التي تعنينا هي: "سلم" أو "سلام" "الكلمة الأولى في السطر الأول" و"بن" "الكلمة الأخيرة في السطر نفسه".
جـ- والنقش الثالث وجد كذلك في طور سينا، وتاريخه سنة ١٤٨ من سقوط سلع، أي في سنة ٢٥٣ للميلاد. وكلماته هي "كلب" "الكلمة الثانية في السطر الأول" "وبن عمرو" "الكلمتان الأخيرتان في السطر نفسه".
د- نقش اكتشف في الحجر "مدائن صالح" وتاريخه سنة ١٦٢ من سقوط سلع، أي سنة ٢٦٧ للميلاد. وكلماته هي "بن" "الكلمة الأخيرة في السطر الأول" و"عبد" "الكلمة الأولى في السطر الثالث" و "لعن" "الكلمة الأخيرة في السطر السادس، وكررت في السطر التاسع - الكلمة الثانية".
هـ- والنقش الأخير من هذه المجموعة نقش اكتشف في بلدة أم الجمال -في حوران- وهو غير مؤرخ، ولكن الكونت De Vogue وليتمان يرجحان أن تاريخه سنة ٢٧٠ للميلاد. وكلماته هي: "سلى"، وهو اسم علم "الكلمة الثانية في السطر الثاني" و"جذيمة" "الكلمة الأخيرة في السطر نفسه" و"ملك" "الكلمة الأولى في السطر الثالث".
٢- أما القرن الرابع الميلادي:
فلم يُعثر فيه إلا على نقش واحد، كشف في مدفن امرئ القيس بن عمرو ملك العرب في النمارة، وهي من أعمال حوران.
وتاريخه سنة ٢٢٣ من سقوط سلع، أي في سنة ٣٢٨ للميلاد.
ولهذا النقش قيمة كبيرة في بحث تاريخ الكتابة العربية، وذلك أن كثيرًا من كلماته، بل ربما كانت جميع كلماته، ذات صورة تشبه شبهًا كبيرًا صورة الخط العربي الإسلامي، وحسبنا أن نشير إلى بعضها:
السطر الأول: نفس مر القيس بن عمرو ملك العرب "من الكلمة الثانية حتى السابعة".
السطر الثاني: وملك الأسدين ونزرو وملوكهم وهرب مذحجو "من الكلمة الأولى إلى السادسة".
стр. 37
السطر الرابع: الشعوب ... فلم يبلغ ملك مبلغه "الكلمة الأولى، ثم من الخامسة إلى آخر السطر".
السطر الخامس: عكدى "أي في القوة" هلك سنة "الكلمات الأولى والثانية والثالثة".
فهذا نقش عربي بين العربية، عربي في أكثر لغته، عربي في صورة خطه. وهو في مرحلة تاريخية تظهر في وضوح جلي تطور الخط العربي إذا ما قيس بالنقوش التي ذكرنا أنها ترجع إلى القرن الثالث الميلادي.
٣- أما القرن السادس الميلادي:
فقد اكتشف فيه نقشان:
أولهما: نقش وجد في خربة زبد -بين قنسرين ونهر الفرات- وتاريخه سنة ٥١١ للميلاد؛ وعليه ثلاث كتابات: اليونانية والسريانية والعربية. وخطه قريب الشبه بالخط الكوفي الإسلامي، وإن كانت بعض كلماته ما زالت غير مقروءة، وهي لا تعدو كلمة واحدة في السطر الأول وكلمة أو كلمتين في آخر السطر الثاني؛ أما سائر كلماته فهي عربية الخط على اختلاف العلماء في قراءتها.
وهي:
السطر الأول.... الإله شرحو بر ... منفو و ... بر امرئ القيس
السطر الثاني: وشرحو بر سعدو وسترو وشريحو ...
وثانيهما: نقش مؤرخ في سنة ٤٦٣ من سقوط سلع، أي سنة ٥٦٨ للميلاد. عليه كتابتان باليونانية والعربية. وقد وجد منقوشًا على حجر فوق باب كنيسة بحران اللجا في المنطقة الشمالية من جبل الدروز، وهذا النقش كما يلي:
السطر الأول: أنا شرحيل بن ظلمو بنيت هذا المرطول
السطر الثاني: سنة "٤٦٣" بعد مفسد.
стр. 38
رقم "١٠" رسالة رسول الله إلى المنذر بن ساوي
стр. 39
السطر الثالث: خيبر
السطر الرابع: بعام١
ولكن لا بد لنا من أن نعترف، اعترافًا واضحًا لا لبس فيه، أن كل دراسة لموضوع الكتابة في العصر الجاهلي ستبقى دراسة مبتورة ناقصة ما دامت رمال الجزيرة العربية تضن بهذه الكنوز، التي ترقد في بطونها، عن أن تجلوها لأبصار الدارسين، حتى يسائلوها أخبار هؤلاء الأسلاف الذين شاء لهم جحود التاريخ أن يوصموا بالجهل والبدائية٢. ولا بد لنا من أن نقرر كذلك أن في هذه النصوص التي بين أيدينا -على جليل قدرها وعظيم نفعها للدارس- ثلاث نقائص:
الأولى: قلة عددها قلة تلجئ الدارس إلى أن يحتاط في حكمه ويلقي القول إلقاء مقيدًا بعيدًا عن التعميم.
والثانية: تباعد فتراتها، وانفصال أوائلها عن أواخرها، لوجود فجوات زمنية عريضة. فقد أغفلنا ذكر قرن كامل بسنيه المائة، هو القرن الخامس الميلادي؛ لأننا لم نجد نقشًا عربيًّا يرجع تاريخه إلى هذا القرن. وكذلك لم نعثر في القرن الرابع إلا على نقش واحد يرجع إلى ثلثه الأول، وأما ثلثاه الأخيران فخاليان أصمان. ولم يعثر في القرن السادس إلا على نقشين: أولهما في سنواته الأولى "سنة ٥١١م"، والآخر بعد منتصفه "سنة ٥٦٨م"، وما بينهما نصف قرن صامت مصمت. ومن هنا كان لا بد للدارس الذي يريد تتبع البحث من أن يملأ هذه الفجوات بالاستنتاج والاستنباط.
стр. 40
وأما النقيصة الثالثة -وهي أخطرها في نظرنا- فهي أن هذه النقوش كلها قد اكتشفت في المنطقة الشمالية من بلاد العرب التي تمتد من العلا ومدائن صالح إلى شمال بلاد حوران؛ وأما مُوْسَط بلاد العرب وصميمها: الحجاز ونجد، فلم يُعثر -حتى الآن- على شيء من النقوش الجاهلية فيها. فإذا كانت هذه النقوش بكلماتها الفصيحة وخطها العربي قد اكتشفت في منطقة كانت مسرحًا لآثار ورواسب من الثمودية والآرامية والنبطية لغة وخطًّا، فكيف تكون هذه النقوش التي قد تكتشف في الحجاز ونجد؟ وإذا كانت اللغة الفصيحة والقلم العربي قد نُقِشا في تلك المنطقة منذ أوائل القرن الرابع الميلادي -بل ربما قبله- فإلى أي عهد ترجع بنا نقوش الحجاز ونجد؟
ومن تمام هذا البحث أن نشير إلى الكتابات العربية التي يرجع تاريخها إلى صدر الإسلام -عصر الرسول الكريم وخلفائه الراشدين- وذلك ليستبين لنا مدى الشبه -بل المطابقة- بينهما وبين هذه النقوش الجاهلية، وخاصة في طورها الأخير: نقش حران. وهذه الكتابات الإسلامية على ضربين: نقوش وكتابة.
١- النقوش:
١- نقش القاهرة، وهو مؤرخ في سنة ٣١ للهجرة -أي في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ وهو محفوظ في دار الآثار العربية "انظر صورة رقم ٩".
ب- وقد كان يُظَن أن نقش القاهرة أقدم نقش إسلامي عُثر عليه، ولكن الدكتور محمد حميد الله عثر على عدة نقوش على قمة الطرف الجنوبي لجبل سلع في المدينة المنورة خارج سورها الشمالي. ويرجح الدكتور حميد الله أن هذه النقوش ترجع في تاريخها إلى غزوة الخندق في السنة الخامسة للهجرة١.
стр. 41
٢- الكتابات:
وهي ثلاث أرسلها رسول الله ﷺ إلى المقوقس عظيم القبط في مصر، وإلى المنذر بن ساوى، وإلى النجاشي في الحبشة. وقد عثر على ما يظن أنه الأصول الحقيقية لهذه الرسائل. وقد كتب الدكتور حميد الله بحثًا قيمًا في مجلة "ISLAMIC CULTURE" عرض فيه صورتين لرسالتي المنذر والمقوقس "انظر رسالة المنذر صورة رقم ١٠" وتحدث مفصلًا القول في اعتراضات بعض المستشرقين على صحة هذه الرسائل وأصالتها، وفندها جميعها، وانتهى إلى أن هذه الاعتراضات لا تثبت أمام البحث العلمي الدقيق. ومع ذلك فهو، في بحثه السليم، يتوقف توقف العالم المتثبت، فلا يقطع بصحة هذه الأصول، بل يكتفي برد تلك الشبهات التي حامت حول صحتها، ثم يدعها قائمة تنتظر نفيًا أو إثباتًا جديدين.
ومهما يكن من أمر، فنحن -في بحثنا هذا- في موقف بعيد عن هذه المزالق، وذلك أننا نكتفي بهذه النقوش الإسلامية التي اكتشفت على الحجر والصخر والتي ترجع إلى صدر الإسلام، وهي أصول ثابتة يقينية -مهما يكن تاريخ نقوش جبل سلع- نعتمد عليها في أمر واحد لا نعدوه، هو تبيان هذا التشابه بين كتابة صدر الإسلام وكتابة العصر الجاهلي الأخير، وإظهار أنه ليس بينها من فروق إلا ما يقتضيه عامل الزمن من تطور.
فقد كان العرب إذن يكتبون في جاهليتهم ثلاثة قرون على أقل تقدير بهذا الخط الذي عرفه بعد ذلك المسلمون. وقد أصبحت معرفة الجاهلية بالكتابة، معرفة قديمة، أمرًا يقينيًّا، يقرره البحث العلمي القائم على الدليل المادي المحسوس؛ وكل حديث غير هذا لا يستند إلا إلى الحدس والافتراض. ولا ريب في أن ما سيُعثر عليه في مُقبل الأيام من نقوش في قلب الجزيرة سيدعم رأي الذين يذهبون إلى أن عرب الجاهلية كانوا يعرفون الكتابة منذ قرون قبل الإسلام، وسيلقي كثيرًا من النور على ما لا يزال خافيًا من أجزاء الموضوع.
стр. 42
النقط والشكل والإعجام:
وهذه النقوش تقودنا إلى الحديث في نقطة أخرى لها خطرها الكبير في تاريخ الكتابة العربية في الجاهلية. ونحن نعرض في هذا الموضوع ما وصلنا إليه في بحثنا؛ وسنكتفي بالعرض المجرد وحده، لا نثبت ولا ننفي، فحسبنا أن نثير هذا الموضوع ونجعله ميدانًا للبحث لعل مُقبل الأيام يتكفل بجلائه ويمدنا بما نستطيع أن نلقي به القول الفصل مطمئنين واثقين.
تلك هي مسألة النقط والإعجام. فهذه النقوش التي عرضناها جميعًا خالية من النقط خلوًّا كاملًا، فليس فيها حرف واحد منقوط، وكذلك كانت الكتابة النبطية -التي يرجح أن الخط العربي مشتق منها ومتطور عنها- لا تعرف النقط والإعجام١. وقد كان من الجائز أن نقف عند هذا الحد الذي أوقفتنا عنده هذه النقوش، وأن نردد مع جميع الباحثين قبلنا رأيهم في أن الكتابة العربية، في أول نشأتها، كانت غير منقوطة، بل إنها استمرت خالية من النقط حتى زمن عبد الملك بن مروان٢. ولكن وجهًا آخر استبان لنا في أثناء الدراسة فوجدنا حقًّا علينا أن نعرضه. وخلاصة ذلك أننا عثرنا في خلال بحثنا على قول أورده القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم"، قال٣:
"وكان نقل المصحف إلى نسخه على النحو الذي كانوا يكتبونه لرسول الله ﷺ وكتابة عثمان وزيد وأبي وسواهم من غير نقط ولا ضبط. واعتمدوا هذا النقل ليبقى بعد جمع الناس على ما في المصحف نوع من الرفق في القراءة باختلاف الضبط".
стр. 43
وقد استوقفنا كلام ابن العربي على غموضه وحاجته إلى فضل بيان يوضحه، فلما قرأنا ما سنعرضه من كلام ابن الجزري كان خير موضح، قال١ " ... ثم إن الصحابة ﵃ لما كتبوا تلك المصاحف جردوها من النقط والشكل ليحتمله ما لم يكن في العرضة الأخيرة مما صح عن النبي ﷺ .
وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهةً بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين. فإن الصحابة رضوان الله عليهم تلقوا عن رسول الله ﷺ ما أمر الله تعالى بتبليغه إليهم من القرآن: لفظه ومعناه جميعًا، ولم يكونوا ليسقطوا شيئًا من القرآن الثابت عنه ﷺ ولا يمنعوا من القراءة به".
وقول ثالث رُوِي عن ابن مسعود ﵁، قال٢ "جردوا القرآن ليربو فيه صغيركم ولا ينأى عنه كبيركم.." وقد ذكر الزمخشري شارحًا قول ابن مسعود أنه "أراد تجريده من النقط والفواتح والعشور لئلا ينشأ نشء فيرى أنها من القرآن".
وهذه الأقوال الثلاثة يُفهم منها أن النقط أمر قد كان معروفًا قبل كتابة مصحف عثمان، ثم عدل عنه عدلًا مقصودًا، وجرد القرآن منه تجريدًا متعمدًا.
والقول في "تجريد" القرآن طويل، ونحن نعلم أن من ضمن ما يقصد من "التجريد" أن يُكتب القرآن وحده في الصفحة لا يختلط به شيء من التفسير أو الحديث أو القصص أو أية كتابة أخرى، لئلا يختلط على القارئ فيتوهم أن جميع المكتوب هو من القرآن الكريم. ولكن كلام الزمخشري وابن العربي وابن الجزري واضح وضوحًا لا لبس فيه، وهو ينص على أن "تجريد القرآن" يتضمن تجريده من النقط أيضًا.
وقد يكون المقصود من النقط هنا "النقط بالنحو" أي نقط أبو الأسود
стр. 44
الدؤلي، وهو بيان حركات أواخر الكلام بوضع نقطة فوق الحرف للدلالة على الفتحة، ونقطة تحت الحرف للدلالة على الكسرة، ونقطة بين يدي الحرف للدلالة على الضمة، بحبر يخالف لونه لون حبر الكتابة نفسها١.
ومع تقريرنا لهذا المعنى فإننا نرى في قول ابن الجزري: "وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين" تفريقًا بين النقط والشكل، وذكرًا لكل منهما وحده؛ ونرى كذلك أن تجريد الكلمات من النقط لاحتمال الكلمة القراءات المختلفة يقتضي أن يكون من معاني النقط المعنى الذي نفهمه منه اليوم. وللقراءات التي تحتملها الكلمة الواحدة الخالية من النقط أمثلة كثيرة٢، لعل أوضحها وأشهرها ما ورد في سورة النساء آية ٩٤:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾
وفي قراءة: "فتثبتوا" ورسم هذه الكلمة "فسوا" محتمل للقراءتين.
كانت إذن هذه الأقوال الثلاثة: قول الزمخشري وابن العربي وابن الجزري، أول ما وقفنا عند أمر النقط، فمضينا في أثناء بحثنا نجمع من الروايات والنصوص والأدلة ما قد يدعم هذا الوجه؛ فكان من ذلك:
стр. 45
١- ما رواه الفراء قال١: "حدثني سفيان بن عيينة، رفعه إلى زيد ابن ثابت، قال: كتب في حجر: ننشزها، ولم يتسن، وانظر إلى زيد بن ثابت فنقط على الشين والزاي أربعًا، وكتب "يتسنه" بالهاء".
٢- ورُوِي عن ابن عباس قال٢: "أول من كتب بالعربية ثلاثة رجال من بولان، وهي قبيلة سكنوا الأنبار، وأنهم اجتمعوا فوضعوا حروفًا مقطعة وموصولة، وهم: مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة -ويقال مروة وجدلة- فأما مرامر فوضع الصور، وأما أسلم ففصل ووصل، وأما عامر فوضع الإعجام".
وقد ذكرنا في صدر هذا البحث أن صحة هذه الرواية وأمثالها عن أصل الخط العربي لا تعنينا في شيء، ونحن هنا لا نسوقها إلا لأمر واحد لا نعدوه، وذلك أن في هذا القول لابن عباس -إن كان قاله- دليلًا واضحًا على أن ابن عباس كان يعرف الإعجام، وأن من قبله كانوا يعرفونه؛ وأما إن لم يكن قاله فما زال يحمل من الدلالة ما لا يصح معها أن نغفله، وذلك أن واضع هذا القول وناسبه إلى ابن عباس كان لا بد يعرف أن ابن عباس كان يعرف الإعجام وإلا لما قبل الناس قوله.
٣- وقد ذكر السجستاني أن "الحجاج بن يوسف غيَّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفًا، قال: ... وكانت في يونس "آية ٢٢" "هو الذي ينشركم" فغيره "يسيركم".
وقد نقبل أن يكون الحجاج هو الذي نقط هذه الكلمة وكانت من قبل غير منقوطة كما يزعمون، ولكن أن يكون غير نقطها فذلك هو ما نقف عنده،
стр. 46
ونفهم منه أنها كانت منقوطة قبله، ثم غير هذا النقط، وإلا فالكلمة من غير نقط تحتمل الوجهين ولا سبيل إلى ذكر أن الحجاج قد غير نقطها.
٤- ولقد كانت الكتابة الحميرية والصفوية والثمودية واللحيانية، والكتابة النبطية التي يرجح أن الكتابة العربية مشتقة منها -كانت كل هذه الكتابات غير منقوطة١، ولكن المدقق فيها يجد أن الكثرة الغالبة من حروفها يختلف بعضها عن بعض اختلافًا يمنع اللبس والاختلاط، ومن هنا لم تكن في حاجة إلى نقط. وأما الخط العربي فكثير من حروفه متشابهة في الكتابة تشابهًا كاملًا، مختلفة في الصوت اختلافًا تامًّا؛ ولا سبيل إلى التفرقة بينها إلا بالنقط، بل إن هذا التشابه العجيب بين الحروف ليكاد يجعلنا نظن أن الحرف منذ أن وجد وجد معه نقطه، وأن النقط ضرورة من ضرورات هذه الحروف منذ نشأتها٢، إلا إذا كان يفرق بينها بوسيلة أخرى من وسائل الخط توضحها وتمنع اختلاطها مع غيرها. وإلا لكانت الكتابة، وخاصة الطويلة منها، عسيرة القراءة لا سبيل إلى فهمها. ولا عبرة في تجريد القرآن الكريم فإن الأصل فيه أن يكون محفوظًا في الصدر، وأن يرجع الحافظ إلى الكتاب للتذكر، أو أن يتلقاه المتعلم من معلم يحفظه إياه ثم يعود إلى الكتاب للاستذكار.
٥- ومن أوضح الأحاديث وأصرحها عن النقط ما أورده ابن السيد البطليوسي وهو يتحدث عن الكتاب، قال٣: ".. فإذا نقطته قلت: وشمته وشمًا،
стр. 47
ونقطته نقطًا، وأعجمته إعجامًا، ورقمته ترقيمًا". وكان من اليسير علينا أن نمر بهذا القول مرًّا هينًا ثم نتجاوزه من غير أن نقف عنده، معتقدين أنه ينصرف إلى أزمنة تالية للقرن الأولى الهجري لولا أن ابن السيد نفسه يستشهد -بعد قوله المتقدم- بأشعار جاهلية فقد أورد -دليلًا على هذه الألفاظ الدالة على النقط- أبياتًا لأبي ذؤيب والمرقش وطرفة. قال أبو ذؤيب:
برقم ووشم كما نمنمت ... بميشمها المزدهاة الهدى
وقال المرقش:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم
وقال طرفة:
كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه
وقد كدنا ننسب قول ابن السيد إلى التعجل والتسرع وإغفال الدقة في تحديد أزمان الألفاظ -فقد كان يبدو لنا أن الوشم والرقم والترقيش، في هذه الأبيات، لا تعني أكثر من تجويد الخط وتحسينه، لولا أن الأعلم الشنتمري يذكر ما ذكره ابن السيد. قال الأعلم في شرح بيت طرفة المتقدم١: "وقوله: كسطور الرق: شبه رسوم الربع بسطور الكتاب، ومعنى رقشه: زينه وحسنه بالنقط" ولولا أن أبا علي القالي قد ذهب إلى ذلك أيضًا، قال٢: "رقشت الكتاب رقشًا ورقشته: إذا كتبته ونقطته". ثم استشهد ببيت طرفة.
٦- وربما كان أخطر ما يوجه إلى من يدعي نقط الكتابة في الجاهلية هو هذه النقوش الجاهلية الخالية من النقط. وهو دليل لا سبيل إلى إنكاره، وإن كان لا بأس في التحدث عنه حديثًا قد يكون فيه بعض حجة؛ وذلك أن
стр. 48
جميع ما عثرنا عليه من الكتابة الجاهلية كان نقوشًا على الحجر والصخر، وكان سطورًا قلائل بل كلمات معدودات؛ ولم نعثر على كتابة جاهلية على الرق أو البردي مثلًا كثيرة السطور والكلمات. فربما كان عدم النقط ناجمًا عن اطمئنان الكاتب إلى أن كلماته هذه المنقوشة في نجاة من التصحيف والخلط في القراءة؛ لأنها أسماء أعلام، وسنوات، وكلمات بينهما من اليسير معرفتها؛ وربما كان مما يسوغ له إهمال النقط فوق ذلك صعوبة فنية ومشقة عملية في النقش.
٧- ولعل خير ما يدعم هذه النقطة السابقة من حديثنا: تلك الوثيقة البردية التي يرجع تاريخها إلى سنة ٢٢ هجرية على عهد عمر بن الخطاب وهي مكتوبة باللغتين العربية واليونانية١. والذي يعنينا من هذه البردية أن بعض حروفها منقوط معجم وهي حروف: الحاء والذال والزاي والشين والنون. وكذلك الشأن في نقش وجد بقرب الطائف ومؤرخ في سنة ٥٨ هجرية على عهد معاوية بن أبي سفيان، فإن أكثر حروفه التي تحتاج إلى نقط منقوطة معجمة٢.
فنحن نرى إذن أن تاريخ الوثيقة البردية وهو سنة ٢٢ هجرية سابق بسنوات كثيرة على ما ذكره الكُتَّاب العرب في نشأة النقط والإعجام، وكذلك هذا النقش المؤرخ في سنة ٥٨ هجرية. وثمة أمر آخر يجدر بنا أن ننبه عليه وهو أن أكثر الوثائق البردية -التي عُثر عليها مؤرخةً في القرن الأول الهجري- غير منقوطة ولا معجمة، وذلك يعني أن إهمال النقط فيما عثرنا عليه من نقوش جاهلية ضرورة أن النقط لم يكن معروفًا مستعملًا؛ لأن إهمال النقط في النقوش وأوراق البردي الإسلامية لم يمنع وجود وثائق ونقوش منقوطة. وجدير بالذكر أن إهمال
стр. 49
النقط أمر كان شائعًا في العهود الإسلامية قرونًا متوالية، بل لقد عد بعضهم الإعجام والنقط مما لا يليق في الكتب والرسائل؛ لأنه يدل على أن الكاتب يتوهم فيمن يكتب إليه الجهل وسوء الفهم١.
وحسبنا ما قدمنا عن النقط، ونحن أول من يعرف أن هذا كله لا يقوم وحده دليلًا قاطعًا على وجود النقط قبل الإسلام، ولكننا أحببنا أن نثبته للأسباب التي قدمناها، فلعل غيرنا قادر من بعدنا على الوصول إلى مفصل من الأمر يتم به ما بدأنا.
стр. 50
تعلم الكتابة في الجاهلية وشيوعها:
-١-
لم يُعن القدماء من المسلمين -فيما وصل إلينا من كتبهم- بدراسة مناحي الحياة الجاهلية دراسة مفصلة، تتناول أجزاءها ودقائقها في كتب أو رسائل مفردة، يختص كل كتاب بمنحى من مناحي تلك الحياة المتشعبة. ولا يعني ذلك أن هؤلاء القدامى قد أغفلوا الجاهلية إغفالًا، بل لا يكاد كتاب عربي قديم يخلو من ذكر الجاهلية وحياة أهلها، ولكن الحديث عن هذه الجاهلية لم يكن يُقصد لذاته، فتسبر أغواره ويلم شتاته، وإنما كان يُقصد لغيره من موضوعات العصور الإسلامية التي كانوا يكتبون فيها، فيستطردون للحديث عن الجاهلية: متمثلين مستشهدين، أو مقابلين موازنين، أو واعظين منذرين،
стр. 51
أو ممهدين بين يدي حديثهم الأصيل تمهيدًا موجزًا يدخلون منه إلى الحديث عما يقصدون فيكاد يكون حديثهم عن الجاهلية حديثًا عابرًا منثورًا نثرًا متباعدًا في تضاعيف كتبهم وثنايا رسائلهم. ومن هنا كان لا بد للدارس المدقق، الذي يبحث في العصر الجاهلي، من أن يقرأ الكتاب العربي القديم قراءة متمعنة دقيقة، يجرده فيها جردًا كاملًا من عنوانه حتى ختامه، لا يغنيه عن ذلك تبويب الكتاب، ولا هذه الفهارس الدقيقة الشاملة التي يضعها المحدثون للطبعات الحديثة من تلك الكتب القديمة.
وكان من أثر هذا الذي قدمنا أن أخبار حضارة الجاهلية جاءت في هذه الكتب ناقصة شائهة، ثم متناقضة متنافرة في الكتاب الواحد للمؤلف الواحد.
ولكن الصفة الغالبة والسمة الظاهرة التي لا يكاد يشذ عنها كتاب قديم، هي وصف تلك الجاهلية بأنها كانت قليلة الحظ من كل عمران ورقي، بعيدة عن كل مظهر من مظاهر الحضارة والمدنية، وأن العرب كانوا أمة أمية جاهلة لا حظ لها من علم أو معرفة أو كتابة.
ولتجهيل الجاهلية في الكتب العربية أمثلة عديدة أكثر من أن تُستقصى، وحسبنا منها بعضها الذي يشير إلى أميتهم وجهلهم بالكتابة:
قال الجاحظ١: "وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال.. ثم لا يقيده "العربي" على نفسه ولا يدرسه أحدًا من ولده. وكانوا أميين لا يكتبون".
مع أن الجاحظ نفسه، الذي ينكر على العرب معرفتهم بالكتابة، ويعمهم بوصف الأمية، لا ينكر على أي جنس من الأجناس وأمة من الأمم ذلك، فيقول٢: "وليس في الأرض أمة بها طرق أو لها مسكة، ولا جيل لهم قبض وبسط، إلا ولهم خط ... ".
وابن سعد في طبقاته يسمِّي عددًا كبيرًا من الرجال كانوا يكتبون في الجاهلية،
стр. 52
ولكنه لا يكاد يذكر ذلك حتى يعقب عليه بقوله: "وكانت الكتابة في العرب قليلة". وهو يقول ذلك في كل مرة يذكر فيها كاتبًا في الجاهلية، لا يكاد يُخِل بذلك مرة واحدة، ذلك مع أننا جمعنا من كتابه وحده عددًا وافرًا من الأخبار عن الكتابة في الجاهلية وأسماء الذين كانوا يكتبون.
ومن أمثلة ذلك أيضًا ما يردده بعضهم من أنه لم يكن أحد يكتب بالعربية حين جاء الإسلام إلا بضعة عشر نفرًا١.
وهذا عبد القادر البغدادي صاحب الخزانة يورد بيت الحطيئة٢:
سيرى أمام فإن الأكثرين حصًا ... والأكرمين، إذا ما ينسبون، أبا
ثم يقول: "معنى الحصا: العدد، وإنما أطلق على العدد؛ لأن العرب أميون لا يقرءون ولا يعرفون الحساب، إنما كانوا يعدون بالحصا، فأطلق الحصا على العدد!! " أفبعد هذا تجهيل؟ أو بعد هذا أمية وبدائية؟ ٣.
وكان من أثر هذه المحاولة التي ترمي إلى تجهيل الجاهلية أن امتد أثرها إلى تجهيل الصحابة أنفسهم -رضي الله تعالى عنهم- بالكتابة، ونعتهم بالأمية.
وما ذلك إلا مبالغة في وصم الجاهلية نفسها بهذا الجهل؛ لأن هؤلاء الصحابة، أو كثرتهم الكاثرة، إنما نشئوا وتم تكونهم الثقافي الفكري في الجاهلية. فقد قال عالم جليل هو ابن قتيبة حين تعرض في حديثه لسماح الرسول الكريم لعبد الله بن عمرو بتقييد الحديث، قال ابن قتيبة٤: "لأنه "أي عبد الله بن عمرو" كان قارئًا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة
стр. 53
أميين، لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي".
ولا ريب أن هذا القول من ابن قتيبة افتئات على الحقيقة التاريخية، وتعميم لا سند له من الحق. ولو قال ابن قتيبة إن بعض الصحابة كان أميًّا لكان قوله سليمًا لا ريب فيه، أو لو قال إن أكثر الصحابة كان أميًّا لقبلنا هذا القول على أنه حق أو على أنه تجوز وتعميم لا يبعدان عن الحق كثيرًا. أما أن يقول إن الصحابة كانوا "أميين لا يكتب منهم إلا الواحد أو الاثنان" ثم لا يلبث أن يستنكر عليهم أن يكون منهم كاتب واحد أو كاتبان فيستدرك بقوله: "وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي" فذلك هو الإسراف الذي ننكره. وكيف لا ننكره وكتب الطبقات والرجال تعد من الصحابة عشرات بعد عشرات كلهم كاتب ضابط لما يكتب؟ وقد نسي ابن قتيبة في سَوْرة رغبته في تجهيل الجاهلية أن هؤلاء الصحابة الكاتبين إنما تعلم أكثرهم الكتابة في الإسلام لا في الجاهلية، وأن حض الرسول الكريم المسلمين والصحابة على التعلم، وأمره إياهم بتعلم الكتابة خاصة، وعناية المسلمين والصحابة بذلك كلها أمور في غنى عن الإفاضة في الشرح والاستشهاد.
ولا بد لنا من أن نستدرك قبل أن نمضي، وننبه على أن القرآن الكريم قد وصف العرب في جاهليتهم بأنهم أميون، وورد ذلك في ثلاث آيات. قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠] ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] ؛ وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُم﴾ [الجمعة: ٢] .
стр. 54
غير أن هذا الوصف بالأمية لا يعني -في رأينا- الأمية الكتابية ولا العلمية، وإنما يعني الأمية الدينية، أي أنهم لم يكن لهم قبل القرآن الكريم كتاب ديني، ومن هنا كانوا أميين دينيًّا، ولم يكونوا مثل "أهل الكتاب" من اليهود والنصارى، الذين كان لهم التوراة والإنجيل.
ومن الأدلة التي نسوقها للاحتجاج لهذا الرأي أن القرآن الكريم قد وصف فريقًا من أهل الكتاب بالأميين، وذلك في قوله تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٨، ٧٩] . فأمية هذا الفريق ليست أمية كتابية؛ لأنه قد أخبر أنهم كانوا يكتبون بأيديهم، وإنما هي أمية دينية، أي جهل بالدين وإنكار له وعدم تصديق، ومن أجل هذا فسر ابن عباس هاتين الآيتين فيما رواه ابن جرير الطبري بإسناده إليه١، قال: "ومنهم أميون؛ قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله. وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين، لجحودهم كتب الله ورسله".
وأما قوله ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب".
فلا ينقض ما قدما من رأي، وذلك لأنه قال ذلك في حديث الصيام عن رؤية الهلال، وفي الحديث بقية، وهو كاملًا: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا".
стр. 55
فهذا الحديث -أولًا- لا يعني إلا ضربًا خاصًّا من الكتابة والحساب، هو حساب سير النجوم، وتقييد ذلك بالكتابة لمعرفة مطلع الشهر؛ فقد أخبر أن هذا الضرب من العلم المدون المسجل القائم على الحساب والتقويم لم يكن للعرب عهد به، ومن هنا علق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير.
وهذا الحديث -ثانيًا- لا يعني نفي الكتابة والحساب نفيًا عامًّا شاملًا, وذلك لأن عرب الجاهلية قد كانوا يكتبون ويحسبون، وإنما هو نفي لأن تكون الكتابة وأن يكون الحساب نظامًا عامًّا متبعًا في كل الشئون كما كان ذلك عند بعض الأمم الأخرى ذات التقاويم الفلكية.
ومن أجل هذا رأينا أن الحديث لا ينقض ما قدمنا من أمر معرفة العرب بالكتابة بعد أن أقمنا عليها من الشواهد والأدلة ما أقمنا.
-٢-
لقد فرغنا منذ قليل من الإشارة إلى أن عرب الجاهلية قد عرفوا الكتابة العربية بهذا الخط الذي عرفه الصحابة، رضوان الله عليهم، في صدر الإسلام، وأن معرفة الجاهليين بهذه الكتابة قد امتدت، في الجاهلية، ثلاثة قرون على أقل تقدير، وأن ذلك ثبت بالبرهان القاطع، والدليل المادي الملموس الذي لا سبيل إلى دفعه. وسنفصل القول هنا، وفيما سيتلو من صفحات، في معرفة الجاهلية بالكتابة تفصيلًا يدعم ما أظهرته لنا النقوش الجاهلية ويزيد جوانب الأمر جلاءً ووضوحًا١.
стр. 56
ونحب أن نبدأ حديثنا بإيراد نص لابن فارس، مشرق العبارة، ناصع الحجة، هو خير ما قرأناه في هذا الموضوع. قال ابن فارس بعد أن عرض لذكر بعض الأعراب ممن كان لا يحسن الكتابة١: " ... فأما من حُكي عنه من الأعراب الذين لم يعرفوا الهمز والجر والكاف والدال، فإنا لم نزعم أن العرب كلها، مدرًا ووبرًا، قد عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها. وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم: فما كل يعرف الكتابة والخط والقراءة، وأبو حية "النميري الذي لم يعرف الكاف" كان أمس، وقد كان قبله بالزمن الأطول من يعرف الكتابة ويخط ويقرأ، وكان في أصحاب رسول الله ﷺ كاتبون.. أفيكون جهل أبي حية بالكتابة حجة على هؤلاء الأئمة؟ والذي نقوله في الحروف هو قولنا في الإعراب والعروض. والدليل على صحة هذا وأن القوم قد تداولوا الإعراب أنا نستقرئ قصيدة الحطيئة التي أولها:
شاقتك أظعان لليـ ... لي دون ناظرة بواكر
فنجد قوافيها كلها عند الترنم والإعراب تجيء مرفوعة، ولولا علم الحطيئة بذلك لأشبه أن يختلف إعرابها؛ لأن تساويها في حركة واحدة -اتفاقًا من غير قصد- لا يكاد يكون.
فإن قال قائل: فقد تواترت الروايات بأن أبا الأسود أول من وضع العربية، وأن الخليل أول من تكلم في العروض، قيل له: نحن لا ننكر ذلك، بل نقول إن هذين العِلْمَين قد كانا قديمًا، وأتت عليهما الأيام، وقلَّا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامان، وقد تقدم دليلنا في معنى الإعراب. وأما العروض فمن الدليل على أنه كان متعارفًا معلومًا اتفاق أهل العلم على أن المشركين لما سمعوا
стр. 57
القرآن قالوا -أو من قال منهم-: إنه شعر. قال الوليد بن المغيرة منكرًا عليهم: لقد عرضت ما يقرؤه محمد على أقراء الشعر: هزجه ورجزه وكذا وكذا، فلم أره يشبه شيئًا من ذلك. أفيقول الوليد هذا وهو لا يعرف بحور الشعر؟ ...
ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر. فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنًا في مثل "الخبء" و"الدفء" و"الملء" فصار ذلك كله حجة، وحتى كره من العلماء ترك اتباع المصحف من كره".
فابن فارس يذهب إذن إلى تقرير معرفة بعض العرب في الجاهلية وصدر الإسلام بالكتابة معرفة دقيقة، ثم يذهب إلى أبعد من هذا حين يقرر معرفتهم بعلوم اللغة وقواعدها وعروضها؛ ويرد على من يذهب إلى استحداث هذه العلوم بعد الإسلام بدهر ردًّا يغنينا عن أن نتصدى نحن له. ومع أن ابن فارس قد قيد كلامه هذا بقوله: "فإنا لم نزعم أن العرب كلها: مدرًا ووبرًا، قد عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها، وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم: فما كل يعرف الكتابة والخط والقراءة ... "، نقول: مع أن ابن فارس قيد كلامه وحصر معرفة العرب بهذه العلوم في أهل المدر والبيئات المتحضرة، إلا أننا، فضلًا عن ذلك، نستبعد أن يكون العرب، حتى أهل المدر، قد عرفوا النحو والعروض من حيث هما علمان لهما مصطلحات وقواعد، بالمعنى الذي عرفه المسلمون بعد ذلك. والأرجح أن ابن فارس يقصد أن العرب كانوا يعرفون من أمر النحو ومن أمر العروض وعيوب القافية ما يستطيعون به أن يميزوا الصحيح من الخطإ، وما أصبح بعد ذلك أساسًا لعلمي النحو والعروض. فإن كان ابن فارس يعني هذا الذي قدمناه، فإننا نحب أن نضيف إلى ما أورد أمثلة أخرى تسند أمثلته وتقويها.
стр. 58
فمن أمثلة ما ذكره عن معرفة الجاهليين بالعروض ما أورده ابن سعد والزمخشري في حديث إسلام أبي ذر الغفاري١، وذلك قول أبي ذر: "قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة بمكة. فانطلق، فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: ساحر كاهن شاعر. وكان أنيس أحد الشعراء فقال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلا يلتئم على لسان أحد..".
ومثل ثانٍ لمعرفتهم بالعروض وعيوب القافية، ما ذكره أبو عبيدة قال٢: "حدثني أبو عمرو بن العلاء قال: فحلان من الشعراء كانا يقويان: النابغة وبشر بن أبي خازم: فأما النابغة فدخل يثرب فغُنِّى بشعره، ففطن فلم يعد إلى إقواء. وأما بشر فقال له سوادة أخوه: إنك تقوى. فقال له: وما الإقواء؟ " وفي رواية أخرى "فقال له أخوه سمير: أكفأت وأسأت. فقال: وما ذاك؟ ".
فقد كان القوم إذن يعرفون الإكفاء والإقواء، وإن جهله أحدهم أو بعضهم فاحتاج إلى من يذكِّره به ويعرفه إياه.
ومثل ثالث: تلك القصة التي جرت بين النابغة الذبياني وحسان بن ثابت٣، ولا يعنينا منها إلا قول النابغة لحسان حين أنشده قصيدته التي فيها:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
قال النابغة: "أقللت جفانك وأسيافك! " وذلك لأن "أسيافًا" جمع لأدنى العدد، والكثير "سيوف"، و"الجفنات" لأدنى العدد، والكثير "جفان".
فهل كان النابغة يعرف جموع القلة وجموع الكثرة؟ لست أدري لم ننكر عليه ذلك بالمعنى الذي أوضحناه، إلا أن يكون إنكارنا ضربًا من ضروب "تجهيل الجاهلية" الذي أسلفنا الإشارة إليه.
стр. 59
فإذا كان القوم، أبو بعض القوم، يعرفون الكتابة وبعض ضروب المعرفة الأخرى فأين تراهم تعلموها؟ أتناقلوها تناقلًا شفهيًّا عابرًا من غير أن يقصدوا إلى تعلمها قصدًا، ومن غير أن يعمدوا إلى معرفتها عمدًا؟ أم أخذوها عن مسلمين كانوا منقطعين إلى تعليمها في أماكن خاصة أعدت لتلقي هذه الضروب من المعرفة؟
أما وجود المعلمين في الجاهلية فأمر ثابت منصوص عليه في وضوح لا يقبل الشك، فقد عقدت بعض المصادر العربية فصلًا خاصًّا أثبتت فيه جريدة بأسماء المعلمين في الجاهلية والإسلام١. فمن هؤلاء المعلمين في الجاهلية: عمرو بن زرارة، وكان يسمى كذلك الكاتب؛ وغيلان بن سلمة بن معتب، جاهلي أسلم يوم الطائف، والطائف هي التي أخرجت، بعد غيلان، يوسف بن الحكم الثقفين وابنه الحجاج بن يوسف المعلمين فيها، وشهرة الطائف، وقبيلة ثقيف خاصة، بالكتابة وإتقانها منذ الجاهلية، دعت عمر بن الخطاب إلى أن يجعل كتبة المصحف من قريش وثقيف، ودعت عثمان بن عفان إلى أن يقول: "اجعلوا؟؟؟ من هذيل والكاتب من ثقيف". بل إن هذه المصادر لتذكر أن بشر بن عبد الملك السكوني لم يمنعه شرفه، ولا كونه أخا أكيدر صاحب دومة الجندل، من أن يكون معلمًا في الجاهلية.
وأما تعلم الكتابة في مدارس خاصة بهذا الغرض فأمر لا يقل عن سابقه يقينًا وثباتًا، فقد ذكر ابن سعد والطبري٢ أن جفينة -وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة ظئرًا لسعد بن أبي وقاص- أقدمه للصلح الذي بينه وبينهم، وليعلم بالمدينة الكتابة.
وذكر البلاذري نقلًا عن الواقدي أنه٣: "كان الكتاب في الأوس
стр. 60
والخزرج قليلًا، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون".
وذكر الطبري أنه١ "حين نزل خالد بن الوليد الأنبار رآهم يكتبون العربية ويتعلمونها". وقال ياقوت٢: إن خالد بن الوليد لما خرج إلى عين تمر وجدوا في كنيسة صبيانًا يتعلمون الكتابة في قرية من قرى عين التمر يقال لها النقيرة، وكان فيهم حمران مولى عثمان بن عفان ﵁.
وقال أمية بن أبي الصلت يمدح بني إياد٣:
قوم لهم ساحة العراق إذا ... ساروا جميعًا والقط والقلم
وذكروا كذلك أن عدي بن زيد العبادي حين نما "وأيفع طرحه أبوه في الكُتَّاب"٤ حتى حذق العربية.
وكما كانت الكتابة في الجاهلية تدرس وتعلم في الكُتَّاب، كانت للعلم مجالس تعقد فتتدارس فيها الأخبار والأشعار والأنساب. قال ابن عباس رضي الله عنه٥: "كانت قريش تألف منزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه لخصلتين: العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان مجالسه".
وكان في الجاهلية من ينصب نفسه لتعليم الأخبار وقصص التاريخ، فيقصده من يقصده يستمليها ويكتبها، وقد أنبأنا النبأ اليقين بذلك كتاب الله، قال تعالى٦:
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ .
стр. 61
وذهب المفسرون والمؤرخون إلى أن هذه الآية نزلت في بعض من كان يقول ذلك، مثل: النضر بن الحارث، الذي "كان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسًا فدعا فيه إلى الله تعالى، وتلا فيه القرآن، وحذر فيه قريشًا ما أصاب الأمم الحالية خلفه في مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم السنديد، وعن اسفنديار، وملوك فارس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثًا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين، اكتتبها كما اكتتبتها"١.
فقد كان إذن في الجاهلية معلمون يعلمون القراءة والكتابة وضروبًا من العلم، منها: أخبار الأولين وقصص التاريخ؛ وقامت في البيئات الجاهلية المتحضرة مثل: مكة والمدينة والطائف والحيرة والأنبار وغيرها مدارس يتعلم فيها الصبيان الكتابة العربية.
-٣-
ولشيوع الكتابة في الجاهلية أمثلة أخر كثيرة، لعل من أنصعها بيانًا ما أورده الجهشياري٢، وابن عبد ربه٣، والمسعودي٤، من ذكر أسماء الذين كتبوا لرسول الله ﷺ ؛ فقد جعلوهم مراتب، وقدروهم منازل: فكُتَّاب يكتبون بين يديه ﷺ فيما يعرض من أموره وحوائجه، وآخرون يكتبون بين الناس المداينات وسائر العقود والمعاملات، وآخرون يكتبون أموال الصدقات، وكاتب يكتب خرص الحجاز٥، وآخر يكتب مغانم رسول
стр. 62
الله ﷺ ، وثالث يكتب إلى الملوك ويجيب رسائلهم ويترجم بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، وكتاب آخرون يكتبون الوحي. ثم يعقب المسعودي بعد أن ينتهي من ذكر أسماء هؤلاء الكتاب واختصاصهم بقوله: "وإنما ذكرنا من أسماء كتابه ﷺ من ثبت على كتابته، واتصلت أيامه فيها، وطالت مدته، وصحت الرواية على ذلك من أمره، دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة إذ كان لا يستحق بذلك أن يُسمى كاتبًا ويضاف إلى جملة كُتَّابه".
فأي شيوع نرجوه للكتابة أكثر من أن يبلغ الكاتبون من الكثرة منزلة تجعلهم يتخصصون في أنواع ما يكتبون، يستقل كل فرد منهم أو كل جماعة بضرب واحد؟ وما أكثر هؤلاء الكتاب الذين يورد المسعودي ما شاء من أسمائهم ثم يقول إنه أغفل تسمية الذين كتبوا الكتاب الواحد والكتابين والثلاثة إذ كانوا لا يستحقون بذلك أن يُسموا كتابًا!! إن هذه الكثرة في عدد الكاتبين هي التي دعت عمر بن الخطاب إلى أن يقول١: "لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف"، ودعت كذلك عثمان بن عفان إلى أن يقول: "اجعلوا المملي من هذيل والكاتب من ثقيف"؛ إذ لو كانت الكتابة قليلة بين العرب لقبل عمر وعثمان من أي كاتب أن يكتب، فحسبهما أن يعثرا على كاتب، ولما كان لهما هذا المجال للانتقاء والاختيار.
وعلى ضوء ما قدمنا نستطيع أن نفهم فداء الأسرى في بدر حين أذن الرسول ﷺ لمن كان كاتبًا من الأسرى أن يفدي نفسه بتعليم عشرة من صبيان المسلمين الكتابة والقراءة٢. إذ لا ريب أن هذا الإذن لم يكن منصبًّا على حالة فردية، وإنما يدل على أن هؤلاء الكاتبين من الأسرى كانوا جماعات.
ثم ما قيمة هذه الكتب التي كان يكتبها رسول الله ﷺ للأفراد
стр. 63
والقبائل يؤمنهم فيها، إذا لم يكن القوم يعرفون القراءة حتى يتم للمؤمن هدفه من بلوغ الأمن عند من يتعرض له١.
وكانت الكتابة في الجاهلية شرطًا لا بد منه للعربي ليكون ذا مكانة في قومه.
فقد كان من يحسن العوم والرمي والكتابة يسمى كاملًا٢؛ وقد زاد بعضهم أن الكامل لا بد أن يكون -مع معرفته العوم والرماية والكتابة- شاعرًا شجاعًا٣.
وهذه الخصال، متفرقة، كثيرة شائعة بين القوم آنذاك، وإن كانت، مجتمعة، أقل من ذلك شيوعًا وكثرة. فكم كان في العرب آنذاك من شاعر! وكم كان فيهم من شجاع! وكم كان فيهم من رامٍ! وكم كان فيهم ممن يعرف العوم؛ فلِمَ تكون الكتابة وحدها -من بين هذه الخصال كلها- عزيزة نادرة؟ ولم لا نقول -كما قلنا في الخصال الأخرى-: وكم كان في العرب آنذاك من كاتب! ثم إذا كانت الكتابة شرطًا لا بد منه ليكون المرء من الكملة، فلمَ لا يكون الساعون إلى الكمال كثيرين؟
-٤-
ولم يكن العربي يكتفي بمعرفة الكتابة العربية وحدها، بل لقد تجاوز -فيما يبدو- هذه المرحلة الأولى من تعلم الكتابة، واضطرته أحوال معاشية تجارية، وأخرى فكرية ثقافية، إلى أن يتعلم كتابة اللغات الأخرى. فقد مر بنا أن عدي بن زيد العبادي تعلم في الكتاب الخط العربي ثم الخط الفارسي "فصال أفصح
стр. 64
الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية، ثم انتقل إلى بلاد فارس فأصبح كاتبًا بالعربية ومترجمًا في ديوان كسرى"١. وكذلك كان لقيط بن يعمر الإيادي كاتبًا بالعربية ويحسن الفارسية، فكان من أجل ذلك مترجمًا في ديوان كسرى. وكان ورقة بن نوفل "يكتب الكتاب العبراني فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب"٢. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص كثير العناية بكتب أهل الكتاب٣، وكان يقرأ بالسريانية٤. وزيد بن ثابت تعلم على عهد رسول الله ﷺ الكتابة العبرانية٥ والسريانية٦ والفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن٧. ويبدو أن كتب أهل الكتاب، سواء أكانت مترجمة إلى العربية أم مكتوبة بغيرها من اللغات، كانت تلقى من العناية لدى بعض العرب ما يحملهم على مدارستها؛ ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما ذكره خالد بن عرفطة قال٨: كنت جالسًا عند عمر، إذ أتي برجل من عبد القيس، سكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان ابن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم. فضربه بقناة معه. فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس. فجلس، فقرأ عليه "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إلى ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ". فقرأها عليه ثلاثًا، وضربه ثلاثًا. فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ قال: مرني بأمرك أتبعه. قال: انطلق
стр. 65
فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه ولا تقريه أحدًا من الناس فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكتك عقوبة١. ثم قال له: اجلس. فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ : ما هذا في يدك يا عمر؟ قال: قلت: يا رسول الله كتاب انتسخته لنزداد به علمًا إلى علمنا. فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه ...
وكما كان بعض العرب يعرفون اللغات الأخرى ويكتبونها فقد كان بين الأقوام الأخرى من يعرف العربية ويكتبها، فقد كان بعض اليهود في المدينة يعرف الكتابة العربية٢، وكان في مصر من يكتب العربية كذلك٣، كما كان في بلاط كسرى كتاب ومترجمون يكتبون العربية ويترجمون منها إلى غيرها من اللغات، ومن تلك اللغات إلى العربية.
ولم يكن الرجال وحدهم هم الكاتبين القارئين، وإنما كان بعض النساء كذلك يكتبن٤، ومنهن: الشفاء بنت عبد الله العدوية، من رهط عمر بن الخطاب، "وكانت الشفاء كاتبة في الجاهلية"؛ وهي التي علمت الكتابة حفصة بنت عمر زوج الرسول الكريم.
стр. 66
وحقيق بنا، ونحن نتحدث عن الكتابة في الجاهلية وشيوعها، ألا نغفل الإشارة إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي ذكرت الكتابة. أما الآيات الكريمة التي تضمنت الإشارة إلى معرفة الجاهلية العربية بالكتابة معرفة واسعة عميقة، فحسبنا أن نقتصر على ذكر ثلاث منها، والحق أن قيمة هذه الآيات لا تقتصر على وضوح دلالتها، وإنما تتجاوز ذلك إلى قيمتها التاريخية إذ أنها وثيقة أولى لا سبيل إلى التشكيك فيها.
أما الآية الأولى فقد أشرنا إليها من قبل في معرض حديثنا عن مجلس العلم في الجاهلية، إذ أنها تبين عن أن بعض الجاهليين كانوا يدونون الأخبار والقصص والتاريخ، وأن هناك من كان يملي هذه الموضوعات في مجالسه، قال تعالى١:
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ .
والآية الثانية تبين عن أن عرب الجاهلية كانوا يطالبون الرسول بآيات ومعجزات تقنعهم بنبوته، ومن هذه الآيات والمعجزات، أن ينزل عليهم كتابًا من السماء يقرءونه، قال تعالى٢:
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ... أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
وفي الآية الثالثة يشير تعالى إلى أن هؤلاء العرب مكابرون، وسيشكون في هذا الكتاب ولو نزل عليهم في صورة مادية يرونها ويلمسونها. قال تعالى٣:
стр. 67
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
أما الأحاديث فكثيرة، متضاربة في ظاهرها، تناولها علماء الحديث والفقه بالبحث، وسنعود إليها في مكان آخر حين نتحدث عن نشأة التدوين في الفصل التالي. وحسبنا الآن أن نشير غلى كتاب "تقييد العلم" للخطيب البغدادي؛ فقد قسم المؤلف كتابه أقسامًا، عرض في أحدها الأحاديث الناهية عن الكتابة، وعرض في قسم آخر الأحاديث المبيحة للكتابة الحاثة على تقييد العلم. ثم خلص من هذا وذاك إلى ما يراه في هذا الموضوع فيقول١: "فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول، إنما هي لئلا يضاهَى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، ونُهِيَ عن الكتب القديمة أن تتخد؛ لأنه لا يُعرف حقها من باطلها وصحيحها من فاسدها، مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمنًا عليها. ونُهِيَ عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره؛ لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُؤمَن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام الرحمن".
فالخطيب البغدادي إذن إنما يرجع سبب النهي عن الكتابة في الحديث النبوي إلى "قلة الفقهاء في ذلك الوقت"، ولم يرجعها إلى قلة الكاتبين أو إلى أن العرب والصحابة كانوا أميين كما ذهب كثير من الذين يلقون الكلام إلقاء عامًّا لا تحقيق فيه ولا تدقيق. بل إننا لنزيد على ذلك فنرى أن هذه الأحاديث نفسها الناهية عن الكتابة إنما تدل على وجود الكتابة وشيوعها آنذاك شيوعًا جعل الرسول الكريم ينهاهم عن كتابة الحديث. ولولا ذاك لكان في غنى عن هذا النهي.
стр. 68
الفصل الثاني: موضوعات الكتابة وأدواتها
موضوعات الكتابة في الجاهلية:
-١-
وصلنا -بعد الذي قدمنا من شواهد وأدلة- إلى مفصل من الأمر نطمئن عنده إلى أن الكتابة كانت شائعة عند عرب الجاهلية شيوعًا يكفى لأن ينفي عنهم ما ألحقه بهم تاريخنا الأدبي من وصمة الجهل والأمية. ولعلنا في غنى عن أن نقرر أننا -في حكمنا هذا بشيوع الكتابة في الجاهلية- لا نملك الوسيلة التي تحدد لنا مدى هذه الوسيلة عند سائر الأمم التي سبقت عرب الجاهلية أو عاصرتهم أو تلتهم. فعلم الإحصاء علم حديث النشأة لم نعرفه إلا في عصرنا الحديث، وبغيره لا سبيل إلى القطع الجازم في مدى شيوع الكتابة عند أية أمة من الأمم الأرض١. وحكمنا على عرب الجاهلية لا يختلف عن حكمنا عن الإغريق أو
стр. 69
البابليين أو الفينيقيين أو المصريين القدماء في إبان حضارتهم. فهل كانت الكتابة شائعة عند الإغريق والفينيقيين والمصريين القدماء؟ أحسب أن نعم. وهل كان شيوعًا عامًّا يشمل كل فرد في تلك الأمم؟ أو كان تعميمًا غالبًا يشمل الكثرة الكاثرة منها؟ سؤال لا سبيل إلى القطع فيه، ولكن المنطق المادي لتاريخ أدوات الكتابة وآلاتها يجعلنا نرجح أن الشيوع العام الشامل أو التعميمي الغالب عسير المنال في مثل تلك الأطوار التاريخية. بل ما لنا نبعد والأمثلة قريبة بين أيدينا؟ فهل الكتابة شائعة الآن في البلاد العربية؟ لا ريب أنها كذلك، وأمثلة شيوعها واضحة في هذه الجامعات والمعاهد العالية، والمدارس المختلفة، والمطبوعات والمنشورات والصحف؛ فهل شيوعها عام شامل لكل فرد، أو هو تعميمي غالب يشمل الكثرة الكاثرة؟ الحق أنه لا هذا ولا ذاك. ومع أننا نفتقد الإحصاء الدقيق إلا أن المعروف أن شيوع الكتابة في البلاد العربية، لعصرنا هذا, لا يشمل إلى نسبة ضئيلة من قطان هذه البلاد تتراوح بين عشرين وثلاثين لكل مائة. أما الثمانون أو السبعون الباقون من كل مائة فما زالوا بعديدين عن أن تصل إليهم معرفة الكتابة. ومع أن هذه النسبة للكاتبين نسبة ضئيلة إلا أنه عددهم كبير، فهم -على قلتهم- يعدون بالملايين.
فنحن إذن لا نقصد بشيوع الكتابة بين عرب الجاهلية أن كل عربي آنذاك كان كاتبًا، بل لا نقصد أن الكثرة الغالبة كانت كاتبة، وإنما نقصد أن الكتابة كانت أمرًا معروفًا مألوفًا شائعًا عند قومنا آنذاك، كما كانت الأمية شائعة منتشرة؛ وأن عدد الكاتبين كان كبيرًا، كما كان عدد الأميين كبيرًا. أما تحديد العدد وتحديد النسبة فأمران لا سبيل لنا ولا لغيرنا إلى بيانهما.
بقي أمران يتم بهما هذا الفصل، أولهما: استقراء الموضوعات التي كان عرب الجاهلية يكتبونها، وثانيهما: الكشف عن أدوات الكتابة وآلاتها آنذاك.
стр. 70
أما موضوعات الكتابة في العصر الجاهلي فقد كانت -فيما يبدو لنا من استقرائنا- كثيرة متنوعة، فقد كان القوم آنذاك يكتبون كثيرًا من شئون حياتهم وألوانًا متعددة من الموضوعات التي يفرضها عليهم نشاطهم العملي أو العلمي أو الوجداني. ومع اعترافنا بأن اسقراءنا ناقص -بسبب إغفال المصادر العربية هذا اللون من النشاط العلمي في الجاهلية- فقد وصلنا إلى أمور نراها جديرة بالذكر والتسجيل. وسنسردها هنا غير مراعين في ترتيبنا لها تقديم الأهم على المهم، ولا الأكثر على الكثير؛ لأن الحكم على أهمية هذه الموضوعات أو كثرتها حكم لا نملك الآن وسائله.
وأول هذه الموضوعات التي كانوا يدونونها: الكتب الدينية: ونحن لا نشك في أن أهل الكتاب: اليهود والنصارى، كانت كتبهم مدونة بين أيديهم يتلونها، وأن هذه الكتب لم تكن نسخًا قليلة العدد موقوفة على الرهبان والأحبار وحدهم، وإنما كانت مصاحف كثيرة يتداولها أهل هاتين الديانتين، حتى إن المسلمين بعد فتح خيبر وجدوا مصاحف فيها التوراة فجمعوها ثم ردوها على اليهود١.
وقد مر بنا أن ورقة بن نوفل "كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب"٢. ومع أن هذا النص يشير إلى أن التوراة والإنجيل كانا مكتوبين بالعبرية أو السريانية٣، وأن بعض العرب كان يقرؤهما بهذه اللغة فإنه -مع ذلك- لا ينفي أن هذين الكتابين كانا يكتبان بالعربية، وأن بعض العرب كان يقرؤهما بهذه اللغة. فنحن نعلم أن قبائل عربية
стр. 71
كاملة كثيرة العدد كانت قد تهودت أو تنصرت١. فهل كان هؤلاء العرب لا يقرءون كتبهم الدينية؟ أو هل كانوا يقرءونها باللغة العبرية أو بغيرها من اللغات؟ وهل من المعقول أن نفترض أن هؤلاء العرب كانوا، حين يتهودون أو يتنصرون، يشترط فيهم أن يتعلمون العبرية أو الآرامية؟ الأقرب إلى المعقول أن نفترض أنهم كانوا يقرءون كتبهم الدينية مترجمة إلى لغتهم العربية. وليس هذا في الحق فرضًا أو استنتاجًا لا تدعمه النصوص، وإنما هو نتيجة أملتها علينا -مع سلامة المنطق- شواهد من الروايات:
ففي حديث سويد بن الصامت أنه قال لرسول الله ﷺ : لعل الذي معك مثل الذي معي! فقال: وما الذي معك؟ قال سويد: مجلة لقمان٢ يريد كتابًا فيه حكمة لقمان٣. فقال له رسول الله ﷺ : اعرضها علي. فعرضها عليه، فقال له: إن هذا لكلام حسن والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى، هو هدى ونور٤.
وقد مر بنا حديث خالد بن عرفطة حين كان جالسًا مع عمر بن الخطاب فأُتي برجل من عبد القيس نسخ كتاب دانيال، فضربه عمر وقال له: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ولا تقريه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة. ثم قال عمر: انطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ : ما هذا في يدك يا عمر؟ قلت: يا رسول الله كتاب
стр. 72
انتسخته. لنزداد به علمًا إلى علمنا فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه١.
وقال عمرو بن ميمون الأودي٢: كنا جلوسًا بالكوفة فجاء رجل، ومعه كتاب، فقلن: ما هذا الكتاب؟ قال: كتاب دانيال. فلولا أن الناس تحاجزوا عنه لقُتل، وقالوا: أكتاب سوى القرآن!
وقال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم٣: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟
وقال مُرة٤: بينما نحن عند عبد الله بن مسعود إذ جاء ابن قرة بكتاب قال: وجدته بالشام، فأعجبني فجئتك به. فنظر فيه عبد الله ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب. وتركهم كتابهم. ثم دعا بطست فيه ماء فماثه فيه ثم محاه فقال مُرة٥: أما إنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه ولكن كان من كتب أهل الكتاب.
يفهم من هذه الأخبار والأحاديث أن هذه الكتب كانت مكتوبة بالعربية لغة القوم، وإلا فهل كان سويد بن الصامت يحمل معه مجلة لقمان وهي مكتوبة بغير العربية؟ وهل قرأها على رسول الله بتلك اللغة وفهمها رسول الله؟ ثم هل كان هذا الرجل العربي من عبد القيس قد نسخ كتاب دانيال من لغة غير عربية؟ وهل نهاه عمر أن يقرأه وأن يقرئه أحدًا من الناس بتلك اللغة غير العربية؟ وهل كان ذلك شأن عمر حينما نسخ كتابًا من كتب أهل الكتاب فأغضب رسول الله؟ ثم هذا الكتاب الذي جاء به ابن قرة من الشام "فنظر فيه" عبد الله بن
стр. 73
مسعود ثم محاه؛ لأنه لم يكن من القرآن أو السنة وإنما كان من كتب أهل الكتاب، أترى عبد الله بن مسعود نظر فيه وعرف ذلك وهو مكتوب بغير العربية؟
فلعل القوم كانوا يكتبون الكتب الدينية بالكتابة العربية كما كانوا يكتبونها بغير العربية.
ومن الشعر الجاهلي الذي يشير إلى معرفة عرب الجاهلية بهذه الكتب الدينية قول خزز بن لوذان١:
وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم
قد خط ذلك في الزبو ... ر الأوليات القدائم
ومنه قول امرئ القيس٢:
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان
وقول السموءل يصف اليهود٣:
وبقايا الأسباط يعقو ... ب دراس التوراة والتابوت
وقول النابغة يمدح الغساسنة النصارى ويذكر الإنجيل٤:
مجلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب
стр. 74
-٣-
ولعل الموضوع الثاني الذي كانوا يكتبونه، حريصين على كتابته ما وسعهم الحرص، هو هذه العهود والمواثيق والأحلاف التي يرتبطون بها فيما بينهم أفرادًا وجماعات. قال الجاحظ١: "كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة تعظيمًا للأمر، وتبعيدًا من النسيان". وقد ورد ذكر هذه العهود المكتوبة في الشعر الجاهلي، قال الحارث بن حلزة اليشكري في شأن بكر وتغلب٢:
واذكروا حلف ذي المجاز وما ... قدم فيه، العهود والكفلاء٣
حذر الجور والتعدي، وهل ينـ ... ـقض ما في المهارق الأهواء؟
وذكر الجاحظ أنه "لا يقال للكتب:
مهارق، حتى تكون كتب دين أو كتب عهود وميثاق وأمان".
ومن الشعر الجاهلي الذي تذكر فيه هذه المهارق قول الأعشى٤:
ربي كريم لا يكدر نعمة ... وإذا يناشد بالمهارق أنشدا
وربه هذا إنما يعني به سيدًا كريمًا متفضلًا عليه -كما يتضح من البيت السابق لهذا البيت- والمهارق هنا قد تعني الكتب الدينية، فيصف هذا السيد بالتدين وبأنه يلبي داعي الدين إلى صلة المحروم وإعطاء المحتاج، وقد تعني المهارق كتب العهود والأحلاف، فيكون معنى البيت أن هذا السيد الكريم لا يخفر ذمته ولا ينقض عهده، وإنما يفي بما عاهد عليه، فإذا ما ذكره بهذه العهود المكتوبة في المهارق بادر إلى المحافظة عليها والوفاء بها.
стр. 75
ومن أوضح الشعر الجاهلي الذي يذكر هذا الضرب من تسجيل الأحلاف والعهود: قول درهم بن زيد الأوسي يُذكِّر الخزرج ما بينهم من عهود مكتوبة على الصحف١:
وإن ما بيننا وبينكم ... حين يقال: الأرحام والصحف
وقول قيس بن الخطيم٢:
لما بدت غدوة جباههم ... حنت إلينا الأرحام والصحف
يعني بالصحف: العهود والمواثيق والأحلاف المسجلة في الصحائف.
ومن الأحلاف التي كتبت في الجاهلية حلف خزاعة، بين عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ ورجال من خزاعة، وكتب لهم الحلف أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة، وعلقوا الكتاب في الكعبة٣؛ وقد جاء خزاعة رسول الله يوم الحديبية بكتاب جده فقرأه عليه أبي بن كعب٤.
وقد زعم أبو حنيفة الدينوري٥ أن عمر بن إبراهيم من ولد أبرهة بن الصباح ملك حمير أرسل إلى الكرماني نسخة حلف اليمن وربيعة الذي كان بينهم في الجاهلية. ثم أورد نص هذا الحلف.
ومن أشهر هذه العهود والمواثيق: صحيفة قريش التي تعاقدوا فيها "على بني هاشم وبني المطلب على ألا ينكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم٦".