البياض انتفى عنه ضرورة أنه معنى البرودة كعكسه، والبياض أيضًا ينافي في حقيقته ومفهومه السواد، فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى البياض انتفى عنه ضرورة أنه معنى السواد كعكسه، وكذلك الكلام فإنه ينافي في حقيقته ومفهومه السكوت، فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى السواد انتفى عنه أنه معنى الحلاوة كعكسه، وكذلك الكلام فإنه ينافي في حقيقته ومفهومه السكوت، فكل مفهوم مطابقي ثبت له أنه معنى الكلام انتفى عنه أنه معنى السكوت كعكسه، كما أن الكلام ينافي في حقيقته ومفهومه القعود، فكل مفهوم ثبت له أنه معنى الكلام انتفى عنه أنه معنى القعود، ولكن منافاة البياض للسواد ليست كمنافاة البياض للبرودة، فإن السواد والبياض ضدان يستحيل اجتماعهما في نقطة بسيطة من اللون، بخلاف البياض والبرودة فلا تضاد بينهما، فيجوز أن يكون الجرم الواحد أبيض من جهة باردًا من جهة أخرى كالثلج، ومنافاة السواد للبياض ليست كمنافاة السواد للحلاوة، ولا مانع من كون الجرم الواحد أسود من جهة حلوًا من جهة أُخرى كالتمرة السوداء، بخلاف البياض فإنه لا يجامع السواد في وقت واحد من جهة واحدة لاستحالة اجتماع الضدين. ومنافاة الكلام للسكوت ليست كمنافاة الكلام للقعود، فلا مانع من أن يكون الشخص الواحد قاعدًا من جهة متكلمًا من جهة أُخرى، ولا يجوز أن يكون ساكتًا متكلمًا في وقت واحد. ومن المعلوم أن المتقابلين لا يجتمعان سواء كانا نقيضين أو ضدين أو متضايفين أو عدمًا وملكة، بخلاف الخلافين فلا مانع عقلًا من اجتماعهما كما رأيت أمثلة ذلك.
وإذا علمت هذا فاعلم أن الدعاية المغرضة ضد الإسلام خيلت
стр. 72
للسذج من ذويه أن النسبة بين التقدم وبين التمسك بالدين هي النسبة بين المتقابلين الذين لا يمكن اجتماعهما كالسواد والبياض، فسببت تلك الفلسفة السوفسطائية انسلاخ خلق لا يحصى من دين الإسلام حين اعتقدوا أنه ينافي التقدم منافاة المتقابلين، حرصًا منهم على التقدم المزعوم وتفضيلًا له على الدين، ولو علموا الحقيقة لعلموا أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين لها نظران من جهتين:
الأولى: النظر إليها بحكم العقل مجردًا عن نصوص الوحي.
الثانية: النظر إليها بحكم ما جاء في ذلك من الوحي السماوي.
أما بالنظر إلى الحكم العقلي مجردًا عن النقل فالنسبة بين الدين والتقدم كالنسبة بين البياض والبرودة، فكما أن الجرم الأبيض لا مانع عقلًا من أن يكون باردًا، فكذلك المتمسك بالآداب السماوية لا مانع عقلًا من أن يكون متقدمًا في جميع ميادين الحياة كما عرفه التاريخ للنبي ﷺ وأصحابه ومتابعيهم متابعة صحيحة.
وأما بالنسبة إلى ما جاء في الكتاب والسنة من وعد الله الصادق للمتمسكين بالدين كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] ونحوها من الآيات الكثيرة والأحاديث، فالنسبة بين التمسك بالدين والتقدم هي النسبة بين الملزوم ولازمه؛ لأن التمسك بالدين على الوجه الكامل الصحيح ملزوم بالتقدم الكامل، والنصر النهائي، والتقدم لازم له، ومعلوم أن النسبة بين الملزوم واللازم لا تعدو أحد أمرين: إما أن تكون المساواة، وإما أن تكون العموم والخصوص المطلق؛ لأن اللازم لا يكون أخص
стр. 73
من ملزومه مطلقًا ولا من وجه، ولا يكون مباينًا له كما هو معلوم، فالإنسان مثلًا ملزوم بالحيوانية والناطقية، وهما لازمان له، وأحد هذين اللازمين مساو له في الماصَدَق وهو الناطق، والثاني أعم منه وهو الحيوان، ومعلوم أن الوحي الصحيح ناقل عن حكم العقل كما هو معروف، فالنسبة بين الأمرين على الحق الذي اقتضاه الوحي المنزل هي النسبة بين الملزوم واللازم.
فانظر كيف استطاع أولئك الأعداء أن يصوروا عند هؤلاء من المتسمين باسم الإسلام نسبة الملزوم للازمه بصورة مضادة أخرى هي نسبة الضد للضد، فقطعوا بذلك صلتهم بربهم ودينهم.
ثم إنا نريد هنا أن نسلط بعض الأضواء على حقيقة الموقف الطبيعي للإسلام والمسلمين من الحضارة الغربية بفلسفة منطقية تترك ليل المسألة نهارًا، وذلك بكشف نقابها واستبانة ما وراء بابها بدليل اصطلاحي متقدم مشهور يسميه علماء الجدل (التقسيم والترديد)، ويسميه علماء المنطق (الشَّرْطِي المنفصل)، ويسميه علماء الأصول (السبر والتقسيم)، ولما كان هذا الدليل العظيم هو السبيل الوحيد إلى إيضاح هذه المسألة إيضاحًا لا يختلف بعده اثنان أردنا أن نشير إليه إشارة، خاطفة ثم نذكر أمثلة له في القرآن العظيم، وآثارًا من آثاره التاريخية، ثم نطبقه على مسألتنا تطبيقًا واضحًا يكشف ظلامها وينير دُجاها.
اعلم أولًا أن مبنى هذا الدليل العظيم على أمرين:
أحدهما: حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر،
стр. 74
كالعقل، والاستقراء، وهذا هو المعبر عنه بـ (التقسيم).
والئاني: اختبارها بعد الحصر اختبارًا صحيحًا يتميز به فاسدها من صحيحها، وهو المعبر عنه بـ (السبر)؛ لأن السبر في لغة العرب هو الاختبار.
والأصوليون يستعملون هذا الدليل في استنباط علة الحكم الشرعي بطريق من طرق الحصر، ثم يبطلون الباطل منها بطريق من طرق الإبطال المعروفة عندهم، ويبقون الصالح منها للتعليل كما هو معلوم في محله.
والمنطقيون يستخدمون هذا الدليل لغرض آخر وهو استنتاج وجود النقيض من عدم نقيضه، أو عدمه من وجوده، أو استنتاج عدم الضد من وجود ضده، ونحو ذلك كما هو مفصل في أقسام قياس الشَّرْطِي المنفصل الثلاثة، كما هو معلوم في محله.
والجدليون يستعملون هذا الدليل لإفحام الخصم وإقناع القاصر عن الدليل، فيحصرون الأوصاف ويسبرونها بعد الحصر فيتبين صحيحها من فاسدها.
وسنذكر هنا أربعة أمثلة لهذا الدليل في القرآن العظيم كل واحد منها فيه إفحام لبعض المجادلين من الكفار:
الأول منها: قوله تعالى ردًّا على الذين قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥] فكأنه يقول لهؤلاء المنكرين توحيده في عبادته: لا يخلو الأمر بالتقسيم
стр. 75
الصحيح من واحدة من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكونوا خُلقوا من غير خالق خلقهم أصلًا.
الثانية: أن يكونوا خلَقُوا أنفسهم.
الثالثة: أن يكون لهم خالق غير أنفسهم هو ربهم ومعبودهم الواحد جل وعلا.
وإذا رجعنا إلى هذه الأقسام الثلاثة -التي انحصرت فيها الأوصاف بالسبر- وجدنا الأولين منها باطلين بطلانًا ضروريًا لا يحتاج إلى دليل، فتعين صحة القسم الثالث وهو أنهم خلقهم خالق هو ربهم ومعبودهم.
فدلالة هذا السبر والتقسيم على عبادة الله وحده قطعية، وقد عُرف في الآية القسم الصحيح من الأقسام لظهوره؛ ولأنه ذكر في آيات أخرى.
"وحذف ما يعلم جائز" (١).
المثال الثاني والثالث: هما المذكوران في سورة البقرة وسورة مريم، فإن الله -تعالى- أبطل في كل واحدة من السورتين الكريمتين المذكورتين مقالة كاذبة بهذا الدليل بعينه، وحذف في كلا الموضعين بعض الأقسام، وما حُذف في كل واحد منهما أُثبت في الآخر ليدل الثابت على المحذوف في كل الموضعين.
стр. 76
أما المقالة التي كذبها الله -جل وعلا- بهذا الدليل في سورة البقرة: فهي قول اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ فقد قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة: ٨٠] فكأنه يقول لهم: لا يخلو مستندكم في دعواكم أن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة من واحدة من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون الله أعطاكم عهدًا بذلك، فإنه لا يخلف الميعاد.
الثانية: أن تكونوا اطلعتم على الغيب فعلمتم أن الله كتب ذلك على اللوح المحفوظ أن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة.
الثالثة: أن تكونوا قلتم ذلك افتراء وكذبًا على الله.
وإذا رجعنا إلى الأقسام الثلاثة وجدنا الأولين باطلين بطلانًا ضروريًا، فتعين صحة الثالث وهو أنهم قالوا ذلك كذبًا وافتراء دون علم.
وقسم اطلاع الغيب المحذوف في آية البقرة هذه مذكور في مريم في الدليل المذكور بعينه في رده تعالى بالدليل المذكور على العاص بن وائل (١) في قوله له: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] فإن الله قال
стр. 77
ردًّا عليه: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا﴾ [مريم: ٧٨، ٧٩] فحذف في مريم القسم الصحيح الذي هو أن الجميع كاذبون
المشار إليه في البقرة بقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة: ٨٠].
فالحاصل أن التقسيم الصحيح يحصر الأوصاف في ثلاثة: هي العهد من الله بذلك، واطلاع الغيب، والكذب على الله، اثنان باطلان، وواحد صحيح بالسبر الصحيح، وقسم اطلاع الغيب محذوف في البقرة مثبت في مريم، وقسم الكذب محذوف في مريم مثبت في البقرة، فكانت المثبت دليلًا على المحذوف في كلا الموضعين.
وسنذكر الآن إن شاء الله تعالى أثرين تاريخيين من آثار هذا الدليل العظيم:
الأول منهما: أثره في العقائد، وذلك هو ما ذكره الخطيب في تاريخ بغداد وغيره مما يدل على أن أول مصدر تاريخي لكبح جماح المحنة العظمى -أعني محنة القول بخلق القرآن- هو هذا الدليل العظيم؛ وذلك أن محنة القول بخلق القرآن نشأت في أيام المأمون واستمرت في شدتها على ساق وقدم أيام المعتصم والواثق حتى أزالها الله على يد المتوكل، وقد عُرف في التاريخ ما أصاب العلماء فيها من الأذى والضرب والقتل حتى اضطر كثير منهم إلى المداهنة بالقول خوفًا، وقد ضُرب فيها سيد المسلمين في زمانه الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - تغمده الله برحمته وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا - في أيام المعتصم ضربًا مبرحًا كما هو معلوم، وقد
стр. 78
ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في كلامه على ترجمة أحمد بن أبي دؤاد من طريق محمد بن الواثق ما ملخصه: قال: كان أبي إذا أراد قتل إنسان أحضرنا فجيء بشيخ مكبل بالحديد يريدون قتله -يعني في محنة القول بخلق القرآن- فقال للواثق: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال: لا سلمك الله. فقال الشيخ: بئسما أدبك مؤدبك يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] والله ما حييتني بأحسن منها ولا رددتها. وقال الواثق: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه -يعني ابن أبي دؤاد- وقال الواثق لابن أبي دؤاد: كلم هذا الشيخ وناظره. فقال ابن أبي دؤاد: ما تقول في القرآن؟ فقال الشيخ: ما أنصفتني -يعني ولي السؤال- فقال له ابن أبي دؤاد: سل. فقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق، فقال الشيخ: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها هل كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون (١) [عالمين بها أو غير عالمين؟ فقال: غير عالمين. فقال: سبحان الله! ! شيء لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ قال: فخجل! ! فقال: أقلني والمسألة بحالها، قال: نعم] ثم قال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال الشيخ: هذا شيء علمه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵁ أو شيء جهلوه؟ فقال ابن أبي دؤاد: هذا شيء علموه فلم يدعوا الناس
стр. 79
إليه. فقال له الشيخ: هلَّا وسعك ما وسعهم؟ فقام الواثق إلى محل خلوته واضطجع وجعل يقول: سبحان الله شيء لم يعلمه رسول الله ﷺ ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ سبحان الله شيء علموه ولم يدعوا الناس إليه ألم يسعك ما وسعهم؟ وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن بعد ذلك أحدًا، وأمر بفك القيود عن الشيخ وإعطائه مالًا والإذن له بالانصراف إلى أهله.
وهذه القضية وإن كانت أسانيدها لا تخلو من بعض من لا يُعرف فهي مشهورة عند العلماء متلقاة منهم بالقبول، والاحتجاج بها صحيح لا شك فيه.
ومضمون احتجاج هذا الشيخ على ابن أبي دؤاد هو هذا الدليل العظيم فكأنه يقول: لا يخلو الأمر بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن يكون النبي وخلفاؤه الراشدون كانوا عالمين بمقالتك هذه، وإما أن يكونوا كانوا جاهلين بها، ثم رجع بالسبر الصحيح إلى القسمين فبين أن ابن أبي دؤاد مرتكب غير الصواب على كل تقدير، فعلى أنهم كانوا عالمين بها ولم يدعوا الناس إليها فله فيهم أُسوة في عدم الدعوة إليها، ولا شك أنه يسعه ما وسعهم، وعلى أنهم كانوا غير عالمين بها فدعواه هو أنه عالم بما لم يعلموا أمرها واضح.
ومن آثار هذا الدليل التاريخية الأدبية: ما ذكروه أن عبد الله بن همام السلولي وشى به واشٍ إلى ابن زياد فدعا ابن زياد ابنَ همام السلولي وقال: ما حملك على أن تقول فيَّ كيت وكيت؟ فقال: أصلح الله الأمير والله ما قلت شيئًا من ذلك! ! فأحظر ابن زياد الواشي وقال: هذا أخبرني أنك قلته. فسكت ابن همام هنيهة ثم قال مخاطبًا للواشي:
стр. 80
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليًا ... فخنت وإما قلت قولًا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم
فقال ابن زياد: صدقت، وطرد الواشي، ولم يصدر منه سوء للسلولي (١).
والبيتان مضمنان هذا الدليل المذكور، فكأنه يقول: لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما يكون ائتمنك على سر فأفشيته، وإما أن تكون قلت ذلك عليه كذبًا وبهتانًا، ورجع بالسبر الصحيح إلى القسمين فوجد الواشي مرتكبًا ما لا ينبغي على كل تقدير؛ لأنه إما خائن لأمانته أو كاذب ذو بهتان.
فإذا عرفت هذا الدليل ورأيت بعض أمثلته في القرآن وبعض آثاره التاريخية، فاعلم أنا نريد الآن أن نوضح به الموقف الطبيعي للإسلام من الحضارة الغربية: اعلم أولًا أن الحضارة الغربية قد دل الاستقراء التام القطعي الصحيح على أن منها ما هو نافع غاية النفع لا غنى عنه للبشر في ميادين الحياة في حالاتها الراهنة وتطوراتها المتتابعة، وذلك ما خدمت به الإنسان من حيث إنه جسد، فقد خدمت الإنسان من ناحية عنصره الجسدي خدمات هائلة ما كانت تدخل في تصور البشر، وتقدمها المادي - في جميع النواحي والميادين - والتنظيمي أظهر من أن يحتاج إلى التنويه عنه، ومنها ما هو ضار غاية الضرر وهو عام بجميع اتجاهاتها الروحية، وهي غنية من جهة الناحية المادية مفلسة من
стр. 81
الناحية الروحية، وطغيان المادة على الروح يهدد البشر بخطر داهم، ومن المعلوم أن الإنسان مركب من عنصرين مختلفين في الحقيقة والمفهوم والصفات النفسية، وباختلاف جوهريهما تختلف متطلباتهما، فللجسم متطلبات وللروح متطلبات، ولا يسد أحدها مكان الآخر، فالحضارة استطاعت تحصيل متطلبات الجسم، وعجزت عن تحصيل متطلبات الروح، والعالم إن لم تدبره الروح المهذبة المرباة تربية سماوية على ضوء الوحي الصادر من خالق السموات والأرض كان في خطر وقلق دائمين؛ لأن الروح البهيمية من طبيعتها الافتراس والابتزاز والظلم مهما قدرت، وآثار عدم التربية الروحية الصحيحة ظاهرة في أقطار الدنيا من الكوارث والمصائب وأنواع الظلم الفادح الواقع على كل دولة ضعيفة وكل شعب ضعيف كما لا يخفى.
والذي نريد أن نقوله هنا: هو أن التقسيم الصحيح يحصر موقف الإسلام من الحضارة الحالية في أربعة أقسام لا خامس لها ألبتة:
الأول: أخذها كلها ضارها ونافعها.
الثاني: تركها كلها نافعها وضارها.
الثالث: أخذ ضارها وترك نافعها.
الرابع: أخذ نافعها وترك ضارها.
فنرجع إلى هذه الأقسام الأربعة بالسبر الصحيح فنجد ثلاثة أقسام منها باطلة وواحدًا صحيحًا، أما الثلاثة الباطلة:
فالأول منها: هو أخذها كلها؛ لأن ما فيها من الكفر والإلحاد
стр. 82
والانحطاط الخلقي والتمرد على خالق السموات والأرض أوضح من أن ننوه عنه، ولا يقول بأخذه إلا مطموس البصيرة طمسًا كليًّا.
والثاني من الأقسام الباطلة: تركها كلها؛ لأن ما فيها من التقدم المادي والتنظيمي لا يصح التفريط فيه؛ لأن ذلك يؤدي إلى العجز الدائم والتواكل والتكاسل، ويخالف الأمر السماوي في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
والثالث من الأقسام الباطلة: أخذ ضارها وترك نافعها، وهذا لا يفعله من يصدق عليه اسم العاقل.
الرابع وهو القسم الصحيح: أخذ النافع منها وترك الضار، وذلك بالسعي البالغ في تحصيل ما اشتملت عليه من الإنتاجات المادية والتنظيمية، وقضية تحصيل ذلك ممكنة مع الجد لا مستحيلة، مع التباعد الكامل عن ما جنته من الكفر والإلحاد والتمرد على نظام السماء الذي وضعه خالق الكون - جل وعلا - على لسان سيد البشر - صلوات الله وسلامه عليه - وكذلك كان النبي ﷺ يفعل، فإنه لما حاصره الأحزاب في غزوة الخندق وقال له سلمان: "كنا إذا خفنا خندقنا" (١) انتفع في دنياه بتلك الخطة العسكرية - التي هي حفر الخندق - ولم يمنعه من ذلك أن الأذهان التي ابتكرتها أذهان كفار مجوس يعبدون النار. وقد هم ﷺ أن يمنع وطء النساء المراضع؛ لأن العرب كانوا يظنون أن وطء المرضع يضر بولدها ويضعف عظمه، وفي
стр. 83
ذلك يقول شاعرهم (١):
فوارس لم يغالوا في رضاع ... فتنبو في أكفهم السيوف
فأخبرته فارس والروم أنهم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم، فأخذ ﷺ تلك الخطة الطبية من الكفار، ولم يمنعه من الانتفاع الدنيوي بها أنهم كفار. وقد انتفع ﷺ في سفر الهجرة بخبرة عبد الله بن الأريقط الدؤلي حين دله على الطريق حتى وصل المدينة بسلام (٢)، ولم يمنعه من الانتفاع بخبرته الدنيوية كونه كافرًا، وفي المثل: "اجتن الثمار وألقِ الخشبة في النار".
ومن المؤسف أن أكثر المثقفين في الأقطار الإسلامية في جميع أنحاء الدنيا يعكسون القضية، فيأخذون من حضارة الغرب كل ما فيها من إفلاس روحي، وانحطاط خلقي، وإلحاد كفري، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه خالق الكون، في الوقت الذي لم يحصلوا فيه على شيء من إنتاجاتها المادية والتنظيمية، فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل (٣)
فدين الإسلام دين التقدم في جميع ميادين الحياة، ودين تهذيب
стр. 84
الروح التقدمية وتصفيتها من الأمراض المخلة بمعنى إنسانيتها على ضوء تعليم خالق الكون - جل وعلا -.
ومن أراد بعض الأمثلة الرائعة على جمع الإسلام بين التقدم في الميادين والمحافظة على الآداب الروحية السماوية فليقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ)﴾ الآيتين [النساء: ١٠٢] فإنك تراه ينظم الخطة العسكرية أحسن تنظيم وأدقه في الوقت الذي يحافظ فيه على ذلك الأدب الروحي السماوي في وقت التحام الكفاح المسلح والرؤوس تنزل عن الأعناق، ألا وهو الصلاة جماعة، في ذلك الوقت الضنك.
واقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥] فتراه يأمر بذكر الله وتقوية الصلة به - جل وعلا - عند التقاء الصفين في ميدان القتال، ومن ذلك ما يعتقده الكثيرون من أن الإيمان ليس بسلاح يُقاوم كل سلاح مهما بلغ من التطور.
فنريد هنا أن نلقي الضوء على أن الإيمان هو أعظم سلاح كما شهد بذلك التاريخ القرآني، ألا ترون أن النبي ﷺ لما حاصره هو وأصحابه الأحزاب ذلك الحصار العسكري التاريخي العظيم المذكور في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١٠, ١١] وجميع أهل الأرض في ذلك
стр. 85
الوقت يقاطعون النبي وأصحابه سياسة واقتصادًا، وفي الوقت نفسه غدرت يهود قريظة فلم يبق للمسلمين في ذلك الوقت من أهل الأرض صديق ولا معين، ألا ترون أنهم لم يقاوموا هذا الحصار العسكري التاريخي العظيم في هذا الموقف الحرج إلا بسلاح الإيمان الصادق وصدق الالتجاء إلى الله - جل وعلا -كما قال تعالى عنهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب: ٢٢] وقد كان من نتائج هذا الإيمان العظيم والتسليم الخالص لله -جل وعلا- ما قصه الله علينا في كتابه في قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦، ٢٧] وهذا الذي نصرهم الله به ما كان بحسبانهم ولا ظنهم كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
ولما علم الله - جل وعلا - من أهل بيعة الرضوان ذلك الإيمان والإخلاص الذي نوّه عنه بالاسم المبهم الذي هو اسم الموصول في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] أي من الإيمان والإخلاص، كان من نتائج ذلك الإيمان ما ذكره في قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾ [الفتح: ٢١] فصرح بأن إمكانياتهم العددية والعُددية لا تقدرهم عليها، فأقدرهم الله عليها لإخلاصهم
стр. 86
وإيمانهم.
وفي الختام نقول: إن دين الإسلام صالح لتنظيم أحوال البشرية في جميع أطوارها واتجاهاتها، ومعلوم أن المصالح التي يدور حولها التشريع ثلاثة: الأولى: درء المفاسد، والثانية: جلب المصالح، والثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
ودين الإسلام متضمن من المحافظة على تلك المصالح ما لا يخفى إلا على جاهل، ومعلوم أن المفاسد التي يُحَاوَل درؤها عن البشر واردة على ستة أشياء على حفظها مدار العدالة والإنصاف في هذه الحياة الدنيا:
الأول منها: الدين، فظلم الإنسان بإضاعة دينه وإفساد عقيدته هو أعظم أنواع الظلم.
والثاني: النفس.
والثالث: العقل.
والرابع: النسب.
والخامس: العرض.
والسادس: المال.
فما في الدين الإسلامي من الأمر بإدخال الناس في الدين بكل الوسائل وقتل المرتدين عنه والزنادقة المضللين ونحو ذلك كله محافظة على دين الإسلام.
стр. 87
ومحافظته على الأنفس معروفة، ومن أجلها شرع القصاص ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
ومحافظته على العقول معروفة، ومن أجلها حُرم شرب الخمر، وأُوجب الحد الرادع في ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ ... ﴾ الآية [المائدة / ٩٠] "كل مسكر حرام" (١).
стр. 88
ومحافظته على الأنساب معروفة ولأجلها شرع تحريم الزنا لئلا تختلط أنساب المجتمع، وأوجب الحد فيه ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] ومن أجل المحافظة على النسب أوجب العدة على النساء عند المفارقة لئلا يختلط ماء رجل بماء رجل آخر في رحم امرأة ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤] ومن أجل ذلك منع سقي زرع الرجل بماء غيره، فمنع نكاح الحامل حتى تضع حملها ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
ومحافظته على الأعراض معروفة، ومن أجلها شرع حد القذف مع رد شهادة القاذف والحكم بتفسيقه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥].
ومحافظته على المال معروف، ومن أجلها أوجب حد السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨] فتلك اليد التي خلقها الله وجعلها ببديع صنعه في غاية الاستعداد إلى مزاولة الأعمال النافعة لتكون أداة فعَّالة في نفع الدنيا والآخرة لما مدت أصابعها الخائنة الخسيسة إلى هذه الرذيلة التي هي في غاية الانحطاط والخسة أمر الله بإزالتها كعملية تطهيرية كإزالة عضو فاسد لتصح بإزالته
стр. 89
بقية البدن؛ ولذلك إذا قطعت يد السارق طهر جميع بدنه من النجاسة المعنوية الروحية التي لطخته بها تلك اليد الخائنة، وقد ثبت في الصحيحين (١) من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن الحدود الشرعية كفارات ومطهرات من تلك الرذائل كما هو معروف.
ومحافظة دين الإسلام على جلب المصالح معروفة، ألا ترون أن أطول آية في المصحف الشريف هي آية الدَّين؟ فانظروا كيف علَّم الله خلقه فيها كتابة الوثائق وإشهاد البينات؛ لئلا يضيع كبير ولا صغير من أموالهم، وفتح لهم الأبواب، ورسم لهم الخطط الحكيمة لاستجلاب ما ينفعهم من جميع النواحي، وأمرهم بمكارم الأخلاق وحسن المعاملات، وبين لهم أصول الاقتصاد.
ومن المعلوم عند جميع العقلاء أن مسائل الاقتصاد راجعة إلى أصلين:
الأول: حسن النظر في طريق اكتساب المال.
والثاني: حسن النظر في صرف المال في مصارفه.
والدين يوضح ذلك كله على ضوء تنظيم خالق البشر لوجوه الاكتساب ووجوه الصرف في حدود معروفة معينة، فيمنع الاكتساب المنطوي على ما لا ينبغي، كقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ومنع
стр. 90
الصرف فيما لا ينبغي، كقوله: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: ٣٦].
والقصد الإشارة إلى رؤوس أقلام من المسائل؛ لأن المقام لا يسع كمال البحث، وتبيين أن دين الإسلام هو الرابطة العظمى التي تجمع المفترق، وتؤلف المختلف، وتلم الشعث، فتجعل بعضنا أولياء بعض، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وتجعل الله ولينا، والصالحين منا أولياء الله، وكذلك الرسول ﷺ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥] ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢] وتجعل الملائكة أولياءنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ... إلى قوله ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية [فصلت / ٣١].
ولأجل هذه الولاية الإيمانية بيننا وبينهم دعوا لنا ذلك الدعاء القرآني العظيم ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] إلى آخر الدعاء.
ويبين لنا أن جميع الروابط تتلاشى أمام هذه الرابطة السماوية ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] إذ لا رابطة نسبية أعظم من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر، وقد رأيت تلاشيها أمام رابطة الإيمان، فالدين الإسلامي مع ذلك لا ينكر أصل الروابط، ولا يريد إذابة الأسرة النسبية وأواصر القرابات، فقد
стр. 91
خصص بالميراث القرباء مراعاة لتلك الرابطة، وأوجب صلات الأرحام وشدد في قطعها مراعاة لتلك الرابطة، ولا ننكر أن الله -جل وعلا- قد نفع بعض رسله الكرام بعصبيات نسبية لا تَمُتُّ إلى الدين بصلة، وجعل لذلك آثارًا حسنة على الإسلام وأهله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦] يعني آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب وذلك بعصبة نسبية لا تمت إلى الدين بصلة، وقد بين الله لنبيه أن ذلك منَّة منه عليه، ومن آثار تلك القرابة النسبية قول أبي طالب (١):
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فقد عرف النبي ﷺ هذه القرابة النسبية لبني المطلب بن عبد مناف، فإنهم ناصروا الهاشميين مناصرة عصبية لا دينية كما هو معلوم؛ ولذلك لما قسم ﷺ خمس غنيمة خيبر جعل نصيب ذي القربى من الخمس لبني هاشم وبني المطلب، ومنع منه إخوتهم الآخرين من بني عبد شمس وبني نوفل؛ لأن أولاد عبد مناف بن قصي أربعة: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل، ولما جاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم يكلمان النبي ﷺ في إعطائه بني المطلب من الخمس دون بني عبد شمس وبني نوفل بين لهم أن المطلبيين لم يفترقوا مع الهاشميين في جاهلية ولا إسلام (٢)، ومعلوم أن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وجبير بن مطعم بن عدي بن
стр. 92
نوفل بن عبد مناف. وقد قال أبو طالب في لاميته المشهورة (١):
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا ... عقوبة شر عاجل غير آجل
ميزان قسط لا يخيس شعيرةً ... له شاهد من نفسه غير عائل
وقد نفع الله بالرابطة النسبية نبيه شعيبًا ونبيه صالحًا، قال تعالى عن قوم شعيب: ﴿قَالُوا يَاشُعَيبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَينَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] وقال في قوم صالح: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾ [النمل: ٤٩] ولما كان لوط ليس له في قومه عصبة ظهر فيه أثر ذلك حتى قال ذلك الكلام المحزن: ﴿قَال لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠].
فالإسلام هو رابطتنا الحقة التي تجعلنا كالجسد الواحد، ولا ينافي ذلك أن لكل منا بعض الروابط الخاصة في حدود الدين الحنيف، فإذابة معنى الأسرة إذابة كلية أقرب إلى الشيوعية منه إلى الإسلام، أما رابطة الإسلام فهي التي يُنادى بها، ولا يجوز أن يُنادى بغيرها محاولة للقضاء على الروابط السماوية التي هي الرابطة حقًّا، وكل تضامن يخالفها فهو باطل، والله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] أي: لئلا يتعصب كل شخص.
стр. 93
[٥] الرابطة الإيمانية
стр. 94
(١) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أما بعد: فإن رابطة الإسلام التي جمعتنا بكم في هذا السفر البعيد هي أعظم رابطة، ونحن دائمًا في المناسبات نبين أنها أقوى من رابطة النسب، والدليل على أن رابطة الإسلام أقوى من رابطة النسب أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] لأن أقرب العصبات الآباء والأبناء والإخوان والعشائر، كما أننا نبين دائمًا بالمناسبات أن رابطة الإسلام لقوتها ربطت بين السماء والأرض، وربطت بين الخلق والخالق؛ ولذلك كان الله ولي المؤمنين من أجل رابطة الإيمان، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [المائدة / ٥٥] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١] هذه الآيات تبين أن الله هو ولي المؤمنين؛ لقوة رابطة الإيمان، كما بين أن المؤمنين أيضًا المتقين أولياء الله، قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢] ثم بين أن سبب ولايتهم لله هو الإيمان والتقوى حيث قال بعد قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢] مبينًا أولياء الله، قال الله في ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].
ولأجل هذه الرابطة العظمى رابطة الإسلام كان النبي ﷺ ولي
стр. 95
المؤمنين، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥].
ويقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
كذلك هذه الرابطة جعلت الملائكة أولياء المؤمنين، قال الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠, ٣١] ولأجل هذه الرابطة القوية - رابطة الإيمان - التي ربطت بين بني آدم والملائكة فوق السموات من شدة ربطها عطفت قلوب الملائكة من فوق سبع سماوات علي بني آدم في الأرض، فدعوا لهم بذلك الدعاء العظيم المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧] فوصف الملائكة بالإيمان ثم قال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فوصف الآدميين بالإيمان فعُرف من ذلك أن الرابطة بين الآدميين والملائكة: الإيمان، كان من نتائج ذلك الرابط - وهو الإيمان - أن دعوا للآدميين كما ذكره الله عنهم في قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ... ﴾ إلى آخر الآيات [غافر / ٧، ٨].
هذه الرابطة عطفت علينا قلوب الملائكة من فوق سبع سماوات مع اختلافنا معهم في الأصل والعنصر، فدل ذلك على أنها تربط بيننا ونحن أبناء رجل واحد وامرأة واحدة ربطا وثيقًا؛ ولأجل ذلك بين
стр. 96
النبي ﷺ أن جميع المسلمين في أقطار الأرض من مشارقها ومغاربها وجنوبها وشمالها كأنهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فعلينا أن نتساعد ونتعاون في الخير، وأن نحافظ على أعمالنا حتى تكون صالحة ترضي الله، وقد بين لنا الله في كتابه أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور إذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة فالعمل صالح يرضي الله، وإذا اختل واحد منها فالعمل غير صالح:
الأول من هذه الأمور الثلاثة: هو أن يكون ذلك العمل مطابقًا لما
جاء به سيدنا محمد ﷺ ؛ لأن الله يقول في هذا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
الثاني من تلك الأمور الثلاثة: هو كون العمل فيما بين الإنسان وبين ربه في نيته التي لا يعلمها إلا الله خالصًا لوجه الله، لا لقصد غرض دنيوي، ولا مال ولا جاه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ويقول: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ [الزمر: ١٤].
الأمر الثالث: أن يكون العمل مبنيًّا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن العمل كالسقف، والعقيدة كالأساس؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤] فقيد العمل بالإيمان، ثم بين أن الأعمال الصالحة من غير المؤمنين باطلة، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾
стр. 97
[الفرقان / ٢٣] وقال تعالى في أعمال الكفار في آيةٍ: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] وقال في آية أخرى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ [النور: ٣٩].
فتبين مما قلنا أن على المؤمن أن يتحافظ على هذه الأمور الثلاثة، فيكون عمله مطابقًا للشرع، مخلصًا فيه لله، ويكون على أساس العقيدة الصحيحة، وخير ما تؤخذ منه العقيدة الصحيحة: القرآن العظيم، كما بينه الشيخ عثمان فودي في أول كتابه إحياء السنة، فعلينا أن نثبت ما أثبته القرآن، وأن ننفي ما نفاه القرآن، وأن نسكت عما سكت عنه القرآن لنهتدي دائمًا بكتاب الله.
ومما دلنا القرآن عليه: أنا لا نأمن مكر الله؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩] وأن نخاف من الله، وإذا كان أحدنا عنده أسلاف صالحون لا نتكل على ذلك؛ لأن الإنسان بحسب عمله، والله يقول: ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤].
وسنضرب أمثالًا في القرآن؛ لأن الإنسان لا يتكل إلا على الله ثم على عمله: أفضل البشر على الإطلاق سيدنا محمد ﷺ ، وأبو طالب عمه الذي رباه لما حضرته الوفاة كما ثبت في صحيح مسلم والبخاري - وذلك أصح الصحيح - جاءه النبي ﷺ فقال: يا عم قل لي كلمة أشهد لك بها عند الله، فأنزل الله عليه جبريل بهذه الآية: ﴿إِنَّكَ لَا
(١) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نريد في هذا الاجتماع المبارك أن نبيّن أمام إخواننا العلماء الأفاضل جُملًا من محاسن دين الإسلام.
أولًا: نبيّن أن رابطة الإسلام هي أعظم جميع الروابط، لأنّ الروابط ما عداها إنَّما هي حول أمور دنيويّة، كرابطة النسب، ورابطة الصداقات، وروابط التجارات، وغير ذلك من الروابط الأرضية، أمَّا رابطة الإسلام وحدها فهي في الله الذي خلق السموات والأرض، وما كان في خالق السموات والأرض فلا شكّ أنه أعظمُ مما سواه.
ونحن دائمًا -في المناسبات- نبيّن أنّ رابطة الإسلام -لشدّة قوتها- ربطت بين السماء والأرض، وربطت بين الخالق والمخلوق، ومن أجلها كان الله ولي المؤمنين، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقال تعالى: ﴿اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]، وولاية الله للمؤمنين التي ذكرناها الآن في القرآن إنّما هي بقوّة رابطة دين الإسلام وهذه الرابطة جعلت المؤمنين المتقين أيضًا أولياء الله، قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢] ثمّ بين أولياء الله من هم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فكون المؤمنين المتقين أولياء الله، وكون الله وليّ المؤمنين، كلّ هذا من رابطة دين الإسلام؛ ولأجل هذه الرابطة كان النبي ﷺ وليّ المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى
стр. 101
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥] هذه الولاية بين المسلمين وسيَّد الخلق محمد ﷺ التي بيَّناها الآن في القرآن إنما هي بقوة رابطة الإسلام، وهذه الرابطة جعلت المؤمنين في أقطار الدنيا بعضهم أولياء بعض، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
ولقوة هذه الرابطة ربطت بين بني آدم في الأرض وبين الملائكة الكرام من فوق سبع سموات، كما نصّ الله على ذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧] فوصف حملة العرش فوق سبع سماوات بأنهم يؤمنون بالله، ثم بين من نتائج ذلك ما نصّ عليه في قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، فوصف بني آدم بالإيمان أيضًا، فعلم من الآية أن الرابطة بين الملائكة وبين الآدميين هي الإيمان، كان من نتائج هذه الرابطة أن دعوا -الملائكة- للآدميّين هذا الدعاء العظيم الذي ذكره الله في القرآن العظيم في قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ إلى آخر الآيات [غافر / ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت: ٣٠، ٣١] فقول الملائكة للآدميين: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾ تلك الولاية فيه برابطة دين الإسلام.
فإذا تبين من هذه الآيات القرآنية أن رابطة الإسلام لشدّة قوتها ربطت بين الخلق والخالق، وبين الأمّة والرسول العظيم، وبين
стр. 102
الآدميين والملائكة؛ فإن ذلك يدل على أنّها تربط بيننا -معاشر المسلمين- لأنّنا أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، كما يبيّن لنا ربّنا في القرآن العظيم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣].
فهذه الرابطة التي ربطت بين الملائكة والآدميين مع اختلافهم في العنصر، واختلافهم في المكان، واختلافهم في الاتجاهات والميول، لا شكّ أنّها تربط أقوى الربط بين المسلمين الذين هم جنس واحد من رجل واحد وامرأة واحدة، فعلينا ألا نضيع هذا الربط السماويّ العظيم الذي جعله الله بيننا بسبب تشريع ربِّ العالمين، فيجب علينا أن نتعاون ونتعارف ونتساعد على توجيه المسلمين، ورفع مستوى دين الإسلام، لتكون كلمة الله هي العليا.
وممّا يدعونا إليه دين الإسلام: أن نترك الخلافات والنزاعات، ونكون يدًا واحدة على الخير؛ لأنّ الاختلاف والمنازعات يؤدي للفشل وضياع القوة، والله يقول في كتابه العظيم: ﴿ولَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ويقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقد بيّن القرآن العظيم في سورة الحشر أن الاختلاف والنزاعات سببها ضعف العقل، ذلك في قوله تعالى في قوم كانوا مختلفين: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، ثم بيّن العلّة فكأن قائلًا قال: ما العلةُ في كون قلوبهم شتى؟ قال الله مبيّنًا تلك العلة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤] فآية سورة الحشر هذه التي قال
стр. 103
الله فيها: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤] هي دليل على أن منشأ الاختلافات إنّما هو ضعف في العقل؛ لأنّ العاقل يعلم أن الاتفاق خير من الاختلاف؛ فإذا اتفقت أنت وأخوك كانت جهوده معك، وإذا اختلفتما كانت جهود كل منكما ضدّ الآخر، وضعف العقل إنما يداوى بدواء القرآن؛ لأن القرآن نور، يقول الله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]، ويقول: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، هذا النور القرآني هو الذي يكشف ظلام الجهل، ويبيّن الحق من الباطل، والنّافع من الضار، والحسن من القبيح، والله يقول في كتابه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فهذه الآية بيّنت أن دين الإسلام حياة بعد الموت، ونور بعد الظّلام، فعلينا أن نستضيء بهذا النَّور -نور القرآن العظيم- ونرى الحق في باطنه حقًّا، والباطل باطلًا، ونميز بين ما يضر وما ينفع، والسبب الأساسي لذلك أن نتحد ونكون إخوانًا متعاونين، لأنّ الخلاف هو سبب كل شرّ، وكلّ تأخر، وقد يكون العقلاء بينهم اختلاف وجهات نظر، ولكنّ هذا الخلاف لا يؤثر؛ لأنّ الأصول العظام لا خلاف فيها؛ دين واحد، وربّ واحد، ونبيّ واحد، وكتابٌ واحد، وقبلةٌ واحدة، كلّنا نستقبل قبلةً واحدة، ونحجّ بيتًا واحدًا، ونتلوا قرآنًا واحدًا، ونؤمن برب واحد، ونصدق بالنبي ﷺ ، هو رسولنا، وإنَا نصدق بجميع الرّسل ولا سيّما رسولنا محمد ﷺ ، فالخلاف في المسائل البسيطة لا ينبغي أن يكون سببًا للتفكك، وعدم المساعدة، والصحابة -رضوان
стр. 104
الله عليهم- كانوا يختلفون في بعض المسائل، ولا يؤثر هذا على الاتحاد والجماعة، والأئمة الأربعة ﵃ مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد يختلفون في بعض المسائل، وذلك لا يؤثر على الألفة والاتحاد. لأن اختلاف وجهات النظر في الفروع لا يؤثر، ولا يتخذه سببًا للافتراق إلّا الجهلة، أنها أهل العلم فهذا لا يؤثر عندهم، ولا يفكّك الأخوة الإسلامية السامية.
ونحن دائمًا نضرب المثل لهذا بصورة هذه الصّورة: أنّه ثبت في صحيح البخاري -وهو أصحّ كتاب بعد القرآن- أن النبي ﷺ لمّا أراد أن يغزو يهود بني قريظة قال: "من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة" (١) فأصحاب النبي ﷺ فهموا هذا النص، ولكن اختلفت وجهات نظرهم في فهمه، فقومٌ قالوا: مراد النبي: أننا نسرع إلى خيبر، وليس مراده تأخير الصلاة، فصلوا وأسرعوا إلى النبي ﷺ ، وقومٌ آخرون من الصحابة وقفوا مع ظاهر اللفظ ولم يصلّوا العصر إلا بعد العشاء في بني قريظة، فاجتمع الجميع عند النبي ﷺ في الليل بعد العشاء وقد اختلفوا قوم صلّوا في الطريق، وقوم لم يصلوا إلا بعد العشاء، وهذا خلاف، والنبي ﷺ وفّق الجميع وصوّبهم، ولم ينتقد على هذا ولا على هذا، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- لا يقرّر على
стр. 105
شيء باطل أبدًا، فدلّ على أنّ كلّهم فعل حقًّا غير باطل، وهم مختلفون.
فهذه صورة نبوية تبين أن الخلاف في الفروع والاتجاهات في فهم النصوص لا أثر لها، فالذي يتخذها وسيلة للتفكك والخلاف هو يجني على المجتمع، ويجني على الدّين، فعلينا جميعًا أن نتفطن لهذا، وأن لا نجعل النزاعات والخلافات واختلاف وجهات النظر سببًا لتفككنا؛ لأنَّا إذا تفرّقنا لم تكن لنا قوة، هذا مما يرشد إليه دين الإسلام، وهو يرشد إلى جميع الخير في جميع الميادين، وإن شاء الله في الاجتماع القادم سنبين زيادات كثيرة، وأمثلة كثيرة ممّا يدعو إليه دين الإسلام من الخير والمحاسن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* * *
стр. 106
القسم الثاني (السؤالات)
стр. 107
السؤال الأوّل (١): قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾، ما قول أئمة الفروع من المالكية في قوله: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ (٢) [المائدة / ٣].
الجواب: هذا الخلاف معلوم في هذه الآية، وحاصل هذا المقام أن مثل هذا الذي سأل عنه فضيلة الشيخ ذُكر في أربع آيات من كتاب الله، اثنتان منهما: وهي الأولى والأخيرة في كل واحدة منهما زيادة، والوسطيان منهما لا زيادة فيهما.
أول ما نزل في هذا: قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فحرّمت هذه الآية هذه الأشياء، وزادت التقييد بكون الدّم مسفوحًا.
ثمّ إن الله حرَّم هذه الأشياء الأربعة في سورة النحل، وهي النازلة بعد الأنعام، فسورة النحل نزلت في مكة قبل الهجرة على التحقيق إلا الآيات الأخيرة منها: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فقد نزلت في تمثيل المشركين بشهداء أحد، وهم حمزة وأصحابه، والدليل على أن النحل نازلة بعد الأنعام في القرآن في موضعين: أحد هذين الموضعين: قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل:
стр. 108
١١٨]، والنازل المقصوص المحال عليه من قبل نازل في سورة الأنعام بالإجماع في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦].
الموضع الثاني من الموضعين: أن الله قال في سورة الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فبين أنهم سيقولون هذا القول في المستقبل، وأنهم وقت نزول الآية لم يقولوه فعلًا، ثم بين في النحل أن ذلك القول الموعود به وقع تمامًا، فتبيّن أنها بعدها، وذلك في قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [النحل: ٣٥].
قال في النحل النازلة بعد الأنعام كما بيّنا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل: ١١٥] ولم يزد شيئًا، ثم إنه نزل في البقرة وهي نازلة في المدينة بالإجماع: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ولم يزد فيها شيئًا، ثم نزلت سورة المائدة بعد الجميع، نزل بها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وذُكرت أصناف من أصناف الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية، وزيد في هذه الاستثناء، فزيد في الآية الأولى: التقيد بالمسفوحية، وزيد في الآية الأخيرة: الاستثناء بالتذكية، وكل منهما يحتاج إلى كلام.
والآن نتكلم على محل السؤال: هذا الاستثناء أصله معروف عند علماء التفسير أن فيه وجهين:
أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهو قول القليل، منهم مالك بن
стр. 109
أنس، وقول الجمهور: أنه استثناء متصل، والحكم يختلف باختلاف التفسيرين. أما الجمهور الذين قالوا: إنه استثناء متصل فإنهم قالوا: حرمت عليكم الموقوذة إلا ما أدركتم فيه ذكاةً ما وذكيتموه، وحرّم عليكم ما أكل السّبع إلا ماذكيتم ولو أدركتم فيه أدنى شيء يصدق عليه اسم الحياة.
ومالك بن أنس راعى أن الاستثناء منقطع، وكأنه يقول: [(١) حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي لم يحرم]، وعند مالك قول يوافق الجمهور. قال ابن العربي المالكي: إن قول الإمام مالك في هذا كأنه فيه شبه تناقض؛ لأنه يقول في المريضة: إنها تؤكل وإن يئس من حياتها يأسا كليًا، ويؤكل المذكى وإن يئس من حياته. ويقول في التي يئس من حياتها بالوقذ كالتي يتناثر دماغها، أو بأكل السبع كالتي تنتثر حشوتها، ومع أن فيها حركة قوية: أنها لا تُؤكل. قالوا: هذا تناقض؛ لأنك ما دمت أحللت مثل ذلك في المريضة، فكيف لا تحلّه في أكيلة السبع؟ والجمهور على أنّ أكيلة السبع مثل المريضة عند مالك لو أدرك فيها أي حياة لأكلت، وكان بعض العلماء يقول: لو كان كل ما أُنفذ مقتله مات لكانت وصية عمر بن الخطاب بجعل الخلافة شورى بين الستة لا تقبل؛ لأنه أنفذ مقتله، والطبيب قال له: أوصِ فقد أنفذ مقتلك. وقد أوصى وعُمل بوصيته، وجعل الخلافة شورى بعد نفذ مقتله، جاء ذلك يدل على
стр. 110
أن هناك حياة.
والمالكية يقولون: مثل هذه الحياة كحياة المذبوح، لا نعتبرها حياة في الذكاة، والجمهور يقولون هذا (١)، وهذا قول مالك، وسبب الاختلاف هو الاختلاف: هل الاستثناء منقطع أو متصل كما بيّنا.
السؤال الثاني: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] إباحة صيد الكتابي مطلقًا، فهل الآية التي استدل بها مالك على تحريم صيده تخصص هذا العموم، أم لا؟ وهي قوله تعالى: ﴿أَيدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وهل خالفه أحد من أصحابه، أم لا؟ وهل وافقه أيضًا أحد من الأئمة أم لا؟ (٢).
الجواب: أمّا هذا فلم يوافق الإمام مالكًا فيه أحد من الأئمة الثلاثة، وخالفه جماعة من أصحابه، وروى عنه ابن بشير أنه مكروه لا حرام، وجمهور العلماء على أن صيد الكتابي كذكاته، وأنّ ذكاته بالعقر كذكاته بالذبح، وهذا عليه جمهور العلماء، ولم يوافق مالكًا فيه أحد من الأئمة الثلاثة، وكثير من أصحاب مالك خالفوه في هذا، وروى بعضهم عنه أنه مكروه كراهة تنزيه، وليس بمحرّم، وقد رواه ابن بشير وغيره، والرواية المشهورة من رواية ابن القاسم