← Адаб

Адаб · id 2055

مصادر الشعر الجاهلي

ناصر الدين الأسد

Полный текст (720 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

رواها كلها متتابعة على أنها قصيدة واحدة -إذ أنها ذات وزن واحد وروي واحد- وأوردها على ذلك ابن هشام، ثم عقب عليها بقوله١: "قال ابن هشام: من قوله: "أبلغ هوزان أعلاها وأسفلها" إلى آخرها، في هذا اليوم، وما قبل ذلك في غير هذا اليوم، وهما مفصولتان، ولكن ابن إسحاق جعلهما واحدة". ٣- ويحذف ابن هشام بيتًا أو أبياتًا من قصيدة رواها ابن إسحاق، وليس سبب هذ الحذف أنه يشك في صحة الشعر أو نسبته، وإنما لأن الشاعر أقذع فيه٢. وكذلك أبدل كلمات من شعر رواه ابن إسحاق لأن الشاعر "نال فيها من النبي ﷺ "٣. وترك بيتين من قصيدة لأمية بن أبي الصلت لأنه "نال فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ "٤. ٤- وله أحيانًا تعليقات على ما يورد من الشعر من حيث العروض أو من حيث جمال الشعر، فمن ذلك أنه يذكر كلامًا لرئي من الجن هو "ألم تر إلى الجن وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها". ثم يعقب عليه بقوله٥: "قال ابن هشام: هذا الكلام سجع وليس بشعر!! ". وذكر أيضًا ما كان يرتجز به المسلمون وهم يبنون مسجد المدينة، وذلك قولهم: "لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة" وعقب عليه بقوله٦: "هذا كلام وليس برجز". ويورد أيضًا أبيات سبيعة بنت الأحب، ومطلعها: أبني لا تظلم بمكـ ... ـة لا الصغير ولا الكبير

стр. 352

ثم قال١: "يوقف على قوافيها لا تُعرب". وأورد أبياتًا على الكاف المكسورة رواها ابن إسحاق لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ثم عقب عليها بقوله٢: "بقيت منها أبيات تركناها لقبح اختلاف قوافيها". ويورد أبياتًا لحسان بن ثابت يذكر عدة أصحاب اللواء يوم أُحد، ثم يعقب عليها بقوله٣: "هذه أحسن ما قيل". ويورد أبياتًا رواها ابن إسحاق لأبي أسامة معاوية بن زهير بن قيس، ويعقب عليها بقوله٤: "وهذه أصح أشعار أهل بدر". ذلك هو ابن هشام وصنيعه بسيرة ابن إسحاق، وذلك هو -على وجه الحصر- كل ما ذكره عن الشعر الجاهلي الذي رواه ابن إسحاق في سيرته. أما ابن سلام فقد يصح أن نقسم حديثه عن وضع الشعر الجاهلي ونحله قسمين كبيرين، أولهما: قواعد عامة وأحكام مرسلة يطلق القول فيها إطلاقًا، لا يخصص ولا يمثل، وأكثر حديثه عن هذا القسم جاء في مقدمة كتابه. وثانيهما: نص على شعراء بعينهم وذكر لشعر قالوه، يذهب ابن سلام إلى أنه موضوع منحول. فمن القسم الأول قوله٥: "وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف. وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية،

стр. 353

ولم يعرضوه على العلماء. وليس لأحد -إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه- أن يقبل من صحيفة، ولا يروي عن صحفي. وقد اختلف العلماء في بعض الشعر، كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه". وقد روى لنا أن خلاد بن يزيد الباهلي -وكان حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله، قال لخلف بن حيان الأحمر١: "بأي شيء ترد هذه الأشعار التي تُروَى؟ قال له: هل فيها ما تعلم أنت أنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم. قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟ قال: نعم. قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت. ومن هذا القسم أيضًا ما أشرنا إليه قبل قليل من حديثه عن محمد بن إسحاق وصنيعه في السيرة، فقد قال عنه إنه كان٢ "ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه،.... فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله. ولم يكن ذلك له عذرًا. فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة ... " ووصف حمادًا الراوية بأنه٣ "كان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار". وقال أيضًا٤ "فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسن شعرائهم. ثم كانت الرواة بعد، فزادوا في الأشعار التي قيلت.

стр. 354

وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا، ولا ما وضع المولدون؛ وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء، أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال". أما القسم الثاني فيتفرع كذلك إلى جدولين، أولهما: ذكر في ابن سلام الشعراء وأرسل القول في شعرهم إرسالًا، من غير تخصيص بشعر بذاته. وثانيهما: وقف فيه عند بيت أو أبيات من شعر الشاعر ونص على أن هذه الأبيات بعينها موضوعة منحولة. فمن الأول قول ابن سلام١: "أخبرني أبو عبيدة أن ابن داوود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي في الجلب والميرة، فنزل النحيت؛ فأتيته أنا وابن نوح العطاردي، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته. فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه فيذكر المواضع التي ذكرها متمم والوقائع التي شهدها. فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله". وكذلك قوله٢: "ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه، قلة ما بقي بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد، اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر ... ونرى أن غيرهما قد سقط من كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذاك فلما قل كلامهما حُمل عليهما حمل كثير". وشك كذلك في شعر عبيد بن الأبرص فقال عنه إنه٣ "قديم الذكر عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب، لا أعرف له إلا قوله: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب ولا أدري ما بعد ذلك!! ".

стр. 355

وشك كذلك في شعر علقمة بن عبدة فقال١: "ولابن عبدة ثلاث روائع جياد، لا يفوقهن شعر". وبعد أن ذكر مطالعها قال: "ولا شيء بعدهن يذكر٢". وشك في شعر عدي بن زيد، فقال عنه إنه٣ "كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف الأحمر، وخلط فيه المفضل فأكثر". وقال كذلك عن الأسود بن يعفر٤: "وله شعر كثير جيد ... وذكر بعض أصحابنا أنه سمع المفضل يقول: له ثلاثون ومائة قصيدة ونحن لا نعرف له ذلك ولا قريبًا منه؛ وقد علمت أن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي، ويتجوزون في ذلك بأكثر من تجوزنا ... ". وذكر حسان بن ثابت فقال عنه إنه٥ "كثير الشعر جيده، وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد. لما تعاضهت قريش واستبت وضعوا عليه أشعارًا كثيرة لا تُنقى". وذكر أيضًا أبا سفيان بن الحارث وقال إن له شعرًا كان يقوله في الجاهلية٦. "فسقط ولم يصل إلينا منه إلا القليل. ولسنا نعد ما يروى ابن إسحاق له، ولا لغيره شعرًا، ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذاك لهم". وأما الجدول الثاني من هذا القسم فهو الذي يقف فيه عند بيت أو أبيات

стр. 356

بعينها من شعر الشاعر. فمن ذلك أنه روى بيتًا لعباس بن مرداس يذكر فيه عدنان هو قوله١: وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بمذحج حتى طردوا كل مطرد وقد قال راوي الكتاب أبو خليفة الفضل بن الحباب عقب ذلك: "والبيت مريب عند أبي عبد الله" -يعني ابن سلام. وقال ابن سلام٢: أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال: "قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة، وهو عليها، فقال: ما أطرفتني شيئًا؛ فعاد إليه فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة مديح أبي موسى٣. فقال: ويحك، يمدح الحطيئة أبا موسى لا أعلم به، وأنا أروي شعر الحطيئة؟! ولكن دعها تذهب في الناس! ". وقال كذلك٤: "ويروى عن الشعبي، عن ربعي بن خراش: أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم الذي يقول: فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون وهذا غلط على الشعبي، أو من الشعبي، أو من ابن خراش. أجمع أهل العلم على أن النابغة لم يقل هذا، ولم يسمعه عمر، ولكنهم غلطوا بغيره من شعر النابغة". وأورد بيتين ذكر أنهما مما "يحمل على لبيد" هما٥:

стр. 357

باتت تشكي إلى النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعًا بعد سبعين فإن تعيشي ثلاثًا تبلغي أملًا ... وفي الثلاث وفاء للثمانين ثم قال: "ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث، ويستعان به على السهر عند الملوك، والملوك لا تستقصي". وذكر أبا طالب فقال إنه كان١ "شاعرًا جيد الكلام، وأبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي ﷺ ، وهي: وأبيض يُستسقَى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل ثم قال: "وقد زيد فيها وطولت. رأيت في كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة، وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، فلا أدري أين منتهاها. وسألني الأصمعي عنها فقلت: صحيحة جيدة. قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا أدري ... ". وذكر ابن سلام بيتين قال إن الناس يروونهما لأبي سفيان بن الحارث ثم قال٢: "وأخبرني أهل العلم من أهل المدينة: أن قدامة بن موسى بن عمر بن قدامة بن مظعون الجمحي قالها ونحلها أبا سفيان؛ وقريش ترويه في أشعارها". وأورد أربعة أبيات مما يُروى لزهير بن أبي سلمى وقال إنها لقراد بن حنش من شعراء غطفان، "وكان جيد الشعر قليله، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره فتأخذه وتدعيه، منهم زهير بن أبي سلمى ادعى هذه الأبيات"٣. وأورد أرجوزة للأغلب العجلي قالها في سجاح لما تزوجت مسيلمة الكذاب؛

стр. 358

ثم قال١: "حدثني الأصمعي: أنه كان يقال إن هذه القصيدة في الجاهلية لجشم بن الخزرج". وبعد: فقد قام حديثنا فيما تقدم من صفحات هذا الفصل على تتبع آراء القدامى المتفرقة في الكتب عامة، وكتابي سيرة ابن هشام وطبقات ابن سلام خاصة؛ فدرسناها وصنفناها، ورتبناها، ثم اكتفينا بالعرض المجرد، على أن نعود إلى نقد هذه الآراء ودراستها دراسةً تنفي عنها ما فيها من زيف في الفصل الخامس من هذا الباب، بعد أن ندرس في الفصل الثالث والرابع آراء المحدثين من المستشرقين والعرب، ليتسنى لنا أن ننظمهم معًا في حديث واحد.

стр. 359

الفصل الثالث: النحل والوضع في الشعر الجاهلي- آراء المستشرقين آراء المستشرقين ... الفصل الثالث: النحل والوضع في الشعر الجاهلي آراء المستشرقين -١- أما المحدثون من المستشرقين فلعل مرجوليوث D.S. Margoliouth هو من أوائل من آثار منهم الشك في الشعر الجاهلي في مقالة كاملة، خصص صفحاتها الكثيرة للحديث عن هذا الموضوع من جميع أطرافه١. فقد نشر في مجلة الجمعية

стр. 360

الملكية الآسيوية - عدد يوليو سنة ١٩٢٥- بحثًا عنوانه "أصول الشعر العربي"١ رجح فيه أن هذا الشعر الذي نقرأه على أنه شعر جاهلي إنما نظم في العصور الإسلامية ثم نحله هؤلاء الواضعون المزيفون لشعراء جاهليين. وقد بنى رأيه هذا على ضربين رئيسيين من الأدلة: أدلة خارجية، وأدلة داخلية. وسنعرض في هذه الصفحات رأيه، في شيء من التفصيل. الأدلة الخارجية: ١- بدأ مرجوليوث مقالته بالحديث عن وجود الشعر في الجاهلية؛ فقال٢: إن وجود شعراء في بلاد العرب قبل الإسلام أمر شهد به القرآن، إذ أن فيه سورة واحدة باسمهم، ثم يشير إليهم من حين إلى آخر في مواطن أخرى. ومن بين الأوصاف التي كان خصوم النبي ينعتونه بها أنه كان شاعرًا مجنونًا٣. وكان النبي ينفي عن نفسه هذه الصفة ويجيبهم بأنه إنما "جاء بالحق". ووردت، في سورة أخرى، ثلاث ألفاظ هي كاهن، ومجنون، وشاعر٤، ويزعم مرجوليوث أن سياق الآية يدل على أن هذه الألفاظ الثلاثة في معنى واحد "مترادفة"، ثم قال: إن الذين وصفوه بأنه شاعر قالوا إنهم سيتربصون ليروا ما سيحدث له! وهو يرى أنه يصح أن يستنتج من ذلك أن من عادة الشعراء آنئذ التنبوء بالغيب!! وأشار إلى أن القرآن قد ذكر أن لغته ليست لغة شاعر ولكنها لغة رسول كريم٥، وأن الله لم يعلم النبي الشعر لأنه لا طائل له من

стр. 361

ورائه١، وأن كلام النبي حقيقة مقررة وعظة واضحة٢ ويستنتج من ذلك أن الشعر كان آنئذ غامضًا مبهمًا! ويشير إلى أن خلاصة صفات الشعراء مجموعة في السورة التي تحمل اسمهم. وفيها أنهم يتبعهم الغاوون، وأنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون. ويقول إن الآيات التي تلي هذه الأوصاف قد تبدو كأنما تستثنى بعض الشعراء الأتقياء من هذا الحكم، ولكن أسلوب القرآن يجعلنا في شك من أن المقصودين بهذا الاستثناء هم حقيقة الشعراء. ويذهب إلى أنه يجوز لنا أن نستنتج مما تقدم أن الشياطين كانت تتنزل على الشعراء. إذ أن القرآن ذكر أنهم يتنزلون على كل كاذب أثيم، ,أنهم ينقلون إليه أنباء كاذبة في جملتها٣ ويذكر أن هذه الآيات تشير إلى عمل الشياطين المذكور في سورة أخرى وهو: استراقهم السمع في المجالس السماوية، فعوقبوا على هذا الذنب بأن ألقيت عليهم الشهب٤، وهذا ثانية يصل بين الشعراء والتنبوء بالغيب!! ثم يذهب إلى أنه إذا كان المقصود بالشعر هو هذا الشعر الذي عُرف في الأدب العربي بعد ذلك، فإننا نقع في حيرة من الأمر، وذلك أن محمدًا الذي لم يكن يعرف الشعر، كان يدرك أن ما يوحى إليه ليس بشعر، بينما كان أهل مكة -وهم لا شك يعرفون الشعر إذا ما سمعوه أو رأوه- يظنون كلامه شعرًا! ويخلص مرجوليوث بعد هذا الحديث الطويل الذي لخصنا جملته، إلى أنه

стр. 362

"ربما كان ما تبيح لنا الشواهد القرآنية قوله هو أنه كان قبل الإسلام بعض الكهان من بين العرب كانوا يُعرفون باسم "الشعراء"، كانت لغتهم غامضة مبهمة كما هو الشأن دائمًا في الوحي"١. ٢- وبعد أن ينتهي مرجوليوث من حديثه عن الشعر والشعراء كما استنتجه من آيات القرآن الكريم، يبدأ في عرض آراء العلماء المسلمين القدماء ويسميهم٢ Archaelogists. فيثير مشكلة ابتداء الشعر العربي ونشأته، ويقرر أنها أمر في الغاية من الغموض؛ إذ إن القدامى قد ذهبوا فيها مذاهب متباينة. فقد عزا بعضهم شعرًا عربيًّا إلى آدم٣، بينما أورد آخرون قصائد غنائية عربية منذ عهد إسماعيل٤. ثم يقول إنه يبدو أن الرأي السائد أن الشعر العربي -بصورته التي ثبت عليها بعدُ- بدأ قبيل ظهور الإسلام بأجيال قليلة على أبعد تقدير. ومع أن الذين يذهبون هذا المذهب يجعلون مهلهلًا أو امرأ القيس أول الشعراء فقد أوردوا شعرًا لشعراء سبقوهما بزمن طويل٥. ثم يختم حديثه هذا ختامًا يكشف عن شكه في كل ما أورد، وذلك قوله٦: "ولو أننا عددنا القصة التي تعزو إلى مهلهل اختراع القصيدة حقيقة تاريخية، فلا بد لنا من أن نُقر بأنه أصبح له مقلدون وأتباع كثيرون، فبين أيدينا عدد وافر من المجلدات التي تشتمل على مجموع أشعار عدد كبير من الشعراء الذين عاشوا في الفترة التي امتدت بين اختراعه وهجرة الرسول! وجميع شعراء المعلقات العشر المشهورين أصحاب دواوين أو مجموعات قصائد طُبع أكثرها وجاء في صفحات كثيرة. وبجانب هؤلاء شعراء كثيرون يساوونهم في الإكثار ولم يُعدوا من العشرة الخالدين. وفضلًا عن ذلك فإن القصائد الصادرة عن شعراء من قبائل معينة قد جُمعت في

стр. 363

مجاميع، طُبع أحدها. وتدل هذه القصائد بطبيعتها على معرفة بالهجاء، وهي تشير في مواطن كثيرة إلى الكتابة، فلا شك إذن في أن عرب ما قبل الإسلام -الذين كانوا يستخدمون لغة القرآن! - كانوا مجتمعًا أدبيًّا عاليًا! ولا تكاد بلاد الإغريق القديمة تعرض علينا عددًا مثل هذا من عبدة آلهة الفن! ". ٣- ثم ينتقل إلى الحديث عن حفظ هذا الشعر الجاهلي، فيقول١: "لو فرضنا أن هذا الشعر حقيقي، فكيف حفظ؟ لا بد أنه حفظ إما بالرواية الشفهية وإما بالكتابة ويبدو أن الرأي الأول "أي الرواية الشفهية" هو الرأي الذي يذهب إليه المؤلفون العرب، مع أنه ليس بالرأي الذي يجمعون عليه كما سنرى". ثم يشك -كعادته- في أن يكون الشعر الجاهلي قد حُفظ بالرواية الشفهية، ويبنى شكه على ثلاثة أسباب، الأول: "إذا كانت قصائد عدة ذات أبيات كثيرة قد حُفظت بالرواية الشفهية فلا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا وجد أفراد عملهم أن يحفظوها في ذاكرتهم وينقلوها إلى غيرهم، وليس لدينا ما يدعونا إلى الظن بأن حرفةً مثل هذه قد وُجدت أو أنها بقيت خلال العقود الأولى من الإسلام! " والثاني: ما يذهب إليه المسلمون من أن "الإسلام يجبُّ ما قبله"٢ وما ورد في القرآن من "أن٣ أتباع الشعراء هم الغاوون فحديث القرآن عنهم فيه قسوة عليهم واحتقار لهم. فثمة إذن سبب قوي يدعو إلى نسيان الشعر الجاهلي إذا كان ثمة شعر جاهلي حقيقة! " والثالث مرتبط بالثاني وهو "أن الأعمال التي تخلدها عادة هذه القصائد كانت انتصارات القبائل بعضها على بعض، والإسلام، الذي كان يرمي إلى توحيد العرب ونجح نجاحًا كبيرًا في تحقيق تلك الوحدة، كان يحث على نسيان تلك الحوادث، والقصائد التي من هذا الضرب تثير النفوس وتهيج الدماء٤".

стр. 364

٤- حتى إذا اطمأن إلى أنه قد فند ما ذهب إليه أكثر القدامى من أن الشعر الجاهلي قد حفظ لنا بالرواية الشفهية، قال: "فلم يبق إلا الاحتمال الثاني وهو: أن هذه القصائد حُفظت بالكتابة". ثم يعرض راويات قليلة تشير إلى أن بعض الشعر الجاهلي كان يُكتب١، ويستنتج من ذلك أنه "ربما لا يوجد ما يتعارض مع ما تصرح به هذه القصائد إذا تخيلنا أنها كانت تذيع وتنتشر عن طريق الكتابة٢". ولكنه لا يلبث أن يخضع لما يسيطر عيه من نزعة الشك فيحاول أن ينفي كتابة الشعر الجاهلي من وجهين، الأول: ما يصرح به القرآن نفسه "فإن وجود أدب فصيح قبل الإسلام بلغة القرآن وبالكتابة الحميرية، أو بأي خط آخر، لأمر يبدو مناقضًا كل التناقض لصريح ألفاظ القرآن ولأحكامه التي يقررها بحيث لا يصح أن يوضع هذا الأمر موضع النظر؛ فالقرآن يسأل أهل مكة: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُون﴾ ٣ ويسأل الكفار والمشركين: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٤ وأولئك الذي يخاطبهم القرآن لم ينزل على آبائهم نذير: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ ٥. و ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٦. ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٧. ولم يكن لأحد كتب سماوية إلا لمجتمعين: المجتمع

стр. 365

المسيحي والمجتمع اليهودي: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ ١ ولم يكن للوثنيين كتاب من هذا الضرب. وهذا أمر من الصعب أن نفترض أن القرآن أخطأ فيه، فإن رسولًا إلى الهندوس قد يحكم على كتبهم بأنها لا قيمة لها وأنها مضللة، ولكنه لا ينكر وجودها. ولو أن الشعر الجاهلي كان مكتوبًا لكان للجاهليين كثير من الكتب "وهي كتب في الحقيقة موحى بها"، قد تكون غير مشذبة أو مصقولة -مع أنها لم تكن جميعًا كذلك كما سنرى- ولكنها مع ذلك كافية لأن تجيب عن أسئلة القرآن بالإثبات؛ ولكن القرآن، لا شك، يزعم أن الجواب بالنفي٢". أما الوجه الثاني فهو ما يدعوه "مجرى التطور الأدبي"، وهو، في حديثه هذا، يجمجم في ألفاظه ولا يكاد يبين، ومع ذلك فإن الهدف الذي يرمي إليه واضح، فهو يذهب إلى أن الأدب في تطوره يسير عادة، وربما دائمًا، من الصور الشاذة غير المنتظمة إلى الصور المألوفة المنتظمة، ومن هنا يرى أن الشعر الذي يزعم أنه جاهلي إنما هو مرحلة تالية للقرآن لا سابقة عليه، وذلك قوله٣: "إن الأساليب الأدبية العربية، سواء النثر المسجوع والشعر، فيها مشابه من أسلوب القرآن. وفي القرآن آيات لا ينكر أنها نثر مسجوع إلا الغلاة من المتشددين؛ وفيه أيضًا، في مواطن متعددة، أمثلة على كثير من الأوزان الشعرية. والتطور من الأسلوب القرآني إلى الأسلوب المنتظم Regular يبدو متمشيًا مع المألوف. وإذا كان القرآن أول أثر في اللغة يظهر فيه الفن الأدبي فإن ما يدعيه لنفسه من الإعجاز في الفصاحة أمر من اليسير على الناس فهمه، وهو لا يختلف بذلك

стр. 366

كثيرًا عما يدعيه لأنفسهم أولئك الذين أدخلوا، لأول مرة، النظم في اللغة أو ينسبه إليهم الآخرون. أما إذا كان المستمعون قد تعودوا سماع النثر المسجوع والشعر الكامل المصقول كما يبدوان في أساليب الآثار الأدبية التي تدل في ظاهرها على أنها جاهلية، فإن من العسير إقامة الدليل على هذا الادعاء". ٥- ثم يتطرق بعد ذلك إلى الحديث عن الرواة من علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين، فيذكر حمادًا، وجنادًا، وخلفًا الأحمر، وأبا عمرو بن العلاء، والأصمعي، وأبا عمرو الشيباني، وابن إسحاق صاحب السيرة، والمبرد، فيجمع بعض ما انتثر في الكتب العربية من إشارات تُشيع الشك في بعض ما جمعوا أو أوردوا من الشعر الجاهلي١، ثم أضاف إلى ذلك آراء هؤلاء الرواة العلماء بعضهم في بعض، فقال٢: "إن هؤلاء العلماء لم يكن يوثق بعضهم بعضًا، فابن الأعرابي كان يتهم الأصمعي وأبا عبيدة، وربما بادلوه اتهامًا باتهام، ولا شك في أن كلًّا منهم كان يتهم الآخر". وسنورد تفصيل هذه الروايات في الفصل التالي. وقد ختم حديثه عن هذه النقطة بقوله٣: "وقد نقبل أن بعض العلماء كانوا يشكون، بل كانوا ينقدون، فلم يضعوا ولم ينحلوا، وأدخلوا في مجموعاتهم ما كانوا يعتقدون أنه حقيقة شعر قديم، ولكن هذا يعود بنا إلى التساؤل عن مصادرهم. فقد كانت رسالة محمد حدثًا عظيمًا في بلاد العرب: كانت انفصالًا عن الماضي يندر مثيله في التاريخ. فقد ترك الناس، من جميع أنحاء شبه الجزيرة، مساكنهم ليستوطنوا في بلاد لم يكن إلا القليل منهم يسمع بها. وقد واكبت الإسلام وتلته حروب أهلية في داخل شبه الجزيرة. ولم يكن الإسلام متسامحًا مع الوثنية القديمة حتى ولا تسامح استصغارًا لشأنها، بل كان يناصبها أشد

стр. 367

العداء، ولم يقبل أن يلتقي معها في مكان سوى. فإذا كان الشعراء هم لسان الوثنية الناطق، فمن هم أولئك الذين حفظوا في صدورهم، ثم نقلوا إلى غيرهم، تلك الأشعار التي تنتسب إلى نظام أبطله الإسلام؟ ونستطيع أن نتتبع الشعور بهذه الصعوبة في ذلك الحل الذي يقال إن حمادًا قدمه، وهو أن الأشعار كانت مدفونة حينما كانت الحماسة للإسلام في أشدها، ثم اكتشفت مصادفة حينما بردت تلك الحماسة بعض الشيء". ولكن مرجوليوث لا يطمئن إلى ما انتهى إليه: فلا يكاد يتم حديثه السابق حتى يعقب عليه بقوله إن هؤلاء الشعراء لم يكونوا كما يبدو عليهم "لسان الوثنية الناطق، بل كانوا مسلمين في كل شيء ما عدا الاسم"١ ومن أجل أن يبرهن على حكمه هذا ينتقل إلى الضرب الثاني من الأدلة التي يرى أنها كفيلة بإشاعة الشك في صحة الشعر الجاهلي، وهي الأدلة الداخلية: ١- وأول هذه الأدلة الداخلية -كما يراها مرجوليوث- هو ما في هذا الشعر الجاهلي من إشارات إلى قصص ديني ورد في القرآن، وما فيه من كلمات دينية إسلامية مثل: الحياة الدنيا، ويوم القيامة، والحساب، وبعض صفات الله. وقد بدأ مرجوليوث حديثه عن هذا الدليل بقوله٢: "إن الشعراء، من جميع الأمم، لا يتركون الناس بعدهم يشكون في أمر ديانتهم، والعرب في نقوشهم واضحون صريحون كذلك في هذا الموضوع، فإن أكثر هذه النقوش تذكر إلهًا أو آلهة وأمورًا تتصل بعبادتها.. ولكن الإشارات إلى الدين في الأشعار التي بين أيدينا قليلة ... ولا نجد من الشعر جو الآلهة المتعددة الذي نجده في النقوش. وربما كان هذا الذي أوحى للأب شيخو نظريته في أنهم كانوا جميعًا نصارى، ولكن يبدو أن هذه النظرية غير صحيحة، فإن بعض هؤلاء الذين افترض أنهم نصارى عبروا عن أنفسهم بطريقة تظهر في وضوح أنهم ينتسبون إلى مجتمع آخر مختلف.

стр. 368

فأعشى قيس، وهو مذكور في كتاب شيخو، يتحدث عن المصلين أو العباد متحلقين حول باب حاميهم مشبهًا تحلقهم بتحلق النصارى حول بيت صنهمهم١، وأحد الأمثلة القليلة التي نجد فيها قسمًا بآلهة وثنية نجده في بيت منسوب إليه٢". ثم يمضي مرجوليوث في حديثه فيقول٣: "وحيثما يكن النصارى تكن لهم كتبهم المقدسة، وتتأثر لغتهم وأفكارهم تأثرًا كبيرًا بتعبيرات الأناجيل ورسائل الحواريين والأناشيد، ويتخذ شعرهم في الغالب طابع الترانيم ولكن في الشعر -الذي يفترض أنه شعر جاهلي- ندرة كبيرة في الإشارات إلى الكتاب المقدس وتعاليم المسيحية حتى لدى الشعراء الذين ازدهروا في بلاط مسيحي.. وبالرغم من أن الشعراء الجاهليين يقسمون كثيرًا، فهم لا يكادون يختلفون في قسمهم بالله، وهو قسم شائع حقًّا في دواوينهم، حتى إن عبيد بن الأبرص الجاهلي يقسم بلغة القرآن وذلك قوله٤: حلفت بالله إن الله ذو نعم ... لمن يشاء وذو عفوٍ وتصفاح وفكرتهم عن أعمال الله لا يستنكرها موحد، فهي قد سبقت في التعبير عما يعبر عنه القرآن في كل التفصيلات على وجه التقريب". ثم يمضي مرجوليوث يضرب لنا الأمثلة على ذلك، فيمثل، ببيت ذي الإصبع العدواني الذي يصف فيه الله بأنه "الذي يقبض الدنيا ويبسطها"، ويمثل ببيت جليلة بنت مرة على أن النساء كن يلجأن إلى الله إذا حزبهن أمر كالثكل، وهو قولها: إنني قاتلة مقتولة ... ولعل الله أن يرتاح لي

стр. 369

ويتمثل كذلك ببيت عبيد بن الأبرص: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب ويشير إلى أنهم كانوا يخشون ما يغضب الله من الذنوب، ويتمثل ببيت امرئ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل ويذكر أنهم كانوا يصفون الله بأنه ذو الأمر المقضي، ويشير إلى بيت الحارث بن حلزة: فهداهم بالأسودين وأمر الـ ... ـله بلغ تشقى به الأشقياء إلى آخر ما يورد من أمثلة هذا الباب. ثم يستنتج من ذلك١ "أن الديانة الوحيدة التي يصح أن يعتنقها هؤلاء الشعراء الجاهليون هي الإسلام". ويقول إن هؤلاء الشعراء لم يكونوا "موحدين متمسكين بالوحدانة حسب، بل إنهم ليكشفون عن معرفتهم بأمور يذكر القرآن أنها لم يكن يعرفها العرب قبل نزول الوحي. ففي سورة رقم ١١ آية ٥١ يذكر أنه لا محمد ولا قومه سمعوا من قبل بقصة نوح٢، وهذا القول متفق مع ما نستنبطه من النقوش التي لا تشير إلى السلالات العربية الواردة في التوراة والتي تشير إليها هذه القصة". ثم يشير إلى أن النابغة كان يعرف هذه القصة بتفصيلاتها، ويعقب على ذلك بقوله: "ويبدو أن القرآن هو المصدر الوحيد عن هذا الأمر"، ويورد بيت النابغة: فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون

стр. 370

ويقول: "وهنا إشارة واضحة إلى الصفة "أمين"، وهي في القرآن من صفات نوح١. ثم يتحدث عن الألفاظ الإسلامية في شعر عنترة فيقول٢: "وواضح أن عنترة العبسي كان يعرف وحي القرآن ومصطلحات الإسلام". وذلك لأنه استخدم ألفاظ "قبلة القصاد"٢ والركوع والسجود"٣ و"حجر المقام"٤ و"الجحيم"٥ و"المحشر"٦ وغيرها، ولذلك قال عنه إنه "لا داعي للشك في أنه كان مسلمًا تقيًّا صالحًا، غير أن حياته انتهت قبل الإسلام!! ". ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن لفظة "الدنيا" فيقرر أن القرآن أول من استعمل لفظ "الدنيا" للدلالة على الحياة أو هذا العالم، ثم يقول٧: "غير أن الشعراء الجاهليين كانوا على معرفة تامة بهذا التعبير". وهنا يمثل بقول عبيد بن الأبرص "طيبات الدنيا"، وقول ذي الإصبع "عرض الدنيا". وبعد أن يفيض في تفصيل القول وضرب الأمثلة ينتهي إلى قوله٨: "من المحتمل جدًّا أن نتصور أن محمدًا كان له "سابقون" بمعنى أن بعض الأفراد ثاروا قبل عهده على عبادة الأوثان في وسط بلاد العرب؛ ومن الواضح، فضلًا عن ذلك، أن النصرانية سيطرت على أجزاء من شبه الجزيرة. ولو أن الشعراء الجاهليين نظموا كما ينظم النصاري مضمنين المبادئ المسيحية مظهرين معرفتهم بتعاليمها لكان من الجائز أن تواجهنا بعض الصعوبات في قصائدهم وتعترضنا

стр. 371

مشكلة نقلها وحملها، أما ديانتهم وحدها فلن تكون حينئذٍ من بين هذه الصعوبات. ولكن حينما نجدهم يتحدثون كالمسلمين، متشددين في توحيدهم كما صار أصحاب النبي بعد ذلك، وحينما كانوا يرددون صدى أي كتاب مقدس كان هذا الكتاب هو القرآن فإنه من الصعب أن نقبل صحة هذه القصائد، إذ لماذا كان للعرب، الممثلين في النقوش، آلهتهم المحلية المتعددة، بينما لم يكن يعرف شعراء البلاد نفسها إلهًا غير الإله الذي دعا محمد إلى توحيده؟ وحتى لو أننا افترضنا أن النقوش قد صدرت عن مجتمعات تختلف عن مجتمعات الشعراء، فماذا يحدث لرسالة محمد إذا كان الناس الذين "أنذرهم" يعتقدون بإله واحد وينتظرون يوم البعث؟ ولو أننا اتبعنا النقوش فلا بد من الاعتراف بأن جدل القرآن قد كان في موطنه الصحيح الحق، وربما كانت مناسك عبادة المكيين وجيرانهم تختلف عن مناسك عبادة الجهات التي فيها النقوش، ولكنها كانت مشابهة لها إذ أنها من أسرة واحدة. ولكن آراء الشعراء الجاهليين في الموضوعات الدينية تبدو مشابهة، بل مماثلة، لتلك التي يعلمنا إياها القرآن". ٢- والدليل الثاني من الأدلة الداخلية هو: اللغة. ومدار حديثه في هذا الدليل على أمرين: الاختلاف بين لهجات القبائل المتعددة، والاختلاف بين لغة القبائل الشمالية جملة واللغة الحميرية في الجنوب وهو يذكر أن هذا الاختلاف بنوعيه واضح فيما اكتشف من نقوش في شمال شبه الجزيرة وفي جنوبيها. غير أن هذا الشعر الجاهلي كله كما يشير مرجوليوث١ "بلغة القرآن، بالرغم من استخدام كلمة أو صيغة في مواطن متفرقة من هذا الشعر يقال عنها إنها لهجة قبيلة بذاتها أو لهجة إقليم. ولو أننا افترضنا أن أثر الإسلام في قبائل بلاد العرب وحد لغتهم ... فإنه من الصعب أن نتصور أنه كانت ثمة لغة مشتركة -تختلف عن لغات النقوش- منتشرة في أنحاء شبه الجزيرة كلها قبل أن يهيئ الإسلام هذا العنصر الموحد ... وليس بين أيدينا أي دليل على أنه كان في

стр. 372

جنوب بلاد العرب شعراء، ومع ذلك فإذا كان ثمة شعراء فلا بد أنهم نظموا بإحدى اللهجات العربية الجنوبية ... ولقد اكتشف حقًّا نقش أو نقشان في شمال بلاد العرب بلغة القرآن، ولكن نقوشًا أخرى كشفت عن ثروة من اللهجات تماثل اللهجات التي وجدت في الجنوب، وهنا أيضًا لا وجود للشعر فيما نعلمه ليومنا هذا ... وحينما صنع العلماء الأقدمون مجموعاتهم كانت لغة القرآن بفضل الإسلام قد صارت اللغة الفصحى في جنوب بلاد العرب، وهذا نفسه جعلها تسود في أجزاء أخرى من شبه الجزيرة. وليس لدينا حتى الآن ما يجعلنا نفترض أنها كانت لغة أدبية في أي مكان قبل القرآن. ولو أننا نبحث في وثائق نثرية فلربما اطمأننا إلى أحد افتراضين: إما أنها تُرجمت، وإما أنها، على الأقل، نُقلت من طور لغوي إلى طور آخر؛ وذلك يشبه، شبهًا ما، التغير في هجاء الكلمة الذي يحدث تدريجيًّا في الآثار المطبوعة، متفقة مع أحدث استعمال، من غير أن يكون ذلك عن سوء قصد. ولكن هذا التغير مستحيل في الشعر إذ أن فيه من الصنعة المعقدة أكثر مما في أي أسلوب آخر معروف". ثم ينتهي من حديثه هذا بأن يربط بين هذا الدليل والدليل الذي سبقه فيقول١: "وكما أن وجود الأفكار الإسلامية في الآثار المقطوع بجاهليتها دليل على وضعها وزيفها، فإن استخدام لهجة، جعلها القرآن لغة فصحى، أمر يدعونا إلى أن نشك فيها طويلًا ... ويبدو أن المسلمين الذين جمعوا قصائد من جميع أنحاء شبه الجزيرة بلغة واحدة، كان عملهم هذا متمشيًا مع عملهم في جعل كثير من هؤلاء الشعراء، بل أكثرهم، يعبدون الله ولا يشركون به: إنهم يسحبون على الماضي ظواهر هم أنفسهم يعرفونها ... ". ٣- وأما الدليل الآخر من الأدلة الداخلية فقائم في موضوعات القصائد نفسها، وحديثه عن هذه النقطة يلفُّه الغموض والإبهام، ولعله يريد أن يستنتج منه أن اتفاق القصائد الجاهلية في التطرق لموضوعات واحدة بعينها تتكرر في كل

стр. 373

قصيدة أمر يدل على أنها نظمت بعد نزول القرآن لا قبله، وذلك قوله١: "فإذا كانوا يبدءون دائمًا قصائدهم بأبيات في النسيب لأن القرآن يقول إن الشعراء في كل واد يهيمون، وإذا كانوا يصفون أسفارهم وتجوالهم لأن القرآن يقول إنهم يتبعهم الغاوون وهذا يتضمن يقينًا أنهم أنفسهم ضالون غاوون، وإذا كانوا يذيعون وينشرون أعمالهم، وغالبًا ما تكون مخالفة للأخلاق لأن القرآن يقول إنهم يقولون ما لا يفعلون فإننا نستطيع على الأقل أن نقتفي هذه الرتابة إلى مصدرها. ولكن إذا كان هذا الشكر الثابت المقرر أقدم من القرآن فلا بد أنه يرجع إلى نماذج معينة معترف بها، والبحث عن هذه النماذج ينتهي بنا -كما رأينا- إلى آدم! ". وبعد أن يُخيل إليه أنه استوفى أدلته يعود إلى مناقشة الأمر مناقشة كلية فيقول٢: "وإذن إذا كان الشعر -الظاهر أنه جاهلي- مشكوكًا فيه بكلا الدليلين الخارجي والداخلي، فإننا نعود إلى مشكلة ابتداء النظم العربي، وهل هو قديم جدًّا ... أو هل نُظم جميعه بعد الإسلام فهو بهذا متطور عن الأساليب التي وُجدت في القرآن؟ ويبدو هذا السؤال في الغاية من الصعوبة. إذ أنه يبدو -من جهة- أن الأمر مستمر متصل: فالشعراء الأمويون يلون شعراء عصر النبي والصحابة، وهؤلاء يتبعون الشعراء الجاهليين ... ولذلك فإن افتراض أن العرب نظموا الشعر افتراض مُغرٍ، إلا أننا لا نستطيع أن نطمئن إلى أن بين أيدينا حقًّا شعرًا من قبل الإسلام. بينما نجد من جهة أخرى -فضلًا عن فقدان الشعر في النقوش- أن القرآن لم يشر إلى الموسيقى ... فإذا كانت الموسيقى من مستحدثات العصر الأموي فهل نستطيع أن نتصور أن الوزن الشعري قد وُجد عند العرب من قبلُ بهذا الانتظام وبهذه الغزارة؟ إن التسلسل المعتاد لنشأة هذه الأشياء هو: الرقص ثم الموسيقى ثم الشعر ... " ثم يقول٣: "لقد كانت الممالك الجاهلية التي نعرفها

стр. 374

عن طريق النقوش ذات حضارة باسقة، ولكن لا يبدو أنه كان لها شعر، فهل نصدق أن الأعراب غير المتحضرين كان لهم شعر في مثل هذه الصور المركبة كما يصدق بذلك العلماء الأقدمون من المسلمين؟ وبوجه عام فإن من المرجح احتمال صواب ما افترضناه وهو: أن كلًّا من الشعر والنثر المسجوع كانا في معظمهما مشتقين من القرآن، وأن تلك الجهود الأدبية التي سبقت القرآن كانت أقل فنًّا منه لا أكثر فنًّا". ثم يختم مرجوليوث مقالته هذه بقوله١: "وإذا كان يبدو من الحكمة ألا نطلق حكمًا على مشكلة النظم العربي وهل يرجع إلى عهد قديم جدًّا أو هل هو حادث بعد القرآن فإن سبب ذلك تلك الصفات المحيرة التي نجدها فيما بين أيدينا من أدلة. ونحن في أمان حينما نبحث في النقوش، ويصح أن يوثق بالقرآن في بيان حالة العرب الذي أنزل لهم في زمن النبي، أما في تاريخ الشعر العربي فلا بد لنا من الرجوع إلى مصادر أخرى، وهي -في أغلبها- تبحث في أزمنة وأحوال لا عهد لمؤلفيها أنفسهم بها وكانت تجاربهم وخبرتهم تقودهم إلى تصديق أمور كثيرة ضللتهم بالضرورة. ونحن -حينما نحاكم أقوالهم ونبحث فيها- نستطيع أن نذهب في الشك إلى أقصى حدوده، كما نستطيع أن نمضي في التصديق إلى أبعد مذاهبه! ". -٢- ثم تعاور نفر من المستشرقين الحديث عن "صحة الشعر الجاهلي" وكان أكثرهم يرد، فيما يكتب، ما ذهب إليه مرجوليوث، ويفند أدلته وافتراضاته وكان أولهم، فيما نعرف، الأستاذ شارلس جيمس ليال Charles James Lyall الذي

стр. 375

أشار في المقدمة التي صدر بها الجزء الثاني من "المفضليات" سنة ١٩١٨م، إلى ما جاء به مرجوليوث في مقاله المنشور في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية عدد سنة ١٩١٦ ص٣٩٧، وإلى ما أورده في "معلمة الدين والأخلاق" من حديثه عن "محمد" وما أورده كذلك في الصفحة الستين من كتابه "محمد" سنة ١٩٠٥. بدأ ليال حديثه عن "صحة الشعر الجاهلي"١ بأن أورد ما ينسب إلى المفضل من تجريح حماد الراوية وذلك قوله٢: "قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا. فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويُحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد وأين ذلك! ". يقول ليال إن بين ناقل هذا الخبر -وهو أبو الفرج الأصفهاني- وصاحب الحديث -وهو المفضل الضبي- ثلاثة رواة في سند الخبر هم: محمد بن خلف وكيع عن أحمد بن الحارث الخراز عن ابن الأعرابي. فربما زاد هؤلاء أو أحدهم على هذا الحديث شيئًا مما يزيده الرواة، غير أننا لو قبلنا أن هذا الحديث قد قاله المفضل حقًّا وسلمنا بذلك، فلا بد لنا من أن نذكر أن حمادًا كان معاصرًا للمفضل وأنه ربما كان أصغر منه سنًّا، وأن المفضل كان من أعلم الناس بالشعر وأقدرهم على تمييز صحيحه من منحوله، وأن الرواة من العرب -وهم الذين يُزعَم أن حمادًا قد أفسد ما أخذ عنهم من الشعر- كانوا، من قبل أن يفسد حماد روايتهم، قادرين على أن يفتحوا خزائن الشعر الذي يحفظونه ويروونه بين يدي المفضل. ولو أننا سلمنا بصحة ما ذكره هذا الخبر من أمر الوضع والنحل،

стр. 376

فإن ذلك ينتهي إلى أن ما زاده حماد كان يشبه لغة الشاعر الحقيقي الأصيل وإحساسه وعاطفته شبهًا يستحيل معه التمييز بينه وبين شعر الشاعر الأصيل. فإذا كان ذلك كذلك فكيف أمكن أن يُعرف أنها موضوعة منحولة، إذا لم يكن ثمة من يعرف القصيدة في صورتها الأولى من غير ما أضيف عليها من زيادات موضوعة؟ ومن يكون ذلك العالم سوى المفضل نفسه؟ ثم يورد ليال خبرًا آخر عن المفضل وحماد، وهو يصف لنا هذا الخبر بأنه نموذج ومثال للطريقة التي زعم الرواة أن حمادًا أفسد بها الشعر القديم. وذلك قول أبي الفرج١ عن جماعة من الرواة قالوا: "إنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي بعيساباذ، وقد اجتمع فيها عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب، فدعا بالمفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث مليًّا ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعًا، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معها، فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم: إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفًا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدًا محدثًا: فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل". ثم يذكر أبو الفرج، عمن روى عنه، سبب ذلك ويفصل ما جرى بين حماد والمفضل في حضرة المهدي من زيادة حماد بيتين قبل مطلع قصيدة زهير: دع ذا وعد القول في هرم ويعقب ليال على هذا الخبر بقوله٢: "إن هذه القصة تتضمن أن المهدي

стр. 377

كان آنئذ خليفة، وذلك لأن الرواة قالوا إنهم كانوا في دار أمير المؤمنين، ولأن قصره بعيساباذ بناه بعد أن ولي الخلافة. غير أنه يشك في أن يكون حماد قد عاش حتى سنة ١٥٨هـ، وهي السنة التي ولي فيها المهدي. فقد ذكر ابن خلكان أن وفاة حماد كانت في سنة ١٥٥هـ، وذكر ابن النديم في الفهرست أنها كانت في سنة ١٥٦. وفضلًا عن ذلك فإن البيتين اللذين يقال إنهما أضيفا إلى قصيدة زهير ليس فيهما إلا وصف عادي، وفي المجموعات القديمة مئات من القصائد تبدأ بما يشبههما. والقيمة الوحيدة لذكر أسماء المواضع في هذين البيتين هي أنهما يدلان على أن الشاعر ينتمي إلى الموطن الذي توجد فيه هذه المواضع. فإذن لم يكن عملًا جليلًا أن يزاد على قصيدة لزهير -من الواضح أنها ناقصة في أولها- أبيات قليلة وضعت مكان النسيب الناقص؛ ولا ريب أن ذلك لا يدل على مهارة خارقة في الوضع والنحل". ثم يذكر ليال قصة ثالثة يرويها الرواة ليدلوا بها على خلق حماد. وذلك أن حمادًا مدح بلال بن أبي بردة بقصيدة، وعند بلال ذو الرمة. فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: جيدًا وليس له. ثم اعترف حماد أن الشعر جاهلي قديم لا يرويه غيره وأنه انتحله لنفسه١. ثم يعقب ليال على كل ذلك في معرض حديثه عن المفضليات بقوله٢: إن هذه القصص ذات الدلالات لتوضح لنا -سواء أكانت صحيحة أم موضوعة- أنه ليس ثمة ما يحملنا على الظن أن الشعر الذي جمعه المفضل قد أفسده ما يغزَى إلى حماد من وضع الشعر ونحله. وبعد أن يعرض ليال لسيرة خلف الأحمر، ولما ينسب إليه من أنه كان يقول الشعر وينحله الشعراء الجاهليين٣، يقول٤: "إنه لمن الخطإ

стр. 378

العظيم أن نعد هذين الرجلين -حمادًا وخلفًا- النموذجين المثليين للرواة المحترفين الذين كانوا يروون أشعار القبائل. فقد كانا كلاهما من أصل فارسي. أما رواة القبائل فكانوا من العرب، يختارهم الشعراء ليكونوا الوسيلة التي تحفظ شعرهم وتخلده في صدور القبيلة والأمة العربية بعامة. وكان من هؤلاء أن أخذ الرواة الجامعون في القرنين الأول والثاني الهجريين ما جمعوا من شعر. وأما أن نذهب، كما ذهب أحد العلماء المحدثين١، إلى أن جميع ما نسميه بالشعر العربي القديم موضوع منحول، مستدلين على ذلك بالقصص التي تُروَى عن حماد وخلف، وقد قدمنا نماذج منها فهو مذهب مخالف لجميع وجوه هذه القضية واحتمالاتها. إن حمادًا وخلفًا كانا يحاكيان أسلوبًا للنظم كان قد قُرِّر واتخذ صورته النهائية زمنًا طويلًا قبل الإسلام، وكان قد نظم به شعراء كثيرون كانوا وثنيين، أو غير مسلمين، في زمن محمد ثم أسلموا؛ وقد كثر استخدامه وسُجل بالكتابة لعهد شعراء القرن الأول الهجري "مثل جرير والفرزدق والأخطل وذي الرمة، ولم أذكر إلا الذين خلفوا لنا تراثًا من الشعر كبيرًا". فسلسلة الرواية والنقل لم تنقطع: فقد كانت الطبقة الأخيرة من الشعراء على قيد الحياة ينظمون الشعر حينما كان العلماء يدأبون في جمع الشعر وتدوينه. ولا يمكن أن تعترضنا، في دراستنا لهؤلاء الشعراء مشكلة الوضع والنحل لأن رواتهم قد دأبوا على كتابة القصائد التي تلقى عليهم لنشرها وتخليدها. أما الشعر الجاهلي فربما حاكاه حماد وخلف، ولكن هذه الحقيقة نفسها، المحاكاة، تدل على وجود أصل يحاكى. أما أن نذيع أن ما بين أيدينا لا يعدو أن يكون الصورة المحكية، وأنه لم يبق شيء من الأصل نفسه فذلك أمر لا يقره الفهم السليم على ضوء هذه الظروف".

стр. 379

ثم يمضي ليال في حديثه فيقول: "إن ما ينبغي أن نستنتجه من هذه القصص عن حماد وخلف ليس رد هذا الشعر القديم ووصمه بأنه موضوع منحول من غير بحث وتمحيص، بل وضع هذا الشعر موضع البحث الدقيق مهتدين بما تقدمه الرواية في ذلك الزمن من الأدلة، وناظرين إلى موضوع القصيدة وأسلوبها والصفات الشخصية المميزة، لنرى بعد ذلك هل فيها ما يوحي على أي وجه بأن فيها زيادات دخيلة، أو تغييرًا في ترتيب الأبيات، أو أنها موضوعة منحولة". وقد تحدث ليال عن هذا الموضوع حديثًا مفصلًا في موطن آخر، وذلك في مقدمته لديوان عبيد بن الأبرص، قال١: "أما موضوع صحة هذا الشعر فأمر من الطبيعي أن يختلف فيه الناس. إذ من المؤكد أن شعر الأعراب في الجاهلية العربية لم ينتقل بالكتابة، بل بالرواية. وكانت القبيلة تعد القصائد التي تسجل انتصاراتها أغلى ما تملك، فكانت ترويها جيلًا بعد جيل، وبالإضافة إلى هذه المعرفة العامة المنتشرة في القبيلة، كان هناك الراوي، وعمله أن يحتفظ بمذخور الشعر الذي تعيه ذاكرته. وكان يعتني بالذاكرة -في العصور التي لم تستخدم فيها الكتابة إلا في المدن ولأغراض خاصة - عناية كبيرة، بحيث كانت أكثر قدرة على الاستيعاب منها في العصر الحديث. وليس من الغريب أن تتناقل القصائد بهذه الطريقة قرنين أو ثلاثة. ومن الطبيعي أن يفترض المرء أن هذه القصائد اعتراها بعض التغيير في أثناء هذا التناقل: فقد تُستبدل بعض الكلمات المترادفة بغيرها، وقد يؤدي عدم تثبت الذاكرة إلى إسقاط أبيات، أو تغيير في ترتيبها، أو وضع عبارات الراوي بدل العبارات التي نسيها. ومثل هذه الظواهر شائعة في كل مكان. غير أننا حين نفحص القصائد ذاتها نجد فيها من الشخصية الفردية ما يكفينا للاستدلال على

стр. 380

أن القصائد، في معظمها، من نظم الشعراء المنسوبة إليهم. فالمعلقات السبع مثلًا كلها قصائد ذات شخصية وخصائص واضحة؛ وتعرض لنا سبع شخصيات متميز بعضها من بعض كل التميز. ونجد الأمر نفسه في القصائد الثلاث الباقية "للأعشي والنابغة وعبيد" التي عدها بعض النقاد من المعلقات. فقد تركت شخصية امرئ القبس وزهير ولبيد والنابغة والأعشى طابعها على شعرهم ومن جموح الخيال أن نظن أن معظم القصائد المنسوبة لهم مصنوعة في عصر متأخر، صنعها علماء عاشوا في ظروف مغايرة تمام المغايرة، وفي حياة شديدة الاختلاف عن حياة الأعراب في الصحراء العربية. والسبب الثاني لاعتقادنا أن الشعر القديم صحيح في جملته، وليس منحولًا، هو أن شعر القرن الأول الهجري يتضمن وجود هذا الشعر الجاهلي ويفترض سبقه عليه: فقد استمر شعراء القرن الأول المشهورون: الفرزدق وجرير والأخطل وذو الرمة، يتبعون تقاليد الشعراء الجاهليين، من غير أن تكون بينهم فجوة؛ ففضلًا عن أنهم ذكروهم في شعرهم، فقد استعملوا ذخيرتهم الشعرية مرارًا متكررة، متناولين الموضوعات نفسها بالأسلوب نفسه: محسنين ومحورين ومقتبسين، ولكنهم ما يزالون متقيدين بالتقاليد نفسها. وليس هناك من شك في أنه قد وصلنا شعر هؤلاء الشعراء صحيحًا، فقد عاشوا في عصر عم استخدام الكتابة فيه لتدوين الشعر وإن كانت الرواية ما تزال أداة نشره بين الجمهور. وسبب ثالث: هو أن الشعر القديم مليء بألفاظ كانت غربية على العلماء. الذين كانوا أول من عرض هذا الشعر على محك النقد. فقد كانت تنتمي إلى مرحلة لغوية أقدم من عصرهم، وكانت غير مستعملة في الزمن الذي كتبت فيه القصائد وجمعت الدواوين. ولا بد من أن يتنبه كل من اتصل بالشروح القديمة وعرفها "وهي المادة التي جمعت منها المعاجم الكبيرة فيما بعد" إلى أن الشراح -الذين يختلفون فيما بينهما اختلافًا كبيرًا- توصلوا إلى شرح الصعوبات بمقابلة عبارة أخرى، وبالجدل والنقاش، لا بالرجوع إلى لغة الخطاب التي لم تعد

стр. 381

تحوي الألفاظ التي يبحثون عن معناها. وتعتمد المعاجم كل الاعتماد على الشعر القديم وعلى القرآن والحديث، وتفترض صحة الشعر كما تسلم بصحة القرآن والحديث". -٣- وتحدث جورجيو ليفي دلا فيدا في مقالته "بلاد العرب قبل الإسلام" عن قيمة المصادر التاريخية لهذه الفترة، وعرض في حديثه للشعر الجاهلي من حيث هو مصدر من هذه المصادر، فقال١: "حين نحاول البحث في العصور الوسيطة في بلاد العرب "يقصد الجاهلية الأخيرة" نواجه المشكلة نفسها التي واجهتنا في دراستنا لبلاد العرب القديمة "أي الجاهلية الأولى". وما نعرفه ليس بالكثير، إذا قيس بما نجهل، والمجال متسع للفروض الظنية. وأيًّا كان، فإن أسباب فقدان القطع واليقين في دراستنا لتاريخ تلك الفترة أسباب مختلفة اختلافًا تامًّا: فإن مصادر تاريخ بلاد العرب في القرون السابقة لظهور الإسلام مباشرةً مصادر أدبية في أغلبها، وليست نقوشًا كمصادر تاريخ بلاد العرب القديمة. وهي غزيرة وافرة، وربما كانت أوفر مما ينبغي فإننا نعاني من كثرتها لا من قلتها. ولكن قيمتها للأسف لا تعادل وفرة عددها، فإن المعلومات التي تنقلها إلينا ليست مأخوذة من وثائق أولية. وهي تشبه -من بعض وجوهها- المصادر التي نعرفها عن التاريخ اليوناني والروماني واليهودي. وأكثر المصادر العربية أخبار جمعها علماء العصور الإسلامية ورتبوها. والأدلة المباشرة يقدمها لنا الشعر الذي وصل إلينا عن طريق ما قام به العلماء المسلمون من اختيار وشرح. أما الأدلة التاريخية، وهي غير مباشرة، فلا يصح أن يعتمد عليها من غير نقد وتمحيص. ونتائج النقد والتمحيص تجيء -عادة- متباينة. فإن جماعة من العلماء المعاصرين

стр. 382

يشكون شكًّا عميقًا أساسيًّا في الرواية العربية، ويذهبون إلى أن أكثرها موضوع زائف، وأنها تمثل الاتجاه الذي نما في القرنين الثاني والثالث الهجريين، حينما نسي العرب ما كانوا يذكرونه عن التاريخ الجاهلي، فحاول اللغويون والأخباريون أن يملئوا الفجوات وذلك بأن يضعوا وزيفوا ما لم يجدوه في الوثائق الأصلية الحقيقية. من أجل ذلك يرون أن الأدب التاريخي العربي ليس أوثق من القصص التاريخية، وأن أكثر الشعر موضوع، فليس من المستطاع اتخاذهما أساسًا سليمًا يُبنى عليه فهم صحيح لما كان يحدث في بلاد العرب في العصر الجاهلي. وهذا الموقف المتشكك مبالغ فيه -في رأي كاتب هذه المقالة- فإن الرواية التاريخية عن بلاد العرب في عصورها الوسيطة "الجاهلية الأخيرة" ليست أوثق، ولا أضعف، من أية رواية أخرى عن أي عصر تاريخي يعوزنا فيه الدليل المباشر. فهي ليست أضعف من ليفي Levi -مثلًا- عن القرون الخمسة الأولى من التاريخ الروماني، أو من ساكسو جراماتيكس عن العصر القديم في الدانيمرك. بل إنها -من بعض الوجوه- خير منهما، بالرغم من أنها لا تخلو من الفجوات والأخطاء. وليس بين أيدينا كل ما كتب عن الجاهلية العربية في القرنين الثاني والثالث الهجريين، إذ أن مؤلفات كثيرة ضاعت، ولم يبق من بعض الكتب الأخرى غير قطع ومختارات ... وأهم من كل ذلك أن أكثر الرواية ذات جانب واحد، فبدلًا من أن ترمي الرواية التاريخية إلى التسجيل الشامل للماضي، أصبح لها ثلاثة أهداف: تقديم تفسير لإشارات تاريخية معينة في بعض سور القرآن، وشرح الحوادث التاريخية في الشعر القديم، وأخيرًا خدمة العزة القومية ومطالب أشراف الغرب ووضع أنساب واسعة لأكثر الأسر البارزة وذكر مفاخر قبائلهم. والمثال يوضح نتائج هذه الطريقة التي نمت فيها الرواية. فقد كانت الخصومات القبلية التي تفوق الحصر هي العنصر الرئيسي في تاريخ الأعراب، ونحن نعرف منها عن قبيلة تميم أكثر جدًّا مما نعرفه عن غيرها من القبائل. والسبب الوحيد لذلك أن مصدرنا عن حروب تميم يرجع -كله تقريبًا- إلى شروح وافية كتبها

стр. 383

أبو عبيدة على نقائض جرير والفرزدق ... وكلاهما من قبيلة تميم، فكانا دائمًا يذكران في شعرهما أمجاد أسلافهما. ولو كانت لدينا شروح على أشعار لقبيلة أخرى لكانت معرفتنا بتاريخ هذه القبيلة تعادل في وفرتها وكمالها معلوماتنا عن تميم. لقد بينا أن الشعر الجاهلي مصدر آخر من مصادر معرفتنا ببلاد العرب في العصور التي سميناها "العصور العربية الوسيطة". ولكن، هل الشعر في ذاته مصدر موثوق به؟ لقد بحث هذه المشكلة علماء كثيرون، وهي مشكلة عسيرة دقيقة وقد بولغ في مسألة وضع الشعر الجاهلي ونحله. وحتى لو كانت بعض قصائده موضوعة، فلا ريب في أن مجموع الرواية الشعرية في جملتها صحيحة أصيلة. ومع ذلك فإن الشعر يعجز عن إعطائنا صورة صادقة كاملة عن بلاد العرب، فإن الشعر العرب لم يصوروا لنا تجارب الحياة عند البدو الرحَّل في واقعها ومجموعها، بل صوروا بعض مظاهرها في مُثُل عليا ونموذج رفيعة. وقد كان المثل الأعلى الذي أعجبوا به وتغنوا به في شعرهم مشابهًا -والقياس مع الفارق- للمثل الأعلى لقصيدتي هومر وللقصيدة الفرنسية Chansons de Geste. هذا المثل الأعلى هو: الفروسية. ولا يصح أن يتهم الشعر الهومري، ولا تلك القصيدة الفرنسية بأنها عمدت عمدًا إلى تغيير الجو التاريخي للعصرين الميسيني والكاروليني، لكن هذين الشعرين يصوران مظهرًا واحدًا حسب، وكذلك فعل الشعر العربي القديم: لقد أبرز لنا الجانب البطولي في الحياة، وأغفل المظاهر الأخرى التي لا تقل عنه قيمة. ومن هذه المظاهر التي أغفلت: الدين ... ". وبعد؛ فبحسبنا ما قدمنا من آراء المستشرقين في وضع الشعر الجاهلي ونحله، وفي مدى توثيقهم أو تضعيفهم لروايته. وقد عُنينا بعرض آراء بعض الذين خصوا هذا الموضوع ببحث وافٍ في مقالات خاصة به، وأما أولئك الذين تعرضوا له تعرضًا عابرًا في جمل مقتضبة، في معرض تأريخهم للأدب العربي العام: من مثل جب وبروكلمان وغيرهما فلا حاجة بنا إلى الإشارة إلى آرائهم لشهرتها ودورانها.

стр. 384

الفصل الرابع: النحل والوضع في الشعر الجاهلي- آراء العرب والمحدثين آراء العرب والمحدثين ... الفصل الرابع: النحل والوضع في الشعر الجاهلي آراء العرب المحدثين -١- أما أول من شق طريق البحث في هذا الموضوع من العرب المحدثين فهو الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه "تاريخ آداب العرب" الذي صدر في سنة ١٩١١م. وقد خص الرواية والرواة بباب كامل من الجزء الأول نيفت صفحاته على مائة وخمسين١، حشد فيه من المادة ما لم يجتمع مثله -من قبله ولا من بعده حتى يومنا هذا- في صعيد واحد من كتاب. لَمَّ فيه شتات الموضوع من أطرافه كلها، واستقصاه استقصاء، غير أنه في كل ذلك كان يحكي ما أورده المؤلفون القدماء: يجمع ما تفرق من هذا الحديث في الكتب الكثيرة أو في مواطن شتى من الكتاب الواحد، ثم يرتب ما تجمع له في فصول ينتظم كل فصل منها عنوان يدل عليه. ولكنه، على هذا الجهد العظيم الذي تكلفه، اكتفى، في أكثر حديثه، بالسرد المجرد والحكاية عمن مضى. ولم يتجاوز ذلك إلى البحث في هذه الأخبار والروايات بحثًا علميًّا ولا إلى نقدها نقدًا يميز زائفها من صحيحها إلا في القليل النادر، وحتى في هذا القليل النادر كان يتعجل المضي، فلا يكاد يقف عند خبر أو رواية حتى يدعها وينتقل إلى غيرها. ومع ذلك فللرافعي فضل السبق وفضل الاستقصاء في الجمع. وسنقف عند حديثه

стр. 385

عن "وضع الشعر"١ وقفة نُلم فيها بما بينه من "البواعث على وضع الشعر في الإسلام"٢ وسنحاول أن نرتبها هنا في نسق، وكان قد أرسلها في كتابه إرسالًا: ١- تكثر القبائل لتعتاض مما فقدته بعد أن راجعت الرواية، وخاصة القبائل التي قلت وقائعها وأشعارها، وكانت أولاها قبيلة قريش، فقد وضعت على حسان أشعارًا كثيرة٣ على نحو ما ذكره ابن سلام في طبقاته وأوردناه في الفصل الثاني من هذا الباب. ٢- شعر الشواهد "وهو النوع الذي يدخل فيه أكثر الموضوع، لحاجة العلماء إلى الشواهد في تفسير الغريب ومسائل النحو٤ ... وشعر الشواهد في اصطلاح الرواة على ضربين: شواهد القرآن وشواهد النحو٥. والكوفيون أكثر الناس وضعًا للأشعار التي يستشهد بها؛ لضعف مذاهبهم وتعلقهم على الشواذ واعتبارهم منها أصولًا يقاس عليها ... قال الأندلسي في شرح المفصل: والكوفيون لو سمعوا بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلًا وبوبوا عليه، بخلاف البصريين٦ ... ولهذا وأشباهه اضطر الكوفيون إلى الوضع فيما لا يصيبون له شاهدًا إذا كانت العرب على خلافهم". ٣- الشواهد التي كان بعض المعتزلة والمتكلمين يولدونها للاستشهاد بها على مذاهبهم٧ وقد أورد ما ذكره ابن قتيبة في "التأويل" من أنهم ذهبوا إلى أن معنى كرسي في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ هو العلم، وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف، وهو قول الشاعر: ولا يكرسئ علم الله مخلوق. وأورد

стр. 386

كذلك ما ذكره الجاحظ في "الحيوان" من أنهم كانوا يدفعون أن الرجوم كانت حجة للنبي ﷺ ، واحتجوا على ذلك بأبيات وضعوها على شعراء الجاهلية. ٤- الشواهد على الأخبار١ ".. فلما كثر القصاصون وأهل الأخبار اضطروا من أجل ذلك أن يصنعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير حتى يلائموا بين رقعتي الكلام، وليحدروا تلك الأساطير من أقرب الطرق إلى أفئدة العوام، فوضعوا من الشعر على آدم فمن دونه من الأنبياء وأولادهم وأقوامهم، وأول من أفرط في ذلك محمد بن إسحاق ... " ثم ذكر أن مما يدخل في هذا الباب شعر الجن وأخبارها٢ ... ٥- الاتساع في الرواية٣ "وهو سبب من أسباب الوضع، يقصد به فحول الرواة أن يتسعوا في روايتهم فيستأثروا بما لا يحسن غيرهم من أبوابها؛ ولذا يضعون على فحول الشعراء قصائد لم يقولوها، ويزيدون في قصائدهم التي تعرف لهم، ويدخلون من شعر الرجل في شعر غيره ... " ثم يمثل على ذلك بحماد الراوية وخلف الأحمر. وهكذا نرى أن الرافعي قد دار مع القدماء من العرب في فلكهم، وسرد ما رواوه من أخبار، وما انبث في كتبهم من أحاديث، وحصر الموضوع في الدائرة نفسها التي حصره فيها القدماء: لم يحمل نصًّا أكثر مما يحتمل، ولم يعتسف الطريق اعتسافًا إلى الاستنتاج والاستنباط ولا إلى الظن والافتراض، ولم يجعل من الخبر الواحد قاعدةً عامة، ولا من الحالات الفردية نظرية شاملة. -٢- ثم استقر الموضوع بين يدي الدكتور طه حسين، فخلق منه شيئًا جديدًا، لم يعرفه القدماء، ولم يقتحم السبيل إليه العرب المحدثون من قبله، ثم أنكره بعدُ كثير من المحدثين إنكارًا خصبًا يتمثل في هذه الكتب التي ألفوها للرد عليه ونقض

стр. 387

كتابه. وقد استقى الدكتور طه حسين أكثر مادته -حيث يستشهد ويتمثل بالأخبار والروايات- من العرب القدماء، وسلك بها سبيل مرجوليوث في الاستنباط والاستنتاج، والتوسع في دلالات الروايات والأخبار، وتعميم الحكم الفردي الخاص واتخاذه قاعدة عامة، ثم صاغ تلك المادة وهذه الطريقة بإطار من أسلوبه الفني وبيانه الأخاذ، حتى انتهى إلى ما انتهى إليه من "أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين"١. و"إن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء، ولا أن يكون قد قيل وأذيع قبل أن يظهر القرآن"٢. ثم يكاد يعتدل بعض الشيء فيقسم الشعر الجاهلي ثلاثة أضرب ويقول٣: "إنا نرفض شعر اليمن في الجاهلية، ونكاد نرفض شعر ربيعة أيضًا ... وأقل ما توجبه علينا الأمانة العلمية أن نقف من الشعر المضري الجاهلي، لا نقول موقف الرفض أو الإنكار، وإنما نقول موقف الشك والاحتياط". فنحن إذن بإزاء نظرية عامة: لم نرها فيما عرضنا من آراء العرب القدماء، ونحسب أنها لم تدر لهم ببال، ولكننا رأيناها واضحة المعالم فيما عرضنا من آراء مرجوليوث، ولم يكتف بالإشارة عابرة، وإنما نص عليها نصًّا صريحًا في عبارات متكررة تختلف ألفاظها وتتفق مراميها. وجاء الدكتور طه حسين فلم يقنع كما قنع مرجوليوث بأن يدلنا عليها في مقالة أو مقالتين، وإنما فصل لنا القول فيها في كتاب كامل قائم بذاته، وساقها في أسلوبه الأخاذ الذي يلف القارئ به لفًّا حتى يكاد أن ينسيه نفسه ويصرفه عن مناقشة رأيه ومن آيات

стр. 388

ذلك أننا حينما قرأنا تلخيصنا لرأي الدكتور -بعد أن جردناه من أسلوبه- أحسسنا فرقَ ما بين الملخص والكتاب، وأدركنا أن هذا التلخيص يغمط الكتاب حقه، ويفقده كثيرًا من أثره في النفس. وحديث الدكتور طه، في هذا، ينقسم ثلاثة أقسام، الأولان منها عامان، أولهما: الدوافع التي دفعته إلى الشك في هذا الشعر، وثانيهما: الأسباب التي يرى أنها أدت إلى نحل الشعر الجاهلي ووضعه. أما القسم الثالث فخاصٌّ يتحدث فيه عن شعراء بذاتهم. دوافع شكه: نظر الدكتور طه في هذا الشعر الذي يسمى جاهليًّا فرأى فيه أشياء رابته، فشك فيه، وانتهى إلى أن كثرته المطلقة ليست جاهلية وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام. ومن هذه الأمور التي رابته: ١- "أنه لا يمثل الحياة الدينية والعقلية والسياسية والاقتصادية للعرب الجاهليين١ وقد فصل القول في كل جانب من هذه الجوانب: أ- الحياة الدينية: فرأى أن "هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين يظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية. وإلا فأين تجد شيئًا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة؟ أو ليس عجيبًا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين؛ وأما القرآن فيمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال. فإذا رأوا أنه قد أصبح قليل الغناء لجئوا إلى الكيد ثم إلى الاضطهاد؟ ثم إلى إعلان الحرب التي لا تبقي ولا تذر. أفتظن أن قريشًا كانت تكيد لأبنائها وتضطهدهم وتذيقهم

стр. 389

ألوان العذاب ثم تخرجهم من ديارهم ثم تنصب لهم الحرب وتضحي في سبيلها بثروتها وقوتها وحياتها لو لم يكن لها من الدين إلا ما يمثله هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟ كلا ... ١". ب- الحياة العقلية: ثم يجد في هذا الجدال الديني ما يجعله ينتقل إلى الحياة العقلية والحضارية، فيقول٢: "أفتظن قومًا يجادلون في هذه الأشياء جدالًا يصفه القرآن بالقوة ويشهد لأصحابه بالمهارة، أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة بحيث يمثلهم لنا هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟ كلا! لم يكونوا جهالًا ولا أغبياء، ولا غلاظًا ولا أصحاب حياة خشنة جافية، وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء، وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة ... ". ج- الحياة السياسية: ثم يرى أن العرب "كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم، بل كانوا على اتصال قوي، قسمهم أحزابًا وفرقهم شيعًا. أليس القرآن يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسمت فيها العرب إلى حزبين مختلفين: حزب يشايع أولئك وحزب يناصر هؤلاء؟ أليس في القرآن سورة تسمى "سورة الروم"؟ ... لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين. فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الفرس والروم. وهو يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْف﴾ وكانت إحدى هاتين الرحلتين إلى الشام حيث الروم، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة والفرس"٣. د- الحياة الاقتصادية: ثم يقول الدكتور طه٤: "فأنت تستطيع أن تقرأ امرأ القيس كله وغير امرئ القيس، وأنت تستطيع أن تقرأ هذا الأدب

стр. 390

الجاهلي كله دون أن تظفر بشيء ذي غناء يمثل لك حياة العرب الاقتصادية فيما بينهم وبين أنفسهم". ثم يتحدث عما في القرآن من إشارات إلى الحياة الاقتصادية لدى عرب الجاهلية فيقول١: "وأنت إذا قرأت القرآن رأيت أنه يقسم العرب إلى فريقين آخرين: فريق الأغنياء المستأثرين بالثروة المسرفين في الربا، وفريق الفقراء المعدمين أو الذين ليس لهم من الثروة ما يمكنهم من أن يقاوموا هؤلاء المرابين أو يستغنوا عنهم. وقد وقف الإسلام في صراحة وحزم وقوة إلى جانب هؤلاء الفقراء المستضعفين وناضل عنهم وذاد خصومهم والمسرفين في ظلمهم ... أفتظن أن القرآن كان يُعنى هذه العناية كلها بتحريم الربا والحث على الصداقة وفرض الزكاة لو لم تكن حياة العرب الاقتصادية الداخلية من الفساد والاضطراب بحيث تدعو إلى ذلك؟ فالتمس لي هذا أو شيئًا كهذا في الشعر الجاهلي، وحدثني أين تجد في هذا الأدب: شعره ونثره، ما يصور لك نضالًا ما بين الأغنياء والفقراء.." ثم يتحدث عن ناحية أخرى فيقول٢: "كنا ننتظر أن يمثلها الشعر لأنها خليقة به وتكاد تكون موقوفة عليه، نريد هذه الناحية النفسية الخالصة، هذه الناحية التي تظهر لنا الصلة بين العربي والمال ... فالشعر الجاهلي يمثل لنا العرب أجوادًا كرامًا مهينين للأموال مسرفين في ازدرائها، ولكن في القرآن إلحاحًا في ذم البخل وإلحاحًا في ذم الطمع، فقد كان البخل والطمع إذن من آفات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الجاهلية ... فالعرب في الجاهلية لم يكونوا كما يمثلهم هذا الشعر أجوادًا متلفين للمال مهينين لكرامته، وإنما كان منهم الجواد والبخيل، وكان منهم المتلاف والحريص، وكان منهم من يزدري المال ومنهم من يزدري الفضيلة والعاطفة في سبيل جمعه وتحصيله". ثم يتحدث عما في القرآن من تنظيم للصلة بين الدائن والمدين. هـ- الحياة الاجتماعية: ثم ينتهي إلى الحديث عن حياة العرب الاجتماعية.
следующие страницы →