← Адаб

Адаб · id 2055

مصادر الشعر الجاهلي

ناصر الدين الأسد

Полный текст (720 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كاملة كثيرة العدد كانت قد تهودت أو تنصرت١. فهل كان هؤلاء العرب لا يقرءون كتبهم الدينية؟ أو هل كانوا يقرءونها باللغة العبرية أو بغيرها من اللغات؟ وهل من المعقول أن نفترض أن هؤلاء العرب كانوا، حين يتهودون أو يتنصرون، يشترط فيهم أن يتعلمون العبرية أو الآرامية؟ الأقرب إلى المعقول أن نفترض أنهم كانوا يقرءون كتبهم الدينية مترجمة إلى لغتهم العربية. وليس هذا في الحق فرضًا أو استنتاجًا لا تدعمه النصوص، وإنما هو نتيجة أملتها علينا -مع سلامة المنطق- شواهد من الروايات: ففي حديث سويد بن الصامت أنه قال لرسول الله ﷺ : لعل الذي معك مثل الذي معي! فقال: وما الذي معك؟ قال سويد: مجلة لقمان٢ يريد كتابًا فيه حكمة لقمان٣. فقال له رسول الله ﷺ : اعرضها علي. فعرضها عليه، فقال له: إن هذا لكلام حسن والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى، هو هدى ونور٤. وقد مر بنا حديث خالد بن عرفطة حين كان جالسًا مع عمر بن الخطاب فأُتي برجل من عبد القيس نسخ كتاب دانيال، فضربه عمر وقال له: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ولا تقريه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة. ثم قال عمر: انطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ : ما هذا في يدك يا عمر؟ قلت: يا رسول الله كتاب

стр. 72

انتسخته. لنزداد به علمًا إلى علمنا فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه١. وقال عمرو بن ميمون الأودي٢: كنا جلوسًا بالكوفة فجاء رجل، ومعه كتاب، فقلن: ما هذا الكتاب؟ قال: كتاب دانيال. فلولا أن الناس تحاجزوا عنه لقُتل، وقالوا: أكتاب سوى القرآن! وقال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم٣: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ وقال مُرة٤: بينما نحن عند عبد الله بن مسعود إذ جاء ابن قرة بكتاب قال: وجدته بالشام، فأعجبني فجئتك به. فنظر فيه عبد الله ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب. وتركهم كتابهم. ثم دعا بطست فيه ماء فماثه فيه ثم محاه فقال مُرة٥: أما إنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه ولكن كان من كتب أهل الكتاب. يفهم من هذه الأخبار والأحاديث أن هذه الكتب كانت مكتوبة بالعربية لغة القوم، وإلا فهل كان سويد بن الصامت يحمل معه مجلة لقمان وهي مكتوبة بغير العربية؟ وهل قرأها على رسول الله بتلك اللغة وفهمها رسول الله؟ ثم هل كان هذا الرجل العربي من عبد القيس قد نسخ كتاب دانيال من لغة غير عربية؟ وهل نهاه عمر أن يقرأه وأن يقرئه أحدًا من الناس بتلك اللغة غير العربية؟ وهل كان ذلك شأن عمر حينما نسخ كتابًا من كتب أهل الكتاب فأغضب رسول الله؟ ثم هذا الكتاب الذي جاء به ابن قرة من الشام "فنظر فيه" عبد الله بن

стр. 73

مسعود ثم محاه؛ لأنه لم يكن من القرآن أو السنة وإنما كان من كتب أهل الكتاب، أترى عبد الله بن مسعود نظر فيه وعرف ذلك وهو مكتوب بغير العربية؟ فلعل القوم كانوا يكتبون الكتب الدينية بالكتابة العربية كما كانوا يكتبونها بغير العربية. ومن الشعر الجاهلي الذي يشير إلى معرفة عرب الجاهلية بهذه الكتب الدينية قول خزز بن لوذان١: وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم قد خط ذلك في الزبو ... ر الأوليات القدائم ومنه قول امرئ القيس٢: أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان وقول السموءل يصف اليهود٣: وبقايا الأسباط يعقو ... ب دراس التوراة والتابوت وقول النابغة يمدح الغساسنة النصارى ويذكر الإنجيل٤: مجلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب

стр. 74

-٣- ولعل الموضوع الثاني الذي كانوا يكتبونه، حريصين على كتابته ما وسعهم الحرص، هو هذه العهود والمواثيق والأحلاف التي يرتبطون بها فيما بينهم أفرادًا وجماعات. قال الجاحظ١: "كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة تعظيمًا للأمر، وتبعيدًا من النسيان". وقد ورد ذكر هذه العهود المكتوبة في الشعر الجاهلي، قال الحارث بن حلزة اليشكري في شأن بكر وتغلب٢: واذكروا حلف ذي المجاز وما ... قدم فيه، العهود والكفلاء٣ حذر الجور والتعدي، وهل ينـ ... ـقض ما في المهارق الأهواء؟ وذكر الجاحظ أنه "لا يقال للكتب: مهارق، حتى تكون كتب دين أو كتب عهود وميثاق وأمان". ومن الشعر الجاهلي الذي تذكر فيه هذه المهارق قول الأعشى٤: ربي كريم لا يكدر نعمة ... وإذا يناشد بالمهارق أنشدا وربه هذا إنما يعني به سيدًا كريمًا متفضلًا عليه -كما يتضح من البيت السابق لهذا البيت- والمهارق هنا قد تعني الكتب الدينية، فيصف هذا السيد بالتدين وبأنه يلبي داعي الدين إلى صلة المحروم وإعطاء المحتاج، وقد تعني المهارق كتب العهود والأحلاف، فيكون معنى البيت أن هذا السيد الكريم لا يخفر ذمته ولا ينقض عهده، وإنما يفي بما عاهد عليه، فإذا ما ذكره بهذه العهود المكتوبة في المهارق بادر إلى المحافظة عليها والوفاء بها.

стр. 75

ومن أوضح الشعر الجاهلي الذي يذكر هذا الضرب من تسجيل الأحلاف والعهود: قول درهم بن زيد الأوسي يُذكِّر الخزرج ما بينهم من عهود مكتوبة على الصحف١: وإن ما بيننا وبينكم ... حين يقال: الأرحام والصحف وقول قيس بن الخطيم٢: لما بدت غدوة جباههم ... حنت إلينا الأرحام والصحف يعني بالصحف: العهود والمواثيق والأحلاف المسجلة في الصحائف. ومن الأحلاف التي كتبت في الجاهلية حلف خزاعة، بين عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ ورجال من خزاعة، وكتب لهم الحلف أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة، وعلقوا الكتاب في الكعبة٣؛ وقد جاء خزاعة رسول الله يوم الحديبية بكتاب جده فقرأه عليه أبي بن كعب٤. وقد زعم أبو حنيفة الدينوري٥ أن عمر بن إبراهيم من ولد أبرهة بن الصباح ملك حمير أرسل إلى الكرماني نسخة حلف اليمن وربيعة الذي كان بينهم في الجاهلية. ثم أورد نص هذا الحلف. ومن أشهر هذه العهود والمواثيق: صحيفة قريش التي تعاقدوا فيها "على بني هاشم وبني المطلب على ألا ينكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم٦".

стр. 76

وكما كانوا يكتبون العهود والأحلاف بين الجماعات، كانوا كذلك يكتبون العهود والمواثيق بين الأفراد. ومن أمثلة ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال١: كاتبت أمية بن خلف كتابًا في أن يحفظني في صاغيى بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة٢. ويبدو أنهم كانوا يسجلون كل أمر عام ذي بال يتصل بمجموع الناس أو بجماعات منهم -إذا أرادوا لهذا الأمر توكيدًا أو أرادوا أن يشهدوا عليه الملأ- ولا يقتصرون في ذلك على الأحلاف والمواثيق. فمن أمثلة هذه الأمور العامة التي كانوا يسجلونها ما قاله أبو جهل للعباس بن عبد المطلب حين شاعت في مكة رؤيا أخته عاتكة بنت عبد المطلب، قال٣: "يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال٤: انفروا من ثلاث. فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب". ومما يتصل بكتابة العهود والمواثيق والأحلاف كتابة كتب الأمان، وربما كانت أقل من سابقتها إذ أنها لا تصدر إلا في حالات لا تتكرر كثيرًا. فمن ذلك كتاب النعمان الذي أرسله إلى الحارث بن ظالم وهو في مكة يؤمِّنه٥، فلما ذهب إليه الحارث ودخل عليه قال: أنعم صباحًا أبيت اللعن. قال النعمان: لا أنعم الله صباحك. فقال الحارث: هذا كتابك! قال النعمان: كتابي والله ما أنكره أنا كتبته لك ...

стр. 77

وكما كانوا يكتبون العهود والأحلاف بين الجماعات، كانوا كذلك يكتبون العهود والمواثيق بين الأفراد. ومن أمثلة ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال١: كاتبت أمية بن خلف كتابًا في أن يحفظني في صاغيى بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة٢. ويبدو أنهم كانوا يسجلون كل أمر عام ذي بال يتصل بمجموع الناس أو بجماعات منهم -إذا أرادوا لهذا الأمر توكيدًا أو أرادوا أن يشهدوا عليه الملأ- ولا يقتصرون في ذلك على الأحلاف والمواثيق. فمن أمثلة هذه الأمور العامة التي كانوا يسجلونها ما قاله أبو جهل للعباس بن عبد المطلب حين شاعت في مكة رؤيا أخته عاتكة بنت عبد المطلب، قال٣: "يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال٤: انفروا من ثلاث. فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب". ومما يتصل بكتابة العهود والمواثيق والأحلاف كتابة كتب الأمان، وربما كانت أقل من سابقتها إذ أنها لا تصدر إلا في حالات لا تتكرر كثيرًا. فمن ذلك كتاب النعمان الذي أرسله إلى الحارث بن ظالم وهو في مكة يؤمِّنه٥، فلما ذهب إليه الحارث ودخل عليه قال: أنعم صباحًا أبيت اللعن. قال النعمان: لا أنعم الله صباحك. فقال الحارث: هذا كتابك! قال النعمان: كتابي والله ما أنكره أنا كتبته لك ...

стр. 78

في آخر الخبر: "وكان الخط شبه خط النساء" ناقض لقوله إنه بخط عبد المطلب؟ أو أنه يقصد إلى القول إن هذا الخط الذي هو خط عبد المطلب شبه خط النساء؟ فنحن إذن نضعف ذلك الخبر على هذا الوجه الذي ورد عليه، وإن كنا مع ذلك لا نستطيع أن نقطع بنفيه؛ لأننا نرى أن الخبر في جوهره: وهو أن ثمة صكًّا ما فيه حق لعبد المطلب على رجل حميري لا سبيل إلى الطعن فيه. وقد كان كثير من القوم آنذاك تجارًا، فكان من الطبيعي أن يكثر عندهم هذا الضرب من الكتابة يحفظون به حقوقهم أن تضيع، حتى لقد كانت النساء التاجرات يلجأن إلى هذه الوسيلة، شأنهن في ذلك شأن الرجال. فقد رُوي أن عبد الله بن أبي ربيعة كان يبعث بعطر من اليمن إلى أمه أسماء بنت مخربة، وهي أم أبي جهل، فكانت تبيعه إلى الأعطية، فذهبت إليها الربيع بنت معوذ في نسوة من الأنصار ليشترين منها العطر؛ قالت الربيع: فلما جعلت لي في قواريري، ووزنت لي كما وزنت لصواحبي، قالت: اكتبن لي عليكن حقي. فقلت: نعم، اكتب لها على الربيع بنت معوذ ... ١ وقد حفظ لنا الشعر الجاهلي ذكر هذا الضرب من الصحف التي يسجل فيها الدين، قال علباء بن أرقم بن عوف من بني بكر بن وائل٢: أخذت لدين مطمئن صحيفة ... وخالفت فيها كل من جار أو ظلم وقال أبو ذؤيب الهذلي يصف كاتبًا من اليمن يكتب دينه على رجل آخر يُثني عليه الناس بالوفاء٣: عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزبره الكاتب الحميري

стр. 79

برقم ووشي كما زخرفت ... بميشمها المزدهاة الهدى أدان وأنبأه الأولو ... ن أن المدان الملي الوفي فنمنم في صحف كالريا ... ط فيهن إرث كتابٍ محي وثمة ضرب آخر من الصكوك، وهي التي يسجل فيها ما كان يقطعه الأمير أو السيد للمتعرض لنواله، وكان هذا الصك يُسمى: الوصر، والإصر، والأوصر، والوصرة. ووصره: أقطعه أرضًا وكتب له الوصر١. قال عدي بن زيد٢: فأيكم لم ينله عرف نائله ... دثرًا سوامًا وفي الأرياف أوصارا أي: أقطعكم وكتب لكم السجلات. وذكر شاعر، بعده، هذا الضرب من الصكوك فقال -يشير إلى فرسه: صدام، ويخاطب خاتمه٣: وما اتخذت صدامًا للمكوث بها ... ولا انتقشتك إلا للوصرات وهذا الضرب من الصكوك قد يسمى أيضًا القط، وجمعها: قطوط. قال الأعشى٤: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بإمته يُعطِي القطوط ويأفق أي: يدفع إلى الناس صكوكهم بما أقطعهم أو بما قسم لهم من جوائز. وقال المتلمس لما ألقى الصحيفة المشهورة في نهر الحيرة٥:

стр. 80

وألقيتها بالثني من جنب كافر ... كذلك أُلقِي كل قط مضلل وقد جاء ذكر القط أيضًا في التنزيل الحكيم، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ١ -٥- وضرب رابع أحسبه لا يقصر عن الضروب السابقة كثرة واتساعًا وخطرًا، وهو كتابة الرسائل بين الأفراد، يحملونها أخبارهم، ويضمنونها ما تتطلبه شئون حياتهم. ومن يقرأ أخبار الجاهلية في كتب الأدب أو كتب التاريخ يعجب لكثرة رسائلهم آنذاك، ويكد يلمس أن كتابة الرسائل في الجاهلية أمر مألوف ميسور شائع في شتى الشئون. وسنكتفي -توخيًا للإيجاز- بذكر أمثلة قليلة، ثم لا نثبت نصوصها بل نشير إشارة مقتضية إلى موضوعها. فمن رسائلهم التي كانوا يحملونها أخبارهم ما كتبه حنظلة بن أبي سفيان إلى أبيه -وكان أبو سفيان مع العباس بن عبد المطلب بنجران في اليمن- فكتب حنظلة إليه يخبره بقيام محمد بن عبد الله يدعو إلى الله٢. ومنها كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ في أمرهم، وكان كتابه إلى ثلاثة نفر: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، يقول فيه: إن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد بكتابي إليكم٣

стр. 81

ومنها رسالة الوليد بن الوليد بن المغيرة إلى أخيه خالد بن الوليد، وذلك أن خالدًا خرج من مكة فرارًا أن يرى رسول الله ﷺ وأصحابه في عمرة القضية، كراهة للإسلام وأهله، فسأل رسول الله ﷺ عنه الوليد، وقال: لو أتانا لأكرمناه، وما مثله سقط عليه الإسلام في عقله. فكتب بذلك الوليد إلى خالد أخيه، فوقع الإسلام في قلب خالد، وكان سبب هجرته١. وقدم على الحارث بن مارية الغساني الجفني رجلان من بني نهد بن زيد يقال لهما: حزن وسهل ابنا رزاح. وكان عندهما حديث من أحاديث العرب، فاجتباهما الملك، ونزلا بالمكان الأثير عنده، فحسدهما زهير بن جناب الكلبي -وكان ينادم الحارث ويحادثه- فقال له إنهما عين عليه للمنذر الأكبر -جد النعمان بن المنذر- "وهما يكتبان إليه بعورتك وخلل ما يريان منك"٢. وكانوا يكتبون الرسائل يطلبون فيها العون والنصرة، ومن أمثلة ذلك: كتاب قصي بن كلاب إلى أخيه ابن أمه رزاح بن ربيعة بن حرام العذري يدعوه إلى نصرته٣، وكتاب السموءل إلى الحارث بن أبي شمر الغساني يوصي بامرئ القيس لعله يمده بما يحقق له أمله٤. وكان المسافرون النازحون يكتبون إلى أهلهم بما يعرض لهم من أمور. فهذه أم سلمة لما قدمت المدينة، وذلك قبل زواجها برسول الله ﷺ ، أخبرتهم أنها بنت أبي أمية بن المغيرة، فكذبوها، وقالوا: ما أكذب الغرائب! "حتى أنشأ ناس منهم للحج، فقالوا: أتكتبين إلى أهلك؟ فكتبت معهم. فرجعوا إلى المدينة فصدقوها"٥.

стр. 82

وكتب الزبرقان بن بدر إلى زوجته أن تحسن إلى الحطيئة وتستوصي به خيرًا١. وقد كانوا يبدءون كتبهم هذه بـ "باسمك اللهم"، ويقال إن أمية بن أبي الصلت هو الذي علم أهل مكة ذلك فجعلوها في أول كتبهم٢. فكانت قريش تكتب في جاهليتها "باسمك اللهم" وكان النبي ﷺ كذلك، ثم نزلت سورة "هود" وفيها ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ، فأمر النبي ﷺ بأن يكتب في صدر كتبه "بسم الله"، ثم نزلت في سورة "بني إسرائيل: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فكتب "بسم الله الرحمن" ثم نزلت في سورة "النمل": ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فجعل ذلك في صدر الكتب إلى الساعة٣. -٦- وضرب سادس من الكتابة لا ندري عنه إلا النزر اليسير، ولكنا مع ذلك لا نستبيح إغفاله؛ لأننا في هذا الاستقصاء إنما نثبت كل ما عثرنا عليه، وعسى أن يكمل غيرنا ما فيه من نقص، أو يفصل ما فيه من إيجاز. وهذا الضرب السادس هو: مكاتبة الرقيق. وذلك أن يتفق العبد وسيده على قدر معلوم من المال يكون في الغالب مساويًا لثمنه، فإذا أداه لسيده عتق وأصبح حرًّا. وأغلب الظن أن هذا الاتفاق كان يتم في بعض الأحوال شفاهًا لا تسجيل فيه، ولكنه في حالات أخرى يسجل ويكتب، فقد رُوي أن أبا أيوب

стр. 83

الأنصاري ندم على مكاتبة مولاه أفلح، فأرسل إليه فقال: إني أحب أن ترد إليَّ الكتاب، وأن ترجع كما كنت. فقد لأفلح ولده وأهله: أترجع رقيقًا وقد أعتقك الله؟ فقال أفلح: والله لا يسألني شيئًا إلا أعطيته إياه. فجاءه بمكاتبته فكسرها١. وكذلك قال بكار بن محمد: "مكاتبة أنس بن مالك سيرين الصك في صحيفة حمراء عندنا: هذا ما كاتب عليه ... ، قال بكار: الطينة التي فيها الخاتم وسط الصحيفة والكتاب حولها"٢. والمرجح أن هذه المكاتبة لم تكن أمرًا مستحدثًا في الإسلام، وإنما كانت من أمور الجاهلية التي أقرها الإسلام وثبتها، وإنما كانت في الجاهلية تتوقف على رغبة السيد أو المالك، فقد يأذن لعبده أن يكاتبه وقد يمنعه. فلما جاء الإسلام فرض على المسلم أن يستجيب لعبده إذا أراد المكاتبة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ ... ﴾ ٣. ودليل وجود هذا الضرب من الكتابة في الجاهلية ما تذكره كتب التفسير من أسباب نزول هذه الآية، وذلك أنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له: صبح -وقيل صبيح- طلب من مولاه أن يكاتبه، فأبى، فأنزل الله تعالى هذه الآية فكاتبه حويطب٤. فقد طلب الغلام المكاتبة إذن قبل نزول هذه الآية، وذلك امتداد لما ألفوه قبل الإسلام، ولكن مولاه أبى عليه، حتى إذا نزلت الآية كاتبه. وبذلك أصبحت المكاتبة نظامًا ملزمًا في الإسلام.

стр. 84

-٧- وثمة موضوعات أخرى للكتابة فرعية جزئية، آثرنا أن نجمعها معًا ونقرنها في عقال واحد. فمنها: النقش في الخاتم. والخاتم على أنواع: أ- فمنها الخاتم الذي تختم به الرسائل، وقد ورد ذكره في الشعر الجاهلي، فمن ذلك قول امرئ القيس١: ترى أثر القرح في جلده ... كنقش الخواتم في الجرجس والجرجس هنا: إما الطين الذي يختم به، وإما الصحيفة نفسها. وقال المخبل السعدي يذكر رجلًا أعطاه النعمان بن المنذر خاتمه، ويقال لخاتم الملك الحلق٢: وأُعطِي منَّا الحلق منا الحلق أبيض ماجد ... رديف ملوك ما تغب نوافله ويقال إن أول من ختم الرسائل وطبعها عمرو بن هند٣ وذلك بعد الذي حدث من المتلمس في صحيفته. وقد كان لرسول الله ﷺ خاتم من ورق نقش عيه "محمد رسول الله"٤؛ وكذلك اتخذ الصحابة رضوان الله عليهم نقوشًا مختلفة٥.

стр. 85

وكانت هذه النقوش إما كتابة عربية وإما علامات وصورًا١. ب- ومن أنواع الخاتم: الطابع الذي تُطبع وتختم به أوعية الطعام أو الشراب، قال الأعشى٢: وصهباء طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها ختم ومن أسماء هذا الضرب من خاتم الطعام: الروسم، وهي خشبة مكتوبة بالنقر يختم بها الطعام والأكداس. والرواسيم كتب كانت في الجاهلية٣. ومن أنواع النقش: الحفر والكتابة على الخشب، فقد رُوي أن أبا سفيان حين أراد الخروج إلى أحد امتنعت عليه رجاله. فأخذ سهمين من سهامه، فكتب على أحدهما: نعم، وعلى الآخر: لا، ثم أجالهما عند هبل، فخرج سهم الإنعام، فاستجرهم بذلك٤! ومن تمام الحديث على النقش أن نشير إلى موضوع آخر كانوا ينقشونه وهو: شواهد القبور على الحجارة والصخور. وقد مر بنا طرف من ذلك حين تحدثنا عن نشأة الخط العربي، ونزيد عليه ما ذكره ابن النديم٥ من أن حجرًا عثر عليه بمسجد السور عند قبر المريين حينما حسم السيل عن الأرض، وفيه كتابة نقشها أسيد بن أبي العيص تشبه أن تكون شاهد قبر. بقي موضوع أخير هو كتابة النسب والشعر والأخبار: وقد أخرنا الإشارة إلى هذا الضرب من موضوعات الكتابة؛ لأننا نقصد إلى أن نخصه وحده بحديث وافٍ سنجعله موضوع الباب الثاني.

стр. 86

أدوات الكتابة في الجاهلية: -١- سيتناول حديثنا عن أدوات الكتابة ثلاث نقط؛ الأولى: المواد التي كانوا يكتبون عليها، والثانية: المواد التي كانوا يكتبون بها، والثالثة. أنواع كتابتهم. أما المواد التي كانوا يكتبون عليها فضروب شتى؛ منها: الجلد: وكانوا يسمونه: "الرق" و"الأديم" و"القضيم". والفرق بينها غير واضح من النصوص والروايات نفسها، ولكن المعاجم تجعل "الرق": الجلد الرقيق الذي يسوَّى ويرقق ويكتب عليه؛ وتجعل "الأديم": الجلد الأحمر أو المدبوغ؛ وتجعل القضيم: الجلد الأبيض يكتب فيه. وقد ورد ذكرها كلها في الشعر الجاهلي. ففي الرق: قول طرفة١: كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه وقول معقل بن خويلد الهذلي٢: وإني كما قال مملي الكتا ... ب في الرق إذ خطه الكاتب وقول الأخنس بن شهاب التغلبي٣:

стр. 87

لابنة حطان بن عوف منازل ... كما رقش العنوان في الرق كاتب وقول حاتم الطائي١: أتعرف أطلالًا ونؤيًا مهدمًا ... كخطك في رق كتابًا منمنما وقد جاء ذكر "الرق" في القرآن الكريم، قال تعالى٢: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ . وفي "الأديم": يقول المرقش الأكبر٣: الدار وحش والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم وقد ورد ذكر الأديم فيما رُوي لنا من كتب رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم: "عن رافع بن خديج ... فإن المدينة حرام، حرمها رسول الله ﷺ ، وهو مكتوب عندنا في أديم خولاني"٤. وذكر ابن سعد٥ أن النبي ﷺ أقطع العباس السلمي ركية بالدثينة، قال أبو الأزهر: وكان نائل -حفيد العباس السلمي- نازلًا بالدثينة وكان أميرهم، فأخرج إليَّ حقةً فيها كراع من أدم أحمر فكان فيه ما أقطعه. وكانوا يكتبون الوحي في زمن رسول الله على الأديم "قال عثمان: ... فأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به،

стр. 88

وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن ... ١، وذكر عمر بن الخطاب أنه انتسخ -على عهد رسول الله- كتابًا من أهل الكتاب ثم جاء به في أديم٢. وكذلك كتب سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص دينًا على نفسه في قطعة أديم ابتغاها عند خراز قريب من بيته٣. وفي القضيم: يقول النابغة الذبياني٤: كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه قضيم نمقته الصوانع وقد ذكر شارح الديوان الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب أن القضيم هو الأديم المحروز، ثم قال إن القتني قال: القضيمة: الصحيفة البيضاء تقطع ثم ينقش بها النطع. ويقول امرؤ القيس٥: وعادى عداء بين ثور ونعجة ... وبين شبوب كالقضيمة قرهب ويقول زهير٦: كأن دماء المؤسدات بنحرها ... أطبة صرف في قضيم مسرد والقضيم: الجلد الأبيض، فلعله شبه طرائق الدم بنحرها بطرائق جلد أبيض مكتوب عليه أو منقوش عليه باللون الأحمر. وقد ورد أن الوحي كان يكتب لعهد رسول الله ﷺ على

стр. 89

القضم، قال الزهري: قبض رسول الله ﵌ والقرآن في العسب والقضم والكرانيف١. قال الزمخشري في تفسير الكلمة: القضم جمع قضيم، وهي جلود بيض، ثم استشهد ببيت النابغة الذي ذكرناه. وربما كتبوا على جلد لم يعد للكتابة، وإنما تلجئهم الحاجة الملحة إلى أن يكتبوا عليه، قال سعيد بن جبير "كان ابن عباس يملي عليَّ في الصحيفة حتى أملأها وأكتب في نعلي حتى أملأها"٢. -٢- القماش: وهو إما حرير وإما قطن، ويطلقون على الصحف إذا كانت من القماش: المهارق، مفردها: المهرق. قال الأصمعي٣ "هو فارسي معرب، وكان أصله خرق حرير تصفل وتكتب فيها الأعاجم، تسمى: مهركرد، فأعربته العرب وجعلته اسمًا واحدًا فقالوا: مهرق ... وقال الأصمعي أيضًا المهارق: كرابيس كانت تصقل بالخرز ويكتب فيها، فأراد: مهركرد، أي: صقل به". والكرابيس جمع كرباس -بالكسر-: ثوب من القطن الأبيض، معرب، فارسيته بالفتح٤. وقال التبريزي٥: "المهارق: الصحف، واحدها: مهرق، فارسي معرب، خرزة يصقلون ثيابًا كان الناس يكتبون فيها قبل أن يصنع

стр. 90

القراطيس بالعراق"، وقال الزوزني١: "المهارق: يأخذون الخرقة ويطلونها بشيء ثم يصقلونها ثم يكتبون عليها شيئًا". وقال ابن السكيت٢: "المهرق: ثوب جديد أبيض يُسقى الصمغ ويصقل ثم يكتب فيه". ويبدو لنا أن هذا الضرب من مواد الكتابة يحتاج إلى إعداد خاص فكان عزيزًا نادرًا غالي الثمن، ولذلك كانوا لا يكتبون فيه إلا الجليل من الأمر، قال الجاحظ٣: "لا يقال للكتب مهارق حتى تكون كتب دين أو كتب عهود وميثاق وأمان". وقد ورد ذكر المهارق في الشعر الجاهلي، فمن ذلك ما ذكرناه من بيتي الحارث بن حلزة في معلقته: واذكروا حلف ذي المجاز وما ... قدم فيه، العهود والكفلاء حذر الجور والتعدي، وهل ... ينقض ما في المهارق الأهواء وقال الحارث أيضًا٤: لمن الديار عفون بالحبس ... آياتها كمهارق الفرس وقال الأعشى٥: ربي كريم لا يكدر نعمة ... وإذا يناشد بالمهارق أنشدا وقال الأعشى أيضًا٦:

стр. 91

سلا دار ليلى: هل تبين فتنطق ... وأني ترد القول بيضاء سملق وأني ترد القول دار كأنها ... لطول بلاها والتقادم مهرق وقال شتيم بن خويلد الفزاري١: تسمع أصوات كدري الفراخ به ... مثل الأعاجم تُغشي المهرق القلما وقال الأسود بن يعفر: سطور يهوديين في مهرقيهما ... مجيدين من تيماء أو أهل مدين وقال سلامة بن جندل٢: لبس الروماس والجديد بلاهما ... فتركن مثل المهرق الأخلاق. وقال سلامة أيضًا٣: لمن طلل مثل الكتاب المنمق ... خلا عهده بين الصليب فمطرق أكب عليه كاتب بدواته ... وحادثه في العين جدة مهرق -٣- النبات، وأشهر أنواعه: العسيب، وجمعه: عُسُب -بضمتين- وهو السعفة أو جريدة النخل إذا يبست وكشط خوصها، فمن الشعر الجاهلي الذي ورد فيه ذكر العسيب قول لبيد يصف كاتبًا٤:

стр. 92

متعود لحن يعيد بكفه ... قلما على عسب ذبلن وبان وقول امرئ القيس١: لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط الزبور في العسيب اليماني وقريب من العسيب: الكرنافة، وجمعها: كرانيف، وهي أصول السعف الغلاظ العراض اللاصقة بالجذع٢. وقد ورد أن الوحي كان يكتب على عهد رسول الله ﷺ على العسب والكرانيف٣. ومما يتصل بهذا الكتابة على الخشب، والخشب على أنواع أيضًا، منه: الرحل: قال زيد بن ثابت: فاتبعت أجمع القرآن من الرقاع والأكتاف والأقتاب ... ٤. فالأقتاب: جمع قتب -بفتحتين أو بكسر فسكون- وهو الإكاف الصغير على قدر سنام البعير. وقد رُوي لنا أيضًا أن المرقش بن سعد بن مالك كتب على رحل أبياتًا من شعره٥. وقد استمر الرحل أداة من أدوات الكتابة في صدر الإسلام، فهذا سعد بن سعد، بن مالك -هو أنصاري شهد بدرًا- أوصى للنبي ﷺ فكتب وصيته في مؤخر رحله، فأوصى له برحله وراحلته وخمسة أوسق من شعير ... ٦. بل لقد قال سعيد بن جبير٧: كنت أسمع من ابن عمر وابن عباس الحديث بالليل فأكتبه في واسطة رحلي حتى أصبح فأنسخه.

стр. 93

وواضح من هذه الأخبار أن الرحل لم يكن أداة ثابتة من أدوات الكتابة، إنما كان مما يضطر إليه المرء اضطرارًا حين لا يجد غيره يكتب عليه. ومن أنواع الخشب التي كانوا يكتبون عليها: الروسم. وقد مر بنا أن الروسم خشبة مكتوبة بالنقر يختم بها الطعام والأكداس في الجاهلية١. ومن أنواع الخشب التي كانوا أحيانًا يكتبون عليها أو يخطون علامات تميزها: السهام، وقد مر بنا خبر أبي سفيان حين أراد الخروج إلى أحد فامتنعت عليه رجاله فأخذ سهمين من سهامه، فكتب على أحدهما: نعم، وعلى الآخر: لا. ثم أجالهما عند هبل، فخرج سهم الإنعام فاستجرهم بذلك٢. وقد استمروا يكتبون أحيانًا على هذا الضرب من الخشب بعد ذلك فالحكم بن عبدل الشاعر كان يكتب حاجته على عصاه ويبعث بها مع رسله فلا يحبس له رسول، ولا تؤخر له حاجة٣. وقد رأيت كلمة "ألواح" تتردد في بعض ما جمعت من أخبار، منها: ما ذكره عبيد الله بن أبي رافع قال: كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول ما صنع رسول الله ﷺ يوم كذا؟ ما صنع رسول الله ﷺ يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها٤. ومنها ما قاله ابن أبي مليكة ٥: رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول ابن عباس: اكتب. قال: حتى سأله عن التفسير كله.

стр. 94

ولست أدري ما هذه الألواح؟ أمن خشب هي؟ أم من جلد؟ أم أنها من عظم عريض؟ أم لعلها من رصاص كما ذكر الفيروزبادي عن ألواح الرقيم١. -٤- العظام، وأشهر أنواع العظام التي كانوا يكتبون عليها: الكتف والأضلاع وكان يكتب عليها الوحي، قال زيد بن ثابت٢ " ... فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال ومن الرقاع ومن الأضلاع ... " وقال زيد أيضًا٣: لما نزلت هذه الآية ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ بالكتف، ودعاني، وقال: اكتب ... ويُروى أيضًا أن رسول الله ﷺ لما ثقل دعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: ائتني بكتف حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه٤. وكان صحابة رسول الله يكتبون كذلك على الكتف، قال عمر بن الخطاب لابنه عبد الله٥: يا عبد الله ائتني بالكتف التي كتبت فيها شأن الجد بالأمس ... وعن هانئ قال٦: كنت عند عثمان رضي الله تعالى عنه، وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها: "لم يتسن" و"فأمهل الكافرين" و"لا تبديل للخلق". قال فدعا بالدواة

стр. 95

فمحا إحدى اللامين وكتب "لخلق الله"، ومحا "فأمهل" وكتب "فمهل"، وكتب "لم يتسنه" ألحق فيها هاء. واستمروا أيضًا يكتبون في الكتف بعد ذلك بدهر: رُوي أن عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق كانا جالسين بفناء الكعبة إذ مرت بهما امرأة من آل أبي سفيان، فدعا عمر بكتف فكتب إليها شعرًا١. بل لقد بقي العظم مادة من مواد الكتابة حتى العصر العباسي الأول -في النصف الأخير من القرن الثاني الهجري- قال الشافعي٢ ... فكنت أجالس العلماء وأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخيف، وكنت أنظر إلى العظم يلوح، فأكتب فيه الحديث أو المسألة، وكانت لنا جرة قديمة، فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة. وقال الشافعي كذلك٣: طلبت هذا الأمر عن خفة ذات يد، كنت أجالس العلماء وأتحفظ، ثم اشتهيت أن أدون، وكان لنا منزل بقرب شعب الخيف، وكنت آخذ العظام والاكتاف فأكتب فيها، حتى امتلأ في دارنا من ذلك حبان. -٥- الحجارة: وقد مضى لنا من القول في الكتابة والنقش على الحجارة والصخور ما حسبنا أن نشير إليه هنا إشارة عابرة مذكرين به، فقد فصلنا فيه الكلام في موطنين، الأول: عند حديثنا عن نشأة الخط العربي وتطوره، والثاني: عند حديثنا عن موضوعات الكتابة. ونزيد على ما قدمنا

стр. 96

أن الكتابة والنقش على الحجر كان يسميان: الوحي، قال لبيد١: فمدافع الريان عري رسمها ... خلقًا كما ضمن الوحي سلامها وقال زهير٢: لمن الديار غشيتها بالفدفد ... كالوحي في حجر المسيل المخلد وقال أيضًا٣: لمن طلل كالوحي عافٍ منازله ... عفا الرس منه فالرسيس فعاقله وكانت آيات القرآن تكتب -على عهد رسول الله ﷺ على حجارة رقيقة، قال زيد بن ثابت حينما أمره أبو بكر أن يجمع القرآن٤: فجعلت أتتبعه من الرقاع والعسب واللخاف. واللخاف: حجارة بيض رقاق، واحدته: لخفة، بفتح اللام. قال ابن النديم٥ "والعرب تكتب في أكتاف الإبل، واللخاف، وهي الحجارة الرقاق البيض، وفي العسب عسب النخل". ومن تمام الحديث عن النقش على الحجارة أن نشير إلى النقش والكتابة على البناء. فقد ورد أن رسول الله ﷺ لم يدخل الكعبة يوم الفتح حتى أمر بالزخرف فمحي، وأمر بالأصنام فكسرت، أراد النقوش والتصاوير٦. وقد روي كذلك أن ابن الكلبي أخذ بعض علمه بأنساب

стр. 97

العرب مما وجده على جدران كنائس الحيرة١، مما سنفصله في حديثنا عن تدوين الشعر الجاهلي في الباب الثاني. -٦- الورق: وقد آثرنا أن نؤخر الحديث عن الورق، وكان حقه التقديم، وذلك لأن حديثنا عنه قد يطول ويتشعب. فمن المعروف المتداول عند المعنيين بمثل هذه الأبحاث أن الورق لم ينتشر استخدامه للكتابة إلا منذ أواخر القرن الثاني الهجري "الثامن الميلادي"، وذلك أن الجيوش الإسلامية انتصرت في سنة ١٣٣ هجرية "٧٥١م" بقيادة والي سمرقند على إخشيد فرغانة الذي كان يناصره ملك الصين. وقد أسر المسلمون عشرين ألف رجل فيهم صينيون كانوا يعرفون صناعة الورق. ويقال إن الصينيين عرفوا هذه الصناعة منذ مطلع القرن الثاني الميلادي. فأدخل هؤلاء الأسرى صناعة الورق إلى العالم الإسلامي بعد أسرهم بسنوات قليلة، ثم انتشرت بعد ذلك هذه الصناعة حتى دخلت أوربا بعد قرون٢. فهذه الرواية التاريخية إذن لا تشير إلا إلى صناعة الورق، ونحن إذا سلمنا بصحتها، وليس عندنا ما يضعفها غير ما أورده ابن النديم من حديث عن الورق الخراساني يذكر فيه تاريخ معرفة العرب به، وهو حديث يشتمل على هذه الرواية التاريخية، ولكنه يذكر معها أقوالًا أخرى متناقضة تجعلنا نتوقف عن قبول أحدها، قال٣ "فأما الورق الخرساني فيعمل من الكتان،

стр. 98

ويقال إنه حدث أيام بني أمية، وقيل في الدولة العباسية، وقيل إنه قديم العمل، وقيل إنه حديث، وقيل إن صناعًا من الصين عملوه بخراسان على مثال الورق الصيني ... "، نقول إن هذه الرواية التاريخية عن الورق الخراساني والصيني -على فرض صحتها- لا تشير إلا صناعة الورق، ولا تعني أن الورق لم يكن معروفًا قبل هذا التاريخ في بلاد العرب وإن لم يكن يُصنع فيها. فإذا كانت بعض البلاد المجاورة للصين كالهند وجارتها بلاد فارس قد عرفتا الورق الصيني -سواء أكانت صنعته في بلادها أم أجتلبته مصنوعًا من الصين- فليس ثمة ما يمنع أن يعرفه العرب في جاهليتهم، وقد كانت صلاتهم التجارية وثيقة بفارس والهند بل بالصين نفسها. على أن هذا ليس فرضًا عقليًّا مجردًا حسب بل إننا عثرنا على ما نستروح منه أنه يدعم هذا الفرض: فابن النديم يذكر أنه رأى أوراقًا يحسبها من ورق الصين بخط يحيى بن يعمر١، ويحيى بن يعمر توفي في سنة ٩٠ للهجرة، وقد يكون كتب هذه الأوراق قبل وفاته بسنوات، وبذلك يكون العرب قد عرفوا الورق الصيني -على ما يروي ابن النديم- قبل أسر هؤلاء الصينيين بنحو نصف قرن على الأقل. وليس عندنا ما نزيده على ما قدمناه عن الورق الصيني، وإن كان لنا حديث طويل عن الورق بعامة. فكلمة "الورق" تتردد في الشعر الجاهلي وأخبار صدر الإسلام، وقد ذهب بعضهم إلى أنها تعني الجلد الرقيق الذي يشبه في رقته ورق الشجر، وليس عندنا ما يدعم هذا المذهب، وهو في رأينا لا يعدو أن يكون استنتاجًا استنتجه من ذهب إليه بعد أن فرض أن العرب في جاهليتهم لم يعرفوا الورق. وهذا -كما نرى- فرض على فرض، واستنتاج مبني على استنتاج. وسأعرض بعض ما عثرت عليه من أخبار الصدر الأول ومن الشعر الجاهلي

стр. 99

مما فيه ذكر للورق، وسأبدأ برواية تتصل بعهد عثمان بن عفان يُفرق فيها بين الورق والأديم، وبذلك يقوى ما ذكرناه آنفًا من أنهما شيئان لا شيء واحد. وذلك أن عثمان بن عفان عزم على كل رجل معه من كتاب الله شيء أن يذهب به إليه "وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن١". وقال عمرو بن نافع مولى عمر بن الخطاب٢ "كنت أكتب المصاحف في عهد أزواج النبي ﷺ ، فاستكتبتني حفصة بنت عمر مصحفًا لها ... فلما بلغت إليها حملت الورقة والدواة". وسئل ابن الحنفية عن بيع المصاحف فقال٣ "لا بأس إنما تبيع الورق". وكان مطر بن طهمان مولى علي بن أبي طالب يُعرف بمطر الورَّاق٤. وقال أبو عبيدة إن المهلب قال لبنيه في وصيته٥ "يا بني لا تقوموا في الأسواق إلا على زراد أو وراق". وهذه أحاديث قد تطول، ولا غناء في سردها، وأهمها عندنا هو الخبر الأول الذي فُرِّق فيه بين الورق والأديم؛ وسنذكر ثلاثة شواهد فيها ما يقوي الخبر الأول في التفريق بين الجلد والورق. أما الأول فقول عبد الله بن عامر لمعاوية بن أبي سفيان حينما طلق هند بنت معاوية، قال له٦: "فرأيت أن أردها إليك لتزوجها فتى من فتيانك كأن وجهه ورقة مصحف". وأما الثاني فقول حسان بن ثابت٧: عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحي في الورق القشيب

стр. 100

والثالث قول أبي ذؤيب١: فنمنم في صحف كالريا ... ط فيهن إرث كتابٍ محي فما نحسب أن ابن عامر كان يقصد إلى تشبيه وجه ذلك الفتى بالجلد، وإلا لكان وجهًا صفيقًا متينًا!! ولكنه -في رأينا- قصد إلى أن ذلك الوجه في نضارته ورونقه وبهائه وصفائه ومائه، وما شئت من هذه الأوصاف يشبه الورقة، ولا بد أن تكون هذه الورقة التي يشبه بها هذا الوجه فيها من هذه الصفات النضرة الصافية الرقيقة ما يصح معه التشبيه. ونرى كذلك في وصف حسان للورق بأنه "ورق قشيب"، وتشبيه أبي ذؤيب الصحف بأنها "كالرياط" ما يتسق مع ما قدمناه عن قول ابن عامر. فقد استقام عندنا إذن أن الورق في هذه الأمثلة كلها شيء آخر غير الجلد أو الأديم، شيء أرق وأصفى، فما عسى هذا الورق أن يكون؟ إذا كنا ما زلنا في شك من أمر معرفة الجاهليين بالورق الصيني أو الخراساني بعد الذي قدمناه من حديث عنه، فإننا نكاد نظن أن عرب الجاهلية قد عرفوا ورق البردي. فقد رُوي أن خالد بن الوليد كتب كتاب الأمان لأهل الشام في سنة ٦٣٥م على القرطاس٢. ويسمى ابن النديم ورق البردي القرطاس المصري والطومار المصري٣. والقرطاس وارد في الشعر الجاهلي وأخبار الصحابة، ولكننا لا نستطيع أن نقطع بأن المقصود بالقرطاس فيها كلها هو ورق البردي؛ لأن من معاني القرطاس: قطعة من أديم تنصب للنضال فإذا أصابه الرامي قيل: قرطس٤.

стр. 101

فالقرطاس، في رأينا، كلمة عامة تطلق على كثير من مواد الكتابة ومنها ورق البردي. ولعل من الأمثلة التي يرد فيها القرطاس بمعنى ورق البردي خاصة قول طرفة يصف ناقته١: وخد كقرطاس الشآمي ومشفر ... كسبت اليماني قده لم يجرد قال الأعلم في شرحه الديوان "وقوله: وخد كقرطاس الشآمي، شبه بياض خدها ببياض القرطاس، ويقال: أراد أنه عتيق لا شعر فيه، وإنما قال: الشآمي، لأنهم نصارى أهل كتاب". وقال أبو زيد القرشي٢: "شبه خدها بالقرطاس وهو الورق من جهة الشام". ونحن نرجح أنه أراد بالقرطاس هنا ورق البردي -لا الجلد- لأنه ذكره في مقابل "السبت" وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، فحينما أراد تشبيه خدها شبهه في نقائه وبياضه بالورق، ثم شبه مشافرها بالجلد المدبوغ بالقرظ. ولعل من الأمثلة التي يرد فيها القرطاس بمعنى الورق ما ذُكر من أن أبا بكر الصديق "كان جمع القرآن في قراطيس". فنحن نرجح إذن أن المقصود بالورق وبالقرطاس -في بعض أنواعه- ورق البردي. وحسبنا هذا القدر من الحديث عن الورق. فها نحن نرى أن العرب لم يغادروا وسيلة يكتبون عليها إلا التمسوها، سواء عندهم أن تكون قد أعدت للكتابة وأن تكون عارضة طارئة. فكتبوا على ورق البردي، والحرير الناعم، والقطن المصقول، والجلد الرقيق، وكتبوا على السعف والخشب والعظام والحجارة، بل لقد كتبوا حين ألجأتهم

стр. 102

الضرورة على أكفهم ونعالهم، قال سعيد بن جبير١ "كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم أكتب في ظهر نعلي، ثم أكتب في كفي". وعن عبد الله بن حنش قال٢ "رأيتهم يكتبون على أكفهم بالقصب عند البراء" وقال معمر٣ إن الزهري ربما كتب الحديث في ظهر نعله مخافة أن يفوته. -٧- ولقد كانت لهذه المواد المكتوبة أسماء عامة يطلقونها عليها ليدلوا على المكتوب وما كتب عليه معًا، لا يخصصون بذلك نوعًا بعينه، ولا يقصدون إلى ضرب منها بذاته. ومن أشهر هذه الألفاظ وأكثرها ورودًا: ١- الصحيفة: فنحن نعثر على هذه الكلمة في القرآن الكريم، وفي كتب رسول الله ﷺ وأخبار صحابته رضوان الله عليهم، وفي الشعر الجاهلي، ولكننا لا نستطيع أن نصرفها إلى مادة بعينها من هذه المواد التي عددناها للكتابة؛ وإنما هي لفظة قد تدل على أي من هذه الأنواع، فقد تكون جلدًا أو قماشًا أو نباتًا أو حجرًا أو عظمًا أو ورقًا. ففي القرآن الكريم وردت ثماني مرات كلها بصيغة الجمع ﴿صُحُف﴾ ٤. وأما ورود هذه الكلمة في كتب رسول الله والصحابة فيفوت الحصر، ومن أمثلته ما جاء في كتابه ﷺ "بين المؤمنين والمسلمين من قريش

стр. 103

وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم". فقد تكررت فيه كلمة الصحيفة سبع مرات كلها بلفظ الإفراد١. ومما وردت فيه من الشعر الجاهلي: أبيات لقيط٢ وأبى ذؤيب٣ وعلباء بن أرقم٤ وقيس بن الخطيم٥. وقد أشرنا إلى هذه الأبيات في مواطن سابقة. ٢- الكتاب: وهي لفظة قد تكون أعم من الصحيفة، وأكثر منها شيوعًا فيما نقرأ، إذ أنها مصدر كالكتابة، ولكنها أطلقت على الشيء المكتوب حتى كادت لا تنصرف إلا إليه. وقد وردت في القرآن الكريم إحدى وستين ومائتي مرة، إفرادًا وجمعًا٦. ووردت أيضًا في كتب رسول الله ﷺ وصحابته، وحسبنا أن نشير إلى الكتاب نفسه الذي ذكرناه منذ قليل والذي كتبه ﷺ وصحابته، وحسبنا أن نشير إلى الكتاب نفسه الذي ذكرناه منذ قليل والذي كتبه ﷺ بين المهاجرين والأنصار واليهود فقد وردت فيه كلمة "الكتاب" مرتين واللفظة من الكثرة والشيوع في كتب رسول الله ﷺ وأخبار صحابته بما لا مجال لتتبعه والاستكثار بسرد أمثلته. أما الشعر الجاهلي فقد جاءت في شعر لتميم بن أبي بن مقبل العامري قال٧: منهن معروف آيات الكتاب وقد ... تعتاد تكذب ليلى ما تمنينا وقال لقيط بن يعمر الإيادي٨:

стр. 104

هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا وقال عبيد بن الأبرص١: لمن الدار أقفرت بالجناب ... غير نؤي ودمنة كالكتاب وقال عدي بن زيد٢: تعرف أمس من لميس الطلل ... مثل الكتاب الدارس الأحول وقال عدي أيضًا٣: ناشدتنا بكتاب الله حرمتنا ... ولم تكن بكتاب الله ترتفع وقال سلامة بن جندل٤: لمن طلل مثل الكتاب المنمق ... خلا عهده بين الصليب فمطرق وقال زهير٥: يوخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم ٣- الزبور: وجمعها زُبر. وقد يراد بها الكتاب الديني، ولكنها تطلق أيضًا على غيره من الكتب، فمن الضرب الأول قول أمية: وأبرزوا بصعيد مستوٍ جرز ... وأنزل العرش والميزان والزبر

стр. 105

وقول امرئ القيس١: أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان وقول عمرو بن أحمر٢: أم لا تزال ترجي عيشة أنفًا ... لم ترج قبل ولم يكتب بها زبر ومن الضرب الثاني الذي لا إشارة فيه تخصصه بالكتاب الديني وإنما يدل على مطلق الكتاب قول لبيد٣: وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها وقول امرئ القيس٤: لمن طلل أبصرت فشجاني ... كخط الزبور في العسيب اليماني وقول لبيد أيضًا٥: فنعاف صارة فالقنان كأنها ... زبر يرجعها وليد يمان ومن الزبور اشتقوا الفعل: يزبر، بمعنى: يكتب، قال أبو ذؤيب٦: عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزبرها الكاتب الحميري وقد وردت الزبور في القرآن الكريم في تسعة مواطن٧ كلها بمعنى

стр. 106

الكتاب الديني، وجاءت في موطنين منها خاصة بكتاب داود١، وكان ورودها إفرادًا وجمعًا. -٨- ذلك ما يُكتب عليه، أما ما يكتب به فسيدور حديثنا عنه على ثلاثة أمور: القلم، والدواة، والحبر. ١- القلم: فالقلم حديثه طويل، ولو أوردنا ما ذكره ابن قتيبة وابن النديم والصولي وابن السيد البطليوسي والقلقشندي في وصفه وأنواعه لملأنا صفحات، ونكون بذلك قد انحرفنا عن النهج الذي خططناه لأنفسنا منذ بدء هذا البحث، واتكأنا على غيرنا حيث كان يجدر بنا ألا نتكئ إلا على استقصائنا وحده. فنحن إنما نؤرخ العصر الجاهلي، وما كتبته هذه الكتب العربية عن مواد الكتابة عام لا يحده عصر، مطلق لا يقيده زمن، وهو منصب على ما عرفوه من العصور الإسلامية. ومن الإخلال بمنهجنا أن نسحبه على العصر الجاهلي. ولذلك لم نورد فيما مضى من الحديث، ولن نورد فيما سيستقبلنا منه، إلا ما استنبطناه من الشعر الجاهلي، أو من أحاديث الرسول وأخبار الصحابة، وبذلك تضيق علينا رقعة البحث، وتقل بين أيدينا مادته، وقد تنقطع بنا المسالك، ولكن هذا هو بحثنا، وتلك هي طبيعته، فلا معدى لنا عن أن نتقيد بهما. والقلم في الجاهلية كما تصفه هذه النصوص مصنوع من القصب يقط ويقلم أو يُبرَى ثم يغمس في مداد الدواة ويكتب به. وقد مر بنا قول عبد الله

стр. 107

ابن حنش١ "رأيتهم يكتبون على أكفهم بالقصب عند البراء". وأكبر ظني أنهم كانوا يستخدمون ضربًا آخر من الأقلام يكتبون به -دون حبر- حينما تلجئهم الحاجة إلى أن يسجلوا بعض شئونهم في عجلة من أمرهم، ودون أن يعدوا للأمر عدته، فالشاعر الجاهلي الذي كان يحتضر فلم يجد وسيلة للكتابة إلا أن يتخذ من رحل قاتله صحيفة يكتب عليها ما كان يريد٢، والصحابي الذي أوصى لرسول الله ﷺ فكتب وصيته في مؤخر رحله٣، والتابعي الذي كان يسمع الحديث من بعض الصحابة في الليل فيكتبه في واسطة رحله حتى يصبح فينسخه٤، هؤلاء جميعًا لم يكونوا معدين للكتابة أمرها، ولم يكونوا متخذين لها أسبابها، وليس مما يقبله العقل أن يكونوا في مثل أحوالهم تلك يحملون معهم قصبهم المقطوط المبرى ودويهم الملأى بالمداد، وإنما كانوا -فيما أرجح- يكتبون بمادة تترك لونها أو أثرها على الرحل، ولعلها مادة طباشيرية، أو فحمية أو رصاصية، وقد أشارت إحدى الروايات إلى أن قيسبة بن كلثوم السكوني كتب على خسبة رحل أبي الطمحان القيني بسكين٥ وكذلك الشأن فيمن كانوا يكتبون على الحجارة، فقد كانوا ينقشون عليها نقشًا، ويستخدمون في نقشهم مواد صلبة ينحتون بها وينقشون. وقد ورد ذكر القلم، مفردًا وجمعًا، بهذا المعنى الذي نقصده، ثلاث مرات في القرآن الكريم٦. وورد ذكره كذلك في الشعر الجاهلي. قال عدي بن زيد٧: له عنق مثل جذع السحو ... ق والأذن مصعنة كالقلم

стр. 108

وقال عدي أيضًا١: ما تبين العين من آياتها ... غير نوى مثل خط بالقلم وقال الزبرقان بن بدر٢: هم يهلكون ويبقى بعد ما صنعوا ... كأن آثارهم خطت بأقلام وقد مرت بنا أبيات: أمية بن أبي الصلت٣، والمرقش٤، وشتيم بن خويلد٥، ولبيد٦، وفيها كلها ذكر القلم. وربما سمي القلم: مزبرًا. فقد رُوي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه دعا في مرضه بدواة ومزبر، فكتب اسم الخليفة بعده٧. قال الزمخشري: المزبر هو القلم؛ وأنشد الأصمعي: قد قضى الأمر وجف المزبر ٢- الدواة والمداد: وقد ورد ذكرهما كذلك في الشعر الجاهلي، قال عبد الله بن عنمة٨: فلم يبق إلا دمنة ومنازل ... كما رد في خط الدواة مدادها وقد مر بنا بيتان لأبي ذؤيب٩ ... ولسلامة بن جندل١٠ فيهما ذكر

стр. 109

الدواة. وكانوا أيضًا يسمون المداد "نقسًا"، قال حميد بن ثور١: لمن الديار بجانب الحبس ... كخط ذي الحاجات بالنقس وكانوا أحيانًا يمحون المكتوب بالمداد حين تنقضي حاجتهم منه، ثم يستخدمون الصحيفة لكتابة شأن آخر من شئونهم. ويسمون هذه الصحيفة التي يكتبون فيها ثم يمحونها ثم يكتبون فيها "طرسًا"٢. وكانوا ربما محوا المداد بغسله بالماء، فقد كان عبد الله بن مسعود إذا عرف أن في مجلسه من يكتب حديثه يدعو بالكتاب وبإجانة من ماء فيغسله٣. وكذلك كان يفعل أبو موسى الأشعري٤. وقد مر بنا قول عمر للرجل الذي كتب كتاب دانيال٥: "انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض". -٩- وصف الخط في الجاهلية: وقد كدت أجعل عنوان هذا الجزء من البحث "أنواع الخط في الجاهلية". ولكن أنى لنا أن نعرف أنواع هذا الخط، والأمر في أخبار الجاهلية على ما ذكرنا في غير موطن من هذا الفصل؟ أما ما ذكره ابن مقلة ونقله عنه ابن النديم٦ وابن السيد البطليوسي٧ من أنواع الخطوط ووصف الأقلام فلا يرقى إلى

стр. 110

الجاهلية، والقليل منه لا يعدو أن يكون إشارة عابرة إلى الخط في العصر الأموي، وإنما جل الحديث كان عن العصر العباسي. فلا معدى إذن عن أن أقصر عنوان هذا الجزء من البحث على "وصف الخط في الجاهلية"، ولا معدى كذلك عن أن أعود إلى النهج الذي سلكته من قبل وهو استنطاق الشعر الجاهلي وأخبار صدر الإسلام. ولقد وجدت مما بين يدي من نصوص وروايات أن عرب الجاهلية كانوا يفتنون في خطوطهم وكتابتهم، ويجبرونها ويذهبون فيها مذاهب من التجويد والإتقان. وكان هذا الخط المجود المحبر المتقن يوصف بالترقيش والنمنمة والرقم والوشم والتنميق. وقد أشرنا من قبل إلى بيت أبو ذؤيب الذي يصف فيه الكتابة فتبدو كأنما بلغت شأوًا بعيدًا في الزينة والجمال حتى شبهها في رقمها ووشيها بالعروس التي استكملت زينتها وبهاءها واستخفها الحسن والعجب١. وأشرنا كذلك إلى أبيات للأخنس بن شهاب التغلبي٢، وحاتم الطائي٣، وسلامة بن جندل٤ يصفون فيها الكتابة بالترقيش والنمنمة والتنميق. ومما يدخل في هذا الباب الإشارة إلى مهارة الكاتب وإجادته الخط وتعوده الكتابة، قال لبيد٥: متعود لحن يعيد بكفه ... قلمًا على عسب ذبلن وبان وقال معاوية بن مالك بن جعفر٦: فإن لها منازل خاويات ... على نملى وقفت بها الركابا
следующие страницы →