علموا أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن، وأن آية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نازلة قطعًا بعد قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾، وأن الله - جل وعلا - بين فيها هذا الأمر، والأخذ بظاهر آية البقرة هو مستند التحريم أو مستند الكراهة، وعن بعضهم التحريم، وأما مستند الجميع فهو في آية المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].
[السؤال العشرون: ] قال مالك في الموطأ: (باب جواز جمع الأختين) [ ... ] (١).
الجواب: أن الجمع بين الأختين في ملك اليمين حرام عند الأئمة الأربعة وجل فقهاء الأمصار، وأجازه داود بن علي الظاهري وأتباعه، حجة الجمهور آية من كتاب الله في سورة النساء، وهي قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾ [النساء: ٢٣]، لأن المصدر المنسبك من قوله (أن) وصلتها في قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾ عَطْف على المضاف المحذوف في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم، وحرم عليكم الجمع بين الأختين. والألف واللام في قوله: ﴿الْأُخْتَينِ﴾ هو (أل)
стр. 152
الاستغراقية، ودخلت على اسم الجنس المثنى، وهي تعم عند علماء الأصول، فعمَّت بظاهرها كل أختين سواء كانتا بعقد أو بملك يمين، هذه حجة الجمهور، وهي واضحة.
واحتج داود بن علي الظاهري وأتباعه على جواز الأختين في ملك اليمين بآيتين من كتاب الله إحداهما مكررة والأخرى غير مكررة، أما الآية المكررة فهي في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وسورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] وقد تقرر في فن الأصول أن (ما) الموصولة من صيغ العموم، قال داود: الله - جل وعلا - نفى الملامة عمن لم يحفظ فرجه عن ملك يمينه وأطلق، وجعل العداء فيما وراء ذلك وأطلق ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وعضد داود مذهبه بأن قال: إن آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾ [النساء: ٢٣] في سياق العقود والأنكحة، وآية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ في سياق التسري، فلنترك تلك في محلها، ونترك هذه في محلها.
وأجاب الجمهور بأن قالوا: إن بين الآيتين عمومًا وخصوصًا من وجه، والمقرر في الأصول: أن الآيتين إن كان بينهما عموم وخصوص من وجه يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها ويجب الترجيح، كما عقده العلامة الشنقيطي العلوي سيدي عبد الله في "مراقي السعود" بقوله (١):
стр. 153
وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر
والعلماء لما نظروا بين الآيتين وجدوا عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾ [النساء: ٢٣] أرجح من طرق متعددة توجب تقديمه على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ أحد هذه الطرق أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾ [النساء: ٢٣] نص في محل المدرك المقصود بالذات لإبانة هذا الحكم؛ لأن السورة -سورة النساء- والمحل هو الذي تعرض فيه القرآن لما يحل من النساء وما يحرم، فصرح فيه بمنع الأختين، أمّا آية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، وآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ فلم تُسق واحدة منهما لتحريم امرأة ولا لتحليل أخرى، وإنما سيقتا لمدح المتقين فكان حفظ الفرج من جميع خصال المتقين، فاستطرد أنه لم يلزم عن الزوجة والسُّرية، والنص المسوق بالذات لإبانة الحكم أولى بالعمل من الذي لم يُسق لذلك.
الوجه الثاني: من هذه المرجحات: أن آية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] أجمع جميع العلماء أنها ليست باقية على عمومها بالإجماع؛ لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين إجماعًا؛ لإجماع جميع المسلمين على أن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ يخصص عمومها بعموم قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وموطوءة الأب لا تحل بالإجماع لإجماع المسلمين أن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ يخصص عمومها بعموم قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] والمقرر في الأصول -على أصح الوجهين- أنه إن تعارض عامَّان أحدهما مُخَصَّص
стр. 154
تخصيصًا بعد تخصيص، والثاني لم يرد فيه تخصيص إلا محل النزاع، فالذي لم يرد فيه تخصيص أولى بالتقديم والقوة من الذي دخله تخصيص.
الثالث: من هذه الأوجه أولًا أن المقرر في علم الأصول أنه إذا [ ... ] (١).