← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

أحدُ الخِصَالِ أو الجميعُ ولهُ إسقاطُهُ بأحدِها، وَأَنَّ لَهُ الأَدَاءَ مِنْ مَالِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ، كقضاءِ الدَّينِ، والثاني: لا، لبُعْدِ العِبَادَةِ عَنِ النِّيَابَةِ، والثالث: يمتنعُ الإعتاقُ فقطْ لتعذُّرِ إثباتِ الولاءِ للميِّتِ، وَأَنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ، كما في قضاءِ الدَّينِ، والثاني: لا يقعُ عنهُ لبُعْدِ الْعِبَادَةِ عَنِ النِّيَابَةِ. لَا إِعْتَاقٍ فِي الأَصَحِّ، لإجتماعِ عدَمِ النِّيَابَةِ وبُعْدِ إثباتِ الولاءِ للميِّتِ، وظاهرُ إيرادِ الرافعيِّ في شرحَيهِ يقتضِي ترجيحَ طريقةِ القطعِ بهِ، والثاني: أنهُ يقعُ عنهُ، ثم هذا الخلافُ محِلُّهُ في الكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ كما صرَّحَ به في الروضةِ تبعًا للرافعيِّ في كتابِ الأَيمانِ، أمَّا الْمُرَتَّبَةُ فَصَحَّحَا هناكَ وقوعَهَا من الأجنبيِّ بناءً على إحدَى العِلَّتينِ في المنعِ في الكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرةِ وهُو سُهُولَةُ التَّكْفِيرِ بغيرِ إِعْتَاقٍ. فلا يُعدلُ إليهِ لما فيهِ مِن عُسْرِ إثباتِ الولاءِ. وَتَنْفَعُ الْمَيِّتَ صَدَقَةٌ وَدُعَاءٌ، بالإجماعِ، مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيِّ، أمَّا الصَّدَقَةُ مِن الوارِثِ فلحديثِ عُبَادَةَ المشهورِ في سَقْيِ الماءِ عَنْ أُمِّهِ وغيرِهِ (٢٨٣)، وأمَّا في الأجنبيِّ فلأنَّهُ معاوَنَةٌ على الخيرِ وقدْ حَثَّ الشَّرْعُ عليهِ. وأمَّا الدُّعَاءُ من وارِثِ فلقولِه ﷺ : [إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ

стр. 1087

وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ] رواه مسلم (٢٨٤). فَرْعٌ: يجوزُ الوَقْفُ على الميِّتِ، قالهُ صاحبُ العُدَّةِ. فَرْعٌ: لا يَصِلُ إليهِ، أي إلى الميِّتِ؛ عندَنَا ثوابُ القراءَةِ على المشهورِ؛ والمختارُ الوصُولُ إذا سَأَلَ اللهَ تعالى أنْ يجعلَ ثوابَ قراءَتِهِ للميِّتِ. وينبغِي الجزْمُ بهِ لأنَّهُ دُعَاءٌ، وإذا جازَ الدُّعَاءُ للميِّتِ بما ليسَ لِلدَّاعِي، فَلأَنْ يجوزَ بما هُو لهُ أَوْلى ويبقَى الأمرُ فيه مَوْقُوفًا على استجابَةِ الدُّعَاءِ وهَذا المعنَى لا يختَصُّ بالقراءَةِ بل يجرِي في سائِرِ الأعمالِ. فَصْلٌ: لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ وَعَنْ بَعْضِهَا، لأنَّها عَطِيَّةٌ لم يَزُلْ عنهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الهِبَةَ قبلَ القبضِ وقد قال عُمَرُ ﵁: (يُغَيِّرُ الرَّجُلُ مِنْ وَصِيَّتِهِ مَا شَاءَ) رواهُ البيهقيُّ تعليقًا وأسندَهُ عن عائشَةَ بإسنادٍ صحيحٍ (٢٨٥)، بِقَوْلِهِ: نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ أَوْ أَبْطَلْتُهَا أَوْ رَجَعْتُ فِيهَا أَوْ فَسَخْتُهَا، لأنَّها صريحةٌ فيهِ، أَوْ هَذَا لِوَارِثِي، أي بعْدَ مَوْتِي وكذا ميراثٌ عَنِّي؛ لأنَّهُ لا يكونُ للوارِثِ إلَّا إذا انقطعَ تعلُّقُ الموصَى لهُ عنهُ، وَبِبَيعٍ، أي ويحصُلُ الرُّجُوعُ ببيعٍ وإن فَسَخَ في زَمَنِ الخِيَارِ (•)، وَإِعْتَاقٍ

стр. 1088

وَإِصْدَاقٍ، لأنَّ تصرُّفَهُ في الحالِ مصادِفٌ لِمِلْكِهِ فينفُذُ. والوصيَّةُ تمليكٌ عندَ الموتِ فإذا لم يَبْقَ في مِلْكِ الموصِي لَغَتِ الوصيَّةُ كما لو هلَكَ الموصَى بهِ، وَكَذَا هِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ مَعَ قَبْضٍ، لما قلناهُ، وَكَذَا دُوْنَهُ فِي الأَصَحِّ، أمَّا في الهبةِ فلظهورِ قصدِ الصَّرْفِ عن الموصَى لهُ، وأمَّا في الرَّهْنِ فلأنَّهُ عُرْضَةٌ للبيعِ، والثاني: لا فيهِما، أمَّا في الهبةِ فلأنَّهُ لم يؤثِّرْ في مِلْكِهِ فكذَا في رُجُوعِهِ، وأمَّا في الرَّهْنِ فلأنَّهُ لا يزيلُ الملكَ بلْ هو نوعُ انتفاعٍ كالإستخدامِ، وفي الهبةِ الفاسدَةِ أوجهٌ في الحَاوي، ثالثها: إنْ قُبِضَتْ كانَتْ رُجُوعًا وإلّا فلا. وكلامُهُ يُفْهِمُ طردَها في الرَّهنِ الفاسدِ أيضًا كما قالهُ في الكفايَةِ، وَبِوَصِيَّةٍ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، أي فإنهُ أيضًا رُجُوعٌ لِمَا مَرَّ، وَكَذَا تَوْكِيلٍ فِي بَيعِهِ؛ وَعَرْضِهِ عَلَيهِ فِي الأَصَحِّ، لأنَّهُ تَرَسُّلٌ إلى أمرٍ يحصُلُ به الرجوعُ، والثاني: لا، فَقَدْ لا يوجدُ. تَنْبِيهٌ: هذا كلُّهُ في الوصيَّةِ بمعيَّنٍ، فإنْ أوصَى بِثُلُثِ مالِهِ ثم تصرَّفَ في جميعِ ما يملكُهُ ببيعٍ أو إعتاقٍ أو غيرهِما. لم يكنْ رُجُوعًا وكذا لو هلَكَ جميعُ مالِهِ. وَخَلْطُ حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ رُجُوعٌ، لأنَّهُ أخرجَهُ عن إمكانِ التسليمِ، وَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَخَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا فَرُجُوعٌ، لأنَّهُ أحدَثَ بالخلطِ زيادةً لم يُوْصِ بتسليمِها، أَوْ بِمِثْلِهَا فَلَا، لأنَّ الموصَى به كان مخلُوطًا به مُشَاعًا فلا تضرُّ زيادةُ الخلطِ، وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الأَصَحِّ، لأنَّ التغييرَ فيهِ بالنقصانِ فأشبَهَ ما لو عَيَّبَ الموصَى بهِ أو أتلفَ بعضَهُ، والثاني: أنهُ رجوعٌ لأنَّهُ غيَّرَ الوصَى بهِ عمَّا كانَ فأشبَهَ الخليطَ بالأجودِ، وهذا ما أوردَهُ القاضي أبُو الطَّيِّبِ ونسبَهُ إلى عامَّةِ الأصحابِ واختارَهُ الإمامُ ولم يَنْسِبِ الرافعيُّ ما رجَّحَهُ لأحدٍ بل جزَمَ بِهِ، وَطَحْنُ حِنْطَةٍ وَصَّى بِهَا وَبَذْرُهَا وَعَجْنُ دَقِيقٍ وَغَزْلُ قُطْنٍ وَنَسْجُ غَزْلٍ وَقَطْعُ ثَوْبٍ قَمِيصًا وَبِنَاءٌ وَغَرَاسٌ فِي عَرَصَةٍ رُجُوعٌ، لزوالِ الاسمِ عنهُ وإشعارُهُ بالإِعراضِ. فَصْلٌ: يُسَنُّ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّينِ، لأنَّهُ إذا شُرِّعَ أن يُوصِي في حقِّ غيرِهِ فخاصَّةُ نفسِهِ أَوْلى، وهذا في الدَّينِ الذِي لا يعجَزُ عنهُ في الحالِ، أما الذي يعجَزُ عنهُ

стр. 1089

في الحالِ فالوصَايَةُ بهِ واجبةٌ، ذكرَهُ في الروضة قال: وكذا الإيصاءُ في ردِّ المظالِمِ، ورَدَّ على الرافعيِّ في قولِهِ: إنَّ ذلكَ سُنَّةٌ، وَتَنْفِيذِ الوَصَايَا، أي يُسَنُّ الإيصاءُ أيضًا في تنفيذِ الوصايَا، وهو بزيادة ياءٍ بَينَ الفاءِ والذالِ، كما رأيتُهُ بخطِّهِ، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ، أي يُسَنُّ أيضًا وقد فَعَلَ ذلكَ جماعةٌ من الصحابَةِ منهُم عُثمانُ والمقدَادُ (٢٨٦). وَشَرْطُ الْوَصِيِّ تَكْلِيفٌ، أي فلا تصحُّ الوصَايَةُ إلى صبيٍّ أو مجنونٍ ولو قلَّ جنونُهُ، لأنَّها ولايةٌ وأمانةٌ وليسَا من أهلِها، نَعَمْ تصحُّ الوصيَّةُ إلى زيدٍ ثم إلى ابنِهِ إذا بَلَغَ كما سيأتي، فلو أوصَى إلى زيدٍ ثم إلى ولدِهِ المجنونِ إذا أفاقَ ففي صحَّتِها وجهانِ قالهُ الماورديُّ، وَحُرِّيَّةٌ، أي فلا تصحُّ إلى رقيقٍ لأنها تَسْتَدْعِي فَرَاغًا وهو مشغولٌ بخدمَةِ السَّيِّدِ، وسواءٌ عَبْدُهُ وعَبْدُ غيرِهِ، وَعَدَالةٌ، أي فلا تجوزُ إلى فاسقٍ لما فيها من معنى الولايةِ والأمانةِ، وَهِدَايَةٌ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمُوْصَى بِهِ، أي فلا تصحُّ إلى مَن يعجزُ عنهُ ولا يهتدِي إليه لِسَفَهٍ أو مَرَضٍ أو هَرَمٍ أو تَغَفُّل أو غيرِها، لأنَّها لا غِبطَة إلى التَّفْويضِ لِمَنْ هذا حالُهُ، وَإِسْلامٌ، فلا تجوزُ وصَايَةُ الْمُسْلِمِ إلى الذّمِّيِّ، لأنَّهُ مُتَّهَمٌ في حَقِّ الْمُسْلِمِ قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً. . .﴾ الآية (٢٨٧)، وإذا كان مُتَّهَمًا لم

стр. 1090

تصحَّ تَوْلِيَتُهُ، لَكِنِ الأَصَحُّ جَوَازُ وَصِيَّةِ ذِمِّيٍّ إِلَى ذِمِّيٍّ، أي إذا كان عَدْلًا في دِيِنْهِ كما قيَّدَهُ في الروضة تبعًا للرافعيِّ. كما يجوزُ أنْ يكونَ وَلِيًّا لأولادِهِ، والثاني: المنعُ كالشَّهادةِ. فَرْعٌ: تجوزُ وصَايَةُ الذِّمِّيِّ إلى الْمُسْلِمِ كما تجوزُ شهادَةُ الْمُسْلِمِ عليهِ. وَلَا يَضُرُّ الْعَمَى فِي الأَصَحِّ، لأنَّهُ من أهلِ الشَّهادةِ فأشبَهَ البصيرَ، والثاني: يضُرُّ لأنَّهُ لا يقدِرُ على البيعِ والشِّراءِ بنفسِهِ فلا يُفَوَّضُ إليهِ أمرُ غيرِهِ. وصحَّحَهُ القاضِي. وَلَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ، لأنَّ عُمَرَ أَوْصَى إلى حَفْصَةَ ﵄ كما أخرجَهُ أبُو داودَ (٢٨٨)، وقيل: نَعَمْ لأنَّها ولايةٌ، والخنثَى كالمرأةِ ذكرَهُ أبُو الفُتُوحِ. وَأُمُّ الأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيرِهَا، أي إذا حصلَتِ الشُّرُوطُ فيهَا، لأنَّها أكثرُ شَفَقَةً. تَنْبِيهٌ: زادَ الرويانيُّ وآخَرُونَ شَرْطًا آخرَ وهُو أنْ لا يكونَ الوصِيُّ عَدُوَّ الأطفالِ الذي يُفَوَّضُ أمرُهُم إليهِ، وحصَرُوا الشُّرُوطَ بلفظٍ مُخْتَصَرٍ فقالُوا: ينبغِي أنْ يكونَ الوصِيُّ بحيثُ تُقْبَلُ شهادتُهُ على الطِّفْلِ كما ذكرَهُ الرافعيُّ، لكنَّهُ يُنْتَقَصُ بِالذِّمِّيِّ، فإنهُ يُوْصَى إلى الذِّمِّيِّ ولا تُقبَلُ شهادتُهُ عليهِ. فَرْعٌ: في وقتِ اعتبارِ الشروطِ المذكورَةِ أوجهٌ؛ أصحُّها حال الموتِ.

стр. 1091

وَيَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ بِالْفِسْقِ، لزوالِ الشَّرْطِ وفي معناهُ قَيِّمُ الحَاكِمِ، وَكَذَا الْقَاضِي في الأَصَحِّ، لذلك أيضًا، والثاني: لَا كالإمام الأعظم، لَا الإِمَامُ الأَعْظَمُ، لتعلُّقِ المصَالِحِ الكُلِّيَّةِ بولايَتِهِ. فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الإِيصَاءُ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ، كذا اقتصرَ عليهِ. وظاهرُهُ يقتضي صحَّتُها مِن السَّفِيهِ في قضاءِ دُيُونِهِ؛ وَتَفْرِقَةُ وَصِيَّتِهِ على القولٍ بصحَّتِها منهُ في المالِ، فينبغِي إضافةُ الرُّشْدِ إليهِما كما نَبَّهَ على ذلكَ صاحبُ المطلبِ، وقوله (تَنْفِيذُ) هو بياءٍ مُثَنَّاةٍ تحتَ بينَ الفاءِ والذَّالِ ثم رأيتُ إسقاطَهَا بخَطِّ المصنِّفِ وضبَطِ الفاءِ بالضَمِّ وكذا الذالِ وقد ذَكَرَ هُو قرببًا أنَّ ذلكَ سُنَّةٌ. أعْنِي الإيصاءَ بِقَضَاءِ الدَّينِ فَتَأَمَّلْ ذلكَ. وَيُشْتَرَطُ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ، أي والمجانينِ، مَعَ هَذَا، أي مَعَ الْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ، أَنْ يَكُونَ لَهُ ولايَةٌ عَلَيهِمْ، أيِ ابتداءً من جِهَةِ الشَّرْعِ لا بِتَفْويضٍ مِن غيرِهِ، فتثبُتُ الوصايةُ للأبِ والجدِّ وإنْ عَلا عليهِم دونَ غيرهِمَا مِن الأقاربِ حتى لو أوصَى أحدُهم أو أجنبيُّ لهم بشيءٍ، وجعلَ النظرَ فيهِ لِزَيدٍ لم تصِحَّ الوصايَةُ لِزَيدٍ وإنْ صَحَّتِ الوصيَّةُ، وصرَّحَ مُجَلِيُّ بإلحاقِ البالغِ السَّفِيهِ بالمجنونِ، وفي البحرِ: أنَّ الابنَ البالِغَ العاقِلَ إذا حُجِرَ عليه بسفَهٍ لا يصحُّ مِن الأبِ أن يوصِي بالولايةِ عليهِ، لأنَّ حَجْرَهُ بالحاكِمِ، قال في الكفايَةِ: وهذا يُشيرُ إلى حالةِ بُلُوغِهِ رَشِيدًا ثم طَرَأَ السَّفَهُ. وَلَيسَ لِوَصِيٍّ الإِيصَاءُ، كالوكيلِ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ جَازَ لَهُ فِي الأَظْهَرِ، لأنَّ للأبِ أن يُوصِي فلَهُ الاستنابَةُ في الوصيَّةِ، والثاني: لا، لبطلانِ إذنِهِ بالموتِ، والثالث: إنْ كانَ مُعَيَّنًا صَحَّ وإلَّا فلا. وَلَوْ قَال: أَوْصَيتُ إِلَيكَ إِلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيدٍ فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ الْوَصِيُّ جَازَ، لأنَّ الموصِي هو الذي أوصَى إليهِما وجعلَ الوصايَةَ إلى الثاني مشروطةً بشرطٍ. والوصيَّةُ تحتملُ التعليقَ كما يحتملُ الأخطارَ والجهالاتِ. فَرْعٌ: قال: أوصيتُ إليكَ، فإذا حدَثَ بِكَ حادِثُ الموتِ فقدْ أوصيتُ إلى مَن

стр. 1092

أوصيتَ لهُ أو فوصِيَّتُكَ وَصِيَّتيي؛ فباطلةٌ على الأظهرِ لأن الموصَى إليه مجهولٌ. وَلَا يَجُوزُ نَصْبُ وَصِيٍّ، أي في أمرِ الأطفالِ، وَالْجَدُّ حَيٌّ بِصِفَةِ الْولايَةِ، لأنَّ ولايتَهُ ثابتةٌ شرعًا كولايَةِ التَّزْويجِ، وَلَا الإِيصَاءُ بِتَزْويجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ، لأنَّ غيرَ الأبِ والجدِّ لا يُزَوِّجُ الصغيرَ والصغيرةَ. وَلَفْظُهُ، أي لفظُ الموصِي: أَوْصَيتُ إِلَيكَ أَوْ فَوَّضْتُ وَنَحْوُهُمَا، أي كأَقَمْتُكَ مَقَامِي، وَيَجُوزُ فِيهِ، أي في لفظِ الموصِي، التَّوْقِيتُ، أي كما إذا قال: أوصَيتُ إليكَ سَنَةً، وَالتَّعْلِيقُ، أي كَإِذَا مِتُّ فقد أوصيتُ إليكَ، لأنها تحتملُ الأخطارَ والجهالاتِ كما سلفَ قريبًا. وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَا يُوْصِي فِيهِ، أي كأوصيتُ إليكَ بقضاءِ دُيُونِي والتصرُّفِ في أموالِ أطفالِي ونحوهِما، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَوْصَيتُ إِلَيكَ لَغَا، كما لو قال: وكَّلْتُكَ ولم يبيِّنْ ما بهِ التوكيلُ، وَالْقَبُولُ، أي ويُشترطُ القبولُ لفظًا، كالوكالةِ، وَلَا يَصِحُّ فِي حَيَاتِهِ فِي الأَصَحِّ، كقبولِ الوصيَّةِ بالمالِ، والثاني: يصحُّ كالوكالةِ. والردُّ في حياة الموصِي على هذا الخلافِ. ولو رَدَّ بعدَ الموتِ لَغَتْ قطعًا، وقد تقدَّمَ الكلامُ على قبولِ الموصَى لهُ في أثناءِ البابِ؛ لكنَّ الكلامَ هنا في الوصايَا على الأطفالِ وذاكَ في غيرِهَا فَاعْلَمْهُ. وَلَوْ وَصَّى اثْنَينِ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا، تنزيلًا على الأخذِ بالأقلِّ وهو الإجتماعُ؛ قال الشيخُ عِزُّ الدِّينِ: وهو مُشْكِلٌ لما فيهِ من مخالفَةِ الظاهرِ الحقيقيِّ، حَمْلًا على مجازٍ بعيدٍ، لم يدل عليه لفظُ الإذنِ، إلَّا إِنْ صَرَّحَ بِهِ، أي فإنهُ يجوزُ الانفرادُ عَمَلًا بالإذنِ. فَرْعٌ: لو أوصَى إليهِما فيما يستقلُّ بهِ كَرَدِّ المغصوبِ والعَوَارِي، وتنفيذُ الوصيَّةِ لمعيَّنٍ وقضاءِ الدَّينِ الذي في التَرِكَةِ من جنسِهِ، فلكلٍّ منهُما الانفرادُ، قالهُ البغويُّ وغيرُهُ واسْتَشْكَلَهُ الرافعيُّ. وَلِلْمُوْصِي وَالْوَصِيِّ الْغَزْلُ مَتَى شَاءَ، لأنَّهُ تصرَّفَ بالإذنِ فأشبَهَ الوكالةَ وأطلقَ هُنا جوازَ عزلِ الوصيِّ نفسَهُ ولا بُدَّ من تقييدِهِ بما إذا لم يتعيَّنْ عليهِ ولم يغلِبْ على

стр. 1093

ظنِّهِ تلفُ المالِ باستيلاءِ ظالِمٍ من قاضٍ وغيرِهِ وإلا حَرُمَ عليهِ، قال في الروضةِ من زوائدِهِ، وسبقَهُ إليه ابنُ الصَّلاحِ والشيخُ عِزُّ الدِّينِ، وصرَّحَ: بأنهُ لا يصحُّ عزلُهُ، وقال الماورديُّ: إنْ خَلَتْ مِن العِوَضِ فجائِزَةٌ، وإلَّا فإنْ كانتْ بِعَقْدٍ فإجَارَةٌ لازمةٌ وإلا فَجُعَالةٌ. وَإِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ وَنَازَعَهُ فِي الإِتْفَاقِ عَلَيهِ صُدِّقَ الْوَصِيُّ، أي بِيَمِينِهِ لِعُسْرِ إقامَةِ البيِّنةِ عليهِ، أَوْ فِي دَفْعٍ إِلَيهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ صُدِّقَ الْوَلَدُ، لأنَّهُ لا يَعْسُرُ إقامةُ البيِّنةِ عليهِ، وقد ذكَرَ المصنِّفُ هذهِ المسألَةَ في أواخِرِ الوكالةِ بزيادةٍ وجهٍ فراجِعْها مِنْ ثَمّ. وهذا الحكمُ المذكورُ لا يختصُّ بالصبيِّ بل المجنون مثلِهِ كما صرَّحَ به في الروضةِ تبعًا للرافعي. فَرْعٌ يُخْتَمُ بِهِ الْبَابُ: في فتاوَى القفالِ: أنهُ إذا أوصَى ببيعِ دارِهِ بعدَ موتِهِ ويُتَصَدَّقُ بثَمَنِهِ (•) على الفقراءِ، وماتَ الموصِي فباعَ الوصيُّ الدَّارَ، فقال المشترِي: لَا أُسلِّمُ إليكَ الثَّمَنَ حتَّى تَثْبُتَ وَصِيَّتُكَ عندَ الحاكِمِ، فلهُ ذلكَ.

стр. 1094

كِتَابُ الْوَدِيعَةِ الْوَدِيعَةُ: هِيَ اسْمٌ لِعَينٍ يَضَعُهَا مَالِكُهَا أَوْ نَائِبُهُ عِنْدَ آخَرٍ لِيَحْفَظَهَا، مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَدَعِ الشَّيءَ وَيَدَعُ إِذَا سَكَنَ؛ فَكَأَنَّهَا سَاكِنَةٌ عِنْدَ الْمُوْدَع، وقيلَ: مِنْ قَوْلهِمْ فُلانٌ فِي دَعَةٍ أَي فِي حَفْضٍ (•) مِنَ العَيشِ، لأَنهَا غَيرُ مُبْتذَلَةٍ بِالانْتِفَاعِ. وَبِالْقُيُوْدِ الْمَذْكُوْرَةِ تَخْرُجُ العَينُ فِي يَدِ الْمُلتَقِطِ، وَالثوبُ إِذَا طَيَّرَهُ الرِّيحُ فِي دَارٍ آخَر، وَنَحوَهُ؛ فَإِنَّ حُكْمَهُ مُغَايِرٌ لِحُكْمِ الوَدِيعَةِ. والأصلُ فيها قولُهُ تعَالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ...... ﴾ (٢٨٩) وقولُهُ تعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢٩٠) وقولُ نَبِيِّهِ ﵊: [أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ] صَحَّحَهُ الحاكمُ على شرطِ مسلمٍ (٢٩١). ولأنَّ بالناسِ حاجَةً بل ضرورةً إليها. مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا حَرُمَ عَلَيهِ قبُولُهَا، لأنَّهُ يعرِّضُها للهلاكِ، وَضَمَّ صاحبُ

стр. 1095

المهذَّبِ والماورديُّ إلى العجزِ عدَمَ الوُثوقِ بأمانَةِ نفسِهِ، وَمَنْ قَدَرَ وَلَمْ يَبْقْ بأمانَتِهِ، نَفْسُهُ، كُرِهَ، كذا جزَمَ بهِ ﵀ وهو من تصرُّفِهِ، فإنَّ عبارَةَ الْمُحَرَّرِ لا ينبغِي أن يقبَلَها، وعبارةُ الشَّرح: منهُمْ مَن يقولُ: لا يجوزُ، ومنهُمْ مَن يقولُ: يُكرهُ، ولم يرجِّحْ واحِداً منهُما؛ فلذلكَ عبَّرَ في المُحَرَّرِ بما سلفَ وما أحسَنَها. وعبارةُ الروضةِ: هلْ يَحْرُمُ قبولُها أو يُكرهُ؟ وجهانِ فَجَزْمُهُ في الكتابِ بالكراهَةِ؛ لم يرجِّحْهُ في الروضة ولا الرافعيُّ في شرحِهِ. نَعَمْ: هو ظاهرٌ لأجلِ الشَّكِّ في حصولِ المفسدَةِ، قال صاحبُ المطلبِ: ويظهرُ أنَّ هذا كلَّهُ فيما إذا أرادَ قبولَها مِن غيرِ إطِّلاعِ المالِكِ على الحالِ. أمَّا إذا أطلعَهُ؛ فرَضِي بذلكَ فلا تحريمَ ولا كراهَةَ، وكذا محِلُّ ذلكَ إذا لم يتعيَّنِ القبولُ. أما إذا تعيَّنَ القبولُ فقد يقولُ عند الخوفِ بهِ أيضاً كما في ولايَةِ القضاءِ، فَإن وثق استُحِبَّ، لقوله ﵊: [وَالله فِي عَوْنِ الْعَبدِ مَا كَانَ الْعَبدُ فِي عَوْنِ أَخِيْهِ] رواهُ مسلم (٢٩٢). فَرْعٌ: قدْ يجبُ القبولُ إذا لم يكُنْ مَن يصلُحُ لَهَا ثَمَّ غيرُهُ، وخافَ إنْ لم يقبلْ هَلَكَتْ، قالَهُ صاحبُ المهذَّبِ وغيرُهُ. وهو محمولٌ على أصلِ القبولِ دونَ أنْ يُتْلِفَ منفعَةَ نفسِهِ في الحفظِ من غيرِ عِوَضٍ، وجوَّزَهُ كما نبّهَ عليه أبو الفَرَج البزَّازِ. وَشَرْطُهُمَا؛ أيْ شرط الْمُوْدِع وَالْمُوْدَع، شَرط مُوَكّل وَوَكِيْل، لأنهُ اسْتِنَابَةٌ في

стр. 1096

الحِفظِ، ويُشترَطُ صِيغَة المُودِع: كَاستَوْدَعتُكَ هَذَا أَوِ اسْتَحفَظْتُكَ أَوْ أَنَبتُكَ فِي حِفْظِهِ؛ أيْ وكذا خُذْه أمانةً وما أشبهَهُ من الألفاظِ الدَّالَّةِ على الاسْتِحفَاظِ، وَالأصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُشترَطُ الْقَبُولُ لَفْظاً وَيَكْفِي الْقَبْضُ؛ أي في العَقَارِ والمنقولِ كما فِى الوكالَةِ. والثاني: يُشترط بناءَ على أنَّها عقدٌ، والثالث: يُفصَلُ بينَ صيغَةِ الأمرِ كَاحْفَظ هذا المالَ؛ والعَقْدِ كَأوْدَعْتُكَ؛ كما فِى الوكالَةِ. والخلافُ كما قال المتوليّ: يُلتفتُ على أنَّ العُقودَ يُعتبرُ فيها ألفاظُهَا أو معانِيهَا. فَرْعٌ: إذا قَبِلَ الوديعَةَ سواء شَرَطنا القبولَ أمْ لاَ؟ ففي توقُّفِها على القبضِ ثلاثةُ أوجه، جزَمَ البغويُّ بمنعِهِ، والمتوليّ بمقابلِهِ، وأفتَى الغزاليُّ: بأنهُ إنْ كان الموْدَعُ في يدِهِ، فقال: ضَعْهَا فيهِ تَمَّت، أو في يدِ غيرِ رَبِّهِ، كما لو قال: أنظُرْ إلى متاعِي في حانوتِي فقال: نَعَمْ. فلا. وَلَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مجنون مالاً لَمْ يَقْبَلْهُ، لأنَّ إيداعَهُما كَلاَ إيدَاع، فإن قَبِلَ ضَمِنَ، كما لو غصبَهُ؛ ولا يزولُ الضمانُ إلَّا بالرَّدِّ إلى الناظِرِ في أمرِهِ، نَعَمْ: لو خافَ هلاكَهُ في يدِهِ فأخذَهُ على وجهِ الْحِسبَةِ صَوناً، لم يضمنْهُ على الأصحِّ. ويظهرُ أن يكونَ محِلُّ الخلافِ ما إذا كانَ هناكَ من يحفظُهَا غيرُة، فإن لم يكُنْ؛ فينبغِي أن لاَ يضمنَ قطعًا؛ فإنهُ يجبُ عليه الأخذُ ويستحيلُ التَّضْمِيْنُ مع وجوبِ الأخذِ. وَلَوَ أَوْدَعَ صَبِياً مَالاً فَتَلِف عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْ، إذ ليس عليه حِفْظُهُ فهو كما لو تركَهُ عند بالغٍ من غيرِ اسْتِحْفَاظٍ، وَإن أَتْلَفَهُ ضَمِنَ فِي الأصَحِّ، لأنهُ لم يُسَلِّطْهُ على إتلافِهِ فيضمنُهُ، كما لو أذِنَ لهُ في دخولِ دارِهِ لأكلِ شئٍ فأتلفَ غيرَهُ. والثاني: لا، كما لو باعَ شيئًا وسلَّمُهُ إليهِ فأتلفَهُ؛ فلا ضمانَ عليه. والفرقُ على الأوَّلِ أنَّ البيعَ يتضمَّنُ التَسَلُّطَ على التصرُّفِ، ومقتضى كلامهِ في الروضةِ تبعًا للرافعيّ في موضع تصحيح الثَّاني، وخصَّصهُمَا بعض المصنِّفِينَ بغيرِ القتلِ؛ وقال: لو كان عبداً فقتلَهُ ضمنَهُ قطعاً. وَالْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كصَبِيٍّ؛ أي في إيداعِهِ. والإيداعُ عندَهُ كما قرَّرناهُ،

стр. 1097

وَترْتفِعُ بِمَوْتِ المُودِع أَوِ المُوَدَع وَجُنُوبهِ وَإغْمَائِهِ، لأنها وكالة في الحفظِ وهذا حكمُ الوكالةِ؛ وترتفعُ أيضاً إذا حُجِرَ عليهِ بسفهٍ قالهُ صاحبُ البيانِ، وَلَهُمَا الاسْتِرْدَادُ وَالرَّدُّ كُلَّ وَقْتِ، أما المودِعُ، فلأنهُ مالكٌ، وأمَّا المودَعُ؛ فلأنهُ متبرِّعٌ بالحفظِ، وَأصلُهَا الأمَانَةُ، بالإجماع وما خالفَهُ أُوِّلَ. وَقد تصِيْرُ مَضْمُونة بِعَوَارِضَ مِنْهَا: أن يُوْدِعَ غَيْرَهُ بِلاَ إِذْنٍ وَلاَ عُذْرٍ فَيَضمَنُ، لأنَّ المالِكَ لم يرض بأمانَةِ غيره ولا يدِهِ، وَقِيْلَ: إن أَوْدَعَ القَاضِي لَم يَضمَنْ، لأنَّ أمانتَهُ أظهرُ وهو نائبُ الغائبِينَ، والأصحُّ أنَّهُ لا فرْقَ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ المالِكُ حاضِراً فلا وِلايةَ لهُ عليهِ، وإن كان غائِباً فلا ضرورَةَ إليهِ ولم يَرْضَ المالِكُ بيَدِ غيرِهِ، وإذا لَم يُزِل يَدَهُ عَنهَا؛ جَازَتِ الاِستِعَانَةُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا إِلَى الحِرزِ أَوْ يَضعُهَا فِي خِزَانَةٍ مشتركة، لأنَّ العادَةَ جَرَتْ بهَا؛ ولأنهُ ما أخرجَهَا عن يدِهِ. ولا فَوَّضَ أمرَهَا إلى غيرِهِ. وَالحِرْزُ أصْلُهُ فِى اللُّغة: المَوْضِعُ الحَصينُ؛ وَالخِزَانَةُ بكسرِ الخاءِ كذا رأيتُهُ مضبوطًا بخطِّ مؤلِّفِهِ، وإذا أَرَادَ سَفَراً فَلْيَرُدَّهُ إِلَى المَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، أي في تسليمِ تلكَ العينِ خاصَّة أو في عامَّةِ أشغالِهِ لأنهُ قائمٌ مقامَهُ، فَإن فَقَدَهُمَا؛ أيْ لِغَيبةٍ ونحوها، فَالقَاضِي، أي وعليهِ قبولُها لأنَّ المالِكَ لو كان حاضِراً لزِمَهُ القبولُ فينُوبُ عنهُ الحاكمُ عندَ الغيبة، كما لو خُطبت امرأةٌ وَوَلِيُّهَا غَائِبٌ، فَإن فَقَدَهُ فَأمِيْنٌ، أي يأتمنَهُ الموَدِّعُ وكذا غيره في الأصحِّ، لئلا يؤدِّي إلى تأخيرِ السَّفَرِ. وهل يجبُ على المودِّع الإشهادُ على الأمينِ؟ فيهِ وجهانِ في الكفايَةِ. ويظهرُ ترجيحُ الوجُوبِ، فإنَّ الأمينَ قد يُنْكِرُ، ولا يبعُدُ تخصِيصُ الخلافِ بحالِ القدرةِ على الإشهادِ. فَرْعٌ: لو تركَ هذا التَّرتيبَ ضَمِنَ. فَإن دَفَنهَا بِمَوْضِع وَسافَرَ ضَمِنَ، لأنهُ عرَّضَها للأخْذِ، فَإن أَعلَمَ بِهَا أَمِيْناً يَسْكُنُ المَوضعَ؛ أي وهو حِرْز مثلُهُ، لَمْ يَضمَنْ فِي الأصَحِّ، لأنَّ ما في الدَّارِ في يَدِ ساكِنِها؛ فكأنهُ أودعَهُ إيَّاهُ، والثاني: يضمنُ، لأنَّ ذلك إعلامٌ لا إيداعٌ. وجعلَ الإمامُ في معنَى السُّكنى أن يُراقِبَهَا من الجوانِبِ أو مِن فَوقِ مُراقَبَةَ الحارِسِ، وهذا

стр. 1098

الإعلامُ سبيلُهُ الائتِمَانُ، وقيل: الإشْهَادُ. وَاعلَم: أنَّ محِلَّ الخلافِ الذي ذكرَهُ المصنِّفُ فيما إذا فَعَلَ ذلكَ مع عدَمِ القُدرةِ على الدَّفْنِ بمسكَنِ الحاكِمِ كما سبقَ في التسلِيمِ؛ لا مُطلقًا، لأنَّ الدَّفنَ فيما سكنَهُ مع إعلامِهِ بهِ ومرافقَتِهِ عليه تسليمٌ لهُ إذ لا يُشترطُ في التسلِيمِ والتَّسَلُّمِ الأخذُ باليدِ إجماعًا. وَلَوْ سافر بِهَا ضَمِنَ، لأنَّ حِرْزَ السَّفَرِ دُونَ حِرْزِ الحَضَرِ، ثم هذا إذا أودَعَ حاضِراً، فإن أودَعَ مُسافراً فسافَرَ بها أو مُنَتَجعاً فَانتجعَ بها فلا ضَمَانَ، كما جزَمَ به في الروضة تبعًا للرافعيّ، لأنَّ المالِكَ رَضِيَ حينَ أودعَهُ، إِلَّا إِذَا وَقعَ حَرِيْق أَوْ غَارَةٌ وَعَجَزَ عَن مَن يَدفَعُهَا اِلَيهِ كَمَا سبَقَ، أىْ فإنهُ لا يضمَنُ لقيامِ العُذرِ بهِ، بل يلزمُهُ السفرُ بها في هذه الحالةِ وإلا فهو مُضيِّعٌ، وَالحَرِيقُ وَالْغارَةُ فِي البقعة وإشراف الحِرزِ عَلَى الخَرَابِ؛ أيْ ولم يَجِد حِرزاً آخرَ ينقُلُها إليهِ، أَعْذَارٌ كاَلسَّفَرِ، أىْ في جَوَازِ الإيداع لظهُورِ العُذرِ. فَائِدَة: الغَارَةُ لُغَة قَلِيلَة، وَالأفْصَحُ الإغَارَةُ. وَإذَا مَرِضَ مَرَضاً مُخَوِّفاً فَليَرُدَّهَا إلَى المَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَإِلَّا فالَحَاكِمِ أَوْ إلَى أَمِيْن أَوْ يُوْصِي بِهَا، أي إلى أمين كما إذا أرادَ السفرَ. والمرادُ بالوصيَّةِ الإعلامُ والأمرُ بردِّها بعد موتهِ، هذا هو المعتمَدُ كما قال الرافعيُّ. وكلامُ الأئمَّةِ يقتضي أنَّ المرادَ أن يسلِّمَها إليهِ وليس كذلكَ، فَإن لَمْ يَفْعَل ضَمِنَ، لأنهُ عرَّضَها للفواتِ، إذ الوارثُ يعتمدُ ظاهرَ اليدِ ويَدَّعِيْها لنفسِهِ، وقصد ابنُ الرفعةِ ذلك بما إذا لم تكُنْ بالوديعَةِ بَيِّنَة باقيةٌ، لأنها كالوصيَّةِ، إِلَّا إِذَا لَم يَتَمَكَّن بِأن مَاتَ فُجأة، أىْ وكذا إذا قُتِلَ غَيلَة لانتفاءِ التقصيرِ، وما أحسَنَ قولَ أبي سَهل الصُّلُوكِيِّ وقدْ سُئلَ عن ذلكَ يعني الضَّمَانَ: لاَ إنْ ماتَ عَرَضاً، نَعَمْ إنْ ماتَ مَرَضاً. ومرادُهُ ما ذكرَهُ المصنِّفُ. فَرْعٌ: الْمَحبوسُ لِقَتْل (•) كمَنْ مَرِضَ مُخَوِّفاً، فيما ذكرنَاهُ؛ قال الإمامُ: ولا يلتحِقُ به الانتهاءُ إلى الهَرَمِ مِن غيرِ مرضٍ.

стр. 1099

فَرْعٌ: لا يلزمُ الورثةَ التسليمُ بمجرَّدِ الكتابَةِ: أنَّ هذا وَدِيعَة، لأنَّ الخَطَّ لا يُثْبِتُ حَقّا على كاتبِهِ؛ كذا علَّلَهُ في الاستقصاءِ، وعلَّلهُ غيرُهُ باحتمالِ شِرائِهَا بعد الإيداع. فَرْعٌ: إذا ماتَ القاضي وَلَم تُوْجد تَرِكَةُ اليتيمِ في تَرِكَتِهِ لَمْ يَضمَنْهَا، وإن لم يُوْصِ ولم يعيِّنْ لأحدٍ مالًا، قالهُ ابنُ الصَّلاح في فتاويهِ؛ وقال: إنَّما يضمنُ إذا فرَّطَ سواءٌ ماتَ عن مرضِ أو بَغتة. وَمِنْهَا إِذَا نَقَلَهَا مِنْ مَحِلْةٍ أَوْ دَارٍ إِلَى أخْرَى دُونَهَا فِي الْحِرزِ ضَمِنَ، لتعريضها للهلاكِ، وإلا؛ أيْ وإن تساوَيَا أو كان المنقولُ إليهِ أَحْرَزَ، فَلا، أىْ فلا ضمانَ لعدمِ التَّفريطِ، واحترزَ بقوله (إِلَى أخرَى) عمَّا إذا نقلَ من بيتٍ إلى بيتٍ في دار واحدةٍ، أو خانِ واحدٍ فإنهُ لا ضمانَ، وإنْ كان الأولُ أحْرَزَ. وفي فتاوَى القفالِ: أنهُ إذا نقلَهَا من قريةٍ إلى أخرى أحْرَزَ فلا ضمانَ إن كانتْ ممَّا لا مُوْنَةَ لحَملِهِ، لأنَّهُ أَوْردهَا في الموضع المنقولِ إليهِ لزِمَ المودِعَ قبولُها، ثم هذا كلُّهُ إذا أطلقَ الإيداعَ، فإن أمَرَهُ بالحفظِ في موضع معيَّنِ فسيأتِي. وَمِنْهَا: أَن لاَ يَدْفَعَ مُتْلِفَاتِهَا؛ أيْ أنَّهُ يجبُ عليهِ دفعُها عنها على المعتادِ، لأنَّهُ من أُصُولِ الحِفْظِ، فَلَو أَوْدعَهُ دابَّة فَتَرَكَ عَلْفَهَا؛ أيْ بإسكانِ اللَّامِ مُدَّةً يموتُ مثلُها، ضَمِنَ؛ أيْ سواء أَذِنَ في عَلْفِهَا أو أطلقَ لِتَعَدِّيهِ، فإنهُ يلزمُهُ أنْ يَعْلِفَهَا لحقِّ اللهِ تعالى؛ وبهِ يحصُلُ الحفظُ الذي التزمَهُ بقبولها. أمَّا إذا ماتَت قبلَ مُضيِّهَا فلا؛ إنْ لم يكُنْ بها جُوعٌ أو عطَشٌ سابِقٌ، فإن كانَ وهُو عالِمٌ بهِ ضَمِنَ وإلَّا، فلا على الأصحِّ، فَاِن نَهَاهُ عَنْهُ فَلاَ عَلَى الصَّحِيح، للإذن في الإتلافِ، نَعَمْ يَعْصِي لِحُرْمَةِ الرُّوح، والثاني: يضمنُ؛ لأنَّهُ لا حُكْمَ لِنَهْيِهِ عما أوجبَهُ الشَّرْعُ: بدليلِ أنَّهُ يَأثمُ. فَرْعٌ: لو كانَ بالبهيمَةِ قُوْلَنْجٌ أو تُخمَةٌ يضُرُّ بها العَلْفُ والسَّقْي لزمَهُ امتثالُ نَهْيهِ، فلو خالفَ قبْلَ زوالِ العلَّةِ فماتَتْ ضَمِنَ، وإن أَعطَاهُ الْمَالِكُ عَلَفاً؛ أيْ بفتح اللَّامِ، عَلَفَهَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَلْيُرَاجِعْهُ أَوْ وَكِيلَهُ؛ أي ليستردَّهَا أو يُعطى علَفَها، فَاِن فُقِدَا فَالحَاكِمُ، كما في هَرَبِ الجَمَّالِ ونحوِهِ، وَلَوْ بَعَثَهَا مَعَ مَنْ يَسْقِيْهَا؛ أيْ وكانَ

стр. 1100

أمِيْناً، لَمْ يَضْمَنْ فِي الأصَح، لِاطّرَادِ العادَةِ بذلكَ، والثاني: يضمنُ لإخراجِها من حِرْزِهَا على يدِ مَن لم يَأتمِنْهُ المالِكُ مع إمكانِ تعاطِى ذلكَ بنفسِهِ، فإن لم يكُنْ أمِيْناً ضَمِنَ قطعًا، قال في الوسيطِ: والخلافُ فيمَنْ يتولى ذلكَ بنفسِهِ في العادَةِ. وأمَّا غيرُهُ فلا يضمنُ قطعًا. وَعَلَى المُودَع تَعرِيضُ ثِيَابِ الصوفِ لِلرِّيْح كَيْ لاَ يُفْسِدَهَا الدُّوْدُ، وَكَذَا لُبسُهَا عِندَ حَاجَتِهَا، أيْ بأنْ يعين طريقًا لدفْع الدُّوْدِ بسبَبِ عَبَقِ رائحَةِ الآدمِّي بِهَا، فإنْ لم يفعلْ وفسدَتْ ضَمِنَ إلَّا أنْ ينهَاه عنهُ، وهذا كُلهُ مع عِلْمِ المودِّع. فإنْ لم يعلَمْ؛ بأن كان في صُنْدُوق أو كِيْسٍ مشدودٍ، ولم يُعلِمْهُ المالِكُ فلا ضَمَانَ. فَرْعٌ: ثِيَابُ الخَزِّ كالصُّوفِ؛ قالهُ في المطلَبِ، قال: وَهِىَ الْمَعمولَةُ مِنْ حَرِير وَصُوْفٍ، قُلْتُ: وَقِيْلَ: مِنْ حَرِيْرٍ وَوَبَرٍ. فَرْعٌ: تَمْشِيَةُ الدابَّةِ عند الخوفِ عليها مِن الزَّمَانَةِ لكثرَةِ وُقوفِهَا كَنَشْرِ الثوبِ. وَمِنْهَا أَن يَعْدِلَ عَنِ الْحِفْظِ الْمَأمُورِ، وَتَلِفَتْ بِسَبَبِ الْعُدُولِ فَيَضمَنُ، لأنَّهُ لو رَاعَى المأمورَ بهِ لم يتحققِ التلَفُ، فَلَوْ قَالَ: لاَ تَرْقُد عَلَى الصُّنْدُوقِ، فَرَقَدَ وَانكَسَرَ بِثِقْلِهِ وَتلِفَ مَا فِيْهِ ضَمِنَ، للمخالَفَةِ، وَإِن تَلِفَ بغَيْرِهِ، أيْ كما إذا كانَ في بيتٍ مُحْرَزٍ أو في صحراءَ وأخذَهُ لِصٌّ، فَلاَ، عَلَى الصحِيْح، لأنَّه زادَهُ خيراً: فالتلَفُ ما جاءَ ممَّا أتَى بهِ، والثاني: يضمنُ؛ لأنَّ الرقَادَ عليهِ يُوهِمُ السارِقَ نفَاسَةَ ما فيهِ فيقصُدُهُ. فَرْع: لو كانَ في صحراءَ وأخذَهُ اللّصُّ من جانِبِ الصندوقِ ضَمِنَ على الأصحِّ؛ إذا سُرِقَ من جانبٍ لو لم يرقُدْ عليهِ لَرَقَدَ هُناك، بأنْ كانَ يرقُدُ أمامَهُ فتركَهُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: لاَ تَقْفِلْ عَلَيْهِ قُفْلَيْنِ فَأقْفَلَهُمَا، لأنَّهُ زادَ احتياطًا، والثاني: يضمنُ للإِغْرَاءِ. ومحِلُّ الخلافِ في بلدٍ لم تَجْرِ عادتُهُم بذلكَ وإلَّا فلا ضَمَانَ قطعاً، قالهُ ابنُ عُجَيْلٍ وَتَبِعَهُ صاحبُ المُعِيْنِ. فَرْعٌ: الخلافُ جارٍ فيما لو قالَ: لا تُقْفِلْ عليهِ؛ فَأقفَلَ، وهو ما ذكرَهُ في الْمُحَرر عِوَضاً عن مسألةِ الكتابِ.

стр. 1101

وَلَوْ قَالَ: إرْبِطِ الدَّرَاهِمَ فِي كُمِّكَ، فَأمْسَكَها فِي يَدِهِ، فَتَلِفَت، فَالمَذْهَبُ: أنهَا، إِن ضَاعَتْ بِنَوْمٍ وَنسْيَان ضَمِنَ، لأنَّها لو كانتْ مربوطةً لم تَضِع بهذا السببِ، فالتلفُ حَصَلَ بالمخالَفَةِ، أو بِأخْذ غَاصِبٍ فلا، لأنَّ اليدَ أَحْرَزُ بالنسبةِ إليها، وهذا نَصُّهُ في عيونِ المسائِلِ، ونقلَ المُزَنِي أنهُ: لاَ ضَمَانَ مُطلقاً، والرَّبِيْعُ مقابلَهُ، وللأصحابِ طُرُق أصحُّها ما ذكرَهُ المصنفُ، وثانيها: إطلاقُ قولينِ، الضمَانُ مُطلقًا، وعكسُهُ. وثالثها: أنْ يربِطْها في الكُمِّ، واقتصرَ على الإمسَاكِ ضَمِنَ. وإنْ أمسَكَ باليَدِ بعدَ الربطِ، فلا. وفي كلامِ الفورانيِّ تصويرُ المسألَةِ بما إذا كانَ الإيداعُ خارِجاً عن منزلِهِ؛ وكلامُ الشافعيِّ في الأمِّ يقتضيْهِ أيضاً كما أفادَهُ صاحبُ المطلبِ، وقولُ المصنف (وَنِسيان)؛ لو قال: (أو) مكانَها يعني الواو لكانَ أحسَن، لأنَّهُ يكفي واحدٌ. تنْبِيْهَانِ: الأوَّل: أفْهَمَ كَلامُ المصنِّف أنهُ بالربطِ لا يضمنُ؛ ومحلُّهُ إذا جعلَ الخيطَ الرابطَ خارِجَ الكُم في الضياع بِالاسْتِرْسَالِ دُونَ أخذِ الطرارِ وإذا كانَ داخلُهُ في الضياع بأخْذِ الطرارِ دُونَ الاسْتِرْسَالِ، وَاستَشْكَلَهُ الرافعيُّ؛ لأنَّ المأمورَ به مطلقُ الربطِ وقدْ أتَى بهِ، ولكَ أنْ تقولَ: ينبغِي أن يكونَ المأمورُ بهِ رَبطاً يتضمنُ الحِفْظَ، ولهذا لو رَبَطَ ربطاً غيرَ مُحكم ضَمِنَ، وإن كان لفظُ الربطِ يشمَلُ الْمُحكَمَ وغيرَهُ، قال: ولأنهُ لو قال: إحفَظْ في هذا البيتِ، فوضعَها في زاويةٍ منهُ؛ فَانهَدَمَتْ على الوديعَةِ؛ ينبغي أنْ يَضْمَنَ؛ لأنَّها لو كانَتْ في زاوية غيرِها لَسَلِمت، ومِن المعلومِ أنَّ تضمينَهُ بعيد. ولكَ أن تُفَرق بأن لفظَ البيتِ يتناولُها والعُرفُ لا يُخَصصُ موضعاً من البيتِ. الثانِي: معنَى الربطِ معروفٌ لكنْ في ابنِ يُوْنُسَ معناهُ اجعَلْهَا، وكذا في البيانِ عن الشَّيخ أبي حامد: أنَّ الربطَ هنا عبارة عن الْجَعلِ، وهو خلاف المتَبَادَرِ. وَلَوْ جَعَلَهَا فِي جَيبِهِ بَدَلاً عَنِ الرَّبط فِي الكُمِّ لَم يَضمَن، لأنَّهُ أَحرَزُ؛ اللَّهُمَّ إلَّا إذا كان واسِعاً غيرُ مَزرُورٍ، وَبِالْعَكْسِ يَضمَنُ، لأنَّ الْجَيبَ أَحرَزُ؛ لأنَّهُ يُرْسَلُ الكُمُّ فَيَسْقُطُ. وهل المرادُ بالجيْبِ المعروفِ أو فَتْحَةُ القَمِيْصِ كما هو ظاهرُ كلامِ الجَوْهَرِيِّ وصاحِبُ المطَالِع وَالنهَايَة، والظاهرُ أنَّ المرادَ هنا هو: الأوَّلُ، وإنْ لم أرَهُ في شيءٍ من كُتب اللغَةِ بهذا المعنَى، وبعضُهُم يجعَلُ عندَ طَوْقِهِ فَتْحَة نَازِلَة كَالخريطَةِ

стр. 1102

فيحتمَلُ أن يكونَ المرادَ بهِ أيضاً، وَلَوْ أَعطَاهُ دَرَاهِمَ بِالسُّوقِ وَلَم يُبَيِّن كَيفِيةَ الحِفْظِ فَرَبَطَهَا فِي كُمِّهِ وَأمسَكَهَا بِيَدِهِ أَوْ جَعَلَهَا فِي جَيبِهِ لَم يَضمَنْ، لأنَّهُ قد بالَغَ في الحفظِ. وشرطُ الجَيْبِ أنْ يكونَ ضيقاً أو واسِعاً مَزْرُوْراً، فإنْ كانَ واسِعاً غيرَ مَزْرُورٍ؛ فإنه يضمنُ لسهولَةِ التناوُلِ باليَدِ، وِإن أمسَكَها بِيَدِهِ، يعني ولم يربطْهَا، لَم يَضمَن إِن أَخَذهَا غَاصِبٌ، وَيضمَنُ إِن تلفَت بِغفْلَةِ أَوْ نَوْمِ، لأنَّه حصلَ بسببٍ من جهتَهِ بخلافِ الأولِ، وَإن قَالَ: احفَظْهَا فِي الْبَيتِ فَلْيَمضِ إِلَيهِ ويحرِزْهَا فِيهِ، فَإن أخرَ بِلاَ عُذْرِ ضَمِنَ، لتفريطِهِ ولا يبعُدُ الرجوعُ في ذلك إلى العُرفِ ويختلفُ ذلكَ باختلافِ نَفَاسَةِ الودِيْعَةِ وَقِلتِهَا وطُولِ زَمَانِ التأخِيْرِ وَقِصَرِهِ. وَمِنْهَا: أَن يُضَيِّعَهَا بِأن يَضَعَهَا في غيرِ حِرزِ مِثْلِهَا، أيْ وإنْ قصَدَ بهِ إخْفَاءَهَا، أَوْ يَدُل عَلَيْهَا سَارِقاً أَوْ مَنْ يُصَادِرُ المَالِكَ، لأنَّهُ مأمور بحفظِهَا في حِرزِ مِثلِهَا، وَالتحَرُّزُ عن أسبابِ تلفِهَا، فلو أُخبِرَ بالوديعةِ ولم يعيِّنْ مكانَهَا أو كان الدَّالُّ غيرَهُ فلا ضمانَ، وعنهُ احترَزَ بقولهِ (أوْ يَدُل عَلَيْهَا). ولو أَعلَمَ مَنْ يُصَادِرُ المالِكَ غير المودَع فلا ضمانَ عليه، لأنَّهُ لم يَلتزِمْ بالحفظِ. فَرْعٌ: دَلَّ عليها سَارِقاً فضاعَتْ بغيرِهَا، قال في الذخَائِرِ، قال أصحابُنا: الدَّلاَلَةُ كَنِيةِ الخِيَانَةِ؛ وفيهِ وجهانِ، قال: والأظهرُ هنا الضمَانُ؛ وهو ظاهرُ إطلاقِ المصنِّف أيضاً. فرع: ضيَّع بِالنسيانِ، ضَمِنَ في الأصحِّ. فَلَو أَكرَهَهُ ظَالِم حَتَّى سَلمَهَا إِلَيهِ فَلِلمَالِكِ تَضمِينُهُ فِي الأصَحِّ، لتسليمِهِ، والضمانُ يستوى فيهِ الاختيارُ والاضطرارُ، ثم يَرْجِعُ، أي المودِّعُ، عَلَى الظالِمِ، لأنَّهُ ليس لهُ أن يَقِي نفسَهُ بمالِ غيره، كما لو أَلقى في البحرِ مالَ غيرِهِ، والثاني: المنعُ، لأنَّهُ مضطر كما لو أخذَها الغاصِبُ بنفسِهِ، ولا يلزمُهُ أن يَقِىَ مالَ غيره بنفسِهِ كما لو صَالَ عليهِ فَحْل فَفَتَلَهُ، واحترزَ بقولِهِ (سَلمَهَا إِلَيهِ) عمَّا لو أخذَها منهُ قَهْراً، فإنهُ لا ضمانَ عليهِ قطعاً كما لو سُرِقَتْ منهُ، نَعَمْ: لو لم يسلمْها، لكنْ دَل عليهَا فأخذَها

стр. 1103

الظالِمُ؟ (٢٩٣) قال الماوردي: المذهبُ أنهُ لا يضمَنُ كَالْمُحْرِمِ إذا دَلَّ على صَيدٍ لا يضمنُهُ تقديماً للمباشرَةِ على السبَبِ. فَرْع: يُخْفِى الوديعَةَ عن الظالِمِ؛ ويحلِفُ كاذباً جَوَازاً؛ قالهُ الرافعىُّ، وقال الغزالي في البسيطِ: وُجوْباً ويكَفرُ على الأصح، ولو حَلَفَ بالطلاقِ مُكْرَهاً، وَقَعَ على الأصحِّ، لأنَّهُ فَدَى الوديعَةَ بِزَوْجَتِهِ. وَمِنْهَا: أَن يَنتَفِعَ بِهَا بِأن يَلْبَسَ أَوْ يَرْكَبَ خِيَانَة، أَوْ يَأخُذَ الثوْبَ لِيَلْبَسَهُ أَوِ الدرَاهِمَ لينْفِقَهَا فَيَضْمَنُ، لوجُودِ التعَدِّي في اللبسِ والرُّكُوبِ والإخراج في الباقى وهُو على هذا القَصْدِ خِيَانَة، واحترزَ بقوله (خِيَانَة) عمَّا إذا كان ثَمَّ عُذْر بأنْ لَبِسَ لِدَفْع الدودِ كما سبقَ أو رَكِبَ الدابَّةَ حيثُ يجوزُ إخراجُها للسقىِّ وكانت لا تنقادُ إلَّا بهِ فإنهُ لا ضمانَ. فَرْعٌ: في فتاوى البغوي: لو أَوْدَعَ كِتاباً من إنسانٍ فَقَرَأَ فيه ضَمِنَ، وإنْ غصبَ منهُ بعدَهُ فعليهِ بدلُ الضمانِ، لأنَّ القراءَةَ مِن الكتابِ انتفاع بهِ. وَلَوْ نَوَى الأخْذَ وَلَم يَأخُذْ، لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الصحِيْح، لأنَّهُ لم يُحْدِثْ فِعْلاً، والثاني: يضمنُ كما لو وُجِدَتْ نِيَّةُ الْخِيَانَةِ في الابتداءِ. وَنِيةُ الاستعمالِ كَنِيةِ الأخْذِ فيجرِي الخلافُ، ثم الخلافُ إذا نوَى بعدَ القبضِ، أما إذا نواهُ ابتداء ضَمِنَ قطعاً، وَلَوْ خَلَطَهَا بِمَالِه وَلَم تَتَمَيزْ ضَمِنَ، لأنَّهُ لم يَرْضَ به المالِكُ لما فيهِ من سُوءِ المشاركَةِ؛ فإنْ تَميزَ؛ فلا، إلا أن يحدُثَ بالخلطِ نقص، وَلَوْ خَلَطَ دَرَاهِمَ كِيْسَيْنِ لِلْمُوْدِع ضَمِنَ فِي الأصَحِّ، لأنَّهُ خيانة. والثاني: لا، لأنَّهُ كله مِلْكُ مالِكٍ واحدٍ، ولو كانَا مُتَمَيزَينِ كدراهِمَ ودنانيرَ فلا ضمانَ وكذا لو خلطَ ذلك بمالِهِ. وعنه احترزَ بقوله أولاً (وَلَمْ يَتَمَيزْ)، وَمَتَى صَارَتْ مَضمُونَةً بانْتِفَاعِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ الْخِيَانَةَ لَمْ يَبْرَأ، كما لو جحَدَها ثم اعترفَ بها، فَإن أًحدَث لَهُ المالِكُ اسْتِئْمَاناً، أي

стр. 1104

كاستَأمَنتُكَ عليهَا ونحوه، بَرِىَء في الأصَح، لأنَّهُ أسقَطَ حقهُ؛ والثاني: لا، حتَّى يردها إلى صاحبِها أو وكيلهِ لحديث [عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدّيهِ] (٢٩٤) ونَصَّ الشافعيُّ ﵀ على الوجهينِ، قال الرافعي: فيجوزُ التعبيرُ على الخلافِ بالقولينِ، قُلْتُ: بَلْ يَتَعَيَّنَ. فَصل: وَمَتَى طَلبهَا المَالِكُ لَزِمَهُ الرَّدُّ بِأن يُخَلي بَينَهُ وَبَينَهَا، أي وليس المرادُ بالرد أنهُ يجبُ عليهِ مباشرته أو تحملِ مُؤْنَتِهِ وإنَّما ذلك على المالِك، فإن أَخْرَ بِلاَ عُذْر ضَمِنَ، لتعديه، وإنْ كانَ ثَمَّ عذرٌ فلا ضمانَ قطعًا على الراجِح في الروضة، وَإنِ ادًعَى تَلَفَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَباً أَوْ ذَكَرَ خَفِياً كَسَرِقَةٍ صُدِّقَ بِيَمِيْنهِ، لأنَّهُ ائْتمَنَهُ فليصدقهُ، وَإِن ذَكَرَ ظَاهِراً كَحَرِيق، فَإن عُرِفَ الحَرِيقُ وَعُمومُهُ صُدِّقَ بِلاَ يَمِينٍ، لقيامِ القرائِنِ على ذلكَ، وِإن عُرِفَ دُون عُمومِهِ صُدّقَ بِيَمِينهِ، لاحتمالِ ما يدَّعيهِ، وَإِن جهِلَ طُولِبَ بِبَينةٍ، يعني على السببِ الظاهرِ، ثُمَّ يُحَلفُ عَلَى التَّلَف بِهِ، لاحتمالِ أنها لم تَتلَف بِهِ. فَرْعٌ: موتُ الحيوانِ والغصبُ من الأسبابِ الظاهرةِ عند المتوليّ، والأقربُ في الرافعيِّ وهو ما في التهذيب: إلحاقُ الغَصْبِ بِالسرقةِ. وِإنِ ادعَى رَدَّهَا عَلَى مَنِ ائتمَنَهُ، أيْ وهو المالكُ، صُدِّقَ بِيَمِينهِ، لأنَّهُ ائتمَنَهُ فيقبَلْ قولَهُ عليهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَوَارِثه أَوِ ادعَى وَارِثُ الْمُوَدع الرّدّ عَلَى الْمَالِكِ أَوْ أَوْدَعَ عِندَ سفرِهِ أمِيْناً فَادعَى الأمِيْنُ الرّدّ عَلَى الْمَالِكِ طُوْلبَ، كُل، بِبَينَةٍ، لأنَّ الأصلَ عدمُ الرَّدِّ ولم يأتمِنهُ، وَجُحُودُهَا بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ مضَمنْ، لخيانتِهِ حينئذٍ، واحترزَ بطلَبِ المالِكِ على طلَبِ غيرِهِ، فإنهُ لو سألَهُ عنها فأجابَ: بأنْ لا وديعَةَ لأحدِ عندي، ولو بحضْرَةِ المالِك؛ فإنهُ لا يكونُ مُضَمناً، لأنَّ إخفاءَها أبلغُ في

стр. 1105

حفظِها، ولو لم يطلبْهَا بل قال: لي عندَكَ وديعةٌ فسكَتَ لم يَضْمَنْ، وإنْ أنكرَ لم يضمَنْ أيضًا في الأصح، لأنهُ قد يكونُ لهُ في الإخفاءِ غَرَضٌ صحيحٌ بخلافِ ما بعد الطَّلَبِ. فَرْعٌ: لو جَحَدَ، ثم قالَ: كُنتُ غلطتُ أو نسيتُ لم يبرَّأُ, إلا أن يصدقَهُ المالِكُ.

стр. 1106

كِتَابُ قَسْم الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِ القَسْمُ: بفتح القاف مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْقِسْمَةِ. وَالفَيْءُ: مَأْخُوذٌ مِنْ فَاءَ إِذَا رَجَعَ؛ أيْ صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْغَنِيْمَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِنَ الغُنْمِ وَهُوَ الْفَائِدَةُ الْحَاصِلَةُ بِلَا بَدَلٍ. وافتتحهُ في الْمُحَرَّرِ بقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (٢٩٥) وبقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢٩٦) الآيتان، قال المسعوديُّ وغيرُهُ: واسمُ كُلٍّ مِنَ الْمَالَيْنِ يَقَعُ عَلَى الآخَرِ إِذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ، فَإِنْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا افْتَرَقَا كالفقيرِ والمسكينِ، وقال أبو حاتم القزوينيُّ وغيرُهُ: إنَّ الفيءَ يشملهما، والغنيمةُ لا تشمل الفيءَ، وفي لفظ المختصر ما يشعرُ به. ومن العجائب ما ادَّعاه الشيخُ تاجُ الدِّينِ ابنُ الفَرْكَاحِ: مِن أنَّ حُكم الفيءِ والغنيمةِ راجعٌ إلى رأي الإمام يفعل فيه ما يراه مصلحةً؛ وأجاب عن الآيتين المذكورتين بما حكى عن بعضهم: أنَّ هذا الخمس إنما كان لمن ذُكر في الآية في حياته ﵊، لأنه كان يضعُهُ في مواضعه، فلما ماتَ بَطُلَ وعاد ذلك لِلْمُوْجِفِيْنَ. وقد انتدبَ له المصنِّفُ فردَّ عليه في تصنيف مفردٍ فأصابَ. الفَيْءُ: مَالٌ حَصَلَ مِنْ كُفَّارٍ بِلَا قِتَالٍ، وَإيْجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ كَجِزْيَةٍ، أيْ وكذا الخراجُ المضروبُ على حكم الجزية، وَعُشْرِ تِجَارَةٍ، وَمَا جَلَوْا عَنْهُ خَوْفًا، أيْ

стр. 1107

مِن المسلمين أو لِضُرٍّ أصابهم، وَمَالُ مُرْتَدٍّ قُتِلَ أَو مَاتَ، وَذِمِّيٍّ، أيْ ومالُ ذِمِّيٍّ، مَاتَ بِلَا وَارِثٍ فَيُخَمَّسُ، أي خمسةُ أسهم متساويةٍ كالغنيمة لإطلاق قوله تعالى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ... ﴾ الآية (٢٩٧)، وأطلقَ بعضُهم عن القديم أنَّ الفئَ لا يخمَّسُ، والإِيْجَافُ: الأعمالُ، وقيل: الإسراعُ، والرِّكَابُ: الإبلُ، والواو في قوله (وَرِكَابِ) بمعنى أو، وفي قوله (وَإِيْجَافِ) محتمِلَةٌ لذلك، إذا أُريدَ قتالٌ قويٌ؛ ومحتملةٌ لأنْ يكون على بابها إذا أُريد تصويرُ الهيئة الاجتماعية التي يحصلُ بها القهرُ، وقوله (وَمَا جَلَوْ عَنْهُ خَوْفًا)؛ يُفْهِمُ: أن الَّذي جَلَوْا عنه من غير خوف ليس بفئٍ ولم يقل به أحدٌ، أو أنَّه لا يخمسُ والصحيح خلافُهُ؛ فلو حذفهُ لكان أحسن؛ ولعلَّهُ جرى على الغالب، وقوله (بِلَا وَارِثٍ)؛ كذا إذا كان له وارثٌ غير حائِزٍ، فإن الباقى عنه فيءٌ، وَخُمُسُهُ لِخَمْسَةٍ، أي والأخماسُ الأربعةُ كانت لهُ ﷺ مع خُمْسِ الْخُمْسِ. أَحَدُهَا: مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، كَالثُّغُورِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْعُلَمَاءِ، قال تعالى ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٢٩٨). والإضافةُ إلى الله على وجه التَّبَرُّكِ. والابتداء باسمه، يُقَدَّمُ الأهَمُّ، أيْ فالأهمُّ، وأهمُّها سدُّ الثُّغُورِ لأنَّ بها يُحْفَظُ المسلمون (•). فَرْعٌ: لو لم يدفع السلطانُ حقَّهم من بيت المال أيِ القضاةُ والعلماءُ. فالقياسُ كما قال الغزالي في الإِحياء: إنَّ كلًّا يأخذُ ما يُعطى وهو حقَّهُ والباقونَ مَظْلُوْمُوْنَ. وَالثَّانِي: بَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ، أيْ وبنُو الْمُطَّلِبِ لقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٢٩٨) وهُم مَن ذَكَرَهُ المصنِّفُ دونَ عبد شمسٍ ونوفلَ؛ وهم أبناءُ عبد منافٍ

стр. 1108

أيضًا، لأن سيدنا رسول الله ﵊ وضع سهم ذوى القُربى في بني هاشم وبني الطلب وترك الَآخَرِيْنَ؛ وقال حين سُئلَ عن تَرْكِهِمْ: [نَحْنُ وَبَنوْ الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ]، رواه البخاري (٢٩٩)، وإمامُنا الشافعيُّ من بني المطَّلب. وهاشمُ هو جدُّ النبي ﷺ والد عبد المطلب، والمطلبُ أخو هاشم شقيقُهُ وبه سمَّى عبدُالمطلب ابن أخيه، لأنه كان اسمه شَيْبَةَ الْحَمْدِ. يَشْتَرِكُ الْغَنيُّ وَالْفَقِيرُ وَالنِّسَاءُ، لإطلاق الآية (٣٠٠). ويفَضِّلُ الذَّكَرُ، كَالإِرْثِ، والجامع أنه مال مستحق بالشرع بقرابة الأب، فكانت الأنثى فيه على النِّصف. فَرْعٌ: يشترط كون الانتساب فيه بالآباءِ، فلا يُعطى أولاد البنات؛ كذلك فعلَ الأوَّلُوْنَ، وقال القاضي حُسين: الْمُدْلَى بجهتين يقدَّم على الْمُدْلَى بجهةٍ، قال الغزالي وغيرُهُ: وهذا يدل على أن للإِدْلَاءِ بالأُمِّ أثرًا في الاستحقاق؛ وحينئذ لا يَبْعُدُ عن القياس تأثيره عند الإنفراد وهذا تخريج. وفي البسيط التصريح به عن القاضي؛ لكن قال ابنُ الرِّفْعَةِ: تَصَفَّحْتُ النِّهَايَةَ وتعليقَ القاضي فلم أرَ ما حكاهُ الغزالي عن القاضي؛ ولعلَّهُ في موضع آخر. وَالثْالِثُ: الْيَتَامَى، للآية. وَهُوَ صَغِيْرٌ لَا أَبَ لَهُ، كذا قاله أهلُ اللُّغَةِ؛ ويُشْتَرَطُ فَقْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لأن لفظ اليتيم يشعر بالضعف والحاجة. والثانى: لا يشترط، لشمول الآية؛ وكذوي القربى قال القاضي: وهذا مذهبنا ومذهب عامَّة أصحابنا. وَالرَّبِعُ وَالْخَامِسُ: الْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ، للآية وسيأتى حقيقتهما في الباب

стр. 1109

الآتى بعدَهُ، ويدخل في المساكين الفقراء كما صرَّح به القاضي أبو الطَّيِّبِ. وَيَعُمُّ الَأصْنَافَ الأربعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ، لظاهر الآية، وَقِيلَ: يَخُصُّ بِالْحَاصِلِ في كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ فِيْهَا مِنْهُمْ، لما في النقل من الْمَشَقةِ فَالتحَقَ بالزكاة؛ وضعِّف بأنه يؤدي إلى حرمان بعضهم وهو مخالف للآية, وخالف الزكاة، فإن التعميم فيها لا يجب؛ والمشقَّةُ ممنوعةٌ في حقِّ الإمام، فإنه يأمر أُمَنَاءَهُ بضبط من في كل أقليم منهم. وَأَمَّا الأَخمَاسُ الأَرْبعَةُ، أي التي كانت له ﷺ في حياته، فَالأَظْهَرُ أَنهَا لِلْمُرتَزِقَةِ وَهُمْ الأجْنَادُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ، لعمل الأولين به، والثانى: أنها للمصالح كَخُمْسِ الخُمْسِ، والثالث: أنها تُقْسَمُ كما يُقْسَمُ الخُمس، فَيَضَعُ الِإمَامُ دِيْوَانًا, أيْ بكسر الدال، وهو الدَّفترُ الذي تُكتب فيه الأسماء، ويحصي فيه المرتزقة، وأصله دِوَّانٌ وسمي الكُتَّاب بذلك لحذقهم، لأنه بالفارسية أسمٌ للشياطين؛ وأول من وضعه في الإسلام عمرُ بن الخطاب ﵁ (٣٠١). وَينْصِبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ عَرِيْفًا، أيْ لِيَعْرُضَ عليه أحوالهم ويجمعهم عند الحاجة. ونصبه مستحبُّ، وَيَبْحَثُ عَن حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ وَعِيَالِهِ وَمَا يَكفِيْهِمْ فَيُعْطِيهِمْ كِفَايَتَهُمْ، ليتفرغ للجهاد، ولا يُفضَّل أحدًا منهم بشرفِ نَسبٍ أو سبقٍ في الإسلام أو الهجرة وسائر الخصال الْمُرْضِيَةِ، بل يستوُون كالإرث والغنيمة. وَيُقَدِّمُ في إِثبَاتِ الِاسمِ وَالِإِعْطَاءِ قُرَيْشًا، لشرفهم بالنبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَإِنَّه

стр. 1110

لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (٣٠٢) فسَّروا قَوْمَهُ بقريش. ولقوله ﷺ [قَدِّمُواْ قُرَيْشًا] رواه الشافعي بلاغًا (٣٠٣)، وَهُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، هو قولُ أكثر النسَّابين كما ادَّعاهُ الأستاذُ أبو منصور؛ لكن البيهقىَّ نسب إلى أكثر أهل العلم: أنَّهُمْ وَلَدُ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ؛ وَفِهْرٌ لقبٌ؛ لهُ واسمُهُ قُرَيْشٌ، وسُمُّوا قريشًا لَتَقَرُّشِهِمْ أي لِجَمْعِهِمْ على أحد الأقوال فيه (٣٠٤). وَيُقَدِّمُ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ، لأنه ﵊ منهم؛ ونسبُهم إلى هاشم بن عبد منافٍ. لأنه كان يهشمُ الثريدَ لقوم وغيرهم جُوْدًا واسمُهُ عَمْرو، وَالمُطَّلِبِ، لتسويته ﷺ بينهم كما سبق، ثُمَّ عَبْدِ شَمْسٍ، لأنهُ أخو هاشم لأبويه، ثُم نَوْفَلَ، لأنه أخوهُ لأبيه، ثُمَّ عَبْدِ الْعُزَّى، لأنهم أَصْهَارُ رسول الله ﷺ ، فإن خديجة ﵂ بنتُ خُوَيْلِد بن أسد بن عبد العزى ثم بعد عبد العزى بنو عبد الدار وهم أبناءُ قصي، ثُمَّ سَائِرَ الْبُطُونِ الأقرَبَ فَالَأقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لفضيلة القُرْبِ وقد أوضحتُ ذلك في الأصل، ثُمَّ الأنْصَارَ، لآثارهم الحميدة في الإسلام وهم الحيَّان الأوْسُ وَالخَزْرَجُ، ثُمَّ سَائِرَ الْعَرَبِ ثُمَّ العَجَمَ، لأن العربَ أقربُ إلى رسول الله ﷺ منهم وأشرفُ. وهذا الترتيبُ مستحبٌّ لا مستحقٌّ كما نقله الرافعي عن الأئمة وفيه نَظَرٌ.

стр. 1111

فَرْعٌ: لم يتعرض الأصحابُ لِلْمَوَالِي والْحُلَفَاءِ، وهل يحصل لهم التقدُّم بالتبعيَّة، لأن مَوْلَى القوم من أنفسهم (٣٠٥)؛ ولأن العادة في الشخص إذا أخذ يأخذ معه أتباعه فيه احتمال. وَلَا يُثْبِتُ لِي الدِّيوَانِ أَعْمَى وَلَا زَمِنًا وَلَا مَن لَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ، إذ لا كفاية فيهم. وإنما يُثْبِتُ أسماء الرجال المكلفين الأحرار الأقوياء المسلمين المستعدين للغزو، وَلَوْ مَرِضَ بَعْضُهُمْ أَو جُنَّ وَرُجِيَ زَوَالُهُ أُعْطِيَ، أي وإن طال لئلا يرغب الناس عن الجهاد ويقبلوا على الكسب، لأن هذه العوارِضَ لا تؤمن؛ وسواء المخوف وغيره كما قاله الماوردي، فَإنْ لَمْ يُرْجَ فَالأظْهَرُ أَنهُ يُعْطَى، لما قلناه، والثاني: لا، لما سيأتي، والإعطاءُ ها هنا أَوْلى مما سيأتي في زوجته وأولاده؛ ثم الخلافُ في حقِّه في المستقبل. أما الماضي، فقال في الكفاية: ينبغي أن يكون كما لو مات إذا قلنا بسقوطه في المستقبل. فَرْعٌ: إذا كان لا يُرجى زواله أُسقِطَ أسمُهُ من الديوان دون ما إذا رُجيَ، وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَأوْلَادُهُ إِذَا مَاتَ، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ الْمُجَاهِدُوْنَ بِالْكَسْبِ إِذَا عَلِمُواْ ضَيَاعَ عِيَالِهِمْ فَيَتَعَطلُ أَمْرُ الْجِهَادِ، والثاني: لا يُعطون؛ لأنهم ليسوا بمقاتلين، ولم يبقَ من كانوا تبعًا له، ووقعَ في الكفاية أن الرافعيَّ قال: إن هذا القول أظهرُ، وهو من طُغْيَانِ الْقَلَمِ فَالِّذِي فِيْهِ أَنَّ الأوَّلَ هُو الأظهرُ، وقوله (وَزَوْجَتُهُ) قَدْ يُفْهِمُ التوحيدَ وليس كذلك، فَتُعْطَى الزوْجَةُ حَتى تَنْكِحَ، أي وتستغني بزوجِها، فإن كان زوجُها الثَّاني من

стр. 1112

المرتزقة أيضًا قُرِّرَ لها كِفَايَتَهَا تبعًا له، وَالأَوْلَادُ حَتَّى يَسْتَقِلُّوْا، أي بالكسب إذا بلغوا ورغبوا في الجهاد فيثبتُ اسمهم في الديوان. فَرْعٌ: البنات يُرزقن إلى أن يُنْكَحْنَّ كالزوجة على ما اقتضاه كلام الوسيط. فَرْعٌ: استنبط بعضُ علماء العصر من هذه المسألة: أنَّ الفقيهَ؛ والمعيدَ؛ والمدرِّسَ؛ إذا عرض له مثل ذلك من مرضٍ أو موتٍ؛ وله زوجةٌ وأولادٌ؛ يكون حكمهم كذلك يُعطون من المال الَّذي كان يقوم به ليكون ترغيبًا للناس في الاشتغال بالعلم؛ وليس فيه تعطيلُ شرطِ الواقف فإن قصده تلك الصفة وقد حصلت مدَّةً من أبيهم والصرفُ لهم بعدَهُ بطريق التبَعِيَّةِ، ولو كان المعلوم زائدًا على كفايتهم فلا بأسَ بصرف ما زاد عليها إلى من يقوم بالوظيفة. فَإِنْ فَضَلَتِ الأَخمَاسُ الأربعَةُ عَنْ حَاجَاتِ الْمُرْتَزِقَةِ وُزِّعَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مُؤْنَتِهِمْ، كالمقرر لهم، فإذا كان لأحدهم مثلًا نصف ما للآخر، ولآخر ثلثه؛ أعطاهم بهذه النسبة، وَالأَصَحُّ أنهُ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ بَعْضُهُ في إِصْلَاح الثُّغُورِ وَالسِّلَاحِ وَالكُرَاعِ، أيْ وهُو الخَيْلُ إذا فَرَّعْنَا على الأظهر أنها للمرتزقة ليكون عدة لهم، ولا يقدح في ذلك كونها لهم، لأن ذلك يعودُ نَفْعُهُ عليهم، والثاني: المنعُ، بل يوزع كما سلف؛ وصحَّحَهُ في الكفاية. هَذَا حُكمُ مَنْقُولِ الْفَيءِ، فَأَمَّا عَقَارُهُ، أي وهو الدور والأراضى، فَالْمَذهَبُ أنهُ يُجْعَلُ وَقْفًا وَتُقْسَمُ غَلَّتُهُ كَذَلِكَ، أي في كل عامِ أبدًا لأنه أنفعُ لهم، قال الرافعى: وهذا هو الظاهرُ المرافقُ للنصِّ، وكذا عبارة الْمُحَرِّرِ: الظاهر بدل المذهب؛ وعبارة الرَّوضة: كالكتاب، وأفاد صاحب المطلب: أنَّ نَصَّهُ في موضع آخر من الأُمِّ يقتضى أنها لا تكون وقفًا بل مملوكةً لأهلها؛ ومقابلُ النص الأوَّلِ أوجهٌ؛ أحدها: أنها تصيرُ وقفًا بنفسِ الحصولِ، وثانيها: أنَّ المرادَ بالوقفِ الوقفُ عن التصرف لا الوقفَ الشَّرعيَّ، وثالثها: أنَّه يقسم كالمنقول؛ إلا ما جُعل للمصالح، فإنه لا يمكن قسمته استدامة للمصلحة، ووقع في الكفاية أن المصنِّفَ اختارَ هذا؛ وليس كما ذَكَرَ؛ بل

стр. 1113

صحَّحَ في تصحيحه وروضته ما في الكتاب؛ وهذا كله في الأخماس الأربعة، وأما الخُمس الباقي ففيه خلافٌ. وحاصلُ المذهبِ إلحاقُهُ به. فَصْلٌ: الْغَنِيْمَةُ: مَالٌ حَصَلَ مِنْ كفَّارٍ بِقِتَالٍ وَإِيْجَافٍ، أيْ سواءٌ حصل بقهرٍ أو انهزامٍ في قتالٍ قاله البغويُّ؛ وزاد المصنِّفُ في كتاب السِّيَرِ: المأخوذُ من أهل الحرب قهرًا غنيمةٌ وكذا ما أخذه جمعٌ أو واحدٌ من دار الحرب سرقةً أو وُجد كهيئة اللُّقَطَةِ في الأصحِّ، وسنوضحه في بابه إن شاء الله. وخرجَ بقوله (مَالٌ) الكلبُ الذي يجوز اقتناؤه، فإنه لا يكون غنيمة وقد ذكر المصنِّفُ حُكْمَهُ في كتاب السِّيَرِ أيضًا كما ستعرفُة، وهل يلحقُ بالكلبِ جلدُ الميتةِ؟ فيه احتمالان لصاحب المطلب، ودخل في المالِ النساءُ والصبيانُ، فإنهم يُرَقُّوْنَ بنفسِ الأسرِ بخلاف الرجال البالغين؛ فإن رِقَّهُمْ متوقفٌ على ضربِ الرِّقِّ. وما يأخذه الذميُّ من الحربىِّ لا يخمسُ، كما جزم به الرافعي في كلامه على الأصحِّ معلّلًا بأن الخُمس حق يجب على المسلمين كالزكاة. والواو في قوله (وَإِيْجَافِ) بمعنى أوْ. ثم إنَّ المصنف جرى على الغالب وقصدَ التَّبَرُّكَ بالكتاب العزيز، وإلا فالقتالُ ليس شرطًا فإنَّ الصَّفيْنِ لو التقيا فانهزم الكفار من غير شهر سلاح؛ فما تركوه غنيمة كما قال الإمام، ويدخل في الإيجافِ إيجافُ الخيل والرِّكَابِ وما حصل بالرجالة وأصحاب السفن في البحر. فَرْعٌ: المال الذي فُدِىَ الأسيرُ به إذا استولى المسلمون عليه هل يردُّ؛ إلى الأسير أو يكون غنيمةً؟ فيه وجهان؛ وظاهرُ كلام الأصحابِ الأَوَّلُ؛ كما قاله الأَصْبَحِيُّ من فُقهاء اليَمَنِ. فَرْعٌ: قال القفَّال في فتاويه: مقابرُ أهل الحرب تُغنم وتُقْسَمُ بين الغانمين وتطرحُ جِيَفُهُمْ في موضع لأنه لا حرمة لها، فَيُقَدَّمُ مِنْهُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ، أي المسلم حُرًّا كان أو عبدا، صبيًّا كان أو بالغًا، رجلًا كان أو امرأةً، لأنَّ حقهُ متعلقٌ بعينهِ وسابقٌ على الإغتِنَامِ قال ﷺ : [مَنْ قَتَلَ قَتِيْلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ] متفق عليه (٣٠٦).

стр. 1114

فَرْعٌ: لو أعرضَ مستحقُّ السلب عنهُ لم يسقطْ حقُّهُ منه على الأصح، لأنه متعينٌ له. وَهُوَ، أي السلبُ، ثِيَابُ الْقَتِيْلِ، وَالْخُفُّ، وَالرَّانُ، وَآلَاتُ الْحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلَاحٍ وَمَرْكُوبٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، لثبوتِ يدِهِ على ذلك كله، وكذا لو كان ممسكًا عنان مركوبه وهر يقاتل راجلًا، ومن السلب أيضًا المهمازُ ومِقْوَدُ الدابة والرانُ -بِرَاء مهملة ثم ألف ثم نون- كالخُفِّ لكن لا قَدم له وهو أطول من الخفِّ، وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ وَنَفَقَةٌ مَعَهُ وَجَنِيْبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الأًظْهَرِ، لأنها مسلوبةٌ ومأخوذةٌ من يده، وطمعُ القاتل يميل (•) إلى جميع ما في يدِهِ، والْجَنِيْبَةُ قد يُحتاج إليها فهي كمركوبهِ الَّذي أمسكه بعنانه وهو يقاتل راجلًا؛ والثاني: أنها ليست سلبًا كأمتعته وثيابه المخلفة في خيمته، وقوله (وَنَفَقَةٌ مَعَهُ) يحترزُ بها عن النفقة التي خلفها في رحله، ولعلَّهُ يحترزُ به أيضًا عمَّا إذا كانت النفقة في الحقيبة فإنه لا يستحقها كما سيأتي، وقوله (وَجَنِيْبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ) احترزَ به عن الجنائب التي أُعدتْ لأن تجنُب وعما إذا كان يحمل عليها ثقله، فإنه لا يستحقها، وَالْجَنِيْبَةٌ الْمَجْنُوْبَةُ فَعِيْلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُوْلَةٌ، لأنهُ يجنبها أو تجنب معه بين يديه. فَرْعٌ: الخلاف جارٍ أيضًا في الطَّوق والهميانِ الذي فيه النفقة. فَرْعٌ: إذا قلنا بأنَّ الجنيبةَ سلبٌ استحَقَّ واحدةً لعدم الضبط وفيه نظرٌ. لَا حَقِيْبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى الْفَرَسِ، أي وفيها أقمشةٌ أو دنانيرُ، عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنها ليست من لباسه ولا حُلِيِّهِ ولا حُلِىِّ فرسه، والطريقُ الثاني: طردُ الخلاف كما في الجنيبة بجامع توقع الحاجة في المال، والحَقِيبةُ -بفتح الحاء وكسر القاف-: ما شُدَّ خلف الراكب، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ، يعني السلبُ، بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ في حَالِ الْحَرْبِ، فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ أَوْ مِنَ الصَّفِّ أوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيْرًا قَتَلَهُ

стр. 1115

وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ فَلاَ سَلَبَ، لأنه في مقابله ارتكابُ الخطرِ والتغريرِ بالنَّفْسِ في القتل وهو منتفٍ هُنا، وقوله (مِنَ الصَّفِّ) عبارةُ الْمُحَرَّرِ: من وراءِ الصَّفِّ، وكتبها المصنَّفُ بخطهِ ثم ضربَ على لفظةِ وراءَ لأن مسألة الْمُحَرَّرِ تُؤخذ من الكتاب من باب أَولى، وَكِفَايَةُ شَرِّهِ أَنْ يُزِيْلَ امْتِنَاعَهُ بِأَن يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، أيْ لا قطعَ يدٍ أو رِجلٍ، وعبارة الْمُحَرَّرِ: أَنْ يقتلَهُ أو يُزيلَ امتناعَهُ، وكان المصنِّفُ كتبَ بخطه كما في الْمُحَرَّرِ ثم ضربَ على قولِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ، لأنه يؤخذُ من باب أَولى، وَكَذَا لَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ، أما فى الأسر فلأنَّهُ أبلغُ من القتل، وأما في القطع فكما لو فَقَأَ عينيه، والثاني: لا، أما في الأسر فلأَنَّ شرَّهُ كلهُ لا يندفعُ به، وأما في الباقى فلأنَّهُ قد يقاتلُ راكباً بعد قطع الرجلين بيديه، وبعد قطع اليدين قد يهربُ ويجمعُ القوم. والخلافُ جارٍ أيضاً فيما لو قطعَ يداً ورجلاً، وصحَّحَ الإِمامُ طريقة في المسألة قد لا يجوزُ غيرها، وهو تنزيلُ النَّصَّيْنِ على حالين، فحيث قال لَهُ أراد به إذا أَزْمَنَهُ بحيث لم يبقَ فيه قتالٌ. وحيث قال: ليسَ لَهُ أرادَ به إذا لم يسقطْ قتالُهُ بذلك، لأنَّ الإِزْمَانَ يختلفُ باختلاف الأشخاص وكذا قاله الماورديُّ. فَرْعٌ: إذا قتله بعد أسره لا يستحق سلبه، لأنه منهيٌّ عن قتله، وإلا استحق فى الأصح قاله الرافعيُّ، وقال الماورديُّ: إن كانت الحربُ قائمةً فله سلبه، وإلا فوجهان، وفي جواز انفراده بقتله نظر لصاحب المطلب فإن الْخِيَرَةَ للإمام. فَرْعٌ: لو كان الكافر المقتول امرأةً أو صبياً، فإن لم يُقاتل لم يستحق سلبه، لأنه منهيٌّ عن قتله وإلا استحقَّ في الأصح، والعبدُ كالصبيِّ. وَلاَ يُخَمَّسُ السَّلَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لأنه ﵊ [قَضَى بِهِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يُخَمِّسْهُ] رواه أبو داود وصححه ابن حبان وفي صحيح مسلم معناه (٣٠٧).

стр. 1116

والثاني: يخمسُ كسائر أموال الغنيمة فيدفع خُمُسَهُ إلى أهل الْخُمُسِ والباقي للقاتل. فَرْعٌ: هل يستحق سهم الغنيمة مع السلب؟ فيه وجهان في الحاوي أحدهما: وهو ظاهر النص المنع. والثاني: أنه إنما يتحقق تَتِمَّةَ السهم إن نقص السلب عنه، وَبَعْدَ السَّلَبِ تُخرَجُ مُؤنَةُ الْحِفْظِ وَالنَّقْلِ وَغَيْرِهِمَا، للاحتياج إلى ذلك، ثُمَّ يُخَمَّسُ الْبَاقِي، أى إلى خمسةِ أسهم متساوية ويؤخذ خمسُ رقاعٍ ويكتبُ على واحدة للهِ أو للمصالحِ وعلى أربعٍ لِلْغَانِمِيْنَ، وتدرجُ في بنادق من طينٍ أو شمعٍ متساويةٍ ويجفِّفها، ويخرجُ لكلِّ قسم رقعة، فما خرج عليه سهم لله جعله بين أهل الخمس على الخمسة ويقسم الباقي بين الغانمين كما سيأتي، وتقدَّم القسمة بين الغانمين على قسمة الخمس لأنهم حاضرون ومحصورون، وتستحبُّ قسمة الغنيمة في دار الحرب ويكرَهُ تأخيرها بغير عذرٍ، فَخُمُسُهُ لأَهْلِ خُمْسِ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ، بينهم، كَمَا سَبَقَ، أي في الفئ أنه يقسم على خمسة أسهم، وَالأَصَحُّ أَنَّ النَّفْلَ، أي بفتح النون والفاء وإسكانها، يَكُون مِن خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِح، لما رَوَى الشافعيُّ عن مالك عن أبي الزناد أنه سمع سعيد بن المسيّبِ يقولُ: كان الناسُ يعطونَ النَّفْلَ مِنَ الخُمْسِ أي من خُمْسِ الخُمْسِ. وهذا ما نصَّ عليه في الأُمِّ (٣٠٨) أيضاً , والثاني: أنه من أصل الغنيمة ويجعل ذلك كأجرة الكيَّال ونحوها ثم يقسم الباقى. والثالث: أنه من الأخماس الأربعة، إِنْ نَفَلَ مَا سَيُغْنَمُ فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الْحَاصِلِ عِنْدَهُ، أي الخلاف المذكور إنما هو إذا نفل من الغنيمة، فإنه يجوز أن ينفل مما سَيُغْنَمُ ويؤخذُ من الكفار في هذا القتال، فحينئذٍ فيذكر جزءٌ كثلثٍ أو ربع وغيرهما، ويحتمل فيه الجهالة ويجوز أن ينفّل من مال المصالح المرصد لبيت المال كما ذَكَرَهُ لأنه من المصالحِ، وحينئذ يشترط أن يكون معلوماً؛ فإنه جُعَالَةٌ ولا

стр. 1117

ضرورة إلى احتمال الجهلِ في الْجُعْلِ ثم لا يختصُّ بالحاصل به إذ ذاك، بل يجوز أن يُعطى ما يتحدد (•) فيه، وقوله (إِنْ نَفَلَ) يجوز فيه التشديد إذا عدَّيتهُ إلى إثنين، والتخفيفُ إذا عدَّيتهُ إلى واحدٍ وبالتخفيف ضَبَطَهُ المصنِّفُ بخطه فكتب عليه خف. لأن معناه جَعْلُ النَّفْلِ، قال في المحكم: نَفَّلَهُ نَفْلاً وَأَنْفَلَهُ إِيَّاهُ وَنَفَلَهُ بالتخفيف. وَالنَّفَلُ، أي بفتح النون والفاء وإسكانها كما سلف، زِيَادَةٌ يَشْتَرِطُهَا الإِمَامُ أَوِ الأمِيْرُ لِمَنْ يَفْعَلْ مَا فِيْهِ نِكَايَةُ الْكُفَّارِ، أي نكاية زائدة على ما يفعله بقيَّةُ الجيش وكذا توقع ظفرٍ، وترك شرِّ؛ كالتقدُّم على الطليعة أو التَّهَجُّمِ على قلعةٍ أو الدلالة عليها، أو لحفظ مَكْمَنٍ أو تجسُّسِ حالٍ؛ وإنما يفعل ذلك إذا أَمَسَّتِ الحاجةُ إليه. وقوله (يَشْتَرِطُهَا الإِمَامُ أَوِ الأمِيْرُ) قد يُتوهم منه أنه لا بد من هذا الشرط؛ وذلك أحدُ قِسْمَى النفل؛ وهو ما يشرطه أولاً قبل الإقدام على ما يستحقُّ به النفلُ، والآخر ما يُنَفِّلُهُ لمن ظهر منه في الحرب مُبَارَزَةٌ وحُسْنُ إقْدَامٍ وأثرٌ محمودٌ فإنه يُزاد على سهمه من مال المصالح ما يليقُ بالحال، وَيَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ، أي بحسب قلَّةِ العمل وخطرِهِ، وقد صحَّ أنه ﵊ (نَفَّلَ الرُّبُعَ فِى الْبَدأَةِ وَالثُّلُثَ فِى الرَّجْعَةِ) (٣٠٩) وَالْبَدْأَةُ الَّتِي تَتَقَدَّمُ الْجَيْشَ. وَالرَّجْعَةُ الرَّاجِعَةُ، وقيل غير ذلك مما هو موضَّحٌ في تخريجي لأحاديث الرافعيِّ وأحاديث الوسيطِ، وهذا الفعلُ كان منه ﵊ لِرأْيٍ رَآهُ لا تقديراً.

стр. 1118

وَالأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَقَارُهَا وَمَنْقُولُهَا لِلْغَانِمِيْنَ، لإطلاق الآية والأخبارِ، وَهُمْ، أيِ الغانمون، مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ، أي وإن كان من أهلِ الكمال للأثر المشهور: (الْغَنِيْمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ) (٣١٠) واحترزتُ بقيد الكمال عن الصبيَّ والمرأةِ ونحوهما فإنهم يستحقُّون الرضخ دون السهم؛ كما سيأتي. وخرج بقوله (بِنِيَّةِ الْقِتَالِ) التَّاجر والمحترف وقد ذكره قريباً، وَلاَ شَيْءَ لِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، لما قلناهُ، وَفِيْمَا قَبْلَ حِيَازَةِ الْمَالِ، أي جمعه وضمه. وَجْهٌ، أى أنه يستحق لأنه لَحِقَ قبل تمام الاستيلاء، والأصحُّ المنعُ لعدم شهوده الوقعة، والخلاف راجعٌ إلى أن الغنيمة تُملك بانقضاءِ (•) الحرب أو به وبالحيازة، أما إذا حضر بعد حيازة المال فلا مشاركة قطعاً، وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ وَالْحِيَازَةِ فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ، كسائر الحقوق كذا أطلقوهُ وينبغي أن يقالَ على قولنا أنهم لا يملكون الغنيمة بالانقضاء والحيازة بل ملكوا بهما إن تملكوا أن ينتقلَ إلى ورثته حَقُّ التَّمَلُّكِ كما في الأخذ بالشُّفْعَةِ دون الملكِ، نبَّهَ على ذلك صاحبُ المطلب، وَكَذَا بَعْدَ الاِنْقِضَاءِ وَقَبْلَ الْحِيَازَةِ فِي الأَصَحِّ، الخلافُ مبنيٌّ على الخلاف السابق أنها تُملَّك بالانقضاء أو به وبالحيازة، وَلَوْ مَاتَ فى الْقِتَالِ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ لاَ شَيءَ لَهُ، أى بخلاف موت

стр. 1119

الفرس والحالةُ هذه؛ فإنه يستحقُّ سهمَ الفَرَسِ؛ لأن الفارس متبوعٌ فإذا ماتَ فاتَ الأصلُ والفرسُ تابعٌ، فإذا مات جاز أن يبقى سهمُه للمتبوع. والطريق الثانى: حكاية قولين فيهما وجه الاستحقاق شهودُه بعضَ الوقعةِ، ووجهُ المنعِ اعتبارُ آخِرِ القتال فإنه وقت الْخَطَرِ وَالظَّفَرِ، والطريق الثالث: إنْ حصلت الحيازةُ بذلك القتال ثَبَتَ الاستحقاقُ أو بقتالٍ جديدٍ فلا. فَرْعٌ: بعثَ الإمامُ جاسوساً، فغنمَ الجيشُ قبل رجوعه، شاركهم على أشبه الوجهين؛ لأنه فارقَهُم لمصلحتهم وخَاطَرَ بما هو أعظمُ من شهود الوَقْعَةِ. وَالأَظْهَرُ أَنَّ الأَجِيْرَ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِ وَحِفْظِ الأَمْتِعَةِ، وَالتَّاجِرَ وَالْمُحْتَرِفَ يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا قَاتَلُواْ، لشهودهم الوقعة، ووجهُ المنعِ أن القصد الحفظُ والتجارةُ دون الجهاد، واحترز بقوله (الأَجِيْرَ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِ) عن الأجيرِ للجهادِ، فإن صحَّحْنَا إجارته فلا سهمَ له قطعاً، قال الرافعيُّ: وينبغى طردُ الأقوالِ فيه، قُلْتُ: قد وَفَّى به القاضي والإمام فحكياهُ طريقةً، وأشارَ بقوله (لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِ) ما إذا كانت المدَّةُ معينةً، فإن لم يُعَيِّن مدَّةً كالخياطة ونحوها فلَهُ السَّهم قطعاً. وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلاَثَةٌ، للاتباع كما أخرجه الشيخان وأبو داود (٣١١). والمراد بالفارس هنا من حضرَ الوقعةَ وهو من أهلِ فرض القتال بفرس يقاتلُ عليه

стр. 1120

مهيَّئٍ للقتال قاتَلَ أمْ لاَ، وَلاَ يُعْطَى إِلَّا لِفَرَسِ وَاحدٍ، لأنه ﵊ لم يُعْطِ الزُّبيرَ إلاّ لفرسٍ واحدٍ وقد حضر يوم حنين بأَفْرَاسٍ، وقيل: يعطى لفرسين ولا يزاد (٣١٢)، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، أي كالبرذون وهو الذي أبواه عجميان. والهجينِ وهو مَنْ أبُوهُ عربيٌّ وأمُّهُ أعجميَّةٌ، والْمُقْرِفُ وهو عكسه، لأن الْكَرَّ وَالْفَرَّ يقعُ منها كلها ولا يضر تفاوتها كالرجال، لاَ لِبَعِيْرِ وَغَيْرِهِ، أى كالفيلِ والبغلِ والحمارِ؛ لأن هذه الدواب لا تصلحُ للحرب صلاحيَّةَ الخيل ولا يتأتَّى بها الْكَرُّ وَالْفَرُّ، وبهما تحصلُ النُّصْرَةُ غالباً، واسْتَأْنَسُوْا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية (٣١٣)، نعم يُعطى راكبُ هذه الدواب سهمَهُ ويرضخ لها ويفاوت بينها، وَلاَ يُعْطَى لِفَرَسٍ أَعْجَفَ، أي مهزولٍ، وَمَا لاَ غَنَاءَ فِيْهِ، لأنه لا فائدة فيه لأنه كَلٌّ (والغَنَاءُ مفتوح ممدود) وهو النَّفْعُ كذا رأيتُهُ بخطِّ مؤلِّفه مضبوطاً، وَفِي قَوْلٍ: يُعْطَى إنْ لَمْ يُعْلَمْ نَهْيُ الأَمِيْرِ عَنْ إِحْضَارِهِ، كالسَّهم للشيخ الكبير إذا حضرَ؛ والأظهرُ المنعُ، والفرقُ أن الشيخ يُنْتَفَعُ برأيِهِ ودعائه بخلافه، أما إذا عُلِمَ نهىُ الأمير عن إحضاره فلا سهمَ لهُ قطعاً، وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَالذّمَيُّ إِذَا حَضَرُواْ فَلَهُمُ الرَّضْخُ، للاتباع (٣١٤)؛

стр. 1121

وسواءٌ حضرَ العبدُ بإذن سيِّده؛ والصبيٌّ بإذن وليِّه؛ والمرأةُ بإذن زوجِها؛ أمْ بغير إذنهم. فَرْعٌ: الخُنثى المشكلُ كالمرأةِ. فَرْعٌ: المبعض هل يُرضخ له أو يُلحق بالْحُرِّ. فيه نظرٌ ولم أرَهُ منقولاً. تَنْبِيْةٌ: هذا الرضخ مستحقٌّ وقيل: مستحبٌّ، وَهُوَ دُوْنَ سَهْمٍ يَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي قَدْرِهِ، أي ولا يبلغ به سهم راجِل إن كان ممن يُرْضَخُ له راجلاً، وإن كان فارساً فكذا على الأصح قاله الماورديُّ في كتاب السَّيَرِ، وَمَحَلُّهُ الأَخْمَاسُ الأرْبَعَةُ فِي الأَظْهَرِ، لأنه سهمٌ من الغنيمة يستحقُّ بحضور الوقعة إلاّ أنه ناقصٌ، والثانى: من أصل الغنيمة كالْمُؤْنِ، والثالث: من خمس الخمس سهمُ المصالح، قُلْتُ: إِنَّما يُرْضَخُ لِذِمِّيٍّ حَضَرَ بِلاَ أُجْرَةٍ، وَبِإِذْنِ الإِمَامِ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أيْ فإنْ حضرَ بأُجرة فله الأُجرة فقط؛ لأنه أخذَ عن حضوره بَدَلاً فلا يقابَلُ ببدل آخر، وإن حضر بلا إذنٍ، فلا رضخ له، بل يُعَزِّرُهُ الإمامُ إذا رآه؛ ووجه مقابَلُ في الأُولى أنه ليس من أهل الموالاة، وجهُ مقابله في الثانية: أنه من سُكَّانِ دارِنَا. فَرْعٌ نَخْتِمُ بِهِ البَابَ: قال الجوينيُّ في التبصرة: أصولُ الكتاب والسنة والإجماع متطابقةٌ على تحريم وَطْءِ السَّرَارِي اللاَّتِي يُجْلَبْنَ اليومَ مِنَ الرُّوْمِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ؛ إلاّ أن ينتصب في المغانم من جهةِ الإمامِ من يُحْسِنُ قِسْمَتَهَا فيقسمها من غير حَيْفٍ وظُلْمٍ. وسبقه إلى ذلك القفال؛ فإني رأيتُ في فتاويه: أنه لا يحل وطؤُهُنَّ؛ ولا شراءُ العبدِ أيضاً لأجل عدم التخميس، اللهم إلاّ أن يأخذهما الكفارُ بعضهم من بعضٍ ثم يبيعونهما للمسلمين؛ فإنه يصحُّ لأن الخمسَ لا يجب على الكافر وهذا الذى قالاهُ

стр. 1122

جارٍ على المشهور من وجوب التخميس، أما على رأْي الغزاليِّ وإمَامِهِ: في أن ما أُخذ من الكفار على وجه الاختلاس أو السرقة يكونُ لآخِذِهِ؛ ولا يُخمس؛ فَلاَ، وهو ما ادَّعى الإمامُ في موضعٍ الإجماع عليه أعنِي أنه لا يخمس، وقال ابنُ الرفعةِ: إنه المشهورُ لكن الذى رجَّحَهُ الرافعيُّ وقال: إنه الموافقُ لإِيْرَادِ أكثرهم أنه غنيمةٌ.

стр. 1123

كِتَابُ قَسْمُ الْصَّدقَاتِ القَسْمُ: بِفَتْحِ الْقَافِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْقِسْمَةِ كما تَقَدَّمَ في الباب قبله، وجَمَعَ الصَّدَقَةَ لاِختِلاَفِ أَنْوَاعِهَا مِنْ مَاشِيَةٍ وَنَبَاتٍ وَنَقْدٍ وَغَيْرِها. والأصْلُ في الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣١٥). الفَقِيْرُ: مَنْ لاَ مَالَ لَهُ وَلاَ كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعاً مِنْ حَاجَتِهِ، أيْ كَمَنْ يحتاجُ كلَّ يوم إلى عشرة ولا يجد شيئاً أو يجدُ درهمين أو ثلاثة، وَلاَ يَمْنَعُ الْفَقْرُ مَسْكَنهُ وَثيَابُهُ، أي التي يلبسها لِلتَّجَمُّلِ، وكذا العبدُ الذي يحتاج إلى خدمته كما نقلهُ في الروضة عن ابن كج؛ خلافاً للإمام فيه، وفي المسكن ولو لم يكن له ذلك، واحتاج إلى شرائهما ومعه ما يشتريهما به؛ فالظاهرُ تخريجُهُ على ما لو كان عليه دَيْنٌ مستغرقٌ ومعه مالٌ، وقد أفتى البغويُّ فيه: بأنه لا يُعطى من سهم الفقراء حتى يَصْرِفَ ما عندَهُ إلى الدَّيْنِ، وفيه احتمال للرافعيِّ. فلو كان من عادته أن يسكنَ بالأُجرة؛ ولا ضرورة إلى شرائه مِلْكاً, فالظاهرُ أن ذلك القدرَ الذي معهُ يخرجُه عن حدِّ الفقرِ، لأنه يعدُّ في العُرف غنيًّا، وكذا الفقيهُ الذي يستغنى بسكنِ المَدَارِسِ ونحوه ما لم تَدْعُهُ ضرورةٌ إلى شراءِ مسكن، وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ، أي فله الأخذُ إلى أن يصل إليه؛ وفيه نظرٌ؛ لأنه يعدُّ غنيًّا، نعمْ: هو ظاهرٌ إذا لم يجد من يُقرضه وفيما دونهما بحثٌ للرافعىِّ وتَبِعَ فيه القاضي، وَالْمُؤَجَّلُ، أي لا يمنعُ الفقرُ أيضاً فيأخذ إلى أن يحِلَّ، وَكَسْبٌ لاَ

стр. 1124

يَلِيْقُ بِهِ، أى بحالِهِ ومُرُوْءَتِهِ؛ لأنه يُخِلُّ بمروءِتَهِ ولا تحتملُهُ النفوسُ، نَعَمْ: الأفضلُ الاكتسابُ قاله القاضي. وَلَوِ اشْتَغَلَ بِعِلْمٍ، أي شَرْعِيٍّ، وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ، فَفَقِيْرٌ، لأن تحصيله من فروض الكفايات، أما المعطلُ المعتكفُ في المدرسة والذي لا يتأتَّى منه التَّحصيلُ فلا تحلُّ لهما الزَّكَاةُ مع القدرة على الكسب. وَلَوِ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ، فَلاَ، لأن نفعَهُ قاصرٌ على نفسه وهو نفل بخلافٌ المشتغل بالعلم الشَّرْعِيَّ فإنه متعدٍّ إلى غيره وهو فرضُ كفايةٍ، وفي فتاوى القفال: أنَّ المشتغلَ بعبادةِ الله والصَّلاة آناءَ اللَّيل والنهارِ كالْمُتَفَفِّهِ في جوازِ الصَّرفِ إليه؛ لأنه مشتغلٌ بالطاعة، وإن كان قويًّا؛ قال: وأما غيرُ هذا؛ لا يجوزُ وإن كان صُوفِيًّا. وقال مرَّةً: صَرْفُ الزَّكَاةِ إِلَى الصُّوْفِيَّةِ فِى مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ لاَ يَجُوْزُ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الْكَسْبِ بِخِلاَفٍ الْمُتَفَقِّهَةِ؛ لأَنَّهُمْ لَوِ اشْتَغَلُوْا بِالْكَسْبِ فَاتَهُمُ الْعِلْمُ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيْهِ، أي في الفقير، الزَّمَانَةُ وَلاَ التَّعَفِّفُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجَدِيْدِ، لوجودِ الحاجة، والقديمُ: نَعَمْ: لأنهُ إذا لم يكُنْ زَمِناً يتمكَّنُ من نوع الاكتساب؛ وبالأوَّل قَطَعَ الْمُعْتَبَرُوْنَ. فَرْعٌ: إذا اشترطنا الزَّمَانَةَ ففي اشتراط العَمَى تردُّدٌ للإمام، لأن الزَّمِنَ البصيرَ قد يتأتى منهُ الحراسَةُ. وَالْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ قَرِيْبٍ أَوْ زَوْجٍ لَيْسَ فَقِيراً فِي الأصَحِّ، أي لا يُعطيان من سهمِ الفقراء كما عبَّر به الرافعىُّ في المُحَرَّرِ وَالشَّرْح للاستغناء. مما يَسْتحقَّانِهِ، وثانيهما: نعم، لاحتياجهما إلى غيرهما. وَالْمِسْكيْنُ: مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعاً مِنْ كفَايَتهِ وَلاَ يَكْفِيْهِ، أي بأن احتاج إلى عشرةٍ وعندَهُ سبعةٌ أو ثمانيةٌ؛ وكذا كفايةُ من تلزمُهُ نفقتُهُ. والمعتبرُ في كلِّ ذلك ما يليقُ بالحالِ مِن غير إسرافٍ ولا تَفْتِيْرٍ. وفي فتاوى ابن الصَّلاح: أن المسكينَ الذي لا يملكُ كفايَةَ سَنَةٍ.

стр. 1125

فَرْعٌ: لو كان لهُ عقارٌ ينقص دَخْلُهُ عن كفايِتِهِ فهو فقيرٌ أو مسكينٌ فيُعْطَى من الزَّكَاةِ تمامَها ولا يُكَلَّفُ بَيْعُهُ. ذكرَهُ في الروضة عن الْجُرجَانِيِّ وآخرينَ. فَرعٌ: إذا عرفتَ الفقير والمسكين؛ تبيَّنَ لك أنَّ الفقيرَ أشدُّ حالًا من المسكينِ وهو الصَّحيح وعَكَسَهُ أبو إسحاق المروزي وتَبِعَهُ القاضى، ولا يظهرُ لِلخلافِ فائدةً لها الزكاة، إنما تظهر في الوصيَّةِ، فيما إذا أوْصَى أو وَقَفَ أو نَذَرَ للفقراء دون المساكين أو بالعكس، وقد وَافَقَنَا ابنُ حزمٍ الظاهريّ في تفسيرِ الفقيرِ والمسكينِ؛ واستدلَّ بأن الألفاظَ أربعةٌ هما وَالغَنِيُّ وَالْمُوْسِرُ، فَالْمُوْسِرُ: مَنْ يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَتِهِ شَيءٌ، وَالْغَنِيُّ: مَنْ مَعَهُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ. وَالمِسْكِيْنُ: مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَم يَبْقَ إِلَّا الْفَقِيْرُ: فَهُرَ مَن لا مَالَ لَهُ أَصْلًا، وقال: إنَّ كل مُوْسِرٍ غنيٌّ ولا عكسَ، ويُرَدُّ عليه: أنَّ مَن معهُ ما يفضلُ عن قُوْتِ يومِهِ مُوْسِرٌ؛ لأنه يؤخذ في دَينِهِ وليس بغنيٍّ؛ لأنه يُعطى مِن الزَّكَاة. وَالعَامِل سَاع وَكَاتِبٌ وَقَاسِمٌ وَحَاشِرٌ يَجْمَعُ ذَوِي الأمْوَالِ، أيْ وعريفٌ وحافظُ الأموالِ، قال المسعوديُّ: وكذا الجنديُّ إنِ احْتِيْجَ إليه وكان على المشدُّ على الزكاة والحاشرُ اثنان أحدُهما هذا (•)، والثاني: من يجمعُ أهل السَّهمان، لا القَاضي وَالْوَالِي، أي والي الإقليم وكذا الإمام، بل رزقهم إذا لم يتطوعوا من خمس الخمس المرصَدِ للمصالح العامَّةِ؛ لأن عملَهم عامٌّ. فَرْعٌ: قال الشافعيُّ ﵀ فيما حكاهُ الْجُوْرِيُّ: ويأخذ السَّاعي من نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وذَكَرَ الْجُرجانِيُّ واستدلَّ بأنه أمينٌ. وَالْمُؤَلَّفَةُ: مَن أَسْلَمَ وَنيَّتُهُ ضَعِيْفَةٌ، أو لَهُ شَرَفٌ يُتَوَقَّعُ بإِعْطَائِهِ إِسْلَامُ غَيْرِهِ، وَالمَذهَبُ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣١٦)، واعْلَمْ أنهُ كان ينبغي إِبْدَالُ المذهبِ بالأظْهَرِ، فإن الذي في الرافعي حكايةُ قولين في الإعطاءِ
следующие страницы →