الأسود بن يعفر "إن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي ويتجوزون في ذلك بأكثر من تجوزنا". وقال أيضًا في معرض شعر رواه بعض أهل الكوفة: ونحن لا نعرف هذا ولا نقبله.
ومن أجل هذا كله لا نملك أن نطمئن إلى ما رُوي من أن حمادًا وضع تلك القصيدة ونحلها الحطيئة، ولا نملك أن نطمئن إلى أحكام يونس وابن سلام على حماد.
٥- خلف الأحمر وحماد:
أما الأخبار الأربعة التي أوردناها عن خلف وحماد فثلاثة منها توثق حمادًا توثيقًا ما بعده من توثيق، فقد جاء في الخبر الأول أن حمادًا "أخذ عنه أهل المصرين "البصرة والكوفة"، وخلف الأحمر خاصة". وأكد الخبر الثاني ما جاء في هذا الخبر الأول، فذكر أن أهل الكوفة قرءوا أشعارهم على خلف بعد وفاة حماد لأن خلفًا "كان قد أكثر الأخذ عنه". وكذلك جاء في الخبر الثالث أن خلفًا الأحمر أول من أحدث السماع بالبصرة، وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية فسمع منه. فإذا كان حماد بهذه المنزلة التي تذكرها هذه الأخبار، وكان أستاذًا لأهل الكوفة، وبعض أهل البصرة وخاصة خلفًا فكيف يستقيم ذلك مع الخبر الرابع الذي يذكر فيه خلف أن حمادًا "كان فيه حمق"، وأن خلفًا قال: كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها. وليس هذا التناقض وحده بين هذا الخبر والأخبار الثلاثة قبله هو الذي يكشف عن زيف هذا الجبر، بل إنه كذلك ليتناقض مع ما قدمنا من رأي العلماء في حماد وهو أنه كان عالمًا بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء معانيهم، فكيف يكون علمه هذا إذا جاز عليه ما تزعمه هذه الرواية من منحول الشعر الذي كان يعطيه إياه خلف؟ بل ثمة
стр. 457
تناقض ثالث: فقد مر بنا أن حمادًا اتهم بأنه -لكثرة علمه بلغات العرب وشعرهم ومذاهب الشعراء ومعانيهم- كان ينظم الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل عنه ذلك في الآفاق. ولكن هذا الخبر يصور لنا حمادًا ثقة فيما يروي لأن خلفًا يعترف بأنه كان يأخذ منه الصحيح من أشعار العرب؛ ثم إنه يصور لنا حمادًا في صورة الجاهل الأحمق الذي يستجهله حتى تلميذه فيعطيه المنحول من الشعر فيقبله ويجوز عليه!
فنحن إذن -بعد ما عرضنا هذه الأخبار وبينا ما فيها من زيف- نميل إلى أن نعد أكثر ما اتهم به حماد موضوعًا، دعت إلى وضعه عوامل عدة منها: هذه العصبية التي كانت متأججة بين البصرة والكوفة؛ ومنها: تلك المنافسات والخصومات الشخصية كالتي كانت بين المفضل وحماد؛ ومنها: العصبية السياسية، فقد كان حماد أموي الهوى والنزعة، وكانت دولة بني أمية قد ولت وأقبلت دولة جديدة تناصبها العداء وتريد أن تمحو محاسنها وآثارها وتحط من قيمة من اشتهر فيها أو نال لديها حظوة؛ ومنها أن حمادًا كان -باعتراف الرواة- كثير الرواية واسع الحفظ١: فكان يروي ما لا يعرفه غيره، ويحفظ ما لا يحفظون، فاتهموه بالتزيد والوضع. وقد ساعد على كيل هذا الاتهام له وتضعيفه وتجريحه أنه كان ماجنًا مستهترًا بالشراب مفضوح الحال٢.
стр. 458
-٣-
ولكن الروايات والأخبار التي بين أيدينا لا تقتصر على اتهام حماد الكوفي، وإنما تتهم كذلك شيخًا من شيوخ البصرة المقدمين، ورأسًا من رءوس الرواية فيها، هو خلف الأحمر. وسنعرض هذه الأخبار والروايات في سمطين: ينتظم أولهما الأخبار التي تتهمه بالوضع والنحل، وينتظم ثانيهما الأخبار التي توثقه وتعدله. ثم نعقب عليهما بمناقشة الأخبار الأولى ونقدها.
١- الأخبار التي تتهمه بالوضع والنحل:
أ- قال محمد بن يزيد "المبرد"١: "كان خلف أخذ النحو عن عيسى بن عمر، وأخذ اللغة عن أبي عمرو، ولم يُرَ أحد قط أعلم بالشعر والشعراء منه، وكان به يضرب المثل في عمل الشعر؛ وكان يعمل على ألسنة الناس فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه؛ ثم نسك فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة؛ وبذل له بعض الملوك مالًا عظيمًا خطيرًا على أن يتكلم في بيت شعر شكوا فيه فأبى ذلك، وقال: قد مضى لي في هذا ما لا أحتاج إلى أن أزيد فيه. وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه، وبلغ مبلغًا لم يقاربه حماد، فلما تقرأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة، فعرَّفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة. فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم.
стр. 459
ب- قال أبو حاتم عن الأصمعي١: "كان خلف مولى أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ... وكان أعلم الناس بالشعر، وكان شاعرًا، ووضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا، وعلى غيرهم، عبثًا بهم، فأخذ ذلك عنه أهل البصرة وأهل الكوفة".
ج- قال أبو حاتم٢: "ولما قدم الأصمعي من بغداد دخلت إليه، فسألته عمن بها من رواة الكوفة. قال: رواة غير منقحين، أنشدوني أربعين قصيدة لأبي دؤاد الإيادي قالها خلف الأحمر. وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون، وبها يفتخرون".
د- وقال أبو عبيدة٣: "قال خلف: كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها؛ وكان فيه حمق".
هـ- قال أبو علي القالي٤: "كان أبو محرز أعلم الناس بالشعر واللغة، وأشعر الناس على مذاهب العرب. حدثني أبو بكر بن دريد: أن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى التي أولها:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
له، وهي من المقدمات في الحسن والفصاحة والطول، فكان أقدر الناس على قافية".
و وقال ابن عبد ربه٥: "كان خلف مع روايته وحفظه يقول الشعر فيحسن وينحله الشعراء، ويقال إن الشعر المنسوب إلى ابن أخت
стр. 460
تأبط شرًّا، وهو:
إن بالشعب إلى جنب سلع ... لقتيلا دمه ما يطل
لخلف الأحمر، وإنما ينحله إياه". وكان الجاحظ قد ذكر١: "وقال تأبط شرًّا أو أبو محرز خلف بن حيان الأحمر:
مسبل بالحي أحوى رفل ... وإذا يعدو فسمع أزل٢
وكذلك قال ابن قتيبة إن خلفًا الأحمر هو القائل:
إن بالشعب إلى جنب سلع ... لقتيلًا دمه ما يطل
"ونحله ابن أخت تأبط شرًّا. وكان يقول الشعر وينحله المتقدمين"٣.
٢- الأخبار التي توثقه وتعدله:
أ- قال ابن سلام:٤ "خلف بن حيان، أبو محرز، وهو خلف الأحمر -اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لسانًا. كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرًا أو أنشدنا شعرًا، ألا نسمعه من صاحبه". وقال أبو زيد الأنصاري أيضًا٥ "أتيت بغداد حين قام المهدي محمد، فوافاها العلماء من كل بلدة بأنواع العلوم، فلم أر رجلًا أفرس ببيت شعر من خلف".
стр. 461
ب- قال أبو حاتم١: "قال الأصمعي: كأنما جعل علم لغة ابني نزار، ومن كان من بني قحطان على لغة ابني نزار، بين جوانح خلف الأحمر بمعانيها".
ج- وقال عيسى بن إسماعيل٢: "سمعت الأصمعي -وذكر خلفًا الأحمر أبا محرز- فقال: ذهبت بشاشة الشعر بعد خلف الأحمر. فقيل له: كيف وأنت حي؛ فقال: إن خلفًا كان يحسن جميعه وما أحسن منه إلا الحواشي".
د- قال أبو عبيدة٣: "خلف الأحمر معلم الأصمعي ومعلم أهل البصرة".
هـ- وقال أبو علي القالي٤: "وكنت أنا كثير التعطف للأصمعي، فكنت أسأل أبا بكر بن دريد كثيرًا عن خلف والأصمعي: أيهما أعلم؟ فيقول لي: خلف. فلما أكثرت عليه انتهرني، وقال: أين الثماد من البحور! ".
و وقال الرياشي٥: "سمعت الأخفش يقول: لم ندرك هاهنا أحدًا أعلم بالشعر من خلف والأصمعي. قلت: أيهما كان أعلم؟ قال: الأصمعي. قلت: لم؟ قال: لأنه كان أعلم بالنحو.
٣- مناقشة ونقد:
أ- ونحب أن نقف قليلًا عند هذا التناقض الواضح بين أخبار الطائفة الأولى وأخبار الطائفة الثانية: فخلف معلم الأصمعي ومعلم أهل البصرة؛ والأصمعي يقول بعد موت خلف: ذهبت بشاشة الشعر،
стр. 462
ويقدمه على نفسه ثم يقول عنه كأنما جعل علم لغة العرب بين جوانح خلف الأحمر بمعانيها. وأبو بكر بن دريد يفضل خلفًا على الأصمعي ويجعله بحرًا والأصمعي ثمادًا. ومع ذلك فهذا الأصمعي نفسه يذكر أن خلفًا كان يضع الشعر وأنه وضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا وعلى غيرهم عبثًا بهم، وأنه وضع أربعين قصيدة ونحلها أبا دؤاد الإيادي. وابن دريد -على تقديمه خلفًا- يذكر أن خلفًا هو قائل القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى. ولرب معترض يقول: إن وصف أخبار الطائفة الثانية خلفًا بالعلم لا تعني توثيقه في الرواية، وبذلك لا تتناقض مع أخبار الطائفة الأولى. وهذا القول مردود من وجهين؛ الأول: أن من الجائز ألا يعني الوصف بالعلم أن الموصوف به مُوثَّق في الرواية لو نُص على ذلك في الخبر نفسه، كما جاء في الخبر "ب" من الطائفة الأولى حيث قال الأصمعي عن خلف: "كان أعلم الناس بالشعر ... وضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا". أما أن يوصف بالعلم ويوقف عند ذلك ولا يُنص على تضعيفه في الرواية، فإن في هذا الإغفال نفسه دليلًا على التوثيق والتعديل؛ لأن الكلام حينئذٍ ملتبس، ولا بد لإيضاحه من النص على التضعيف والاتهام لو قُصدا. على أن كلامنا هذا يزيد اتضاحه في الوجه الثاني من وجوه ردنا، وذلك هو نص ابن سلام الذي أوردناه. فابن سلام ينص على علم خلف بالشعر وينص كذلك على توثيقه في الرواية، ثم لا يكتفي بأن يجعل ذلك رأيًا خاصًّا به وإنما يذكر أن هذا الرأي هو إجماع علماء البصرة، قال ابن سلام: "اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لسانًا، كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرًا أو أنشدنا شعرًا ألا نسمعه من صاحبه". ولرأي ابن سلام قيمة خاصة إذ أن ابن سلام هو من نعرف شكًّا في بعض الشعر الجاهلي، ونصًّا على بعض المنحول منه، وذكرًا لبعض الرواة الوضاعين وأخبار
стр. 463
وضعهم. والحق أن ابن سلام لم يكتف بكل هذا الذي قاله في توثيق خلف، وإنما أضاف إليه أقوالًا أخرى ذهب فيها إلى أن خلفًا كان ناقدًا للشعر الجاهلي، يميز صحيحه من فاسده، وينص على المنحول منه، ويرد كثيرًا مما كان يُروَى في زمنه. ومن أجل هذا جاءه خلاد بن يزيد الباهلي -"وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله"- فقال له١: "بأي شيء ترد هذه الأشعار التي تُروَى؟ " فقال له خلف: "هل فيها ما تعلم أنت أنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم. قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟ قال: نعم. قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت". وهو يصوره أيضًا أنه -في شكه في بعض الشعر الجاهلي- لا يقطع ولا يجزم، وإنما يقول إن هذه الأبيات أو تلك القصيدة "يقال" إنها لفلان؛ فمن ذلك أن ابن سلام سأله عن بيت من الشعر: من يقوله؟ فأجابه: "يقال للزبير بن عبد المطلب"٢.
ب- وفي أخبار الطائفة الأولى، وهي التي تتهم خلفًا بالوضع والنحل، أمر غريب حقًّا: فخلف بصري، والعلماء الذين يروون أخبار وضعه ونحله بصريون كذلك -مما يكاد يوهم أن هذه الأخبار صحيحة، فقد شهد بها بصريون على بصري، وبذلك فهي بعيدة عما ذكرناه آنفًا من أمر العصبية وما تدفع إليه من الاتهام. غير أننا حين ننعم في هذه الأخبار النظر نجد أنها لا تتهم حقًّا إلا الكوفيين، وأن خلفًا لا يعدو أن يكون معبرًا يجتازونه ليصلوا منه إلى اتهام علماء الكوفة ورواتها. واتخذوا خلفًا وسيلة لذلك لأنه -كما أسلفنا القول- قد أخذ عن حماد الكوفي، ثم أخذ الكوفيون بعد ذلك عن خلف. ففي الخبر "أ" "وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه،
стр. 464
وبلغ مبلغًا لم يقاربه حماد، فلما تقرأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة، فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس؛ فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة. فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم".
وفي الخبر "جـ" جعل الرواة الأصمعي يتهم خلفًا بالوضع ليصلوا إلى أن رواة الكوفة "رواة غير منقحين، أنشدوني أربعين قصيدة لأبي دؤاد الإيادي قالها خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون. وبها يفتخرون".
وجعل الرواة، في الخبر "د"، خلفًا يعترف بأنه كان ينحل الشعر، ليصلوا إلى أنه أعطى هذا الشعر لحماد الراوية الكوفي، فقلبه، ورواه، وأدخله في أشعار العرب.
ومن أجل هذا نجد أن كثيرًا من هذه الأخبار -بالرغم من أن رواتها بصريون يتهمون راوية بصريًّا- قد انتهت إلى غايتها وكشفت بذلك عن عوارها.
جـ- ومما يدلنا على مبلغ تجني بعض الرواة على خلف، ومدى ما انتهت إليه هذه الضروب المتعددة من العصبيات والخصومات أنهم وضعوا شعرًا ورجزًا على لسان خلف الأحمر وغيره من العلماء الرواة، ثم نسبوا إليه أنه وضع ذلك الشعر ونحله القدماء. قال الجاحظ١: "ولقد ولَّدوا على لسان خلف الأحمر، والأصمعي، أرجازًا كثيرة؛ فما ظنك بتوليدهم على ألسنة القدماء؟ ". ولعل في هذا ما يكشف لنا عن مدى الثقة التي يجب أن نوليها مثل هذه الروايات والأخبار التي تتهم خلفًا، وعرضنا طرفًا منها.
стр. 465
د- ونحب أن نكشف عن أمر آخر، يتصل بهذا الذي قالوه من أن خلفًا قال القصيدة اللامية:
إن بالشعب إلى جنب سلع ... لقتيلًا دمه ما يطل
ونحلها تأبط شرًّا. فقد اختلف القدماء في نسبتها: فنسبها بعضهم، كأبي تمام في حماسته١، إلى تأبط شرًّا، ولم يشر إلى أنها قد تنسب إلى غيره. ونسبها بعضهم إلى الشنفرى٢، ولم يشر كذلك إلى أنها قد تنسب إلى غيره. وقد يتداخل بعض شعر الشَّنْفَرَى وتأبط شرًّا، ويُنسب ما قاله أحدهما إلى الآخر لأنهما كانا من اللصوص وصعاليك العرب وفُتَّاكهم، وأكثر ما يتحدثان عنه في شعرهما متشابه. ونسبها بعضهم إلى ابن أخت تأبط شرًّا قالها في خاله. ونحن، في هذا المقام، لا يعنينا التثبت من نسبتها إلى واحد من هؤلاء الثلاثة، فسواء أكانت لتأبط شرًّا أم لابن أخته أم للشنفرى، فهي عندنا -هنا- جاهلية صحيحة وليست منحولة. ولكننا نحب أن نقف قليلًا عند أقوال من ذهبوا إلى أنها منحولة. ولنبدأ بما أورده التبريزي، قال٣: "قال النمري٤: ومما يدل على أنها لخلف الأحمر قوله فيها: "جلَّ حتى دقَّ فيه الأجل" فإن الأعرابي لا يكاد يتغلغل إلى مثل هذا. قال أبو محمد الأعرابي٥: هذا موضع المثل "ليس بعشك فادرجي"، ليس هذا كما ذكره، بل الأعرابي قد يتغلغل إلى أدق من هذا لفظًا ومعنى. وليس من هذه الجهة عُرِف أن الشعر
стр. 466
مصنوع، لكن من الوجه الذي ذكره لنا أبو الندى١، قال: مما يدل على أن هذا الشعر مولد أنه ذكر فيه سلعًا، وهو بالمدينة، وأين تأبط شرًّا من سلع؟ وإنما قُتل في بلاد هذيل ورُمي به في غار يقال له رخمان".
أرأيت إلى إقامة الدليل كيف تكون؟ لقد أحس الأقدمون أنفسهم بضعف قول من قال إن هذه القصيدة لخلف نحلها تأبط شرًّا أو ابن أخته، فمضوا يعتسفون الطريق إلى دليل يدعمون به هذا القول، فكان دليلهم ظنًّا وتوهمًا لم يغنيا شيئًا. قال بعضهم إن في هذه القصيدة نصف بيت -نصف بيت في القصيدة كلها- فيه معنى فلسفي عميق لا يدركه الأعرابي، وما هو هذا المعنى الفلسفي العميق؟ قالوا إنه قوله: جل حتى دق فيه الأجل. فإذا كشفت عن عمق هذا المعنى لم تجده يعني شيئًا غير قوله: إن وفاة هذا الرجل لأمر عظيم يصغر بإزائه كل عظيم من الأمور. فأي عمق في هذا القول لا يدركه الأعرابي ومن هو دون الأعرابي٢؛ فلما جاء من دفع هذا القول ورده لم يلبث أن هوى في مزلق دونه المزلق الأول، فقال: إن الدليل على أن هذه القصيدة مصنوعة أن الشاعر ذكر سلعًا، وأن سلعًا جبل في المدينة، ولكن الرجل المذكور في القصيدة قد قتل في بلاد هذيل!! أي عجب يربى على هذا العجب! وماذا يقول أبو الندى -الذي ذهب إلى هذا الرأي ونقله عنه أبو محمد الأعرابي-
стр. 467
لو قيل له: إن سلعًا اسم لعدة مواضع، ومنها -كما قال الأقدمون أنفسهم- "جبل لهذيل"١!!
فإذا شككت -كما نشك نحن الآن- في أمر هذا الخبر الذي يتهم خلفًا بوضع هذه القصيدة ونحلها الشنفرى أو تأبط شرًّا أو ابن أخته، وإذا رجح لديك -كما رجح لدينا- أن أكثر هذه القصيدة لا يمكن أن يكون موضوعًا متكلفًا منحولًا لما يظهره فيها النقد الفني الداخلي من أصالة، وصدق فني، وشخصية صادقة - فقد بقي إذن أن نعرف كيف التبس أمرها على القوم. وقد عثرنا على خبر طريف يوضح لنا الأمر من جميع أطرافه: فقد أورد الخالديان اثني عشر بيتًا من هذه القصيدة ونسباها للشنفرى، ثم قالا٢ "وقد زعم قوم من العلماء أن الشعر الذي كتبنا للشنفرى هو لخلف الأحمر، وهذا غلط. ونحن نذكر الخبر في ذلك: أخبرنا الصولي عن أبي العيناء قال: حضرت مجلس العتبي، ورجل يقرأ عليه الشعر للشنفرى، حتى أتى على القصيدة التي أولها:
إن بالشعب الذي دون سلعٍ ... لقتيلًا دمه ما يطل
فقال بعض من كان في المجلس: هذه القصيدة لخلف الأحمر. فضحك العتبي من قوله، فسألناه عن سبب ضحكه فقال: والله ما لآل أبي محرز خلف من هذه القصيدة بيت واحد. وما هي إلا للشنفرى. وكان لها خبر طريف لم يبق من يعرفه غيري. قلنا: وما خبرها؟ قال. جلسنا يومًا
стр. 468
بالمريد، ونحن جماعة من أهل الأدب، ومعنا خلف الأحمر، نتذاكر أشعار العرب، وكان خلف الأحمر أروانا لها وأبصرنا بها؛ فتذاكرنا منها صدرًا، ثم أفضينا إلى أشعارنا، فخضنا فيها ساعة، فبينا خلف ينشدنا قصيدة له في روي قصيدة الشنفرى هذه وقافيتها يذكر فيها ولد أمير المؤمنين عليهم الرحمة، وما نالهم وجرى عليهم من الظلم، إذ هجم علينا الأصمعي، وكان منحرفًا عن أهل البيت، وقد أنشد خلف بعض الشعر، فلما نظر الأصمعي قطع ما كان ينشده من شعره ودخل في غيره إلا أنه على الوزن والقافية، ولم يكن فينا أحد عرف هذا الشعر ولا رواه للشنفرى. فتحيرنا لذلك وظنناه شيئًا عمله على البديهة. فلما انصرف الأصمعي قلنا له: قد عرفنا غرضك فيما فعلت. وأقبلنا نطريه ونقرظه.
فقال: إن كان تقريظكم لي لأني عملت الشعر، فما عملته والله، ولكنه للشنفرى يرثي تأبط شرًّا، ووالله لو سمع الأصمعي بيتًا من الشعر الذي كنت أنشدكموه ما أمسى أو يقوم به خطيبًا على منبر البصرة فيتلف نفسي. فادعاء شعر لو أردت قول مثله ما تعذر علي أهون عندي من أن يتصل بالسلطان، فألحق باللطيف الخبير. قال أبو العيناء: فسألنا العتبي شعر خلف الذي ذكره فيه أهل البيت فدافعنا مدة ثم أنشد:
قدك مني صارم ما يفل ... وابن حزم عقده لا يحل
ينثني باللوم من عاذليه ... ما يبالي أكثروا أم أقلوا
"وهي ٤٧ بيتًا أوردها كلها، ثم قال": كتبنا هذه القصيدة بأسرها لأنها في سادتنا ﵈، ولأنها أيضًا غريبة لا يكاد أكثر الناس يعرفها".
هـ- وأمر أخير نختم به حديثنا عن خلف الأحمر. وذلك هو الخبر الذي رووا فيه أنه وضع لأهل الكوفة شعرًا كثيرًا رووه عنه "فلما تقرأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة، فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس. فقالوا له:
стр. 469
أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة، فبقي ذلك في دواوينهم".
وقد أشرنا إلى أن راوي هذا الخبر بصري ممن كان يتعصب على الكوفيين، وأن الغرض من هذا الخبر توهين رواية الكوفيين للشعر. ونحب في هذا المكان أن نسأل: مَنْ مِنْ رواة الكوفة أبى أن يقبل من خلف اعترافه: أكلهم أم بعضهم؟ فإذا كانوا جميعًا لم يقبلوا ذلك ففي الأمر إجماع واتفاق يعز مثلهما في أمر أيًّا كان؛ وإن كان بعضهم لم يقبل، وبعضهم قبل، فما هي القصائد التي اعترف بها خلف وأين ذكرها علماء الكوفة الذين قبلوا اعتراف خلف؟ ولو تركنا أهل الكوفة وتساءلنا عن أهل البصرة: ألم يسمع بعضهم بما اعترف به خلف لأهل الكوفة؟ فإذا كان أهل الكوفة لم يقبلوا اعترافه، فهل قبل ذلك أهل البصرة؟ وأين نصوا على هذه القصائد التي وضعها؟ ثم، إذا كان أهل البصرة قد علموا بذلك وقبلوا اعتراف خلف فقد ثبت لديهم إذن أن خلفًا كان يكذب ويضع الشعر وينحله الأقدمين؛ فكيف إذن وثقوه وقبلوا روايته؟ بل كيف وثقه الأصمعي وابن سلام -وهما من هما- توثيقًا لم يوثقاه أحدًا؟ والجواب على ذلك واضح، فقد وثقوه لأنه كان ثقة، ولأن هذا الخبر الذي رواه المبرد أو نسب إليه خبر لم يقبله أحد لأنه مما دعت إليه العصبيات والخصومات ...
وبعد؛
فلسنا نقصد إلى الحديث عن سائر العلماء من رواة الشعر، فإن حديثنا حينئذٍ لا ينتهي بنا إلى غاية نقف عندها، ونحن نرى أن في حديثنا عن حماد وخلف -وهما أشهر من رُمي بالوضع وأكثر من اتهم بالنحل- ما يغني عنه الاستقصاء والإفاضة. غير أننا نحب أن نشير إلى عالم ثالث من رواة الشعر واللغة، ثقة أي ثقة عند الكثيرين، ومع ذلك لم يعدم من يضغن عليه فيرميه بالوضع والتزيد: ذلك هو الأصمعي. وسنقتصر على خبرين فيهما تأييد لما ذهبنا إليه من أمر هذه الخصومات والمنافسات والعصبيات وما تدعو إليه من اتهام بالوضع ورمي بالكذب. فقد كان ابن الأعرابي، وهو كوفي، ينتقص الأصمعي.
стр. 470
-وهو بصري- ويرميه بمثل ما قدمنا؛ وكان يصح أن نرى مرد هذا الاتهام إلى العصبية التي أشرنا إلى بيان أمرها. ولكننا نجد خبرًا ذا قيمة كبيرة لنا في هذا المجال يرجع اتهام ابن الأعرابي الأصمعي إلى خصومة شخصية. قالوا١: "كان أول من أغرى ابن الأعرابي بالأصمعي أن الأصمعي أتى ولد سعيد بن سلم الباهلي، فسألهم عما يروونه من الشعر، فأنشده بعضهم القصيدة التي فيها:
سمين الضواحي لم تؤرقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم وعونها٢
فقال الأصمعي: ما رواك هذا الشعر؟ قال: مؤدب لنا يعرف بابن الأعرابي.
فقال: أحضروه. فأحضروه، فقال له: هكذا رويتهم هذا البيت برفع "ليلة"؟
قال: نعم. فقال الأصمعي: هذا خطأ، إنما الرواية "ليلةً" بالنصب، يريد: لم تؤرقه أبكارًا الهموم وعونها ليلةً من الليالي. فقال الأصمعي لسعيد: من لم يحسن هذا القدر فليس موضعًا لتأديب ولدك! فنحَّاه سعيد. فكان ذلك سبب طعن ابن الأعرابي على الأصمعي".
وأما الخبر الثاني فهو حديث لأبي الطيب اللغوي فيه بيان جوانب كثيرة من حديثنا الذي قدمناه، قال في معرض حديثه عن الأصمعي٣: "فأما ما يحكيه العوام وسُقَّاط الناس من نوادر الأعراب، ويقولون: هذا مما افتعله الأصمعي، ويحكون أن رجلًا رأى عبد الرحمن ابن أخيه فقال: ما فعل عمك؟ فقال: قاعد في الشمس يكذب على الأعراب. فهذا باطل، ما خلق الله منه شيئًا، ونعوذ بالله من معرة جهل قائليه وسقوط الخائضين فيه. وكيف يقول ذلك عبد الرحمن ولولا عمه لم يكن شيئًا؟ وكيف يكذب عمه وهو لا يروي شيئًا إلا عنه؟ وأنَّى يكون الأصمعي كما زعموا وهو لا يفتي إلا فيما أجمع عليه العلماء ويقف عما يتفردون.
стр. 471
به عنه ولا يجوِّز إلا أفصح اللغات ويلج في دفع ما سواه..؟.. وكان أبو زيد وأبو عبيدة يخالفانه ويناوئانه كما يناوئهما، فكلهم كان يطعن على صاحبيه بأنه قليل الرواية ولا يذكره بالتزيد؛ وكان أبو زيد أقلهم طعنًا على غيره؛ وكان أبو عبيدة يطعن على الأصمعي بالبخل وضيق العطن؛ فكان الأصمعي إذا ذكر أبا عبيدة قال: ذاك ابن الحائك ... فانظر إلى هذا الإنصاف بينهم من شدة المنافسة، ثم لا يتهم أحدهم صاحبه بالكذب ولا يقرفه بالتزيد، لأنهم يبعدون عن ذاك ... ".
وقد ذهب ابن جني إلى مثل ذلك، فقد عقد فصلًا عنوانه "باب في صدق النقلة وثقة الرواة والحملة" قال فيه: "هذا موضع من هذا الأمر لا يعرف صحته إلا من تصور أحوال السلف، وعرف مقامهم من التوقير والجلالة"، ثم ذكر من أخلاق بعض الرواة العلماء مثل أبي عمرو بن العلاء والأصمعي وأبي زيد وأبي عبيدة وأبي حاتم ما يوثقهم به ويدفع عنهم ما رُموا به. وقد قال عن الأصمعي: "وهذا الأصمعي، وهو صناجة الرواة والنقلة، وإليه محط الأعباء والثقلة ... كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره وهو حدث لأخذ قراءة نافع عنه؛ ومعلوم قدر ما حذف من اللغة فلم يثبته؛ لأنه لم يقوَ عنده إذ لم يسمعه.
وأما إسفاف من لا علم له، وقول من لا مسكة به: إن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب ويفعل كذا ويقول كذا فكلام معفو عليه، غير معبوء به ... " ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عما قدمناه من أمر العصبية بين البصرة والكوفة والخصومات التي نشأت بين العلماء الرواة، فيرى فيها رأيًا لا بأس من إيراده، إذ يرى في هذا الاتهام الذي كانوا يتبادلونه دليلًا على مدى تحريهم الدقة وتشددهم في الرواية، قال: "فإن قلت: فإنا نجد علماء هذا الشأن من البلدين، والمتحلين به من المصرين، كثيرًا ما يهجن بعضهم بعضًا، فلا يترك له في ذلك سماء ولا أرضًا. قيل: هذا أدل دليل على كرم هذا الأمر ونزاهة هذا العلم؛ ألا ترى إذا سبق إلى أحدهم ظنة، أو توجهت نحوه شبهة، سُبَّ
стр. 472
بها، وبرئ إلى الله منه لمكانها. ولعل أكثر ما يرمى بسقطة في رواية، أو غمزة في حكاية، محمي جانب الصدق فيها، بريء عند الله من تبعتها؛ لكن أخذت عنه إما لاعتنان شبهة عرضت له، أو لمن أخذ عنه، وإما لأن ثالبه ومتعيبه مقصر عن مغزاه، مغضوض الطرف دون مداه؛ وقد عرض الشبهة للفريقين، ويعترض على كلا الطريقين. فلولا أن هذا العلم في نفوس أهله والمتفيئين بظله كريم الطرفين ... لما تسابوا بالهجنة فيه، ولا تنابزوا بالألقاب في تحصين فروجه ونواحيه ... وإذا كانت هذه المناقضات والمنافسات موجودة بين السلف القديم ... ثم لم يكن ذلك قادحًا فيما تنازعوا فيه، ولا عائدًا بطرف من أطراف التبعة عليه جاز مثل ذلك أيضًا في علم العرب الذي لا يخلص جميعه للدين خلوص الكلام والفقه له، ولا يكاد يعدم أهله الأنس به والارتياح لمحاسنه".
-٤-
ومع ذلك كله فنحن لا نذهب -ولا يصح لأحد أن يذهب- إلى أن جميع ما في تضاعيف الكتب العربية من شعر منسوب إلى الجاهلية صحيح مبرأ من الوضع والنحل، ولكننا أردنا في حديثنا الذي قدمناه أن نفحص مواطئ أقدامنا حتى نمضي في يقين وثقة، ونصدر عن بصيرة وهدى، وأن نضع في الطريق أعلامًا، حتى لا نضل فيها ولا تعمى علينا معالمها. وقد قادنا البحث إلى أن هذا الشعر المنسوب إلى الجاهلية على ثلاثة أضرب:
١- فضرب موضوع منحول، إما على وجه اليقين القاطع وإما على وجه الترجيح الغالب. وأكثر شعر هذا الضرب ما وضعه القصاص ليحلوا به قصصهم، أو يكسبوه في نفوس السامعين والقارئين شيئًا من الثقة، وما وضعه هؤلاء القصاص على لسان آدم وغيره من الأنبياء أو على لسان بعض العرب البائدة، وما وضعه.
стр. 473
بعض الرواة ليثبتوا به نسبًا أو يدلوا به على أن لبعض العرب قدمة وسابقة. وقد أشرنا إلى بعض هذا الحديث في فصل مضى، وأشار إليه غيرنا في مواطن متفرقة، بحيث لا نحتاج إلى إعادة القول فيه؛ إذ أننا نراه أيسر هذه الضروب الثلاثة وأهونها لسهولة انكشافه ويسر افتضاحه، بحيث لا يكاد يعمى على أحد.
٢- وضرب صحيح لا سبيل إلى الشك فيه أو الطعن عليه. وذلك هو الذي أجمع العلماء الرواة على إثباته بعد أن تدارسوا هذا الشعر وفحصوه ومحصوه. وقد مر بنا أن القدماء كانوا يميزون الراوية من العالم بالرواية والشعر، فيأخذون قول الأول في حذر واحتياط، ولا يقبلون منه إلا ما يطمئنون إلى صحته، ثم يأخذون قول الثاني واثقين مطمئنين إلا أن يظهر لهم من وجوه النقد ما يضعف من ثقتهم واطمئنانهم. وقد فصلنا القول في أمر هؤلاء العلماء بالرواية والشعر، وكيف كانوا -على اختلاف مدارسهم- يجدون في الجمع والاستقصاء، ثم في البحث والتمحيص حتى يميزوا الموضوع من الصحيح، فلا يحفلوا بالموضوع ويسقطوه من مروياتهم وكتبهم، أو يثبتوه وينبهوا عليه. ويحسن بنا أن نذكر بثلاثة أخبار كنا قد قدمناها شاهدة على ما نقول. الأول: أن خلفًا الأحمر كان رأسًا من رءوس الرواية، أخذ عنه البصريون جميعًا، وكان من هؤلاء العلماء الذين لا يقبلون من الشعر إلا ما ميزوا صحته، ولا يروون منه إلا ما اطمأنوا إلى أنه غير موضوع؛ حتى لقد جاءه يومًا خلاد بن يزيد الباهلي، وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله، فقال له: "بأي شيء ترد هذه الأشعار التي تُروى؟ قال له: هل فيها ما تعلم أنت أنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم. قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟ قال: نعم. قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت"١ وحتى لقد قال له قائل يومًا٢ "إذا سمعت أنا بالشعر أستحسنه فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك. قال له:
стр. 474
إذا أخذت أنت درهمًا فاستحسنته، فقال لك الصراف إنه رديء، هل ينفعك استحسانك له؟ ".
ومن هؤلاء العلماء الرواة الذين جدوا في فحص الشعر الجاهلي ودراسته وروايته وتمييز موضوعه من صحيحه: أبو عبيدة معمر بن المثنى. فقد أتى -هو وابن نوح العطاردي- ابن داوود بن متمم بن نويرة لما قدم البصرة. فسألاه عن شعر أبيه متمم، وقاما له بحاجته، فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويضعها لهما، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها. فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله١. وقد قدمنا في الفصل الثاني من هذا الباب بعض تحقيقات أبي عبيدة في كتاب الخيل.
وقد بلغ رواة الشعر وعلماؤه من التحقيق والتمحيص، وتمييز منحوله، والنص على الموضوع منه، منزلة جعلت بعض العلماء يفضلونهم على رواة الحديث، فقد قال محمد بن سلام٢ "حدثني يحيى بن سعيد القطان قال: رواة الشعر أعقل من رواة الحديث؛ لأن رواة الحديث يروون مصنوعًا كثيرًا، ورواة الشعر ساعة ينشدون المصنوع ينتقدونه ويقولون: هذا مصنوع".
وإذا ما سألنا -كما سأل خلاد بن يزيد الباهلي خلفًا الأحمر- عن مقاييس هؤلاء العلماء الرواة في نقد الشعر وتمييز صحيحه من منحوله ظننا بادئ الرأي أنه لم يكن لهؤالاء القوم مقاييس ثابتة معروفة، وأنهم، إذا ما أجابونا عن هذا السؤال، سيفرون من الإجابة الشافية كما فر منها خلف حينما قال لخلاد إنه إذا كان يعلم أن في الشعر ما هو مصنوع، وإذا كان يعلم أن في الناس من هو أعلم بالشعر منه، فعليه ألا ينكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما يعلم. وكذلك حين شبه الناقد للشعر بالصراف من غير أن يذكر لنا مقياسًا واضحًا. ولكننا.
стр. 475
-حين نتعمق بالبحث ونستقصيه- لا نلبث أن نكشف أنه كانت بين أيديهم ثلاثة مقاييس:
أ- ذوقهم الشعري الذي اكتسبوه عن علم ودراية بعد طول معاناة ودرس لهذا الشعر، شأنهم في ذلك شأن الصراف الذي أشار إليه خلف، والذي لا يكاد الدرهم يقع بين يديه حتى يميزه لكثرة ما مرن على هذا الضرب من المعاناة والمعرفة.
ولكنهم لم يكونوا يستخدمون هذا المقياس وحده، وإنما كانوا يدعمونه ويقوونه بأحد المقياسين التاليين.
ب- إجماع الرواة: ولكن هل وقع هذا الإجماع في شيء من الشعر الجاهلي؟ أجل، لقد وقع في كثير منه ولم يختلفوا إلا في بعضه، وقد بينا طرفًا من ذلك فيما مضى، وسنبين طرفًا آخر منه في هذا الفصل وما سيتلوه من فصول. ويتبين لنا مدى إجلالهم لإجماع الرواة في مثل قول ابن سلام١ "وقد اختلفت العلماء في بعض الشعر كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه" وقوله في إجماعهم على الموضوع من الشعر٢ "وليس لأحد -إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه- أن يقبل من صحيفة ولا يروي عن صحفي". ومن هنا أوردوا ما أجمع عليه العلماء على أنه صحيح لا سبيل إلى الطعن فيه، فقال ابن سلام٣ "وأجمع الناس على أن الزبير بن عبد المطلب شاعر، والحاصل من شعره قليل، فمما صح عنه قوله: ... "وأورد الواقدي أبياتًا بعد أن قال٤ "وهي ثبت لم أر أحدًا يدفعها". وأورد رجزًا في موطن آخر وقال٥: "ما رأيت من أصحابنا أحدًا يدفعه". وإجماع الرواة الثقات هو الذي ذكره
стр. 476
الجاحظ في قوله١: "فالعلماء الذين اتسعوا في علم العرب، حتى صاروا إذا أخبروا عنهم بخبر كانوا الثقات فيما بيننا وبينهم، هم الذين نقلوا إلينا.
وسواء علينا جعلوه كلامًا وحديثًا منثورًا، أو جعلوه رجزًا أو قصيدًا موزونًا".
جـ- والمقياس الثالث الذي كان يعتمد عليه العلماء في القرنين الثالث والرابع ويزنون به هو: وجود الشعر في ديوان الشاعر أو ديوان القبيلة، فقد دون هذه الدواوين الثقات من العلماء الرواة، ولذلك قبلوا ما جاء فيها حين يجيء في صورة اليقين والقطع، وأما ما ذكره هؤلاء العلماء أنفسهم في تلك الدواوين على أنه مما يُشك فيه أو يتوقف عنده، فقد كانوا ينقلونه كما ذكروه بألفاظهم، وقد يبيحون لأنفسهم بحثه والنظر فيه. ومما يدل على مدى ثقتهم بما دونه العلماء في الدواوين الشعرية أن أبا الفرج ذكر شعرًا لامرئ القيس وقال٢: "وهي قصيدة طويلة وأظنها منحولة" ثم قدم لظنه هذا بسببين الأول: "لأنها لا تشاكل كلام امرئ القيس"، وهو نقد داخلي، والثاني: لأنه "ما دونها في ديوانه أحد من الثقات"، وهو هذا النقد الخارجي الذي نحن بسبيله، وكذلك أورد أبو الفرج أشعارًا لدريد بن الصمة رواها ابن الكلبي، ثم قال أبو الفرج إنها "موضوعة كلها"، واستدل على ذلك بقوله٣: "ما رأيت شيئًا منها في ديوان دريد بن الصمة على سائر الروايات". وأورد الآمدي أبياتًا نسبها إلى امرئ القيس بن مالك الحميري، ثم قال٤: "وهي أبيات تُروَى لامرئ القيس بن حجر الكندي، وذلك باطل، إنما هي لامرئ القيس هذا الحميري"، ثم يقدم على ذلك دليله وهو أن هذه الأبيات مذكورة في ديوان القبيلة، قال: "وهي ثابتة في أشعار حمير".
стр. 477
فإذا ما استخدم العلماء هذه المقاييس الثلاثة، أو اكتفوا ببعضها -وكثيرًا ما يكون الثاني أو الثالث- اطمأنوا إلى ما يوردون، وثبتت عندهم صحته وقدمه.
فمن ذلك أنك ترى أبا عبيدة يورد شعرًا جاهليًّا ويصفه بقوله إنه١ "الشعر الثابت الذي لا يُرَدُّ". ومن ذلك أيضًا أن الواقدي يورد شعرًا لحسان ويصفه بقوله٢: "ثبت قديمه". وأن الجاحظ يطمئن إلى أنه يستشهد على بعض الأخبار "بالشاهد الصادق"٣ و"بالأشعار الصحيحة"٤، ويصف بعض ما يذكر من أشعار العرب وأخبارهم بأنها "أشعارهم المعروفة وأخبارهم الصحيحة"٥.
٣- وأما الضرب الثالث من ضروب الشعر الجاهلي، فهو المختلف عليه، الذي قال عنه ابن سلام "وقد اختلفت العلماء في بعض الشعر، كما اختلفت في بعض الأشياء". وفي هذا الضرب الثالث نقاط ينبغي أن ننبه عليها لنحيط بالموضوع من أطرافه.
أ- أولها أن هذا الضرب يبدو -للقارئ العابر للكتب العربية- عظيمًا كبير القدر، وذلك لكثرة ما يقرأ من النص على أن هذا البيت موضوع وأن تلك الأبيات منحولة، ولكثرة ما يمر به من اتهام للرواة بالوضع والكذب والتزيد.
ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها عند من ينعم النظر ويستقصي في البحث أن هذا الضرب ليس بالكثرة التي يبدو بها، وسيمر بنا في الباب التالي عند حديثنا عن الدواوين أن الراوية العالم من الطبقة الثانية أو الثالثة، يروي ديوان شاعر عن راويتين أو ثلاثة من الطبقة الأولى، فيورد كثيرًا من قصائد الديوان والإجماع منعقد على صحتها، ثم يشير في قصائد قليلة إلى أن هذه القصيدة قد رواها فلان.
стр. 478
ولم يروها فلان، أو أن تلك القصيدة قد تُنسب إلى فلان وهو غير صاحب الديوان. وقد يجمع هذا الراوية -الذي قلنا إنه من الطبقة الثانية أو الثالثة- أبياتًا متفرقة ومقطعات صغيرة يضمها عنوان هو "المنحول من شعر فلان".
وهو يقصد بالمنحول ما لم يروه هؤلاء الرواة العلماء الذي رووا هذا الديوان.
فإذا ما أحصيت هذه الأبيات التي نص في تضاعيف الديوان أنها مما رواه فلان دون فلان، وضممت إليها ما جُمع في آخر الديوان بعنوان "المنحول من شعره" وجدتها كلها لا تكاد تعد شيئًا مذكورًا إذا قيست بالقصائد التي أجمع الرواة على صحتها، وسنبين تفصيل الأمر حينما نتحدث عن هذا الموضوع في حينه.
أما ما يمر به القارئ من كثرة الروايات التي ترمي الرواة بالوضع والكذب والتزيد، فقد تحدثنا عنها حديثًا مفصلًا. ولكننا نحب هنا أن نزيد أمرًا جديدًا، وهو أن هذا القدح وذلك التهجين لم يمنعا العلماء والرواة من الأخذ عن بعضهم، فكأنما كان المقصود بأكثر هذا القدح والتهجين النيل من الرواة أنفسهم -لأسباب قد بيناها- دون أن ينال ذلك مما يروون من شعر. وقد مر بنا طرف من اتهام البصريين للكوفيين وإسقاطهم روايتهم ورميهم بالكذب والوضع والنحل، ولكن ذلك لم يحل بين البصريين والأخذ عن الكوفيين بل إن رأسين من رءوس الرواية البصرية قد أخذوا عن أكثر الكوفيين حظًّا من الاتهام، ونقصد خلفًا الأحمر والأصمعي وأخذهما عن حماد الراوية -كما قدمنا- بل إن اتهام البصريين لخلف نفسه -وقد عرضنا هذا الاتهام وفندناه- لم يمنعهم من الأخذ عنه، ولم يحل دون أن يكون خلف "معلم أهل البصرة"! والأمثلة على ذلك كثيرة. ولكننا نحب أن نشير إلى مثل أخير يكشف لنا عن حقيقة هذا الاتهام، وكيف أن المقصود منه الزراية بالشخص نفسه والنيل منه في حياته للأسباب التي ذكرناها، حتى إذا مات، وانتفت تلك الأسباب، عاد الذي أزرى به ونال منه وهجنه، فإذا به يقر له بالعلم ويوثقه. فهذا أبو محمد يحيى بن مبارك اليزيدي يتعصب للبصريين على الكوفيين، وقد نظم قصيدة يمدح
стр. 479
نحويي البصرة ويهجو الكوفيين، وخاصة الكسائي، ويعيب مذهبهم، قال فيها بعد أن مدح نحاة البصرة١:
وقل لمن يطلب علمًا ألا ... ناد بأعلى شرف ناد:
يا ضيعة النحنو به مغرب ... عنقاء أودت ذات إصعاد
أفسده قوم وأزروا به ... من بين أعتام وأوغاد
ذوي مراء وذوي لُكنة ... لئام آباء وأجداد
لهم قياس أحدثوه هم ... قيام سوء غير منقاد
فهم من النحو ولو عمروا ... أعمار عادٍ في أبي جاد
أما الكسائي فذاك امرؤ ... في النحو حارٍ غير مراد٢
وهو لمن يأتيه جهلًا به ... مثل سراب البيد للصادي
وهجا الكسائي وأصحابه من الكوفيين بقصيدة أخرى منها٣:
كنا نقيس النحو فيما مضى ... على لسان العرب الأُول
فجاءنا قوم يقيسونه ... على لغى أشياخ قطربل
فكلهم يعمل في نقض ما ... به يصاب الحق لا يأتلي
إن الكسائي وأشياعه ... يرقون في النحو إلى أسفل
فإذا ما بحثت عن سبب هذا الهجاء، ولم تكتف بهذه العصبية البصرية، وجدت أن بين اليزيدي والكسائي خصومة شخصية ومنافسة، وذلك لأن اليزيدي "كان مؤدب المأمون، والكسائي مؤدب أخيه محمد الأمين، وبينه وبين الكسائي مقارضة بسبب تأديبهما الأخوين"٤. ومن أجل هذا كان كل همه في أن
стр. 480
يعيبه وينال منه، فلما مات الكسائي وانقضت تلك المنافسة والخصومة عاد اليزيدي واعترف للكسائي بالعلم، فقال، في أبيات، يرثيه ويرثي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة١:
وأقلقني موت الكسائي بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد
فأذهلني عن كل عيشٍ ولذةٍ ... وأرق عيني والعيون هجود
هما عالمانا أوديَا وتخرمَا ... وما لهما في العالمين نديد
ب- وأمر آخر جدير بالعناية، وهو أن كثيرًا من النص على "النحل" لا يعني أن هذا الشعر منحول موضوع حقًّا، وإنما غاية ما يعني أن هذا الراوية العالم يذهب إلى أن هذا الشعر منحول على حين يذهب غيره إلى أنه صحيح. فمرد الأمر إذن إلى خلاف في الحكم والرأي، مرجعه إلى اختلاف المصادر التي كان يأخذ عنها الرواة، وإلى اختلاف المناهج التي كان يحتكم إليها العلماء. وسنضرب لذلك بعض الأمثلة:
١- فقد مر بنا أن ابن سلام روى عن أبي عبيدة عن يونس بن حبيب أن حمادًا الراوية قال قصيدة في مدح أبي موسى الأشعري، وأنشدها بين يدي بلال بن أبي بردة بعد أن نحلها الحطيئة٢. ولكن المدائني، وهو بصري مثل هؤلاء الثلاثة، يخالفهم في الرأي، وقد ذكر "أن الحطيئة قال هذه القصيدة في أبي موسى، وأنها صحيحة، قالها فيه وقد جمع جيشًا للغزو"٣.
٢- وقد ذكر أبو خليفة الفضل بن الحباب أنه رُوي لعباس بن مرداس بيت في عدنان، قال٤:
стр. 481
وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بمذحج، حتى طردوا كل مطرد
ثم قال "والبيت مريب عند أبي عبد الله" يعني ابن سلام. ولعل ابن سلام ارتاب في البيت لذكره عدنان "ولم يذكر عدنان جاهلي غير لبيد بن ربيعة".
على حين أورده ابن هشام على أنه صحيح غير مريب، وذكر أنه أخذه عن أبي محرز خلف الأحمر وعن أبي عبيدة١. وكذلك أورده أبو عبد الله المصعب الزبيري على أنه صحيح ولم يشر إلى ارتيابه فيه كما أشار إلى ارتيابه في غيره من الأبيات التي تذكر الأنساب٢.
٣- وقد أورد المصعب الزبيري أبياتًا من الرجز تجعل نسب قضاعة في حمير لا في معد٣، وذهب إلى أن هذه الأبيات موضوعة فقال "وزوروا ذلك شعرًا". وأورد الأبيات أيضًا أبو الفرج وروى عن مؤرج بن عمرو أنه قال٤: "هذا قول أحدثوه بعدُ وصنعوا شعرًا ألصقوه به ليصححوا هذا القول ... وهذا شيء قيل في آخر أيام بني أمية". ومع ذلك فابن هشام الذي ولد بعد أيام بني أمية. والذي تعقب ابن إسحاق فيما أورد من الشعر ونقده وأسقط بعضه لأنه لم ير "أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرفها" ابن هشام هذا يورد الأبيات السابقة على أنها صحيحة، وعلى أنه يستدرك بها ما فات ابن إسحاق ذكره٥.
٤- وأورد ابن هشام قصيدة لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، آخرها قوله٦:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
стр. 482
وقال ابن هشام إن هذه القصيدة تُروَى لأمية بن أبي الصلت، وبعد أن أورد الأبيات مع هذا البيت الأخير قال "هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها، إلا آخرها بيتًا ... فإنه للنابغة الجعدي". ولكن ابن سلام يذهب غلى غير هذا المذهب فقد عرض لهذا البيت وقال١ "ترويه عامر للنابغة، والرواة مجمعون أن أبا الصلت بن أبي ربيعة قاله". وقد أتى به مثلًا على أن الشاعر قد يستزيد في شعره بيتًا قاله من قبله كالمتمثل حين يجيء موضعه من غير أن يقصد اجتلابه أو سرقته.
٥- وقد قال الرياشي٢: "يقال إن كثيرًا من شعر امرئ القيس ليس له، وإنما هو لفتيان كانوا يكونون معه مثل عمرو بن قميئة وغيره". ولكن ابن سلام ينفي ذلك ويقول٣: "وبنو قيس تدعي بعض شعر امرئ القيس لعمرو بن قميئة، وليس ذلك بشيء".
جـ- ومما قد يوهم بالنحل والوضع أيضًا اختلاف الرواة في نسبة الشعر، فتراهم ينسبون بعضه إلى شاعرين أو ثلاثة شعراء جاهليين؛ والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا لا يعنينا إلا ما سنذكره بعد أن نورد مثلين عليها: الأول- أن الأبيات التي في وصف المطر ومنها:
دانٍ مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
نسبها يونس بن حبيب لعبيد بن الأبرص، وعلى ذلك كان إجماع أهل البصرة٤.
"فلما قدم المفضل صرفها إلى أوس بن حجر". والثاني- أن القصيدة التي منها:
من سبإ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سبيله العرما
نسبها يونس للنابغة الجعدي، ونسبها أبو عبيدة لأمية، ثم سئل خلف الأحمر.
стр. 483
عنها فقال: "للنابغة، وقد يقال لأمية"١.
ونجب أن نلحظ أن الشعر في هذين المثلين -وفي كثير من الأمثلة غيرهما- نُسب إلى شعراء جاهليين، وأن الخلاف في نسبته لم يخرجه عن نطاق الشعر الجاهلي. فجاهلية هذا الشعر إذن ثابتة لا شك فيها عند هؤلاء الرواة العلماء، وإن كانوا اختلفوا في الشاعر الجاهلي نفسه -ربما لاختلاف المصادر التي استقى منها كل راوية منهم نسبة الشعر- وقد كان هؤلاء الرواة العلماء، لطول تمرسهم بالشعر الجاهلي ومدارستهم إياه، يعرفون الشعر الجاهلي ويميزونه من الإسلامي بمجرد سماعهم إياه -وإن كانوا يختلفون أحيانًا في نسبته، بل إنهم أحيانًا ليعرفون أنه شعر جاهلي ولكنهم يعجزون عن ذكر الشاعر نفسه، ومثال ذلك ما رُوي من أن حمادًا أنشد بلال بن أبي بردة شعرًا مدحه به، فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال ذو الرمة: جيدًا وليس له. قال بلال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري إلا أنه لم يقله ... فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه قال له: أنت قلت ذلك الشعر؟ قال: لا. قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية وهو شعر قديم وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام٢.
وكانوا أحيانًا -حينما يطمئنون إلى أن الشعر جاهلي- ينسبونه إلى شاعر بعينه، وربما كان ذلك لأنهم عرفوا أن هذا الشعر أقرب إلى روح ذلك الشاعر لكثرة ما درسوه وعرفوه، وعلى هذا الضوء نستطيع أن نفسر بعض الروايات التي قد يُفهم منها الاتهام بالوضع أو الرمي بالكذب، في حين لا وضع ولا كذب إذا فهمناها على ما قدمنا. فمن ذلك أن حمادًا جاءه أعرابي فأنشده قصيدة لم يدر لمن هي. فقال حماد: اكتبوها، فلما كتبوها وقام الأعرابي، قال حماد: لمن ترون أن نجعلها؟ فقالوا أقوالًا، فقال حماد: اجعلوها لطرفة٣. وقال
стр. 484
الأصمعي: ما أروي للأغلب إلا اثنتين ونصفًا.... قال أبو حاتم: طلب إسحاق بن العباس الهاشمي من الأصمعي رجز الأغلب، فطلبه مني، فأعرته إياه، فأخرج منه نحوًا من عشرين قصيدة. فقلت للأصمعي: ألم تزعم أنك لم تعرف إلا اثنتين ونصفًا؟ فقال: بلى، ولكن انتقيت ما أعرف، فإن لم يكن له فهو لغيره ممن هو ثبت أو ثقة١.
د- وبعد؛
فمنذ مطلع القرن الثاني الهجري، وبعده بقليل، قامت طائفة من العلماء الرواة من أمثال أبي عمرو بن العلاء وحماد الراوية ثم المفضل وخلف الأحمر وهم الطبقة الأولى من العلماء الذين عرفتهم العربية في تاريخها الحافل؛ فتلقوا تراث الجاهلية: شعرها وأخبارها وأنسابها؛ وصلهم بعضه مدونًا في دواوين كاملة ضمت تراث القبيلة كله أو شعر شاعر فرد من شعرائها، ووصلهم بعضه مكتوبًا في صحف متفرقة، ثم وصلهم بعضه عن طريق الرواية الشفهية التي كان يتناقلها الخلف عن السلف. فحملوا الأمانة، ومضوا يجمعون ما تفرق من هذا التراث.
وينظمون منه ما تجمع، ويضيفون إليه ما لم يكن فيه مما ثبتت لهم صحته، وينفون عنه ما ثبت لهم زيفه وفساده. ولم يألوا جهدًا في التثبت والتحقيق والتمحيص والمدارسة، حتى استقام لكل منهم ما تيقن صحته، فمضى يذيعه على تلامذته في حلقات دروسه، ويشيعه في رواد مجالس علمه، فخلف من بعدهم خلف هم الطبقة الثانية من العلماء الرواة تأسَّوا بشيوخهم واقتفوا سبيلهم، يجمعون ويدرسون ويمحصون ويفحصون، ثم يستقيم لكل منهم ما يتيقن صحته، فيذيعه على تلاميذه من علماء الطبقة الثالثة.
ومع ذلك فقد كان لا بد لبعض هؤلاء العلماء من أن يختلفوا: فقد وقع لبعضهم من الصحف المكتوبة، أو الدواوين المدونة، أو الرواة من الشيوخ العلماء ومن الأعراب الفصحاء مالم يقع كله لغيره، ثم كان لكل طائفة من
стр. 485
هؤلاء العلماء منهج في الأخذ والتلقي -على ما بيناه في صفحات تقدمت. ولكن هذا الخلاف في المصادر أولًا وفي المنهج ثانيًا لم يمنع العلماء من أن يأخذ بعضهم عن بعض، ومن أن يرحل علماء المصر إلى المصر المجاور ليأخذوا منهم ويرووا عنهم، ثم ينقلوا ما تيقنوا صحته إلى تلاميذهم ويكتبوه فيما يجمعون من دواوين.
فهذه الدواوين المنسوبة المسندة التي يرتفع إسنادها إلى الطبقة الأولى أو إلى تلاميذهم من علماء الطبقة الثانية هي التي تحوي بين دفتيها الشعر الجاهلي الذي تيقنوا صحته بعد تحرٍّ واستقصاء وجمع وتمحيص ونقد. وسيكون كل ذلك موضوع حديثنا في الباب التالي من هذا البحث.
стр. 486
الباب الخامس: دواوين الشعر الجاهلي
الفصل الأول: الدواوين المفردة
مدخل
...
الفصل الأول: الدواوين المفرودة
-١-
كان حديثنا -فيما مر بنا من أبواب هذا البحث وفصوله- عن المصادر الأولى التي استقى منها العلماء الرواة في القرن الثاني الهجري ما بين أيديهم من شعر جاهلي.
وبيان ذلك أننا -حين قطعنا شوطًا في دراسة هذا الموضوع - وجدنا أن أخطر ما فيه وأشده غموضًا -على خطره كله وغموضه- هو تلك الفترة التي انقضت على نظم الشاعر الجاهلي لشعره إلى أن دُوِّن هذا الشعر في القرن الثاني الهجري في هذه الدواوين التي وصلت إلينا روايتها. هذه الفجوة الزمنية التي امتدت قرنًا وبعض قرن -من آخر العصر الجاهلي إلى مطلع القرن الثاني الهجري- هي التي استنفدت القسم الأعظم من جهدنا واستغرقت الجزء الأكبر من بحثنا هذا. وذلك لأن موضوعنا "مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية" فلم نجد من المعقول ولا من المقبول أن نسقط من حسابنا تلك الفترة التي سبقت تدوين هذه المصادر التي بين أيدينا، ولا أن نمر بها مرًّا هينًا عابرًا، بل لقد استبان لنا أننا مضطرون -من أجل معرفة هذه المصادر معرفة حقه وبيان قيمتها التاريخية بيانًا واضحًا- إلى أن نكشف عن الموارد التي استقت هذه الدواوين منها، والمناهل التي اغترف منها جامعوها وصانعوها.
فدرسنا آخر العصر الجاهلي والقرن الأول الهجري دراسة نرجو أن تكون دقيقة عميقة، وجمعنا ما عثرنا عليه متفرقًا في المظان العربية مما يتصل ببحثنا هذا، ثم انتهينا إلى نتائج ثلاث:
стр. 487
الأولى: أننا رجحنا أن هذا الشعر الجاهلي -أو بعضه- قد كُتب، في صحائف متفرقة أو في دواوين مجموعة، منذ عهد مبكر جدًّا، وربما كتب بعضه منذ العصر الجاهلي، ونحب أن نؤكد أننا لا نلقي الكلام على عواهنه، ولا نعتسف الطريق إليه اعتسافًا، وأن هذه النتيجة الأولى ليست مجرد افتراض نفترضه، ولا مجرد ظن توهمناه، ولكنها نتيجة علمية نهجنا إليها منهجًا سليمًا بعد أن حشدنا لها حشدًا كبيرًا من المقدمات التي تتمثل فيما عثرنا عليه من نصوص وأخبار؛ فهي إذن ترجيح قوي له مرجحاته الكثيرة، بل لقد كدنا أن نقول إنها يقين قاطع لولا هذا المنهج الذي نلتزمه والذي يفرض علينا الحذر في التعبير. وأين اليقين القاطع في مثل هذه الأبحاث الأدبية وخاصة في مثل هذا الموضوع وفي مثل ذلك العصر!!
والثانية: أن بعض هذه المدونات الشعرية الأولى قد وصلت إلى علماء الطبقة الأولى من الرواة، وأنهم قد اعتمدوها مصدرًا من مصادر تدوينهم لهذه الدواوين التي رواها عنهم تلاميذهم، وأن هؤلاء العلماء الرواة في القرن الثاني الهجري كانوا يعتمدون -هم وتلاميذهم- نسخًا مكتوبة من هذه الدواوين في مجالس علمهم وحلقات دروسهم، وأن الشيخ منهم كان يقرأ شعر الشاعر من نسخه، أو يقرأها أحد تلاميذه، ثم يعقب الشيخ على الشعر بالشرح والنقد والتحقيق والتمحيص. وقد بيَّنا عند حديثنا عن هذا الموضوع أن هذه المدونات لم تكن هي المصدر الوحيد، وإنما كانت أحد مصدرين. أما المصدر الثاني فقد كان الرواية الشفهية. وذلك أن العالم الراوية كان يأخذ بعض الشعر الجاهلي عن الرواة من الأعراب الذين كان يطمئن إلى صدقهم ويعتمدهم مصدرًا من مصادره، وبعض هؤلاء الرواة الأعراب كانوا من قبيلة الشاعر الذي يروون شعره، تناقلوه جيلًا بعد جيل، وتوارثوه خلفًا عن سلف؛ أو كان ذلك العالم الراوية يسمع بعض الشعر الجاهلي من غيره من العلماء، يرحل إليهم أو يرحلون إليه إن كانوا في بلدين متباعدين، أو يفد عليهم ويفدون عليه
стр. 488
إن كانوا في بلد واحد، وكان عند هؤلاء العلماء الآخرين بعض ما لم يكن عنده، أو كان عنده بعض ما لم يكن عندهم، وذلك لاختلاف النسخ المدونة التي بين أيديهم، أو لاختلاف الرواة من الأعراب الذين سمعوهم واعتمدوهم مصدرًا من مصادرهم، أو لاختلاف الشيوخ الذين أخذوا عنهم. فكان من نتيجة ذلك أن كل عالم يعود على ما بين يديه من نسخة لديوان الشاعر الجاهلي بالتصحيح والتحقيق، فيضيف إليها بعض ما وجده عند غيره واطمأن إلى صحته، ويحذف منها بعض ما انتهى إلى أنه نسب إلى ذلك الشاعر خطأ أو نحله عمدًا، ويكتب من كل ذلك نسخته التي اطمأن إليها، ثم يقرأها لتلاميذه أو يقرءونها عليه، فإذا ما انتهوا منها أجاز لهم أو لبعضهم أن يرووها عنه.
ثم يرويها هؤلاء لتلاميذهم بعد أن يجروا فيها بعض ما أجراه شيخهم في نسخته الأولى من تحقيق وتمحيص. ثم جاء علماء الطبقة الثالثة ومن تلاهم من العلماء -بين منتصف القرن الثالث ونهاية القرن الخامس الهجري- فوجدوا بين أيديهم نسخًا متعددة لديوان واحد، رُويت كل نسخة عن واحد من علماء الطبقة الأولى في البصرة أو الكوفة، فصنع هؤلاء العلماء المتأخرون نسخًا جديدة أفرغوا فيها جميع روايات العلماء السابقين، وأشاروا في مواطن كثيرة إلى أن هذه القصيدة من رواية فلان أو فلان، أو أن هذه الأبيات لم يروها فلان، أو أن فلانًا قال إن هذه القصيدة أو تلك الأبيات ليست لهذا الشاعر وتنسب إلى شاعر غيره يسميه.
والثالثة: أن رواية هذه الدواوين التي بين أيدينا -حينما يكون الديوان مسندًا- تنتهي إلى أحد هؤلاء العلماء من رواة الطبقة الأولى أو إلى أحد تلاميذهم، ثم تقف عندهم ولا تتجاوزهم. ومن أجل هذا ذهب كثير من الباحثين إلى أن ثمة فجوة واسعة -تزيد على القرنين- تفصل بين زمن الشعر الجاهلي نفسه وزمن تدوينه، وإلى أن العلماء الرواة الذين دونوا ذلك الشعر بعد تلك الفجوة الزمنية الواسعة لم يجدوا إلا أبياتًا متفرقة أو مقطعات قصيرة،
стр. 489
أشبه ما تكون بالأوصال الممزقة، التقطوها التقاطًا من أفواه بعض الأعراب والرواة، وأن هذا الزمن الطويل الذي انقضى قبل تدون الشعر الجاهلي كفيل وحده بأن يجعلنا نشك في الكثير مما دوِّن منه. ولكننا نحن، بعد هذه الدراسة التي بذلنا فيها الجهد لملء تلك الفجوة نذهب إلى أن هذه الدواوين المسندة إلى العلماء من رواة الطبقة الأولى، والتي لا تتجاوزهم في الإسناد، موصولة الأسباب بالعصر الجاهلية وبالشاعر الجاهلي نفسه، وأن تلك الحقبة -التي بدت لبعض الباحثين فجوة فارغة- تبدو لنا سلسلة ذات حلقات متصلة، لم تنقطع فيها قط حلقة من حلقات المصدرين اللذين وردهما علماء الطبقة الأولى، واستقوا منهما في تدوين دواوين الشعر الجاهلي، وهما: الرواية الشفهية، والمدونات:
سواء أكانت صحائف متفرقة أم دواوين مجموعة. وكل ذلك قد بيناه وفصلنا فيه القول تفصيلًا. أما السبب الذي من أجله وقف إسناد هذه الدواوين عند علماء الطبقة الأولى ولم يتجاوزهم، فقد اشرنا إليه أيضًا في فصل مضى، وهو -في رأينا- أن دراسة الشعر الجاهلي دراسة تقوم على التحقيق والتمحيص والبحث اللغوي والتتبع المستقصي والشرح والنقد، ثم الاقتصار على ذلك اقتصارًا يكاد يكون تخصصًا -هذا الضرب من الدراسة لم يوجد قبل مطلع القرن الثاني أو منتصفه عند علماء الطبقة الأولى. وأما قبل ذلك فقد كانت العناية بالشعر الجاهلي مقصورة على مجرد روايته وجمع بعضه، وكثيرًا ما تكون تلك الرواية وذلك الجمع وسيلة لما كان معروفًا آنئذ من العلوم، فكان يُتخذ الشعر الجاهلي وسيلة للاستشهاد والتمثيل والاحتجاج والزينة؛ ولم يكن من بين علماء القرن الأول الهجري من نصب نفسه لتدريس الشعر الجاهلي والبحث فيه وتحقيقه وتمحيصه؛ ولذلك كان جميع ما خلفه هذا القرن الأول من شعر الجاهلية مرويًّا أو مكتوبًا، عناصر أولية ومواد خامة، تسلمها علماء الطبقة الأولى في القرن الثاني فصاغوا منها الدواوين التي نسبت إليهم ورويت عنهم.
وسنعرض في الصفحات التالية ديوانين من هذه الدواوين الجاهلية التي
стр. 490
بقيت على الزمن وغالبت صروفه وأحداثه حتى وصلت إلينا، هما: ديوان امرئ القيس، وديوان زهير بن أبي سلمى. وسيكون عرضنا مبنيًّا على دراسة مفصلة تكشف في وضوح المنهج الذي نرى أن ينهج في تناوله هذه الدواوين، وتؤيد ما انتهينا إليه من نتائج بسطنا القول فيها، بحيث يكون حديثنا عن هذين الديوانين تطبيقًا لما سقناه من حديث في الفصول السابقة.
-٢-
أما ديوان امرئ القيس فقد وجدنا أمامنا ثلاث سبل لتتبع رواياته ورواته:
السبيل الأول:
ما ذكرته المصادر العربية، وخاصة كتاب الفهرست لابن النديم، في مواطن متفرقة عن روايات هذا الديوان وهي:
١- رواية الأصمعي١ ٢- رواية أبي عمرو الشيباني٢
٣- رواية خالد بن كلثوم٣ ٤- رواية محمد بن حبيب٤
٥- عمل ابن السكيت٥ ٦- صنعة أبي سعيد السكري٦
٧- صنعة أبي العباس الأحول٧ ٨- صنعة أبي الحجاج الأعلم الشنتمري وشرحه٨
٩- صنعة الوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي وشرحه٩
стр. 491
والسبيل الثانية:
ما بقي مخطوطًا إلى يومنا هذا وعثرنا عليه مما لم تذكره المصادر العربية التي اطلعنا عليها، فعرفناه عن طريق الرؤية والمشاهدة لا عن طريق القراءة في المصادر. ولم نعثر -في هذه السبيل الثانية- إلا على روايتين لهذا الديوان هما:
١٠- رواية أبي الحسن الطوسي١.
١١- صنعة ابن النحاس وشرحه٢.
والسبيل الثالثة:
ما عثرنا عليه من إشارات إلى روايات هذا الديوان ورواته، متفرقًا في مواطن مختلفة من هذه الدواوين نفسها التي قدمنا ذكرها، مما لم نعثر له على ذكر فيما اطلعنا عليه من مصادر عربية، ولم نعثر له على أثر فيما بين أيدينا من فهارس للمكتبات. فوجدنا لهذا الديوان الروايات التالية:
١٢- رواية المفضل الضبي وهي الرواية التي اعتمدها أبو الحسن الطوسي أصلًا من أصول نسخته التي صنعها لديوان امرئ القيس، فأورد في نسخته اثنتين وأربعين قصيدة ومقطعة ثم قال٣: "هذا آخر رواية المفضل". وقد أكد أن هذا الجزء من الديوان هو من رواية المفضل في موطنين، الأول فيه تأكيد إيجابي حين قال في القصيدة الأولى: "أحار بن عمرو كأني خمر" إنها: "رواها أبو عمرو والمفضل".
والثاني فيه تأكيد سلبي، حين ذكر في القصيدة العشرين وهي: "أذود عني القوافي ذيادًا" أنها: "ليست في رواية المفضل".
стр. 492
ومن الأدلة أيضًا على رواية المفضل لديوان امرئ القيس أن الأعلم الشنتمري، بعد أن يورد في نسخته رواية أبي حاتم السجستاني عن الأصمعي، يورد "قصائد متخيرات مما لم يرو أبو حاتم ورواه أبو عمرو الشيباني والمفضل وغيرهما"١.
١٣- رواية ابن الأعرابي: وقد ذكرها الطوسي أيضًا، فقد قال في نسخته بعد القصيدة التاسعة والثلاثين "إلى هاهنا قرأت على أبي عبد الله بن الأعرابي"، ثم أورد بعد ذلك ثلاث قصائد: نص في الأولى على أن ابن الأعرابي لم يعرفها، ونص في الثانية على أنه قرأها على ابن الأعرابي وعرفها، ونص في الثالثة على أن ابن الأعرابي لم يروها.
١٤- رواية أبي عبيدة: وتبدو لنا رواية أبي عبيدة لديوان امرئ القيس واضحة مما ذكره الطوسي وابن النحاس. أما الطوسي فقد ذكر -بعد أن انتهى من رواية المفضل- أن "الذي يلي هذا ما رواه أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي والأصمعي". ثم قال في القصيدة التالية إنها "من رواية أبي عبيدة وأبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي". وأما ابن النحاس فقد بين روايات أبي عبيدة لأبيات كاملة في ديوان امرئ القيس، أو لألفاظ في أبيات، في أكثر من خمسين موضعًا في صفحات مختلفة من نسخته، لعل أوضحها أنه أورد بعد قوله٢:
له أذنان تغرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورةٍ وسط ربرب
بيتين قال إنهما رواهما الأصمعي وأبو عبيدة، ثم أورد بعدها بيتًا قال عنه إن أبا عبيدة وحده رواه، ثم أورد بعده أبياتًا قال إن أبا عبيدة والأصمعي روياها. وفضلًا عن ذلك فقد أورد ابن النحاس شروحًا وافية لأبي عبيدة على
стр. 493
أبيات كاملة أو ألفاظ متفرقة من ديوان امرئ القيس في أكثر من عشرين موضعًا من نسخته.
١٥- رواية اليزيدي: أبي عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن يحيى بن المبارك اليزيدي "المتوفى سنة ٣١٠". وقد اعتمد ابن النحاس -فيما يبدو لنا- نسخة اليزيدي أصلًا لنسخته التي بين أيدينا، فنراه يشير إليها إشارات كثيرة في مواطن متعددة، وهي إشارات تدل على أنه يرجع في كتابه نسخته إلى نسخة اليزيدي فيثبت ما فيها من اختلاف عما يورد، أو ما فيها من زيادة ونقص. فهو يقول مثلًا إن هذه اللفظة أو تلك هي كذا في نسخة اليزيدي١. أو أنه كان في نسخة اليزيدي كذا وهو خطأ٢. أو أن هذا البيت أو ذاك ليس في نسخة اليزيدي٣. أو أن هذا البيت زيادة على اليزيدي٤. أو أن هذه القصيدة دفعها فلان، وهي في أصل اليزيدي٥. أو أن هذا البيت في نسخة اليزيدي قبل ذلك البيت٦.
١٦- رواية ابن دريا: أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد "المتوفى سنة ٣٢١".
ولابن دريد رواية أيضًا لديوان امرئ القيس، وقد نص على وجودها ابن النحاس في نسخته التي بين أيدينا، وذكر أن أبا عمران قرأ ديوان امرئ القيس على ابن دريد، ثم أورد ما وجده في رواية ابن دريد زائدًا على نسخة اليزيدي أو مخالفًا لها، وقد تكرر استدراكه على ما في اليزيدي من أبيات ناقصة رواها ابن دريد، وأثبتها، فمن ذلك قوله٧: "هذا البيت ليس في نسخة اليزيدي، وقد قرأه
стр. 494
أبو عمران على ابن دريد"، وقوله١: "زيادة على اليزيدي قرأها أبو عمران"، وقوله٢: "وروى الأصمعي وقرأه أبو عمران على ابن دريد". وقوله٣: "هذا البيت ليس في اليزيدي، وقد قرأه أبو عمران". وفضلًا عن ذلك فقد أورد في ثنايا نسخته روايات متعددة لألفاظ مختلفة قال إنها رواية ابن دريد.
فإذا ما عدنا إلى هذه الروايات الست عشرة لديوان امرئ القيس، وحاولنا أن نصنفها وفق أوليتها وأصالتها من جانب وتدرجها التاريخي من جانب آخر، وجدنا أنها تقسم ثلاثة أقسام:
"أولًا" الأصول: وهي على ضربين كذلك: أصول بصرية، وأصول كوفية.
١- الأصول البصرية:
ولم يبق لنا منها إلا رواية واحدة كاملة هي رواية الأصمعي، وسنتحدث عنها حديثًا مفصلًا بعد صفحات، ورواية أخرى ناقصة بقيت منها أجزاء مبعثرة أشير إليها إشارات عابرة في مواطن متفرقة، هي رواية أبي عبيدة. وإذ كنا نعتقد أن روايتي الأصمعي وأبي عبيدة في جوهرهما رواية واحدة أو روايتان متقاربتان، وأن الخلاف بينهما لا يعدو قصائد قليلة أو أبياتًا من قصيدة، لذلك سنكتفي بالإشارة إلى مواطن الاختلاف بين هذه الرواية ورواية الأصمعي حين نتحدث عن رواية الأصمعي.
٢- الأصول الكوفية:
وقد بقيت لنا منها رواية واحدة هي رواية المفضل بن محمد الضبي "المتوفى سنة ١٦٨"، ولم تصل إلينا هذه الرواية مستقلة وحدها قائمة بنفسها، ولكنها جاءتنا عن طريق تلميذيه: أبي عمرو إسحاق بن مرار الشيباني "المتوفى سنة ٢٠٦"،
стр. 495
وأبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي "المتوفى سنة ٢٣١"، ثم حفظها لنا أبو الحسن على بن عبد الله بن سنان الطوسي "المتوفى نحو سنة ٢٥٠" في نسخته التي سنتحدث عنها بعد قليل. وقد أورد الطوسي اثنتين وأربعين قصيدة ومقطعة لامرئ القيس ثم قال بعدها١: "هذا آخر رواية المفضل". غير أنه ذكر في المقطعة رقم ٢٠ وهي ثلاثة أبيات مطلعها "أذود عي القوافي ذيادًا" أنها "ليست في رواية المفضل"٢. وبذلك تكون رواية المفضل إحدى وأربعين قصيدة ومقطعة. قرأ منها الطوسي تسعًا وثلاثين على أبي عبد الله بن الأعرابي كما ذكر٣.
ويبدو أن هذه الأبيات التي ذكر أنها ليست في رواية المفضل كان الطوسي قرأها -فيما قرأ- على ابن الأعرابي فأقرها، فلذلك أدخلها في نسخته وأشار إلى أنها ليست في رواية المفضل. أما القصائد الثلاث الأخيرة من رواية المفضل في نسخة الطوسي فقد ذكر أنه عرض اثنين منها على ابن الأعرابي فلم يعرفها٤، أما الثالثة فقد قرأها عليه وعرفها٥. أما أبو عمرو الشيباني فلا يذكره الطوسي في نسخته إلا في موضعين، الأول: عند حديثه عن قصيدة امرئ القيس الرائية "أحار بن عمرو كأني خمر" فقد قال٦: "رواها أبو عمرو والمفضل وغيرهما"، والثاني: عند حديثه عن قصيدته "أمن ذكر سلمى أن رأتك تنوص" فقد قال٧: "وليست في رواية الأصمعي، وإنما هي من رواية أبي عمرو الشيباني".
ويبدو أن هذا العرض الموجز لنسخة الطوسي أنها اعتمدت رواية المفضل في جوهرها أصلًا، وأن الطوسي قد أخذ هذه الرواية عن تلميذي المفضل: