تعيش في صحرائها، لا تعرف العالم الخارجي، ولا يعرفها العالم الخارجي، أما القرآن فيصف عناية العرب بسياسة الفرس والروم وصلاتهم بغيرهم من الأمم. وقد رد عليه السيد محمد الخضر حسين بقوله١: "وهل يصدق أحد أن من يدرسون الشعر الجاهلي يتصورون العرب أمة معتزلة في صحراء ... " ثم يورد شعرًا جاهليًّا فيه دلالات على معرفة العرب بالأمم المجاورة وعلى صلاتهم بهم. أما الأستاذ الغمراوي فقد ذكر أن الدكتور طه "لم يستشهد على ذلك إلا بآيتين اثنتين جرى في تأويلهما على ذلك النحو الذي رأيت ... "٢ بل إنه يرى أنه ليس في إحدى الآيتين "المعنى الذي أراد ولا ظله". وقد عجب من أن الدكتور يذهب إلى "أن الأدب الجاهلي على ما هو عليه الآن لا يبين صلة العرب بالعالم الخارجي، وأن القرآن وحده هو الذي يبينها"٣، مع أنه لم يستقرئ الأدب الجاهلي ولم يوازن بين ما فيه وما في القرآن.
٤- وذكر الدكتور أيضًا أن الشعر الجاهلي لا يمثل الحياة الاقتصادية الخارجية والداخلية لعرب الجاهلية، وأن في القرآن وصفًا لهما يصورهما فيه. وقد رد عليه السيد محمد الحضر حسين بأنه استشهد على الحياة الاقتصادية الخارجية بآية واحدة ليس فيها إلا إشارة موجزة، وأن في الشعر الجاهلي تفصيلًا لهذه الإشارة٤.
وأورد الأستاذ محمد لطفي جمعة من الشعر الجاهلي ما يرى فيه تصويرًا لحياة العرب الاقتصادية الداخلية في الجاهلية٥. أما الأستاذ الغمراوي فيرى أن "الحق أن الأدب الجاهلي لم يخل من هذا. والعجب أن يجهل أستاذ الأدب العربي شيئًا مثل هذا، فلو أنه قرأ القليل المكتوب عن ابن الزبعري في طبقات ابن سلام
стр. 422
لوجد فيه ما لا يقل في دلالته الاقتصادية عن آية لإيلاف قريش١ ... هذا موضع واحد من الأدب الجاهلي. ولسنا نشك في وجود مواضع أخرى تدل على ما كان هنالك في الجاهلية من اتصال تجاري محدود بين أطراف جزيرة العرب ووسطها٢ ... وكما لم يُلم صاحب الكتاب بمواطن الأدب الجاهلي التي تدل على الحياة الاقتصادية الخارجية كما يحب أن يسميها، كذلك لم يلم بمواطن الأدب الجاهلي التي تدل على ما يسميه الحياة الاقتصادية الداخلية.. وكما تكلف واستنتج الحياة الخارجية كلها من آية واحدة في القرآن، فقد تكلف واستنتج الحياة الاقتصادية الداخلية من تحريم القرآن الربا وفرضه الصدقات٣.
أما عن زعمه أن الأدب الجاهلي كله لم يذكر الربا فنحن على ثقة من أنه هنا أيضًا لم يستعرض الأدب الجاهلي كله فيحكم عليه من هذه الناحية حكمًا مبنيًّا على الواقع. ومع ذلك فمثل هذه النواحي إذا ذكرت في الأدب لا تذكر إلا عرضًا؛ لأن التجارة وما اتصل بها من ربًا أو غيره ليست من الأمور التي تسمو حتى تصير في متناول الشعر والنثر الأدبي في عصرنا هذا فضلًا عن العصر الجاهلي٤.
فإذا كان الأدب الجاهلي قد خلا حقًّا من ذكر الربا فلن يكون في ذلك دليل على أن الأدب الجاهلي موضوع ٥ ... ".
٥- الدليل اللغوي: وقد أفاض الناقدون في نقد هذا الدليل ونقضه، وذلك لأنه، لو صح، لكان أقوى الحجج التي ساقها المؤلف وأدلها على ما يريد أن يصل إليه. فالسيد محمد الخضر حسين يرى أن الدكتور طه قد أخذ هذا الدليل من مرجوليوث، فأورد بعض كلام الدكتور وما يقابله من كلام مرجوليوث في مقالته التي بسطنا فيها القول. وليس من سبيل إلى ذكر جميع ما رد به السيد محمد الخضر
стр. 423
حسين، فقد فصل القول في رده تفضيلًا١، وحسبنا أن نشير إلى بعضه، قال٢ "وأخذ المؤلف يذكر الشاهد الأقوى على اصطناع الشعر الجاهلي، وهو أن اللغة القحطانية غير اللغة العدنانية، والشعر المنسوب إلى بعض شعراء اليمن لا يختلف عن شعر العدنانية، وهذا مما استشهد به مرجوليوث قبله ... لا ننازع فيما دلت عليه الآثار المخطوطة من أن اللغة القحطانية كانت كلغة أجنبية عن العدنانية، كما أن مرجوليوث والمؤلف لا ينازعان في أن اللغتين اشتد الاتصال بينهما بعد ظهور الإسلام وأصبحتا كلغة واحدة. والذي نراه قابلًا لأن يكون موضع جدال بيننا وبين مرجوليوث والمؤلف هو حال الاختلاف بين اللغتين في عهد يتقدم ظهور الإسلام بعشرات من السنين، فنحن لا نرى ما يقف أمامنا إذا قلنا: إن الاختلاف بين اللغتين قد خف لذلك العهد وزال منه جانب من الفوارق ولم تبق القحطانية من العدنانية بمكان بعيد. والذي جعل اعتقادنا يدنو من هذه النظرية ... أن قبول اللغة القحطانية لأن تتحد مع اللغة العدنانية بعد ظهور الإسلام لا يكون إلا عن تقارب وتشابه هيئتهما لأن يكونا لغة واحدة، فإن انقلاب لغة إلى أخرى تخالفها في مفرداتها وقواعد نحوها وصرفها ليس بالأمر الميسور حتى يمكن حصوله في عشرات قليلة من السنين". ثم يرى أن العثور على نقوش باللغة الحميرية يرجع تاريخها إلى المائة الخامسة والسادسة للميلاد لا ينقض هذا الرأي، وذلك لأن التقارب بين اللغتين لم تبدأ به القبائل القحطانية والعدنانية في وقت واحد "بل سبقت إليه القبائل المجاورة للعدنانية ثم أخذ يتدرج فيما وراءها من القبائل ... فالوقوف على أثر مخطوط قبل الإسلام بنحو مائة سنة أو ما دونها إنما يدل على أن سكان الناحية التي انطوت على هذا الأثر لم يزالوا على لسان حمير القديم، وهذا لا ينفي
стр. 424
أن يكون غيرها من القبائل القحطانية قد ارتاضت ألسنتهم بلغة تشبه اللغة العدنانية.
ومن الممكن القريب أيضًا أن يكون أهل المكان الذي عثر فيه على هذه المخطوطات الأثرية ينطقون باللغة القريبة من اللغة العدنانية، ولكنهم استمروا في الكتابة على لغتهم التي كانت اللسان الرسمي لسياستهم أو ديانتهم، وقد حكى التاريخ لهذا الوجه نظائر ... "١، وبعد أن يسرد هذه النظائر يستدل على تقارب اللغتين بما يُروَى في السيرة من خطب الوافدين من أهل اليمن على الرسول ﷺ ، "ولو كانت اللغتان مختلفتين في المفردات وقواعد النحو والصرف لم يسهل على العدناني أو القحطاني فهم لغة الآخر إلا أن يأخذها بتعلم أو مخالطة غير قليلة"٢. ثم يتطرق إلى عبارة أبي عمرو بن العلاء التي أوردها الدكتور طه، وأصلها "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا"، فقال إن الدكتور مسَّ هذه العبارة "بالتحريف مسًّا رفيقًا" و"حوَّل قوله: ولا عربيتهم بعربيتنا، إلى قوله: وما لغتهم بلغتنا، لقصد المبالغة في الفصل بين اللغتين وليصرف ذهن القارئ عن أن يفهم من قول أبي عمرو: ولا عربيتهم بعربيتنا، أن تلك اللغة عربية وإنما تختلف عن العدنانية اختلافًا يسوغ له أن يقول: وما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا. ومس المؤلف عبارة أبي عمرو بالتحريف مرة أخرى، فقد حذف قوله: وأقاصي اليمن، حتى لا يأخذ منها القراء أن لغة غير الأقاصي، وهي القبائل المجاورة للقبائل المضرية، ليس بين عربيتها وعربية مضر هذا الاختلاف٣". "هذا شأن الاختلاف بين اللغتين أما تشابه الشعر القحطاني والعدناني فله سبيل غير هذا السبيل، والرأي الذي يوافق إجماع الروايات ويؤيده النظر ولا يعترضه البحث الحديث أن الشعراء في جنوب الجزيرة
стр. 425
وشمالها أصبحوا من قبل الإسلام ينظمون الشعر بلهجة واحدة أو متقاربة"١.
ثم يمضي في بيان رأيه هذا وتفصيله. ثم يرد على هذا الدليل من جانب آخر، قال٢: "ومما يتعذر قبوله أيضًا أن يضع غير اليمانيين أشعارًا في لهجة قرشية ويعزوها إلى القدماء من شعراء اليمن دون أن يجدوا من اليمنيين أو ممن يعرف لهجة شعراء اليمنيين من ينكر صنيعهم، ويناضلهم بحجة أن هذا الشعر غير منطبق على لهجة أولئك الشعراء".
ثم رد عليه حديثه على أن لهجات القبائل العدنانية نفسها، وهي مختلفة، غير ظاهرة في هذا الشعر الجاهلي، فقال٣: "هذه الشبهة علقت بذهن المؤلف فيما علق من مقال مرجوليوث، وهي مطرودة بنظرية وجود لغة أدبية يحتذيها الشعراء على اختلاف قبائلهم منذ عهد الجاهلية".
وأما الأستاذ محمد لطفي جمعة فيقول٤: "اعتمد المؤلف على أقوال الرواة ثم يؤكد لنا أن الرواة يضيفون شيئًا كثيرًا من الشعر الجاهلي إلى قوم ينتسبون إلى عرب اليمن ... ويؤيد مخالفة اللغة القحطانية للغة العرب برواية أحد الرواة وهو أبو عمرو بن العلاء، فكأن الرواة الذين كانوا يعلمون اختلاف اللغتين من أقدم الأزمنة رووا، على الرغم من علمهم هذا، شعرًا كثيرًا بالعربية العدنانية وحملوه على شعراء اليمن ... وهذا الكلام ظاهر البطلان، والتلفيق فيه لا يحتاج إلى برهان؛ لأن الراوية الذي يعرف اختلاف الأمتين واختلاف اللغتين إذا أراد الوضع والاختلاق لا يقع في مثل هذا الخطإ المفضوح سيما وأن المؤلف قال في ص١٢٠ عن حماد الراوية: أما حماد فرجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم فلا يزال يقول الشعر يشبه مذهب رجل ويدخله في شعره ...
стр. 426
أفيعقل أن راوية كحماد العالم باللغات والمعاني والمذاهب يخطئ مثل هذا الخطإ؟ " ثم يقول١: "وكيف يثبت لنا المؤلف أن أبا عمرو بن العلاء أراد اختلاف اللغتين في زمن الجاهلية، وقد عجز المؤلف عن تحديد زمن هذا الاختلاف لعلمه بجواز تطبيق هذا القول على زمن الراوية أبي عمرو نفسه، فقد قصد بذلك أن اللهجة العربية الحميرية التي كانت شائعة في زمنه في بقايا حمير في بلاد اليمن تخالف اللهجة العربية الفصحى ... وحينئذٍ يفلت هذا الدليل من يد مؤلف الشعر الجاهلي". وبعد أن يتحدث المؤلف عن "اللغة الأدبية" التي كان ينظم بها شعراء الجاهلية أورد أبياتًا من الشعر الجاهلي ما تزال تظهر فيها بقايا من اختلاف اللهجات العدنانية٢.
وأما الأستاذ الشيخ الخضري فبعد أن تحدث عن هذا الموضوع وأورد أدلة الدكتور وأشار إلى تحريفه في النص الذي ذكره أبو عمرو بن العلاء، قال٣: "وأكثر الشعر اليماني إنما هو لشعراء من سبأ كانوا بالشمال، إما بالمدينة وإما بالعراق، وإما بالصحراء الشمالية وإما بالشام، أو لعرب عدنانيين ... فالأستاذ يرى بعد ذلك أنه إذا سلمت مقدمته بأنه كان هناك خلاف بين لغة حمير ولغة عدنان، فإن ذلك لا ينتج شيئًا؛ لأن العربية القديمة عربية حمير لم يؤثر شيئ من شعرها، وابن سلام في الطبقات إنما ساق عبارة أبي عمرو في هذا الصدد وهو نفي أن يكون هناك شعر تصح نسبته إلى عاد وثمود.."، ثم يقول عن اختلاف اللهجات٤: "لا ندري كيف يظهر في الشعر تباين اللهجات؟ فإن اللهجة كما قدمنا إنما هي ما يرجع إلى الأداء، والشيء الواحد قد يؤدَّى بلهجات مختلفة، وهو هو في حركاته وسكناته، كما اختلف الأداء في القرآن نفسه،
стр. 427
والقرآن هو هو". "لا ندري كيف يكون اختلاف اللهجات مؤثرًا في الشعر، في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام؟ ... لا أفهم تأثير الإمالة والتفخيم في بحر الشعر وقافيته. فإن مفخم الألف ينشد "قفا نبك في ذكرى حبيب ومنزل" بألف مفخمة كما ينشدها المميل بألف ممالة، فلا يتغير في البيت حركة ولا سكون، وهما اللذان تُبنى عليها تفاعيل الشعر. وكما لا يتغير شيء من ذلك بالإمالة والتفخيم لا يتغير بالإدغام والإظهار ... ١".
وأما الأستاذ الغمراوي فيتحدث عن هذا الموضوع في صفحات متفرقة من كتابه٢، وقد عرض لذكر بعض ما قدمناه ثم قال٣: إن الدكتور طه قد "نبهه النقد منذ أكثر من عام إلى أن ثبوت اختلاف لغة الجنوب عن لغة الشمال، لو ثبت أنهما كانتا مختلفتين في العصر الجاهلي القريب، لا يصلح دليلًا على أن أدب يمانية الشمال موضوع لأن قبائل اليمن في الشمال كانت هاجرت من الجنوب إلى الشمال منذ أمد بعيد فلم يكن هناك بد لمن نشأ في الشمال من ذرياتها أن ينشأ على لغة الشمال ويتخذها لغة أدب ولغة خطاب. فجاء صاحب الكتاب هذا العام يجيب على هذا بلهجة المستوثق مما يقول فهل تدري بماذا أجاب؟ أجاب بأن هجرة فريق من عرب اليمن إلى الشمال غير ثابتة! وأن صحة يمانية من انتسب إلى اليمن من قبائل الشمال غير ثابتة! وإذن يسقط ذلك الاعتراض! إن من المؤلم حقًّا أن يلج الأستاذ في المماراة إلى هذا الحد، وينزل به اللجاج إلى هذا الدرك، فلا يدرك أن جوابه هذا مسقط كل ما قال، وأنه إذا صح أن التاريخ القديم والتاريخ الحديث أجمعا على خطإ، فلم تكن هجرة ولم يكن في الشمال يمانيون، لم يكن هناك أدنى شبهة لغوية يمكن أن يُعترض بها على صحة كلام مثل امرئ القيس. إذ يصير امرؤ القيس ومن معه بذلك مضربين،
стр. 428
ويصير من السخف أن يقال بعد ذلك إن كلامهم وشعرهم منحول لأن لغتهم ليست لغة نقوش حميرية اكتشفت في الجنوب ... ".
ويتحدث الأستاذ الغمراوي حديثًا مفصلًا عن اللهجات جاء فيه أن الدكتور طه حسين ذكر في الطبعة الثانية من كتابه "أن اللغة الفصحى الموجودة في القرآن والحديث لغة قريش، فإذا اعترض القارئ بأن هذه اللغة قد كانت تُفهم في غير قريش في قبائل الحجاز ونجد، كقيس وتميم المضريتين، والأوس والخزرج اليمنيتين، وقبائل اليهود في شمال الحجاز، كان جواب صاحب الكتاب أنك قد عرفت رأيه "في النسب وانتماء هذه القبائل إلى اليمن أو إلى مضر"! يشير إلى رأيه الذي أورده في فصل الأدب الجاهلي واللغة. وغفل هنا كما غفل هناك عن أن إنكاره نسبة تلك القبائل إلى غير قريش يدخلها في قريش ويذهب باعتراضه على الشعر الجاهلي العدناني من طريق اللهجة كما ذهب هناك باعتراضه على الشعر الجاهلي القحطاني من طريق اللغة"١.
نقد أسباب النحل:
وننتقل بعد ذلك إلى عرض آراء النقاد فيما ذكره الدكتور طه حسين من أسباب نحل الشعر الجاهلي، وقد جعلها الدكتور، كما مر بنا خمسة: السياسة، والدين، والقصص، والشعوبية، والرواة.
١- السياسة ونحل الشعر: أجمع النقاد على أن الدكتور طه لم يورد شيئًا من الشعر الجاهلي الذي دعت السياسة إلى نحله، مع أن فصله معقود لهذا، ومع أنه أطنب في الحديث عن المقدمات الظنية والفروض المتخيلة، ولكنه لم ينته بها إلى النهاية التي يدل عليها عنوان الفصل. قال السيد محمد الخضر حسين٢
стр. 429
"عقد المؤلف الفصل في نحو عشرين صحيفة قضاها في الحديث عن أمر كتب فيه القدماء والمحدثون، وهو شأن العصبية في صدر الإسلام وعهد الأمويين، وما كان من التهاجي بين بعض شعراء الأنصار وآخرين من قريش ... ولم يستطع المؤلف أن يضرب في هذا الفصل الطويل مثلًا لشعر جاهلي اخترعته نزعة سياسية ... ومن أراد أن يقرر أن من الشعر الجاهلي ما افتعل لغرض سياسي، ويضع لذلك عنوانًا يكتبه بأحرف ممتازة، فليأت ولو بمثل أو مثلين واضحين ويريح القارئ من أقوال لا تقع في عين الموضوع فضلًا عما فيها من صبغ بعض الوقائع بألوان لا تلائمها ... " وقال الأستاذ محمد لطفي جمعة١ "وقد سود المؤلف تسع صفحات في هذه المسألة وحدها "يقصد المهاجاة بين الأنصار وقريش" وعنوان "الفصل السياسة وانتحال الشعر" اسم فخم وعنوان ضخم، ولكن اللب منعدم والمقصد غامض ... أين السياسة من بحثه وأين الشعر المنتحل ومن واضع الشعر المحمول؟ " وقال أيضًا٢: "إلى هنا ولا نجد في هذا الفصل الطويل الذي عنونه المؤلف "السياسة وانتحال الشعر" يقصد بذلك الشعر الجاهلي- شيئًا خاصًا بانتحال ذلك الشعر الجاهلي ... " وقال الشيخ محمد الحضري إن الدكتور طه قال: "يستطيع الكاتب في تاريخ الأدب أن يضع سفرًا مستقلًّا فيما كان لهذه العصبية بين قريش والأنصار من التأثير في شعر الفريقين الذي قالوه في الإسلام وفي الشعر الذي انتحله الفريقان على شعرائهما في الجاهلية"، ثم عقب عليه بقوله٣: "مع أن مقدمته الطويلة لم يوجد بها كلمة واحدة تتصل بأن فريقًا من الفريقين اختلق شعرًا ونسبه إلى شعرائه في الجاهلية، إنما الأحاديث كلها في الشعراء الذين كانوا في أول العهد الإسلامي يتقارضون الشعر،
стр. 430
وفي العهد الذي يلي ذلك". ويقول أيضًا١: "وبعد ذلك كله ألم يكن من واجب المؤلف، وهو أستاذ كبير، أن يذكر لقراء كتابه بعض الشعر الذي وضعته قريش في الإسلام ونسبته إلى بعض شعرائهم في الجاهلية وكان الداعي إلى وضعه السياسة؟ إنما لم يذكر شيئًا من ذلك، وكل كلامه حول الشعر الذي قيل في العهد الإسلامي، وليس لهذا وضع الشيخ كتابه".
٢- الدين ونحل الشعر: قال السيد محمد الخضر حسين٢: "ينكر المؤلف كل ما يُروَى من الشعر والأخبار الممهدة للبعثة النبوية، وإنكارها على هذا الوجه إنما تسمعه ممن ربط قلبه على نفي النبوة، إذ ليس من المحتمل عنده أن يقال فيها شعر أو يرد عنها خبر قبل أن يدعيها صاحبها. أما الذين يعتقدون بأن نبوة أفضل الخلق حق فمن الجائز عندهم أن يسبقها شعر أو خبر يتصل بها وشأنهم أن يفحصوا ما يرد في هذا الصدد ويضعوه بمنزلته من الوضع أو الضعف أو الصحة، وكذلك فعل علماء الإسلام فحكموا على جانب مما كان من هذا القبيل بالوضع، كالأخبار والأشعار المعزوة إلى قس بن ساعدة". ثم يعرض لما ذكره الدكتور طه من أن النبي ﷺ نهى عن رواية شعر أمية، وأن هذا وحده كاف لأن يضيع هذا الشعر. فرد عليه بأن في الحديث الصحيح أن النبي استنشد رجلًا شعر أمية فظل ينشده حتى أنشد مائة بيت. وقال إنه لو صح أن النبي نهى عن شعره لكان هذا النهي مقصورًا على قصيدة أمية التي رثى بها قتلى قريش في وقعة بدر، "على أنا نجد هذه القصيدة التي يقولون إن النبي ﷺ نهى عن روايتها واردة في بعض كتب السير والمغازي، وقد رواها ابن هشام في نحو ثلاثين بيتًا ... "٣ وقال الأستاذ محمد لطفي
стр. 431
جمعة١: "يريد مؤلف كتاب الشعر الجاهلي أن يخدع القارئ ويوهمه أن كل ما ورد في الأدب العربي من نثر وشعر عن الجن ووجودها وأخبارها إنما وضع بعد الإسلام وضعًا لتبرير سورة الجن التي جاءت في الكتاب المنزل على أفصح العرب ... وأن كل ما نسب إلى العرب في أدبهم من هذه الناحية إنما اصطنع اصطناعًا مجاراةً للعقيدة التي اقتضتها هذه السورة القرآنية. والحقيقة أن عرب الجاهلية كانوا يعتقدون بالجن، ونظموا شعرًا جاهليًّا كثيرًا عن علاقة الجن بالشعر والشعراء، وذكرنا بعضه في ص٥٢ من هذا الكتاب ... ولم تكن أمة سامية أو آرية تخلو من الاعتقاد بالجن أو الأرواح الخيرة والشريرة". ثم تحدث عن شعر أمية بن أبي الصلت، ونفى أن المسلمين محوه أو حاربوه، وأورد شيئًا من شعره ... ٢، وأما الشيخ الخضري، فيعرض لما تحدث به الدكتور طه من أمر الشعر الممهد للبعثة النبوية، فيقول الشيخ الخضري إن انتظار بعض علماء العرب وكهانهم وأحبار اليهود ورهبان النصارى لبعثة نبي عربي من المسائل التي ذكرها القرآن، "والمؤلف نفسه قال في الصحيفة الثامنة من كتابه: وأنا أزعم مع هذا كله أن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يضع، وأنا نستطيع أن نتصوره تصورًا واضحًا قويًّا صحيحًا، ولكن بشرط ألا نعتمد على الشعر بل على القرآن من ناحية، والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى ... "٣، وعرض بعد ذلك لقول الدكتور طه: "وفي سيرة ابن هشام وغيرها من كتب التاريخ والسير ضروب كثيرة من هذا النوع"، فقال الشيخ الخضري٤ "وهذا الكلام غير صحيح، فقد قرأنا هذه السيرة مرارًا، ولا سيما فيما يمهد لبعثة النبي ﷺ ، فلم نجد بيتًا واحدًا في الموضوع الذي ذكره، وإنما الشعر الذي
стр. 432
رأيناه في فصل عنوانه: أمر الأربعة المتفرقين عن عبادة الأوثان في طلب الأديان، وفي هذا الفصل قطع شعرية كلها في التوحيد وترك عبادة الأوثان". ثم قال١: "ذكر الأستاذ بعد ذلك من منحول الشعر ما أورده المفسرون زاعمًا أنهم أوردوه لإثبات عربية القرآن! ثم غلا فقال: فحرصوا أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن الكلمة عربية لا شك في عربيتها". فعقب على ذلك بقوله: "وهذه الجملة فيها غلو وفيها خطأ: أما الغلو ففي قوله إنهم استشهدوا على كل كلمة منه؛ بين أيدينا التفسيران الكبيران اللذان عُنيا بهذا الاستشهاد أتم عناية، وهما تفسير الإمام الكبير أبي جعفر الطبري وتفسير الكاتب العظيم أبي عمر الزمخشري، ومع ما فيهما من الشواهد الكثيرة فإن ادعاء الاستشهاد على كل كلمة لا يؤيده الواقع، إن شواهد الكشاف عددها ٧٢٧ شاهدًا، وليس هذا عدد كلمات القرآن ... وأما الخطأ ففي ظنه أن هذه الشواهد كلها جاهلية جيء بها لإثبات عربية القرآن! أكثر هذه الشواهد لشعراء إسلاميين، وقليل منها ما هو لشعراء جاهليين أو مجهولين ... وليس الاستشهاد لإثبات عربية القرآن كما يزعم، وإنما هو لبيان مفهوم الكلمات التي يعدها الناس أحيانًا غريبة، على أن هذا المعنى قد يُلحظ أحيانًا، وهو أن القرآن ليس ببدع في اللغة، وإنما جاء بلغة العرب لم تشذ فيه كلمة عن مناهجهم".
٣- القصص ونحل الشعر:
وقد ذهب هؤلاء النقاد إلى أن الدكتور لم يأت بشيء جديد لم يذكره القدماء، ولكنه زاد عليهم بأن عمم وأطلق أحكامًا كلية، قال السيد محمد الخضر حسين٢: "كتب المؤلف في القصص ولم يأت بجديد، وإنما مد يده إلى ما تحدث به الكتَّاب من قبله وسماه نظرية له، ثم انهال علينا بكليات عرضها ما بين اليمامة
стр. 433
وحضرموت ... " وقال الشيخ محمد الخضري ١: "قد ذكر المؤلف نفسه ما كان من نَقَدَة الآداب أمام هذا الشعر فقال: "وقد فطن العلماء إلى ما في هذا الشعر من تكلف حينًا ومن سخف وإسفاف حينًا آخر، وفطنوا إلى أن بعض هذا الشعر يستحيل أن يكون قد صدر عن الذين ينسب إليهم" وهذا هو الذي نريد أن نقوله، وهو أن النقاد في العصور الماضية لم يقصروا في تمييز طيب الشعر من خبيثه، وقد عبدوا الطريق لم يخلفهم حتى لا يزعجهم كذب كاذب، أو تلفيق ملفق، فيرفضون جميع ما روي من الشعر، كما فعل مؤلف الشعر الجاهلي، بل يتبعون سيرة أولئك الأسلاف في النقد الأدبي الذي أساسه الرواية والدراية ... ".
٤- الشعوبية ونحل الشعر:
قال السيد محمد الخضر حسين إن الدكتور طه عقد فصلًا للشعوبية ونحل الشعر الجاهلي، ولكنه "لم يقم دليلًا على التلازم بينهما، بل لم يأت برواية تدل على أن بعض الشعوبية انتحل شعرًا جاهليًّا ... "٢، وقال أيضًا بعد أن ذكر أن الدكتور أورد قصصًا عن أبي العباس الأعمى وإسماعيل بن يسار "وزعم أنه وصل بهذا إلى ما كان يريده من تأثير الشعوبية في انتحال الشعر، ولكنه لم يستطع أن يضرب مثلًا يريك كيف انتحلت الشعوبية شعرًا جاهليًّا.."٣، وكذلك قال الأستاذ محمد لطفي جمعة٤: "لا نجد في هذا الفصل ما يدل على انتحال الشعر الجاهلي"، وأما الشيخ محمد الخضري فذهب إلى أن حديث الدكتور في هذا الفصل عن الشعوبية ونحل الشعر الجاهلي قائم على الفرض والتخيل لا على الحقائق، وبعد أن رد عليه قال٥: "ومتى كان الأمر كذلك
стр. 434
ضعف مقدار هذا التخيل وسقط الفرض من أساسه".
٥- الرواة ونحل الشعر:
أشار السيد محمد الخضر حسين إلى ما في حديث الدكتور في هذا الفصل -وفي غيره من الفصول- من تعميم ومبالغة، وذلك حين قال الدكتور إن الرواة "بين اثنتين: إما أن يكونوا من العرب، فهم متأثرون بما كان يتأثر به العرب، وإما أن يكونوا من الموالي فهم متأثرون بما كان يتأثر به الموالي ... " وعقب عليه السيد محمد الخضر حسين بقوله١: "ويريد من التأثير -بطبيعة السياق- الوجه الذي يحمل على صنع الشعر وعزوه إلى الجاهلية، ومعنى هذا نفي أن يكون لطائفة من الرواة خطة ثابتة وهي ألا يتأثروا بشيء من هذه الأسباب تأثرًا يستهينون معه أن بموبقة الافتراء على الناس كذبًا. وهذه المبالغة لا تأويل لها إلا أن المؤلف يحب أن يكون هذا الشعر الجاهلي منحولًا". ثم تعرض لما تعرض له الدكتور من ذكر حماد الراوية وخلف الأحمر، وقال إنهما ليسا "مرجع الرواية كلها ولا أن الطعن فيهما طعن في الرواية جميعًا"٢. ومع ذلك فقد ذكر بعض الروايات التي تطعن في حماد وخلف ونقدها وبيَّن ضعف بعضها. ثم ذكر أن الدكتور رمى أبا عمرو الشيباني بالكذب والوضع، مع أن أحدًا من القدماء لم يرمه بذلك حتى إن خصومه قد وثقوه، ولم يكتف الدكتور بذلك بل قال عنه: "وأكبر الظن أنه كان يأجر نفسه للقبائل يجمع لكل واحدة منها شعرًا يضيفه إلى شعرائها" فقال السيد محمد الخضر حسين إن إيجار عالم كأبي عمرو الشيباني لا يمكن أن يكون قد حدث من غير أن يتنبه له القدماء ويشيروا إليه٣، وأن الدكتور لم يبنِ حكمه هذا إلا على الظن والتخيل.
стр. 435
أما الأستاذ محمد لطفي جمعة فقد رد عيه من وجه آخر وذلك قوله١: "وإن كان بعض المتعاصرين والأنداد من الرواة طعن بعضهم في بعض، فليس في الطعن حجة أو دليل على صحة التهمة؛ لأن اتحاد الحرفة والمنافسة في الشهرة والمزاحمة على نيل الحظوة قد تدفع ببعض الرواة إلى الحسد والغيرة، لهذا قال الأقدمون "إن المعاصرة حجاب"، حتى إن رواة ثقات كالأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد كانوا يتطاعنون ويضعِّف كل منهم رواية صاحبه، ولكن المحققين ينزهونهم عن الكذب ... فلا يجوز إذن أن نأخذ بما يقوله الرواة بعضهم في بعض، وقد عقد ابن جني فصلًا في كتابه "الخصائص" على ما يكون من قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض وتكذيب بعضهم بعضًا، كرواية المفضل الضبي في حق حماد، وهي لم تمحص ولم تنتقد وإن صح إسنادها فوليدة أحقاد معاصرة، فإن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يقدح في العدالة، وهذا رأى علماء الحديث وجاراهم فيه أهل الأدب حتى قالوا: إن المعاصرة حجاب، كما قدمنا".
стр. 436
الفصل الخامس: توثيق الرواة وتضعيفهم
-١-
إن كان شيء أولى بالشك، وأحرى بالتوقف، وأجدر بالبحث والتمحيص، فهو هذه الأخبار والروايات المتناثرة في صفحات الكتب العربية، التي تدور حول بعض رواة الشعر: تتهمهم بالوضع والنحل، وترميهم بالكذب والافتعال. وسنقصر حديثنا في هذه الصفحات على تلك الأخبار والروايات، وعلى ما فيها من أحكام على الرواة أنفسهم: فيها توثيق لهم حينًا، وتجريح وتضعيف في أكثر الأحيان؛ وذلك لأن بحثنا إنما هو مصادر الشعر الجاهلي، والرواية مصدر أصيل من مصادر هذا الشعر، أو هي المصدر الأصيل إذا أخذناها بمعناها الواسع الذي وضحناه في فصل سابق. أما ما بسطنا فيه القول من دواعي الشك في الشعر الجاهلي وأسباب نحله، فحسبنا ما قدمنا من آراء المؤيدين والمفندين.
ولا بد لنا، حتى يستقيم بين أيدينا وجه البحث وندخل فيه من بابه، من أن نشير إلى قيام مدرستين فكريتين مختلفتين، قامت إحداهما في الكوفة، وقامت الأخرى في البصرة. وقد أدى الخلاف بين هاتين المدرستين إلى أن يتعصب علماء كل مدرسة لمدرستهم، وأن يجرحوا هم وتلاميذهم علماء المدرسة الأخرى وتلاميذها ويضعفوهم ويرموهم بالوضع والكذب والتزيد. ولسنا نحب أن نوسع مجال البحث فنعرض للقبائل العربية التي استوطنت كل مصر من هذين المصرين، وما أدى إليه ذلك من عصبية قبلية قد يكون لها أثر فيما نحن بسبيله من بحث، ولا نريد كذلك أن نعرض للاتجاه السياسي في البصرة والكوفة منذ زمن عثمان وعلي ثم في
стр. 437
زمن بني أمية، فإن ذلك كله سيقودنا إلى إطالة نحن في غنى عنها في هذا المجال. ولكننا نحب أن نبين في وضوح وجلاء، الطابع الفكري المميز الذي تفردت به كل من البصر والكوفة في الفقه، واللغة والنحو، والشعر والأخبار.
أما الكوفة فيبدو أنها كانت أسبق من البصرة إلى العناية بالحديث والفقه، وذلك لأنه "هبط الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر"١؛ وكان فيها أيضًا ستون شيخًا من أصحاب عبد الله "بن مسعود"٢". وكان في بني ثور الذين نزلوا الكوفة "ثلاثون رجلًا ما فيهم رجل دون الربيع بن خثيم"٣ وكان من أثر نشاط حركة الفقه والفتيا في الكوفة أن شهد لها بعض علماء المدينة -وهم من مدرسة في الحديث مخالفة- فمن ذلك ما روي عن "عبد الجبار بن عباس عن أبيه قال: جالست عطاء فجعلت أسائله، فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة؛ فقال عطاء: ما يأتينا العلم إلا من عندكم"٤.
بل لقد شهد لهم بالتقدم بعض علماء البصرة، فقد: "قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، أهل البصرة أو أهل الكوفة؟ قال: كان عمر يبدأ بأهل الكوفة، وبها بيوتات العرب كلها وليست بالبصرة"٥. وقال مسعر: قلت لحبيب بن أبي ثابت: هؤلاء أعلم أم أولئك؟ قال: أولئك "يعني أهل الكوفة"٦.
ومع ذلك فقد كان الحديث وروايته في الحجاز أسبق وأقدم من الكوفة "فأكثر الصحابة كانوا بالمدينة، وهم أعرف الناس بحديث رسول الله، وأخبر بقوله وعمله، وحتى من رحل منهم إلى العراق وسائر الأمصار فإنما كانوا عارية
стр. 438
من الحجاز"١. وقد كان علماء المدينة يتمسكون بالحديث تمسكًا كبيرًا، ويلجئون إليه -بعد القرآن- فيما يحزبهم من أمر أو يحتاجون إليه من نص، ولا يكادون يتجاوزونه إلى الاجتهاد وإبداء الرأي والفتيا. وقد ساعدهم على ذلك كثرة ما بين أيديهم من أحاديث، وبقاء الحالة الاقتصادية والاجتماعية على ما كانت عليه في عهد رسول الله ومن بعده الصحابة، أو قريبة من ذلك، فلم يصبها من التعقيد والتطور ما أصاب حياة المسلمين في العراق أو الشام، ولذلك كانوا يجدون لكل أمر من أمورهم حديثًا من أحاديث رسول الله يقضون به في ذلك الأمر.
أما الحياة في الكوفة فقد كانت على غير حياة المدينة، فقد نزل المسلمون فيها بيئة جديدة، فيها أخلاط من أجناس شتى بعضها له ماض عريق في الحضارة والحياة الفكرية والاجتماعية، ولذلك كانت حياة الكوفة، إذا قيست بحياة المدينة، معقدة، جد فيها من المسائل الاقتصادية والاجتماعية ما لم يكن معروفًا في المدينة. ولذلك اضطر علماء الكوفة حينما يعرض لهم أمر من أمور حياتهم لا يجدون فيه نصًّا واضحًا في القرآن أو الحديث إلى أن يجتهدوا ويفتوا برأيهم، وهذا الاجتهاد والإفتاء بالرأي هو "القياس". و"أصل القياس أن يُعلم حكم في الشريعة لشيء فيقاس عليه أمر آخر لاتحاد العلة فيهما، ولكنهم توسعوا في معناه أحيانًا فأطلقوه على النظر والبحث عن الدليل في حكم مسألة عرضت لم يرد فيها نص، وأحيانًا يطلقونه على الاجتهاد فيما لا نص فيه، وبعبارة أخرى جعلوه مرادفًا للرأي، ويعنون بالرأي والقياس بهذا المعنى أن الفقيه من طول ممارسته للأحكام الشرعية تنطبع في نفسه وجهة الشريعة في النظر إلى الأشياء، وتمرن ملكاته على تعرف العلل والأسباب، فيستطيع إذا عرض عليه أمر لم يرد فيه نص، أن يرى فيه رأيًا قانونيًّا متأثرًا بجو الشريعة التي ينتمي إليها، وبأصولها وقواعدها التي انطبعت.
стр. 439
فيه من طول مزاولتها، ومن أجل هذا ذموا الرأي الذي يصدر ممن ليس أهلًا للاجتهاد ... ١".
وخلاصة ذلك أنه كانت هناك مدرستان، الأولى: مدرسة الحديث، وهي في الحجاز وخاصة في المدينة، وعلى رأسها مالك بن أنس وتلاميذه. والثانية: مدرسة الرأي، وهي في العراق وخاصة في الكوفة وعلى رأسها أبو حنيفة. وتعصب علماء كل مدرسة لمدرستهم حتى لقد كاد أبو حنيفة أن يفضل أحد التابعين من علماء الكوفة على صحابي جليل هو عبد الله بن عمر، فقد قال مرة لمناظرة "إبراهيم "النخعي-كوفي" أفضل من سالم "بن عبد الله بن عمر"، ولولا فضل الصحبة لقلت علقمة أفضل من ابن عمر". وأخذ الحجازيون يطعنون على علماء الكوفة ويعيبونهم ويرموهم بالتزيد في الحديث الصحيح والإكثار من الموضوع، فقال مالك: "إذا جاوز الحديث الحرتين ضعفت شجاعته"، وكان مالك يسمي الكوفة "دار الضرب" يعني أنها تصنع الأحاديث وتضعها كما تخرج دار الضرب الدراهم والدنانير، وقال ابن شهاب: يخرج الحديث من عندنا شبرًا فيعود في العراق ذراعًا٢.
وقد سقنا ما تقدم لنخلص منه إلى أمرين؛ الأول: أن الطابع الذي يميز أهل الكوفة في الفقه أنهم "أهل الرأي"، وأنهم لا يلجئون إلى الرأي إلا إذا عرض لهم عرض لم يجدوا له نصًّا في الكتاب أو الحديث، ومعنى ذلك أنهم قد عنوا بالحديث وجمعه وروايته واستقصائه عناية كبيرة لأنه مصدر أساسي من مصادر الفقه التشريع، ولكنهم بعد ذلك كانوا أكثر حرية من غيرهم وأكثر جرأة على استخدام العقل، فكانوا يقولون برأيهم، حيث يتوقف غيرهم، إذا لم يجدوا نصًّا في القرآن أو الحديث. والأمر الثاني: أن المدرسة الأخرى وهي مدرسة أهل الحديث في المدينة قد اتهمت مدرسة الكوفة بوضع الأحاديث والتزيد فيها،
стр. 440
وقد يكون ما استجد في حياة الكوفة مما لم يجدوا له ذكرًا أو أصلًا في الحديث حافزًا لهم على الوضع أو التزيد رغبة في أن يدعموا رأيهم بحديث نبوي؛ ولكن أغلب ما أنكره أهل المدينة على أهل الكوفة مرده إلى أن بعض التابعين وتابعي التابعين في الكوفة قد أخذوا الأحاديث عن الصحابة الذين نزلوا الكوفة، فكان هؤلاء الصحابة يحدثون بأحاديث لم يسمع بعضها علماء المدينة ممن كان فيها من الصحابة فجهلوها. وليس كل ما كان يحدث به صحابي بل يحدث به غيره، بل إن بعض الصحابة كان يحدث بحديث نسخه حديث آخر لم يبلغه غيره من الصحابة١. فلم يكن مرد اتهام الكوفيين بالوضع إلى أنهم وضعوا كل ما اتُّهموا به، ولم يكن مرده كله إلى عصبية أهل الحديث لمدرستهم على مدرسة الرأي، وإنما كان بعض هذا الاتهام مرده إلى أنهم وضعوا حقًّا، وكان مرد بعضه إلى العصبية، ثم كان مرد بعضه الآخر إلى اختلاف مصادر الرواية، أي اختلاف الصحابة الذين أخذ عنهم علماء كل مدرسة من التابعين وتابعيهم.
أما في اللغة والنحو فقد كانت البصرة أسبق إلى العناية بهما ثم تبعتها الكوفة، فقامت في المصرين مدرستان متمايزتان: مدرسة البصرة، ومدرسة الكوفة. "وربما كان أهم الفروق الأساسية بين المدرستين أن مدرسة البصرة رأت أن أهم غرض وضع قواعد عامة للغة ... تلتزمها وتريد أن تسير عليها في دقة وحزم؛ وإذ كانت اللغات لا تلتزم القواعد العامة دائمًا بل فيها مسائل لا يمكن أن تجري على القاعدة، وخصوصًا اللغة العربية التي هي لغات قبائل متعددة تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا ... أراد البصريون تمشيًا مع غرضهم أن يهدروا الشواذ، فإذا ثبتت صحتها قالوا إنها تحفظ ولا يقاس عليها. بل جرءوا على أكثر من ذلك فخطئوا بعض العرب في أقوالهم إذا لم تجر على القواعد ... فهم في الواقع أرادوا أن ينظموا اللغة بإهدار بعضها، وأرادوا أن يكون ما سمع من العرب مخالفًا لهذا
стр. 441
التنظيم مسائل شخصية جزئية يتسامحون فيها نفسها ولا يتسامحون في مثلها والقياس عليها حتى لا تكثر فتفسد القواعد والتنظيم، هذا إذا لم يتمكنوا من أن يؤولوا الشاذ تأويلًا يتفق وقواعدهم ولو بنوع تكلف. أما الكوفيون فلم يروا هذا المسلك، ورأوا أن يحترموا كل ما جاء عن العرب، ويجيزوا للناس أن يستعملوا استعمالهم، ولو كان الاستعمال لا ينطبق على القواعد العامة، بل يجعلون هذا الشذوذ أساسًا لوضع قاعدة عامة ... فهم أكثر تجويزًا للوجوه المختلفة في المسائل ... ١.
وكان من أثر هذا الخلاف في المنهجين أن تعصب كل فريق لمدرسته، وأخذ يتهم ويضعف علماء المدرسة الأخرى، وخاصة البصريين الذين كانوا يرون أنهم أخذوا اللغة عن العرب الخلص وأن الكوفيين أخذوها عن الأعراب الذين فسدت لغتهم وسيلقتهم. قال الرياشي-وهو بصري٢-: "إنما أخذنا اللغة من حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وهؤلاء أخذوا اللغة من أهل السواد أكلة الكواميخ والشواريز". وافتخر البصريون بأنهم لم يأخذوا عن الكوفيين في هذا الميدان شيئًا، وأن الكوفيين هم الذين كانوا يأخذون عن البصريين، فقال أبو سعيد٣:
"لا أعلم أحدًا من علماء البصريين في النحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة شيئًا من علم العرب إلا أبا زيد فإنه روى عن المفضل الضبي.."، وقال أبو زيد٤:
"قدم الكسائي البصرة فأخذ عن أبي عمرو ويونس وعيسى بن عمر علمًا كثيرًا صحيحًا، ثم خرج إلى بغداد فقد أعراب الحطمة فأخذ عنهم شيئًا فاسدًا فخلط هذا بذاك فأفسده ... ". وقال أبو الطيب اللغوي٥: "وكذلك أهل الكوفة كلهم يأخذون عن البصريين ولكن أهل البصرة يمتنعون عنهم لأنهم لا يرون الأعراب الذين يحكون عنهم حجة". وربما كان من أوضح الأمثلة التي تدل
стр. 442
على مدى ما جرت إليه هذه المنافسة بين المدرستين من خصومات واتهامات ما قاله أبو حاتم السجستاني١: "لم يكن لجميع الكوفيين عالم بالقرآن ولا كلام العرب، ولولا أن الكسائي دنا من الخلفاء فرفعوا من ذكره لم يكن شيئًا، وعلمه مختلط بلا حجج، ولا يملك إلا حكايات عن الأعراب مطروحة لأنه كان يلقنهم ما يريد، وهو على ذلك أعلم الكوفيين بالعربية والقرآن، وهو قدوتهم وإليه يرجعون.." وقال أبو حاتم أيضًا٢: "فإذا فسرت حروف القرآن المختلف فيها، أو حكيت عن العرب شيئًا فإنما أحكيه عن الثقات عنهم مثل أبي زيد والأصمعي وأبي عبيدة ويونس وثقات من فصحاء الأعراب وحملة العلم، ولا ألتفت إلى رواية الكسائي والأحمري والأموي والفراء ونحوهم، وأعوذ بالله من شرهم!! ".
وقد بادلهم الكوفيون اتهامًا باتهام وخصومة بخصومة، فمن أمثلة ذلك أنه "لما مات المازني خلفه أبو العباس المبرد، وبقي ذلك ببغداد وسامرا لا يغض أحد منه إلى أن ذكره ابن الأنباري في بعض مصنفاته، وأراد أن يضع منه، ويرفع من صاحبه أبي العباس، أحمد بن يحيى ثعلب، جاريًا على عادته في العصبية للكوفيين على البصريين"٣. ومن ذلك أيضًا أن ابن الأعرابي الكوفي "كان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان قليلًا ولا كثيرًا"٤، وأنه كان يقول في كلمة رواها الأصمعي "سمعت من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي"٥.
وقال ثعلب "انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي" ... والشواهد على ذلك كثيرة وكلها تكشف عن مدى ما قادت إليه هذه الخصومة المنهجية من تبادل الاتهام والتضعيف.
ويعنينا من كل ذلك الأمران اللذان أشرنا إليهما عند حديثنا عن الحديث والفقه، وأولهما: أن الكوفيين أكثر حرية في منهجهم وأكثر جرأة حيث يتقيد
стр. 443
غيرهم ويتوقف. ولسنا بسبيل المفاضلة بين المنهجين، ولكنا لا نملك إلا أن نشير إلى أن مذهب البصريين بما فيه من ميل شديد إلى "التقعيد" و"التقنين" أقرب إلى الطريقة التعليمية ومذهب المعلمين والتلاميذ، أما مذهب الكوفيين فهو أقرب إلى فهم طبيعة اللغة فهمًا صحيحًا، وهو بذلك مذهب العلماء لا المعلمين. ونحب أن نشير إلى أن هذا المنهج الذي اتبعه الكوفيون بعدُ كان موجودًا في البصرة أيضًا مع وجود المذهب الثاني "وكانت هاتان النزعتان في البصرة في أيامها الأولى، فهم يقولون: إن ابن أبي إسحاق الحضرمي وتلميذه عيسى بن عمر كانا أشد ميلًا للقياس، وكان لا يأبهان بالشواذ، وكانا لا يتحرجان من تخطئة العرب؛ وكان أبو عمرو بن العلاء وتلميذه يونس بن حبيب البصريان أيضًا على عكسهما: يعظمان قول العرب ويتحرجان من تخطئتهم، فغلبت النزعة الأولى على من أتى بعدُ من البصريين، وغلبت النزعة الثانية على من أتى بعدُ من الكوفيين ... "١.
والأمر الثاني في اللغة والنحو كالأمر الثاني الذي ذكرناه في الحديث والفقه، وذلك أن اتهام البصريين للكوفيين بوضع الشواذ ونحلها وتضعيفهم إياهم، لم يكن كله لأن الكوفيين كانوا حقًّا يضعون وينحلون، وإنما كان بعضه لهذه العصبية التي قامت بين المدرستين، وكان بعضه لاختلاف المصادر التي كان يأخذ عنها كل فريق، واختلاف المنهجين في استقاء مادة اللغة، فقد كان البصريون يضيقون على حين كان الكوفيون يتوسعون.
فإذا ما انتقلنا إلى الحديث عن الشعر وروايته، وجدنا أن الأمرين اللذين أشرنا إليهما في الحديث والفقه من جانب، وفي اللغة والنحو من جانب آخر قائمان في الشعر أيضًا. فقد اتصف الكوفيون هنا بما اتصفوا به هناك من أنهم أكثر حرية وأكثر جرأة، وأنهم قد توسعوا في الأخذ عن مصادر أسقطها البصريون، ومن هنا كثرت رواية الكوفيين فاتهمهم البصريون بالتزيد والوضع.
стр. 444
قال ابن سلام في حديثه عن الأسود بن يعفر بعد أن أورد قصيدة له١: "وله شعر كثير جيد، ولا كهذه. وذكر بعض أصحابنا أنه سمع المفضل يقول: له ثلاثون ومائة قصيدة؛ ونحن لا نعرف له ذلك ولا قريبًا منه. وقد علمت أن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي ويتجوزون في ذلك بأكثر من تجوزنا".
وقال أيضًا٢: "وأسمعني بعض أهل الكوفة شعرًا زعم أنه أخذه عن خالد بن كلثوم يرثي به حاجب بن زرارة. فقلت له: كيف يروي خالد مثل هذا وهو من أهل العلم، وهذا شعر متداع خبيث؟ فقال: أخذناه من الثقات. ونحن لا نعرف هذا ولا نقبله". وقال أبو الطيب اللغوي٣: "والشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بين في دواوينهم". وقال الثوري٤: "اتكل أهل الكوفة على حماد وجناد، ففسدت رواياتهم من رجلين، كانا يرويان ولا يدريان، كثرت رواياتهما وقل علمهما".
ومما ذكروه في تعليل كثرة رواية الشعر في الكوفة قصة اكتشاف الأشعار التي نسخت للنعمان في الطنوج فقال ابن جني بعد أن أورد هذه القصة٥: "فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة".
ونحب أن نعيد ما قررناه سابقًا من أن اتهام البصريين للكوفيين بوضع الشعر ونحله لم يكن مرده كله إلى أن الكوفيين كانوا يضعون وينحلون حقًّا، وإنما كان مرد بعضه إلى هذه العصبية وما سببته من منافسات وخصومات، ثم كان مرد بعضه إلى اختلاف مصادر الفريقين وإلى اختلاف منهجيهما، فقد توسع الكوفيون على حين ضيق البصريون.
стр. 445
وبعد؛
فقد سقنا هذا الحديث كله لنصل إلى ما بدأنا به حديثنا حينما قلنا إنه إن كان شيء أولى بالشك، وأحرى بالتوقف، وأجدر بالبحث والتمحيص، فهو هذه الأخبار والروايات المتناثرة في صفحات الكتب العربية، التي تدور حول بعض رواة الشعر: تتهمهم بالوضع والنحل، وترميهم بالكذب والافتعال. وأحسب أننا نستطيع الآن أن نتبين قيمة قولنا هذا بعد الذي بيناه من أمر هذه العصبية بين البصرة والكوفة، وهذا الخلاف في المصادر التي استقى كل فريق مادته منها، ثم هذا الخلاف في المنهج الذي اتبعته كل مدرسة، وما كان لكل ذلك من أثر في اتهامه كل فريق الآخر بالوضع والنحل، ورميه بالكذب والتزيد. على أن هذا الحديث العام -على ما فيه من خطر وقيمة- لا تتكشف لنا جوانبه إلا حين ندعمه بالحديث عن بعض الرواة، وعرض الأخبار والروايات التي تدور حولهم.
-٢-
وسنبدأ بالحديث عن حماد ثم نتلوه بالحديث عن خلف، فقد نالهما من الاتهام بالوضع والكذب والنحل ما لم ينل غيرهما. ولعل خير ما نصنع أن نعرض الأخبار والروايات التي توثق حمادًا وتضعفه، ونجعلها أقسامًا يجتمع كل قسم منها في قرن:
١- المفضل وحماد:
أ- روى أبو الفرج١ عن جماعة من الرواة أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي بعيساباذ، وقد اجتمع فيها عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب اخاجب، فدعا بالمفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث مليًّا ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعًا، وقد
стр. 446
بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادًا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفًا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدًا محدثًا فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل. فسألنا عن السبب، فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:
دع ذا وعد القول في هرم
ولم يتقدم له قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئًا إلا أني توهمته كان يفكر في قول يقوله، أو يروي في أن يقول شعرًا فعدل عنه إلى مدح هرم، وقال: دع ذا، أو كان مفكرًا في شيء من شأنه فتركه وقال: دع ذا، أي: دع ما أنت فيه من الفكر وعد القول في هرم. فأمسك عنه، ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل، فقال: ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين. قال: فكيف قال؟
فأنشده:
لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين مذ حجج ومذ دهر
قفر بمندفع النحائت من ... ضفوى أولات الضال والسدر
دع ذا وعد القول في هرم ... خير الكهول وسيد الحضر
قال: فأطرق المهدي ساعة؛ ثم أقبل على حماد فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بد من استخلافك عليه. ثم استحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة ليصدقنه عن كل ما يسأله عنه. فحلف له بما توثق منه. قال له: أصدقني عن هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير. فأقر له حينئذ أنه قائلها. فأمر فيه وفي المفضل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه.
стр. 447
ب- وروى أبو الفرج أيضًا١ "أن ابن الأعرابي قال: سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا. فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويُحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك! ".
٢- الأصمعي وحماد:
روى أبو الفرج٢ أن الرياشي قال، قال الأصمعي: كان حماد أعلم الناس إذا نصح. وزاد ياقوت على ذلك يشرح قول الأصمعي٣: يعني إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار، فإنه كان متهمًا بأنه يقول الشعر وينحله شعراء العرب.
وروى أبو الطيب اللغوي٤ أن أبا حاتم السجستاني قال، قال الأصمعي: جالست حمادًا فلم أجد عنده ثلاثمائة حرف، ولم أرض روايته، وكان قديمًا.
وذكر أبو الطيب أن الأصمعي روى عن حماد شيئًا من الشعر٥؛ وأن أبا حاتم قال، قال الأصمعي: كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حماد الراوية إلا نتفًا سمعتها من الأعراب وأبي عمرو بن العلاء.
٣- أبو عمرو بن العلاء وحماد:
روى أبو الفرج٦ أن أبا عمرو الشيباني قال: ما سألت أبا عمرو بن العلاء
стр. 448
قط عن حماد الراوية إلا قدَّمه على نفسه، ولا سألت حمادًا عن أبي عمرو إلا قدمه على نفسه.
٤- ابن سلام وحماد:
قال ابن سلام١ "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية، وكان غير موثوق به: كان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار، أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال: قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة، وهو عليها، فقال: ما أطرفتني شيئًا. فعاد إليه فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة مديح أبي موسى. فقال. ويحك، يمدح الحطيئة أبا موسى لا أعلم به. وأنا أروي شعر الحطئية! ولكن دعها تذهب في الناس".
وقال ابن سلام أيضًا: وسمعت يونس يقول: العجب لمن يأخذ عن حماد، كان يكذب ويلحن ويكسر.
٥- خلف الأحمر وحماد:
ذكر أبو الطيب اللغوي حمادًا ٢ فقال إنه كان من أوسع الكوفيين رواية، "وقد أخذ عنه أهل المصرين، وخلف الأحمر خاصة".
وذكر أيضًا٣ أن أهل الكوفة قرءوا أشعارهم على خلف، "وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه".
ونقل ياقوت٤ أن خلفًا الأحمر أول من أحدث السماع بالبصرة، وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية فسمع منه.....
وذكر أبو الفرج٥ أن أبا عبيدة قال، قال خلف: كنت آخذ من
стр. 449
حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها؛ وكان فيه حمق.
٦- حماد ينتحل الشعر الجاهلي ويدعيه لنفسه:
ذكر أبو الفرج١ عن رواته أن حمادًا الراوية قدم على بلال بن أبي بردة البصرة، وعند بلال ذو الرمة، فأنشده حماد شعرًا مدحه به. فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: جيدًا وليس له. قال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري إلا أنه لم يقله. فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه، قال له: إن لي إليك حاجة. قال: هي مقضية. قال: أنت قلت ذلك الشعر؟ قال: لا. قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.
وبعد؛
فهذه خلاصة شاملة لما في المصادر العربية من أخبار حماد الراوية، وهي تميل في أكثرها إلى النيل منه وتضعيف روايته واتهامه بالوضع والنحل. ولكن كل خبر من هذه الأخبار يحمل في تضاعيفه ما يستوقف الباحث ويسترعي انتباهه ويحمله على التقصي في البحث والنقد. ومن أجل ذلك سنعود إلى هذه الأخبار خبرًا خبرًا نستنطقه لعله يكشف لنا عن خبئ فيه ينتهي بنا إلى يقين أو ما يشبه اليقين.
١- المفضل وحماد:
أ- أما الخبر الأول ففيه أمران٢، يدعم ثانيهما أولهما، وينتهيان بنا إلى أن نشك في هذا الخبر شكًّا يكاد يؤدي إلى رفضه. فالأمر الأول: أن الرواة
стр. 450
قالوا إنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي، وأن حسينًا الخادم قال: إن أمير المؤمنين يعلمكم ... فقد جرت هذه القصة إذن والمهدي خليفة؛ أي بعد سنة ١٥٨هـ، وذلك لأن المهدي بويع بالخلافة في آخر ذي الحجة من سنة ١٥٨ ولم يبق على انقضائها إلا إحدى عشرة ليلة١. ولكن حمادًا توفي قبل أن يتولى المهدي الخلافة بنحو ثلاث سنوات. فقد ذكر ياقوت أن حمادًا توفي سنة ١٥٥-٢ وذكر ابن النديم أنه توفي سنة ١٥٦-٣. والأمر الثاني: أن الرواة ذكروا أنهم كانوا في دار المهدي في عيساباذ. ولكن المهدي لم يبن داره في عيساباذ إلا بعد وفاة حماد بنحو تسع سنوات، قال الطبري في حوادث سنة ١٦٤-٤ "وفيها بنى المهدي بعيساباذ الكبرى قصرًا من لبن إلى أن أسس قصره الذي بالآجر الذي سماه قصر السلامة، وكان تأسيسه إياه في يوم الأربعاء في آخر ذي القعدة".
ب- أما الخبر الثاني فهو عندنا ضعيف متهم كذلك؛ وذلك لأن فيه أن حمادًا "رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء معانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل عنه ذلك في الآفاق". فقد كان حماد إذن شاعرًا، وأي شاعر! كان شاعرًا ذا قدرة على تصريف وجوه القول وفنون الشعر، بل لقد كان شاعرًا جمعت فيه الشعراء، إذا قال قصيدة بلغت من القوة والمتانة ومن الفحولة والجزالة، بل بلغت من الفن الشعري، منزلة تجعلها حقيقة بأن تكون من شعر امرئ القيس أو النابغة أو طرفة أو سائر شعراء الجاهلية، بحيث تُنسب إلى أي شاعر من هؤلاء الشعراء وتدخل في شعره ويُحمل ذلك في الآفاق! وهذا وحده، في الفن، باطل؛ ولكنه باطل من وجه آخر، وهو أن حمادًا لم يعرف بقول الشعر، ولم نجد بين أيدينا مصدرًا واحدًا من هذه
стр. 451
الكتب العربية ذكر لنا أن حمادًا قال شعرًا أو خلَّف ديوانًا رواه عنه غيره.
ولو كان له شعر لحرصوا على ذكره لأنهم عنوا بتسجيل الشعراء وشعرهم ودواوينهم أولًا، ولأن ذلك كان يقوي من رأي من اتهمه بالوضع والنحل ثانيًا. فكيف لم يذكروا شعر حماد وديوانه، وهم يذكرون "أن لخلف ديوان شعر حمله عنه أبو نواس"١؟ ثم، أيكون المرء شاعرًا، في مثل هذه المنزلة من الفحولة والشاعرية، فيصرف كل شعره إلى غيره وينحله إياه، ويضن على نفسه بأن ينسب إليها بعضه؟ ولسنا في حاجة إلى إطالة القول وبين أيدينا خبر آخر إن لم يكن ذا دلالة قاطعة على أن حمادًا لم يكن يحسن قول الشعر، فهو على أقل تقدير مما يستأنس به في هذه السبيل؛ وذلك أن حمادًا حين أراد أن يمدح بلال بن أبي بردة، لم يستطيع أن ينظم شعرًا في مدحه، وإنما انتحل لنفسه شعرًا جاهليًّا قديمًا ووجهه في مدح بلال، ولم يكتشف ذلك إلا ذو الرمة حينما سمع حمادًا ينشده، ثم اعترف به حماد٢.
ومما يدعم هذا الذي نذهب إليه ويكشف عن مقدار التخبط الذي وقعت فيه هذه الأخبار والروايات، ما ذكره ابن سلام، قال "سمعت يونس يقول: العجب لمن يأخذ عن حماد، كان يكذب ويلحن ويكسر". فيكف يكون حماد بهذا القدر من الشاعرية الفذة التي حاولت الرواية أن تصوره بها ثم يكون بعد ذلك يكسر الشعر ولا يقيم وزنه؟ لا شك أن أحد هذين الخبرين موضوع، ولعلهما كليهما كذلك٣.
فإذا كان الأمر على ما بينا، وكان هذان الخبران موضوعين، فإن لهما مع ذلك دلالة لا يصح أن نغفلها، وهي أن بين المفضل وحماد منافسة شديدة
стр. 452
ربما بلغت حد الخصومة والاتهام، ثم استغلها تلاميذ المفضل ورووا عنها الأخبار: يتهمون حمادًا ويقوون من مكانة أستاذهم المفضل فتقوى بذلك مكانتهم. أما المنافسة بينهما فلعلها كانت لأن المفضل -على ما يروون من أنه كان ثقة كثير الرواية للشعر- كان لا يحسن شيئًا من الغريب ولا من المعاني ولا تفسير الشعر، وإنما كان يروي شعرًا مجردًا١. أما حماد فقد تقدم أنه كان عالمًا "بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم"٢، وكان "من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها"٣. فكان حماد إذن يروي ما لم يكن يرويه المفضل، ويعرف ما لم يكن يعرفه، فاتهمه بالتزيد بل اتهمه بالوضع والنحل.
ولا ينبغي أن ننسى أن حمادًا كان أموي الهوى وكانت "ملوك بني أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره، فيفد عليهم، ويسألونه عن أيام العرب وعلومها، ويجزلون صلته.."٤ وجاءه يومًا صديقه مطيع بن إياس يدعوه إلى مجلس جعفر بن أبي جعفر المنصور، فقال له حماد٥: "دعني، فإن دولتي كانت مع بني أمية وما لي عند هؤلاء خير ... " أما المفضل فقد كان عباسي الهوى، وقد قربه المنصور وألزمه ابنه المهدي يؤدبه؛ وللمهدي صنع المفضليات.
ونحسب أن ما بسطناه من وجوه هذه المنافسة والخصومة يزيدنا اطمئنانًا إلى ما قدمناه في أمر هذين الخبرين عن المفضل وحماد.
٢- الأصمعي وحماد:
ولقد كان أمر المفضل وحماد بين رجلين من الكوفة نفسها جمعتهما عصبية بلدية واحدة، ثم فرقتهما منافسات وخصومات شخصية وسياسية. أما الأمر بين
стр. 453
الأصمعي وحماد فيعود بنا إلى المنافسة بين البصرة والكوفة، فالأصمعي بصري، وهذه الأخبار الثلاثة يروي أحدها الرياشي ويروي اثنين منها أبو حاتم، وهما بصريان كذلك. ولم يكن شأن الرياشي وأبي حاتم في عصبيتهما للبصرة على الكوفة شأن الأصمعي، وذلك لأنهما كانا من أكثر البصريين طعنًا على الكوفيين واتهامًا لهم، وقد مر بنا أن الرياشي قال: إنما أخذنا اللغة من حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وهؤلاء أخذوا اللغة من أهل السواد وأكلة الكواميخ والشواريز١.
ومر بنا كذلك تضعيف أبي حاتم للكوفيين وقوله٢: "لم يكن لجميع الكوفيين عالم بالقرآن ولا كلام العرب، وقوله٣: "فإذا فسرت حروف القرآن المختلف فيها أو حكيت عن العرب شيئًا فإنما أحكيه عن الثقات عنهم مثل أبي زيد والأصمعي وأبي عبيدة ويونس وثقات من فصحاء الأعراب وحملة العلم، ولا ألتفت إلى رواية الكسائي والأحمري والأموي والفراء ونحوهم، وأعوذ بالله من شرهم! ".
فإذا لم يكف هذا الجانب في تضعيف هذه الأخبار، فإن ما فيها من تناقض ليزيدنا اطمئنانًا إلى أنها من هذه الأخبار التي ساقت إليها هذه العصبية والمنافسات. وذلك أن أبا حاتم يروي أن الأصمعي قال "جالست حمادًا فلم أجد عنده ثلاثمائة حرف، ولم أرض راويته". أما أنه لم يجد عنده ثلاثمائة حرف فأمر لا شأن لنا به في هذا البحث، وأما أنه "لم يرض روايته" فلا نراه يستقيم مع رواية أبي حاتم نفسه عن الأصمعي أنه قال إنه أخذ شعر امرئ القيس كله عن حماد "إلا نتفًا سمعتها من الأعراب وأبي عمرو بن العلاء". ومما يؤيد هذا الذي نذهب إليه من تزيد التلاميذ على شيوخهم في أخبار منافستهم، بل وضعهم عليهم أخبارًا في ذلك، أن الأصمعي قال "كان حماد أعلم الناس إذا نصح" ولم يزد على ذلك، فجاء من يفسر قوله هذا ويشرحه فقال: "يعني إذا لم يزد
стр. 454
وينقص في الأشعار والأخبار، فإن كان متهمًا بأنه يقول الشعر وينحله شعراء العرب". وكل هذا تفسير لقوله "إذا نصح". ونحن لا نكاد نطمئن إلى هذا التفسير بعد الذي علمناه من أن الأصمعي أخذ عن حماد "شيئًا من الشعر"، وأنه روى عنه ديوان امرئ القيس وأضاف إليه نتفًا سمعها من الأعراب وأبي عمرو بن العلاء. والأصمعي مشهور بتشدده وتحريه وأنه "لا يفتي إلا فيما أجمع عليه العلماء، ويقف عما يتفردون به عنه، ولا يجوِّز إلا أفصح اللغات، ويلج في دفع ما سواه١"، "وأنه، كان لا يفسر شعرًا فيه هجاء ... وكان صدوقًا في كل شيء"٢، فمن كان هذا منهجه فإنه لا يأخذ إلى عن ثقة أو عمن يعرف أنه ثقة. والذي نراه في تأويل قوله "إذا نصح" أنه يريد إذا نصح لمن يأخذ عنه وسمحت نفسه في إعطائه وتعليمه، وذلك لأن حمادًا كان مشهورًا بأنه ضنين برواية الشعر وإنشاده٣.
٣- أبو عمرو بن العلاء وحماد:
أما الخبر الذي سقناه عن تقديم أبي عمرو بن العلاء حمادًا على نفسه، وتقديم حماد أبا عمرو على نفسه ففيه توثيق لحماد، وهو -إن صح- يدعم ما ذهبنا إليه من أن رأي العلماء الذين عاصروا حمادًا وكانوا من طبقته -إذا ما جُرِّد من العصبية والتحامل- لم يكن كالرأي الذي شاع بعد أن شوهته الأخبار والروايات. ولرأي أبي عمرو في حماد قيمة خاصة إذ أن أبا عمرو بصري، بل رأس علماء البصرة، وكان ثقة مأمونًا حتى عند الكوفيين وقد يضعِّف من هذا الخبر أن راويه أبو عمرو الشيباني وهو كوفي، ولكن أبا عمرو الشيباني ثقة، لم يضعفه أحد فيما يروي، وإن
стр. 455
كانوا نالوا منه لاستهتاره في الشراب. ومع ذلك فثمة خبر يدعم هذا الخبر وقد رواه عن أبي عمرو رأس من رءوس علماء البصرة، هو تلميذه الأصمعي قال١، قال أبو عمرو: ما سمع حماد الراوية حرفًا قط إلا سمعته. ومن أجل ذلك كله نميل إلى أن أبا عمرو بن العلاء، ومن في منزلته من علماء الطبقة الأولى، كانوا يقدرون حمادًا حق قدره، وكانوا يوثقونه ويعدلونه.
٤- ابن سلام وحماد:
أما ما رواه ابن سلام عن يونس من أن حمادًا وضع القصيدة الميمية في مدح أبي موسى الأشعري ونحلها الحطيئة، فمردود من وجهين، الأول: أن المدائني، وهو بصري، وكان معاصرًا لابن سلام رد عليه وذكر "أن الحطيئة قال هذه القصيدة في أبي موسى، وأنها صحيحة، قالها فيه وقد جمع جيشًا للغزو.."٢ والوجه الثاني: أن العلماء الذين جمعوا ديوان الحطيئة وشرحوه بعد حماد أثبتوا هذه القصيدة في ديوانه، ولم يأخذوا بالرأي الذي أورده ابن سلام عن يونس. فهذا ابن حبيب قد روى هذه القصيدة عن ابن الأعرابي وعن أبي عمرو الشيباني معًا، وأثبتها السكري عن ابن حبيب في شرحه لديوان الحطيئة٣.
ويدعم هذين الوجهين أن ابن سلام روى خبر وضع حماد لهذه القصيدة ونحلها الحطيئة عن يونس، ويونس بصري، كابن سلام، وكلاهما يضعف الكوفيين ويتهمهم بالكذب والوضع والتزيد. فيونس ذكر حمادًا في الخبر الثاني الذي أوردناه وقال: العجب لمن يأخذ عن حماد، كان يكذب ويلحن ويكسر. وقد مر بنا أن ابن سلام قال في معرض حديثه عن
стр. 456
الأسود بن يعفر "إن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي ويتجوزون في ذلك بأكثر من تجوزنا". وقال أيضًا في معرض شعر رواه بعض أهل الكوفة: ونحن لا نعرف هذا ولا نقبله.
ومن أجل هذا كله لا نملك أن نطمئن إلى ما رُوي من أن حمادًا وضع تلك القصيدة ونحلها الحطيئة، ولا نملك أن نطمئن إلى أحكام يونس وابن سلام على حماد.
٥- خلف الأحمر وحماد:
أما الأخبار الأربعة التي أوردناها عن خلف وحماد فثلاثة منها توثق حمادًا توثيقًا ما بعده من توثيق، فقد جاء في الخبر الأول أن حمادًا "أخذ عنه أهل المصرين "البصرة والكوفة"، وخلف الأحمر خاصة". وأكد الخبر الثاني ما جاء في هذا الخبر الأول، فذكر أن أهل الكوفة قرءوا أشعارهم على خلف بعد وفاة حماد لأن خلفًا "كان قد أكثر الأخذ عنه". وكذلك جاء في الخبر الثالث أن خلفًا الأحمر أول من أحدث السماع بالبصرة، وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية فسمع منه. فإذا كان حماد بهذه المنزلة التي تذكرها هذه الأخبار، وكان أستاذًا لأهل الكوفة، وبعض أهل البصرة وخاصة خلفًا فكيف يستقيم ذلك مع الخبر الرابع الذي يذكر فيه خلف أن حمادًا "كان فيه حمق"، وأن خلفًا قال: كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها. وليس هذا التناقض وحده بين هذا الخبر والأخبار الثلاثة قبله هو الذي يكشف عن زيف هذا الجبر، بل إنه كذلك ليتناقض مع ما قدمنا من رأي العلماء في حماد وهو أنه كان عالمًا بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء معانيهم، فكيف يكون علمه هذا إذا جاز عليه ما تزعمه هذه الرواية من منحول الشعر الذي كان يعطيه إياه خلف؟ بل ثمة
стр. 457
تناقض ثالث: فقد مر بنا أن حمادًا اتهم بأنه -لكثرة علمه بلغات العرب وشعرهم ومذاهب الشعراء ومعانيهم- كان ينظم الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل عنه ذلك في الآفاق. ولكن هذا الخبر يصور لنا حمادًا ثقة فيما يروي لأن خلفًا يعترف بأنه كان يأخذ منه الصحيح من أشعار العرب؛ ثم إنه يصور لنا حمادًا في صورة الجاهل الأحمق الذي يستجهله حتى تلميذه فيعطيه المنحول من الشعر فيقبله ويجوز عليه!
فنحن إذن -بعد ما عرضنا هذه الأخبار وبينا ما فيها من زيف- نميل إلى أن نعد أكثر ما اتهم به حماد موضوعًا، دعت إلى وضعه عوامل عدة منها: هذه العصبية التي كانت متأججة بين البصرة والكوفة؛ ومنها: تلك المنافسات والخصومات الشخصية كالتي كانت بين المفضل وحماد؛ ومنها: العصبية السياسية، فقد كان حماد أموي الهوى والنزعة، وكانت دولة بني أمية قد ولت وأقبلت دولة جديدة تناصبها العداء وتريد أن تمحو محاسنها وآثارها وتحط من قيمة من اشتهر فيها أو نال لديها حظوة؛ ومنها أن حمادًا كان -باعتراف الرواة- كثير الرواية واسع الحفظ١: فكان يروي ما لا يعرفه غيره، ويحفظ ما لا يحفظون، فاتهموه بالتزيد والوضع. وقد ساعد على كيل هذا الاتهام له وتضعيفه وتجريحه أنه كان ماجنًا مستهترًا بالشراب مفضوح الحال٢.
стр. 458
-٣-
ولكن الروايات والأخبار التي بين أيدينا لا تقتصر على اتهام حماد الكوفي، وإنما تتهم كذلك شيخًا من شيوخ البصرة المقدمين، ورأسًا من رءوس الرواية فيها، هو خلف الأحمر. وسنعرض هذه الأخبار والروايات في سمطين: ينتظم أولهما الأخبار التي تتهمه بالوضع والنحل، وينتظم ثانيهما الأخبار التي توثقه وتعدله. ثم نعقب عليهما بمناقشة الأخبار الأولى ونقدها.
١- الأخبار التي تتهمه بالوضع والنحل:
أ- قال محمد بن يزيد "المبرد"١: "كان خلف أخذ النحو عن عيسى بن عمر، وأخذ اللغة عن أبي عمرو، ولم يُرَ أحد قط أعلم بالشعر والشعراء منه، وكان به يضرب المثل في عمل الشعر؛ وكان يعمل على ألسنة الناس فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه؛ ثم نسك فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة؛ وبذل له بعض الملوك مالًا عظيمًا خطيرًا على أن يتكلم في بيت شعر شكوا فيه فأبى ذلك، وقال: قد مضى لي في هذا ما لا أحتاج إلى أن أزيد فيه. وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه، وبلغ مبلغًا لم يقاربه حماد، فلما تقرأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة، فعرَّفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة. فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم.
стр. 459
ب- قال أبو حاتم عن الأصمعي١: "كان خلف مولى أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ... وكان أعلم الناس بالشعر، وكان شاعرًا، ووضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا، وعلى غيرهم، عبثًا بهم، فأخذ ذلك عنه أهل البصرة وأهل الكوفة".
ج- قال أبو حاتم٢: "ولما قدم الأصمعي من بغداد دخلت إليه، فسألته عمن بها من رواة الكوفة. قال: رواة غير منقحين، أنشدوني أربعين قصيدة لأبي دؤاد الإيادي قالها خلف الأحمر. وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون، وبها يفتخرون".
د- وقال أبو عبيدة٣: "قال خلف: كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها؛ وكان فيه حمق".
هـ- قال أبو علي القالي٤: "كان أبو محرز أعلم الناس بالشعر واللغة، وأشعر الناس على مذاهب العرب. حدثني أبو بكر بن دريد: أن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى التي أولها:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
له، وهي من المقدمات في الحسن والفصاحة والطول، فكان أقدر الناس على قافية".
و وقال ابن عبد ربه٥: "كان خلف مع روايته وحفظه يقول الشعر فيحسن وينحله الشعراء، ويقال إن الشعر المنسوب إلى ابن أخت
стр. 460
تأبط شرًّا، وهو:
إن بالشعب إلى جنب سلع ... لقتيلا دمه ما يطل
لخلف الأحمر، وإنما ينحله إياه". وكان الجاحظ قد ذكر١: "وقال تأبط شرًّا أو أبو محرز خلف بن حيان الأحمر:
مسبل بالحي أحوى رفل ... وإذا يعدو فسمع أزل٢
وكذلك قال ابن قتيبة إن خلفًا الأحمر هو القائل:
إن بالشعب إلى جنب سلع ... لقتيلًا دمه ما يطل
"ونحله ابن أخت تأبط شرًّا. وكان يقول الشعر وينحله المتقدمين"٣.
٢- الأخبار التي توثقه وتعدله:
أ- قال ابن سلام:٤ "خلف بن حيان، أبو محرز، وهو خلف الأحمر -اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لسانًا. كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرًا أو أنشدنا شعرًا، ألا نسمعه من صاحبه". وقال أبو زيد الأنصاري أيضًا٥ "أتيت بغداد حين قام المهدي محمد، فوافاها العلماء من كل بلدة بأنواع العلوم، فلم أر رجلًا أفرس ببيت شعر من خلف".