نفسه من الكتابة، فأبطاله لا يكتبون ولا يقدرون على الكتابة، وحينما اقترعوا ليقرروا من يحارب هكتور وضع كل منهم علامته على سهمه ورماه في القلنسوة، ولكن لم يكن أحد يعرف غير علامته وحدها. وينتج من ذلك أنه لم يكن لديهم نظام مشترك للكتابة. غير أن هومر يميز وجود الكتابة في قصة Bellerophon، ففيها ذكر للكتابة ولكن هومر يلفها بألفاظ غامضة مبهمة ... وليس في الإلياذة، سوى ذلك، ذكر للكتابة. والنتيجة التي يمكن الوصول إليها هي أن الكتابة وُجدت، غير أن جمهور هومر ومستمعيه لم يهتموا بها وعدوها أمرًا شاذًّا. أما الشاعر نفسه فربما كانت حاله مختلفة عن ذلك. إذ لعله كان قد تعلم الكتابة من حيث هي سر من أسرار صناعته وكان حريصًا على ألا يكشف السر لجمهوره. وهذا الاحتمال يفسر غموض لغته وإبهامها في الموطن الوحيد الذي ذكرت فيه الكتابة، فسواد الناس يجب ألا يعرفوها، وحينما لا يكون بد من ذكرها، فيتجنب الوصف الواضح الدقيق.
ويرى باورا أن هذه الدلالات، على ضآلتها، ترجح أن هومر كان يكتب، ولكنه كان يكتب لفائدته هو ولاستعماله الشخصي لا من أجل أن تُقرأ قصيدته.
ففن الإلياذة جميعه يدل على أنه قصد منها أن تُنشذ وتُروى، لا لتحفظ في المكتبة؛ وهذه الحقيقة كما سنرى، توضح لنا بعض ملامحها الكبرى. فلا بد أن تختلف القصيدة المروية في طبيعتها وخصائصها عن القصيدة التي تُقصد للقراءة ... وهكذا نجد آخر الأمر أن لا قيمة كبرى لسؤالنا: هل كتب هومر أو لم يكتب؛ وإنما الأمر المهم هو أنه نظم قصيدته للرواية والإنشاد. وسواء أنظمها وهو يكتب على الورق أم نظمها في ذاكرته وعقله فذلك لا يؤثر في طبيعة القصيدة كما هي بين أيدينا.
стр. 317
المدارس التي عنيت بهومر:
ونحن مستطيعون أن نقسم هذه المدارس من حيث الزمن إلى ثلاثة أطوار:
أولًا: ما قبل العصر الإسكندري. ثانيًا: العصر الإسكندري. ثالثًا: ما بعد العصر الإسكندري.
أ- ما قبل العصر الإسكندري:
لم تكن العناية بهومر وقصيدته قبل العصر الإسكندري عناية نقدية علمية، وإنما كانت على ضروب شتى من التناول اليسير الخفيف، فهي حينًا إشارة عابرة إلى هومر وشعره الملحمي، وهي حينًا ثانيًا اقتباس لبعض الأبيات أو المقطوعات من ملحمتيه، وهي حينًا ثالثًا شرح لبعض ما يغمض على السامعين من ألفاظه أو إشاراته القصصية، وهي حينًا رابعًا تفسير عام لمذهبه في التحدث عن الآلهة والأبطال. ولذلك رأينا أن نرتب هذه الضروب المتعددة من العناية بهومر قبل العصر الإسكندري في طوائف أربع، هي:
١- الشعراء أنفسهم: فنحن نجد أن أقدم ذكر لهومر -عثر عليه الباحثون حتى الآن- هو إشارة وردت في قصيدة ضائعة للشاعر كالينوس Callinus
"في آخر القرن الثامن ومطلع القرن السابع قبل الميلاد"، ولم يكن الباحثون ليعرفوا ذلك لولا ما أورده الكاتب الجغرافي بوزانياس pausanias من ذكر لهذه القصيدة ومن قوله إن كالينوس قد أشار في قصيدته إلى أنه كانت قصائد أخرى غير الإلياذة والأوديسة تُعزَى إلى هومر، مثل المقطوعة البطولية ١Thebais
стр. 318
ثم وجد الباحثون أن أول من اقتبس من هورم -ممن يُعرفون حتى الآن- هو الشاعر سيمونيد السيوسي Simonides of Ceos "الذي ولد في نحو سنة ٥٥٦ ق. م" فقد اقتبس من الإلياذة ٦: ١٤٨.
٢- الفلاسفة: وقد عُني الفلاسفة منذ القرن السادس قبل الميلاد بشعر هومر، وثار بعضهم، في مطلع التأمل الفلسفي في اليونان، على التصوير الهومري للآلهة١. فقد قال إكزينوفان Xenophanes of Colophon "إن هومر وهسيود قد نسبا إلى الآلهة كل عيب ونقص في الناس". ومن هنا نشأت المدرسة المجازية في تفسير هومر. وأقدم هؤلاء المجازيين هو ثياجن الريجيومي Theagenes of Rhegium، الذي وصل بين نوعين من المجاز انفصلا بعد ذلك هما: المجاز الخلقي "العقلي" والمجاز الحسي. وهكذا كانت Hera هي الهواء، وأفروديت هي الحب. وقد نما التفسير الخلقي في القرن التالي على يد أناكساجوراس Anaxagoras الذي فسر zeus بالعقل، وأثينا بالفن. أما التفسير الحسي فقد تطور على يدي Metrodorus of Lamsaeus. وقد كان شعر هومر ووصفه الآلهة سببًا من الأسباب التي دعت أفلاطون إلى أن يبعد الشعراء من جمهوريته.
٣- المؤرخون: وقد عُني المؤرخون اليونانيون بهومر -منذ أن بدأ التاريخ عندهم. ومن هؤلاء هيرودوت Herodotus وثوسيديد Thucydides في القرن الخامس قبل الميلاد. وقيمة هيرودوت في أنه كان أول من شك -أو على الأقل من بين الأوائل السابقين إلى الشك- في نسبة بعض القصائد البطولية إلى هومر. فهو يرى -على أسس نقدية- أن المقطوعة البطولية التي تدعى Cypria ليست من نظم هومر، ولكنه لم يذكر الناظم الحقيقي. ونقده هذا يدل على أن السواد لم يكونوا يشكون في نسبتها إلى هومر، كما أن هيرودوت نفسه لم يكن يعرف رواية صريحة تنفي نسبة هذه المقطوعة إلى هومر. وقد شك أيضًا في نسبة قصيدة.
стр. 319
أخرى تدعى Epigoni ولكن حديثه عنها مقتضب غير قاطع١. وأما قيمة ثوسيديد ففي أنه قدم لنا في تاريخه أمثلة على نوع من تفسير شعر هومر يحوِّل العنصر القصصي إلى حقائق تاريخية واضحة، وذلك حينما فسر ذهاب اليونانيين إلى طراودة، فهو يرى أن رؤساء اليونان لم يذهبوا إلى طروادة لأنهم وعدوا والد هيلانة أن ينتقموا لها. ولكنهم ذهبوا لأن قوة أجا ممنون ساقتهم واضطرتهم إلى ذلك. وقد نمى كالسثين Callisthenes "في نحو سنة ٣٣٠ق. م" هذه الطريقة في التفسير تنمية كاملة، وخص، في كتابه تاريخ اليونان، الحرب الطروادية بكتاب مستقل. ويظهر هذا الاتجاه في مواطن متعددة من تواريخ المتأخرين التالين مثل: بوليبيوس polybius، وديودور Diodorus، وسترابو Strabo، وباوزان٢ pausanius.
٤- الرواة المنشدون: وآخر هذه الطوائف، وربما أقدمها عهدًا، هم الرواة المنشدون، الذين كانوا يروون شعر هومر وينشدونه وهم ينتقلون بين البلاد المختلفة. ويصف لنا أفلاطون في إحدى محاوراته على لسان سقراط "هي: lon" أحد هؤلاء الرواة المتجولين واسمه إيون -وكان يعيش في النصف الأول من القرن الرابع قبل الميلاد. ويذكر أفلاطون أن إيون كان يشرح شعر هومر ويفسره، وأن بعض المنشدين المتنافسين كانوا ينشدون ولاء: يبدأ أحدهم من حيث انتهى الآخر. ويرى الدكتور جب٣ أنه لا بد إذن من أن تعقيبات إيون وشروحه كانت تُلقى مفصولة عن إنشاده، أو أنها كانت متصلة بالقطع التي كان هو يقوم بإنشادها حسب. ويتضح من محاورة أفلاطون أن شروح إيون وتعقيباته على هومر كانت تتخذ مظهر المعرض البلاغي الأدبي المتصل، وكان إيون يفخر بطلاقته وبثروة "آرائه عن هومر" كما يعبر إيون نفسه.
стр. 320
ب- العصر الإسكندري:
غير أن النقد الهومري بمعناه الدقيق الخاص لم يظهر إلا في الإسكندرية منذ مطلع القرن الثالث قبل الميلاد. وقد جُمعت مواده لأول مرة في المكتبات العظيمة مثل مكتبة الإسكندرية، ثم مكتبة برجامم، منذ مطلع القرن الثاني قبل الميلاد. وقد استقى الباحثون معلوماتهم عن هذه المواد من نسخة "الحواشي الهومرية - Homeric Scholia". ولا يعنينا من أبحاث هؤلاء الدارسين إلا إلمامة عابرة تفي بغرضنا، ومن أجل ذلك لن نشعب الحديث ولن نتتبع الباحثين فيما فصلوا فيه القول، وإنما سنختصر الإشارة اختصارًا يغني عن الإسهاب والتطويل١.
تنقسم نسخ هومر في مكتبة الإسكندرية إلى قسمين: ١- النسخ التي تُعرف بأسماء محرريها وناسخيها. وأقدم نسخة من هذا القسم هي التي صنعها الشاعر البطولي أنتيماخ الكلاري Antimachus of Clarus في إيونيا "نحو سنة ٤١٠ قبل الميلاد". ٢- وأما القسم الثاني فهي النسخ التي تُعرف بأسماء البلدان حسبُ. وهي نسخ: مساليا Massalia، وكيوس chios، وأرجوس Argos، وسينوب Sinope، وقبرص Cyprus، ويشار إليها مجموعة باسم "النسخ البلدانية". وليس من دليل على أنها كانت النسخ المعتمدة لاستعمال الجمهور، وأسماء مصححيها ومنقحيها غير معروفة. وبجانب هذين القسمين كانت نسخ توصف بأنها عامة أو شعبية، وهذه هي نفسها التي توصف بأنها غير دقيقة إذا ما قورنت بالنسخ الدقيقة أو العلمية. وهذه النسخ جميعها التي عرفها الإسكندريون لابد أنها كانت تعتمد على نص شائع أقدم منها نجهل مصادره. ويبدو لنا هذا من الاختلافات المحدودة والفروق الضيقة بين نصوص هذه النسخ، فلو لم تكن هناك أسس عامة لرواية منقولة لوجدنا في نسخ الإسكندرية فروقًا واسعة واختلافًا كبيرًا في ترتيب الأبيات.
стр. 321
وأقدم جهد في النقد الهومري في مدرسة الإسكندرية يرجع إلى فترة تتراوح بين ٢٧٠و ١٥٠ قبل الميلاد، وقد قام به ثلاثة رجال: زينودوت Zenodotus، وأرستوفان Aristophanes، وأرستارخ Aristarchus.
أما زينودوت فقد كان قيمًا على مكتبة المتحف الإسكندري، ونشر نسخة منقحة لهومر ومعجمًا هومريًّا؛ ويبدو زينودوت -في هذا العصر من فجر العلم الجديد- رجلًّا موهوبًا ذا هدف نقدي، ولكنه تعوزه الطريقة النقدية الصالحة. فقد ألح على دراسة هومر ولكنه أخفق في إرساء هذه الدارسة على أسس سليمة، وأحد أسباب إخفاقه أنه لم يعن بالتمييز بين الاستعمال الشائع المألوف للألفاظ واستعمال هومر لها استعمالًا خاصًّا، ولم يميز كذلك تمييزًا كافيًا بين اللهجة والإيونية القديمة واللهجة الإيونية المتأخرة، فأوقعه اعتماده المطلق على إحساسه الشخصي بروح هومر في تصحيحات وتصويبات قاطعة. ومع ذلك فقد فتح أفقًا جديدًا ونال مصنفه شهرة واسعة.
وأما أرستوفان "في نحو ٢٠٠ ق. م" فقد كان تلميذ زينودوت، وخلفه -في غير تعاقب- على منصب أمانة المكتبة. ونشر أيضًا نسخة منقحة من هومر. وكان يُعنى بدلالات النصوص المخطوطة عناية تفوق عناية زينودوت.
وأتاح له اطلاعه الواسع وعلمه الغزير أن يثبت في حالات كثيرة قراءات جرحها سلفه تجريحًا كان متسرعًا فيه.
وأما أرستارخ فكان تلميذ أرستوفان وخليفته في أمانة المكتبة، وظهر نشاطه في النصف الأول من القرن الثاني قبل الميلاد. وينقسم ما قدمه للدراسة الهومرية إلى ثلاثة أقسام: ١- رسائل عن بعض المشكلات الهومرية ومواطن الاختلاف.
٢- تعقيبات متصلة على النص الهومري.
٣- نسخ منقحة للنص الهومري. وقد استخدم في النص الهومري الذي نشره مجموعة من العلامات والرموز النقدية تدل القارئين، بنظرة واحدة، على البيت الذي يراه أرستارخ منحولًا زائفًا، وعلى البيت الذي يرى أنه في غير موضعه من ترتيب القصيدة، وعلى البيت الذي
стр. 322
يشتمل على أية إشارة وضحها في تعليقاته.
ويُعد أرستارخ أعظم العلماء الإسكندريين وخير ناقدي هومر من بين الأقدمين، وذلك لعدة عوامل منها: ١- أنه درس بعناية اسعمال الألفاظ في هومر مدركًا أن نقد المادة يجب أن يعتمد على معرفة دقيقة باللغة. أما النحويون واللغويون الذين سبقوه فقد وجهوا عنايتهم إلى الألفاظ النادرة أو المهجورة خاصةً. ثم عمد أرستارخ إلى تحديد المعنى الهومري للألفاظ الشائعة المألوفة. ٢- وقد كان للمصادر المخطوطة قيمة كبيرة عنده حينما صنع نسخته من النص الهومري. وحينما كانت الموازنات والمقابلات تسلمه إلى شك في قراءتين كان يستهدي "باستعمال الشاعر الخاص". فهو يبدو في الغاية من الحذر والحيطة، بعيدًا عن التسرع في تخطئة النصوص أو تصويبها. ولو قارناه بزينودوت لوجدناه يتحرج من القراءات التي تعتمد على الحدس والظن. ٣- علق على مادة هومر، فوازن بين الأساطير عند هومر والأساطير نفسها عند غيره من الكتاب، وأظهر العناصر المميزة للحضارة الهومرية.
وكل ما نعرفه عن مصنف أرستارخ وصلنا عن طريق بعض العلماء الذين تلوه مثل: ديدم Didymus وأرستونيخ Aristonichus أما ديدم فنحوي إسكندري كتب -بعد وفاة أرستارخ بنحو ١٢٠ سنة- رسالة عن النسخة المنقحة التي صنعها أرستارخ، وكان هدفه أن يقوي القراءات التي اختارها أرستارخ، وأن يستخلص فكرة واضحة كاملة عن آرائه وتعليلاته من كتاباته الكثيرة عن هومر. وأما أرستونيخ فنحوي إسكندري أيضًا معاصر لديدم وإن كان أصغر منه سنًّا. وقد كتب رسالة عن العلامات النقدية التي استخدمها أرستارخ في الإلياذة والأوديسة، وسرد -في رسالته هذه- آراء أرستارخ عن الأبيات الشعرية التي وُضعت أمامها العلامات المختلفة. وأشهر علماء الإسكندرية -بعد هؤلاء- هيروديان Herodian، ونيكانور Nicanor في النصف الأول من القرن الثاني للميلاد.
стр. 323
وأما المدرسة الأخرى فقد قامت في مدينة برجامم pergamum في ميسيا Mysia حينما أنشأ إيومين الثاني Eumenes ٢ في أوائل القرن الثاني ق. م المكتبة العظيمة التي صارت تنافس مكتبة الإسكندرية. ومن أشهر علماء هذه المدرسة كريتس crates الذي كان معاصرًا لأرستارخ وأمينًا لمكتبة برجامم.
ومن أشهر نسخ الإلياذة التي وصلت إلى الباحثين الأوربيين هي النسخة التي تدعى codex Venetus ورقمها ٤٥٤ في مكتبة القديس مارك في مدينة البندقية. وقد كتبها أحد النساخ في القرن العاشر الميلادي فجعل نص الإلياذة متنًا ثم جعل له حواشي عُرفت باسم الحواسي الهومرية Homeric Scholia وأهم ما تحويه هه الحواشي مصدران؛ الأول: ما يسمى بالمختصر The Epitome وقد قام بصنعه أحد دارسي الإلياذة "في نحو سنة ٢٠٠-٢٥٠ ميلادية" فاستخلص مقتطفات من أعمال الكتاب الأربعة الإسكندريين: ديدم، وأرستونيخ، وهيروديان، ونيكانور. وهذا المختصر هو المصدر الرئيسي الذي استقى منه الباحثون معلوماتهم المفصلة عن آراء أرستارخ. وأما الجزء الثاني من الحواشي فيبدو أنه مجموعة كبيرة من التعقيبات مختارة من عدة مصنفين ثم جمعت معًا في آخر القرن الثالث الميلادي. وهذا الجزء الثاني -إذا ما قورن بالمختصر- لا يُعنَى مثله بنقد النصوص، غير أنه يفوقه في التأويل والتفسير المجازيين، وفي الأساطير ونقد الأسلوب الشعري.
ج- ما بعد العصر الإسكندري: ١
وقد واصل العلماء والدارسون جهودهم في دراسة القصيدتين الهومريتين، ولكن هذه الدراسات كانت في مجموعها تدور في فلك يكاد يكون واحدًا لا تعدوه؛ إلى أن جاء فردريك أغسطس ولف في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وأصدر كتابه المعروف باسم "المقدمة" prolegomena سنة ١٧٩٥. وتقوم دراسته على أربع نقاط رئيسية: ١- أن القصيدتين الهومريتين لم تدونا إلى في نحو
стр. 324
سنة ٥٥٠ ق. م أي بعد نظمهما بقرون كثيرة، وقد بقيتا خلال هذه القرون تتناقلان بالرواية الشفهية، فاعتورتهما تغييرات وتبديلات كثيرة عمد إلى بعضها الرواة عمدًا وجاء بعضها مصادفة. ٢- وقد تعاورتهما -حتى بعد أن دونتا- تغييرات أخرى جديدة عمد إليه المصححون والمراجعون عمدًا، أو قام بها النقاد العلماء الذين توخوا صقلهما وجعلهما متسقتين مع صور تعبيرية أو أصول فنية معينة. ٣- أن للإلياذة وحدة فنية، وتفوقها في ذلك أيضًا الأوديسة، ولكن هذه الوحدة لا ترجع في جلها إلى القصيدتين الأصليتين وإنما إلى ما أضافته إليهما المعالجة المصنوعة في عهود تالية. ٤- أن القصائد الأصلية التي ضمت وجمعت حتى صارت ما نعرفه من ملحمتي الإلياذة والأوديسة لم ينظمها كلها شاعر واحد بعينه.
وجميع أدلة نظرية ولف في جوهرها خارجية، فهي مبنية على اعتبارات تاريخية معينة تتصل بالحضارة الإغريقية المبكرة وبتطور الفن الشعري. وقد وصف لنا -في مقدمة طبعته للإلياذة- ما أحس به حينما كان ينفلت من عقال نظريته إلى قراءة القصيدتين قراءة جديدة. فحينما كان يغمر نفسه في تيار القصة البطولية الذي ينساب انسياب النهر النمير كانت جميع أدلته تتطاير من رأسه، وكان الاتساق والانسجام الشاملين في القصيدتين يؤكدا نفسيهما بقوة لا تقاوم، وكان ولف يحس بالألم والغضب لأن شكوكه حرمته نعمة الإيمان بهومر واحد. ومع ذلك فقد ذكرنا قبل صفحات أن ولف لم ينكر وجود شخص هومر نسب إليه أنه بدأ نسج القصيدة ومضى فيه إلى غاية محدودة، بل إنه نسب إليه القسم الأكبر من النسيج. ومن هنا جاءت مرونة نظرية ولف التي أشرنا إليها من قبل، وجاء اختلاف فهم تلامذته لهذه النظرية وذهابهم مذاهب متفرقة مع أنهم يصدرون عن مصدر واحد. والحق أنه من المجحف بحق ولف، حينما يقوم عمله، أن يظهر بمظهر الناقد الهادم حسب: فإن فضله على الدراسات الهومرية كبير، ولا يسع هؤلاء الذين يختلفون معه في نتائجه
стр. 325
الأساسية اختلافًا واسعًا إلا أن يُقروا بأنه كشف القناع عن عدة مظاهر تصلح أساسًا لنظرية سليمة، وأنه أول من بدأ دراسة القصيدتين دراسة علمية١.
غير أن العنصر التحليلي في نظريته هو الذي لفت الأنظار؛ لأنه حينما نشرها كانت تبدو في موقف متميز تميزًا كبيرًا من الاعتقاد القديم بأن ناظم القصيدتين شاعر بعينه هو هومر الواحد. ومن هنا جاء الربط بين عمله والاتجاه إلى الهدم الصرف، وهو اتجاه بعيد عن روحه٢.
ومما هو جدير بالذكر أن ولف كتب على "المقدمة" رقم١ وذكر في ص٢٤ منها أنها "القسم الأول pars prima"، غير أن الجزء الثاني -وهو الذي كان يجب أن يبحث في أصول نقد النصوص الهومرية-لم يطبع قط٣. وبذلك لم يواصل هذا الناقد العظيم السير في نظريته حتى يصل بها إلى مرحلة الكمال، فلم يعرض قط -في تخطيط عام- نظامًا أو نهجًا للأغاني والأناشيد المجزأة التي تجمع منها -وفقًا لنظريته- إطار كل قصيدة من هاتين القصيدتين وهيكلها. وإخفاقه في هذا العمل، أو تغاضيه عنه -في خلال حياة طويلة بعض الطول، وفي أوجه نشاطه بعد طبع "المقدمة" "طبعت المقدمة سنة ١٧٩٥ وتوفي ولف سنة ١٨٢٤"- أمر يجعلنا نشك في أنه كان يؤمن بإمكان هذا التشريح والتقطيع اللذين تتضمنهما نظريته٤.
وقد ساعد على ذلك التأثير الواسع الذي كان لنظرية ولف، وخاصة في عقول الشبان الألمان، عدة دوافع منها٥: أن الثورة الفرنسية كانت آنذاك في إبانها، وكان الجو مفعمًا بالتناقض والبدع. وأهم من ذلك أن هذه النظرية ظهرت في وقت أثار فيه الاهتمام الواسع، في بقاع مختلفة من أوربا، الكشف عن قدر
стр. 326
صالح من الشعر الشعبي وفيه دليل على الحيوية الظاهرة في هذا الشعر حتى حينما يُجهل ناظمه وتكون مميزاته غير واضحة المعالم، وكان ذلك الشعر أيضًا على غير مثال أدبي سابق، وإنما كانت وسيلة نقله الرواية الشفهية. فكأنما كان هذا الشعر مثلًا يوضح النظرية الولفية في افتراضها الأساسي. وأوضح ما يصف لنا ميزات القرن الثامن عشر والفرق بينه وبين القرن التاسع عشر ما ذكره جوته١ Gothe فقد كان جوته تحت تأثير السحر الولفي، وقد وصف ما جاء في كتابه "المقدمة" بأنه "قطعي وحتمي وذاتي"، ثم تأرجح رأيه إلى أن استقر أخيرًا على الرأي القديم حينما استطاع أن يتثبت من "وجود هومر ثانية"، وكان ذلك بعد أن انتهت "أعمال القرن الثامن عشر القائمة على التمزيق والتقطيع"، وابتدأت روح "التنسيق والترتيب" -كما كان يسميها هو نفسه- في القرن التاسع عشر.
ولم يكن جوته وحده هو الذي تأثر بسحر النظرية الولفية ثم نفض عن نفسه هذا السحر، بل إن آخرين كانوا مثله، ومن أهمهم نيتش٢ Nitzsch فقد خلف لنا اعترافًا ذا قيمة بعد أن اختبر بنفسه أعاصير الخصومة في المشكلة الهومرية، فبعد أن ألف كتابًا بذل فيه جهدًا ضخمًا يدعم تعدد التأليف -مما يوضح ويفسر نظم قصيدتين ملحمتين في مثل هذا الطول- عاد فرد على نفسه واعترف بوحدة التأليف في الملحمتين!
ومع ذلك فإن ألمانيا في القرن التاسع عشر بقيت في أغلبها ولفية، وبالرغم من نشوء نظريات مضادة لنظرية ولف، وردود العلماء عليه في حياته وبعد وفاته، فإن جمهرة العلماء في ألمانيا ما زالوا ولفيين حتى يومنا هذا٣. وأما في
стр. 327
إنجلترا وفرنسا فلم يكن أثر النظرية الولفية في الأوساط العلمية في هذين البلدين قويًّا كما كان في ألمانيا١.
وبعد؛
فلم نقصد إلى هذا الموضوع لذاته حتى نشعب الحديث في أجزائه ونتتبع تفصيلاته، وإنما اتخذناه معبرًا نجتازه إلى الحديث عن الشك في الشعر العربي الجاهلي. وحسبنا ما قدمنا ففيه غناء إذا ما أردنا أن نستبين وجوه الشبه بين المراحل التي مرت بها الدراسات الأوربية والدراسات العربية القديمة والحديثة للشعرين الهومري والعربي الجاهلي.
стр. 328
الفصل الثاني: وضع الشعر الجاهلي ونحله عند الأقدمين
-١-
الوضع والنحل والانتحال كلها ظواهر أدبية عامة، لا تقتصر على أمة دون غيرها من الأمم، ولا يختص بها جيل من الناس دون غيره من الأجيال فقد عرفها العرب كما عرفتها الأمم الأخرى التي كان لها نتاج أدبي؛ وعرفها العصر الجاهلي كما عرفها العصر الأموي والعصر العباسي، بل كما لا يزال يعرفها عصرنا الحاضر الذي نحيا فيه، على الرغم من وسائل الحضارة الحديثة التي كانت قمينة أن تبرئ نتاجنا من هذه الظواهر لو كان ثمة سبيل إلى الخلاص منها. فشيوع الكتابة شيوعًا عامًّا، وانتشار الطباعة بصورها المتعددة وأنماطها الكثيرة، لم يحولا دون أن ينسب إلى شاعر شعر لم يقله ولا يدري من أمره شيئًا، ولم يستطيعا أن يذودا عن شعر قاله صاحبه بغي المعتدين وسطوة المدَّعين المنتحلين.
ولم يكن الوضع أو النحل أوالانتحال مقصورًا على الشعر وحده، بل لقد شمل كل ما يمت إلى الأدب العام بسبب: كالنسب والأخبار منذ الجاهلية نفسها. ولقد بدأ الكذب والوضع في الحديث النبوي في حياة رسول الله ﷺ .
وحسبنا من كل ذلك لمحة عابرة ننتقل بعدها إلى تخصيص الحديث في الشعر وحده فمما يدل على أن الوضع والكذب في النسب قديم منذ الجاهلية وعصر الرسول أن النبي ﵇ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معد
стр. 329
بن عدنان بن أدد ثم يمسك ويقول: كذب النسابون١. وكذلك ما ذكره الهيثم بن عدي في "كتاب المثالب"٢ من أن دغفلًا النسابة دخل على معاوية فقال له معاوية: من رأيت من علية قريش؟ فقال: رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس. فقال: صفهما لي. فلما وصف له عبد المطلب قال: فصف أمية. قال: رأيته شيخًا قصيرًا نحيف الجسم ضريرًا يقوده عبده ذكوان. فقال: مه، ذاك ابنه أبو عمرو. فقال: هذا شيء قلتموه بعدُ وأحدثتموه، وأما الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به. وقد ذكرنا طرفًا من الكذب في النسب عند حديثنا عن الرواة الوضاعين، وسنذكر طرفًا آخر حين نتحدث عن أسباب الوضع ودواعيه.
وأما الوضع والكذب في الحديث النبوي منذ عهد الرسول نفسه فأمر لا يحتاج إلى بيان، وليس أدل على ذلك من قوله ﷺ : "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعدًا من النار" ٣. وقد جاءه ذات يوم المنقَّع بن الحصين فقال: يا رسول الله إن الناس خاضوا في كذا وكذا. فرفع النبي ﷺ يديه وقال: "اللهم لا أحل لهم أن يكذبوا عليَّ". قال المنقع: فلم أحدِّث بحديث عن النبي ﷺ إلا حديثًا نطق به كتاب أوجرت به سُنَّة، يكذب عليه في حياته فكيف بعد موته!! ٤. وقد تنبه الصحابة في الصدر الأول إلى شيوع الكذب والوضع في الحديث، حتى إن سعد بن أبي وقاص حينما سئل عن شيء في الحديث استعجم وقال: إن أخاف أن أحدثكم واحدًا فتزيدوا عليه المائة٥. وحتى إن عبد الله بن عمرو بن العاص قال لجماعة من أهل
стр. 330
العراق جاءوا يسألونه أن يحدثهم١: إن من أهل العراق قومًا يَكذِبون ويُكذبون ويسخرون. بل لقد بلغ أكثر من ذلك:
فقصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح مشهورة: كان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، ثم ارتد ولحق بالمشركين وقال -في زعمه-: إن محمدًا ليكتب بما شئت٢. وذكروا أنه كان يكتب "عزيز حكيم" مكان "غفور رحيم"٣. وقد أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود وقال: "لا آمن أن يبدلوا كتابي"٤!
فإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلى تخصيص الحديث في الشعر وحده، وجدنا أن الشعر الجاهلي كان عرضة، منذ الجاهلية نفسها وسنوات الإسلام الأولى، للوضع والنحل والانتحال. والأمثلة التي بين أيدينا قليلة ولكن فيها مقنعًا، إذ أنها تدل دلالة واضحة على أن هذه الظواهر الأدبية كانت معروفة شائعة منذ أبعد ما نعرف من عصور الشعر العربي.
فقد قال أبو عبيدة٥: كان قُراد بن حنش من شعراء غطفان، وكان جيد الشعر قليله، وكان شعراء غطفان تغير على شعره فتأخذه وتدعيه، منهم زهير بن أبي سُلمى ادعى هذه الأبيات:
إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت
إن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أحلت
ولنعم حشو الدرع أنت لنا إذا ... نهلت من العلق الرماح وعلت
ينعون خير الناس عند كريهة ... عظمت مصيبتهم هناك وجلت
стр. 331
ويُروى أن النابغة الجعدي دخل على الحسن بن علي فودعه، فقال له الحسن١: أنشدنا من بعض شعرك فأنشد:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
فقال له: يا أبا ليلى. ما كنا نروي في هذه الأبيات إلا لأمية بن أبي الصمت. قال: يابن رسول الله والله إني لأول الناس قالها، وإن السروق من سرق أمية شعره.
كان الأعشى قد مدح قيس بن معديكرب الكندي بقصيدة دالية٢، فقال له قيس: إنك تسرق الشعر: فقال له الأعشى: قيدني في بيت حتى أقول لك شعرًا. فحبسه وقيده. فقال عند ذلك قصيدته التي أولها:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوى أن تزارا
وفيها يقول:
وقيدني الشعر في بيته ... كما قيدت الآسرات الحمارا
وسألت عائشة أم المؤمنين من صاحب هذه الأبيات٣:
جزى الله خيرًا من إمام وباركت ... يد الله في ذك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما حاولت بالأمس يسبق
قضيت أمورًا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتق
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفي سبنتي أزرق العين مطرق
فقالوا: مزرد بن ضرار: قالت عائشة: لقبت مزردًا بعد ذلك فحلف بالله ما شهد تلك السنة الموسم.
стр. 332
ومن عجب أن يضع المسلمون الأولون شعرًا وينحلوه أبا بكر الصديق، حتى لقد روى الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كذب من أخبركم أن أبا بكر قال بيت شعر في الإسلام:
ولعل من خير ما يدل على هذا الذي نذهب إليه بيتًا قاله مزرد بن ضرار في أبيات يصف فيها نفسه وشعره، قالها يرد على كعب بن زهير حين نظم كعب أبياته التي يقدم فيها نفسه والحطيئة: قال مزرد١:
وباستك إذا خلفتني خلف شاعر ... من الناس لم أكفي ولم أتنحل
فهو ينفي عن نفسه تنحل الشعر وانتحاله، أي ادعاءه إياه لنفسه وهو من كلام غيره.
ومما يدخل في هذا الباب أيضًا ما وصف به الفرزدق علقمة الفحل من أن شعره لا يستطيع أحد أن ينحله، فكأنه يقصد أن على شعره طابعه وميسمه فإذا ما ادعاه غيره عرف الناس أنه ليس لمن ادعاه وإنما هو لصاحبه علقمة؛ وذلك قول الفرزدق٢:
والفحل علقمة الذي كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل
-٢-
ولم يكن أمر الوضع والنحل في الشعر الجاهلي ليخفَى على الرواة العلماء، فلقد تنبه له كثيرون منهم، بل قلما نجد رواية عالمًا من القرن الثاني والقرن الثالث لا تذكر لنا الأخبار المروية عنه أنه نصَّ نصًّا صريحًا على أن بيتًا أو أبيات بعينها
стр. 333
موضوعة منحولة، وسنورد أمثلة وافية مما نص عليه هؤلاء العلماء من رجال الطبقة الأول والطبقة الثانية.
فقد ذكر أبو عمرو بن العلاء أن ذا الإصبع العدواني قال يرئي قومه١:
وليس المرء في شيء ... من الإبرام والنقض
إذا يفعل شيئًا خا ... له يقضي وما يقضي
جديد العيش ملبوس ... وقد يوشك أن يُنضي
ثم نص على أنه لا يصح من أبيات ذي الإصبع الضادية هذه إلا الأبيات التي أنشدها وأن سائرها منحول٢. بينما نرى أبا الفرج نفسه يورد من هذه القصيدة غير الأبيات المتقدمة نحوًا من أربعة وشعرين بيتًا آخر٣. وذهب أيضًا أبو عمرو إلى أن القصيدة المنسوبة إلى امرئ القيس والتي مطلعها:
ولا أبيك ابنة العامر ... ي لا يدعي القوم أني أفر
هي لرجل من أولاد النمر بن قاسط، يقال له ربيعة بن جشم، وأولها عنده٤:
أحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر
وهذا عامر بن عبد الملك وأخوه مسمع بن عبد الملك الملقب كرد بن وهما من طبقة عمرو بن العلاء، علامتان بالنسب راويتان للشعر، روى عنهما أبو عبيدة والأصمعي أخبارًا وشعرًا ينكران ما أضيف إلى قصيدة الحارث بن عباد، ولم يُصححا منها غير الأبيات الثلاثة التالية٥:
стр. 334
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيالي
لا بجير أغنى قتيلًا ولا رهـ ... ط كليب تزاجروا عن ضلال
لم أكن من جناتها علم اللـ ... ـه وإني بحرها اليوم صال
ومن أمثلة ذلك عند أبي عمرو الشيباني أنه كان يدفع أن يكون هذا البيت لعنترة وهو:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
ولم يكن يرويه حتى سمع أبا حزام العُكلي يرويه له١.
وأما الأخبار المروية في ذلك عن الأصمعي فكثيرة، ومنها ما هو عام مطلق، ومنها ماهو مخصص ينص فيه على بيت أو أبيات بعينها. فمن الضرب الأول: ما أورده من أن الأصمعي قال٢: أقمت بالمدينة زمانًا ما رأيت بها قصيدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة. وأنه كذلك قال٣: ويقال إن كثيرًا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه. وأنه قال أيضًا٤. أكثر شعر مهلهل المحمول عليه.
ومن الضرب الثاني: أنه قال٥: أعياني شعر الأغلب، ما أروي له إلا اثنتين ونصفًا. فلما سئل: كيف قلت نصفًا؟ أجاب: أعرفه له اثنتين وكنت أروي نصفًا من التي على القاف، فطولوها، وكان ولده يزيدون في شعره حتى أفسدوه. وقد قال أيضًا في القصيدة المنسوبة إلى الأغلب في سجاج٦: إنه كان يقال إن هذه قصيدة في الجاهلية لجشم بن الخزرج. وقال الأصمعي
стр. 335
أيضًا١: الناس يروون أمية بن أبي الصلت القصيدة التي فيها:
من لم يمت عبطة يمت هرمًا ... الموت كأس فالمرء ذائقها
قال: وهذه لرجل من الخوارج:
وكان الأصمعي يرى أن أبياتًا من قصيدة زهير الميمية: "أمن أم أوفى دمنة لم تكلم" ليست له وإنما هي لصرمة بن أنس الأنصاري٢. وكان كذلك يشك في بيت عنترة: "هل غادر الشعراء.." ويدفع أن يكون له٣، ويرى أن أول القصيدة:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي
وقد أنشد أبو حاتم السجستاني بيتًا في عجزه: "والسيف مغمود" فقال الأصمعي٤: هذا الشعر مصنوع، وقد رأيت صانعه.
وأما أبو عبيدة فإن أخباره في هذا الباب لتكاد تضارع أخبار الأصمعي كثرةً من ذلك أنه ذكر خمسة أبيات للحارث بن حلزة في إنكار الطيرة هي قوله٥:
يا أيها المزمع ثم انثنى ... لا يثنك الحازي ولا الشاحج
ولا قعيد أعضب قرنه ... هاج له من مربع هائج
стр. 336
بينا الفتى يسعى ويُسعى له ... تاح له من أمره خالج
يترك ما رقح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
ثم قال أبو عبيدة: أنشدنيها أبو عمرو، وليست إلا هذه الأبيات، وسائر القصيدة مصنوع مولد.
وقد أورد أيضًا أربعة أبيات لعوف بن عطية التيمي أولها١:
هلا فوارس رحرحان هجوتم ... عشر تناوح في سرارة واد
ثم قال: وبقية هذه القصيدة مصنوعة.
واستشهد على أن الأسود كان رئيس الرباب يوم النسار بقول عوف بن عطية بن الخرع التيمي٢:
ما زال حينكم ونقص حلومكم ... حتى بلوتم كيف وقع الأسود
وقبائل الأحلاف وسط بيوتكم ... يعلون هامكم بكل مهند
ثم قال: قال بنو أسد وغطفان هذه مصنوعة لم يشهد الأسود النسار.
وفي كتابه "الخيل" نصوص كثيرة في هذا الباب، منها أنه أورد أبياتًا مطلعها٣.
الخير ما طلعت شمس وما غربت ... معلق بنواصي الخيل مطلوب
وبعد أن قال إن هذا الشعر لأحد الأنصار، وأنه قد يحمل على امرئ القيس، عاد فقطع بأنه "لم يقله امرؤ القيس ولكنه لرجل من الأنصار"٤.
стр. 337
وقد أورد أربعة أبيات ذكر أنها لصعصعة بن معاوية السعدي، مطلعها١:
ما كنت أجعل مالي فرغ دالية ... في رأس جذع تصب الماء في الطين
ثم قال: وقد تروى هذه الأبيات لحارثة بن بدر الغُداني:
وقد أورد أبياتًا كثيرة أولها:
وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر
ونسبها إلى امرئ القيس ولكنه قال٢: "وقد يخلط قوله هذا بقول النمري" ولما أتم الأبيات قال: "وقد تروى هذه الأبيات لربيعة بن جشم النمري"٣.
وأورد كذلك أبياتًا نسبها إلى أبي داود الإيادي أولها٤:
وكل حصن وإن طالت سلامته ... يومًا سيدخله النكراء والحوب
ثم قال: "ويحمل بعض ما في هذه الكلمة على يزيد بن عمرو الحنفي، وقد أعدته في شعره":
وذكر أبياتًا لعلقمة أولها:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب
وقال٥: "وقد يُخلط قوله بشعر امرئ القيس بن حُجْر. وقد نسبت شعر امرئ القيس وأفردته من شعر علقمة".
وقد أورد في مواطن عدة أبياتًا لشعراء مختلفين، سماهم أحيانًا واكتفى بأن
стр. 338
قال: قال الشاعر: أحيانًا أخرى وكان في كل موطن يشير إلى أن هذه الأبيات تحمل أيضًا على أبي دواد الإيادي١.
فإذا ما اكتفينا بما قدمنا من أخبار الطبقة الأولى من الرواة والعلماء، وانتقلنا إلى الحديث عن رواة الطبقة الثانية، وجدنا عندهم كذلك نثارًا من هذه الإشارات المتفرقة إلى الموضوع والمنحول من الشعر الجاهلي.. وسنقصر حديثنا على ثلاثة منهم؛ هم: أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وابن قتيبة.
أما أبو حاتم فقد ذكر أبياتًا ثلاثة نسبها إلى عمرو بن ثعلبة هي٢:
تهزأت عرسي واستنكرت ... شيبي ففيها جنف وازورار
لا تكثري هزءًا ولا تعجبي ... فليس بالشيب على المرء عار
عمرك، هل تدرين أن الفتى ... شبابه ثوب عليه معار
ثم قال أبو حاتم: زعم عطاء بن مصعب الملط أن خلفًا الأحمر وضع هذا البيت الأخير.
وأورد أبياتًا سبعة نسبها إلى مرداس بن صبيح آخرها قوله٣:
فلا يغركم كبرى فإني ... كريم ليس في أمري شتات
ثم قال: وأظن البيت الأخير ليس منها.
وقد مر بنا قبل قليل أن أبا حاتم أورد بيت زهير٤:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم
стр. 339
ثم قال أبو حاتم: وكان الأصمعي يزعم أن القصيدة لأنس بن زنيم. قال أبو روق: غلط أبو حاتم إنما كان الأصمعي يقول: القصيدة لصرمة بن أبي أنس الأنصاري!
وأما الجاحظ فهو يشير إلى الموضوع والمنحول على ثلاث طرق، فهو حينًا ينسب الشعر إلى شاعر بعينه، ثم يعقب عليه بما يفيد شكه فيه، وهو حينًا ثانيًا يقطع قطعًا جازمًا بأن هذا الشعر أو ذاك منحول مصنوع وكل ذلك من غير دليل أو حجة وإنما يرسل القول إرسالًا، وهو حينًا يقطع بأن الشعر منحول ثم يورد من الحجج ما يراه كفيلًا بدعم رأيه.
فمن الضرب الأول أنه يقول: قال فلان -وبذكر اسم شاعر بعينه- ثم يعقب عليه بقوله: إن كان قالها. وقد تكرر منه ذلك في مواطن متفرقة من كتاب "الحيوان"١:
ومن الضرب الثاني قوله٢: وفي منحول شعر النابغة:
فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون
وقوله٣: قال غيلان بن سلمة:
في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع كأن متونه السحل
عقلًا ورقمًا ثم أردفه ... كلل على ألوانها الخمل
كدم الرعاف على مآزرها ... وكأنهن ضوامرًا إجل
стр. 340
ثم قال: وهذا الشعر عندنا للمسيب بن علس:
ومن الضرب الثالث أنه أورد أبياتًا زعم بعض الرواة أنها جاهلية في ذكر لانقضاض الكواكب١، والجاحظ ينكر ذلك ويرى أن انقضاض الكواكب لم يكن في الجاهلية البعيدة عن مولد رسول الله ﷺ بل حدث أول مرة عند مولده أو قبيلته، فهو بذلك من أعلام ميلاده أو إرهاص له. ثم يعقب على هذه الأشعار بقوله٢: "وسنقول في هذه الأشعار التي أنشدتموها ونخبر عن مقاديرها وطبقاتها. فأما قوله:
فانقض كالدري من متحدر ... لمع العقيقة جنح ليل مظلم٣
فخبرني أبي إسحاق أن هذا البيت في أبيات أخرى كان أسامة صاحب روح بن أبي همام هو الذي كان ولدها. فإن اتهمت خبر أبي إسحاق فسمِّ الشاعر، وهات القصيدة، فإنه لا يُقبل في مثل هذا إلا بيت صحيح، صحيح الجواهر، من قصيدة صحيحة. لشاعر معروف. وإلا فإن كل من يقول الشعر يستطيع أن يقول خمسين بيتًا كل بيت فيها أجود من هذا البيت ... وأما ما أنشدتم من قول أوس بن حجر:
فانقض كالدري يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
فهذا الشعر ليس يرويه لأوس إلا من لا يفصل بين شعر أوس بن حجر وشريح بن أوس. وقد طعنت الرواة في هذا الشعر الذي أضفتموه إلى بشر بن أبي خازم من قوله:
والعير يرهقها الحمار وجحشها ... ينقض خلقهما انقضاض الكوكب
стр. 341
فزعموا أنه ليس من عادتهم أن يصفوا عدو الحمار بانقضاض الكوكب، ولا بدن الحمار ببدن الكوكب، وقالوا: في شعر بشر مصنوع كثير، مما قد احتملته كثير من الرواة على أنه من صحيح شعره، فمن ذلك قصيدته التي يقول فيها:
فرجي الخير وانتظري إيابي ... إذ ما القارظ العنزي آبا١
... وأما ما رويتم من شعر الأفوه الأودي فلعمري إنه لجاهلي، وما وجدنا أحدًا من الرواة يشك في أن القصيدة مصنوعة. وبعد فمن أين علم الأفوه أن الشهب التي يراها إنما هي قذف ورجم، وهو جاهلي، ولم يدع هذا أحد قط إلا المسلمون؟ فهذا دليل آخر على أن القصيدة مصنوعة".
وأما ابن قتيبة فقد أشار إلى النحل والوضع في موطنين من كتابه "الشعر والشعراء". أورد في الموطن الأول قول الأعشى٢:
إن محلًّا وإن مرتحلا ... وإن في السفر ما مضى مهلا
استأثر الله بالوفاء وبالـ ... حمد وولَّى الملامة الرجلا
والأرض حمالة لما حمل اللـ ... ـه وما إن ترد ما فعلا
يومًا تراها كشبه أرديه الـ ... عصب ويومًا أديمها نغلا٣
ثم عقب عليها بقوله: وهذا الشعر منحول، ولا أعلم فيه شيئًا يستحسن إلا قوله:
يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسًا بكف من بخلا
وأورد في الموطن الثاني سبعة أبيات من شعر لبيد آخرها قوله٤:
وكل امرئ يومًا سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل
стр. 342
ثم عقب عليه بقوله: "وهذا البيت الآخر يدل على أنه قيل في الإسلام، وهو شبيه بقول الله ﵎ ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور﴾ أو كان لبيد قبل إسلامه يؤمن بالبعث والحساب؛ ولعل البيت منحول".
-٣-
تلك هي إشارات القدماء من الرواة العلماء. في القرنين الثاني والثالث، إلى الوضع والنحل في الشعر الجاهلي. وقد قصدنا إلى أن نُلم بها بعض الشيء ليستبين لنا وجه البحث، وليكون تعقيبنا عليها -حين نعقب بعد صفحات١- وافيًا مستوعبًا. ومع ذلك فقد أغفلنا الإشارة إلى اثنين من هؤلاء العلماء هما: عبد الملك بن هشام صاحب السيرة النبوية "المتوفى سنة ٢١٨هـ"، ومحمد بن سلام "المتوفى سنة ٢٣١هـ" صاحب كتاب طبقات الشعراء، وقد ادخرناهما لنختصهما وحدهما بالعرض والتعقيب، إذ إن إشاراتهما في كتابيهما أصبحت بعدُ ركيزةً من ركائز الذين يشكون في الشعر الجاهلي من المحدثين، وصار الكتابان معلمين من معالم هذا البحث.
أما ابن هشام فعمله في السيرة قائم على ما صنفه محمد بن إسحاق "المتوفى سنة ١٥٢هـ"، فقد تعقب ما أورده ابن إسحاق فاختصر بعضه، ونقد بعضه، ثم ذكر روايات أخرى فات ابن إسحاق ذكرها، ويعنينا نحن من ذلك ما وصف به عمله هذا من قوله٢: "وتارك بعض ما يذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب، مما ليس لرسول الله ﷺ فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببًا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرًا له، ولا شاهدًا عليه، لما ذكرت
стр. 343
من الاختصار، وأشعارًا ذكرها لم أر أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره ... "
وهذه الأشعار التي ذكرها ابن إسحاق في سيرته والتي لم ير ابن هشام أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرفها -قد وقف عندها ابن سلام وقفات طوالًا؛ فقد قال١: "وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه: محمد بن إسحاق بن يسار، مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير ... فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أوتَى به فأحمله. ولم يكن ذلك له عذرًا. فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن لرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة. وليس بشعر، إنما هو كلام مؤلف معقود بقوافٍ أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ ومن أداه منذ آلاف السنين؟ والله ﵎ يقول ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي لا بقية لهم. وقال أيضًا: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ وقال في عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة﴾ وقال: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ وقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ .
وقال ابن سلام كذلك٢: "ولأبي سفيان بن الحارث شعر كان يقوله في الجاهلية فسقط ولم يصل إلينا منه إلا القليل ولسنا نعد ما يروي ابن إسحاق له ولا لغيره شيء ولأنه لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذاك لهم".
ويقول في موطن ثالث٣: "فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق، ومثل ما رواه الصحفيون. ما كانت إليه حاجة. ولا فيه دليل على علم".
стр. 344
ففي سيرة ابن إسحاق وتعقيب ابن هشام ما يستحق أن يوقف عنده وقفة خاصة به. ولقد تتبعت كل ما أخذه ابن هشام على ابن إسحاق ونقده فيه، فوجدته لا يعدو واحدًا من أمور أربعة:
الأول: أنه يورد أبيات الشعر التي أوردها ابن إسحاق، وينسبها إلى من نسبها إليه ابن إسحاق، ثم يضيف أنها قد تنسب كلها أو بعضها إلى غيره. وقد تكرر منه ذلك في ثمانية وعشرين موضعًا، سأذكر أرقام صفحاتها على سبيل الحصر١، وأكتفي بذكر بعضها على سبيل المثال. فمن ذلك ما يُروى لأمية بن أبي الصلت مما يُروى لغيره أيضًا. فقد أورد أبياتًا عن ابن إسحاق من شعر أبي قيس بن الأسلت، ثم عقب عليها بقوله٢: "قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له، والقصيدة تُروى لأمية بن أبي الصلت". وكذلك قال ابن إسحاق٣: "وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي في شأن الفيل، ويذكر الحنيفية دين إبراهيم ﵇. قال ابن هشام: تُروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي". وقال ابن إسحاق٤: "قال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي قال ابن هشام: وتُروى لأمية بن أبي الصلت". وأورد ابن إسحاق أبياتًا نسبها إلى زيد بن عمرو بن نفيل. فقال ابن هشام٥: "هي لأمية بن أبي الصلت في قصيدة له، إلا البيتين الأولين، والبيت الخامس، وآخرها بيتًا".
وأورد كذلك أبياتًا نسبها إلى ورقة بن نوفل بن أسد، فقال ابن هشام٦:
стр. 345
"يُروى لأمية بن أبي الصلت البيتان الأولان منها وآخرها بيتًا في قصيدة له".
وقد أورد أبياتًا رواها ابن إسحاق ونسبها إلى سيف بن ذي يزن الحميري، فعقب عليها ابن هشام بقوله١: "وهذه الأبيات في أبيات له. وأنشدني خلاد بن قرة السدوسي آخرها بيتًا لأعشى بني قيس بن ثعلبة في قصيدة له، وغيره من أهل العلم بالشعر ينكرها له". وأورد ثلاثة أبيات من الرجز نسبها إلى "رجل من العرب" فقال ابن هشام٢: "ومن الناس من ينحلها امرأ القيس بن حجر الكندي". وذكر ابن إسحاق بيتًا نسبه إلى أعشى بني قيس بن ثعلبة هو قوله٣:
بين الخورنق والسدير وبارق ... والبيت ذي الكعبات من سنداد
فقال ابن هشام: وهذا البيت للأسود بن يعفر النهشلي ... في قصيدة له.
وأنشدنيه أبو محرز خلف الأحمر:
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والبيت ذي الشرفات من سنداد
وذكر ابن إسحاق أبياتًا نسبها إلى عبد الله بن الزبعري، فقال ابن هشام٤:
"وتُروى للأعشى بن زرارة بن النباش". وكذلك ذكر أبياتًا لحسان فقال ابن هشام٥: "ويقال: بل قالها عبد الله بن الحارث السهمي".
وأورد أبياتًا لحسان بن ثابت، فعقب عليها ابن هشام بقوله٦: "آخرها بيتًا يُروى لأبي خراش الهذلي، وأنشدنيه له خلف الأحمر ... وتُروى الأبيات أيضًا لمعقل بن خويلد الهذلي". وذكر أبياتًا نسبها ابن إسحاق لحسان بن ثابت،
стр. 346
ثم عقب عليها ابن هشام١: "أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك".
والثاني: أما الضرب الثاني من تعقبه ابن إسحاق فهو إيراده الحادثة التاريخية كما وردت في سيرة إسحاق حتى إذا وصل إلى الشعر الذي قيل في هذه الحادثة أسقطه ولم يثبته؛ لأنه لم يصح عنده. ولعل ذلك قد تكرر منه في مواطن كثيرة؛ لأنه ذكر في المقدمة أنه ترك أشعارًا ذكرها ابن إسحاق ولم ير أحدًا من أهل العالم بالشعر يعرفها، غير أنني حين تتبعت هذا الضرب من تعقيباته لم أجده نص عليه إلا في موضعين اثنين، فقد أورد مسير أبي كرب تبان أسعد إلى يثرب وغزوه إياها، فلما وصل إلى شعر خالد بن؟؟ الذي فيه٢:
حنقًا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد
قال ابن هشام: "الشعر الذي فيه هذا البيت مصنوع، فلذلك الذي منعنا من إثباته".
وكذلك أورد ما ذكره ابن إسحاق من نذر عبد المطلب ذبح ولده، وحذف ما جاء في أثناء هذا الحديث من شعر وقال٣: "وبين أضعفا هذا الحديث رجز لم يصح عندنا أحد من أهل العلم بالشعر".
والثالث: وضرب ثالث من تعقيباته يذكر فيها أبياتًا من الشعر الذي أورده ابن إسحاق، ويكتفي بها، ولا يورد باقيها ثم يقول إن ذلك ما صح له منها؛ وقد تكررت منه ذلك في ثمانية مواضع٤؛ منها: أن ابن إسحاق أورد أبياتًا لعكرمة بن عامر بن هشام بن عبد مناف، وقد اجترأ ابن هشام بثلاثة أبيات منها وقال٥: "قال ابن هشام: هذا ما صح له منها".
стр. 347
وروى ابن إسحاق أبياتًا كثيرة لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، ومع أن ابن هشام قال إنها تروى لابنه أمية، فقد قال أيضًا١: "هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها إلا آخرها بيتًا قوله:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا.
فإن للنابغة الجعدي ... في قصيدة له".
وروى ابن إسحاق أبياتًا للحارث بن ظالم حين هرب من النعمان بن المنذر فلحق بقريش٢، ولكن ابن هشام اكتفى بستة أبيات منها، ثم قال: "هذا ما أنشدني أبو عبيدة منها".
وروى ابن إسحاق أيضًا أبياتًا لعمرو بن الحارث، فاجتزأ بن هشام بثلاثة أبيات منها، وقال٣: "هذا ما صح له منها، وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يسم لي قائلها"!!
وأورد ابن إسحاق قصيدة أبي طالب، فذكر ابن هشام منها أربعة وتسعين بيتًا ثم قال٤: "هذا ما صح لي من هذه القصيدة!! وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها".
الرابع: أما في الضرب الرابع فقد كان ابن هشام يورد الشعر الذي أورده ابن إسحاق كاملًا لا يخرم منه بيتًا، ثم يذكر أنها منحولة، وقد تكرر منه ذلك
стр. 348
في ستة وثلاثين موضعًا١ ويكاد يلتزم، في تعبيره عن شكه، أربعة أنواع من العبارة:
أ- فهو يورد ما رواه ابن إسحاق من شعر لأبي بكر الصديق٢، وعبد الله الزبعري٣، وسعد بن أبي وقاص٤، وحمزة بن عبد المطلب٥، وأبي جهل٦، وهند بنت أثاثة٧، وحسان بن ثابت٨، وميمونة بنت عبد الله٩ وكعب بن الأشرف وعلي بن أبي طالب١٠، والزبرقان بن بدر١١، والحارث بن هشام١٢، ويعقب على كل قصيدة يوردها لهؤلاء بقوله: "وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها له".
ب- ويورد ما رواه ابن إسحاق من شعر لمالك بن الدخشم١٣، ومكرز بن حفص١٤، وعبيدة بن الحارث بن المطلب١٥، وضرار بن الخطاب١٦.
стр. 349
والحارث بن هشام١، وهند بنت عتبة٢، وحسان بن ثابت٣، وعبد الله بن الزبعري٣، وعمرو بن العاص٤، وخبيب بن عدي ٥، ومسافع بن عبد مناف٦، ويعقب على كل قصيدة يوردها لهؤلاء بقوله: "وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له".
ج- وإذا كان قد ذكر في العبارات الأولى "أكثر أهل العلم بالشعر" وفي العبارات الثانية "بعض أهل العلم بالشعر"، فقد ذكر أيضًا في عبارات ثالثة "أنه لم ير أحدًا من أهل العلم بالشعر" يعرف هذه الأبيات. فمن ذلك أن ابن إسحاق روى عن محمد بن سعيد بن المسيب خبر وفاة عبد المطلب بن هاشم وبكاء بناته الست عليه، وهن: صفية، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء، وأميمة، وأروى. وقد بكت عليه كل واحدة منهن بشعر أورده ابن هشام، ثم عقب عليه بقوله٧ "ولم أر أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر، إلا أنه لما رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب كتبناه".
وكذلك روى ابن إسحاق قصيدتين، الأولى: لعلي بن أبي طالب في يوم بدر، والثانية: نقيضتها للحارث بن هشام بن المغيرة، وقد أوردهما ابن هشام، وقال٨: "ولم أر أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرفها ولا نقيضتها، وإنما كتبناهما لأنه يقال إن عمرو بن عبد الله بن جدعان قتل يوم بدر، ولم يذكره ابن إسحاق في القتلى، وذكره في هذا الشعر".
стр. 350
وروى ابن إسحاق أبياتًا لعلي بن أبي طالب، فأوردها ابن هشام وقال١:
"قالها رجل من المسلمين يوم أُحد غير علي، فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالشعر، ولم أر أحدًا منهم يعرفها لعلي".
وكذلك روى ابن إسحاق قصيدة أخرى لعلي يذكر فيها إجلاء بني النضير، فأوردها ابن هشام، وقال٢: "قالها رجل من المسلمين غير علي بن أبي طالب، فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالشعر، ولم أر أحدًا منهم يعرفها لعلي".
د- وقد نص في موضع واحد على اسم عالم من علماء اللغة والشعر والأخبار هو أبو عبيدة؛ وذلك أنه أورد قصيدة من اثني عشر بيتًا رواها ابن إسحاق لعمرو بن معديكرب. ثم قال إن أبا عبيدة أنشده الأبيات الثلاثة الأولى منها، وفيها خلاف في رواية بعض ألفاظها، وأنه لم يعرف سائرها٣.
ويحسن بنا أن نختم حديثنا عن ابن إسحاق وابن هشام بذكر طائفة من المآخذ التي استدركها ابن هشام على ابن إسحاق ولم ندخلها في الضروب الأربعة السابقة وهي.
١- يروي ابن إسحق قصيدة لأمية بن أبي الصلت يبكي زمعة بن الأسود وقتلَى بني أسد، ويوردها ابن هشام كما رواها ابن إسحاق ويعقب عليها بقوله٤:
"هذه الرواية لهذا الشعر مختلطة، ليست بصحيحة البناء، ولكن أنشدني أبو محرز خلف الأحمر وغيره، روى بعض ما لم يرو بعض.." ثم يورد القصيدة بهذه الرواية الأخرى صحيحة البناء مستقيمة الوزن.
٢- ويروى ابن إسحاق قصيدة من ثلاثة عشر بيتًا للعباس بن مرداس، وقد
стр. 351
رواها كلها متتابعة على أنها قصيدة واحدة -إذ أنها ذات وزن واحد وروي واحد- وأوردها على ذلك ابن هشام، ثم عقب عليها بقوله١: "قال ابن هشام: من قوله: "أبلغ هوزان أعلاها وأسفلها" إلى آخرها، في هذا اليوم، وما قبل ذلك في غير هذا اليوم، وهما مفصولتان، ولكن ابن إسحاق جعلهما واحدة".
٣- ويحذف ابن هشام بيتًا أو أبياتًا من قصيدة رواها ابن إسحاق، وليس سبب هذ الحذف أنه يشك في صحة الشعر أو نسبته، وإنما لأن الشاعر أقذع فيه٢.
وكذلك أبدل كلمات من شعر رواه ابن إسحاق لأن الشاعر "نال فيها من النبي ﷺ "٣. وترك بيتين من قصيدة لأمية بن أبي الصلت لأنه "نال فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ "٤.
٤- وله أحيانًا تعليقات على ما يورد من الشعر من حيث العروض أو من حيث جمال الشعر، فمن ذلك أنه يذكر كلامًا لرئي من الجن هو "ألم تر إلى الجن وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها". ثم يعقب عليه بقوله٥: "قال ابن هشام: هذا الكلام سجع وليس بشعر!! ".
وذكر أيضًا ما كان يرتجز به المسلمون وهم يبنون مسجد المدينة، وذلك قولهم: "لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة" وعقب عليه بقوله٦: "هذا كلام وليس برجز".
ويورد أيضًا أبيات سبيعة بنت الأحب، ومطلعها:
أبني لا تظلم بمكـ ... ـة لا الصغير ولا الكبير
стр. 352
ثم قال١: "يوقف على قوافيها لا تُعرب".
وأورد أبياتًا على الكاف المكسورة رواها ابن إسحاق لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ثم عقب عليها بقوله٢: "بقيت منها أبيات تركناها لقبح اختلاف قوافيها".
ويورد أبياتًا لحسان بن ثابت يذكر عدة أصحاب اللواء يوم أُحد، ثم يعقب عليها بقوله٣: "هذه أحسن ما قيل".
ويورد أبياتًا رواها ابن إسحاق لأبي أسامة معاوية بن زهير بن قيس، ويعقب عليها بقوله٤: "وهذه أصح أشعار أهل بدر".
ذلك هو ابن هشام وصنيعه بسيرة ابن إسحاق، وذلك هو -على وجه الحصر- كل ما ذكره عن الشعر الجاهلي الذي رواه ابن إسحاق في سيرته.
أما ابن سلام فقد يصح أن نقسم حديثه عن وضع الشعر الجاهلي ونحله قسمين كبيرين، أولهما: قواعد عامة وأحكام مرسلة يطلق القول فيها إطلاقًا، لا يخصص ولا يمثل، وأكثر حديثه عن هذا القسم جاء في مقدمة كتابه.
وثانيهما: نص على شعراء بعينهم وذكر لشعر قالوه، يذهب ابن سلام إلى أنه موضوع منحول.
فمن القسم الأول قوله٥: "وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف. وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية،
стр. 353
ولم يعرضوه على العلماء. وليس لأحد -إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه- أن يقبل من صحيفة، ولا يروي عن صحفي. وقد اختلف العلماء في بعض الشعر، كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه".
وقد روى لنا أن خلاد بن يزيد الباهلي -وكان حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله، قال لخلف بن حيان الأحمر١: "بأي شيء ترد هذه الأشعار التي تُروَى؟ قال له: هل فيها ما تعلم أنت أنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم.
قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟ قال: نعم. قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت.
ومن هذا القسم أيضًا ما أشرنا إليه قبل قليل من حديثه عن محمد بن إسحاق وصنيعه في السيرة، فقد قال عنه إنه كان٢ "ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه،.... فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله. ولم يكن ذلك له عذرًا. فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة ... " ووصف حمادًا الراوية بأنه٣ "كان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار".
وقال أيضًا٤ "فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسن شعرائهم. ثم كانت الرواة بعد، فزادوا في الأشعار التي قيلت.
стр. 354
وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا، ولا ما وضع المولدون؛ وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء، أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال".
أما القسم الثاني فيتفرع كذلك إلى جدولين، أولهما: ذكر في ابن سلام الشعراء وأرسل القول في شعرهم إرسالًا، من غير تخصيص بشعر بذاته. وثانيهما: وقف فيه عند بيت أو أبيات من شعر الشاعر ونص على أن هذه الأبيات بعينها موضوعة منحولة.
فمن الأول قول ابن سلام١: "أخبرني أبو عبيدة أن ابن داوود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي في الجلب والميرة، فنزل النحيت؛ فأتيته أنا وابن نوح العطاردي، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته. فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه فيذكر المواضع التي ذكرها متمم والوقائع التي شهدها. فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله".
وكذلك قوله٢: "ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه، قلة ما بقي بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد، اللذين صح لهما قصائد بقدر عشر ...
ونرى أن غيرهما قد سقط من كلام كثير، غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذاك فلما قل كلامهما حُمل عليهما حمل كثير".
وشك كذلك في شعر عبيد بن الأبرص فقال عنه إنه٣ "قديم الذكر عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب، لا أعرف له إلا قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
ولا أدري ما بعد ذلك!! ".
стр. 355
وشك كذلك في شعر علقمة بن عبدة فقال١: "ولابن عبدة ثلاث روائع جياد، لا يفوقهن شعر". وبعد أن ذكر مطالعها قال: "ولا شيء بعدهن يذكر٢".
وشك في شعر عدي بن زيد، فقال عنه إنه٣ "كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف الأحمر، وخلط فيه المفضل فأكثر".
وقال كذلك عن الأسود بن يعفر٤: "وله شعر كثير جيد ... وذكر بعض أصحابنا أنه سمع المفضل يقول: له ثلاثون ومائة قصيدة ونحن لا نعرف له ذلك ولا قريبًا منه؛ وقد علمت أن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي، ويتجوزون في ذلك بأكثر من تجوزنا ... ".
وذكر حسان بن ثابت فقال عنه إنه٥ "كثير الشعر جيده، وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد. لما تعاضهت قريش واستبت وضعوا عليه أشعارًا كثيرة لا تُنقى".
وذكر أيضًا أبا سفيان بن الحارث وقال إن له شعرًا كان يقوله في الجاهلية٦.
"فسقط ولم يصل إلينا منه إلا القليل. ولسنا نعد ما يروى ابن إسحاق له، ولا لغيره شعرًا، ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذاك لهم".
وأما الجدول الثاني من هذا القسم فهو الذي يقف فيه عند بيت أو أبيات