← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 20555

الرحلة إلى إفريقيا

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (154 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

القسم الثاني (السؤالات)

стр. 107

السؤال الأوّل (١): قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾، ما قول أئمة الفروع من المالكية في قوله: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ (٢) [المائدة / ٣]. الجواب: هذا الخلاف معلوم في هذه الآية، وحاصل هذا المقام أن مثل هذا الذي سأل عنه فضيلة الشيخ ذُكر في أربع آيات من كتاب الله، اثنتان منهما: وهي الأولى والأخيرة في كل واحدة منهما زيادة، والوسطيان منهما لا زيادة فيهما. أول ما نزل في هذا: قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فحرّمت هذه الآية هذه الأشياء، وزادت التقييد بكون الدّم مسفوحًا. ثمّ إن الله حرَّم هذه الأشياء الأربعة في سورة النحل، وهي النازلة بعد الأنعام، فسورة النحل نزلت في مكة قبل الهجرة على التحقيق إلا الآيات الأخيرة منها: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فقد نزلت في تمثيل المشركين بشهداء أحد، وهم حمزة وأصحابه، والدليل على أن النحل نازلة بعد الأنعام في القرآن في موضعين: أحد هذين الموضعين: قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل:

стр. 108

١١٨]، والنازل المقصوص المحال عليه من قبل نازل في سورة الأنعام بالإجماع في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]. الموضع الثاني من الموضعين: أن الله قال في سورة الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فبين أنهم سيقولون هذا القول في المستقبل، وأنهم وقت نزول الآية لم يقولوه فعلًا، ثم بين في النحل أن ذلك القول الموعود به وقع تمامًا، فتبيّن أنها بعدها، وذلك في قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [النحل: ٣٥]. قال في النحل النازلة بعد الأنعام كما بيّنا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل: ١١٥] ولم يزد شيئًا، ثم إنه نزل في البقرة وهي نازلة في المدينة بالإجماع: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ولم يزد فيها شيئًا، ثم نزلت سورة المائدة بعد الجميع، نزل بها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وذُكرت أصناف من أصناف الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية، وزيد في هذه الاستثناء، فزيد في الآية الأولى: التقيد بالمسفوحية، وزيد في الآية الأخيرة: الاستثناء بالتذكية، وكل منهما يحتاج إلى كلام. والآن نتكلم على محل السؤال: هذا الاستثناء أصله معروف عند علماء التفسير أن فيه وجهين: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهو قول القليل، منهم مالك بن

стр. 109

أنس، وقول الجمهور: أنه استثناء متصل، والحكم يختلف باختلاف التفسيرين. أما الجمهور الذين قالوا: إنه استثناء متصل فإنهم قالوا: حرمت عليكم الموقوذة إلا ما أدركتم فيه ذكاةً ما وذكيتموه، وحرّم عليكم ما أكل السّبع إلا ماذكيتم ولو أدركتم فيه أدنى شيء يصدق عليه اسم الحياة. ومالك بن أنس راعى أن الاستثناء منقطع، وكأنه يقول: [(١) حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي لم يحرم]، وعند مالك قول يوافق الجمهور. قال ابن العربي المالكي: إن قول الإمام مالك في هذا كأنه فيه شبه تناقض؛ لأنه يقول في المريضة: إنها تؤكل وإن يئس من حياتها يأسا كليًا، ويؤكل المذكى وإن يئس من حياته. ويقول في التي يئس من حياتها بالوقذ كالتي يتناثر دماغها، أو بأكل السبع كالتي تنتثر حشوتها، ومع أن فيها حركة قوية: أنها لا تُؤكل. قالوا: هذا تناقض؛ لأنك ما دمت أحللت مثل ذلك في المريضة، فكيف لا تحلّه في أكيلة السبع؟ والجمهور على أنّ أكيلة السبع مثل المريضة عند مالك لو أدرك فيها أي حياة لأكلت، وكان بعض العلماء يقول: لو كان كل ما أُنفذ مقتله مات لكانت وصية عمر بن الخطاب بجعل الخلافة شورى بين الستة لا تقبل؛ لأنه أنفذ مقتله، والطبيب قال له: أوصِ فقد أنفذ مقتلك. وقد أوصى وعُمل بوصيته، وجعل الخلافة شورى بعد نفذ مقتله، جاء ذلك يدل على

стр. 110

أن هناك حياة. والمالكية يقولون: مثل هذه الحياة كحياة المذبوح، لا نعتبرها حياة في الذكاة، والجمهور يقولون هذا (١)، وهذا قول مالك، وسبب الاختلاف هو الاختلاف: هل الاستثناء منقطع أو متصل كما بيّنا. السؤال الثاني: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] إباحة صيد الكتابي مطلقًا، فهل الآية التي استدل بها مالك على تحريم صيده تخصص هذا العموم، أم لا؟ وهي قوله تعالى: ﴿أَيدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وهل خالفه أحد من أصحابه، أم لا؟ وهل وافقه أيضًا أحد من الأئمة أم لا؟ (٢). الجواب: أمّا هذا فلم يوافق الإمام مالكًا فيه أحد من الأئمة الثلاثة، وخالفه جماعة من أصحابه، وروى عنه ابن بشير أنه مكروه لا حرام، وجمهور العلماء على أن صيد الكتابي كذكاته، وأنّ ذكاته بالعقر كذكاته بالذبح، وهذا عليه جمهور العلماء، ولم يوافق مالكًا فيه أحد من الأئمة الثلاثة، وكثير من أصحاب مالك خالفوه في هذا، وروى بعضهم عنه أنه مكروه كراهة تنزيه، وليس بمحرّم، وقد رواه ابن بشير وغيره، والرواية المشهورة من رواية ابن القاسم

стр. 111

أنه حرام، وأنه يفرق فيه بين ذكاة العقر وذكاة الذبح. وقد استدل مالك بالآية التي تفضّل بها فضيلة الشيخ؛ لأن الله قال في الصيد: ﴿تَنَالُهُ أَيدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ وأضاف الأيدي والرّماح للمسلمين، فعلم من ذلك أنه لا يحل منه إلا ما كان بأيدي أو رماح المسلمين. والجمهور يقولون: إن هذا أصرح منه قول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وقد أجمع العلماء أن ذبائحهم داخلة في ذلك، قالوا: ولا فرق بين العقر والذبح؛ لأن العقر والذبح كلاهما نوع من أنواع الذكاة. السؤال الثالث: لما كانت زكاة العروض للمدير عند مالك لا يلزم صاحبها أن يزكيها إلا إذا لم يبق له دينار أو درهم، فهل إذا كانت الدراهم والدنانير تباع بالأسواق، وتوجد فيها الأرباح الكثيرة، ولم يشترها المدير يُعد ذلك فرارًا من الزكاة، ويعامل بنقيض قصده أم لا؟ وهل الورق المتعامل فيه اليوم بدل العين تجب فيه الزكاة، أم هو كسائر العُروض؟ (١). الجواب: أمّا التجارات فجماهير علماء الأمصار، والأئمة الأربعة، والصحابة كلهم مطبقون على وجوب زكاة التجارة (٢)، ولم يخالف في هذا إلا بعض الظاهرية كابن حزم (٣)، قال: إنه لا

стр. 112

زكاة في التجارة، دمانه لم يقم دليل قائم على زكاة التجارة. والجمهور معهم الحق، استدلوا على وجوب الزكاة في التجارات بأدلة: أولًا: أنها ورد فيها حديثان مرفوعان إلى النبي ﷺ عن صحابيين (١)، والواقع في الحقيقة أن كل واحد من الحديثين لا

стр. 113

يخلو سنده من كلام، إلا أن الجمهور قالوا: هذان الحديثان -وإن كان كل واحد منهما لا يخلو سنده من مقال- فإنهما قد يعتضد أحدهما بالآخر، ويعتضد ذلك بما ثبت بسند صحيح لا مطعن فيه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه أخذ زكاة الجلود من تاجر يتجر بالجلود (١). هذا ثابت عن عمر بن

стр. 114

الخطاب ثبوتًا لا مطعن فيه، ولم يخالف أحد من الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًّا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد ثبت عن عمر بن عبد العزيز -وهو من خيار الخلفاء العظام- أنه كان يقيم الناس في الطرق، ويأخذ الزكاة من التجارات (١)، وقد قال الإمام البخاري -إمام المحدثين- في صحيحه: "باب في زكاة التجارة" (٢)، وجعل هذا العنوان لزكاة التجارة، ولكنه لم يكن فيها حديث على شرط البخاري -لصعوبة شرط البخاري- فساق تحت هذا العنوان بسنده الصحيح عن مجاهد أنه فسر قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني التجارات. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: الثمار والحبوب. وإذا عرفنا مثلًا أن جميع العلماء يقولون بزكاة التجارات، وأنه لم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد بهم كبعض أتباع داود كابن حزم (٣)، فجميع العلماء لا يشترطون في التجارة وجوب شيء.

стр. 115

وخالف مالك في مشهور مذهبه، واشترط في تقويم عروض التجارة أن يصل يد التاجر نقد المال، وعثر بالمدوّنة بربع درهم، وشرّاحها يقولون: ولو أقل من ربع درهم، وهذا خالف فيه مالك جميع العلماء، حتى إنّ ابن حبيب من أصحابه خالفه وانضمّ إلى الجمهور، ولكنّا نقول: إن الإمام مالكًا، إنما قال هذا في وقت يكثر فيه الذهب والفضة، وينتشر فيه التجارة بالذهب والفضة، وهي أغلب الأثمان، وأن الأغلب عادة لا بدّ أن يصل يد مدير العروض بعض نقد المال؛ لأنه هو الذي به العمل والسعي في جميع المشتريات، ولا يكاد تاجر يسلم منه، أنها لو كان مالك موجودًا في زمننا هذا -بحيث لا يوجد نقد ولا فضة ولا ذهب- فمن المستحيل أن يقول للتاجر: هذه التجارات الطائلة، والأرباح النامية سنة بعد سنة تُشترى بها العقارات والدُّور هي معفاة من الزكاة، هذا ليس بصحيح، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ونحن نقول: إنه لو فرضنا أن هناك أقوال وزيد يقول وعمرو يقول، فسيّد الخلق -صلوات الله وسلامه عليه- علمنا تعاليم واضحة، وأنوارًا نبوية ليس لنا أن نعدل عنها، وهو قوله -صلوات الله وسلامه عليه-: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١) وقوله:

стр. 116

"فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" (١)، والزكاة ليست بالأمر الهين؛ لأنها دعيمة من دعائم الإسلام، ومن جاءت في ذمته فويله وويله، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥] والتجارات نائبة عن الذهب والفضة؛ ولذا العلماء يقومونها بالذهب والفضة، ويخرجون منها ربع العشر كزكاة الذهب والفضة. أمّا الأوراق فلم تكن في زمن النبي ﷺ ، ولم يرد فيها نص من

стр. 117

كتاب ولا سنّة، وعندما حدثت فالمتأخرون من العلماء اختلفت وجهات نظرهم فيها، فجماعة قالوا: هي كعروض التجارة، وقال به جماعة من متأخري المالكية والحنابلة، وهذا القول لا يظهر كل الظهور؛ لأن العرض غالبًا لا بد أن تكون في ذاته منفعة مالية متمولة، وهي لا منفعة فيها، وجماعة قالوا: هي أسانيد لفلوس، وهذا أقرب إلى الحقائق؛ لأن عليها سطرًا مكتوبًا فيه: إن المؤسسة الفلانية تتعهد لحامل هذا السند أن تعطيه كذا. فهي إلى السندات أقرب، والذي وجد من هذا عن الصحابة أنهم جعلوا السند بمنزلة الشيء المكتوب فيه؛ ولذا قالوا في بيع الصكاك الذي جاء في صحيح مسلم وموطأ الإمام مالك، ومقصودي ببيع الصكاك: أنه في أيام إمامة مروان بن الحكم على المدينة، الحكومة أعطت للناس طعامًا مكتوبًا في صكوك وأوراق إلى بيما المال، فجماعة باعوا الطعام في هذه الصكوك قبل القبض، فعامّة الموجودين من العلماء قالوا: لا يجوز هذا؛ لأنكم بعتم الطعام قبل قبضه (١)، فلم يجعلوا هذه الورقة عَرَضًا، وإنما قالوا إن المدار على الشيء المكتوب فيها، وهذا أقرب الوجهين. وعلى كل حال فالذي نوصي به أنفسنا وإخواننا بتقوى الله، وأن الواحد إذا كان عنده تجارة مال من أوراق أو من غيره ينمو نموًا بعد نمو ويزداد أنه ليس من المنطق الإسلامي الرحب أن يترك الفقراء محرومين من هذا؛ لأن

стр. 118

النبي ﷺ أوجب على الأغنياء صدقة ترد إلى الفقراء، والعلماء مطبقون على أن التجارة كذلك. فالذي نشير به على إخواننا أن يخرجوا الزكاة، ويستبرئوا لدينهم وعرضهم، وأن لا تكون في هذه الدعيمة خصومة، قبلما لا يدرون أيتخلصون أم لا؟ الأخ سأل عن معنى هذه الآية: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾، يعني: إذا كنتم تخرجون زكاة لا تنظروا إلى رديء المال وخسيسه فتخرجونه، ولستم بآخذيه لو كان الحق لكم، لو كنتم أنتم الذين تطلبون الحق لا تقبلون ذلك الرديء و ﴿إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] تغمضوا أعينكم على القذى، يعني كارهين لذلك، فالشيء الذي لا ترضونه لأنفسكم -لو كان الحق لكم- لا ترضوه لله في حقه جل وعلا. السؤال الرابع: ما عندكم في لزوم الصوم، أو وجوب الفطر لخبر الرجل مع اتحاد القطر؟ وما عندكم في الاستماع لقراءة القرآن [في الإذاعة] ؟ . الجواب: أما هذا الذي سأل عنه فضيلة الشيخ وهو: هل إذا أذيع من قِبَل الحكومة أن الهلال ثبت في المحل الفلاني، هل يصام أو يفطر بهذا أو لا؟ نحن نقول: إذا حكم بثبوت شهر رمضان أو شوال حاكم بطريق شرعية، وصار الحكم من طريق قاض بطريق شرعية، ثم إن الحكومة بلَّغته عن طريق الإذاعة، أن الذي يظهر لنا أن على المسلمين أن يصوموا ويفطروا بذلك، والاستناد في هذا

стр. 119

والدليل عليه مستند إلى شيئين: أولهما: أن الكتاب والسنة وإجماع العلماء دل على أن الغرض الأكبر في الأخبار غايته أن يوجد شيء يغلب على الظن صدقه، وتركن إليه النفس ركونًا مزاحمًا لليقين بحيث لو راجع الإنسان عقله يثق أن هذا الأمر واقع، ولو لم تشهد به بيَّنة، وقد قال سيّدي في "مراقي السّعود" في مباحث الأخبار (١): "بغالب الظنّ يدور المُعتبَر". وقد صدق، ونحن نضرب لكم أمثالًا من هذا: هذا إمام دار الهجرة النجم مالك بن أنس ﵁ وأرضاه- سُئل عن رجل استُنْكِه فشُمّ من فيه ريح الخمر، فأفتى بجلده، وأقام حدًّا، ولم تقم بينة عدول يشهدون أن هذا الرجل شرب خمرًا، ولكن ريح الخمر قرينة تركن إليها النفس، ويغلب على الظن أنه شرب الخمر. وقد أجمع المالكية -مالك وعامة أصحابه- على العمل بالتدمية (٢) الحمراء، وإن أنكرها عليه غيره، لو وُجد رجل يتشحّط في دمه، وقال: دمي عند فلان، فإن مالكًا

стр. 120

يفتي بأن أولياءه يحلفون القسامة، ويقتلون ذلك الرجل، نفسٌ تقول: (لا إله إلا الله) يتجرأ مالك على إزالة رأسها عن عنقها، ولم تقم بينة؛ لأنه رأى القرينة التي تركن النفس إلى صدقها ركونًا بينا أن الإنسان إذا كان في غمرات الموت لا يكاد يكذب أبدًا؛ لأنه زالت أغراضه من الدنيا، ولم يبق له سبب للكذب. وفي ذلك الوقت اللدود الكافر الخنزير يسلم ويذهب إلى الحق، هذا فرعون الذي كان يقول: ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤] لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]، والله يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥]. وهذا نبي الله يوسف برأه الله بقضية عادلة من ذلك الشاهد، لم تقم فيها بينة، إلا أن النفس تركن إليها ركونًا يغلب على الظن أنه صدق، والله جاء بذلك مستحسنًا له في معرض التسليم، مبرئًا به نبيه الكريم، ذلك أن امرأة العزيز لما بهتته وقالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ [يوسف: ٢٥] اضطر إلى الدفاع، فقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وليس هنالك شهود يعلمون هو الكاذب، أو هي الكاذبة، فالشاهد قال لهم: انظروا إلى أمر تركن نفوسكم إليه يغنيكم عن البينة، انظروا قميص الرّجل فإن كان مشقوقًا من الأمام فهو يصول إليها، وهي تدفعه، وإن كان مشقوقًا من الوراء فهو هارب وهي تنوشه من ورائه، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ

стр. 121

قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٢٦، ٢٧]، محل الشاهد: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَال إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ﴾ [يوسف: ٢٨]، فألزموها الجناية، وحكموا عليها، والقران جاء بهذا في معرض الاستحسان والتصويب، وبراءة يوسف بهذا. فتبين أن هذا الأمر الذي ركنت إليه النفس وغلب على الظن صدقه يقوم مقام البينة، وإخوته أولاد يعقوب لمّا جعلوا أخاهم في غيابة الجبّ أخذوا سخلةً فذبحوها ولطخوا قميص يوسف بدمها، ليكون الدّم قرينة لهم على صدقهم في أنّ [يوسف] (١) أكله الذئب. فلمّا جاؤوا بالقميص عشاءً يبكون، تأمّل يعقوب في القميص فوجده ليس فيه شق، فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليمًا كيِّسا يقتل يوسف ولا يشق قميصه؟ ! ! وعلم بقرينة القميص أنهم كاذبون؛ ولذا قال الله عنه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ [يوسف: ١٨]، وقد أجمع علماء التفسير أنَّ مستند يعقوب في قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ قرينة عدم شق القميص كما جزم به أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية (٢). وقد أجمع العلماء عن بكرة أبيهم على أن الرجل يخطب المرأة ولم يرها قطّ، ويتزوجها من غير أن يراها، وإنما يسمع أن عند فلان بن فلان ابنة، فيخطبها وتزفّها إليه ولائد لا يثبت بقولهن درهم

стр. 122

ولا دينار، فقد أجمع العلماء أن له مسيسها من غير بينة تشهد على أن هذه عين فلانة بنت فلان التي وقع عليها العقد؛ لأنّ قرينة الصداق والعقد تدلّ على هذا، وتقوم مقام البينة مقامًا تركن إليه النفس، ويغلب على الظّن صدقه. وقد أطبق العلماء على أنّ الرّجل ينزل عند القوم فيأتيه الوليد والوليدة بطعام القوم -والطعام محترم معصوم- فليس عليه أن يتثبت ويلبث إلا ببينة تشهد أنه أذن له، فيأكل لأن قرينة الضيافة أمورٌ تركن إليها النفس ويغلب بها على الظن أنها أمرٌ حقيقي. كذلك إذاعة الحكومة يحتف بها من القرائن، لا يمكن أحد أن يأخذها ويزوّر، والنفس تركن إليها ركونًا قويًّا إن لم يكن يقينًا فهو مزاحم لليقين، أقوى من يقين شاهد أو شاهدين. والنكتة الثانية: هو أن ولي الأمر الذي يتولى أمور الناس على الناس أن تطيعه ولا تظهر الخلاف؛ لأن واحدًا صائم، وواحدًا غير صائم هذا شبه إظهار خلاف ونزاعات، وهذا يفت في عضد الأمة، والرمز إلى الخلاف لا ينبغي، فيجب على المسلمين جميعًا أن يكونوا منسجمين في غاية الاتفاق، الحاكم والمحكوم تتساعد جهودهم على الخير. أما استماع القرآن فيه (١): فالواقع في الحقيقة أن الذي يسمع

стр. 123

السامع في الرّاديو هو نفس صوت القارئ، إذا كان صوت القراءة طيبة، ولم تكن مقرونة بأمور تقتضي الاستهزاء فلا مانع، وإن كان بتمطيط لا يجوز، أو مقروءًا بحالة لا تقوم بالإجلال اللائق بالقرآن، كقولهم: "أغاني مسجلة لأم كلثوم وآيات من الذكر الحكيم"! ! إذا كان فيه أشياء ليس فيها احترام للقرآن كما ينبغي، أو الحال لا تجوز، فينبغي ألا يُسمع، وإن كان قراءة على بابها فهو صوت القارئ، لا بأس به. السؤال الخامس: ما هو حدّ البدعة التي من ارتكبها يعدّ مخالفًا للسنّة؟ وما عندكم فيما يفعله بعض متصوفة زماننا من حركات، والكلمات التي لا تعلّق لها بالصلاة، كاستدبار القبلة، والرقص والكلام بنحو: "مرّ، مرّ" مع الجزم بأن هذا كله لا يؤثر خللا في صلاتهم زاع مين الغلبة في الحال؟ الجواب: على كل حال: حدّ البدعة هو أن يبتدع الإنسان في الدين شيئًا لم يات في كتاب ولا سنّة ولم يأت ما يدل عليه، كل من جاء بشيء لم يأت في كتاب الله ولا سنة نبيه منصوصًا، ولا جاء فيها ما يدل عليه بوجهٍ من الدّلالات بمفهوم ومنطوق أو غير ذلك، فهذا هو البدعة، أمّا ما جاء في النصوص، أو ما يدخل في عموم النصوص، أو ما يؤخذ بالاستنباط من النصوص فهذا ليس بالبدعة، ومحل البدعة أن يكون أمرًا دينيًّا، أنها الأمور الدّنيوية فليس في المخترعات منها بدعة. وأما الحركات في الصلاة، والأفعال المضادّة للصّلاة فهي

стр. 124

حرام بإجماع المسلمين، ولا يقرها الشرع من أحدٍ أبدًا ألبتة، ولا شك أنها نزعات شيطانية "مئة في الميّة" ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣] فالصلاة لا يُسامَح فيها أحد بأن يتكلم فيها، بل المؤمن إذا قام في الصلاة علم أنه قائم بين يدي ملك السماوات والأرض يناجيه، فامتلأ قلبه نورًا، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأكبر الفحشاء والمنكر الصراخ والصعق في الصّلاة، فهو نزغات شيطانية بلا خلاف، ولا يشك فيها من أعطاه الله علمًا، ومن يحبذها فهو ضال؛ لأن الصلاة هذه أعظم دعائم الإسلام، والمسلم إذا وقع فيها ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، والكلام في أثناء الصلاة استهزاء بخالق الكون، وتمرد على نظام السماء، وعدم اهتمام بأعظم دعيمة من دعائم الإسلام، ولا يفعله إلا جاهل ينزغ فيه الشيطان، ليس هنالك علم راسخ ولا دين ثابت؛ لأن صاحب العلم الراسخ والدين الثابت كيف يتحرك ويزعق في صلاته؟ والشيطان إنما ينخسهم ويقول: هذه أحوال ووجدانيات، وكل هذا باطل، الصحابة لم يزعق واحدٌ منهم في صلاته، وكانوا كأن على رؤوسهم الطير، والنبي وهو سيد الخلق لم يتكلم في صلاته إلا بما يرضي الله بغاية الخشوع، وهذا أمر معروف لا يُسأل عنه أحد. السؤال السادس: ما عندكم في أداء الصلاة في الطائرة الجوية إذا تيقن عدم النزول إلا بعد خروج الوقت ؟

стр. 125

الجواب: أما أنا فقد يدخل عليّ الوقت مرارًا وأنا في الطائرة، وأصلي فيها، وأرى أن الإنسان إذا دخل عليه الوقت يصلي في الحالة التي هو بها؛ لأن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، والنبي يقول: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (١) ولا سيما إذا كان يركع ويسجد والقبلة يعرفها، وهذا الشائع في الناس أنه لا بد من الأرض، ويستدلون بحديث: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٢)، وأنا لم أجد له مَقْنَعًا في كتاب الله ولا في سنّة نبيِّه؛ لأن حديث: "جُعلت في الأرض مسجدًا وطهورًا" صيغته لا تقتضي عمومًا بإجماع أهل اللسان العربي، وإجماع الأصوليين، ولو اقتضت العموم لما كان الماء طهورًا أبدًا؛ لأنه لو حصرنا الطهور والمسجد فيه لكان الطهور محصورًا في نفس التراب، مع أن المالكية يقولون: إنها لا تطهر حدثًا ولا خبثًا ولا ترفع الحدث، وكل نصّ سيق للامتنان لا مفهوم له، ومن هنا أجمع عامة العلماء

стр. 126

على جواز أكل القديد من الحوت، لو يَبَّست الحوت وجعلته قديدًا بالملح لجاز أكله، والله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] فلا نقول: مفهوم اللحم الطبري أن قديد الحوت لا يؤكل؛ لأنه سيق للامتنان، فلو فرضنا أنه لا بد من متصل بالأرض فالطائرة متصلة بالأكسجين، والأكسجين جرم متصل بالأرض مثل الماء، فلو أخذت قربتين، وأحدها يملؤها رجل من الماء، والثاني يملؤها من الأكسجين لامتلأت من الأكسجين قبل هذه، ولو رأيتهما مطروحتين لم تفرق بينهما التي من الماء والتي من الأكسجين حتى تجذبها، فهذا أخفّ، وهذا أثقل، وعلى كل حال فالمسلم حيثما كان صلى، والنبي يقول: "اتق الله حيثما كنت"، ومن تقوى الله -جل وعلا- إقامة الصلاة في وقتها (١). [السؤال السابع (٢): (٣) عن حكمة جعل الطلاق بيد الرجل]. الجواب: ( ... ) معنى الآية في قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ويبين أن الرجل زارع والمرأة مزرعة، وأن الرجل

стр. 127

فاعل والمرأة مفعول به، هذه أمور محسوسة لا يمكن أن ينكرها إلا مكابر، ونحن نضرب لكم مثلًا حسيًّا في ذلك: لو أردنا أن نرغم رجلًا على امرأة لا يحبها ولا يريدها وأراد أن يطلقها، وقلنا مجاراةً للإفرنج على سبيل الفرض: لا، لا يمكنك أن تطلقها، ولابد أن تبقى معها! ! فهذه المرأة لو أرادت أن تَغلَقَ من هذا الرجل بحمل -والحمل هو أكبر الأغراض في النكاح- فإنها إذا أرادت أن تجامعه لتعلق منه بحمل، لا ينتشر ذكره إليها ولا تقدر أن تصل منه على فائدة، هذا أمرٌ مشاهد ملموس، بخلاف الرجل فإنه قد يُحبلها وهي راغمة كارهة فتلد فارسًا فيه خير البشرية جمعاء، كما قال أبو كبير الهذلي (١): ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مُهبَّل حملت به في ليلة مزؤودة ... كرهًا، وعقد نطاقها لم يُحلل فهذه أمور محسوسة تبين أن الرجل زارع وأن المرأة مزرعة، ولا أصدق من الله حيث يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] تُبذر فيه النطف حتى تستحصد. وهذه المزرعة تقوم للإنسانية باعمال وخدمات هائلة لا يوجد مثلها، فالمرأة تقوم للإنسانية بأعظم مما يقوم به الرجل. فإذا عرفنا من القرآن ومن الأمور المحسوسة أن المرأة مزرعة

стр. 128

وحقل زراعة، وأن الرجل فاعل والمرأة مفعول، والرجل زارع والمرأة مزرعة، فلو قارنا مع هذا ووجدنا رجلًا علم أن الحقل الفلاني ليس صالحًا لزراعته ثم أراد أن ينتقل إلى حقل آخر ريعه أكثر وزراعته أكبر فقلنا له: لا بد أن نرغمك على البقاء على الحقل الأوّل الذي لا يناسبك! ! فعامّة الناس يقولون: قد ظلمتم هذا! ! فهذه أمور واضحة لمن تأملها. ولكن كون المرأة تعمل فيما يناسبها وما يلائمها مما خلقها الله له، وتساعد البشرية بأكبر مساعدة في عفاف وستر وصيانة، هذا أمر يردي الشيطان ويحسُد الآدميين عليه، فيقول للمرأة: جعلوك مقفولًا عليكِ، أنتِ دجاجة، أنت لست بإنسان، فلا بد أن تقومي وتدخلي في ميادين الحياة والكفاح! ! فإذا خرجت بقي ولدها الرضيع لا يجد من يُرضعه، وولدها الفطيم لا يجد من يحفظه، وولدها المريض لا يجد من يقوم عليه، وشؤون بيتها لا تجد من يصلحها، فيضطرون إلى أن يؤجروا إنسانًا يقوم مقامها، فيبقى ذلك الإنسان المسكين هو الدجاجة المحبوسة، التي فرّت هي من أن تكون مثلها، فترجع النتيجة في حافرتها. وعلى كل حال فنحن نقول في هذا: إن جميع العقلاء مطبقون على أن الأنوثة وصف نقص جبلي خلقي طبعي، وهذا معروف في أقطار الدنيا، أنه لا تكاد امرأة أن تقاوم ذكرًا، حتى إن الصفات التي هي نقص في الرجال مدح في النساء، ألا ترون أن ضعف البُنية والأركان والعظام هذا عيب في الرجال؟ وهذا من محاسن النساء الذي يجلب إليهن القلوب ويحببهن! هذا جرير وهو عربي

стр. 129

قَحّ سليم القريحة. يقول (١): إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا فأثنى عليهن بالضعف، والرجل لو قيل عنه الضعف لكان ذمًّا؛ فلأجل المنافاة في الخلقة والطبيعة يكون الوصف الذي هو ذم لهذا هو بعينه مدح لهذا، وكذلك الرجل الذي لا يقدر أن يُبين في الخصام هذا عيب في الرجال، وربما كان هذا من محاسن النساء التي تجذب إليهن القلوب، هذا عبد الله بن الزميه يقول (٢): بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يُجيبُ فلم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال مريب فجعل هذا العي وعدم الإبانة في الخصام كما قال الله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] جعله من محاسنهن الذي يجلب إليهن القلوب ويُستحسن منهن، وهو نقص في الرجال. فهذه حِكَمُ الله وأموره الشرعية الحسيّة المعقولة أن المرأة تخالف الرجل في جبلتها وطبيعتها، ولأجل تلك الخلافات الطبيعية اختلفا في الأحكام، فكان الرجل لقوة ذكورته وكمالها قائمًا على

стр. 130

المرأة مكلفًا بشؤونها في ميادين الحياة، وإذا المرأة لم تجد من يقوم بها فلها أن تشارك في ميادين الحياة لكن مع الصيانة والستر والعفاف؛ لأن المرأة لا يجوز لها أن تجعل نفسها مائدة للخونة، وربما كان الخائن يريد النظرة الفاجرة يحبها ويقدمها على كل شيء، كما قال أحدهم (١): قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقومُ فهذه العين الخائنة التي تتمنى الخيانة بالنظر إلى هذا الحدّ لا ينبغي للإنسان (٢). وعلى كل حال فكل من فيه مروءة يعلم هذا، لو عرضنا على أطرف إنسان فيه مروءة وقلنا له: أتحب أن تخرج أخواتك وبناتك وزوجتك أمام الناس وأمام أعين الخونة يتمتعون بجمالهن ظلمًا ومكرًا وغدرًا وجناية على الشرف والرذيلة، وجناية على المرأة؟ فكل العقلاء يقولون: لا ينبغي هذا. فيُعلم من هذا أن المرأة إذا زاولت بعض الأعمال في صيانة وستر وعفاف فلا مانع، وإذا أرادت أن تزاول بعض الأعمال في تكشف وأمور لا تليق بالفضيلة، بل هي تليق بالرذيلة والانحطاط الخلقي وضياع القيم العليا والمُثُل العظيمة للإنسانية هذا أمر لا ينبغي. ووجه كون الطلاق بيد الرجل هو ما بيّنا من أن النساء مزارع،

стр. 131

نصّ الله على ذلك في قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وهو مشاهد في أن آلة الازدراع مع الرجل، وأن الرجل فاعلٌ حسًّا، وأن المرأة مفعولٌ به، والرجل زارع والمرأة مزرعة، ولو أُعطي الإنسان خياره في الحقل الذي يناسب زراعته لكان أمرًا معقول الحكمة، واضح المعنى عند جماعة العقلاء. [السؤال الثامن: ] (١) لو قيل إن عقد الزوجية تعاقد بين طرفين: الزوج والزوجة، والزوج دافع الصداق، فلو جُعل من الناحية العقلية أن الطلاق بيد المرأة لضيعت على زوجها حقه، فيكون هذا من الناحية العقلية كذلك. الجواب: هذا الذي أشرنا له في الآية الكريمة؛ لأن الله قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] وعلل بعلتين: إحداهما: فضل الذكر على الأنثى في الخلقة والجبلة، وهو ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]. الثانية: دفع المال -كما تفضلتم- وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] (٢). على كل حال الذي بينا هذه الفروع إذا كان الرجل هو الفاعل

стр. 132

والقائم، ولو فرضنا أن نرغم الرجل على المرأة وهو لا يريدها لم يكن في ذلك فائدة ولا نتيجة للمرأة، والمرأة: الرجل لم يأخذ منها شيئًا، وإنما مكث معها ينفعها، أعطاها صداقًا ودفع لها مدة حياته ينفقها، لم يأخذ منها شيئًا، كان هذا الذي يقول: إنما ضاع جمالها! ! ضاع بالأيام والليالي، الأيام والليالي هي التي أضاعته، الرجل لم يضعه ولم يجن عليه. عجوز تمنت أن تكون صبية ... وقد قوس العينان واحدودب الظهر فجاءت إلى العطار تبغي شبابها ... ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر (١) الرجل ليس هو الذي جنى عليها! [السؤال التاسع: ] أريد أن يبين الشيخ للناس أن المرأة ليست لعبة بين يديّ الرجل؛ لأن يكون الرجل عادلًا مع المرأة ويعطيها حقها، ولا يجعلها لعبة أي: إذا زال الغرض فيُلقيها عنه فهذا ليس من القِسط وليس من الإنسانية ؛ لأنكم حثيتم على قيمة الإنسان في محاضرتكم، والإسلام يعطي حقًّا كثيرًا للإنسانية ومن الإنسانية أن يعطى للمرأة حقها أليس كذلك؟ الجواب: على كل حال هذه الفكرة كأنها تتسمَّم بفكرة أجنبية

стр. 133

عن الإسلام، ونحن نبين ونقول: إن الإسلام أحاط للمرأة جميع منافعها ولم يُضِعْ لها بمنفعة، ولم يتلاعب لها بمنفعة، أما الرجل الذي جاءها لم يجز له أن يتزوجها إلا بصداق ومال، والمدّة التي يمكث معها يجب عليه إنفاقها وكفايتها من كل شيء، وإذا زالت بكارتها وزال غرضه منها لا مانع من أن يطلقها، وليس فيه تضييع لحياتها، فكم من ثيب جميلة تُختار على آلاف الأبكار، وهذا أمر مشاهد؛ لأنها إذا كانت ذات جمال ولو عجوزة، والشاعر قال (١): أبى القلب إلا أم عمرو وحبها ... عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند كثوب اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد فإذا كانت جميلة لا تضرها زوال البكارة، بل كم من ثيب يتنافس فيها الخُطَّاب وتأتيها الركبان من بلد إلى بلد، وأزواج النبي -وهو سيد الخلق- واختار له أكثرهن ثيبات، لم يتزوج بكرًا إلا واحدة. والله قدم الثيبات في القرآن فقال: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] والمرأة زوال بكارتها لا يضرها، فكم من ثيب يُرغب فيها أكثر -يعني- من بكر، وهذا لا يُضيع جمالها، بل يتزوجها رجل آخر ويعطيها كما شاءت، وهذا الرجل لم يضرها بشيء، إنما البكارة التي أزالها فيها الصداق، والله يقول: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]. فجعل ثمن البكارة الصداق الذي دُفع لها، فهو ثمن تمام، أصلًا أخذت صداقها الكامل تعقد

стр. 134

ما تشاء كيف تشاء، وذلك ثمن بكارتها والاستمتاع بها الذي يؤخذ؛ ولذا قال الله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٠، ٢١] فثمن بكارتها المال التي استلمته، وقد يكون تفتح منه دكاكين وتكون غنية منه إلى الأبد، ومادامت عنده هي مُؤمّنة حياتها، وإذا طلقها إذا كانت جميلة فجمالها يجلب لها الرجال، وإذا كانت قبيحة فعلى بختها، ودين الإسلام لم يظلمها بشيء، ولم يعمل لها إلا كفالة الحقوق والكمال على ما ينبغي، وكم من ثيب طلقها رجل وأزال بكارتها وتزوجت رجلًا أعظم منه، وكم طلقها الثاني وتزوجت أغنى من ذلك، وهذا أمر معروف مشاهد في الدنيا. والذوق الذي يقول: "إنها إذا زالت بكارتها لا يُرغب فيها" ذوق أفرنجي معكوس مخالف للحقائق، وكم من رجل يختار الثيب على آلاف الأبكار، وهذا مشاهد في الدنيا؛ لأنه كم من ثيب جميلة خير من ألف بكر، والبكر بعد ليلة واحدة ترجع ثيبة، فإن دين الإسلام لم يظلم المرأة بشيء، ولم يغمط لها حقًّا من الحقوق، بل أعطاها حقوقها كاملة، وإزالة البكارة أخذت ثمنها صداقًا وافيًا كاملًا تمامًا. كما قال (١): "أبغض الحلال" لم يجعله كمان تمام (٢)، يعني

стр. 135

يُبغّض في الطلاق ويأمر الرجل بهذا فقال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩] يعطف قلب الرجل على المرأة ويُزيّن البقاء معها والصبر معها والمعاشرة معها على أكمل ما يكون، والمصالحة كما قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. هذه النظرة نظرها دين الإسلام ويحض إليها تمامًا، ولكن إذا انقطعت الأسباب في الرجل ولم يصبر ما نقول: رغم أنفك وأنت ظلمتها! ! ما هو صحيح! ! أوجب لها السكنى ليرجع له غرض فيها ويأخذها مجال" (١)، وجعل له الإقالة مرتين لتمكنه المراجعة، والنبي يقبّح لهم الطلاق فهو لا ينبغي، وفي بعض الأحاديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (٢). والله يأمر على هذا يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩] هذا عطف على الصبر معهن، والصبر عليهن، ومعاشرتهن وعدم الطلاق. هذا يأمر به الإسلام أمرًا حثيثًا، ومن أعظمه آية: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ

стр. 136

خَيرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩] هذا تصبير من الله وتقويم على عدم الطلاق، لكن إذا انقضت حيلة الرجل وصبره لم تبق هناك عملية لهذا إلا الفراق؛ لأنه لو لم يجعل الفراق هذا وسيلة كان المجتمع يقع في بلايا لا حد لها أصلًا؛ لأنها قد تكون المرأة كالغل للقلب، وتكون كالضرس الذي تُمرض صاحبها، وتكون بلية على صاحبها، فإذا لم يجد خلاصًا منها تعب وتعبت، والله يقول: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١) [النساء: ١٣٠]. هو كما تفضل الأخ كأنه يجعله حلًّا للمشاكل كالعملية التي ما يبقى عنها شيء؛ ولذا الله لم يحبّذه، ولم يُرَغّب فيه، بل أمر بتركه والصبر على عدمه، ولكن إذا كان أمام الأمر الواقع فلا مانع. الذواقون (٢) مذمومون شرعًا، هذا ما فيه كلام. [السؤال العاشر: ] ما هو الدليل القطعي على وجوب إثبات البسملة في غير سورة النمل أو حذفها، وعلى الأول هل يجهر بها أو يسر ؟ الجواب: إن العلماء اختلفوا في البسملة في غير سورة النمل إلى ثلاثة مذاهب:

стр. 137

الأول: أنها [آية] (١) من الفاتحة ومن كل [سورة] (٢) ما عدا براءة. الثاني: أنها ليست بآية في الفاتحة ولا في غيرها. الثالث: أنها آية في الفاتحة وليست بآية في غيرها. وكل منهم يأتي بحجج وأدلة على قوله. وأظهر الأقوال: هو ما يستشهد له الأصول وهو الجمع بين هذه الأدلة بأن البسملة في الفاتحة وفي أول كل سورة آية من القرآن في بعض الحروف، كحرف قارئ أهل مكة -عبد الله بن كثير- وليس بحرف في بعض القراءات، ولا إشكال في كون الحرف أو الكلمة قراءة مروية في بعض القراءات وليست بقراءة في قراءة أخرى، فقوله في سورة الحديد: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ليس فيه لفظة (هو) في مصحف عثمان بن عفان الذي بقي في المدينة، وفي بعض المصاحف، كالمصاحف التي أرسلت إلى العراق فيها: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٣) [الحديد: ٢٤] فلفظة (هو) من القرآن العظيم في قراءة عاصم وليست من القرآن العظيم في قراءة نافع. و ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ في بعض القراءات: ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وفي بعضها ﴿بالزُّبُرِ﴾ (٤) [آل عمران / ١٨٤]. وفي سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] بلا واو، وهو في المصاحف

стр. 138

ما عدا المصحف الذي أُرسل إلى الشام، وفي مصحف الشام: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ بالواو (١). وفي سورة الشمس في بعض المصاحف ﴿فلا يخاف عقباها﴾ [الشمس / ١٥] بالفاء، وفي بعضها: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (٢). فإذا كانت الحروف تختلف بهذا الاختلاف بإبدال حرف بحرف، وحذف كلمة في قراءة وإثباتها في قراءة أخرى، فالبسملة آية في بعض هذه القراءات وليست بآية في بعضها، ولا مانع من أن يقرأها جبريل على النبي في بعض الحروف باسم أنها آية، وفي بعض الحروف يقرأ بدونها، وهذا أمر جائز، والمعروف في الأصول أنه إذا أمكن الجمع سير إليه، وهذا تُجمع به الأقاويل، واختاره غير واحد من المحققين. وأكثر العلماء يقولون: إن النبي ﷺ لم يثبت عنه الجهر بها -كان قال بعضهم ثبت عنه- فالأكثر عدم الجهر بها. إذا القول بالإسرار أكثر قائلًا؛ لأن النبي ﷺ لو كان معهودًا عنه أنه يجهر بها دائمًا لما كان في ذلك خلاف. [السؤال الحادي عشر: ] ما هو الأظهر عندكم في الأقوال المختلفة في معنى قوله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف " (٣)؟

стр. 139

الجواب: في هذا السؤال هو أنا نقول عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] نقول: الله تعالى أعلم. [السؤال الثاني عشر: ] ما هي الحكمة في تقديم (به) في البقرة في قوله تعالى: ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وتأخيرها في غيرها؟ الجواب: الظاهر أن أقرب الحِكَم البلاغية فيه: هو ما يذكره بعض العلماء أنه تفنن في العبارة؛ لأن تكرير العبارة بلفظ واحد أحلى منه عند النفوس تغيير الأسلوب. [السؤال الثالث عشر: ] ما هو التوفيق بين الحصرين في قوله تعالى: ﴿إنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الكهف: ٥٥] وقوله: ﴿إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء: ٩٤]. الجواب: أنه كما تفضلتم يظهر إشكال بين الحصرين في قوله في سورة الإسراء -سورة بني إسرائيل- ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء: ٩٤] فكأن

стр. 140

استغرابهم ببعث الرسول محصور فيه هذا المنع من الهدى، وقوله في سورة الكهف: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾ [الكهف: ٥٥] وفي القراءة الأخرى: ﴿قُبُلًا﴾ (١). والجواب عن هذا عند العلماء: هو اختلاف جهة الحصرين، أما الحصر في سورة بني إسرائيل فهو حصر عادي في سببه العادي، والأسباب العادية قد تتخلّف بمشيئة الله -جل وعلا-؛ لأنه جرت العادة أن البشر إذا جاءهم رسول منهم استغربوا وقالوا: كيف يُرسل إلينا رجل يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق؟ وهذا كثير في القرآن كقولهم عنه: ﴿مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وقالوا في البشر: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾ [التغابن: ٦] ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ [القمر: ٢٤] ﴿مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] فكون الناس يستغربون بعث البشر هذا استغراب عادي ضل بسببه أكثرهم، مِع أن الله بيّن لهم أن رسالة البشر هي معروفة، قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا﴾ [الأنبياء: ٧] أي: لا ملائكة، وقال في الرسل: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨] فهذا المانع وهو قولهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]

стр. 141

واستغرابهم ببعث بشر مانع عادي، والأمور العادية قد تتخلف؛ ولذا أسلم كثير من الناس ولم يمنعهم كون المبعوث بشرًا. أما المانع في قوله في سورة الكهف: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٥٥] فهو مانع حقيقي عقلي؛ لأن المعنى على أصح القولين: وما منعهم أن يؤمنوا إلا أن الله أراد بهم في سابق علمه وأزله أن يبقوا على كفرهم حتى يأتيهم أحد أمرين: أن يأتيهم الهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب قبلًا في الآخرة، وهذا الذي سبق في علم الله وإرادته لا يمكن أن يتغير. فهذا مانع حقيقي لا يتخلف، وذلك مانع عادي قد يتخلف، فانفكت جهة المانعين بكون هذا عاديًّا وهذا عقليًّا، فزال الخلاف لانفكاك جهة المانعية. [السؤال الرابع عشر: ] ما معنى قوله تعالى في سورة النمل: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [ النمل: ٦٦]. الجواب: في هذه الآية أوجه معلومة للعلماء، من أظهرها: أن الكفار في دار الدنيا تختلف علومهم في الآخرة فمن مكذب ومن مصدق ومن شاك، ويوم القيامة يرون الحق عيانًا ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق: ٢٢] ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] فيتدارك علمهم ويتلاحق ويرون الحق يقينًا بحيث لا يبقى فيه لبس ولا شك، وعند ذلك يقول الواحد منهم: هل من سبيل؟ هل من مرد؟ يا ليتنا نُردّ ولا نكذب بآيات ربنا، والله يقول: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].

стр. 142

[السؤال الخامس عشر: ] هل يمكن عندكم الآن تصحيح ما لم يصحح من الأحاديث كما هو مذهب النووي، أم لا يمكن كما هو مذهب ابن الصلاح ؟ الجواب: على كل حال الظاهر أنه في هذه الأوقات ليس للمعاصرين علم جديد بالرواة إلا مأخوذًا عمن قبلهم، فلا يمكنهم التزكية ولا الجرح إلا باستناد ما سطره من قبلهم، هذا هو الذي يظهر. [السؤال السادس عشر: ] هل ما أسنده الشيخان ترجح فيه قول الأول (١) أم قول الثاني (٢)؟ . الجواب: أما ما أسنده الشيخان وكل حديث لم يبلغ حد التواتر فله جهتان: جهة هو منها قطعي، وجهة هو منها ظنّي، والواحد في الشخص له جهتان: أما من حيث وجوب العمل فهو قطعي؛ لأن ما ثبت عندنا بعدول الرواة ولو أخبار آحاد فالعمل به قطعي علينا، وأما أن نحكم بأن ذلك الأمر حق في نفس الأمر فيما بيننا وبين الله فهو من هذه الحيثية ظني، ونضرب لهذا الأمثال: هذا نبينا محمد ﷺ يقول في حديث أم سلمة المتفق عليه: "إنما أنا بشر، وإنكم لتختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له فلا يأخذ من حق أخيه شيئًا فكأنما أقطع له قطعة من نار" (٣) قضاء النبي قطعي، إنه حق من قبيل الشرع، وهو في نفس

стр. 143

الأمر لا يدري أيطابق الأمر، أو لا يطابقه؟ ولذا يحذِّر من أخذه ويقول: "فكأنما أقطع له قطعة من نار" والله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فعلينا أن نأخذ بشهادة العدلين قطعًا لنص القرآن العظيم، ولو سئلنا: أأنتم جازمون بأنهما صادقان في نفس الأمر؟ لقلنا: لا؛ لأنهم غير معصومين، فهو من جهة العمل الشرعي قطعي، ومن جهة الواقع في نفس الأمر أمر ظني، ولا بأس أن يُبنى في الشرع قطعي على ظني، بل نجد في كتاب الله أن الظواهر القطعية قد تُبنى على أمور هي باطلة، وهذا جاء في كتاب الله؛ لأنه لما رمى هلال زوجته (١) ورمى عويمر العجلاني زوجته (٢) واجتمع الجميع عند النبي والرجل يقول: هي زانية، وهي تقول: هو قاذف محصنة. لا شك أن أحدهما كاذب بلا شك، والنبي قال في الملاعنة: "الله يعلم أن أحدكما لكاذب" ولو لم يقلها النبي فنحن نجزم بها قطعًا. جاءت آية اللعان فحلف الرجل أيمانه، وخمّس باللعنة وصدقه الشرع، ثم حلفت المرأة

стр. 144

أيمانها وخمست بالغضب فصدقها الشرع، ولم يلزم هذا حد ولم يلزم هذا حد، ولم تقم على واحد منهما حجة بأنه وقع في محذور، والله لمّا بيّن هذا بيَّن أن بناء هذه الأمور الشرائع القطعية على ظواهر زائفة غير حقيقية أنه من حكمته في التشريع؛ ولذا أتبع آية اللعان بقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [النور: ١٠] أي: لولا ذلك لما قبل منكم هذه التشريعات وهذه التسهيلات التي أنتم تعلمون أن بواطنها لا حقيقة لها، فنحن نعلم أنّ أحدهما كاذب، ونعلم أنه لو تعين كذبه لكان عليه جلد القذف، ولو تعين كذبها لكان عليها الرجم؛ لأنها زانية محصنة، وهذا ثابت، وقد سقط عنه الجلد وعنها الرجم، وصُدّقا معًا في ظاهرِ حكم -باطنُهُ نحن نعلم أن أحد الشخصين كاذب- وبهذا نعلم أن للشرع ظواهر وبواطن، وأنه قد تكون ظواهر الشرع قطعية، والبواطن لا يلزم أن تكون مطابقة لما في نفس الأمر. [السؤال السابع عشر: ] هل الخلع طلاق أو فسخ؟ وما هو رأيكم في تعدد الزوجات ؟ الجواب: أن أنظار العلماء اختلفت في الخلع هل هو فسخ، أو طلاق؟ فكانت جماعة من العلماء منهم: عبد الله بن عباس، والإمام أحمد، والشافعي يقولون: إن الخلع فسخ لا طلاق، واستدلوا بالقرآن؛ لأن الله قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم ذكر الخلع بعد هاتين المرتين فقال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم جاء بالطلقة الثالثة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].

стр. 145

وهنالك قوم آخرون قالوا: إن الخلع طلاق، وقالوا: هذه الآية -وإن استدل بها ترجمان القرآن ابن عباس- لا دليل فيها؛ لأنه لما قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ذَكَرَ جواز الخلع لا يقتضي أن الخلع طلقة ثالثة، وقد جاء في حديث مرسل حسن أن الثالثة في قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فتكون الثالثة جاءت قبل ذكر الخلع فلا دليل في الخلع. وأنا أقول: أقرب الوجهين عندي للمعنى قول من قال: إنه طلاق؛ لأن الخلع معاوضة، وأحد المتعاوضين لا يدفع إلا شيئًا يملكه، والرجل لا يملك نوعًا من الفراق للمرأة إلا الطلاق، فالذي يظهر أن عوض المال من جهة المرأة يقابله عوض مملوك للرجل من جهة الرجل، ولا يملك من ذلك شيئًا إلا الطلاق، ويستأنس لهذا بما ثبت في الصحيح في بعض روايات مخالعة ثابت بن قيس وامرأته أن النبي ﷺ قال له: "خذ الحديقة وطلقها تطليقة" (١). فكأن هذا يستأنس له بأنه جعل الطلقة في مقابلة المال. والله تعالى أعلم. أما تعدد الزوجات فينظر فيه بنظرين: أما هو من أصله دل القرآن على إباحته، وفيه مصالح عظيمة للرجل وللمرأة وللأمة؛ لأن المرأة الواحدة تمرض وتحيض وتنفس فتكون عاجزة عن أخصّ لوازم الزوجية بتلك الأعذار والعوائق، والغرض الأكبر من أغراض النكاح: التناسل وكثرة الأمم؛ لتقوم الأمة في وجه عدوها لتكون كلمة الله هي العليا؛ ولأن الله أجرى العادة بأن الرجال أقل عددًا في أقطار [الدنيا
следующие страницы →