تلك الطائفة الطيبة، وأن يتجنبوا أن يكونوا من الطائفتين الخبيثتين.
ثم أشار إلى أن مدار ذلك على تحقيق كلمتين فيهما خير الدُّنيا والآخرة وعليهما قوام السماء والأرض (لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله) فبين الأولى، وفصل نفيها وإثباتها، وجاء ببراهينها القطعيّة مضمنة براهين البعث، ثم جاء بالثانية موضحًا إياها ببرهان الإعجاز. هذه العبادة التي أشير إليها هنا هي فروع كثيرة وأنواع منتشرة، وهي طاعة الله في جميع ما أمر به، وجميع ما نهى عنه، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف / ١١٠].
والقرآن العظيم هو النور والميزان العدل الذيِ يُعرف به الحق من الباطل، والله يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد / ٢٥] وقد بين لنا القرآن ميزانًا نعرف به أعمالنا ومحكًّا ننقد به أعمالنا، فنعرف أزائفة هي أم خالصة، أحق هي أم باطل، وقد بين القرآن العظيم أن المسلم إذا أراد أن يعرض عمله على ميزان يعرف به أعمله صالح أم طالح أن ذلك الميزان يتركب من ثلاثة أشياء، إذا كانت هذه الثلاثة الأشياء موجودة في ذلك العمل فهو عمل صالح كما ينبغي، وإن اختل منها واحد فالعمل طالح غير صالح.
الأوَّل: من هذه الأمور الثلاثة: هو أن يكون ذلك العمل مطابقًا في ظاهر الأمر لما جاء به سيد الخلق محمَّد صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنَّ الله هو الملك الأعظم الجبار لا يقبل أن يتقرب إليه إلَّا طبق ما أمر؛ ولذا يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾
стр. 37
[الشورى / ٢١] ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس / ٥٩] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر / ٧] ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء / ٨٠].
الثَّاني: أن يكون الإنسان فيما بينه وبين ربه في داخل نيته التي لا يطلع عليها إلَّا الله أن يكون مخلصا لله في ذلك العمل كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة / ٥] وقال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر / ١١، ١٥]. فمن عبد بغير إخلاص جاء بما لم يؤمر به؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
الثالث: أن يكون ذلك العمل مبنيًّا علي أساس العقيدة والتوحيد الصحيح؛ لأنَّ العقيدة كالأساس والعمل كالسقف، فالسقف إذا وجد أساسًا ثبت عليه، وإن لم يجد أساسًا انهار، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء / ١٢٤] فيقيد بالإيمان، ثم إنَّه يبين الذين يعملون الصالحات من غير إيمان ويقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان / ٢٣] ويقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود / ١٥ - ١٦] والعقيدة الصحيحة التي هي الأساس الذي يبنى عليه العمل ضابطها المنطبق علي جزئياتها هو الاستضاءة بنور هذا القرآن العظيم، لأنَّ العقول مخلوقة قاصرة واقفة عند حدها، والمُعتصَم الوحيد هو نور القرآن العظيم، فما قاله الله
стр. 38
ورسوله وثبت عنهما نقوله، وما لم يقولاه لم نقله، وما أوجباه نعمل به، وما سكتا عنه نتركه، وما فصل فيه الكتاب والسنة نفصل، وما أجمل فيه نجمل، وما سكتا عنه نسكت، ولا نتكلف ما لا نعلم.
ونحن دائمًا نبين في المناسبات أن هنالك مسائل مثلًا كآيات الصفات زلت فيها عقول النَّاس، وضل قوم بالإفراط وقوم بالتفريط، وقوم شبهوا، وقوم عطّلوا، ونحن دائمًا ندعوا أنفسنا وإخواننا إلى طريق القرآن والعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهي التمسك بكتاب الله، وأن استقراء القرآن دل على أن الطَّريق الواضح طريق السلامة في ذلك تتركّز على ثلاثة أُسس كلها في ضوء القرآن العظيم، فمن جاء بها كلها فقد سلك طريق السلف التي كان عليها النَّبيُّ ﷺ وأصحابه وخلفاؤه الراشدون والقرون المشهود لهم بالخير، ومن أخل بواحد منها فقد أوقع نفسه في مهواة قد لا يتخلص منها. هذه الأسس الثلاثة ( ... ) (١).
* * *
стр. 39
[٢] (اشتمال القرآن على خيري الدُّنيا والآخرة)
ومن ذلك:
١ - بيان المعتقد الصَّحيح في آيات الصفات.
٢ - بيان الموقف الصحيح من الحضارة الغربية.
٣ - بيان أن الإسلام دين القوة والتقدم في جميع الميادين.
стр. 40
(١) والآن نقول: إن هذا القرآن العظيم فيه خير الدُّنيا والآخرة، ولم يضمن الله لأحدٍ ألّا يكون ضالًا في الدُّنيا ولا شقيًّا في الآخرة إلَّا المتمسك بهذا القرآن العظيم ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه / ١٢٣] وهذا القرآن العظيم بين أن المعتقد المنجي الذي هو طريق سلامة محققة في آيات الصفات يتركز على ثلاثة أُسس كلها في ضوء آية من كتاب الله، فمن جاء بهذه الأسس الثلاثة فقد سار في ضوء القرآن العظيم، ولقي الله متمسكًا بالعروة الوثقى على المحجة البيضاء التي كان عليها محمد ﷺ وأصحابه، وهو طريق السلف، وقد قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁ وأرضاه- وصدق: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلَّا ما أصلح أولها).
أول هذه الأسس الثلاثة -أيها الإخوان- نكرره لكم مرَّة بعد مرَّة: هو الأساس الأكبر، والتوحيد الأعظم، والحجر الأساسي للصلة الصحيحة بخالق هذا الكون، هذا الأساس: هو تنزيه خالق السموات والأرض التنزيه التَّام عن أن يُشبه شيئًا من خلقه في أي شيء من صفاتهم، أو ذواتهم، أو أفعالهم، وكيف يشبه الخلق خالقه؟ أليس أثرَا من آثار قدرته وإرادته؟ وكيف تشبه الصنعة صانعها؟ هذا لا يخطر في الأذهان السليمة من أقذار التشبيه. وهذا الأصل في ضوء قوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى / ١١] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص / ٤] وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ [النحل / ٧٤].
стр. 41
وهذا الأصل هو أساس الخير، والحَجَر الأساسي للتوحيد، فمن حققه حسنت صلته بالله، وكان على ثقة صحيحة من عقيدته؛ لأنَّه هو الأساس الأعظم والطريق الأكبر في هذا الطَّريق، تنزيه خالق الكون عن مشابهة خلقه في جميع أنواع صفاتهم، وفي جميع أنواع المشابهات، فإذا استولى هذا الأساس على القلب، وطهرت أرضه من أقذار التشبيه، وعظمت رب العالمين كما ينبغي، وعلمت أنَّه لا يمكن أن يشبهه شيء من خلقه:
فالأساس الثَّاني من الأسس الثلاثة هو: تصديق الله فيما أثنى به على نفسه، وتصديق رسوله فيما أثنى به على ربه؛ لأنَّه لا يصف الله أعلمُ بالله من الله، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة / ١٤٠] ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ الذي قال فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم / ٣، ٤] ولكن هذا الإيمان والتصديق لصفات الله التي مدح الله بها نفسه، أو أثنى عليه بها رسوله إيمانًا مبنيًّا على أساس التنزيه الكامل -وهذا التعليم الذي قلت لكم الآن في هذين الأساسين- لم آت به من تلقاء نفسي، وإنما أخذته من نور المحكم المنزل؛ لأنَّ الله يقول: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى / ١١] فإتيانه بـ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ بعد قوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ فيه سر أكبر، ومغزى أعظم، وتعليم سماوي لا يترك في الحق لبسًا ألبتة.
وإيضاح هذا: أن السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر صفتان يتصف بهما جميع الحيوانات -ولله المثل الأعلى- فالبقر يسمع
стр. 42
ويبصر، والبعير يسمع ويبصر، والإنسان يسمع ويبصر، ولأجل هذا جاء بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ مقترنًا بقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ يعتي: لا تتنطع يا عبدي يا مسكين فتنفي عني صفة سمعي وبصري بالدعاوي الباطلة: أنك لو أثبت السمع والبصر كنت مشبهًا بالخلق. لا؛ أثبت لي سمعى وبصري إثباتًا مبنيًّا على أساس التنزيه مراعيًا فيه قولي قبله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾.
فأول الآية الكريمة تنزيه كامل من غير تعطيل، وآخرها إيمان بالصفات إيمانًا كاملًا من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل. فذكرنا أساسين من هذه الأسس الثلاثة:
الأوَّل: هو الأساس الأعظم الذي هو رأس الخير: تنزيه خالق الكون عن مشابهة الخلق.
الثَّاني: الإيمان بالصفات، وتصدية الله ورسوله فيما أثنى به على نفسه، أو أثنى عليه به رسوله تصديقًا مبنيًّا على أساس التنزيه على نحو ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى / ١١].
الأساس الثالث: هو أن نعلم أن عقولنا المسكينة مخلوقة واقفة عند حدها، وأن خالق الكون أعظم وأكبر وأجل وأنزه من أن تحيط به العقول، وهذا الأساس مبين في آية من سورة طه ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه / ١١٠].
فمن اعتقد هذه الأسس الثلاثة فنزه خالق الكون عن مشابهة الخلق في ضوء ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾، وأثبت له ما أثبته لنفسه على أساس
стр. 43
التنزيه في ضوء ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ بعد ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى / ١١]، وقطع الطمع عن إدراك الكيفيات= لقي الله مخلصًا سالمًا من ورطة التشبيه، ومن ورطة التعطيل، ومن ورطة التكلف وزَجِّ نفسه فيما لا يعنيه ولا يقدر عليه.
هذا نموذج قليل يزيد أن نبينه لكم هنا، ثم إنا بعد هذا النموذج القليل الواضح الذي يُبَسِّط عقيدة السلف على ضوء القرآن العظيم نُؤكد لكم نحن الآن في هذه الدُّنيا عن قريب سننتقل إلى القبور لا شك، ونُنقل من القبور إلى عرصات القيامة، ونناقَش على ما قدمنا من حقير وجليل، ونجد كل ما قدمنا مسطورًا مكتوبًا في كتاب أحصاه خالق الكون -جل وعلا- ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة / ٦] وهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها، يقال للواحد منا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء / ١٤] ولا شك أن مما نناقش فيه: ماذا نقول فيما أثنى به ربنا على نفسه؟ فمن لقي الله منا وهو مُنَزّه ربه عن تشبيه الخلق، مُصدِّق ربه فيما قال، قاطع طمعه عن إدراك الكيفية كان على طريق سلامة محققة، وأنا أؤكد لكم أن هذه الأسس الثلاثة لا تأتيه من واحد منها يوم القيامة بلية ولا ويل ولا مشكلة، فلا يقول له الله: لم تنزهني عن مشابهة خلقي؟ لا، أبدًا، ولا يقول له: لم تصدقني فيما أثنيت به على نفسي، وتؤمن بصفاتي على أساس التنزيه؟ لا، أبدًا، ولا يقول له: لم لا تَدَّعي أن عقلك محيط بي؟ لا، أبدًا. فهي طريق سلامة محققة.
ثم إنا الآن بعد هذه النقطة التي بيناها اليوم وأشرنا إليها الآن نبين
стр. 44
لكم -أيها الإخوان- الموقف الطبيعي والذي ينبغي أن يُفهم ويسلك لتكونوا على بصيرة من هذه الفِكَر المتناقضة التي ضاع الإسلام والمسلمون ضحيتها، وهو ما ذكرنا الآن أن هناك طرفان: طرف من الشيوخ الجامدين الذي يظنون أن كل تقدم في ميدان من ميادين الحياة أنَّه كفر ومضادةٌ للدين! ! ، وهذه جناية على الإسلام والمسلمين، وفكر غير صواب، وطائفة أخرى ثقفها الأجنبي ثقافة مضادة للإسلام، وصبغها كيف يشاء، فكانت تنظر إلى الدين بغير حقيقته، تزعم وتعتقد أن كل تمسك بالدين أنه رجعية وانحراف عن مسايرة ركب التطور وجمود بالأمة وخلود بها إلى الهاوية! !
هاتان الفكرتان -أيها الإخوان- كلتاهما خاطئة وكلتاهما ضرر على الأمة، ونحن نبين لكم الموقف الطبيعي كما ينبغي، إيضاح ذلك: أن هذا النوع المسمى بالإنسان -أيها الإخوان-: لو كان مخلوقًا من عنصر واحد لكان يمكن أن يكتفي باتجاه واحد، ولكنه مخلوق من عنصرين مختلفين في الحقيقة غاية الاختلاف، أحدهما: اسمه الجسد، والثَّاني: اسمه الروح، وللجسد متطلبات لا تقوم بها متطلبات الروح، والروح متطلبات لا تغني عنها متطلبات الجسد، فلا بد أن يسعى الإنسان سعيًا مزدوجًا لمتطلبات الروح ومتطلبات الجسد، فإهمال متطلبات الروح هو الويلة الكبرى على العالم، وهو مشاهد الآن، الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، أعني نجحا في خدمة الإنسان من حيث العنصر الجسدي في جميع أنواع الماديات والتنظيميات، وخدم الإنسان من حيث إنَّه جسد وجسم بخدمات هائلة لا يعبر عنها، ولكن الحضارة الغربية أفلست كل الإفلاس من جهة الناحية الروحية؛ لأنهم
стр. 45
أهملوا الأرواح ولم يُرَبُّوهَا على نظام تعليم سماوي شرعه خالق الكون، فصاروا في غاية من انحطاط الأخلاق، والتمرد على نظام السماء؛ ولأجل أن تلك الأرواح غير مرباة ولا مهذبة على ضوء الوحي فتراهم الآن يعقدون المؤتمر بعد المؤتمر والمجلس بعد المجلس ليتخلصوا من القوة التي فعلوا ويدمروها، ولو كان واحد منهم واثقًا بأنه لو دمّر ما عنده لدمر الآخر ما عنده لبادروا كلًّا ليكتفوا شرها، وما ذلك إلَّا أنَّها تدبرها أرواح خبيثة ليست مرباة على ضوء وحي سماوي، وهذا يبين أن إهمال الناحية الروحية يهدد العالم كله بخطر دامي، فأنياب الأسد -مثلًا- وأظفاره قوة حيوانية هائلة، ولكن النَّفس التي تديرها نفس بهيمية طبيعتها الافتراس والابتزاز والغصب والقتل فلا خير فيها للبشرية.
ونحن نضرب لكم الأمثال في هذا: أن القرآن -وهو أساس دين الإسلام- يبين أن الإنسان لا بد أن يكدح في عمله كدحًا قويًّا مع الصلات الروحية برب العالمين، ونضرب لكم أمثالًا لهذا: إن شئتم أن تحققوا هذا فاقرؤوا آيتين من سورة النساء -كثيرًا ما نذكرهما في المناسبات- في صلاة الخوف، وهما قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء / ١٠٢] هذا وقت التحام الكفاح المسلح، والرجال تسقط رؤوسهم من أعناقهم، وفي هذا الوقت الضنك الحرج نور القرآن العظيم ينظم الخطبة العسكرية على أبدع وجه وأكمله، في الوقت الذي يحافظ فيه على آداب من آداب الأرواح السماوية وهو الصَّلاة في
стр. 46
الجماعة، هكذا فليكن المسلم على ضوء القرآن العظيم.
وتقرؤون أن الله -جل وعلا- يقول في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال / ٤٥] قوله ﴿فَاثْبُتُوا﴾ هذا تعليم عسكري سماوي، وهو الصمود في الميدان في خطوط النَّار الأمامية، وفي هذا الوقت الضنك الحرج؛ خالق الكون يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال / ٤٥].
ولا يخفى عليكم أن نبي الله داود من أنبياء سورة الأنعام الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾ [الأنعام / ٨٤] إلى آخر من عد منهم، ثم لما أتم عدهم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام / ٩٠] وأَمْرُ النَّبيُّ ﷺ أَمْرٌ لنا؛ لأنَّ أمر القدوة أمر لأتباعه، وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن الأوامر الخاصة بالرسول تشمل الأمة كلها، وسنضرب لكم أمثلة ثم نرتب المقصود على ذلك، من الأمثلة القرآنية الدّالة على أن الخطاب الخاص لفظه بالرسول يشمل حكم الأمة: قوله تعالى في صدر سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ باسم النَّبيِّ، ثم بين أنَّه يدخل في حكمه الأسود والأحمر حيث جمع وعمم في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ [الطلاق / ١] إلى آخر ما ذكر، فلو كان مختصًا به لقال: إذا طلقت النساء فطلق وأحص العدة واتق الله لا تُخرج. ونظير ذلك قوله في صدر سورة التحريم في خطاب خاص بالنبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم / ١] ثم بين بخطاب أن هذا شامل للأسود والأحمر حيث
стр. 47
قال بعده: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ [التحريم / ٢] جميعًا عن بكرة أبيكم، ونظير ذلك في صدر سورة الأحزاب حيث قال الله في صدرها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ في خطاب خاص بالنبي، ثم قال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ [الأحزاب / ٢] فعمم الحكم ليبين أن كل الأمة داخلة في حكم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وقد قال -جل وعلا- مخاطبًا للنبي وحده: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ ثم بين الشمول للأسود والأحمر بهذا الخطاب الخاص، قال: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس / ٦١].
ومن أصرح الأدلة في هذا آيتا الأحزاب وآية الروم، أما آيتا الأحزاب: فالأولى منهما قوله تعالى في زينب بنت جحش: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب / ٣٧] فـ "كاف" الخطاب في قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ واقعة على خصوص سيدنا محمد ﷺ لأنَّه المخاطب بتزويجه إياها، وقد بين الله أن هذا الخطاب يقصد به شمول الأسود والأحمر حيث قال بعده مقترنًا به: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب / ٣٧]. وآية الأحزاب الثَّانية أن الله قال في النَّبيِّ ﷺ فيه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ لو لم تكن الأمة داخلة لما احتيج إلى أن يخرج الأمة بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب / ٥٠] وأمَّا آية الروم فقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيهِ وَاتَّقُوهُ﴾
стр. 48
[الروم / ٣٠ - ٣١] ﴿مُنِيبِينَ﴾ أي: جميع الأمة، وهو حال من ضمير الفاعل في قوله: ﴿فَأقِمْ﴾ فأقم أنت يا نبي الله وجهك في حال كونكم جميعًا منيبين. وقد أطبق أهل اللسان العربي على أن الحال الحقيقية -أعني التي لم تكن سببية- عند النَّحويين تلزم موافقتها لصاحبها إفرادًا وتثنيةً وجمعًا وتأنيثًا وتذكيرًا، فلا يجوز أن تقول: جاء زيد ضاحكين، ولا جاءت هند ضاحكات، ولا قم أنت حال كونكم قانتين وساجدين، لا، فلما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ في حال كونكم منيبين دل على دخول الأمة.
إذا علمتم هذا فاعلموا أن النَّبيَّ ﷺ لما قال له الله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام / ٩٠] هدى هذه الرسل المذكورين أنا ندخل في ذلك.
وقد نعرض هنا لمسألة: أن بعض الجهلة يقول: كيف يؤمر النَّبيُّ ﷺ بالاقتداء بالرسل وهو سيدهم وأفضلهم؟
والجواب: أن أمره بالاقتداء بهم أظهر لفضيلته؛ ليشاركهم فيما فعلوه من الخير، ويزيد عليهم بخيرات كثيرة لم تكن في شرائعهم، وإذا شاركهم بما عندهم وزاد عليهم كان ذلك أبين للفضل، وقد ثبت في صحيح البُخاريّ عن مجاهد أنَّه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في ص؟ قال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ [الأنعام / ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام / ٩٠] فسجدها داود، فسجدها رسول الله ﷺ (١)، هذه الآيات والأحاديث تدلنا على أن ما
стр. 49
جاء بشرعنا من الأمر باتباع داود أننا مأمورون به.
إذا عرفتم هذا فالله يقول لداود: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] وهذا أعظم كفاح عسكري في وقته؛ لأن معنى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي: دروعًا سابغات تحصن بها نفسك وجيشك في الميدان إذا التقت الصفوف، وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] علمه بها أصول الحدادة؛ لأن السرد في لغة العرب: نسج الدرع، ومعنى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ اجعل الحلق والمسامير بأقدار متناسبة؛ لأن المسمار إن كان أكبر من الحلقة كسرها، وإن كان أصغر منها لم يشدها كما ينبغي، ولما بين له هذا الاحتياط العسكري في الميدان قال بعده: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [سبأ: ١١] ونحن مأمورون باتباعهم كما بينا، فعلينا أن نستعد لكفاح العدو، وأن نعمل صالحًا ونطيع خالق الكون، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] هذا أمر من خالق الكون، وخالق السموات والأرض أوامره صعبة، والتكاسل والتناوم عنها ليس بالأمر الهين؛ لأن الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣] ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فجعل أمر الرسول مانعًا من الاختيار موجبًا للامتثال، وقد قال لإبليس: ﴿قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] كأنه يقول للمتواكلين المتكاسلين: ما لكم أن لا تعدوا القوة الكافية إذ أمرتكم؟ والنبي ﷺ وهو القدوة الأكبر والمربي الأعظم، وسيد الخلق -صلوات الله وسلامه عليه- هكذا كان يفعل، كان يعمل بالأمور الدينية، ويتقدم أعظم التقدم في الميادين الحيوية الدنيوية،
стр. 50
وهو مُرْضٍ ربه، وعلى صلة بربه.
وأنا أضرب لكم بعض الأمثال في أنه ينتفع بالأمور الدنيوية ولو كان إنتاجها من الكفرة الفجرة الخنازير أبناء الخنازير، نضرب لكم ثلاثة أمثلة من هذا نضرب المثل بها دائمًا: منها: أن النبي ﷺ لما حاصره الأحزاب ذلك الحصار العسكري التاريخي العظيم المذكور في قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١] قال سلمان: كنا إذا خفنا خندقنا (١). هذه مثلًا خطة عسكرية، الأذهان التي أنتجتها من الدنيا أذهان كفرة فجرة مجوس يسجدون للنار، فالنبي ﷺ لم يقل: هذه خطة عسكرية نجسة؛ لأن أصلها من الكفار، وقد اخترعها المجوس! ! لا، أخذ الخطة الدنيوية من الكافر وهو مرضٍ ربه، محافظ على آداب السماء والآداب الروحية.
ومن أمثلة هذا: أن النبي ﷺ لما تكالبت عليه قوى الشر، واضطر إلى الخروج من وطنه، ودخل هو وصاحبه في الغار كما نص الله في سورة براءة: ﴿ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] وجميع الدنيا حرب عليه، والطريق تُبث فيها العيون والرصد، وجد خبيرًا كافرًا واسمه: عبد الله بن الأُريقط الدؤلي، كافر يسجد للصنم إلا أنه عنده خبرة دنيوية، فهو يعرف الطرق، ويحاشي الطرق المعهودة، ويأتي به
стр. 51
من طرق لم يعلمها الناس حتى يَسْلَم من الرَّصَد والعيون المبثوثة أمامه؛ النبي لم يقل: هذه خبرة كافر يسجد للصنم فهي خبرة نجسة قذرة أتركها! ! لا، استعان بخبرته وأعطاه مراكبه هو وصاحبه، ثم سار منتفعًا بخبرته حتى أوصله المدينة بسلام.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه هَمّ أن يمنع وطء النساء المَرَاضِع؛ لأن الغِيلَة التي هي وطء المرضع، كان العرب يزعمون أنها تُضعف عظم الولد، وإذا ضرب الرجل بسيفه فنبا سيفُه عن الضريبة قالوا: هذا رجل غِيلَت أمه، يعني: وُطئت أمه وهو يرضع، وكان شاعرهم يقول في هذا الميدان (١):
فوارس لم يُغَالُوا في رَضَاع ... فتنبو في أَكُفِّهُم السيوف
فلما أخبرته فارس والروم أنهم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم، أخذ بهذه الخطة الطبية ولم يقل: أصل تجاربها من الكفرة (٢).
وهذه أمور وأمثلة تدل على أن النبي ﷺ وهو سيد [الخلق] (٣) يأخذ الأمور الدنيوية ولو اخترعتها أذهان كافرة فاجرة على حد قولهم: "اجتن الثمار وألق الخشبة في النار" وهو فيما بينه وبين ربه مرضٍ ربه جل وعلا. وعلى كل حال فنحن نضرب دائمًا الأمثال؛ لأن الأمثال
стр. 52
تقرب المعقولات كالمحسوسات.
والاستقراء الصحيح دل على أن الحضارة الغربية فيها نافع غاية النفع، وضار غاية الضرر، أما النافع منها فهو ما أنتجته في الميادين الحيوية في الماديات والتنظيميات، وما خدمت به الإنسان من حيث إنه جسم في جميع أنواع الحياة، والضار منها: هو الإفلاس الروحي والتمرد على نظام السماء الذي وضعه خالق الكون -جل وعلا-، فإذا عرفنا أن منها نافعًا ومنها ضارًا فنضرب لذلك الأمثال -مثل الموقف الطبيعي منها- مثل رجل بعيد عن العمران في آخر رمق من العطش، وجد سمًا فتاكًا وماءً عذبًا زلالًا، فالعقل الصحيح يحصر الأقسام عنده في أربعة: إما أن يشرب السَّم والماءَ معًا، أو يتركهما معًا، أو يشرب السم ويترك الماء، أو يشرب الماء ويترك السم. فإن شربهما معًا لم ينتفع بالماء؛ لأن السم يهلكه، وإن تركهما معًا مات في الطريق ولم يلحق بالقافلة، وسقط دون الركب، وإن شرب السم وترك الماء فهو رجل أحمق أهوج لا يدري خيرًا من شر، وإن كان عاقلًا فطبعًا أنه يشرب الماء ويترك السم، ونحن يؤسفنا كل الأسف أن المنتسبين للسياسة الذين يحركون دفّة الأمور عكسوا القضية، فشربوا من الحضارة الغربية سُمَّها القاتل الفتاك وهو ماجنته من الانحطاط الخُلقي والرذالة والتمرد على نظام السماء، وتركوا نافعها وهو التقدم الدنيوي في ميادين الحياة! !
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل (١)
стр. 53
فعلينا جميعًا أن نعلم هذا، ونعلم أن دين الإسلام دين ميدان، ودين كفاح ليس دين نوم ولا تكاسل، ومن نام وتكاسل داسته نعال الأراذل، وكان حمارًا يقوده من شاء أن يقوده، فلا بد من التقدم في الميدان، والدنيا كفاح لا بد من العمل، ولكن الإنسان يعمل في دنياه وهو مرضٍ ربه، ولا يمنع العقل أن يكون الإنسان محافظًا على دينه في جميع السمت، وجميع الحركات والسكنات، وهو متقدم في الميادين الدنيوية كل التقدم كما عرفه التاريخ بالنبي ﷺ وأصحابه، نعم هنالك مشكلة عظمى هي محك المشكلات في هذا الزمن؛ ذلك لأن الكفار عرفوا من قيمة دين الإسلام ما جهله أو تجاهله المسلمون، وعلموا أن الدين الإسلامي إذا كان عند المسلمين على الوجه الصحيح لا يقف أمام المسلمين شيء، وأن قوة الإسلام تدك الجبال، فمن زمن الدولة العباسية وهم يعملون بضربه بالمعاول ليضعفوه، [وصار] (١) جميع الميادين الحيوية مؤلفوها كفرة، ولم يؤلفوا تأليفًا ينتفع به الإنسان في ميدان من ميادين الحياة لا في تجارة، ولا سياسة، ولا عسكرية، ولا هندسة، ولا كيمياء إلا حطوا في تلك التآليف أفكارًا هدامة وعقائد زائفة مضللة تفصل الشخص عن دينه، ومرادهم بذلك أحد أمرين: إما أن يتخلف أولاد المسلمين عن ميادين الحياة فيبقون لقمة سائغة لمن جاءهم، أو يدخلوا في ميادين الحياة فينشبوا في الفخ الذي وضعوا لهم، وعلى المسلمين أن يتنبهوا لهذا، ويعلموا أولادهم العلوم الدنيوية، ويحذروا عليهم من تلك العقائد الهدامة والأمور التي
стр. 54
تصدهم عن دينهم، وهذا يكون بالمراقبة، وباجتماع المسلمين، وتثقيف أولادهم ثقافة صحيحة، وبجمع أموال طائلة على حساب الناس والمسلمين واستجلاب مدرسين يتقنون العلوم الدنيوية ويميزونها مما جاء في الطريق من شوك وألغام.
وعلى كل حال فنحن الآن لا يمكن أن نسترسل لأن فضيلة أخينا القاضي عنده أسئلة وأجوبة يريد أن يسجلها فلا يمكن أن نستغرق عليه الوقت، والسلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته، ونرجو الله لنا ولكم جميعًا العافية والتوفيق والسداد إلى ما يرضي الله ورسوله ...
* * *
стр. 55
[٣] الإسلام دين القوة - تكريم الإسلام للمرأة
стр. 56
(١) ( ... ) لأن الطرق المعهودة بث الكفار عليها العيون والرَّصَد ليأخذوا النبي ﷺ ومن معه، فالنبي ﷺ لما وجد هذا الخبير الكافر لم يقل: خبرة هذا الخبير خبرة نجسة قذرة لأنها من كافر، لا. انتفع بخبرته، وأعطاه المراكيب، وراح به ومن معه، وساحل بهم، وتجنب الطرق التي عليها العيون والرَّصَد حتى أوصله إلى المدينة بسلام، وهذا يبين أن المسلم يأخذ الخطة الدنيوية من الكفار وهو فيما بينه وبين ربه مُرْضٍ ربه، وقد ثبت في صحيح مسلم -وهو أصح كتاب بعد كتاب الله وبعد صحيح البخاري- أن النبي ﷺ هَمَّ أن يمنع وطء النساء المراضع؛ لأن العرب كانوا يعتقدون أن المرأة إذا وطئها زوجها ولها ولد ترضعه أن ذلك الوطء يضعف عظم الولد ويضره، وكانوا إذا ضَرَب الرجل ونبا سيفُه عن الضريبة قالوا: هذا رجل غِيل! ! يعني وُطئت أمه [وهو يرضع] (٢)؛ لأن هذا الذي أضعف عظمه، وشاعرهم يقول في هذا الميدان (٣).
فوارس لم يُغَالُوا في رضاع ... فتنبو في أكفهم السيوف
стр. 57
فالنبي ﷺ هَمَّ أن يمنع وطء النساء المراضع لهذا السبب فأخبرته فارس والروم بأنهم يفعلون هذا ولا يضر أولادهم، فأخذ هذه الخطة الطبية من الكفرة الفجرة الخنازير أبناء الخنازير فارس والروم، ولم يقل: هذه الخطة الطبية قذرة نجسة، لأن أصلها من الكفار! ! لا.
هذه أمثلة وأضواء نلقيها لإخواننا ليتحققوا بها الموقف الطبيعي لهذه المشاكل الراهنة التي خيمت على الدنيا، فعلينا جميعًا أن نفهم الوضع على حقيقته، ونعلم أن دين الإسلام ليس حجر عثرة في طريق التقدم، بل هو دين التقدم في جميع الميادين، ومن لم يتقدم في الميادين فهو مخالف أمر الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] فقوله: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ أمر من خالق هذا الكون، وأوامر الله ليست بالشيء الهين، بل هي أوامر خالق الكون، وقد قال لإبليس لما عصى أمره: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
فالذين لا يعدون القوة بل يتواكلون ويتكاسلون وينامون من أين لهم أن الله لا يقول لهم كما قال لإبليس: مالكم ألا تعدوا القوة إذ أمرتكم؟ وهذا يبين أن الضعف والعجز والتواكل هو تمرد على نظام السماء، ومخالفة لأوامر القرآن، وأن دين الإسلام دين تقدم في الميدان وكفاح.
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم (١)
ومن المؤسف كل الأسف الذي يأسف له المسلم ويحزن أن كثيرًا
стр. 58
ممن يحركون الدّفة السياسية في أقطار الدنيا عكسوا القضية! ! إنا لله وإنا إليه راجعون، فأخذوا من الحضارة الغربية سُمَّها الفتاك وضررها المحض، وهو ما أنتجته من الانحطاط الخلقي، والتمرد على نظام السماء، والطعن في الدين الذي هو وضع خالق هذا الكون، في الوقت الذي لم يحصلوا فيه على شيء مما أنتجته من الفوائد الدنيوية، فعكسوا القضية على خط مستقيم! !
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل (١)
ثم إنا هنا نلقي بعض الكلام يخص بأخواتنا: أيتها الأخوات المسلمات في أقطار الدنيا: اعلمن أن الله ﵎ أوجب عليكن مكارم الأخلاق اللائقة بشرفكن من الصيانة والستر والعفاف، وإرضاء الفضيلة، فالتي تريد منكن أن تعمل إذا تيسر لها أن تعمل في بيت زوجها فإن ذلك معاونة عظمى في بناء المجتمع الإنساني، لأن المرأة بصفتها الطبيعية تقوم بخدمات هائلة للمجتمع الإنساني قد لا يقوم الرجل بمثلها، وهناك بعض الخدمات لا يمكن أن يقوم بها غيرها؛ لأنها هي التي تحمل الأولاد في بطنها، وهي التي تضعها في النفاس، وهي التي ترضع، وتقوم على الرضيع، وعلى الفطيم، وتعالج المريض، وتقوم بخدمات البيت، فإذا خرج زوجها في ميدان من ميادين الحياة إلى جهاد أو إلى عمل من الأعمال جاء فوجد قرينه الآخر وقَيِّمه الكبير يحفظ كل شيء، وجد طفله الرضيع مُرْضَعًا، والفطيم
стр. 59
محفوظًا، والمريض معالجًا، وجميع لوازم البيت مهيأة، وهذه خدمات إنسانية ترضي الله، وهي للمجتمع الإنساني مساهمة لا يوجد نظيرها، زيادة على هذا أن هذا يكون مع العفاف والكرامة التي تليق بالشرف والمروءة، وترضي الله والرسول، وترضي الضمير الإنساني.
فالشيطان لا شك يغيظه هذا الأمر أن يتعاون هذان النوعان هذه المعاونة الفعالة العظيمة على بناء المجتمع في دينه ودنياه فينخس في أذن المرأة ويقول: جعلوك دجاجة، وأنت محبوسة دائمًا! ! ثم يخرجها في الميدان لتكون مائدة لخونة الأعين! ! المرأة جمالها يتلذذ به الإنسان، والتلذذ بها خير متاع يوجد في متاع الدنيا، والعين الخائنة إذا نظرت إلى جمالها فقد ظلمت ذلك الجمال، واستغلت ذلك الجمال مكرًا وخديعة وخيانة لله ولرسوله وللضمير الإنساني وللشرف والفضيلة.
فعلى بناتنا وأخواتنا أن يعلمن قيمتهن ومكانتهن التي أعطاهن الله، وأن الوحي السماوي صانهن عن الابتذال، وأنه جعلهن يقمن بخدمات لا يقوم بها غيرهن في المجتمع، فهي أعظم من خدمات الرجال، إلا أنها في صيانة وعفاف وكرم وستر.
ثم إنه لا شك أن المرأة قد تضطر إلى أن تخرج في ميدان الحياة كان لا يكون لها زوج ولا قَيِّم يقوم بشؤونها فلها أن تعمل، ولكن إذا اضطرت إلى العمل فعليها -أيتها الأخوات- أن تخرج في ستر وعفاف، وصيانة وعدم ابتذال، وتزاول كل ما شاءت من الأعمال في ستر وعفاف.
стр. 60
أما خروجها في حالات لا تليق بالشرف ولا بالفضيلة ولا بالإنسانية فهو أمر يعرق منه الجبين، ويخجل منه الإنسان! ! والبلاد التي انتشر فيها ذلك كمصر والشام والعراق ضاع فيها الشرف والفضيلة، وكانت أولاد الزنا تعد فيها بالملايين، فعلى المسلمات أن يرعين الله في أنفسهن، ويعلمن أن الله جعل لهن احترامًا وشرفًا وكرامة، وأن لا يضيعن كرامتهن بالابتذال والتعرض إلى الخيانات والأمور التي لا تنبغي.
وأظن أن الوقت قد قرب، والسلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته، نرجو الله لنا ولكم جميعًا العافية والتوفيق.
* * *
стр. 61
[٤] (أضواء على مسائل مهمة يكثر الغلط في تصورها)
وينتظم ذلك ست مسائل:
١ - الاعتقاد الصحيح في نصوص الصفات.
٢ - مفهوم "لا إله إلا الله".
٣ - بيان أن الإسلام دين القوة والتقدم في جميع الميادين.
٤ - بيان الموقف الصحيح من الحضارة الغربية.
٥ - بيان أن الإسلام ينظم جميع شؤون الحياة.
٦ - الرابطة الإيمانية.
стр. 62
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والسلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته ... وبعد:
فإني بهذه المناسبة أريد أن أُلقي أضواءً على بعض المسائل التي لها أهميتها في الإسلام مع أنها يتصورها كثير من ذويه بمفاهيم غير صحيحة:
من ذلك: ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ من الصفات التي تمدَّح بها خالق الكون -جل وعلا- أو أثنى بها عليه نبيه ﷺ ، كصفة الاستواء ونحو ذلك، فإن كثيرًا من أهل الملة الإسلامية يتصورون ذلك بغير المفاهيم الحقيقية، والذي أريد أن أقوله: إن المفهوم الصحيح لذلك يتركز على ثلاث أُسس موضحة غاية الإيضاح في القرآن العظيم.
الأول منها: تنزيه خالق السموات والأرض التنزيه التام الكامل عن مشابهة شيء من خلقه في الذوات والصفات والأفعال، وهذا الأصل العظيم مستفاد من قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤] وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ [النحل: ٧٤] ونحو ذلك من الآيات.
الثاني من تلك الأسس: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه أو
стр. 63
وصفه به من قال في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ الذي قال فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ وذلك الإيمان بالصفات مبني على أساس تنزيه الخالق عن مماثلة خلقه في شيء من ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم على نحو ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١] فإتيانه - جل وعلا - بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ بعد قوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ له مغزى عظيم وسر كبير وتعليم واضح لا ليس في الحق معه؛ لأن السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر يتصف بهما جميع الحيوانات -ولله المثل الأعلى- فكأنه يقول: لا تتنطع يا عبدي فتنفي عني صفة سمعي وبصري مدعيًا أن الحيوانات تسمع وتبصر، وأن إثبات سمعي وبصري لي والإيمان بهما يستلزم التشبيه بما يسمع ويبصر من خلقي، لا، بل آمن بسمعي وبصري وأثبتهما لي، ولكن لاحِظ في ذلك الإثبات قولي قبله مقترنًا به: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾.
فأول الآية دليل على التنزيه الكامل من غير تعطيل، وآخرها دليل على الإيمان بالصفات من غير تشبيه ولا تمثيل، فيلزم من ذلك إيمان وتنزيه، فمن تقدم بين يدي الله وتجرأ على أن ينفي عنه وصفًا أثنى به على نفسه أو أثنى عليه به نبيه ﷺ فكأنه يجعل نفسه أعلم بالله من الله ورسوله! ! سبحانك هذا بهتان عظيم! ! .
ومن اعتقد أن وصفًا أثنى الله به على نفسه يشبه شيئًا من صفات
стр. 64
خلقه فهو أجهل خلق الله بالله، ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه في حال كونه منزهًا ربه غاية التنزيه عن مشابهة صفات الخلق فهو مؤمن مُنَزّه سالم من ورطة التشبيه والتعطيل مستضيء بنور قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
الثالث من تلك الأسس: قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف؛ لأن العقول لا تحيط علمًا بمن خلقها، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠] فقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ﴾ فعل في سياق النفي، وهو صيغة عموم كما هو مقرر في الأصول، ومن المعلوم أن الفعل قسمان: فعل حقيقي، وفعل صناعي، أما الحقيقي: فهو الحدث المتجذر المعبر عنه في علم النحو بالمصدر، وأما الصناعي: فهو المعروف في الصناعة النحوية بفعل الأمر والماضي والمضارع، والفعل الصناعي ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر وزمن ونسبة عند جماعة من البلاغيين، كما حرروه في مبحث الاستعارة التبعية، والمقصود أن المصدر كامن في مفهوم الفعل الصناعي إجماعًا؛ وذلك المصدر لم يتعرف بمُعَرّف فهو في معنى النكرة، فالنفي المقترن بالفعل يتسلط على المصدر الكامن في مفهومه، فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم كما هو معروف في محله.
فقوله إذًا: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠] في معنى: لا إحاطة للعلم البشري بخالق الكون - جل وعلا -.
وأنا أؤكد لكم كل التوكيد أنكم إن لقيتم ربكم يوم القيامة معتقدين
стр. 65
في آيات الصفات هذا المعنى الصحيح المتركز على هذه الأُسس الثلاثة القرآنية لا يلومكم الله ولا يوبخكم على ذلك، فلا يقول لكم: لِمَ تنزهونني عن مشابهة خلقي؟ ولا يقول لكم: لم تؤمنون بصفاتي وتصدقونني فيما مدحت به نفسي أو أثنى به عليَّ نبيي؟ ولا يقول لكم: لِمَ لا تقولون: إن علمكم محيط بمن خلقكم؟
فهذا المفهوم الصحيح طريق سلامة محققة؛ لأنه في نور القرآن العظيم، ولو تنطع متنطع فقال: بينوا لنا كيفية للاستواء منزهة عن كيفية استواء المخلوقين لنعتقد صفة استواء منزهة عن مشابهة صفات الخلق؟
قلنا: أعرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا. فنقول: معرفة كيفية الاتصاف متوقفة على معرفة كيفية الذات، فسبحان من أحاط بكل شيء علمًا ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
وبالجملة فالله - جل وعلا - حق، وصفاته حق، والمخلوقون حق، وصفاتهم حق، وللخالق صفات لائقة بكماله وجلاله، وللخلق صفات لائقة بحالهم، وبين صفة الخالق والمخلوق من التغاير والمنافاة مثل ما بين ذات الخالق والمخلوق، ألا ترون أن الله تعالى وصف نفسه بالقدرة فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤] ووصف بعض خلقه بالقدرة قال: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] ووصف نفسه بالحياة قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ [غافر: ٦٥]
стр. 66
ووصف بعض خلقه بالحياة، قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: ١٥] ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩].
فلله قدرة وحياة لائقتان بكماله وجلاله، وللمخلوقين قدرة وحياة مناسبة لحالهم وفقرهم وفنائهم، وبين قدرة الخالق وحياته وقدرة المخلوق وحياته من المنافاة مثل ما بين ذات الخالق والمخلوق.
ووصف نفسه بالعلم قال: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٧] ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] ووصف بعض خلقه بالعلم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨] ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٢] ﴿هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] فعلم الله مناف لعلم المخلوق كما بينا.
ولو تتبعنا الآيات الواردة بنحو ذلك لجئنا منها بالمئات، ولكن القصد مطلق التمثيل.
وكذلك وصف نفسه بالاستواء على العرش في سبع آيات من كتابه، ووصف بعض خلقه بالاستواء على بعض المخلوقات كقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] ﴿فَإِذَا اسْتَوَيتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] فاستواء الله على عرشه الذي تمدح به وأثنى به على نفسه بالغ من الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين استواء خلقه، كقدرته وعلمه وحياته؛ لأن ذاته حق، وجميع
стр. 67
صفاته حق، ولا يشبهه شيء من خلقه في ذاته ولا في شيء من صفاته، فالذات وجميع الصفات من باب واحد، كلها حق، وكلها منزهة عن مشابهة الخلق، والإيمان بكلها واجب.
ثم إنه من المقرر في الأصول: أن الكلام المفيد المعبر عنه في المعاني: بـ (الإسناد الخبري)، وفي النحو: بـ (الجملة الاسمية) أو (الفعلية)، وفي المنطق: بـ (القضية) بالنظر إلى ما دل عليه معناه التركيبي له حالتان:
الأولى: أن يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره بوجه، وهو المعروف بـ (النص) في أشهر اصطلاحاته.
والثانية: أن يحتمل أكثر من معنى واحد، وهذا القسم الأخير له حالتان:
الأولى: أن يكون أظهر في بعض الاحتمالات من بعض.
والثانية: أن تستوي الاحتمالات.
فإن كان أظهر في بعضها فما هو أظهر فيه يسمى بـ (الظاهر) والمصير إليه واجب إلا بدليل صارف عنه يجب الرجوع إليه، وصرفه عن ظاهره لذلك الدليل هو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بـ (التأويل) ومنه تأويل صحيح وفاسد، ومثال الصحيح منه قوله ﷺ : "الجار أحق بسقبه" (١) فإن ظاهره المتبادر منه: ثبوت الشفعة للجار
стр. 68
مطلقًا، وهو محتمل لأن يكون المراد في الجار خصوص الشريك المقاسم، وهذا الاحتمال المرجوح دل عليه حديث جابر: "فإذا صُرِفَت الطرق وضربت الحدود فلا شفعة" (١). وأمثلة الفاسد منه كثيرة معروفة في الأصول، وهو ينقسم إلى ما يسمى تأويلًا بعيدًا وفاسدًا، وإلى ما يسمى لعبًا كما هو معروف في الأصول.
وإن تساوت الاحتمالات فهو المعروف بـ (المجمل) ويجب التوقف عنه حتى يوجد دليل يعين الاحتمال المقصود، فلو قالت بينةٌ: "نشهد أن زيدًا غريم عمرو بألف دينار" فكلامها هذا مجمل؛ لأن الغريم مشترَك بين طالب الدَّين والمطلوب به؛ واللفظ محتمل لكلا الاحتمالين دون ترجح. وكما لو قيل: "عدا اللصوص على عين زيد" فإنه يحتمل أن تكون عينه الباصرة عوَّرُوها، وأن تكون عينه الجارية غوَّرُوها، وأن تكون ذهبه وفضته انتهبوها.
فإذا علمت هذا التقسيم فاعلم أنا نريد أن نطبقه على المفهوم الظاهر المتبادر من آيات الصفات وأحاديثها، فنتساءل ونقول: أرأيتم إذا أثنى الله على نفسه المقدسة الكريمة بصفة، فما هو الظاهر المتبادر إلى أذهان المسلمين من مفهومها، أهو تشبيه الخالق بخلقه حتى يُلجأ
стр. 69
ذلك إلى التأويل؟ أو هو مجمل محتمل للتشبيه والتنزيه احتمالًا متساويًا؟ أو الظاهر المتبادر هو تنزيه الله عن مشابهة خلقه أكمل تنزيه وأتمه؟
الجواب طبعًا: أن كل وصف وصف الله به نفسه فظاهره المتبادر منه أنه بالغ من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات الخلق، ولا ينكر عاقل أن الظاهر المتبادر هو منافاة الخالق لخلقه في صفاتهم وذواتهم وأفعالهم، وكيف يشبه الخلق خالقه والخلق أثر من آثار قدرته وإرادته؟
فعلينا جميعًا أن نصدق ربنا فيما وصف به نفسه، ونصدق نبينا في ذلك، وننزه ربنا عن مشابهة الخلق على نحو ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
ومن ذلك: أن كثيرًا من المتسمين بالإسلام لا يحققون المفهوم الصحيح لكلمة (لا إله إلا الله) وهي مركبة من نفي وإثبات، فمعنى نفيها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، ومعنى إثباتها: إفراده - جل وعلا - بالعبادة وحده، وهي التقرب إليه بما شرع بإخلاص على وجه المحبة والذل والخضوع.
والذي نريد أن نقوله هنا: هو أنَّا يجب علينا أن نعلم أن كل أمْرٍ أمر الله بالتقرب به إليه فهو حقه الخالص له -جل وعلا-، وإخلاصنا له في حقه - جل وعلا - هو عين المحبة والتعظيم لنبينا ﷺ ، ولا يجوز صرف شيء من ذلك لغيره تعالى، وعنوان المحبة الصادقة لله ورسوله هي طاعة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
стр. 70
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع (١)
قالت وقد سألت عن حال عاشقها ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقلت: لو كان رهن الموت من ظمأ ... وقلتِ: قف عن ورود الماء لم يرد (٢)
ومن ذلك: ما تلفقه الدعاية المغرضة ضد دين الإسلام من أنه ينافي التقدم في ميادين الحياة، ولا يساير التطور الجديد، وهذه الدعاية - مع الأسف - راجت في الأكثرية من شباب أبناء المسلمين، وجعلتهم يحاولون التخلص من الدين بكل الوسائل ليحصلوا على التقدم الذي تتطلبه الأوضاع الراهنة للحياة البشرية، ومعلوم أن العقل الساذج إذا لم يُنَوَّر بنور المعرفة فَأسَرَتْهُ المفاهيم الزائفة فأغوته عن قصد السبيل، فالتبست عليه النسب القائمة بين المعقولات، ألا ترون أن المدلول عليه بدلالة المطابقة من لفظة "البياض" ينافي في حقيقته ومفهومه المدلول عليه بالمطابقة من لفظ "البرودة"؟ فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى
стр. 71
البياض انتفى عنه ضرورة أنه معنى البرودة كعكسه، والبياض أيضًا ينافي في حقيقته ومفهومه السواد، فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى البياض انتفى عنه ضرورة أنه معنى السواد كعكسه، وكذلك الكلام فإنه ينافي في حقيقته ومفهومه السكوت، فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى السواد انتفى عنه أنه معنى الحلاوة كعكسه، وكذلك الكلام فإنه ينافي في حقيقته ومفهومه السكوت، فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى الكلام انتفى عنه أنه معنى السكوت كعكسه، كما أن الكلام ينافي في حقيقته ومفهومه القعود، فكل مفهوم ثبت له أنه معنى الكلام انتفى عنه أنه معنى القعود، ولكن منافاة البياض للسواد ليست كمنافاة البياض للبرودة، فإن السواد والبياض ضدان يستحيل اجتماعهما في نقطة بسيطة من اللون، بخلاف البياض والبرودة فلا تضاد بينهما، فيجوز أن يكون الجرم الواحد أبيض من جهة باردًا من جهة أخرى كالثلج، ومنافاة السواد للبياض ليست كمنافاة السواد للحلاوة، ولا مانع من كون الجرم الواحد أسود من جهة حلوًا من جهة أُخرى كالتمرة السوداء، بخلاف البياض فإنه لا يجامع السواد في وقت واحد من جهة واحدة لاستحالة اجتماع الضدين. ومنافاة الكلام للسكوت ليست كمنافاة الكلام للقعود، فلا مانع من أن يكون الشخص الواحد قاعدًا من جهة متكلمًا من جهة أُخرى، ولا يجوز أن يكون ساكتًا متكلمًا في وقت واحد. ومن المعلوم أن المتقابلين لا يجتمعان سواء كانا نقيضين أو ضدين أو متضايفين أو عدمًا وملكة، بخلاف الخلافين فلا مانع عقلًا من اجتماعهما كما رأيت أمثلة ذلك.
وإذا علمت هذا فاعلم أن الدعاية المغرضة ضد الإسلام خيلت
стр. 72
للسذج من ذويه أن النسبة بين التقدم وبين التمسك بالدين هي النسبة بين المتقابلين الذين لا يمكن اجتماعهما كالسواد والبياض، فسببت تلك الفلسفة السوفسطائية انسلاخ خلق لا يحصى من دين الإسلام حين اعتقدوا أنه ينافي التقدم منافاة المتقابلين، حرصًا منهم على التقدم المزعوم وتفضيلًا له على الدين، ولو علموا الحقيقة لعلموا أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين لها نظران من جهتين:
الأولى: النظر إليها بحكم العقل مجردًا عن نصوص الوحي.
الثانية: النظر إليها بحكم ما جاء في ذلك من الوحي السماوي.
أما بالنظر إلى الحكم العقلي مجردًا عن النقل فالنسبة بين الدين والتقدم كالنسبة بين البياض والبرودة، فكما أن الجرم الأبيض لا مانع عقلًا من أن يكون باردًا، فكذلك المتمسك بالآداب السماوية لا مانع عقلًا من أن يكون متقدمًا في جميع ميادين الحياة كما عرفه التاريخ للنبي ﷺ وأصحابه ومتابعيهم متابعة صحيحة.
وأما بالنسبة إلى ما جاء في الكتاب والسنة من وعد الله الصادق للمتمسكين بالدين كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] ونحوها من الآيات الكثيرة والأحاديث، فالنسبة بين التمسك بالدين والتقدم هي النسبة بين الملزوم ولازمه؛ لأن التمسك بالدين على الوجه الكامل الصحيح ملزوم بالتقدم الكامل، والنصر النهائي، والتقدم لازم له، ومعلوم أن النسبة بين الملزوم واللازم لا تعدو أحد أمرين: إما أن تكون المساواة، وإما أن تكون العموم والخصوص المطلق؛ لأن اللازم لا يكون أخص
стр. 73
من ملزومه مطلقًا ولا من وجه، ولا يكون مباينًا له كما هو معلوم، فالإنسان مثلًا ملزوم بالحيوانية والناطقية، وهما لازمان له، وأحد هذين اللازمين مساو له في الماصَدَق وهو الناطق، والثاني أعم منه وهو الحيوان، ومعلوم أن الوحي الصحيح ناقل عن حكم العقل كما هو معروف، فالنسبة بين الأمرين على الحق الذي اقتضاه الوحي المنزل هي النسبة بين الملزوم واللازم.
فانظر كيف استطاع أولئك الأعداء أن يصوروا عند هؤلاء من المتسمين باسم الإسلام نسبة الملزوم للازمه بصورة مضادة أخرى هي نسبة الضد للضد، فقطعوا بذلك صلتهم بربهم ودينهم.
ثم إنا نريد هنا أن نسلط بعض الأضواء على حقيقة الموقف الطبيعي للإسلام والمسلمين من الحضارة الغربية بفلسفة منطقية تترك ليل المسألة نهارًا، وذلك بكشف نقابها واستبانة ما وراء بابها بدليل اصطلاحي متقدم مشهور يسميه علماء الجدل (التقسيم والترديد)، ويسميه علماء المنطق (الشَّرْطِي المنفصل)، ويسميه علماء الأصول (السبر والتقسيم)، ولما كان هذا الدليل العظيم هو السبيل الوحيد إلى إيضاح هذه المسألة إيضاحًا لا يختلف بعده اثنان أردنا أن نشير إليه إشارة، خاطفة ثم نذكر أمثلة له في القرآن العظيم، وآثارًا من آثاره التاريخية، ثم نطبقه على مسألتنا تطبيقًا واضحًا يكشف ظلامها وينير دُجاها.
اعلم أولًا أن مبنى هذا الدليل العظيم على أمرين:
أحدهما: حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر،
стр. 74
كالعقل، والاستقراء، وهذا هو المعبر عنه بـ (التقسيم).
والئاني: اختبارها بعد الحصر اختبارًا صحيحًا يتميز به فاسدها من صحيحها، وهو المعبر عنه بـ (السبر)؛ لأن السبر في لغة العرب هو الاختبار.
والأصوليون يستعملون هذا الدليل في استنباط علة الحكم الشرعي بطريق من طرق الحصر، ثم يبطلون الباطل منها بطريق من طرق الإبطال المعروفة عندهم، ويبقون الصالح منها للتعليل كما هو معلوم في محله.
والمنطقيون يستخدمون هذا الدليل لغرض آخر وهو استنتاج وجود النقيض من عدم نقيضه، أو عدمه من وجوده، أو استنتاج عدم الضد من وجود ضده، ونحو ذلك كما هو مفصل في أقسام قياس الشَّرْطِي المنفصل الثلاثة، كما هو معلوم في محله.
والجدليون يستعملون هذا الدليل لإفحام الخصم وإقناع القاصر عن الدليل، فيحصرون الأوصاف ويسبرونها بعد الحصر فيتبين صحيحها من فاسدها.
وسنذكر هنا أربعة أمثلة لهذا الدليل في القرآن العظيم كل واحد منها فيه إفحام لبعض المجادلين من الكفار:
الأول منها: قوله تعالى ردًّا على الذين قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥] فكأنه يقول لهؤلاء المنكرين توحيده في عبادته: لا يخلو الأمر بالتقسيم
стр. 75
الصحيح من واحدة من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكونوا خُلقوا من غير خالق خلقهم أصلًا.
الثانية: أن يكونوا خلَقُوا أنفسهم.
الثالثة: أن يكون لهم خالق غير أنفسهم هو ربهم ومعبودهم الواحد جل وعلا.
وإذا رجعنا إلى هذه الأقسام الثلاثة -التي انحصرت فيها الأوصاف بالسبر- وجدنا الأولين منها باطلين بطلانًا ضروريًا لا يحتاج إلى دليل، فتعين صحة القسم الثالث وهو أنهم خلقهم خالق هو ربهم ومعبودهم.
فدلالة هذا السبر والتقسيم على عبادة الله وحده قطعية، وقد عُرف في الآية القسم الصحيح من الأقسام لظهوره؛ ولأنه ذكر في آيات أخرى.
"وحذف ما يعلم جائز" (١).
المثال الثاني والثالث: هما المذكوران في سورة البقرة وسورة مريم، فإن الله -تعالى- أبطل في كل واحدة من السورتين الكريمتين المذكورتين مقالة كاذبة بهذا الدليل بعينه، وحذف في كلا الموضعين بعض الأقسام، وما حُذف في كل واحد منهما أُثبت في الآخر ليدل الثابت على المحذوف في كل الموضعين.